← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وليس بين القولين بُعد لأن كلاً منهما جزء من المعنى المراد فالانتظار قد يكون للسماع وغيره. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦]. وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة (١)، وابن زيد (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيَّان (٣). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو صالح (٤)، وسعيد بن جبير (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٦). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]. وقال به من السلف: عبد الله بن عمر، وقتادة، وابن زيد (٧). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٨). الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وقال به من السلف: أبو أمامة الباهلي (٩).

стр. 387

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (١). تنبيه: الوجه هنا على قراءة من قرأ (اُنْظُرونا) بوصل الهمزة وضم الظاء، وقرأ بها الجمهور؛ وهي بمعنى الانتظار، وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب (أَنْظِرونا) بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار أي: أمهلونا (٢). الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٤). ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «ونَظَرْتُ فلاناً وانتَظَرْتُه بمعنًى، فإذا قلتَ: انتظرت فلم يُجاوزْكَ فعلَه فمعناه وقَفت وتَمَهَّلْت ونحو ذلك، وتقول: انظُرني يا فلانُ، أي: استَمعْ إليَّ، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. ويقول المتكلِّم لِمن يُعْجِلُه: انظرني ابتَلع رِيقي» (٥). والثالث: التفكر والاعتبار.

стр. 388

ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤]. وقال به من السلف: مجاهد (٣)، والحسن (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٥). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ [الغاشية: ١٧]. وقال به من السلف: قتادة، وشريح (٦). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان (٧). الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٨).

стр. 389

ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «تقول: نَظَرْتُ إلى كذا وكذا من نَظَر العين ونَظَر القلب» (١). الوجه الرابع: الرحمة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا؛ فإن أعطاه ما يريد وفى له، وإلا لم يف له، ورجل ساوم رجلا بسلعة بعد العصر؛ فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها» (٢). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري وأبو حيَّان وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة الوجه في معاني الآيات، السياق القرآني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأربعة وهي: الوجه الأول: الرؤية والمشاهدة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].وقوله تعالى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].وقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].وقوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣].وشهد له حديث جرير بن عبد الله ﵁، وتم التنبيه على ضلال المعتزلة في نفيهم رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، والتنبيه على قول مجاهد

стр. 390

في آية القيامة، حيث لم يقل بالرؤية، والرد على هذا القول، ومأخذ هذا الوجه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: الانتظار. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥].وقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وتم التنبيه على أن الوجه في هذه الآية على قراءة الجمهور وهي (اُنْظُرونا) بوصل الهمزة وضم الظاء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص: ١٥]. ومأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ وقد قاله الخليل. الوجه الثالث: التفكر والاعتبار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه الخليل. الوجه الرابع: الرحمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧]، وشهد له حديث أبي هريرة ﵁ ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الرحمة النظر.

стр. 391

المبحث الثالث عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الهاء . وهي كلمة الهوان: باب الهوان قال ابن الجوزي: «الأصل في الهوان: أنه الذل، وصغر القدر. والهُون: الهوان أيضاً. فأما الهَون. بفتح الهاء - فهو السكينة والوقار (١). وذكر أهل التفسير أن الهون في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: الصغر . ومنه قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. والثاني: السهل . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩]، وفي الروم: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. والثالث: الذل . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]. والرابع: الضعف . ومنه قوله تعالى في المرسلات: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي . الوجه الأول: الصغر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، وأبو حيَّان (٣). وقال ابن جرير، والواحدي، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، وابن كثير، والبيضاوي، وأبو

стр. 392

السعود، والشوكاني، والألوسي (١): هينا: أي سهلا. فهذا الوجه والذي بعده من لوازم الهوان وحيث فسر عامة المفسرين ومنهم ابن الجوزي نفسه - الهوان هنا بالسهل فيعود هذا الوجه ضمن الذي بعده وهو: السهل. الوجه الثاني: السهل. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، والبغوي، والزَّمخشري، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. وقال به من السلف: الربيع بن خثيم (٣)، والحسن، وقتادة، والكلبي (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٥). تنبيه: يلاحظ في لفظ الباب في هذا المثال إتيانه بصيغة التفضيل، والمراد بالتفضيل المخاطبين لاسيما منكري البعث منهم؛ وإلا فالكل هين على الله تعالى؛ قال ابن عطية: «وإن كان الكل من اليسر

стр. 393

عليه في حيز واحد وحال متماثلة، ولكن هذا التفضيل بحسب معتقد البشر، وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون علينا من البداءة»، وقال السعدي: «﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. من ابتداء خلقهم وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول فإذا كان قادرا على الابتداء الذي تقرون به كانت قدرته على الإعادة التي هي أهون أولى وأولى» (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «ويقال: هان الأمر على فلان: سهل. قال الله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩]، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]» (٢). والراغب لم يفرق بين هذه الآيات؛ فجميعها بمعنى السهولة. الوجه الثالث: الذل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]. ومعنى كلام ابن عباس يدل عليه؛ فقال: «إن من تهاون بعبادة الله صار إلى النار» (٣). ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري والقرطبي، وأبو حيَّان. (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الهاء والواو والنون أُصَيْلٌ يدلُّ على سكون أو سكينة أو ذلّ» (٥). الوجه الرابع: الضعف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠].

стр. 394

وقال به من السلف: ابن عباس (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيَّان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه؛ فمن لوازم الهوان الضعف، ويجوز أن يكون المأخذ تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الهوان الضعف نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ثلاثة هي: الوجه الأول: السهل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، كما أشار إليه الراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: الذل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قاله ابن فارس. الوجه الثالث: الضعف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه؛ فمن لوازم الهوان الضعف، ويجوز أن يكون المأخذ تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الهوان الضعف. وأما الوجه الذي هو: الصغر. فقد تقدم أنه من لوازم الهوان وأن أكثر المفسرين فسروا قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، بأن الهوان هنا السهل، وقد تم عرض كلام الراغب الأصفهاني وكيف أنه ضم هذه الآية إلى آيتي مريم والروم، وجعلها كلها بمعنى السهولة؛ فصار هذا الوجه داخلا في الوجه الثاني.

стр. 395

الباب الثاني الكلمات القرآنية الواردة على خمسة أوجه فأكثر الفصل الأول الكلمات القرآنية الواردة على خمسة أوجه وفيه اثنا عشر مبحثاً: المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرفي الألف والباء. المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف التاء. المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرفي الجيم والحاء. المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الخاء. المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الزاي. المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين. المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرفي الضاد والطاء. المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف العين. المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حروف الفاء والقاف والكاف. المبحث العاشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الميم. المبحث الحادي عشر: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف النون. المبحث الثاني عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الواو.

стр. 396

الباب الثاني: الكلمات القرآنية الواردة على خمسة أوجه فأكثر. وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: الكلمات القرآنية الواردة على خمسة أوجه. وفيه اثنا عشر مبحثا: المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرفي الألف والباء . وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الأمة . باب الأمة: قال ابن الجوزي: «قال ابن قتيبة: أصل الأمة: الصنف من الناس والجماعة. (١) ويقال: الأمة، ويراد بها الحين. ويقال: الأمة، ويراد بها الإمام والرَّباني. والأمة: الدِّين. قال النابغة: وهلْ يأثمَنْ ذو أُمةٍ، وهوَ طائِعُ؟ (٢) قال ابن فارس: والأمة: القامة، في قول القائل: وإنَّ مُعاوية الأكرَمِين ... حِسان الوُجوهِ طِوالُ الأُمَمْ (٣) والأمة: الكثيرة النعمة (٤). وذكر أهل التفسير أن الأمة في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: الجماعة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وفيها: ﴿ ... ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وفي آل عمران: ﴿ ... ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وفي المائدة: ﴿ ... ﴾ [المائدة: ٦٦]، وفي الأعراف: ﴿ ... ﴾ [الأعراف: ١٥٩].

стр. 397

والثاني: الملة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]، وفي يونس: : ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً﴾ [يونس: ١٩]، وفي النحل: [النحل: ٩٣]، وفي الأنبياء، والمؤمنين: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء ٩٢، والمؤمنون: ٥٢]. والثالث: الحين . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]، وفي يوسف: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، وليس في القرآن غيرهما. وأراد بالحين في الآيتين السنين. قال ابن قتيبة: كأن الأمة من الناس، القرن ينقرضون في الحين، فأقيمت الأمة مقام الحين. (١) والرابع: الإمام . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠]. قال ابن قتيبة يعني إماماً يقتدى به، فسُمي أمة لأنه سبب الاجتماع. ويجوز أن يكون سمي أمة لأنه اجتمع فيه من خلال الخير ما يكون مثله في الأمة. (٢) والخامس: الصنف . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، أي: أصناف، فكل صنف من الطير والدواب مثل بني آدم في طلب الغذاء، وتوقِّي المهالك ونحو ذلك. قاله ابن قتيبة (٣)» (٤). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: الجماعة. ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال به من السلف: السدي (٥)، وإبراهيم النخعي (٦).

стр. 398

ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤]. وقال به من السلف: السدي (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]. اتفق السلف على أن الأمة في الآية بمعنى الجماعة ثم اختلفوا في تحديدها (٤)، ومنهم ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، وابن جريج. (٥) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول مجاهد: «هم مسلمة أهل الكتاب»، ونحوه عن قتادة والسدي، وابن زيد، والربيع بن أنس. (٧) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان،

стр. 399

وابن كثير (١). الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «والأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا، وجمعها: أمم». (٣) الوجه الثاني: الملة. ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]. اتفق السلف على أن الأمة في الآية بمعنى الملة ثم اختلفوا في تحديدها (٤)، ومنهم: أبي بن كعب وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 400

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [يونس: ١٩]. وقال به من السلف: مجاهد، وسفيان الثوري. (١) ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣]. وقال به من السلف: سعيد بن جبير. (٣) ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد (٥)، وقتادة (٦)، وسعيد بن جبير، وابن زيد (٧). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٨). الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]. وقال به من السلف: ابن جريج. (٩)

стр. 401

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني:» ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣]: في الإيمان (٢)، وقال البغوي: «فجعلت الشريعة أمة واحدة، لاجتماع أهلها على مقصد واحد «. (٣) الوجه الثالث: الحين. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «أجل معدود»، وقول مجاهد: «إلى حين». (٤) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن جريج، والسدي، وعكرمة (٦)، وسعيد بن جبير (٧). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،

стр. 402

والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم، صحة الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «وقوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: حين، أي: بعد نسيان. وحقيقة ذلك: بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين (٢)،» فعاد إلى جماعة منسوبة إلى وقت وحين وإليه أشار ابن الجوزي حين قال إن الحين السنين. الوجه الرابع: الإمام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والشعبي. (٣) ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ قال ابن قتيبة: «﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠] أي إماما يقتدى به الناس، لأنه ومن اتبعه أمة، فسمي أمةً لأنه سبب الاجتماع». الوجه الخامس: الصنف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].

стр. 403

وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة (١)، والسدي (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب؛ قال ابن قتيبة: «فكل صنف من الطير والدواب مثل بني آدم في طلب الغذاء، وتوقِّي المهالك» (٤) فكما أن جماعات البشر يطلب الغذاء، ويتوقِّي المهالك؛ فكذلك الجماعات من الأصناف الأخرى. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الخمسة وهي: الوجه الأول: الجماعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤].وقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣].وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: ٦٦].وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: الملة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣].وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [يونس: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [النحل: ٩٣].وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه الراغب الأصفهاني. الوجه الثالث: الحين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨].وقوله تعالى:

стр. 404

﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني، وإليه أشار ابن الجوزي حين قال إن الحين السنين. الوجه الرابع: الإمام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠]، ومأخذه تفسير الشيئ بسببه؛ كما قال ابن قتيبة. الوجه الخامس: الصنف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ومأخذه التفسير بالمقارب؛ كما دل عليه قول ابن قتيبة. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة البقية . باب البقية: قال ابن الجوزي: «البقية مشتقة من البقاء. والباقي: ما تكررت عليه الأزمان وهو باق. والبقية: ما يبقى عند زوال ما كانت معه البقية جملة واحدة. يقال: بقي الشيء يبقى بقاء. ومن العرب من يقول: بقى مكان بقي. يقال: فلان يبقي الشيء إذا رقبه ورصده. وفي الحديث: (وأبقينا رسول اللَّه ﷺ ). يعني انتظرناه (١). وذكر أهل التفسير أن البقية في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: القليل ، ومنه قوله تعالى في هود: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]، أراد القليل. والثاني: الدوام ، ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وفي القصص: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]. والثالث: ما بقي من الذاهب ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨].

стр. 405

والرابع: الثواب ، ومنه قوله تعالى في هود: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦]، أي: ثوابه لله، وقال اليزيدي: طاعته. والخامس: الصلوات الخمس ، ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقيل: أراد بها سبحان اللَّه والحمد لله ولا إله إلاَّ اللَّه واللَّه أكبر». (١) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: القليل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]. وقال به من السلف: قتادة، وابن جريج، وابن زيد (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم البقية القلة؛ قال ابن عطية: «وإنما قيل بقية لأن الشرائع والدول ونحوها قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف، فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول». (٤) الوجه الثاني: الدوام. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].

стр. 406

وقال به من السلف: سعيد بن جبير. (١) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن زيد (٣)، وابن إسحاق (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الباء والقاف والياء أصلٌ واحد، وهو الدَّوام». (٦) الوجه الثالث: ما بقي من الذاهب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]. واختلف السلف في تحديد المراد بالبقية بعد اتفاقهم على أن البقية هنا الباقي من الذاهب؛ ومنهم: ابن عباس، وقتادة، والربيع، والضحاك، وعطاء، وعكرمة، والثوري، وأبو صالح (٧). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٨).

стр. 407

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة قال الخليل: «استبقَيْتُ فلاناً وذلك أن تعفُوَ عن زَلَلِهِ فتَسْتَبْقِيَ موَدَّتَه» (١). الوجه الرابع: الثواب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦]. وقال به من السلف: قتادة (٢)، والحسن (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (٤). وللسلف في الآية قولان آخران: أن البقية هنا: طاعة الله، وقال به مجاهد. أن البقية هنا رزق الله الحلال، وقال به: ابن عباس (٥)، والحسن، والربيع (٦). وليس بين هذه الأقوال تعارض فأقوال السلف الثلاثة من قبيل التفسير بالمثال على البقية في الآية. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الثواب مثال للبقية في الآية. الوجه الخامس: الصلوات الخمس. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦].

стр. 408

وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعمرو بن شرحبيل، وإبراهيم النخعي (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية أقوال أخر: أن الباقيات: ذكر الله بالتسبيح والتحميد: وقال به عثمان بن عفان، وابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، والحسن، وقتادة. أن الباقيات: العمل بطاعة الله: وقال به ابن عباس، وابن زيد. أن الباقيات: الكلم الطيب: وقال به ابن عباس (٣). وليس بين هذه الأقوال تعارض، بل كلها أمثلة للباقيات الصالحات. وقد رجح ابن جرير العموم في الباقيات؛ وأنها الطاعات؛ فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هن جميع أعمال الخير كالذي روي عن علي بن أبي طلحة عن بن عباس، لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة وعليها يجازي ويثاب، وإن الله عز ذك لم يخصص من قوله: ﴿ ... ﴾ [الكهف: ٤٦]، بعضا دون بعض في كتاب ولا بخبر عن رسول الله ﷺ . فإن ظن ظان أن ذلك مخصوص بالخبر الذي رويناه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فإن ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الخبر عن رسول الله ﷺ إنما ورد بأن قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هن من الباقيات الصالحات، ولم يقل هن جميع الباقيات الصالحات، ولا كل الباقيات الصالحات وجائز أن تكون هذه باقيات صالحات، وغيرها من أعمال البر أيضا باقيات صالحات» (٤).

стр. 409

وتبعه في هذا الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الصلوات الخمس مثال للباقيات في الآية. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الخمسة وهي: الوجه الأول: القليل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم البقية القلة. الوجه الثاني: الدوام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثالث: ما بقي من الذاهب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما قال الخليل. الوجه الرابع: الثواب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [هود: ٨٦]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الثواب مثال للبقية في الآية. الوجه الخامس: الصلوات الخمس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الصلوات الخمس مثال للباقيات في الآية.

стр. 410

المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف التاء. وفيه مطلبان . المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة التأويل . باب التأويل قال ابن الجوزي: «التأويل: العدول عن ظاهر اللفظ إلى معنى لا يقتضيه، لدليل دل عليه والتفسير: هو إبداء المعنى المستتر باللفظ قال أبو القاسم النحوي (١): التأويل في اللغة: المرجع والمصير. وقال شيخنا ﵁: التأويل نقل الكلام عن وضعه وأصله السابق إلى الفهم من ظاهره في تعاريف اللغة والشريعة أو العادة إلى ما يحتاج في فهمه والعلم بالمراد به إلى قرينة تدل عليه لعائق منع من استمراره على مقتضى لفظه وهو مأخوذ من المآل، ومن ذلك ما وقع الخطاب فيه على سبيل المجاز ولم يكن يراد به الأصل في الحقيقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]، أراد حب العجل لأنه لو حمل الكلام على حقيقته لكان العجل يكون في بطونهم لا في قلوبهم لأن الأعيان إنما تنتقل إلى البطن لا إلى القلب. ومثله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤]، أراد صاحب قول الحق ومن ذلك ما سمي الشيء فيه باسم ما يتحصل منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، أراد ما ثمرته نور في القلوب، ومثله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥]. أراد القرآن لأنه كالروح حياة في القلوب فأما ما فهم المعنى فيه من لفظه وذكر بغير صيغته ليصل فهمه إلى السامع فذلك هو التفسير (٢). وذكر أهل التفسير أن التأويل في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: العاقبة ، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، يعني عاقبة ما وعد اللَّه تعالى، وفي يونس: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩].

стр. 411

والثاني: اللون ، ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧]، يعني بألوانه. والثالث: المنتهين ، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، يعني ابتغاء منتهى ملك محمد وأمته وذلك حين زعم اليهود حين نزل على النَّبِيّ ﷺ فواتح السور أنها من حساب الجمّل وأن ملك أمته على قدر حساب ما أنزل عليه من الحروف. والرابع: تعبير الرؤيا ، ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]، وفيها: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، وفيها: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٤٥]، وفيها: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]. والخامس: التحقيق ، ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: العاقبة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس. (٢) ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).

стр. 412

وقال مجاهد (١): تأويله: جزاؤه، واستحسن النَّحَّاس (٢) الوجه بعد عرضه لقولي السلف، وقال القرطبي: «متقاربان» (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ومن هذا الباب تأويل الكلام، وهو عاقبتُهُ وما يؤُولُ إليه، وذلك قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، يقول: ما يَؤُول إليه في وقت بعثهم ونشورهم» (٥). الوجه الثاني: اللون. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧]. وقال به من السلف: الحسن (٦). ومن المفسرين: الفرَّاء، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيان (٧). وفي الآية قول آخر: وهو أن المراد بالتأويل هنا تعبير الرؤيا. وقال به من السلف: السدي (٨) وابن إسحاق (٩).

стр. 413

ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (١). وقال ابن عطية في رده للوجه: «قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا إنما أعلمهم بأنه يعلم مغيبات لا تعلق لها برؤيا، وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين، وهذا على ما روي من أنه نُبئ في السجن فإخباره كإخبار عيسى ﵇، وقال ابن جريج كانت عادة ذلك الملك إذا أراد قتل أحد ممن في سجنه بعث إليه طعاما يجعله علامة لقتله. قال القاضي أبو محمد وهذا كله لا يقتضيه اللفظ ولا ينهض به إسناد» (٢). ورد الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية ونسب القول الثاني لأكثر المفسرين فقال: «والمعنى لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام لما قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا، وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا، إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة قبل أن يأتيكما الطعام، هذا قول أكثر المفسرين وهو الصواب. وقال بعضهم: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧]. بتفسيره وألوانه، أي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم؛ فقالوا هذا فعل العرافين والكهنة؛ فقال: ما أنا بكاهن وإنما ذلك العلم مما يعلمنى ربى، وهذا القول ليس بشيء فإنه قال ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] وقد قال أحدهما: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧]، فطلبا منه تأويل ما رأياه وأخبرهما بتأويل ذاك، ولم يكن تأويل الطعام فى اليقظة ولا في القرآن أنه أخبرهما بما يرزقانه فى اليقظة؛ فكيف يقول قولا عاما لا يأتيكما طعام ترزقانه وهذا الإخبار العام لا يقدر عليه إلا الله والأنبياء يخبرون ببعض ذلك لا يخبرون بكل هذا. وأيضا فصفة الطعام وقدره ليس تأويلا له. وأيضا فالله إنما أخبر أنه علمه تأويل الرؤيا قال يعقوب ﵇: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]» (٣). وبهذا يعود هذا الوجه إلى الوجه الرابع الذي هو تعبير الرؤيا.

стр. 414

الوجه الثالث: المنتهين. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال به من السلف: ابن عباس (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان (٢). وللسلف في الآية أقوال أخر: أن التأويل هنا: عواقب القرآن؛ وهو طلب معرفة الوقت الذي هو جاءٍ قبل مجيئه المحجوب علمه عنهم وعن غيرهم بمتشابه آي القرآن، وقال به ابن عباس (٣)، والسدي (٤). أن التأويل هنا: تأويل المتشابه من القرآن إذا كان دافعه الزيغ في قلوبهم، وقال به محمد بن جعفر بن الزبير (٥)، ومحمد بن إسحاق. أن التأويل هنا: القضاء يوم القيامة، وقال به الحسن (٦). وليس بين أقوال السلف تعارض بل جميع ما ذكروه من قبيل التفسير بالمثال للتأويل الذي يتبعه من في قلبه زيغ فيفسر المتشابه من كتاب الله بما تؤول إليه حقيقة الشيء، ويطلب ما يكون، وكم يكون. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال؛ لأن من أمثلة التأويل المذموم دعوى معرفة منتهى ملك أمة محمد ﷺ . الوجه الرابع: تعبير الرؤيا. ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات:

стр. 415

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. وقال به من السلف: مجاهد، وابن زيد (١)، وقتادة (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]. وقال به من السلف: مجاهد (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥]. وقال به من السلف: الحسن (٦)، وابن إسحاق (٧). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٨). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١].

стр. 416

وقال به من السلف: مجاهد (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة قال ابن فارس: «آل يَؤُولُ إليه، إذا رجع إليه» (٣)، ومعلوم أن التأويل هنا ما ترجع إليه رؤيا المنام من الوقوع، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه السياق القرآني فالآيات كلها من سورة يوسف في سياق الرؤيا وتعبيرها. الوجه الخامس: التحقيق. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] واختلاف السلف في تحديد سني ما بين الرؤيا وتحققها، يدل على اتفاقهم على أن التأويل هنا بمعنى التحقق والوقوع، ومنهم: سلمان الفارسي، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، والسدي، والفضيل بن عياض (٤). وتبع السلف من المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته، لأن التحقيق نتيجة للتأويل، وقد يكون هذا الوجه قريب من الذي قبله لأن التحقيق مأخذه من قوله تعالى (هذا) وأما التأويل فهو بمعنى تعبير الرؤيا، فكأنه أشار إلى وقوع تأويله وتعبيره السابق بوقوعه.

стр. 417

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه أربعة هي: الوجه الأول: العاقبة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣].وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: المنتهين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومأخذه التفسير بالمثال؛ لأن من أمثلة التأويل المذموم معرفة منتهى ملك أمة محمد ﷺ . الوجه الثالث: تعبير الرؤيا. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦].وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: ٤٥].وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما قال ابن فارس، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه السياق القرآني فالآيات كلها من سورة يوسف في سياق الرؤيا وتعبيرها. الوجه الرابع: التحقيق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ومأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته. وأما الوجه الذي هو: - اللون. ففي قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٧]. فقد تقدم مناقشته، ورد ابن عطية وابن تيميَّة له وأن الصحيح دخول هذه الآية ضمن أمثلة الوجه الرابع فيكون التأويل هنا بمعنى تعبير الرؤيا. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة التلاوة . باب التلاوة: قال ابن الجوزي: «قال الزَّجَّاج: التلاوة في اللغة: اتباع بعض الشيء بعضاً. وقد استتلاك الشيء: إذا جعلك تتبعه.

стр. 418

قال الراجز: قد جعلت دلوي تستتليني ولا أحب تبع القرين (١). وقال ابن فارس: يقال تلوت القرآن تلاوة وتلوت فلاناً إذا اتبعته تلواً (٢). والتلاوة: بضم التاء والتلية بقية الشيء. يقال: تليت لي من حقي تلاوة وتلية، أي بقيت وأتليت أبقيت. وذكر أهل التفسير أن التلاوة في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: القراءة ، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وفيها: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وفي فاطر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩]. والثاني: الإتباع ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. والثالث: الإنزال ، ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٣]. والرابع: العمل ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، أي: يعملون به حق عمله. قاله مجاهد. والخامس: الرواية ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: ما تروي. قاله ابن قتيبة (٣)». (٤) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: القراءة. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:

стр. 419

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. ويشهد له حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا؛ فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم؛ فنزع يده عن آية الرجم، فقال ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم فأمر بهما فرجما قريبا من حيث موضع الجنائز، عند المسجد فرأيت صاحبها يجنأ (١) عليها يقيها الحجارة» (٢). وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن، والضحاك (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «ساعات الليل»، ونحوه عن الربيع (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩].

стр. 420

وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه التفسير باللازم؛ قال الراغب الأصفهاني: «فكل قراءة تلاوة، وليس كل تلاوة قراءة» (٢). الوجه الثاني: الإتباع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «التاء واللام والواو أصلٌ واحد، وهو الاتِّباع. يقال: تَلَوْتُه إذا تَبِعْتَه، ومنه تِلاوةُ القُرآن، لأنّه يُتْبِع آيةً بعد آية». (٥) الوجه الثالث: الإنزال. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٣]. وقال به السمرقندي، والبيضاوي (٦).

стр. 421

وهذا قول مخالف للغة ولعامة المفسرين إذ أنهم يرون أن التلاوة هنا بمعنى نقرأ ونقص؛ ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، والنسفي، وابن تيمية، وأبو حيان، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني (١). وبهذا يكون هذا المثال داخلا ضمن أمثلة الوجه الأول الذي هو القراءة. الوجه الرابع: العمل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «يتبعونه حق اتباعه» ونحوه عن ابن مسعود، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقيس بن سعد، ومجاهد وصرح به (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وللسلف في الآية قول آخر: يقرأونه حق قراءته؛ وقال به عمر بن الخطاب (٤). وليس بينهما تعارض فالقراءة والاتباع من لوازم التلاوة؛ قال ابن عطية بعد ذكره للقراءة: «وهذا أيضا يتضمن الاتباع، والامتثال» (٥).

стр. 422

وهذا الوجه يعود إلى الوجه الثاني؛ بل إن حقيقة الاتِّباع هي العمل، ومما يثبت هذا أن ابن عباس (١)، وقيس بن سعد (٢) فسرا هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. بآية الوجه الثاني: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. الوجه الخامس: الرواية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعطاء (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وللسلف في الآية قول آخر: تتلوا؛ تتبع وتعمل به، وقال به: ابن عباس، وأبو رزين (٥). وقبل قولي السلف جميعا ابن جرير وجعل الآية عامة فقال: «وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة، ورواية وعملا فتكون كانت متبعته بالعمل، ودارسته بالرواية؛ فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك وعملت به وروته». (٦)

стр. 423

وبعد هذا العرض يلحظ أن هذا الوجه جزء من الوجه الأول الذي هو القراءة، فليس بين الرواية والقراءة فرق يدعو إلى تفسير الآية بالرواية دون القراءة، ويؤكد هذا ما دل عليه كلام ابن جرير على الآية فقال: «تتلوا: تحدث وتروي وتتكلم به وتخبر، نحو تلاوة الرجل للقرآن وهي قراءته» (١). وإن أخذنا بالقول الثاني للسلف - الاتباع - فهو بلا شك عائد للوجه الثاني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الوجوه الخمسة صحة وجهين فقط وهما: الوجه الأول: القراءة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. وقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣].وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩]، وشهد له حديث عبد الله بن عمر، ومأخذه التفسير باللازم. الوجه الثاني: الإتباع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. وأما الوجوه الثلاثة: - الإنزال. فتقدم أنه على خلاف اللغة وقول جمهور المفسرين؛ وأن الصحيح في معنى التلاوة في الآية القراءة فهي بهذا مثال على الوجه الأول. - العمل. فقد تقدم أن هذا الوجه يعود إلى الوجه الثاني؛ وأن حقيقة الاتباع هي العمل وإثبات هذا من تفسير السلف. - الرواية. فعلى قول السلف: الرواية فتقدم أنها جزء من القراءة وكيف دل على ذلك كلام ابن جرير؛ وهي بهذا تدخل في الوجه الأول؛ وعلى قولهم أن التلاوة بمعنى الاتباع؛ فهذا صريح في الوجه الثاني.

стр. 424

المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرفي الجيم والحاء . وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الجنود: باب الجنود: قال ابن الجوزي: «الجنود: جمع جند: وهو العدد الكثير المجتمع (١)، وذكر بعض المفسرين أن الجنود في القرآن على خمسة أوجه: أحدهما: الملائكة ، ومنه قوله تعالى في المدثر: ربك ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، أراد الملائكة على الإطلاق وقيل زبانية النار خاصة. والثاني: الرسل والمؤمنون ، ومنه قوله تعالى في الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٨٣]. والثالث: الذرية ، ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٩] أراد ذريته وهم الشياطين. والرابع: الجموع ، ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧]، وفي القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]، وفي البروج: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧]. والخامس: الناصرون ، ومنه قوله تعالى في سورة مريم: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥]، أراد ناصراً وقيل أمراً» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الملائكة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].

стр. 425

وقال به من السلف قتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ لأن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال، لأن الملائكة مثال على الجنود. الوجه الثاني: الرسل والمؤمنون. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٨٣]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: الذرية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. وقال به من السلف: السدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٥). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: الجموع. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
следующие страницы →