← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وهذا قول مخالف للغة ولعامة المفسرين إذ أنهم يرون أن التلاوة هنا بمعنى نقرأ ونقص؛ ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، والنسفي، وابن تيمية، وأبو حيان، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني (١). وبهذا يكون هذا المثال داخلا ضمن أمثلة الوجه الأول الذي هو القراءة. الوجه الرابع: العمل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «يتبعونه حق اتباعه» ونحوه عن ابن مسعود، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقيس بن سعد، ومجاهد وصرح به (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وللسلف في الآية قول آخر: يقرأونه حق قراءته؛ وقال به عمر بن الخطاب (٤). وليس بينهما تعارض فالقراءة والاتباع من لوازم التلاوة؛ قال ابن عطية بعد ذكره للقراءة: «وهذا أيضا يتضمن الاتباع، والامتثال» (٥).

стр. 422

وهذا الوجه يعود إلى الوجه الثاني؛ بل إن حقيقة الاتِّباع هي العمل، ومما يثبت هذا أن ابن عباس (١)، وقيس بن سعد (٢) فسرا هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. بآية الوجه الثاني: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. الوجه الخامس: الرواية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعطاء (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وللسلف في الآية قول آخر: تتلوا؛ تتبع وتعمل به، وقال به: ابن عباس، وأبو رزين (٥). وقبل قولي السلف جميعا ابن جرير وجعل الآية عامة فقال: «وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة، ورواية وعملا فتكون كانت متبعته بالعمل، ودارسته بالرواية؛ فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك وعملت به وروته». (٦)

стр. 423

وبعد هذا العرض يلحظ أن هذا الوجه جزء من الوجه الأول الذي هو القراءة، فليس بين الرواية والقراءة فرق يدعو إلى تفسير الآية بالرواية دون القراءة، ويؤكد هذا ما دل عليه كلام ابن جرير على الآية فقال: «تتلوا: تحدث وتروي وتتكلم به وتخبر، نحو تلاوة الرجل للقرآن وهي قراءته» (١). وإن أخذنا بالقول الثاني للسلف - الاتباع - فهو بلا شك عائد للوجه الثاني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الوجوه الخمسة صحة وجهين فقط وهما: الوجه الأول: القراءة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. وقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣].وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩]، وشهد له حديث عبد الله بن عمر، ومأخذه التفسير باللازم. الوجه الثاني: الإتباع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. وأما الوجوه الثلاثة: - الإنزال. فتقدم أنه على خلاف اللغة وقول جمهور المفسرين؛ وأن الصحيح في معنى التلاوة في الآية القراءة فهي بهذا مثال على الوجه الأول. - العمل. فقد تقدم أن هذا الوجه يعود إلى الوجه الثاني؛ وأن حقيقة الاتباع هي العمل وإثبات هذا من تفسير السلف. - الرواية. فعلى قول السلف: الرواية فتقدم أنها جزء من القراءة وكيف دل على ذلك كلام ابن جرير؛ وهي بهذا تدخل في الوجه الأول؛ وعلى قولهم أن التلاوة بمعنى الاتباع؛ فهذا صريح في الوجه الثاني.

стр. 424

المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرفي الجيم والحاء . وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الجنود: باب الجنود: قال ابن الجوزي: «الجنود: جمع جند: وهو العدد الكثير المجتمع (١)، وذكر بعض المفسرين أن الجنود في القرآن على خمسة أوجه: أحدهما: الملائكة ، ومنه قوله تعالى في المدثر: ربك ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، أراد الملائكة على الإطلاق وقيل زبانية النار خاصة. والثاني: الرسل والمؤمنون ، ومنه قوله تعالى في الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٨٣]. والثالث: الذرية ، ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٩] أراد ذريته وهم الشياطين. والرابع: الجموع ، ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧]، وفي القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]، وفي البروج: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧]. والخامس: الناصرون ، ومنه قوله تعالى في سورة مريم: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥]، أراد ناصراً وقيل أمراً» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الملائكة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].

стр. 425

وقال به من السلف قتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ لأن الله تعالى قال في أول الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]. ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال، لأن الملائكة مثال على الجنود. الوجه الثاني: الرسل والمؤمنون. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٨٣]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: الذرية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. وقال به من السلف: السدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٥). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: الجموع. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:

стр. 426

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧]. وقال به من السلف: وهب بن منبه، وأبو صالح (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]. وقال به من السدي (٣). وقال به من المفسرين: ابن جرير، وأبو حيان (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٥). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الجيم والنون والدال يدلُّ على التجمّع والنُّصرة» (٦)، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الجنود أن يكونوا جمعا. الوجه الخامس: الناصرون. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٧).

стр. 427

ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الجيم والنون والدال يدلُّ على التجمّع والنُّصرة» (١)، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الجنود النصرة. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الخمسة وهي: الوجه الأول: الملائكة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال، لأن الملائكة مثال على الجنود. الوجه الثاني: الرسل والمؤمنون. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٨٣]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: الذرية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: الجموع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ [النمل: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص: ٨]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الجنود أن يكونوا جمعا. الوجه الخامس: الناصرون. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥]. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الجنود النصرة.

стр. 428

المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الحمد: باب الحمد: قال ابن الجوزي: «الحمد: ثناء على المحمود، ويشاركه الشكر. إلاَّ أن بينهما فرقاً وهو أن الحمد قد يقع على سبيل الابتداء، وعلى سبيل الجزاء. والشكر: لا يكون إلاَّ في مقابلة النعمة، فكل شكرٍ: حمد، وليس كل حمدٍ شكراً. ونقيض الحمد: الذم. ونقيض الشكر: الكفر. ويقال: رجل محمود، ومحمدٌ، إذا كثرت خصاله المحمودة. قال الأعشى يمدح بعض الملوك: إليك أبَيتَ اللّعنَ كانَ كَلالُها ... إلى الماجد الفَرْعِ الجَوادِ المُحَمَّدِ (١) وبذلك، سمي رسول اللَّه ﷺ محمداً. وتقول: " حماداك أن تفعل كذا"، أي: غايتك. ورجل حمدة: يكثر حمد الأشياء. وأحمدت فلاناً. إذا وجدته محموداً (٢). وذكر بعض المفسرين أن الحمد في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: الثناء والمدح ، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وفي بني إسرائيل: ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. والثاني: الأمر ، ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]، وفي الطور: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]. والثالث: المنة ، ومنه قوله تعالى في الزمر: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. والرابع: الشكر . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١].

стр. 429

والخامس: الصلاة . ومنه قوله تعالى في الروم: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، أراد الصلوات الخمس» (١). دراسة الوجوه التي ذكره ابن الجوزي: الوجه الأول: الثناء والمدح. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]. واختلف السلف في تحديد المراد بالآية، واتفقوا على أن الحمد هنا الثناء والمدح، ومنهم: أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، والسدي، ابن جريج (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ويشهد له حديث ابن عمر ﵄ يقول: «إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثاً، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود». (٤) ونحوه عن، أبي هريرة، وكعب بن مالك، وحذيفة بن اليمان (٥)، وابن مسعود، وابن عباس

стр. 430

- ﵃ (١). أن المقام المحمود في الآية هو الشفاعة. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). تنبيه: للسلف في الآية قول آخر: أن محمدا ﷺ يجلسه ربه على العرش معه، وقال به: ابن مسعود، وابن عباس (٣)، مجاهد. (٤) وبالغ الواحدي في رده وتشنيعه (٥) لهذا القول؛ فقال: «وهذا قول رذل، موحش، فظيع، ونص الكتاب ينادي بفساد هذا التفسير، ... أن هذا القول كلام رذل ساقط لا يميل إليه إلا إنسان قليل العقل عديم الدين والله أعلم. وقال ابن تيمية في احتمال الآية للوجهين: «إذا تبين هذا فقد حدّث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون؛ أن محمدا رسول الله، يجلسه ربه على العرش معه روى ذلك محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد في تفسير ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].وذكر ذلك من وجوه أخرى مرفوعة وغير مرفوعة، قال ابن جرير وهذا ليس مناقضا لما استفاضت به الأحاديث من أن المقام المحمود هو الشفاعة باتفاق الأئمة، من جميع من ينتحل الإسلام ويدعيه لا يقول أن إجلاسه على العرش منكرا، وإنما أنكره بعض الجهمية (٦)، ولا ذكْره في تفسير الآية منكر». (٧)

стр. 431

ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «والحَمْدُ: الثناء» (١)، ويجوز أن يكون مأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته، لأن نتيجة الحمد الثناء والمدح. الوجه الثاني: الأمر. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن جريج. (٢) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وللسلف في الآية أقوال أخر: - أن الحمد هنا: معرفته وطاعته: وقال به قتادة. - أن الحمد هنا: أن جميع العالمين يقومون وهم يحمدون الله على مايظهر لهم من قدرته، وقال به سعيد بن جبير (٤). الآية الثانية قوله تعالى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي (٥). وللسلف في الآية أقوال ثلاثة: - إذا قمت من نومك فقل: سبحان الله، وقال به عوف بن مالك (٦)، وابن زيد.

стр. 432

- إذا قمت إلى المفروضة فقل: سبحانك اللهم وبحمدك، وقال به الضحاك (١). - حين تقوم من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيرا وان كان غير ذلك كان هذا كفارة له (٢). وليس بين أقوال السلف تعارض بل جميع الأقوال من قبيل التفسير بالمثال. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: المنة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. ولم أقف على من صرح به من السلف والمفسرين. وظاهر كلام المفسرين، يدل على أن الحمد في الآية الشكر والثناء على الله؛ وليس بعيداً هذا التفسير مما ذكره ابن الجوزي حيث إن منته تعالى بصدقه وعده من أسباب حمده وشكره، وقال بالشكر والثناء على الله تعالى من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وبهذا يعود هذا المثال للوجه الأول. الوجه الرابع: الشكر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 433

ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الحمد الشكر؛ قال الراغب الأصفهاني: «فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا» (١). والخامس: الصلاة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]. وقال به من السلف ابن عباس؛ قال: «يحمده أهل السماوات وأهل الأرض، ويصلون له». (٢) وهذا الذي فسره ابن عباس قد يكون تفسيرا للآية كلها؛ بدليل سؤال نافع بن الأزرق إياه هل تجد ميقات الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال: نعم فسبحان الله حين تمسون المغرب وحين تصبحون الفجر، وعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر، قال ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم» (٣). وفسر الحمد على أصله في الآية من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويؤيد رد الوجه في الآية أمور: - أن ابن جرير نقل عن ابن عباس مرويات متعددة على نحو سؤال نافع بن الأزرق، ولم يورد رواية ابن الجوزي تلك. - أن هذا الوجه من التفسير لو صح عن مثل ابن عباس لقال به أولئك المفسرون؛ وإنما أورده القرطبي ورده ورجح أصل الحمد؛ فقال: «﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]. اعتراض بين الكلام بدُءوب الحمد على نعمه وآلائه، وقيل: معنى وله الحمد، أي الصلاة له لاختصاصها بقراءة الحمد. والأول أظهر فإن الحمد لله من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته ودوام نعمته فيكون نوعا آخر خلاف الصلاة والله أعلم» (٥). - قال باعتراض جملة ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، على نحو قول القرطبي آنفا؛ ابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٦). وبهذا يكون هذا المثال عائداً إلى معنى الثناء والمدح لله تعالى، وهو الوجه الأول . نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه ثلاثة هي: الوجه الأول: الثناء والمدح. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران ١٨٨]. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وشهد له حديث ابن عمر، وتم التنبيه على أثر مجاهد ورد الواحدي له وتفنيد قول الواحدي من كلام شيخ الاسلام، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل، ويجوز أن يكون مأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته، لأن نتيجة الحمد الثناء والمدح. الوجه الثاني: الأمر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: الشكر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الحمد الشكر؛ كما قال الراغب الأصفهاني، وبين هذا الوجه والوجه الأول - الثناء والمدح - تقارب، وأبقى على التفريق بينهما توسط الحمد بين المدح الذي هو أوسع منه فصار نتيجة له، وبين الشكر الذي هو أخص منه فصار لازما له (٧)، قال ابن عطية عن الحمد: «وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى

стр. 434

إلى الشاكر، وشكره حمد، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئا، فالحامد من الناس قسمان الشاكر، والمثني بالصفات» (١). وأما الوجهان اللذان هما: - المنة. ففي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤]. فقد تقم أنني لم أقف على من قال به من السلف والمفسرين، وأن ظاهر كلام المفسرين، يدل على أن الحمد في الآية الثناء على الله وبهذا يعود هذا المثال للوجه الأول - الصلاة. ففي قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، فقد تقدم التدليل من كلام ابن عباس عند ابن جرير أن هذا تفسير لعموم الآية، وأنه لو صح به الوجه لقال به المفسرون، وقد تقدم رد القرطبي له، وأن عامة المفسرين على أن الحمد على أصله في الآية وهو الثناء على الله تعالى وبهذا يعود هذا المثال للوجه الأول.

стр. 435

المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الخاء . وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الخوف . باب الخوف قال ابن الجوزي: «الخوف والفزع يتقاربان. والخوف: لما يستقبل. والحزن: لما فات. وقال شيخنا: الخوف خاصة من خواص النفس تظهر (١). وذكر أهل التفسير أن الخوف في القرآن على خمسة أوجه: الأول: الخوف نفسه . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، وفي الأعراف: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وفي تنزيل السجدة: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. والثاني: العلم . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]، وفيها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وفي سورة النساء: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وفيها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي الأنعام: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ [الأنعام: ٥١]. والثالث: الظن . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. قال الفرَّاء: وهي في قراءة أُبي إلاَّ أن يظنا والخوف والظن يتقاربان في كلام العرب. قال الشاعر: أتاني كلام عن نصيب يقوله وما خفت يا سلام أنك عائبي (٢) وقد ألحق قوم هذا القسم بالذي قبله.

стр. 436

والرابع: القتال . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وفيها: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]. والخامس: النكبة تصيب المسلمين من قتل أو هزيمة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]. قال ابن عباس ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث سرية من السرايا فغلبت أو غُلبت، تحدثوا بذلك ولم يسكتوا حتى يكون النَّبِيّ ﷺ هو المحدث به» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الخوف نفسه. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]. وقال به من السلف: ابن جبير (٢)، وابن إسحاق (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال به من السلف: ابن جريج (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 437

وللسلف في الآية قول آخر: وهو الخوف من الصواعق، وقال به الضحاك (١)، وليس بين القولين تعارض فكلاهما من قبيل التفسير بالمثال. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. وقال به من السلف: ابن عباس (٢)، وقتادة (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الخاء والواو والفاء أصلٌ واحد يدلُّ على الذُّعْرِ والفزَع» (٥). الوجه الثاني: العلم. ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، والسدي، وابن زيد (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

стр. 438

واختلف السلف في تحديد المراد بحدود الله سبحانه، وكلامهم يدل على الوجه في الآية؛ كقول ابن عباس: «﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].قال هو تركها إقامة حدود الله، واستخفافها بحق زوجها، وسوء خلقها فتقول له: والله لا أبر لك قسما، ولا أطأ لك مضجعا، ولا أطيع لك أمرا؛ فإن فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية»، ونحوه عن الحسن، وعامر الشعبي (١). ومن المفسرين: أبو حيان (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]. أفاض ابن جرير في عرضه لخلاف السلف في المراد في الآية؛ ومع اختلافهم فإن تفسيرهم للآية يدل على الوجه؛ ومنهم: عائشة، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومجاهد، والحسن (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الرابع: قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن علي بن أبي طالب: «المرأة الكبيرة أو الدميمة، أو لا يحبها زوجها، يصطلحان»، ونحوه عن عمر، وابن عباس، وعائشة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والسدي، وابن زيد (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 439

الآية الخامس: قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ [الأنعام: ٥١]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب الخوف العلم، كما أشار إليه أبو حيان إذ يقول: «والعلاقة بين الخوف والعلم، حتى أطلق على العلم الخوف، وأن الإنسان لا يخاف شيئا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من باب التعبير بالمسبِب عن السبب» (٢). الوجه الثالث: الظن. ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وأما السلف فإنهم اختلفوا في معنى الخوف منهما ألا يقيما حدود الله، واتفقوا على معنى الظن في الآية، وهو صريح في قراءة أبي بن كعب (٣) وذلك كقول ابن عباس «ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها فتدعوك إلى أن تفتدي منك فلا جناح عليك فيما افتدت به» ونحوه في الدلالة على الوجه، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، والربيع والزهري، والحسن، والشعبي، والسدي، وابن جريج، وسعيد بن المسيب (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان. (٥)

стр. 440

ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب الخوف الظن. الوجه الرابع: القتال. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]. وقال به من السلف: قتادة، ويزيد بن رومان (١). ومن المفسرين: ابن جرير والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب الخوف القتل. الوجه الخامس: النكبة تصيب المسلمين من قتل أو هزيمة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣)، والسدي (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان (٥). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب الخوف القتل.

стр. 441

نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الخمسة وهي: الوجه الأول: الخوف نفسه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ ... ﴾ [آل عمران: ١٧٠].وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: العلم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: ١٨٢]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨].وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ [الأنعام: ٥١]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه كما أشار إليه أبو حيان. الوجه الثالث: الظن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب الخوف الظن. الوجه الرابع: القتال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب الخوف القتل. الوجه الخامس: النكبة تصيب المسلمين من قتل أو هزيمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]. ومأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن من أسباب الخوف النكبة.

стр. 442

المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الخيانة . باب الخيانة: قال ابن الجوزي: » الخيانة: التفريط فيما يؤتمن الإنسان عليه. ونقيضها: الأمانة. والتخون في اللغة: التنقص، تقول: تخونني فلان حقي إذا تنقصك. وسئل ثعلب: أيجوز أن يقال: إن الخوان إنما سمي بذلك لأنه يتخون ما عليه، أي: ينتقص، فقال: ما يبعد ذلك (١). وذكر أهل التفسير أن الخيانة في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: المعصية . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال ابن قتيبة: تخونونها بالمعصية (٢). وفي الأنفال: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وفي حم المؤمن: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]. والثاني: نقض العهد . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، وفي الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨]. والثالث: ترك الأمانة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. نزلت في طعمة بن أبيرق، كان عنده درع فخانها. والرابع: المخالفة في الدين . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]، وفي الأنفال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١]، وفي التحريم: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. والخامس: الزنى ، ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] «(٣).

стр. 443

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: المعصية . ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال به من السلف: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، والبراء بن عازب، وكعب بن مالك، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وعكرمة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]. ويشهد له حديث علي ﵁ قال بعثني رسولُ ﷺ والزبيرَ بن العوام وأبا مرثد الغنوي، وكلنا فارس، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (٣)؛ فإن بها امرأة من المشركين معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة، إلى المشركين، قال: فأدركناها تسير على جمل لها حيث قال لنا رسول الله ﷺ قال: قلنا: أين الكتاب الذي معك؟، قالت: ما معي كتاب فأنخنا بها فابتغينا في رحلها فما

стр. 444

وجدنا شيئا، قال صاحباي: ما نرى كتابا، قال: قلت: لقد علمت ما كذب النبي ﷺ ، والذي يُحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجردنك، قال: فلما رأت الجد مني أهوت بيدها إلى حجزتها (١)، وهي محتجزة بكساء فأخرجت الكتاب، قال: فانطلقنا به إلى ﷺ فقال: ما حملك يا حاطب على ما صنعت؟ قال: ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله وما غيرت ولا بدلت، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس من أصحابك هناك إلا وله من يدفع الله به عن أهله وماله، قال: صدق فلا تقولوا له إلا خيرا. قال فقال: عمر بن الخطاب: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فأضرب عنقه، قال فقال: يا عمر وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، قال فدمعت عينا عمر وقال الله ورسوله أعلم» (٢). وقال به من السلف: ابن عباس (٣)، وابن زيد، والسدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]. وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧).

стр. 445

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه التفسير باللازم، لأن من لوازم الخيانة المعصية، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «وخائِنةُ العَيْن: ما تخُونُ من مُسارَقة النَّظَر أي: تنظُرُ إلى ما لا يَحِلُّ» (١). الوجه الثاني: نقض العهد. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد، وعكرمة (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقال به من السلف: ابن زيد (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «فالخيانة مخالفة الحق بنقضِ العهد» (٦)، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال لأن من أمثلة الخيانة نقض العهد. الوجه الثالث: ترك الأمانة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].

стр. 446

ويشهد له ماروي في سبب نزول هذه الآية وما بعدها: فعن قتادة بن النعمان (١) قال: «كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر .. الحديث .. وفيه .. قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فكلمته، فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟ قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ فقال: الله المستعان فلم يلبث أن نزل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، أي مما قلت لقتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١١٠]» (٢). وبين هذا الوجه والوجه الأول تقارب شديد لكون ترك الأمانة مثالاً من أمثلة المعصية؛ غير أن مراد ابن الجوزي هنا ظاهر في سبب النزول. ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول.

стр. 447

الوجه الرابع: المخالفة في الدين. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]. ولم أقف على من قال به من السلف والمفسرين، وإنما الذي يذكرونه: أن الخيانة هنا، خيانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره. وقال بهذا من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وبهذا يعود هذا المثال للوجه الذي قبله وهو ترك الأمانة، ويكفي في الدلالة على ذلك سبب نزول الآية هناك. الآية الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، والسدي (٣)، وابن جريج (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. وقال به من السلف: ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير (٦).

стр. 448

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين الأخيرتين، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الخامس: الزنى. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] وقال به من السلف: ابن عباس، وابن إسحاق (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وبالنظر لهذا الوجه مع الوجه الأول ، فليس بينهما فرق لأن الزنا معصية من المعاصي؛ غير أن سياق هذه الآية والتي قبلها من اعتراف امرأة العزيز بمراودتها ليوسف يبين صحة الوجه ولا يمنع عموم الآية في جميع الخيانات مراد ابن الجوزي. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الخمسة، وهي: الوجه الأول: المعصية. قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقوله تعالى: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]. وشهد له حديث علي ﵁ وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]، ومأخذه التفسير باللازم، لأن من لوازم الخيانة المعصية، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل.

стр. 449

الوجه الثاني: نقض العهد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣].وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨]. ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كماقال الراغب الأصفهاني. والثالث: ترك الأمانة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. وشهد له حديث قتادة بن النعمان، ومأخذه سبب النزول. الوجه الرابع: المخالفة في الدين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [الأنفال: ٧١].وقوله تعالى: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]. ومأخذه التفسير بالمثال. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]. فقد تقدم أنني لم أقف على من قال به من السلف والمفسرين، وإنما الذي يذكرونه: أن الخيانة هنا، خيانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره. وبهذا يعود هذا المثال للوجه الذي قبله وهو ترك الأمانة، ويكفي في الدلالة على ذلك سبب نزول الآية هناك. الوجه الخامس: الزنى. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 450

المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الزاي . وهي كلمة الزينة: باب الزينة: قال ابن الجوزي «الزينة ما يحصل به التحسين للشيء حتى تتوق النفس إليه بالشهوة (١). وذكر بعض المفسرين أن الزينة في القرآن على خمسة أوجه: أحدهما: الحسن . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]، وفي آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]، أي: حسن. وفي الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. والثاني: الحلي . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾ [طه: ٨٧]. والثالث: الزهرة . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا﴾ [يونس: ٨٨]، وفي الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. والرابع: الحشم . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ القصص: ٧٩]. والخامس: الملابس . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وذلك أن الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة، فقيل خذوا ملابسكم عند كل صلاة» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الحسن. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢].

стр. 451

ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول أبي بكر ﵁: «: اللهم إنا لا نستطيع إلا نفرح بما زينت لنا» (١) وعن عكرمة: «الكفار يبتغون الدنيا، ويطلبونها (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول عمر ﵁: «الآن يا رب حين زينتها لنا»، ونحوه عن ابن زيد (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثالثة: قوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]. وقال به من السلف: قتادة (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٧).

стр. 452

ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الزاء والياء والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على حُسن الشيء وتحسينه». (١)، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الزينة الحسن. الوجه الثاني: الحلي. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾ [طه: ٨٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الحلي مثال على الزينة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب الزينة الحلي. الوجه الثالث: الزهرة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا﴾ [يونس: ٨٨]. ولم أقف على من قال بأن الزينة في المثالين الزهرة، وإنما الذي يدل عليه كلام المفسرين في الآيتين هو: أن الزينة في المثال الأول عامة في كل ما يُتزين به في الحياة الدنيا. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والسمرقندي، والسمعاني، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).

стр. 453

الآية الثانية: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وأما الزينة هنا فقال ابن جرير عن المال والبنين: مما يُتَزين به في الحياة. ونحوه عن ابن عطية، والقرطبي، وأبي حيان، وابن كثير (١). ومما يثبت أن الزينة هنا لم تخرج عن معناها الأصلي وهو الحسن؛ أن ابن كثير فسر آية الكهف هنا بآية آل عمران التي هي مثال للوجه الأول فقال: «وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]» (٢). وأما ما ذكره ابن الجوزي فعند التأمل يلحظ أنه هنا فسر هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. وجعله من تفسير القرآن بالقرآن. وقد تقدم ذكر أقوال المفسرين في الآيتين. وبهذا يعود مثالا هذا الوجه للمعنى الأصلي للزينة وهو الحسن. الوجه الرابع: الحشم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]. تعدد النقل في هذه الآية على تفاصيل دقيقة في تحديد الزينة سواء من قائل بالوجه، وبالعدد، واللون، والنوع. وكله من قبيل الإسرائيليات؛ قال عنها ابن عطية في هذه الآية: «وأكثرَ المفسرون في تحديد زينة قارون وتعيينها بما لا صحة له فاختصرته» (٣). وقال المراغي: «وقد روي عن مفسري السلف في زينة قارون ما يجعلنا نقف أمامه موقف الحذر، ويجعلنا نعتقد أن الإسرائيليات سَداه ولُحمته (٤)» (٥).

стр. 454

والصحيح هنا عموم الزينة فهو خرج في أحسن حلة وحال دون تحديد أو تقييد، وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول الذي هو الحسن. الوجه الخامس: الملابس. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال به من السلف: ابن عباس، وعطاء، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وابن جبير، وطاوس بن كيسان، وقتادة، والسدي، والزهري، والضحاك، وابن زيد (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الملابس مثال على الزينة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب الزينة الملابس. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه ثلاثة وهي: الوجه الأول: الحسن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]. وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كماقال ابن فارس، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الزينة الحسن. الوجه الثاني: الحلي. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾ [طه: ٨٧]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الحلي مثال على الزينة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب الزينة الحلي. الوجه الثالث: الملابس. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الملابس مثال على الزينة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب الزينة الملابس.

стр. 455

وأما الوجهان وهما: - الزهرة . فقد تقدم أنني لم أقف على من قال بأن الزينة في المثالين الزهرة؛ وإنما الذي يدل عليه كلام المفسرين في الآيتين هو: أن الزينة في المثال الأول: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا﴾ [يونس: ٨٨] عامة في كل ما يُتزين به في الحياة الدنيا. وأما الزينة في المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. فهي أن المال والبنين: مما يُتَزين به في الحياة. كما أشار إليه ابن كثير، وبهذا يعود مثالا هذا الوجه للمعنى الأصلي للزينة وهو الحسن. - الحشم . فقد تقدم أنه تعدد النقل في هذه الآية: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]. على تفاصيل دقيقة في تحديد الزينة سواء من قائل بالوجه، وبالعدد، واللون، والنوع، وأن كله من قبيل الإسرائيليات؛ ورد ابن عطية والمراغي لها، وأن والصحيح هنا عموم الزينة دون تحديد أو تقييد، وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول الذي هو الحسن.

стр. 456

المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين . وفيه مطلبان: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة السحر: باب السحر: قال ابن الجوزي: «قال بعض أهل العلم: السحر: اسم لما لطف وخفي سببه. والسحر أنواع فمنه، شعبذة: كإيهام سحرة فرعون أن العصي حيات. ومنه عقد، ونفث، ورقى، وغير ذلك، وربما أثر في الماء والهواء. وقال ابن عقيل (١) من أصحابنا: ولا ينكر أن يحدث اللَّه شيئاً عقيب شيء، من غير تولد من ذلك الشيء. كما يحدث الشفاء عند التداوي. والجرب والجذام عند مقاربة أصحاب ذلك باطراد العادة لا من طريق العدوى. وقد نقص قوم من رتبة السحر فقالت المعتزلة: ليس السحر إلاَّ الشعبذة (٢) والدهشة والنقل الصحيح يكذبهم. فإن النَّبِيّ ﷺ " سُحر حتى كان يخيل إليه بأنه يأتي أهله فيغتسل" (٣). وقد رفعه قوم فجعلوه زائداً على المعجزات. وربما توهم جاهل أن الساحر يقلب

стр. 457

الصور فيجعل المرأة طائراً ونحو ذلك (١). وذكر بعض المفسرين أن السحر في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب. ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وفي الأعراف: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]. والثاني: العلم . ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]. والثالث: الكذب . ومنه قوله تعالى في القمر: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، وفي الأعراف: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. والرابع: الجنون . ومنه قوله تعال في بني إسرائيل: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ومثله في الفرقان. والخامس: الصرف . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ المؤمنين: ٨٩]، أي: تصرفون عن الحق» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وابن إسحاق (٣).

стр. 458

ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، والسدي (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). تنبيه: أنكر الزَّمخشري وقوع السحر حقيقة في الموضعين، وقد تقدم الكلام عليه في مقدمة ابن الجوزي. ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أحد أصول اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «السين والحاء والراء أصول ثلاثة متباينة: أحدهما عضْوٌ من الأعضاء، والآخر خَدْعٌ وشِبههُ، والثالث وقتٌ من الأوقات» (٤). هذا وإن السحر منه ما يكون باستجلاب معاونة الشياطين - وهو الذي تنكره المعتزلة -، ومنه المثال الأول، ومنه ما يكون بالخديعة ومنه المثال الثاني (٥). الوجه الثاني: العلم (٦). ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] وقال به من السلف: ابن عباس (٧).

стр. 459

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم السحر العلم. الوجه الثالث: الكذب. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]. ولم أقف على من فسر السحر هنا بالكذب من السلف والمفسرين. بل الذي يقولونه: إنه السحر المعروف. وقال به من السلف: قتادة، والضحاك (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. وهذا المثال كسابقه؛ لم أقف على من فسر السحر هنا بالكذب من السلف والمفسرين. بل الذي يقولونه: أنه السحر المعروف. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وابن كثير (٤). وبهذا يعود هذان المثالان إلى الوجه الأول وهو السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب. الوجه الرابع: الجنون. ومثل له ابن الجوزي بآيتين:

стр. 460

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، وقال به من المفسرين: الزَّمخشري (١). والذي عليه الأكثرون أن السحر هنا على حقيقته: وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]. ولم أقف على من قال به من السلف والمفسرين (٣). والذي عليه المفسرون إن السحر هنا على حقيقته: وقال به منهم: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وذكر البغوي عن مجاهد (٥): مخدوعا، وهو يعود لأحد نوعي السحر المعروف - الوجه الأول -. الوجه الخامس: الصرف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنين: ٨٩]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
следующие страницы →