← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الحبل المتعارف. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]. وقال به من السلف: السُّدي. (١) وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، وابن عطية. (٢) الآية الثانية: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥]. وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، ومجاهد، وعروة بن الزبير. (٣) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وللسلف في الآية قول آخر: أن الحبل هنا بمعنى سلسلة الحديد: وقال به مجاهد، وقال قتادة: «قلادة من ودَع في عنقها». (٥) وجمع ابن جرير بين قولي السلف فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال هو حبل جمع من أنواع مختلفة ولذلك اختلف أهل التأويل في تأويله على النحو الذي ذكرنا ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول الراجز: ومسدٍ أُمرَّ من أيانق ... صُهْب عِتَاق ذات مخٍ زاهقِ (٦)

стр. 282

فجعل إمراره من شتى، وكذلك المسد الذي في جيد امرأة أبي لهب أمر من أشياء شتى، من ليف، وحديد، ولحاء، وجعل في عنقها طوقا كالقلادة من ودع، ومنه قول الأعشى: تُمْسِي فَيَصْرِفُ بَابُهَا مِنْ دونِها ... غَلقاً صَريف مَحالةِ الأمسادِ (١) يعني بالأمساد جمع مسد وهي الحبال» (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، قال ابن فارس: «الحاء والباء واللام، أصلٌ واحدٌ يدلُّ على امتداد الشيء، ثمّ يحمل عليه» (٣). الوجه الثاني: العهد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. وقال به من السلف ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، والربيع، وابن زيد، والضحاك، والسُّدي (٤)، والحسن، وعطاء (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «والمحمول عليه الحَبْل، وهو العهدُ» (٧)، وقال الراغب الأصفهاني: «ويقال للعهد حبلٌ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]» (٨).

стр. 283

الوجه الثالث: عرق في العنق. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني لأن الوجه في الآية مأخوذ من الحبل والوريد معاً، وأما الحبل هنا فهو لم يخرج عن أصله اللغوي وهو امتداد الشيء وهذا وصفٌ يصح على عرق العنق الذي هو الوريد، قال الراغب الأصفهاني: «والوَريدُ: عِرْقٌ يتصل بالكَبِد والقَلْب» (٣). الوجه الرابع: القرآن. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ويشهد له حديث زيد بن أرقم مرفوعا: «ألا وإني تارك فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله _ _ هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة» (٤) وقال به من السلف: ابن مسعود (٥)، وعلي (٦)، وقتادة، والضحاك، والسُّدي (٧). وللسلف في الآية أقوال أُخر هي: - أن حبل الله في الآية: هو الجماعة، وهو مروي عن ابن مسعود. - أن حبل الله في الآية: هو إخلاص التوحيد، وهو مروي عن أبي العالية.

стр. 284

- أن حبل الله في الآية: هو الإسلام، وهو مروي عن ابن زيد. - أن حبل الله في الآية: هو طاعته، وهو مروي عن الحسن. وأورد هذه الأقوال أو بعضها من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). وليس بين هذه الأقوال تضاد بل هي أقوال متقاربة وبينها تلازم في تفسير الآية فهي من اختلاف التنوع، قال ابن عطية بعد عرضه لأقوال السلف: «قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض» (٢)، وقال أبو حيان: «أقوالٌ للسلف يقرب بعضها من بعض» (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: الحبل المتعارف. دل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤].وقوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥].ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثاني: العهد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما دل عليه قول ابن فارس والراغب الأصفهاني. الوجه الثالث: عرق في العنق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 285

الوجه الرابع: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].وشهد له حديث زيد بن أرقم المتقدم، ومأخذه السياق القرآني. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الحجاب . باب الحجاب: قال ابن الجوزي: » الحجاب: الحاجز المانع من الإدراك. ويقال للأعمى: محجوب لأن بينه وبين الإدراك بالبصر مانعاً (١). وذكر أهل التفسير أن الحجاب في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: السور ، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. والثاني: الستر ، ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]، وفي الأحزاب: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والثالث: الجبل ، ومنه قوله تعالى في ص: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. والرابع: المنع ، ومنه قوله تعالى في المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] «. (٢) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: السُّور. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣)، ومجاهد، والسُّدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان،

стр. 286

وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن الحجاب في أصل اللغة هو المنع (٢)، ومن أسباب المنع بين أهل الجنة والنار ذلك السور بينهما، قال ابن جرير ﵀: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]، وبين الجنة والنار حجاب، يقول حاجز، وهو السور الذي ذكره الله تعالى؛ فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: الآية ١٣]» (٣). الوجه الثاني: الستر. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٥). وللسلف في الآية أقوال أخر: - أن الحجاب هنا من جدار، وقال به السُّدي. (٦) - أن الحجاب هنا الجبل، وهو مروي عن ابن عباس. (٧) والمراد هنا أن مريم اتخذت سترا من دون الناس، وماهية الستر من مبهمات القرآن وليس في البحث عنها كبير فائدة، قال الشنقيطي عن كلب أصحاب الكهف: «ففي القرآن العظيم أشياء

стр. 287

كثيرة، لم يبينها الله لنا ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه» (١). الآية الثانية قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقال به من السلف: عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك. (٢) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه ولازمه، لأن الستر سبب للحجاب ولازم له؛ قال ابن دُرَيد: «وكلُ شئٍ حَجَبَكَ فقد سترك، واحْتَجَبَت الشمسُ في السَّحابِ، إذا استترتْ فيه». (٤) الوجه الثالث: الجبل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. وقال به من السلف: ابن مسعود (٥)، وأبي بن كعب (٦)، وقتادة، وكعب. (٧) ومن المفسرين: البغوي، والقرطبي (٨). وتفسير الحجاب بالجبل في هذه الآية؛ وجه ضعيف من التفسير وهو من مرويات أهل الكتاب، وممن رده الزَّمخشري إذ يقول: «ومن بدع التفاسير: أن الحجاب جبل دون قاف مسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه». (٩)

стр. 288

وقال الألوسي: «وأياً ما كان؛ فما أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن كعب قال:» الحجاب هو حجاب من ياقوت أخضر، محيط بالخلائق، منه اخضرت السماء «، وما قيل إنه جبل دون قاف بسنة، تغرب الشمس وراءه، لا يخفى حاله، والناس في ثبوت جبل قاف بين مصدق ومكذب .. » (١). والصحيح في تفسير الحجاب في هذه الآية؛ استتار الشمس بالمغيب، ويدل عليه: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: «كنا نصلي مع النبي ﷺ المغرب إذا توارت بالحجاب». (٢) قال أبو السَّعادات الجزري: «باب الحاء مع الجيم: حجبَ، في حديث الصلاة حين توارت بالحجاب، الحجاب هاهنا: الأفق، يريد حين غابت الشمس في الأفق، واستترت به، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].» (٣) ما ذكره الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن إذ يقول: «﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. يعني الشمس إذا استترت بالمغيب». (٤) وقال به من المفسرين: القرطبي (٥)، والشوكاني (٦). ويتبين مما تقدم عدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، والصحيح أن الحجاب هنا بمعنى الستر، فيكون داخلاً في الوجه الثاني، والله أعلم.

стр. 289

الوجه الرابع: المنع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. واتفق السلف على معنى المنع في الآية، ثم اختلفوا في تحديد الممنوع: فقال قتادة، وأبو مليكة: «محجوبون عن كرامته». (١) وقال الحسن (٢)، وتبعه مالك، والشافعي: «محجوبون عن رؤية ربهم»، وعلى هذا عامة المفسرين. (٣) قال ابن جرير في الجمع بين قولي السلف: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال إن الله تعالى ذكره، أخبر عن هؤلاء القوم أنهم عن رؤيته محجوبون، ويحتمل أن يكون مرادا به الحجاب عن كرامته، وأن يكون مرادا به الحجاب عن ذلك كله، ولا دلالة في الآية تدل على أنه مراد بذلك الحجاب عن معنى منه دون معنى، ولا خبربه عن رسول الله ﷺ قامت حجته. فالصواب؛ أن يقال: هم محجوبون عن رؤيته، وعن كرامته؛ إذ كان الخبر عاما لا دلالة على خصوصه». (٤) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه الأصل اللغوي للفظ، قال ابن فارس: «الحاء والجيم والباء أصلٌ واحد، وهو المنع. يقال: حجبتُهُ عن كذا، أي منَعتُه» (٥).

стр. 290

تنبيه: لإن اختلف السلف في إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى في الآخرة من هذه الآية، فقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث متواترة في إثبات الرؤية (١)، ومنها حديث صهيب عن ﷺ قال: «ثم إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ، قال يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟، ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ». (٢)، وسيأتي للرؤية مزيد بيان في باب النظر إن شاء الله. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ثلاثة هي: الوجه الأول: السُّور. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، كما أشار إليه ابن جرير. الوجه الثاني: الستر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣].، ومأخذه تفسير الشيء بسببه ولازمه، لأن الستر سبب للحجاب ولازم له؛ كما تقدم من كلام ابن دريد مايدل عليه. الوجه الثالث: المنع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، ومأخذه الأصل اللغوي للفظ، كما نص عليه ابن فارس، وتم التدليل على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة من السنة الصحيحة. وأما الوجه الذي هو: الجبل. فقد مثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. وتقدمت الإشارة إلى من قال به من السلف والمفسرين، وتفنيد هذا الرأي وأن معتمده ماروي عن بني إسرائيل، وتم مناقشته وإثبات القول الصحيح في معنى الآية وأن الحجاب فيها داخل ضمت الوجه الثاني الذي هو الستر، ودعم هذا الرأي من السنة واللغة، وأقوال المفسرين، والله أعلم.

стр. 291

المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الحجر . باب الحجر: قال ابن الجوزي: «الحِجْر: يقال، ويراد به العقل، ويراد به الحرام. ويقال: حجّر القمر إذا صارت حوله دارة. وذكر بعض المفسرين أن الحجر في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: العقل ، ومنه قوله تعالى في الفجر: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]. والثاني: قرية ثمود ، ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]. والثالث: الحاجز ، ومنه قوله تعالى في الفرقان: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]. والرابع: الحرام ، ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، وفي الفرقان: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]. قيل في التفسير: تقول الملائكة للكفار: حرام محرم عليكم أن تدخلوا الجنة فعلى هذا هو من قول الملائكة. وقال ابن فارس: كان الرجل إذا لقي من يخافه في الشهر الحرام قال حِجْراً، أي: حرام عليك أذايَ، فإذا كان يوم القيامة ورأى المشركون الملائكة قالوا: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يظنون أن ذلك ينفعهم كما كان ينفعهم في الدنيا. فعلى هذا هو من قول المشركين». (١) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: العقل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن. (٢)

стр. 292

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «والعَقْل يسمَّى حِجْراً لأنّه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، كما سُمّي عَقْلاً تشبيهاً بالعِقال، قال الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]». (٢) الوجه الثاني: قرية ثمود (٣). ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]. وقال به من السلف: قتادة. (٤) ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ولتوضيح علاقة القرية بالباب، فإن نقطة الالتقاء بينهما هو الحجر المعروف، قال ابن فارس: «وَالحَجَر معروف، وأحسبُ أنَّ البابَ كلَّه محمولٌ عليه ومأخوذ منه، لشدَّته وصلابته» (٦)، فمأخذ الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة، واتضح هذا المأخذ جلياً من كلام الراغب الأصفهاني فقال: «وسُميَ ما أُحيطَ به الحجارة حِجراً، وبه سُمي الكعبةُ وديارُ ثمود». (٧)

стр. 293

الوجه الثالث: الحاجز. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وابن زيد. (١) ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم، لأن من لوازم الحجر الحجز. الوجه الرابع: الحرام. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسُّدي. (٣) ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]. اتفق السلف على أن المراد بالحِجر في الآية الحرام، ثم اختلفوا في تحديد القائل على نحو القولين اللذين ذكرهما ابن الجوزي: فذهب أبو سعيد الخدري، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي (٥)، والضحاك (٦)، إلى أن القائل هنا الملائكة.

стр. 294

وذهب عكرمة، وقتادة (١)، وابن جريج (٢)، إلى أن القائل هنا الكفار. وتبع المفسرون السلف في الاتفاق على الوجه، والاختلاف في عود الضمير؛ غير أن جمهور المفسرين يرجحون عوده على الملائكة؛ قال ابن كثير بعد إيراده للقول الثاني: «وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد لا سيما وقد نص الجمهور على خلافه» (٣). وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن الجوزي أمْيلُ إلى قول الجمهور، حيث اعتمده في تذكرة الأريب. (٤) ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم لأن كل محرم ممنوع، والمنع هو المعنى الأصلي للحجر في اللغة، قال ابن فارس: «حجر الحاء والجيم والراء أصلٌ واحد مطَّرد، وهو المنْع والإحاطة على الشيء». (٥) نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: العقل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما نص عليه ابن فارس. الوجه الثاني: قرية ثمود. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما سبق تحريره والتدليل عليه من كلام الراغب الأصفهاني. الوجه الثالث: الحاجز. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]، ومأخذه التفسير باللازم، لأن من لوازم الحجر الحجز. الوجه الرابع: الحرام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]، وتمت الإشارة إلى عود الضمير وأن الجمهور على عوده على الملائكة وإليه يميل ابن الجوزي، وأما مأخذ الوجه، فهو التفسير باللازم لأن كل محرم ممنوع، والمنع هو المعنى الأصلي للحجر في اللغة كما ذكره ابن فارس.

стр. 295

المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الحديث . باب الحديث قال ابن الجوزي: » الحديث والكلام واحد، وسمي الحديث حديثاً؛ لأنه يُحدث للمحدَّث خبراً لم يكن علمه. والحدوث: كون ما لم يكن. ورجل حَدُثٌ بضم الدال: حسن الحديث. وحَدَثٌ: بفتحها: طري السِّنِّ. وهو حِدْثُ نساءٍ بكسر الحاء: إذا كان يَتَحدَّثُ إليهنَّ. (١) وذكر بعض المفسرين أن الحديث في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: القرآن ، ومنه قوله تعالى في الطور: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، وفي المرسلات: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. والثاني: القصص ، ومنه قوله تعالى في الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر: ٢٣]. والثالث: العبرة ، ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنين: ٤٤]، وفي سبأ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]. والرابع: الخبر ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦] «. (٢) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: القرآن. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).

стр. 296

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وَالحديثُ مِنْ هذا، لأنّه كلامٌ يحْدُثُ منه الشيءُ بعدَ الشيء» (٢)، وقال الراغب الأصفهاني: «وكلُّ كلامٍ يبلغُ الإنسانَ من جهةِ السَّمعِ أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له: حديث .. وسمى تعالى كتابه حديثا فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]» (٣). الوجه الثاني: القصص. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [في الزمر: ٢٣]. ولم أقف على هذا القول في معنى الآية، غير أنني وجدت في سبب نزول سورة يوسف، ما أورده ابن الجوزي في زاد المسير: عن سعد بن أبي وقاص قال أنزل القرآن على رسول الله ﷺ ، فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ [يوسف: ١] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، فتلاه عليهم زمانا؛ فقالوا يا رسول الله لوحدثتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [في الزمر: ٢٣]» (٤). فلعل ابن الجوزي ﵀ أخذ هذامن سبب النزول، فنزَّل القصص منزل الحديث.

стр. 297

والوارد عن السلف أن الحديث في هذه الآية، هو القرآن؛ وممن قال به منهم: قتادة، وسعيد بن جبير، والسُّدي. (١) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم أن هذا الوجه داخل في الوجه الأول إذ الحديث هنا بمعنى القرآن. الوجه الثالث: العبرة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنين: ٤٤] وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم، لأن من لوازم الأحاديث هنا العبرة والعظة. الوجه الرابع: الخبر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]. واتفق

стр. 298

السلف على أن الحديث هنا بمعنى الخبر، ثم اختلفوا في تحديد المراد بالخبر (١): وممن قال به منهم: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبو العالية، عطاء، وابن زيد، والسُّدي (٢). وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بجزء المعنى، لأن الأخبار نوع وجزء من الأحاديث، وجائز أن يكون مأخذ الوجه التفسير بالمقارب لما بين الحديث والخبر من التقارب؛ قال أبو هلال العسكري: «ثم كثر استعمال اللفظين حتى سمي كلُ واحد منهما باسم الآخر، فقيل للحديث خبرٌ وللخبر حديثٌ». (٤) نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة ثلاثة وجوه ، هي: الوجه الأول: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤].وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه ابن فارس، والراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: العبرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنين: ٤٤].وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩].ومأخذه التفسير باللازم، وتفسير الشيء بسببه. الوجه الثالث: الخبر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٧٦]، ومأخذه التفسير بجزء المعنى، أو بالمعنى المقارب. وأما الوجه الذي هو: القصص . ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [في الزمر: ٢٣]. فقد تقدم أنني لم أجد من قال به، وتخريجه على أنه مستنبط من سبب نزول سورة يوسف، لكن هذه الآية تكون ضمن أمثلة الوجه الذي هو بمعنى القرآن.

стр. 299

المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الخاء . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الختم باب الختم قال ابن الجوزي: » الختم: الطبع بالخاتم. والمراد منه إحراز ما وراءه لئلا يخرج منه شيء، أو يصل إليه شيء من خارج. يقال: خاتِم، وخاتَمُ، وخاتامُ، وختَّام، وخَيتَام. وخِتامُ كل مشروب: آخره. وذكر بعض المفسرين أن الختم في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: الطبع . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وفي الجاثية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]. والثاني: الحفظ والربط . ومنه قوله تعالى في الشورى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، أي: يحفظه ويربطه. والثالث: المنع . ومنه قوله تعالى في يس: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]، أي: نمنعها الكلام. والرابع: الآخر . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وفي المطففين: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] «. (١) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: الطبع: ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧].

стр. 300

وقال به من السلف: ابن عباس ومجاهد والسُّدي وقتادة وأبو مالك غزوان الغفاري غزوان الغفاري (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس البغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقال بهذا المعنى من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذ هذا الوجه هو اللغة العربية، إذ هما متقاربان والطبع واحد من المعاني المشهورة للختم. تنبيه: قال ابن جرير: «وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٧].قول آخر: وهو أن الآية إخبار من اللَّه تعالى عن تكبرهم وإعراضم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق كما يقال: إن فلاناً لأصم عن هذا الكلام: إذا امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبراً، ثم أشار ابن جرير إلى رده إياه (٤). وقد دخل في هذه الآية ونحوها طائفتان هما: - القدرية (٥) القائلون بأن العبد يخلق فعل نفسه. - والجبرية (٦) القائلون بأن العبد مجبور على فعله فليس له مشيئة.

стр. 301

وصارت هاتان الطائفتان على طرفي نقيض ... وبينهما أمة الحق وجماعة الهدى أهل السنة والجماعة. ولم يزل أقطاب أهل السنة والجماعة يكفون المبتدع، ويبينون الحق ويوضحونه. ومن أولئك الذين ذادوا عن حياض السنة ابن القيم؛ إذ يقول عن هاتين الشبهتين: " وقد دخل في هذه الآيات ونحوها طائفتا القدرية والجبرية فحرفتها القدرية بأنواع من التحريف المبطل لمعانيها وما أريد منها - إلى أن قال - وتأمل قول النبي ﷺ : " ماضٍ فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك" (١)، كيف ذكر العدل في القضاء مع الحكم النافذ، وفي ذلك رد لقول الطائفتين القدرية والجبرية فإن العدل الذي لكمال قدرة الرب وعموم مشيئته، والعدل الذي أثبته الجبرية مناف للحكمة والرحمة لحقيقة العدل، والعدل الذي هو اسمه وصفته ونعته سبحانه خارج عن هذا وهذا ولم يعرفه إلا الرسل وأتباعهم" (٢). وقد نقل القرطبي إجماع الأمة على أن اللَّه قد وصف نفسه بالختم على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم (٣). ولما كان الزَّمخشري هو عمدة المعتزلة (٤) القدرية في التفسير فقد تأول هذه الآية تأويلات كلها تدور على ذات الشبهة والخروج بتفسيرها عن تفسير السلف .. وأن القول بقولهم يستلزم منه نسبة الظلم إلى اللَّه تعالى، وأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدل وضع الشيء في موضعه، وقف عليها الإمام ابن كثير ووقف مع الزَّمخشري هذه الوقفة إذ يقول:

стр. 302

" قلت: وقد أطنب الزَّمخشري (١) في تقرير ما رواه ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه، وكلها ضعيفة جداً وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله، لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى اللَّه عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقاً على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح فلو أحاط علماً بهذا لما قال ما قال واللَّه أعلم (٢). ويشهد للقول الصحيح حديث حذيفة عن رسول اللَّه ﷺ قال: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد، كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً .. " الحديث (٣). وقول القدرية في الآية هنا يخرج الوجه الذي قال به السلف ويخرج بتفسير الآية من الحقيقة إلى المجاز وعلى هذا تدور تفاسيرهم وتأويلاتهم واللَّه أعلم. ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]. الوجه الثاني: الحفظ والربط. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤].

стр. 303

وقال به من السلف: مجاهد (١) ومقاتل (٢). ومن المفسرين: الواحدي، والنسفي (٣) ولم يذكرا غيره. وحيث إن هذا الوجه مخالف لسياق الآية وللغة العربية فقد رده ابن القيم ﵀ من وجوه: «أحدها: أن هذا جواب للكفار وتكذيب لهم لقولهم إن محمداً كذب على اللَّه وافترى عليه هذا القرآن فأجابهم بأحسن جواب، وهو أن اللَّه قادر لا يعجزه شيء، فلو كان كما تقولون لختم على قلبه فلا يمكنه أن يأتي بشيء منه. الثاني: أن الربط على قلبه بالصبر على أذاهم لا يكون فيه رد لقولهم. الثالث: أن الربط على قلب العبد لا يقال له ختم على قلبه، ولا يعرف هذا في عرف المخاطب، ولا لغة العرب ولا هو المعهود في القرآن. الرابع: حيث يحكي سبحانه أقوالهم بأنه افتراه لا يجيبهم هذا الجواب، بل يجيبهم بأنه لو افتراه لم يملكوا له من اللَّه شيئاً بل كان يأخذه ولا يقدرون على تخليصه. الخامس: أنه لا دلالة في سياق الآية على الصبر بوجه» (٤). وفي الآية وجه آخر: وهو القول بالطبع. وقال به من السلف قتادة والسُّدي (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، وابن كثير (٦). وهذا هو القول الصحيح لموافقته السياق القرآني واللغة العربية ولتضمنه الرد على قول الكفار في أول الآية " أم يقولون افتراه ". وأما الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٧) فقد أوردوا المعنيين معاً.

стр. 304

ويتبين مما تقدم أن الوجه الصحيح في الآية هو الطبع، وأن الوجه الذي أورده ابن الجوزي وجه ضعيف من التفسير لمخالفته للسياق واللغة العربية، وقد تقدم رد ابن القيم له. تنبيه: قال ابن الجوزي عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]. فيه قولان: أحدهما: يختم على قلبك فينسيك القرآن قاله قتادة. والثاني: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يشق عليك قولهم: إنك مفتر قاله مقاتل، والزَّجَّاج (١). فنقله هنا ﵀ يشعر باختيار الزَّجَّاج له مع أن الزَّجَّاج اختار القولين معاً الطبع، والربط إذ يقول: " معناه فإن يشأ اللَّه ينسك ما أتاك، كذلك قال قتادة ويجوز ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، يربط على قلبك بالصبر على أذاهم وعلى قولهم " (٢). الوجه الثالث: المنع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]. وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان (٣). وهذا الوجه في الحقيقة عائد إلى الوجه الأول - الطبع - إذ إن المنع من لوازم الختم فلا يكون له دلالة مستقلة ولأن الطبع لا يكون إلا بعد بلوغ آخره من الأحراز كما أشار إليه ابن فارس فيما تقدم. وأما تفسير السلف لهذه الآية، فقد ورد عن أبي موسى الأشعري والشعبي وقتادة (٤)، والسُّدي (٥) تفسيرها بالختم. وذكر الختم من المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٦).

стр. 305

فعند النظر في تفسيرهم للآية يلاحظ أنهم يطلقون الختم على الطبع، وبينهما تقارب بيّن في اللغة، والمنع لازم لهما فيكون الختم والطبع شيئاً واحداً مترابطاً، لا يكاد ينفك عن بعضه البعض، وعليه يدل كلام السلف والمفسرين في الوجهين الأول والثالث. ويتبين مماتقدم أن من فسر الآية بالمنع هنا إنما فسرها باللازم وأما ما عليه السلف وعامة المفسرين فإنهم لم يفرقوا بين الختم والطبع، فيكون هذا الوجه داخلاً في الوجه الأول لأنه من لوازمه فلا ينفك عنه. الوجه الرابع: الآخر. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقال به من السلف قتادة (١). ويشهد له حديث جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان كل من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع اللبنة فأنا موضع اللبنة فختم بي الأنبياء " (٢). وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير (٣) الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]. أي آخر شرابهم يختم بمسك يجعل فيه. وقال به من السلف: أبو الدرداء وابن عباس (٤) وقتادة والضحاك وإبراهيم النخعي والحسن (٥).

стр. 306

ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآيتين، كما فسره السلف والمفسرون ومأخذ ابن الجوزي له أن الآخر هو المعنى الأصلي للفظ الختم في لغة العرب. والله أعلم. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الوجوه الأربعة وجهان فقط وهما: الأول: الطبع: ودل عليه قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، وقوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة. وتم إيراد قول القدرية في الآية الأولى والرد عليه ومناقشته من كلام أئمة السلف. الثاني: آخر الشيء: ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وفي المطففين: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، ومأخذه المعنى الأصلي للفظ في اللغة. وأما الوجهان الآخران فقد تقدم ضعف الوجه الذي هو الربط ورد ابن القيم ﵀ له لمخالفته السياق القرآني واللغة العربية وأما الوجه الذي هو المنع فقد تقدم من الكلام أنه من لوازم الطبع والختم وأن المنع هو استكمال الطبع واستحكامه فلا ينفصل عنه وبهذا يعود المنع إلى الطبع واللَّه أعلم. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الخزائن . باب الخزائن قال ابن الجوزي: «الخزائن: جمع خزانة، وهو البيت الذي يحفظ فيه المدخر والمختار من المال. (٢)

стр. 307

وذكر أهل التفسير أن الخزائن في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: المفاتيح . ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]. والثاني: النبوة . ومنه قوله تعالى في ص: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]. والثالث: المطر والنبات . ومنه قوله تعالى في الطور: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]. والرابع: خزائن مصر . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]. وقد ألحق بعضهم وجهاً خامساً فقال: والخزائن: الغيوب. ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١]، أي: غيوب اللَّه». (١) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: المفاتيح. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]. وقال به من المفسرين: البغوي، والقرطبي (٢). وللسلف في الآية قول آخر وهو: المطر، وقال به منهم: أبو هريرة (٣)، وابن مسعود (٤)، وابن عباس (٥). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي (٦).

стр. 308

والاختلاف بين القولين من قبيل اختلاف التنوع، فالخزائن، مفاتيح المطر، وهو تفسير بالمثال لعامة الأرزاق التي ينزلها الله تعالى، ويدل على اتفاق القولين قول القرطبي بعد إيراده لهما: «والمعنى واحد». (١) وأما كون تحديد المطر تفسيراً بالمثال فلأن الله تعالى ذكر لفظاً عاما، فيشمل كل شيء، كما دل عليه تفسير ابن كثير للآية فقال: « .. وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف». (٢) ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخزانة المفاتيح. الوجه الثاني: النبوة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن النبوة مثال للخزائن، وليست هي الخزائن كلها. الوجه الثالث: المطر والنبات. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤). ومن المفسرين: القرطبي (٥). وللسلف في الآية قول آخر: وهو النبوة وهو مروي عن عكرمة. (٦) وليس بينهما تعارض فكلا التفسيرين من قبيل التفسير بالمثال للخزائن.

стр. 309

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن المطر والنبات مثال للخزائن، وليست هي الخزائن كلها. الوجه الرابع: خزائن مصر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]. وقال بمعناه من السلف: ابن زيد. (١) ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، لأن مشهد القصة جميعه في أرض مصر وسياق القصة يدل على أن الأرض هنا هي أرض مصر. وأما ما نسبه ابن الجوزي لبعضهم من: وجه خامس: غيوب اللَّه . واستدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١]. فقد وجدته عند البغوي فقال: «وقيل: إنهم لما قالوا لنوح: إن الذين آمنوا بك إنما اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم، قال نوح مجيبا لهم: لا أقول لكم عندي خزائن غيوب الله التي يعلم منها ما يضمر الناس، ولا أعلم الغيب فأعلم ما يسرونه في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم». (٣) وليس يخفى ضعف هذا الوجه في معنى الآية، لأن الله تعالى صرح بالغيب بعد الخزائن في نفس الآية، فيلزم من هذا تكرار الحديث عن الغيب، والتأسيس أولى من التكرار والمعنى هو ماذكره المفسرون: الغنى والنعمة. (٤) نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: المفاتيح. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخزانة المفاتيح. الوجه الثاني: النبوة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن النبوة مثال للخزائن، وليست هي الخزائن كلها الوجه الثالث: المطر والنبات. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]. ومأخذه التفسير بالمثال، لأن المطر والنبات مثال للخزائن، وليست هي الخزائن كلها الوجه الرابع: خزائن مصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، ومأخذه السياق القرآني، لأن مشهد القصة جميعه في أرض مصر. وأما الوجه الذي ذكره ابن الجوزي عن بعضهم: من وجه خامس: واستدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١]. فقد تقدم أنه عند البغوي، وهو وجه ضعيف من التفسير، لأن الله تعالى صرح بالغيب بعد الخزائن في الآية نفسها، فيلزم من هذا تكرار الحديث عن الغيب، والتأسيس أولى من التكرار.

стр. 310

المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الخزي . باب الخزي قال ابن الجوزي: «روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: الخزي: الإهانة. وقال ابن السكيت: خَزِي يَخْزَى خِزْياً: إذا وقع في بَليَّة (٥). وقال الزَّجَّاج: المُخزَى في اللغة: المُذلُّ المحقُورُ بأمرٍ قد لزمه بحجة، يقال: أخْزَيتَهُ أي: ألزمته حُجَّةً أذللتُه بها (١). وقال ابن فارس: معنى الخزي: الإبعادُ والمقت. وخَزِي الرجل: استحيى خِزَاية، فهو خَزْيان (٢). وذكر أهل التفسير أن الخزي في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: الذل والهوان . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وفي يونس: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٩٨]، وفي النحل: ﴿الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]، وفي الحشر: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. والثاني: الفضيحة . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨]، وفي الحجر: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]. والثالث: العذاب . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦]، وفي الشعراء: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، وفي الزمر: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزمر: ٢٦]، وفي التحريم: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨]. والرابع: القتل والجلاء . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥]، أراد القتل والجلاء لبني قريظة والنضير وهم يهود المدينة. وفي الحج: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩]، وهو النضر بن الحارث، وخزيه كان القتل ببدر». (٣) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: الذل والهوان.

стр. 311

ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٩٨]. وقال به من المفسرين: ابن جرير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (٣). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، والقرطبي (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخزي الذل والهوان، ويجوز أن يكون تفسيرا بالمثال لأن الذل والهوان مثالان للخزي الوجه الثاني: الفضيحة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨]. وقال به من السلف: السُّدي (٥). وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (٦). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]. وقال به من المفسرين: السمعاني، والسعدي (٧).

стр. 312

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه، التفسير بالمثال، لأن الفضيحة مثال ونوع من أنواع الخزي. الوجه الثالث: العذاب. ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]. ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ثم يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرة وغَبرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون؛ فأيُ خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذِيخٍ مُتَلَطِّخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار». (٢) وقال به من المفسرين: ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير (٣). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزمر: ٢٦]. وقال به من المفسرين: البغوي، وابن عطية، وابن كثير (٤). الآية الرابعة: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨]. وقال به من المفسرين: البغوي، والواحدي، والقرطبي (٥).

стр. 313

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه، التفسير بالمثال، لأن العذاب مثال ونوع من أنواع الخزي. الوجه الرابع: القتل والجلاء. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبوحيان (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩]. وقال به من السلف: ابن جريج (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه ٠ التفسير بالمثال، لأن القتل والجلاء، مثال ونوع من أنواع الخزي. تنبيه: بعد عرض هذه الوجوه ومن قال بها فإنه يحسن التنبيه إلى أمرين: الأول: أن هذه اللفظة يتنازعها مصدران في اللغة، فهي دائرة بين، من وقع في بَليَّة فيُذَل ويُحقر، وبين الحياء والانكسار؛ قال في القاموس: «خَزِيَ: كَرَضِيَ، خِزْياً، بالكسر، وخَزىً: وقَعَ في بَلِيَّةٍ وشُهْرَةٍ فَذَلَّ بذلك، كاخْزَوَى. وأخْزاهُ الله: فَضَحَهُ. ومن كلامِهِمْ لِمَنْ أتَى بِمُسْتَحْسَنٍ: مالَهُ أخْزاهُ الله، ورُبَّمَا حَذَفُوا مالَهُ. والخَزْيَةُ، ويُكْسَرُ: البَلِيَّةُ. وخَزِيَ أيضاً خَزَايَةً وخَزىً، بالقصر: اسْتَحْيا، والنَّعْتُ: خَزْيانُ» (٤).

стр. 314

وقد أبرز المفسرون هذا الفرق في المواضع التي تقدم عرضها، وممن جمع بين هذين ابن عطية إذ قال: «والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، خَزِيَ الرجل يخزى خِزْياً، إذا افتضح، وخَزَاية إذا استحيى، الفعل واحد، والمصدر مختلف» (١). الثاني: أن معنى الخزي واسع، ويدخل فيه كل شيء يعاقب لأجله أو يعاتب، فإن كان سببه عظيما فهو الفضيحةِ الهادمة لقدر المرء والعذاب والطرد والإذلال، وإن كان سببه أمراً طبيعياً فهو الجالب للحياء، وبهذا يتفق معنى المصدرين، ويتكامل. والخزي في جميع الوجوه السابقة، لم يخرج عن هذين المعنيين، غير أن السياق القرآني، وموضوع الآيات التي درج فيها الخزي، يتحدد من خلالها الوجه الذي أشار إليه ابن الجوزي، وإن كان الأكثر في القرآن وروده بمعنى الفضيحة والعقوبة ونحو ذلك من عبارات المفسرين كقول القرطبي ﵀ عند قوله تعالى: «﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] أي لا تعذبنا، ولا تهلكنا، ولا تفضحنا، ولا تهنا، ولا تبعدنا، ولا تمقتنا يوم القيامة» (٢) وقال أبو حيان عند قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥]، والخزي هنا، الفضيحة، والعقوبة، والقصاص فيمن قتل، أو ضرب الجزية غابر الدهر، أو قتل قريضة وإجلاء بني النظير من منازلهم، أو غلبة العدو، أقوال خمسة ولا يتأتى القول بالجزية ولا الجلاء إلا إن حملنا الآية على الذين كانوا معاصري رسول الله ﷺ والأولى أن يكون المراد، هو الذم العظيم، والتحقير البالغ من غير تخصيص» (٣). وبهذ ايتبين أن جميع الوجوه في هذا الباب، هي تفسير بالمثال للخزي، ويحدد نوعية المثال السياق الذي هو فيه.

стр. 315

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: الذل والهوان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقوله تعالى: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٩٨].وقوله تعالى: ﴿الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧].وقوله تعالى: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخزي الذل والهوان، ويجوز أن يكون تفسيرا بالمثال لأن الذل والهوان مثالان للخزي. الوجه الثاني: الفضيحة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩]. الوجه الثالث: العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧].وشهد له حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم، وقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزمر: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨]. الوجه الرابع: القتل والجلاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥]. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج: ٩].ومأخذ جميع الوجوه الأربعة التفسير بالمثال، لأن الذل والهوان، والفضيحة، والعذاب، والقتل والجلاء، أمثلة للخزي، وقد تقدم التدليل على عموم لفظ الخزي وأن السياق يحدد المثال ونص القرطبي وأبو حيان على هذه الأمثلة. المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الخشوع . باب الخشوع قال ابن الجوزي: «الخشوع والخضوع يتقاربان يقال: خشع إذا اطمأن. وقيل: أصل الخشوع: اللين والسُّهولة (١).

стр. 316

وذكر بعض المفسرين أن الخشوع في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: الذل . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠]، وفي سأل سائل: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٣]. والثاني: سكون الجوارح . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، وفي حم السجدة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]. والثالث: الخوف . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. والرابع: التواضع . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]». (١) دراسة الوجه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الذل. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠]. وقال به من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيَّان (٢). وللسلف في الآية قول آخر: أن الخشوع بمعنى السكون، قال به ابن عباس (٣)، والسُّدي (٤). وليس بين الوجه وتفسير السلف تعارض، بل كلاهما لازمان من لوازم الخشوع في موقف العرض. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٣]. وقال به من المفسرين: البغوي، وابن عطية، والقرطبي (٥).

стр. 317

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخشوع التي لا تنفك عنه الذل. الوجه الثاني: سكون الجوارح. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]. وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم النخعي، والزهري (١). ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية قول آخر، وهو أن الخشوع هنا بمعنى الخوف، وقال به منهم: ابن عباس والحسن، وقتادة (٣). وليس بين قولي السف تعارض بل كل منهما تفسير للخشوع بلازم من لوازمه. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]. ومن الواضح هنا أن ظاهر الآية يرد الوجه الذي وردت فيه فلا يكون هذا مثالا صحيحا لسكون الجوارح. وأما تفسير الخشوع المنسوب للأرض في هذه الآية، فهو، أنها غبراء مُتشَهِبَة لا نبات فيها، وهو قول قتادة، والسُّدي (٤). وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).

стр. 318

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية الأولى، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن سكون الجوارح مثال على الخشوع وليس هو الخشوع أجمعه، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، لأن سكون الجوارح جزء من معاني الخشوع، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من جوالب الخشوع سكون الجوارح. وأما: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]. فقد تقدم أن معنى الخشوع هنا بعيد كل البعد عن سكون الجوارح، ولو كان الوجه هو السكون لدخلت فيه الآية حيث جاء في الآية مايقابل السكون عند نزول المطر وهو الاهتزاز وأما تقييد الوجه بالجوارح فلا يدخل فيه المثال وحقه أن يستقل بوجه جديد، لاشتماله على معنى جديد وهو جدب الأرض، وعليه دل تفسير السلف والمفسرين كما تقدم. الوجه الثالث: الخوف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال به من السلف: مجاهد (١)، وأبو العالية (٢)، ومقاتل (٣). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمة، لأن من لوازم الخشوع الخوف، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الخشوع الخوف. الوجه الرابع: التواضع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].

стр. 319

وقال به من السلف: مقاتل بن حيان (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخشوع التواضع. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأربعة، وزيادة وجه جديد خامس ؛ فالوجوه الأربعة هي: الوجه الأول: الذل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٣]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمة، لأن من لوازم الخشوع التي لا تنفك عنه الذل. الوجه الثاني: سكون الجوارح. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]. ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه. الوجه الثالث: الخوف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الخشوع الخوف. الوجه الرابع: التواضع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخشوع التواضع. وأما المثال الثاني من الوجه الثاني وهو: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]. فقد تقدم أنه غير داخل في الوجه الثاني وأنه بالنظر إلى تفسير السلف والمفسرين يكون وجها خامسا مستقلا على هذا النحو: الوجه الخامس: جدب الأرض. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩].

стр. 320

المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الدال . وهي كلمة الدار . باب الدار . قال ابن الجوزي: «الدَّار في التَّعارفِ: اسم لكل عرصَةٍ دارَ عليها البناء يَسْكُنها الإنسان. ثم يقال: لكل مكان حلّ به قوم: هو دارُهُم. ويقال للدهر: دَوَّارِيٌ، لأنه يدور بالناس حالاً عن حال، وأنشدوا للعجاج: أطَرَباً وأنتَ قَنَّسريُّ ... والدَّهر بالإنسان دَوَّارِيُّ (١) والدَّارِيُ: العطَّار. قال النبي ﷺ : «مثل الجليس الصالح، كمثل الدَّارِيِّ إن لم يُجدكَ من عطرهِ عَلِقَك من ريحه» (٢). والداري: الرجل المقيم في داره لا يكاد يبرحه. والدار: القبيلة. قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بخير دور الأنصار» (٣): أراد القبائل (٤). وذكر بعض المفسرين أن الدار في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: المنزل . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]. والثاني: الجنة . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. والثالث: جهنم . ومنه قوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
следующие страницы →