حقها فهو من تعليق الفعل باسم ذات، والمراد: حالها بحسب القرين». (١)
والتأسيس مقدم على التوكيد.
ويتبين مما تقدم أن (عن) في الآية ليست صلة، بل هي على بابها وهو المجاوزة (٢).
الوجه الثاني: بمعنى " الباء ".
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣].
وقال به من المفسرين: البغوي، وابن عطية، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، البغوي، وابن عطية، والقرطبي (٤).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه الاستعمال اللغوي؛ قال ابن قتيبة: عن، مكان الباء، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣].أي بالهوى، والعرب تقول: رميت عن القوس، أي رميت بالقوس». (٥)
الوجه الثالث: بمعنى " من ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وقال به من المفسرين: ابن عطية، والشوكاني (٦).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال اللغوي؛ قال ابن قتيبة: «عن، مكان من، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]،
стр. 352
المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الغين.
وهي كلمة الغلبة:
باب الغلبة:
قال ابن الجوزي:
«الغلبة: القَهْرُ. ويقال: اغْلَولَبَ العُشْبُ في الأرْضِ، إذَا بلَغَ كل مبلغ (١).
وذكر أهل التفسير أن الغلبة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: القهر. ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وفي الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
والثاني: القتل. ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
والثالث: الظهور. ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١].
والرابع: الهزيمة. ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وفي الروم:
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: القهر.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن جبير: «فعال» (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
стр. 353
المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الغين .
وهي كلمة الغلبة:
باب الغلبة:
قال ابن الجوزي:
«الغلبة: القَهْرُ. ويقال: اغْلَولَبَ العُشْبُ في الأرْضِ، إذَا بلَغَ كل مبلغ (١).
وذكر أهل التفسير أن الغلبة في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: القهر . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وفي الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
والثاني: القتل . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
والثالث: الظهور . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١].
والرابع: الهزيمة . ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وفي الروم:
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: القهر.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن جبير: «فعال» (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
стр. 354
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ فإنهم يذكرون في الأولى أن الله تعالى فعال لا يغلبه شيء ولا مانع لما أراد، وفي الثانية على أن العاقبة لجند الله (١).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بجزء المعنى للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الغين واللام والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على قوَّةٍ وقَهرٍ وشدَّة». (٢)، وجائز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الغلبة القهر.
الوجه الثاني: القتل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
وقال بمعناه من السلف: ابن عباس، وقتادة، وعكرمة. (٣)
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان (٤).
وبعد هذا العرض لهذا الوجه، يلاحظ دخوله في الوجه الرابع:
فهاهنا قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢].
مثل به ابن الجوزي للقتل مع أنه مستقيم في معنى الهزيمة، ومعلوم أن التقاء الصفين لايعني ذهاب النفوس جميعها فهناك من ينهزم فيُقتل، وهناك من ينهزم ويفر، وهناك من ينهزم ويؤسر، ويؤيده تفسير ابن عطية لهذه الآية فقال: «وكلٌ قد غُلب بالسيف، والجزية، والذلة» (٥)، وأما القرطبي فقد نص على الهزيمة في هذه الآية (٦)، وبذلك يتضح أن القتل نوع من أنواع الهزيمة في الحرب، قال ابن فارس: «الهاء والزاء والميم، أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على غَمْز وكَسْر. فالهَزْم: أن تَغْمِزَ الشئَ، بيدك فَيَنْهَزمَ إلى داخل، كالقِثّاءَة والبِطّيخة؛ ومنه الهَزِيمة في الْحَرْب». (٧) فجعل هزيمة الحرب جزء من معنى الهزيمة، والقتل جزء من هزيمة الحرب إذ ليس كل مهزوم مقتول، ومن خلال ما تقدم يتبين أن الغلبة في جميع آيات الوجهين هي الهزيمة، سواء كانت بالقتل، أو غيره، فلا تفريق بين القتل والهزيمة في وجهين منفردين.
الوجه الثالث: الظهور.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١].
قال السُّدي: الأمراء أو السلاطين (٨).
وقال به من المفسرين: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٩).
стр. 355
وحين التأمل في هذا الوجه مع الوجه الأول يظهر جليا دخوله فيه:
فقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] ليس من فرق لغوي يؤيد التفريق بين الظهور والقهر؛ قال ابن فارس: «قهر، القاف والهاء والراء، كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على غَلَبة وعُلُوّ» (١) وقال: «ظهر الظاء والهاء والراء أصلٌ صحيح واحدٌ يدلُّ على قوّة وبروز» (٢).
فجلي قرب الغلبة من القوة، وقرب العلو من البروز، ويؤيده قول السُّدي أنهم الأمراء؛ ومما يؤكد هذا أن الألوسي جمع آيتين من الوجهين في معرض واحد؛ فقال في تفسير آية الكهف:
» ومعنى غلبتهم على أمرهم؛ أنهم إذا أرادوا أمرالم يتعسر عليهم، ولم يحُل بينه وبينهم أحد، كما قيل في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾
[يوسف: ٢١] «(٣). فهم ظاهرون، قاهرون، وكل هذين المعنيين لازمان للغلبة، فليس للتفريق بينهما في وجهين مستقلين حاجة.
الوجه الرابع: الهزيمة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥].
ومعنى كلام السلف يدل عليه: كقول ابن عباس: «كان لكل واحد من المسلمين عشرة، لاينبغي له أن يفر منهم» (٤).
ونحوه عن عكرمة، والحسن، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وقتادة، والسُّدي، والضحاك، وعطاء (٥).
وبمعناه من المفسرين قال: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٦).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه في اللغة، قال ابن فارس: «الهاء والزاء والميم، أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على غَمْز وكَسْر. فالهَزْم: أن تَغْمِزَ الشيءَ بيدك فَيَنْهَزمَ إلى داخل، كالقِثّاءَة والبِطّيخة؛ ومنه الهَزِيمة في الْحَرْب» (٨).
وقال: «الغين واللام والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على قوَّةٍ وقَهرٍ وشدَّة» (٩).
стр. 356
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة وجهان من تلك الوجوه الأربعة .
الوجه الأول: القهر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
الوجه الثاني: الهزيمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]
وأما الوجهان اللذان هما:
فالوجه الذي هو الظهور، قد تقدم أنه داخل في القهر وتم التدليل عليه من قول ابن فارس وغيره.
وأما الوجه الذي هو القتل فقد تقدمت الإشارة إلى دخول ضمن الهزيمة، وتأييده من تفسير ابن عطية، القرطبي وغيرهما.
стр. 357
المبحث العاشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف القاف . وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة القبل .
باب القبل:
قال ابن الجوزي:
«القِبَلُ: يذكر بمعنى عِنْدَ. يقال: مالَهُ قبلي حق، أي: عندي (١). ويذكر بمعنى الطاقة. يقال: لا قبل لي بفلان، أي: لا طاقة.
وذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الطاقة . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧].
والثاني: بمعنى " مع ". ومنه قوله تعالى في الحاقة: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩]، أي: وَمن مَعه.
والثالث: النحو . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والرابع: المعاينة . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الطاقة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧].
وقال به من السلف: قتادة (٣)، وأبو صالح (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان،
стр. 358
وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «فأمّا قولهم: لا قِبَلَ لي به، أي لا طاقَة، فهو من الباب». (٢)
الوجه الثاني: بمعنى " مع ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩].
وقال به من السلف: قتادة (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
تنبيه:
كل ما ورد في هذا الوجه هو على قراءة (قِبَلَه) بكسر القاف وفتح الباء، وبها قرأ أبو عمرو، والكسائي، وعاصم في رواية أبان، وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحمزة، وعاصم؛ في غير رواية أبان (قَبْله) ساكنة الباء (٥).
стр. 359
والمعنى على هذه الأخيرة؛ الأممُ التي قبله، وكلا القولين متأت في الآية؛ فالجميع أتى بالطاغية. (١)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «والتقابل: أن يُقْبِلَ بعضُهم على بعض؛ إما بالذات؛ وإما بالعناية والتوفر والمودة .. ولي قِبَلٌ فلان كذا، كقولك عنده. قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩]» (٢)، وقال ابن عطية: «وَقِبَلُ الانسان؛ ما يليه في المكان، وكثُر استعمالها حتى صارت بمنزلة عندي». (٣)
الوجه الثالث: النحو.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقال بمعناه من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمعنى المقارب؛ فالنحو قصد
стр. 360
الشيئ (١)، والقبل مواجهته له (٢)، وفي الآية قصد الجهة.
الوجه الرابع: المعاينة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وابن زيد (٣)، وقتادة، والسُّدي (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
وللسلف في الآية قول آخر وهو: قُبُلا: فجأة، وهو مروي عن مجاهد (٦).
وليس بين قولي السلف تعارض، لأنه فاجأهم فعاينوه؛ قال أبو جعفر النَّحَّاس: «والمعنيان متقاربان». (٧)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة، فالعذاب مقابل لهم (٨)، ويجوزأن يكون المأخذ تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم المقابلة المعاينة.
تنبيه:
كل ما ورد في هذا الوجه هو على قراءة (قِبَلا) بكسر القاف وفتح الباء، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع وابن عامر وأما (قُبُلا) بضم القاف والباء، فهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي،
стр. 361
والمعنى على الأخيرة أي: مما يقابلهم، ويجوز أن يكون جمع قبيل قُبُل كقميص وقُمُص والمراد أن يأتيهم العذاب أنواعا (١).
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأربعة وهي:
الوجه الأول: الطاقة. ودل عليه بقوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه ابن فارس.
الوجه الثاني: بمعنى " مع ". ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ والتقابل: أن يُقْبِلَ بعضُهم على بعض؛ إما بالذات وإما بالعناية كما أشار إليه الراغب الأصفهاني وابن عطية.
وتم التنبيه على القراءتين في الآية وأن مبنى الباب على قراءة (قِبَله) بكسر القاف وفتح الباء.
الوجه الثالث: النحو. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ومأخذه التفسير بالمعنى المقارب؛ فالنحو قصد الشيئ (٢)، والقبل مواجهته له (٣)، وفي الآية قصد الجهة.
الوجه الرابع: المعاينة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف: ٥٥]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة، فالعذاب مقابل لهم. (٤)، ويجوزأن يكون المأخذ تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم المقابلة المعاينة.
وتم التنبيه على القراءتين في الآية وأن مبنى الباب على قراءة (قِبَلا) بكسر القاف وفتح الباء.
стр. 362
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة القدم .
باب القدم:
قال ابن الجوزي:
» القدم العضو المعروف. وحدُّه من مفصل الكعب تحت الساق إلى الأظفار. ويستعارُ في مواضع تدل عليها القرينة (١).
وذكر أهل التفسير أنه في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: القدم المذكور . ومنه قوله تعالى في الأنفال: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، وفي سورة الرحمن: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
والثاني: سابقة الاختيار . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
والثالث: القلب . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ البقرة: ٢٥٠]، أراد ثبت قلوبنا فإن القدم إنما يثبت بثبوت القلب.
والرابع: النفس . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤]، أراد زلل النفس عن الطاعة «(٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: القدم المذكور.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسعيد بن المسيب، والضحاك، والسُّدي، وابن زيد (٣).
стр. 363
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١].
وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «القَدَمُ: ما يَطَأ عليه الإِنسانُ من لَدُن الرُّسْغِ (٤) فما فوقَه» (٥).
الوجه الثاني: سابقة الاختيار.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢].
وقال به من السلف: ابن عباس (٦).
ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٧).
стр. 364
وللسلف في الآية أقوال أخر:
- أن القدم: أجر صالح بما قدموه من أعمال صالحة، وقال به ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، وابن زيد.
- أن القدم: محمد ﷺ شفيع لهم، وقال به قتادة، والحسن، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم.
- أن القدم: مصيبتهم في نبيهم ﷺ ، وقال به الحسن. (١)
وليس من تعارض بين هذه الأقوال بل إن كلها أمثلة لقدم الصدق في الآية فكل منهم ذكر مثالاً عليه؛ قال أبو جعفر النَّحَّاس بعد سرده لها: «وهذه أقوال متقاربة، والمعنى منزلة رفيعة». (٢)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «والقُدْمَة والقَدَمُ أيضاً: السابقةُ في الأمر، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، أي سَبَقَ لهم عندَ اللَّهِ خيرٌ» (٣).
الوجه الثالث: القلب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة: ٢٥٠].
وقال به من السلف: محمد بن إسحاق (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيَّان، والنسفي، والوحدي (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن ثبات القلب في الآية سبب لثبات القدم؛ قال ابن جرير: «قوي قلوبنا لتثبت أقدامنا فلا ننهزم» (٦)، وإليه أشار ابن الجوزي في كلامه على الوجه.
الوجه الرابع: النفس.
стр. 365
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ قال سعيد بن جبير: «ناقض العهد يزل في دينه كما يزل قدم الرجل بعد الاستقامة» (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التمثيل للنفس بحال القدم؛ قال الطاهر بن عاشور: «وزلل القدم، تمثيل لاختلال الحال والتعرض للضر، لأنه يترتب عليه السقوط أو الكسر، كما أن ثبوت القدم تمكن الرجل من الأرض، وهو تمثيل لاستقامة الحال ودوام السير.
ولما كان المقصود، تمثيل ما يجره نقض الأيمان من الدخل، شبهت حالهم بحال الماشي في طريق؛ بينما كانت قدمه ثابتة إذا هي قد زلت به فصرع. فالمشبه بها حال رجل واحد، ولذلك نُكرتْ وأفردت، إذ ليس المقصود قدما معنية ولا عددا من الأقدام، فإنك تقول لجماعة يترددون في أمر: أراكم تقدمون رجلا وتؤخرون أخرى، تمثيلاً لحالهم بحال الشخص المتردد في المشي إلى الشيء.
وزيادة (بعد ثبوتها) مع أن الزلل لا يتصور إلا بعد الثبوت لتصوير اختلاف الحالين، وأنه انحطاط من حال سعادة إلى حال شقاء، ومن حال سلامة إلى حال محنة» (٣).
ويؤيد أن القدم في الآية النفس؛ قول مسروق: «إني أخاف أن أقيس فتزل قدم بعد ثبوتها» (٤).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة الأربعة وهي:
الوجه الأول: القدم المذكور.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١].وقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما أشار إليه الخليل.
стр. 366
الوجه الثاني: سابقة الاختيار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه الخليل.
الوجه الثالث: القلب. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه.
الوجه الرابع: النفس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: ٩٤]، ومأخذه التمثيل للنفس بحال القدم؛ كما ذكره ابن جرير وغيره.
стр. 367
المبحث الحادي عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف اللام .
وهي كلمة اللسان:
باب اللسان
قال ابن الجوزي:
«اللسان: العضو المعروف في الفم وهو آلة النطق. ويقال لمن أجاد الكلام به: لَسِن، واللَّسَنُ: الفصاحة (١).
وذكر بعض المفسرين أن اللسان في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: اللسان بعينه . ومنه قوله تعالى في الفتح: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]، وفي القيامة: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، وفي البلد: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩].
والثاني: اللغة . ومنه قوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وفي النحل: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
والثالث: الدعاء . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٣٨]، أي: في دعائهما.
والرابع: الثناء الحسن . ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: اللسان بعينه.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١].
стр. 368
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].
ويشهد له حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه؛ - فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله ﷺ يحركهما، وقال سعيد (٢): أنا أحركهما كما رأيت بن عباس يحركهما؛ فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، قال جمعه له في صدرك وتقرأه [القيامة: ١٨] قال فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما
قرأه». (٣)
واختلف السلف في سبب النهي في الآية واتفقوا على أن اللسان هو الجارحة؛ وقال به منهم:
ابن عباس، وسعيد بن جبير، والشعبي، وابن زيد، والضحاك، ومجاهد، والحسن، وقتادة (٤).
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩].
стр. 369
وقال به من السلف: قتادة (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «اللام والسين والنون أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على طول لطيفٍ غير بائنٍ، في عضوٍ أو غيره. من ذلك اللّسان، معروف وهو مذكّر والجمع أَلْسُنٌ، فإذا كثر فهي الألسنة؛ ويقال لَسَنْتُه، إذا أخَذْتَه بلسانك» (٣). وتصريح ابن فارس بالعضو في كلامه عن الأصل يوحي باشتهاره حتى قرب أن يكون أصلا.
الوجه الثاني: اللغة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
وقال به من السلف: عمر بن الخطاب، وسفيان الثوري (٤)، وقتادة (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٦).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
стр. 370
اختلف السلف في تحديد المراد بصاحب اللسان الأعجمي، واتفقوا على أن اللسان في الموضعين هو اللغة، وممن قال به منهم:
ابن عباس، وسفيان الثوري، وقتادة، والضحاك، والحسن، وسعيد بن المسيب (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «واللّسْن: اللُّغَة، يقال لكلّ قومٍ لِسْنٌ أي لغة» (٣)، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني؛ لأن العُجمة والعربية لغتان لازمتان للسان.
الوجه الثالث: الدعاء.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٣٨].
وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، وقتادة، وأبو مالك غزوان الغفاري (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، لأن اللعن هو الإبعاد والطرد (٦)، وصدوره من أنبياء الله لا يكون إلا على سبيل الطلب وهو الدعاء.
стр. 371
الوجه الرابع: الثناء الحسن.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة (١)، وعكرمة، وابن زيد (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، لأن اللسان في الآية مضاف إلى الصدق وهو من أسباب الثناء الحسن.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة:
الوجه الأول: اللسان بعينه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]. وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩]. وشهد له حديث ابن عباس، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: اللغة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه ابن فارس، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني؛ لأن العُجمة والعربية لغتان لازمتان للسان.
стр. 372
الوجه الثالث: الدعاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٣٨]، ومأخذه السياق القرآني، لأن اللعن هو الإبعاد والطرد (١)، وصدوره من أنبياء الله لا يكون إلا على سبيل الطلب وهو الدعاء.
الوجه الرابع: الثناء الحسن.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، ومأخذه السياق القرآني، لأن اللسان في الآية مضاف إلى الصدق وهو من أسباب الثناء الحسن.
стр. 373
المبحث الثاني عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف النون .
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة النبات .
باب النبات
قال ابن الجوزي:
«النبات في الأصل: ما يخرج من الأرض على صفة النمو. والمنبت: الأصل (١). وذكر أهل التفسير أن النبات في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: النبات بعينه . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنين: ٢٠]. وفي عبس: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٧ - ٢٨].
والثاني: الإخراج: ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١].
والثالث: الخلق . ومنه قوله تعالى في سورة نوح: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
الرابع: التربية . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، قال ابن عباس ﵁: كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام (٢). وقال قتادة في هذه الآية: حدثنا أنها كانت لا تصيب الذنوب (٣)، فإن قيل: كيف قال الله: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا﴾ ولم يقل إنباتا فالجواب أن المعنى: والله أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا فيكون مصدر المحذوف مقدر. ومثله: وأنبتها نباتا حسناً، (أي: فنبتم نباتاً حسناً)» (٤).
стр. 374
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: النبات بعينه.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنين: ٢٠].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٧ - ٢٨]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «النون والباء والتاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على نماءٍ في مزروع، ثم يستعار. فالنَّبت معروفٌ، يقال نَبَت، وأنْبَتَتِ الأرض، ونَبَّتُّ الشَّجرَ: غَرستُه» (٤).
الوجه الثاني: الإخراج.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وقال به من السلف: الضحاك (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم؛ فمن لوازم النبات الإخراج.
стр. 375
الوجه الثالث: الخلق.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
وقال به من السلف: ابن جريج (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، ونبه بذلك أن الإنسان هو من وجه نبات من حيث إن بدأه ونشأه من التراب، وإنه ينمو نموه، وإن كان له وصف زائد على النبات. (٣)
الوجه الرابع: التربية.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧].
وقال به من السلف: ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، وابن جريج (٦)، والحسن (٧).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٨).
стр. 376
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم؛ فمن لوازم النبات التربية، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني؛ فوصف النبات بالحُسن في سياق الحديث عن مريم فيه دلالة على الوجه.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة:
الوجه الأول: النبات بعينه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنين: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٧ - ٢٨]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه ابن فارس.
الوجه الثاني: الإخراج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، ومأخذه التفسير باللازم؛ فمن لوازم النبات الإخراج.
الوجه الثالث: الخلق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾
[نوح: ١٧]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما ذكره الراغب الأصفهاني.
الوجه الرابع: التربية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ومأخذه التفسير باللازم؛ فمن لوازم النبات التربية، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة النجاة .
باب النجاة
قال ابن الجوزي:
«النجاة والخلاص والسلامة متقارب يقال: نجيت فلانا أنجيه إذا خلصته من شر وقع فيه.
وفلان نجي فلان ومناجيه. والجمع: أنجية. وأنتجيت فلاناً: أختصصته بمناجاتي (١).
وذكر بعض المفسرين أن النجاة في القرآن على أربعة أوجه:
стр. 377
أحدها: الخلاص من الضرر . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩].
والثاني: السلامة من الهلاك . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، وفي الشعراء: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥].
والثالث: الارتفاع . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، أي: نرفعك على أعلى البحر.
والرابع: التوحيد . ومنه قوله تعالى في حم المؤمن: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الخلاص من الضرر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم النجاة الخلاص من الضرر.
الوجه الثاني: السلامة من الهلاك.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣].
стр. 378
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥].
وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم النجاة السلامة من الهلاك.
وبين هذا الوجه والذي قبله تقارب شديد قد أشار إليه ابن الجوزي؛ غير أن الأول فيه معنى الوقوع في العذاب ثم النجاة منه، وأما الثاني ففيه معنى الاقتراب من العذاب ثم النجاة دون الوقوع فيه.
الوجه الثالث: الارتفاع.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، وابن جريج (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «والنّجاةُ: النَّجْوةُ من الأَرْض، أي: الارتفاع، لا يَعْلُوه الماء» (٦).
стр. 379
الوجه الرابع: التوحيد.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١].
وقال به من السلف: مجاهد، وابن زيد (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم النجاة التوحيد، وجائز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب النجاة التوحيد.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة:
الوجه الأول: الخلاص من الضرر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم النجاة الخلاص من الضرر.
الوجه الثاني: السلامة من الهلاك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم النجاة السلامة من الهلاك.
الوجه الثالث: الارتفاع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما ذكره الخليل.
الوجه الرابع: التوحيد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، وذلك أن من لوازم النجاة التوحيد، وجائز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب النجاة التوحيد.
стр. 380
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة النظر .
باب النظر:
قال ابن الجوزي:
«النظر: في الأصل: إدراك المنظور إليه بالعين ويسمى ما يقع به النظر من العين: الناظر وقد يستعار في مواضع تدل عليها القرينة. ويقال: نظرت فلانا: بمعنى انتظرته. وأنظرته: أخرته. والنظرة: التأخير. والنظير: المثل. وهو الذي إذا نظر إليه وإلى نظيره كانا سواء.
قال شيخنا علي بن عبيد اللَّه: النظر يقال على وجوه:
أحدها: الإدراك بحاسة البصر .
والثاني: بمعنى الانتظار .
والثالث: بمعنى الرحمة .
والرابع: بمعنى المقابلة والمحاذاة . يقال: داري تنظر دار فلان، ودورهم تتناظر، أي: تتقابل.
والخامس: بمعنى الفكرة في حقائق الأشياء لاستخراج الحكم (بالاعتبار ليصل بذلك إلى العلم بالمعلومات) (١).
وذكر أهل التفسير أن النظر في القرآن على أربعة أوجه:
أحدها: الرؤية والمشاهدة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وفيها: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وفي الأعراف: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وفيها: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وفي القيامة: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣].
والثاني: الانتظار . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وفي النساء: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦]، وفي النمل: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]، وفي يس: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]، وفي الحديد: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، وفي ص: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥].
стр. 381
والثالث: التفكر والاعتبار . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]، وفي يونس: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وفي عبس:
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤]، وفي الغاشية: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، وفي الطارق: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥].
والرابع: الرحمة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
أحدها: الرؤية والمشاهدة.
ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، والسُّدي، وابن زيد. (٢)
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وقال به من السلف: قتادة، والسُّدي. (٤)
ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
стр. 382
وقال به من السلف: ابن عباس، والسُّدي، وابن إسحاق (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
وقال به من السلف: مجاهد (٣)، السُّدي (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣].
ويشهد لهذه الآية حديث النبي ﷺ عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر. قال: «إنكم سترون ربكم؛ كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا» (٦).
وقال به من السلف: ابن عباس (٧)، وعكرمة، والحسن، وعطية العوفي (٨).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٩).
стр. 383
تنبيه:
عند قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]. نفى الزَّمخشري رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة؛ فقال: «الوجه عبارة عن الجملة، والناضرة: من نضرة النعيم إلى ربها ناظرة: تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢]، ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] .. كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد، في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم، لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليه ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص، والذي يصح معه أن يكون من قولة الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي؛ تريد معنى التوقع والرجاء». (١)
وليس هذا بغريب من إمام معتزلي فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تفسيره «وأما الزَّمخشري، فتفسيره محشو بالبدعة، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن» (٢).
وأما ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة فهي كما قال ابن القيم: «وقد دلَّ القرآن والسنة المتواترة، وإجماع الصحابة، وأئمة الإسلام وأهل الحديث على أن الله سبحانه يُرى يوم القيامة بالأبصار، كما يُرى القمر ليلة البدر صحواً، وكما تُرى الشمس في الظهيرة فإن كان لمِا أخبر الله ورسوله عنه من ذلك حقيقة؛ فلا يمكن أن يروه إلا من فوقهم لاستحالة أن يروه أسفل منهم، أو خلفهم وأمامهم، أو عن شمائلهم، وإن لم يكن لما أخبر به حقيقة، كما تقوله .. المعتزلة والرافضة (٣) وغيرهم من أهل البدع بطل الشرع والقرآن فإن الذي جاء بهذه الأحاديث هو الذي جاء بالقرآن، والشريعة والذي
стр. 384
بلغها هو الذي بلغ الدين فلا يجوز أن يجعل كلام الله ورسوله عضين حيث يؤمن ببعض ويكفر ببعض» (١).
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعد ذكره لأحاديث كثيرة في الرؤية يوم القيامة تقدم ذكر مثال عليها: «وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة، والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام .. ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]» (٢).
تنبيه آخر:
في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣].
تقدمت الإشارة إلى أن النظر هنا هو للمؤمنين يوم القيامة، وهذا قول الأكثرين (٣).
وقد خالف في هذا: مجاهد، وأبو صالح: حيث قالا: تنتظر الثواب من ربها (٤).
وقد رد هذا القول ابن القيم فقال: «قوله ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، يستحيل فيها تأويل النظر بانتظار الثواب؛ فإنه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي محله، وعداه بحرف (إلى) التي إذا اتصل بها فعل النظر كان من نظر العين ليس إلا، ووصف الوجوه بالنضرة التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به؛ لامع التنغيص بانتظاره، ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤية»، وكذلك رده ابن كثير، والشوكاني (٥).
стр. 385
ورده أبو منصور الأزهري من جهة اللغة فقال: «قلت: ومن قال: إنَّ مَعْنى قوله: إلى ربِّها ناظرة بمعنى مُنْتظِرة، فقد أخطأ لأن العربَ لا تقول: نظرتُ إلى الشيء بمعنى انْتظرتُه، إنما تقول: نظرتُ فلاناً أي انتظرته ومنه قول الحطيئة:
وقد نَظَرتكُمُ أَبْنَاءَ صَادِرَةٍ ... لِلْوِرْدِ طال بها حَوْزِي وتَنْساسِي (١)
فإذا قلت: نظرتُ إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت: نظرتُ في الأمر احتمل أن يكون تفكُّراً وتَدَبُّراً بالقلب». (٢)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «النون والظاء والراء أصلٌ صحيح يرجع فروعُه إلى معنًى واحد، وهو تأمُّل الشّيْءِ ومعاينتُه» (٣)
الوجه الثاني: الانتظار.
ومثل له ابن الجوزي بست آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤].
وقال به من السلف: مجاهد (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
وللسلف في الآية قول آخر وهو: اسمع منا؛ وقال به: مجاهد وعطاء (٦).
стр. 386
وليس بين القولين بُعد لأن كلاً منهما جزء من المعنى المراد فالانتظار قد يكون للسماع وغيره.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦].
وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة (١)، وابن زيد (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان (٣).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو صالح (٤)، وسعيد بن جبير (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٦).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩].
وقال به من السلف: عبد الله بن عمر، وقتادة، وابن زيد (٧).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٨).
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].
وقال به من السلف: أبو أمامة الباهلي (٩).
стр. 387
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١).
تنبيه:
الوجه هنا على قراءة من قرأ (اُنْظُرونا) بوصل الهمزة وضم الظاء، وقرأ بها الجمهور؛ وهي بمعنى الانتظار، وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب (أَنْظِرونا) بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار أي: أمهلونا (٢).
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥].
وقال به من السلف: قتادة (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٤).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «ونَظَرْتُ فلاناً وانتَظَرْتُه بمعنًى، فإذا قلتَ: انتظرت فلم يُجاوزْكَ فعلَه فمعناه وقَفت وتَمَهَّلْت ونحو ذلك، وتقول: انظُرني يا فلانُ، أي: استَمعْ إليَّ، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. ويقول المتكلِّم لِمن يُعْجِلُه: انظرني ابتَلع رِيقي» (٥).
والثالث: التفكر والاعتبار.
стр. 388
ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤].
وقال به من السلف: مجاهد (٣)، والحسن (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧].
وقال به من السلف: قتادة، وشريح (٦).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٧).
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٨).
стр. 389
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «تقول: نَظَرْتُ إلى كذا وكذا من نَظَر العين ونَظَر القلب» (١).
الوجه الرابع: الرحمة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].
ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا؛ فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له، ورجل ساوم رجلا بسلعة بعد العصر؛ فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها» (٢).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري وأبو حيَّان وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، السياق القرآني.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي:
الوجه الأول: الرؤية والمشاهدة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].وقوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].وقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣].وشهد له حديث جرير بن عبد الله ﵁، وتم التنبيه على ضلال المعتزلة في نفيهم رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، والتنبيه على قول مجاهد
стр. 390
في آية القيامة، حيث لم يقل بالرؤية، والرد على هذا القول، ومأخذ هذا الوجه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: الانتظار. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].وقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وتم التنبيه على أن الوجه في هذه الآية على قراءة الجمهور وهي (اُنْظُرونا) بوصل الهمزة وضم الظاء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥]. ومأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ وقد قاله الخليل.
الوجه الثالث: التفكر والاعتبار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه الخليل.
الوجه الرابع: الرحمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وشهد له حديث أبي هريرة ﵁ ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الرحمة النظر.