وذكر بعض المفسرين أن الخشوع في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الذل . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠]، وفي سأل سائل: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٣].
والثاني: سكون الجوارح . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، وفي حم السجدة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩].
والثالث: الخوف . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والرابع: التواضع . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]». (١)
دراسة الوجه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الذل.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠].
وقال به من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيَّان (٢).
وللسلف في الآية قول آخر:
أن الخشوع بمعنى السكون، قال به ابن عباس (٣)، والسُّدي (٤).
وليس بين الوجه وتفسير السلف تعارض، بل كلاهما لازمان من لوازم الخشوع في موقف العرض.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٣].
وقال به من المفسرين: البغوي، وابن عطية، والقرطبي (٥).
стр. 317
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخشوع التي لا تنفك عنه الذل.
الوجه الثاني: سكون الجوارح.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].
وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم النخعي، والزهري (١).
ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
وللسلف في الآية قول آخر، وهو أن الخشوع هنا بمعنى الخوف، وقال به منهم: ابن عباس والحسن، وقتادة (٣).
وليس بين قولي السف تعارض بل كل منهما تفسير للخشوع بلازم من لوازمه.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩].
ومن الواضح هنا أن ظاهر الآية يرد الوجه الذي وردت فيه فلا يكون هذا مثالا صحيحا لسكون الجوارح.
وأما تفسير الخشوع المنسوب للأرض في هذه الآية، فهو، أنها غبراء مُتشَهِبَة لا نبات فيها، وهو قول قتادة، والسُّدي (٤).
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
стр. 318
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية الأولى، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن سكون الجوارح مثال على الخشوع وليس هو الخشوع أجمعه، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، لأن سكون الجوارح جزء من معاني الخشوع، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من جوالب الخشوع سكون الجوارح.
وأما: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩].
فقد تقدم أن معنى الخشوع هنا بعيد كل البعد عن سكون الجوارح، ولو كان الوجه هو السكون لدخلت فيه الآية حيث جاء في الآية مايقابل السكون عند نزول المطر وهو الاهتزاز وأما تقييد الوجه بالجوارح فلا يدخل فيه المثال وحقه أن يستقل بوجه جديد، لاشتماله على معنى جديد وهو جدب الأرض، وعليه دل تفسير السلف والمفسرين كما تقدم.
الوجه الثالث: الخوف.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال به من السلف: مجاهد (١)، وأبو العالية (٢)، ومقاتل (٣).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمة، لأن من لوازم الخشوع الخوف، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الخشوع الخوف.
الوجه الرابع: التواضع.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
стр. 319
وقال به من السلف: مقاتل بن حيان (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخشوع التواضع.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأربعة، وزيادة وجه جديد خامس ؛
فالوجوه الأربعة هي:
الوجه الأول: الذل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [المعارج: ٤٣]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمة، لأن من لوازم الخشوع التي لا تنفك عنه الذل.
الوجه الثاني: سكون الجوارح. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].
ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه.
الوجه الثالث: الخوف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، ويجوز أيضا أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الخشوع الخوف.
الوجه الرابع: التواضع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم الخشوع التواضع.
وأما المثال الثاني من الوجه الثاني وهو: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]. فقد تقدم أنه غير داخل في الوجه الثاني وأنه بالنظر إلى تفسير السلف والمفسرين
يكون وجها خامسا مستقلا على هذا النحو:
الوجه الخامس: جدب الأرض. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩].
стр. 320
المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الدال .
وهي كلمة الدار .
باب الدار .
قال ابن الجوزي:
«الدَّار في التَّعارفِ: اسم لكل عرصَةٍ دارَ عليها البناء يَسْكُنها الإنسان. ثم يقال: لكل مكان حلّ به قوم: هو دارُهُم. ويقال للدهر: دَوَّارِيٌ، لأنه يدور بالناس حالاً عن حال، وأنشدوا للعجاج:
أطَرَباً وأنتَ قَنَّسريُّ ... والدَّهر بالإنسان دَوَّارِيُّ (١)
والدَّارِيُ: العطَّار. قال النبي ﷺ : «مثل الجليس الصالح، كمثل الدَّارِيِّ إن لم يُجدكَ من عطرهِ عَلِقَك من ريحه» (٢).
والداري: الرجل المقيم في داره لا يكاد يبرحه. والدار: القبيلة. قال النبي ﷺ : «ألا أنبئكم بخير دور الأنصار» (٣): أراد القبائل (٤).
وذكر بعض المفسرين أن الدار في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: المنزل . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١].
والثاني: الجنة . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].
والثالث: جهنم . ومنه قوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
стр. 321
والرابع: المدينة . ومنه قوله تعالى في الرعد: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: المنزل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١].
وقال به من المفسرين: أبو حيَّان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، وإنما لم يظهر وروده في كلام السلف وأكثر المفسرين لأنه ظاهر من الآية وسياقها، فلم يحتج إلى تفسير، ومأخذ هذا الوجه هو المعنى المشهور للدار في اللغة، قال الخليل: «والدّار: كلُّ موضعٍ حَلَّ به قومٌ فهو دارَهم» (٣)
الوجه الثاني: الجنة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي ونسبه لأكثر المفسرين والزَّمخشري، والقرطبي، أبو حيَّان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، لأن الآيات تعرض لحال المتقين في الدنيا ثم جزائهم في الآخرة الجنة.
الوجه الثالث: جهنم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨].
وقال به من السلف: ابن عباس (٥)، وابن زيد (٦).
стр. 322
ومن المفسرين: النَّحَّاس، والقرطبي، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: المدينة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١].
ومعنى كلام السلف يدل عليه، كما قال ابن عباس: «أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم» (٢).
وبنحوه عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن أبي نجيح.
فكلهم جعلوا الضمير المضمر للنبي ﷺ حيث هو المخاطب، وذهب الحسن البصري (٣) إلى عود الضمير المضمر على القارعة المتقدم ذكرها، وانتصر لهذا الأخير ابن كثير ورجحه بدلالة السياق (٤).
وقال بمعناه من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي ونسبه لأكثر المفسرين والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذ هذا الوجه هو المعنى المشهور للدار في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «الدار: المنزلُ اعتباراً بدَوَرَانها الذي لها بالحائطِ» (٦).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأربعة وهي:
الوجه الأول: المنزل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]، ومأخذ هذا الوجه هو المعنى المشهور للدار في اللغة، كما دل عليه كلام الخليل.
стр. 323
الوجه الثاني: الجنة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: جهنم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: المدينة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١].
ومأخذ هذا الوجه هو المعنى المشهور للدار في اللغة، كما يدل عليه قول الراغب الأصفهاني.
стр. 324
المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين .
وفيه مطلبان.
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة السفه .
باب السفه:
قال ابن الجوزي:
قال الزَّجَّاج: أصل السفه في اللغة: خِفَّةُ الحلم، يقال: ثوبٌ سَفِيه إذا كان رقيقاً بالياً (١). وقال ابن فارس: يقال تَسفَّهَتِ الريحُ الشجرَ: إذا مالت به (٢).
قال ذو الرمة:
فمادت كما مادت رماحٌ تسفَّهتْ ... أعَالِيَهَا مرُّ الرِّياح النَّواسِم (٣)
وذكر بعض المفسرين أن السفهاء في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الجهال . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣].
والثاني: اليهود . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقيل هم المنافقون.
والثالث: النساء والصبيان . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
والرابع: السفه الهلاك . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: أهلكها» (٤).
стр. 325
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الجهال.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣].
ومعنى كلام السلف يدل عليه، كقول زيد ابن أسلم: «يريدون أصحاب النبي ﵇ لمخالفتهم لهم» (١).
ونحوه عن ابن مسعود، وابن عباس، والربيع بن أنس، وزيد بن اسلم (٢)، وأبي العالية، والسُّدي (٣).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيئ بلازمه، لأن من لوازم السفه الجهل، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيئ بسببه، لأن من أسباب السفه الجهل.
الوجه الثاني: اليهود.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد (٥)، والحسن (٦).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧).
стр. 326
وللسلف في الآية قول آخر أشار إليه ابن الجوزي بقوله بعد هذه الآية: وقيل هم المنافقون.
وقال به من السلف: السُّدي. (١)
ومن المفسرين: ابن جرير، والقرطبي (٢).
وكلا القولين صحيح تحتمله الآية، قال ابن جرير قي قبول القولين معاً:
«القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، يعني بقوله جل ثناؤه، سيقول السفهاء، سيقول الجهال من الناس وهم اليهود وأهل النفاق
وإنما سماهم الله سفهاء لأنهم سفهوا الحق؛ فتجاهلت أحبار اليهود، وتعاظمت جهالهم، وأهل الغباء منهم عن اتباع محمد ﷺ ؛ إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحير المنافقون فتبلدوا» (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن اليهود مثال من أمثلة السفه، ويجوز أن يكون مأخذ هذا الوجه السياق القرآني لأن وصم السفه بمن سألوا عن تحويل القبلة يدل على أنهم اليهود، وإلا فالسفه هنا لم يتحول عن الجهل (٤) الذي هو الوجه الأول، غير أن ابن الجوزي نظر إلى لازم السفه في الوجه الأول، ونظر إلى السياق والمراد بالسفه في الوجه الثاني.
الوجه الثالث: النساء والصبيان.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
وقال به من السلف: ابن مسعود، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والسُّدي، وأبو مالك غزوان الغفاري. (٥)
ومن المفسرين: الفرَّاء، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو
стр. 327
حيَّان، وابن كثير (١).
وللسلف في الآية أقوال أخر هي:
أن السفهاء في الآية هم: الصبيان خاصة، وقال به أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وابن زيد، وأبو مالك غزوان الغفاري.
أن السفهاء في الآية: النساء خاصة، وقال به ابن عمر، مجاهد، والحسن، والضحاك. (٢)
أن السفهاء في الآية: اليتامى، وقال به سعيد بن المسيب.
أن السفهاء في الآية: الخدم، وقال به أبو هريرة. (٣)
وليس هناك تعارض بين هذه الأقوال، بل هي كلها أمثلة فسر بها السلف الآية، قال ابن جرير في ترجيح عموم هذه الأقوال وغيرها في تفسير هذه الآية:
«قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، فلم يخصص سفيها دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيها ماله، صبيا صغيرا كان، أو رجلا كبيرا ذكرا كان أو أنثى، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق الحجرَ بتضييعه ماله، وفساده وإفساده وسوء تدبيره ذلك.
وإنما قلنا ما قلنا، من أن المعني بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، هو من وصفنا دون غيره، لأن الله - جل ثناؤه - قال في الآية التي تتلوها ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، [النساء: ٦]، فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح، وأونس منهم الرشد، وقد يدخل في اليتامى الذكور والإناث، فلم يخصص بالأمر بدفع مالهم من الأموال الذكور دون الإناث ولا الإناث دون الذكور، وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين أمر أولياؤهم بدفعهم أموالهم إليهم وأجيز للمسلمين مبايعتهم
стр. 328
ومعاملتهم، غير الذين أمر أولياؤهم بمنعهم أموالهم، وحظر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم، فإذا كان ذلك كذلك، فبين أن السفهاء الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم، هم المستحقون الحجر، والمستوجبون أن يولى عليهم أموالهم، وهم من وصفنا صفتهم قبل، وأن من عدا ذلك فغير سفيه لأن الحجر لا يستحقه من قد بلغ، وأونس رشده» (١).
تنبيه:
ضعّف ابن جرير قول ابن عمر، ومجاهد، والحسن، والضحاك. بأن السفهاء في الآية: النساء؛ فقال: «وأما قول من قال عنى بالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة على غير وجهها، وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فَعَيلا على فُعَلاء إلا في جمع الذكور أو الذكور والإناث، وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة، لا ذكران معهم جمعوه على فَعَائل وفَعِيلات، مثل غَرِيبة تجمع غَرَائب، وغَرِيبات فأما الغُرَباء؛ فجمع غَرِيب» (٢).
وتبعه في هذا النَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي (٣).
ومعلوم أن أولئك السلف، لم يفسروا كتاب الله تعالى على خلاف اللغة العربية، وأنى لمثلهم أن يخطئ الفصحى، ويستدرك عليه من بعده.
قال أبو إسحاق الزَّجَّاج في تصحيح مذهب السلف: « .. وقال بعضهم: السفهاء اليتامى، والسفهاء: يدل على أنه لا يعني به النساء وحدهن، لأن النساء أكثر مايستعمل فيهنَّ جمع سفيهة، وهو: سفائه، ويجوز: سُفَهَاء كما يقال: فقيرة، وفقراء» (٤).
وقال أبو حيَّان: بعد عرضه لرد ابن عطية لقول السلف هذا: «ونقلوا أن العرب جمعت سَفِيهة على سُفَهَاء، فهذا اللفظ قد قالته العرب للمؤنث، فلا يضعف قول مجاهد» (٥).
ويتبين مماتقدم صحة الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن النساء والصبيان أمثلة من السفه المراد، وإلا فهو أعم كما تعددت الأمثلة عند السلف فيما تقدم.
стр. 329
الوجه الرابع: الهلاك.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
ومعنى كلام السلف يدل عليه، كقول ابن عباس: «خسر نفسه» (١).
وذكر نحوه ابن زيد (٢).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مماتقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته.
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأربعة وهي:
الوجه الأول: الجهال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، ومأخذه تفسير الشيئ بلازمه، لأن من لوازم السفه الجهل، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيئ بسببه، لأن من أسباب السفه الجهل.
الوجه الثاني: اليهود. ودل عليه قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن اليهود مثال من أمثلة السفه، ويجوز أن يكون مأخذ هذا الوجه السياق القرآني لأن وصم السفه بمن سألوا عن تحويل القبلة يدل على أنهم اليهود والمنافقون
الوجه الثالث: النساء والصبيان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وتم التنبيه على تضعيف ابن جرير وبعض من بعده قول من قال إن المراد النساء خاصة في الآية من جهة اللغة، وتم الرد على هذا من كلام الزَّجَّاج وأبي حيان.
ومأخذ هذا الوجه هو التفسير بالمثال لأن النساء والصبيان أمثلة للسفه المراد، وإلا فهو أعم كما تعددت الأمثلة عند السلف فيما تقدم.
стр. 330
الوجه الرابع: الهلاك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، ومأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة السلوك .
باب السلوك
قال ابن الجوزي:
» السلوك: الدخول ويستعار في مواضع تدل عليها القرينة، وذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الدخول . ومنه قوله تعالى في المدثر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢].
والثاني: الجعل . ومنه قوله تعالى في الجن: ﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧].
والثالث: التكليف . ومنه قوله تعالى في الجن: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، أي: يكلفه أن يصعد عقبة في النار.
والرابع: الترك . ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢]، أي: نترك في قلوبهم الكفر. وقيل: ندخل التكذيب في قلوبهم فيكون من القسم الأول. ومثله في الشعراء: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] «(١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الدخول.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢].
وقال به من المفسرين: البغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم السلوك الدخول، وجائز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، لأن الدخول جزء من معنى السلوك؛
стр. 331
قال ابن فارس: «السين واللام والكاف: أصلٌ يدلُّ على نفوذ شئٍ في شئ» (١)، فالسلوك دخول شيئ في شيء، والدخول منه.
الوجه الثاني: الجعل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧].
ومعنى كلام السلف يدل عليه، كقول ابن عباس: «هي معقبات من الملائكة، يحفظون النبي ﷺ من الشيطان، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم»، ونحوه عن إبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة (٢).
وتبع السلفَ المفسرون في تفسير الآية، ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب لأن الجعل داخل في معاني الأفعال كلها ومنها السلوك، قال الراغب الأصفهاني: «جَعَلَ: لفظٌ عام في الأفعال كلها، وهو أعمُّ من فَعَلَ وصَنَعَ، وسائر أخواتها» (٤)، هذا وقد أيد الوجه في معنى الآية ابن قتيبة فقال: «وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ أي يجعل بين يديه وخلفه رصدا من الملائكة، يحوطون الوحي من أن تسترقَهُ الشياطين فتلقيه إلى الكهنة، حتى تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء؛ فلا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق، ولا يكون للأنبياء دلالة» (٥).
الوجه الثالث: التكليف.
ومنه قوله تعالى في الجن: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧].
стр. 332
وقال به الكلبي (١)، وابن قتيبة (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن السلوك في الآية هو الدخول في مشقة من العذاب يصعد فيها (٣) ولا يقع من الكافر إلا على سبيل التكليف وحملِه عليه عُنوة، ويؤيد هذا ما ذكره أبو جعفر النَّحَّاس عن الأصمعي قال: «أسْلَكَهُ:
حَمَلَهُ على أن يَسْلُك» (٤).
الوجه الرابع: الترك.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢]،
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠]
ولم أقف على من قال بهذا المعنى في تفسير الآيتين، وقد أشار ابن الجوزي إلى قول آخر وهو أن السلوك في الآيتين بمعنى الدخول، وهذا القول هو الذي قاله ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥)، وبهذا يعود هذا الوجه إلى الوجه الأول .
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ثلاثة هي:
الوجه الأول: الدخول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، وتفسير الشيئ بجزء معناه في اللغة. كما دل عليه كلام ابن فارس.
стр. 333
الوجه الثاني: الجعل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]، ومأخذه التفسير بالمقارب لأن الجعل داخل في معاني الأفعال كلها ومنها السلوك، كما دل عليه كلام ابن قتيبة، والراغب.
الوجه الثالث: التكليف.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن السلوك هو الدخول في مشقة من العذاب يصعد فيها ولا يقع من الكافر إلى على سبيل التكليف وحملِه عليه عُنوة، ويؤيد هذا ما ذكره الأصمعي.
وأما الوجه الرابع: وهو الترك فقد تقدم أنني لم أقف على من قال بتفسير الآيتين به وأن الذي عليه عامة المفسرين ماذكره ابن الجوزي من قول آخر: أن السلوك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] هو الدخول؛ فيكون بهذا داخلا في الوجه الأول.
стр. 334
المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الشين .
وهي كلمة الشيطان .
باب الشيطان
قال ابن الجوزي:
«الشيطان: اسم لكل متمرد.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كل غالب متمرد من الجن والإنس والدواب فهو شيطان (١). واختلف العلماء هل نون الشيطان أصلية أم زائدة على قولين:
أحدهما: أن النون فيه أصلية كأنه من شطن، أي: بعد. يقال من ذلك: شطنت داره أي: بعدت. وقذفته نوى شطون. قال أمية بن أبي الصلت في صفة سليمان ﵇:
أَيُّما شاطنٍ عَصَاهُ عَكاهُ ... ورماهُ في القَيد والأغلالِ (٢)
ومعنى عكاه: أوثقه. فهذا يدل على أن النون أصلية فتكون على "فيعال" فعلى هذا القول فإنه مأخوذ من شطن وفي تسميته بذلك قولان:
أحدهما: أنه سمي شيطاناً لبعده عن الخير .
والثاني: لبعد غوره في الشر .
والقول الثاني: أن النون فيه زائدة فيكون من شاط يشيط إذا ذهب وهلك. وأنشدوا من ذلك:
وقد يَشِيطُ على أَرْماحِنا البَطَلُ (٣)
فعلى هذا سمي بذلك، لأنه هالك بالمعصية التي تؤول به إلى الهلاك. (٤)
стр. 335
وذكر بعض المفسرين أن الشيطان في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الكاهن . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وقيل: هم رؤساؤهم في الكفر.
والثاني: الطاغي من الجن والإنس . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وفيها: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].
والثالث: الحية . ومنه قوله تعالى في الصافات: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥].
والرابع: أمية بن خلف . ومنه قوله تعالى في الفرقان: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩]، وقيل: أريد بالشيطان هاهنا أبو جهل. وبالإنسان عقبة بن أبي معيط» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الكاهن.
ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وقيل: هم رؤساؤهم في الكفر.
وقال به من السلف: ابن عباس (٢)، والضحاك، والكلبي. (٣)
ومن المفسرين: البغوي، وابن عطية، والقرطبي ونسباه إلى جمع من المفسرين، وأبو حيَّان (٤).
وللسلف في الآية قول آخر أشار إليه ابن الجوزي: وهو أن المراد بالشيطان في الآية رؤساء الكفر وقال به منهم: ابن مسعود، وابن عباس، وناس من أصحاب رسول الله ﵇، ومجاهد، والربيع، وقتادة، ومرة الهمْداني (٥)، وأبو العالية، والسُّدي (٦).
стр. 336
وليس بين القولين تعارض لأن كلاً منهم ذكر مثالأ للشياطين في الآية؛ فيصح القول بهما معا.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الكاهن مثال للشياطين في الآية وليس استيعابا لجميع المعنى.
الوجه الثاني: الطاغي من الجن والإنس.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].
ويشهد له حديث أبي ذر قال دخلت المسجد ورسول الله ﷺ فيه؛ فجئت فجلست إليه فقال: «يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس. قلت: أوَ للإنس شياطين؟ قال نعم». (١)
وقال به من السلف: السُّدي (٢)، وأبو مالك غزوان الغفاري، وقتادة (٣)، والضحاك، ومجاهد، والحسن (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقال به من السلف: ابن عباس، وعكرمة (٦).
стр. 337
ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (١).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الشيطان الطغيان، ويجوز أن يكون الوجه مثالا من أمثلة الشيطان فيكون تفسيرا بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذ الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما أشار ابن الجوزي لقول أبي عبيدة معمر بن المثنى: كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب فهو شيطان». (٢)
الوجه الثالث: الحية.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥].
وقال به المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. وقيل إنّه أراد الحيّات: وذلك أنّ الحيّةَ تسمَّى شيطاناً» (٤).
الوجه الرابع: أمية بن خلف.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩].
ولم أقف على من قال به في هذا المعنى وإنما جاء ذكر أمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط عند أكثر المفسرين في سبب نزول الآية، وأن المراد بالظالم عقبة، وبفلان أمية بن خلف، وليس يصح الوجه في الشيطان هنا لأمور:
стр. 338
- أن هذا تعيين للمبهم بلا دليل، وليس في تعيين ما أبهمه الله تعالى فائدة، قال الشنقيطي: «ففي القرآن العظيم أشياء كثيرةلم يبينها الله لنا ولا رسوله ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه». (١)
وقال ابن عثيمين عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧]، «ولم يعين الله القرية؛ فلا حاجة إلى أن نبحث عن هذه القرية، بل نقول، قرية أبهمها الله فنبهمها. (٢)
- ذهب ابن الجوزي، وابن كثير، والزَّركشي، والسيوطي، والشنقيطي (٣)، إلى أن قوله تعالى: «﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩] هو من كلام الله تعالى، وانتهى قبله قول الظالم وهو عقبة بن أبي معيط.
والشيطان في الآية هنا هو: إبليس.
وقال به من السلف: خُصيف (٤).
وأيده من المفسرين: أبو السعود واستفاده من معنى الخذلان فقال: «أنه أراد بالشيطان إبليس؛ لأنه الذي حمله على مخالّة المضلين، ومخالفة الرسول الهادي ﷺ بوسوسته وإغوائه، لكن وصفه بالخذلان يشعر بأنه كان يعده في الدنيا، ويمنيه بأن ينفعه في الاخرة، وهو أوفق بحال إبليس» (٥)، وممن رجح هذا القول الشنقيطي وفسره بآيتين من كتاب الله؛ فقال: «﴿وَكَان
стр. 339
الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩]، الأظهر أنه من كلام الله وليس من كلام الكافر .. ومن الآيات الدالة على أن الشيطان يخذل الإنسان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨].
وتبعه في رأيه وتفسيره لآية الفرقان بآية إبراهيم السعدي، وأورد هذا القول الكلبي، والرازي، والزَّمخشري، والبيضاوي، والشوكاني (١).
ويتبين مما تقدم أن الوجه الرابع: إبليس. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، وقد بلغ من الشهرة أن كتب المعاجم اللغوية حين تأتي له تقول: «والشيطان معروف» (٢).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه ثلاثة وهي:
الوجه الأول: الكاهن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الكاهن مثال للشياطين في الآية.
الوجه الثاني: الطاغي من الجن والإنس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢].وقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وشهد له حديث أبي ذر المتقدم، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس.
الوجه الثالث: الحية. ودل عليه بقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما قال ابن فارس.
стр. 340
وأما الوجه الذي ذكره ابن الجوزي وهو: أمية ابن خلف، ومثل له بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩].
فقد تقدم أنه تعيين ليس عليه دليل، وأن سبب النزول متعلق في أول الآية، وأن هذا الجزء منها هو من كلام الله تعالى غير متعلق بما قبله ومر ذكر من قال به من العلماء، وأن الصحيح في معنى الشيطان أنه إبليس وهو قول أبي السعود والشنقيطي والسعدي.
فيكون الوجه الرابع: إبليس. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩].ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة.
стр. 341
المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف العين . وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة العفو .
باب العفو:
قال ابن الجوزي:
«العفو: يقال ويراد به الصَّفح. ومنه عفو اللَّه تعالى عن عبده. ويقال ويراد به: زوال الأثر. يقال: عَفَتِ الديارُ، إذا غطى التراب أثرَها فخَفِيَتْ.
قال ابن فارس: والعفو: حلال المال وطيّبُه. والعُفاةَ: طُلاّب المعروف، وأعطيته عَفْوًا من غير مسألة .. وعَفَاهُ واعتفاه: إذا طلب ما عنده. وعَفُو المال: فاضله عن النفقة (١).
وذكر أهل التفسير أن العفو في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الصفح والمغفرة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وفي براءة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [براءة: ٤٣].
والثاني: الترك . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أراد: ترك المهر. وهذا قريب من معنى الأول.
والثالث: الفاضل من المال . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وفي الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
والرابع: الكثرة. ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أي: كثروا، قاله: أبو عبيدة (٢)» (٣).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الصفح والمغفرة.
стр. 342
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
وقال به من السلف: الحسن، وسعيد بن جبير (١)، وابن جريج، وابن زيد (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [براءة: ٤٣].
ومعنى كلام السلف يدل عليه، كقول ابن عباس: «لم يعرف المنافقين يومئذٍ» (٤) حيث بين ابن عباس، أن سبب اعتذاره لهم ﵇ أنه لم يعرفهم.
وقول عون: «أخبره بالعفو قبل الذنب» (٥).
ومن المفسرين: وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٦).
تنبيه:
أساء الزَّمخشري الأدب مع النبي ﷺ في تفسيره قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [براءة: ٤]. فقال: «كناية عن الجناية؛ لأن العفو رادف لها، ومعناه أخطأت، وبئس ما فعلت ولمَ أذنت لهم؟. بيان لما كنى عنه بالعفو، ومعناه: مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم وهلا استأنيت بالإذن» (٧).
стр. 343
وأين هذا من قول سفيان بن عيينة: «انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يعيّره بالذنب» (١)، وقول عون: «هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟!. نداءٌ بالعفو قبل المعاتبة فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [براءة: ٤٣]» (٢).
وقال أبو حيَّان: «وكلام الزَّمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [براءة: ٤٣]، مما يجب اطّراحه، فضلاً عن أن يذكر فيردُّ عليه».
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «العَفْو: عَفْو الله تعالى عن خَلْقه، وذلك تركُه إيّاهم فلا يعاقبُهم، فَضْلاً منه؛ قال الخليل: وكلُّ مَن استحقَّ عُقوبةً فتركْتَه فقد عفوتَ عنه، يقال عفا عنه يعفُو عَفْوًا، وهذا الذي قاله الخليل صحيح» (٣)، ويجوز أن يكون مأخذ هذا الوجه التفسير باللازم لأن من لوازم العفو الصفح والمغفرة.
الوجه الثاني: الترك.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والربيع، والحسن، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن المسيِّب، والشعبي، وشريح، ونافع، والسُّدي، وابن شهاب الزهري، ومقاتل بن حيان، ومحمد بن سيرين، وأبو صالح، وابن زيد، وسفيان بن عيينة (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
стр. 344
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى الأصلي للفظ في اللغة، قال ابن فارس: «العين والفاء والحرف المعتلّ: أصلان يدلُّ أحدهما على تركِ الشئ، والآخر على طَلَبِه، ثم يرجع إليه فروعٌ كثيرة لا تتفاوَتُ في المعنى» (١)، وفي عبارته الأخيرة دلالة على قرب هذا الوجه من الذي قبله، كما أشار إليه ابن الجوزي، إذ أن الصفح والمغفرة تركٌ للأخذ بالذنب ونزول من العدل إلى العفو، وهو كذلك هنا فحق المطلقة النصف؛ فإن عفت تركته لمطلقها.
الوجه الثالث: الفاضل من المال.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
وشهد له حديث جابر قال: أعتق رجل من بني عَذِرَة عبداً له عن دبر (٢)، فبلغ ذلك ﵇ فقال: «ألك مال غيره؟. فقال: لا. فقال: من يشتريه مني؟. فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله ﵇، فدفعها إليه، ثم قال:» ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك «(٣).
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، وعطاء، والسُّدي، والحسن، وابن زيد (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
وللسلف في الآية أقوال أخر:
- أن العفو هنا بمعنى: الوسط في النفقة: وقال به الحسن، وعطاء.
- أن العفو هنا بمعنى: أخذ مايؤتى به قليلا كان أو كثيرا: وقال به ابن عياس
- أن العفو هنا بمعنى: ماطاب من أموالهم: وقال به الربيع وقتادة.
- أن العفو هنا بمعنى: الصدقة المفروضة: وقال به مجاهد، ورده ابن جرير (٦).
وليس بين هذه الأقوال تعارض عدا القول الأخير، وكلها تعود إلى الفضل والزيادة (٧)، وأنها أثر من آثار الترك قال ابن فارس: «وقول القائل: عفا: درس، وعفا: كثُر ـ وهو من الأضداد ـ ليس بشئ، إنّما المعنى ما ذكرناه، فإذا تُرِك ولم يُتعهَّد حتّى خَفِيَ على مَرّ الدهر فقد عفا، وإذا تُرِك فلم يُقطَع ولم يُجَزَّ فقد عفا، والأصل فيه كلّه التَّرك كما ذكرناه» (٨).
стр. 345
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وقال به من السلف: ابن عباس، والسُّدي، والضحاك (١)، والكلبي (٢).
وذكره من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
وللسلف في الآية قول آخر وهو: أخذ العفو من أخلاق الناس.
ويشهد له حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: «قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على بن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر، ومشاورته كهولاً كانوا أو شبانا؛ فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي: هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟.قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فأستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ماتعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ بأن يقع به، فقال الحُرُّ: يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله» (٤).
وقال به من السلف: عائشة (٥)، وابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير (٦)، وعروة، ومجاهد، وابن زيد، والشعبي (٧).
ومن المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٨).
وقد رد الوجه الذي ذكره ابن الجوزي في معنى الآية ابن جرير فقال:» قال أبو جعفر وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال معناه خذ العفو من أخلاق الناس، واترك الغلظة عليهم وقال أُمر بذلك نبي الله ﷺ في المشركين.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله جل ثناؤه اتبع ذلك تعليمه نبيه ﷺ محاجته المشركين في الكلام، وذلك قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾، وعقبه بقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٢]، فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيه ﷺ في عشرتهم به أشبه وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين «. (٩)
стр. 346
وتبع ابن جرير في رد القول بالوجه وترجيح القول الثاني ابن عطية إذ حكم بشذوذه واستبعده القرطبي، ورده أبو حيَّان، وقال ابن كثير عن القول الراجح: «وهو أشهر» (١).
وعند التأمل في المثالين يلحظ اتجاه السياق القرآني إلى فضل المال في آية البقرة إذ سأل الصحابةُ عن ماذا ينفقون، وأما آية الأعراف فقد تقدم آنفا استدلال ابن جرير بالسياق على أن العفو أخذ الفضل من أخلاق الناس.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه بهذه الصيغة:
الوجه الثالث: الفاضل من الشيء .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ويحدد ذلك الشيء سياق الآية التي هو فيها، ففي الأول فاضل النفقة، وفي الثاني فاضل الأخلاق، ومأخذهما السياق القرآني.
الوجه الرابع: الكثرة .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والسُّدي، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وابن زيد (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
وللسلف في الآية أقوال أخر:
- أن العفو هنا بمعنى السرور، وقال به قتادة.
- أن العفو هنا بمعنى الأشر والبطر، وقال به عكرمة (٤).
стр. 347
وليس بين هذه الأقوال تعارض فبينها توافق من جهة أن الكثرة سبب وباعث على السرور والأشر والبطر.
تنبيه:
رد ابن جرير قول قتادة بتفسير العفو بالسرور فقال: «وهذا الذي قاله قتادة في معنى عفوا، تأويل لا وجه له في كلام العرب؛ لأنه لا يُعرف العفو بمعنى السرور في شيء من كلامها، إلا أن يكون أراد حتى سروا بكثرتهم وكثرة أموالهم فيكون ذلك وجها وإن بعد» (١).
ولو أعمل ابن جرير ما قعّده في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ... [البقرة: ٢٧]، حيث يقول:
«وقد قيل إن معنى أولئك هم الخاسرون أولئك هم الهالكون، وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية بحرمان الله إياه ما حرمه من رحمته بمعصيته إياه وكفره به، فحَمَل تأويل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها؛ فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه» (٢)، لصح حمله على التفسير بالسبب، لأن من أسباب سروره كثرته كما أشار ابن جرير ﵀.
تنبيه آخر:
صرح القرطبي (٣) أن (عفا) من الأضداد ونسبه ابن عطية (٤) لبعضهم، ورده ابن فارس بكلام بديع حيث قال: «وقول القائل: عفا: درس، وعفا: كثُر ـ وهو من الأضداد ـ ليس بشئ، إنّما المعنى ما ذكرناه، فإذا تُرِك ولم يُتعهَّد حتّى خَفِيَ على مَرّ الدهر فقد عفا، وإذا تُرِك فلم يُقطَع ولم يُجَزَّ فقد عفا، والأصل فيه كلّه التَّرك كما ذكرناه» (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما دل عليه كلام ابن فارس آنفاً.
стр. 348
نتيجة الدراسة
الوجه الأول: الصفح والمغفرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [براءة: ٤٣]، وتم التنبيه على سوء أدب الزَّمخشري مع النبي ﷺ ورده ببعض أقوال السلف والمفسرين وبيان الحق في ذلك.
وأما مأخذ الوجه فهو المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس، ويجوز أن يكون المأخذ من باب التفسير باللازم.
الوجه الثاني: الترك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ومأخذه المعنى الأصلي للفظ في اللغة، كما قال ابن فارس.
الوجه الثالث: الفاضل من الشيئ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وتم مناقشة مراد ابن الجوزي من آية الأعراف وأن الوجه - المال - غير وجيه ورد المفسرين له، وأن المراد الفاضل من الأخلاق، وتم التعديل إلى الوجه الذي ذكره، إذ حدده بالمال، وعلى القول الصحيح في الآية الثانية تم إبقاء الوجه مع تعميم المراد، ليبقى يحدده السياق، كما تقدم، ومأخذه السياق القرآني، والتفسير باللازم.
الوجه الرابع: الكثرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥].وتم التنبيه على أن ابن جرير رد قولا لقتادة بحجة خلاف اللغة، مع أنه نبه في موضع آخر على أنهم قد يفعلونه لعلل كثيرة تدعوهم إليه.
كما تم التنبيه على دعوى أن (عفا) من الأضداد، وتفنيدها من قول ابن فارس، وأما مأخذ الوجه فهو المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما دل عليه كلام ابن فارس.
стр. 349
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة عن .
باب عن
قال ابن الجوزي:
«قال أبو زكريا: معنى "عن" المجاوزة تقول: بلغني عنك كلام، أي: جاوزك إلى كلام. وانصرفت عن زيد، أي: جاوزته إلى غيره. وهي حرف ما لم يدخل عليها "من" فإذا دخلت عليها " من " كانت اسما لأن حرف الجر لا يدخل على مثله تقول: أخذته من عن يمينك.
قال الشاعر:
من عن يميني مرة وأمامي (١)
وقد تكون بمعنى "بعد" كقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]. وسادوك كابراً عن كابر. (٢)
وذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: صلة في الكلام . ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]
والثاني: بمعنى " الباء " ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، وفي النجم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
والثالث: بمعنى "من ". ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢].
والرابع: بمعنى " على ". ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨]». (٣)
стр. 350
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
أحدها: صلة في الكلام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١].
وقال به من المفسرين: النَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية (١).
ومعتمدهم في هذا قراءة: ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وبعض السلف. (٢)
حيث قرأوا بغير عن وهي قراءة شاذة (٣)، وقد رد القول بالوجه أبو حيَّان (٤)، وأبو السعود فقال: «وادعاء زيادة (عن) تعسف ظاهر، والاستدلال عليه بقراءة ابن مسعود .. ، غير منتهض، فإن مبناهها كما قالوا على الحذف والإيصال، كما يعرب عنه الجواب بقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، أي حكمها مختص به تعالى بقسمها الرسول ﷺ كيفما أمر به من غير أن يدخل فيه رأي أحد، ولو كان السؤال استعطاء لما كان هذا جوابا له؛ فإن اختصاص حكم ما شرط لهم من الأنفال بالله والرسول لا ينافي إعطاءها إياهم، بل يحققه لأنهم إنما يسألونها بموجب شرط الرسول ﷺ ». (٥)
وقال الطاهر بن عاشور: «والسؤال حقيقته الطلب، فإذا عدي بعن فهو طلب معرفة المجرور بعن وإذا عدي بنفسه فهو طلب إعطاء الشيء، فالمعنى، هنا: يسألونك معرفة الأنفال، أي معرفة
стр. 351
حقها فهو من تعليق الفعل باسم ذات، والمراد: حالها بحسب القرين». (١)
والتأسيس مقدم على التوكيد.
ويتبين مما تقدم أن (عن) في الآية ليست صلة، بل هي على بابها وهو المجاوزة (٢).
الوجه الثاني: بمعنى " الباء ".
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣].
وقال به من المفسرين: البغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، البغوي، وابن عطية، والقرطبي (٤).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه الاستعمال اللغوي؛ قال ابن قتيبة: عن، مكان الباء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].أي بالهوى، والعرب تقول: رميت عن القوس، أي رميت بالقوس». (٥)
الوجه الثالث: بمعنى " من ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وقال به من المفسرين: ابن عطية، والشوكاني (٦).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال اللغوي؛ قال ابن قتيبة: «عن، مكان من، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]،
стр. 352
المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الغين.
وهي كلمة الغلبة:
باب الغلبة:
قال ابن الجوزي:
«الغلبة: القَهْرُ. ويقال: اغْلَولَبَ العُشْبُ في الأرْضِ، إذَا بلَغَ كل مبلغ (١).
وذكر أهل التفسير أن الغلبة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: القهر. ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وفي الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
والثاني: القتل. ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
والثالث: الظهور. ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١].
والرابع: الهزيمة. ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وفي الروم:
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: القهر.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن جبير: «فعال» (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
стр. 353
المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الغين .
وهي كلمة الغلبة:
باب الغلبة:
قال ابن الجوزي:
«الغلبة: القَهْرُ. ويقال: اغْلَولَبَ العُشْبُ في الأرْضِ، إذَا بلَغَ كل مبلغ (١).
وذكر أهل التفسير أن الغلبة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: القهر . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وفي الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
والثاني: القتل . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
والثالث: الظهور . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١].
والرابع: الهزيمة . ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وفي الروم:
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: القهر.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن جبير: «فعال» (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
стр. 354
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ فإنهم يذكرون في الأولى أن الله تعالى فعال لا يغلبه شيء ولا مانع لما أراد، وفي الثانية على أن العاقبة لجند الله (١).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بجزء المعنى للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الغين واللام والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على قوَّةٍ وقَهرٍ وشدَّة». (٢)، وجائز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الغلبة القهر.
الوجه الثاني: القتل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
وقال بمعناه من السلف: ابن عباس، وقتادة، وعكرمة. (٣)
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان (٤).
وبعد هذا العرض لهذا الوجه، يلاحظ دخوله في الوجه الرابع:
فهاهنا قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
مثل به ابن الجوزي للقتل مع أنه مستقيم في معنى الهزيمة، ومعلوم أن التقاء الصفين لايعني ذهاب النفوس جميعها فهناك من ينهزم فيُقتل، وهناك من ينهزم ويفر، وهناك من ينهزم ويؤسر، ويؤيده تفسير ابن عطية لهذه الآية فقال: «وكلٌ قد غُلب بالسيف، والجزية، والذلة» (٥)، وأما القرطبي فقد نص على الهزيمة في هذه الآية (٦)، وبذلك يتضح أن القتل نوع من أنواع الهزيمة في الحرب، قال ابن فارس: «الهاء والزاء والميم، أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على غَمْز وكَسْر. فالهَزْم: أن تَغْمِزَ الشئَ، بيدك فَيَنْهَزمَ إلى داخل، كالقِثّاءَة والبِطّيخة؛ ومنه الهَزِيمة في الْحَرْب». (٧) فجعل هزيمة الحرب جزء من معنى الهزيمة، والقتل جزء من هزيمة الحرب إذ ليس كل مهزوم مقتول، ومن خلال ما تقدم يتبين أن الغلبة في جميع آيات الوجهين هي الهزيمة، سواء كانت بالقتل، أو غيره، فلا تفريق بين القتل والهزيمة في وجهين منفردين.
الوجه الثالث: الظهور.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١].
قال السُّدي: الأمراء أو السلاطين (٨).
وقال به من المفسرين: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٩).
стр. 355
وحين التأمل في هذا الوجه مع الوجه الأول يظهر جليا دخوله فيه:
فقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] ليس من فرق لغوي يؤيد التفريق بين الظهور والقهر؛ قال ابن فارس: «قهر، القاف والهاء والراء، كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على غَلَبة وعُلُوّ» (١) وقال: «ظهر الظاء والهاء والراء أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على قوّة وبروز» (٢).
فجلي قرب الغلبة من القوة، وقرب العلو من البروز، ويؤيده قول السُّدي أنهم الأمراء؛ ومما يؤكد هذا أن الألوسي جمع آيتين من الوجهين في معرض واحد؛ فقال في تفسير آية الكهف:
» ومعنى غلبتهم على أمرهم؛ أنهم إذا أرادوا أمرالم يتعسر عليهم، ولم يحُل بينه وبينهم أحد، كما قيل في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾
[يوسف: ٢١] «(٣). فهم ظاهرون، قاهرون، وكل هذين المعنيين لازمان للغلبة، فليس للتفريق بينهما في وجهين مستقلين حاجة.
الوجه الرابع: الهزيمة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥].
ومعنى كلام السلف يدل عليه: كقول ابن عباس: «كان لكل واحد من المسلمين عشرة، لاينبغي له أن يفر منهم» (٤).
ونحوه عن عكرمة، والحسن، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وقتادة، والسُّدي، والضحاك، وعطاء (٥).
وبمعناه من المفسرين قال: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٦).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه في اللغة، قال ابن فارس: «الهاء والزاء والميم، أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على غَمْز وكَسْر. فالهَزْم: أن تَغْمِزَ الشيءَ بيدك فَيَنْهَزمَ إلى داخل، كالقِثّاءَة والبِطّيخة؛ ومنه الهَزِيمة في الْحَرْب» (٨).
وقال: «الغين واللام والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على قوَّةٍ وقَهرٍ وشدَّة» (٩).