آثاره:
تقدم في صفاته أنه من نوادر العلماء في التأليف وقوته عليه، ولهذا وجدت مؤلفات تتحدث عن مؤلفاته، ومنها:
١ - مؤلفات ابن الجوزي، للأستاذ: عبد الحميد العلوجي، في كتاب مستقل وفيه إحصاءات عن عدد كتبه ومؤلفاته، ومواضيعها وغير ذلك.
٢ - الدراسة التي قامت بها الباحثة ناجية إبراهيم عبد الله في مقدمة رسالتها المحققة، والموسومة بـ «المصباح المضيئ في خلافة المستضيء» وتحقيقها فهرست كتب ابن الجوزي المنشور في مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد الحادي والثلاثون - العدد الثاني. ١٩٨٠.
المؤلفات المتعلقة بعلوم القرآن:
١_ تذكرة الأريب في تفسير الغريب
٢ _ زاد المسير في علم التفسير.
٣_ فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن.
٤ _ منتخب قرة العيون النواظر في الوجوه والنظائر.
٥_ المدهش في علوم القرآن والحديث.
٦ _ المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ.
٧_ نواسخ القرآن (١).
المؤلفات المتعلقة بالعلوم الأخرى:
١ - أخبار الحمقى والمغفلين.
٢ - أخبار الضرفاء والمتماجنين.
٣ - أخبار النساء.
٤ - الأذكياء.
٥ - بستان الواعظين ورياض السامعين.
٦ - بكاء الناس على الشباب وجزعهم على الشياب.
стр. 37
٧ - تاريخ عمر بن الخطاب.
٨ - التأريخ والمواعظ.
٩ - التبصرة.
١٠ - تبصرة الأخيار في نيل مصر وإخوانه من الأنهار.
١١ - تحفة الواعظ، ونزهة الملاحظ.
١٢ - التحقيق في أحاديث الخلاف.
١٣ - تسهيل المنافع في الطب.
١٤ - تقويم اللسان.
١٥ - تلبيس إبليس.
١٦ - تلقيح فهوم أهل الأثر في التأريخ والسير.
١٧ - تنبيه النائم الغمر، على حفظ مواسم العمر.
١٨ - دفع شبهة التشبيه والرد على المجسمة.
١٩ - ذم الهوى.
٢٠ - الذهب المسبوك في سير الملوك.
٢١ - روح الأرواح.
٢٢ - رؤوس القوارير.
٢٣ - سلوة الأحزان.
٢٤ - سيرة أو (مناقب) عمر بن عبد العزيز.
٢٥ - الشفاء في مواعظ الملوك والخلفاء.
٢٦ - صفة الصفوة.
٢٧ - صيد الخاطر.
٢٨ - الطب الروحاني.
٢٩ - فضائل القدس.
٣٠ - القرامطة.
٣١ - القصاص والمذكرون.
٣٢ - كتاب الخراج.
стр. 38
٣٣ - لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.
٣٤ - المجالس.
٣٥ - المصباح المضيء في خلافة المستضيء.
٣٦ - ملتقط الحكايات.
٣٧ - مناقب الإمام أحمد بن حنبل.
٣٨ - مناقب بغداد.
٣٩ - مناقب الحسن البصري.
٤٠ - المنتظم في تأريخ الأمم والملوك.
٤١ - الموضوعات في الأحاديث المرفوعات.
٤٢ - مولد النبي.
٤٣ - نقد العلم والعلماء.
٤٤ - الوفا بأحوال المصطفى (١).
تعريف موجز بكتاب ابن الجوزي (نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر) .
مخطوطات الكتاب وتحقيقه:
مخطوطات الكتاب:
للكتاب عدة مخطوطات ومنها:
١_ مخطوطة جستربيتي: وهي أقدمها، وقد كتبت عام ٧٢٤ هـ كتبها يوسف بن علي، خطها كبير واضح، في كل صفحة ١٩ سطراً، ورقمها في خزانة مكتبة جستربيتي ٤٩٥٥.
٢_ مخطوطة البلدية بالأسكندرية: وهي تحت رقم ٣٥٧٢ ج، وكتبت عام ٩٣٩ هـ كتبها علي بن أحمد بن أبي بكر المزني الحسيني العمري، وعدد أوراقها ٥٣، وعدد سطورها ٣٠ وفي بعضها ٣١.
стр. 39
٣_ مخطوطة جستر بيتي: وهي نسخة نفيسة كتبت بخط نسخ رائع، وعدد أوراقها ١٠٩، وعدد أسطر كل صفحة ٢٥، ورقمها في خزانة جستر بيتي ٤٣٨٩، كتبها درويش محمد بن محمد المهيني (١).
تحقيقه:
١_ حققته في الهند السيدة مهر النساء أيم أي، لنيل شهادة الدكتوراه من الجامعة العثمانية، بإشراف الدكتور محمد عبد المعيد خان، ثم طبعته دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند سنة ١٣٩٦ هـ.
٢_ وحققه أيضاً محمد عبد الكريم كاظم الراضي لنيل شهادة الماجستير من الجامعة المستنصرية بالعراق، وطبعته مؤسسة الرسالة ببيروت، لبنان سنة ١٤٠٤ هـ.
أهمية الكتاب وسبب تأليفه:
لهذا الكتاب أهمية عظيمة تتضح من خلال ما احتوى عليه من الألفاظ الكثيرة حيث إنها قريب من ثلاث مائة وأربعة وعشرين لفظاً من القرآن.
ويعد الكتاب من أجود ما ألف في بابه؛ بل إنه لم يسبق إلى عرضه اللغوي قبل الدخول في بيان الوجوه.
وتتجلى أهمية الكتاب حين ننظر إلى ما ذكره ابن الجوزي في مقدمة كتابه هذا من المزايا فيقول:
«لما نظرت في كتب الوجوه والنظائر التي ألفها أرباب الاشتغال بعلوم القرآن، رأيت كل متأخر عن متقدم يحذو حذوه، وينقل قوله مقلداً له من غير فكرة فيما نقله ولا بحث فيما حصله _ إلى أن قال _ ولقد قصد أكثرهم كثرة الوجوه والأبواب، فأتوا بالتهافت العجاب ... وتهافتهم إلى مثل هذا كثير يعجب منه ذو اللب، إذا رآه، وجمعت في كتابي هذا أجود ما جمعوه، ووضعت عنه كل وهم ثبتوه في كتبهم ووضعوه» (٢).
стр. 40
مادته العلمية:
مثل هذا الكتاب مثل مواد كتب الوجوه والنظائر الأخرى، من حيث إيراده للفظ ثم ذكر وجوهه، وبعد ذلك يذكر الآية أو الآيات الدالة على كل وجه. غير أنه لم يسبقه غيره إلى تقديم مقدمة لغوية لكل باب قبل عرضه للوجوه.
طريقته في عرض الكتاب وترتيبه:
طريقته في عرض الكتاب:
الناظر في كتاب (نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر) يلاحظ أن ابن الجوزي نهج فيه منهجاً دقيقاً محدداً، فهو يذكر اللفظ من القرآن الكريم، فيبدأ بشرح معناه عموماً كما ورد في المعاجم اللغوية وغالباً ماينقل عن ابن فارس، ثم يحيل على المفسرين بذكر الوجوه في اللفظ، فيذكر مثالاً من القرآن للوجه الواحد، وربما أورد مثالين أو ثلاثة، لايتجاوزها، وطريقته على هذا النحو:
قال ﵀:
باب أخلد
أخْلَدَ: على وزن أفعلَ، وهو بمعنى الاعتماد على الشئ والميل إليه. قال أبو الحسين ابن فارس (١) اللغوي: يقال أخْلَدَ: إذا أقام. ومثله: خَلَدَ، ومنه: جنة الخلد. وأخلد إلى الأرض لصق بها. والَخَلَدَ: البال. والخِلَدَةُ: القرط. وجاء في التفسير قوله تعالى:
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] مُقرَّطون، ويقال: إنه من الخلد، وذكر أهل التفسير أن أخلد في القران على وجهين:
أحدهما: بمعنى الميل. ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
والثاني: بمعنى التخليد. ومنه قوله تعالى في الهمزة: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣]، أي خلَّده من الخلود.
стр. 41
طريقته في ترتيبه:
الكتاب مرتب على حروف المعجم في الغالب (١)، ولم يخلُ من أخطاء، وقد قسم المؤلف الكتاب إلى تسعة وعشرين كتاباً، لكل حرف كتاب، بالإضافة إلى كتاب الألف لام حيث جعل له كتاباً مستقلاً، ثم إنه رتب كل كتاب حسب عدد الوجوه فيه فيقدم باب الوجهين، ثم الثلاثة، ثم الأربعة وهكذا.
المطلب الثالث: تعريف موجز بجهود العلماء في علم الوجوه والنظائر .
إن علما متعلقا بكتاب الله ويدور بين ألفاظه ومعانيه لخليق أن ينال عناية العلماء، ويبتدره كل من له عناية بالقرآن العزيز.
وحيث إن المراد بهذا المطلب الإشارة لا الإحاطة، والعرض السريع الموجز فسأذكر على وجه الاختصار ما وقفت عليه من جهود أئمة الإسلام في علم الوجوه والنظائر.
أولا: المؤلفات المطبوعة:
١ - الأشباه والنظائر في القرآن الكريم .
مؤلفه: مقاتل بن سليمان ت ١٥٠ هـ.
وتقدم التعريف بالمؤلف والمؤلَّف.
٢ - التصاريف تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانية .
المؤلف: يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ بمصر.
تحقيق: د. هند شلبي.
طبع بمصنع الكتاب للشركة التونسية للتوزيع في ربيع الأول من عام ١٤٠٠ هـ.
والكتاب المطبوع ليس هو كل التصاريف، وإنما فقد بعض الأجزاء منه؛ فطبع الموجود منه، وأكملته المحققة من كتب أخرى في الوجوه والنظائر؛ خاصة كتاب مقاتل، وأشارت إلى ذلك في الحاشية، وذكرت المحققة مقدمة نافعة شملت تعريف علم الوجوه والنظائر، وأسباب ظهوره، وكتبه، وغير ذلك.
٣ - ما اتفق لفظه واختلف معناه .
المؤلف: أبو العباس المبرد ت ٢٨٥ هـ في بغداد.
стр. 42
عناية: د. محمد رضوان الدَّاية. عام ١٤١١ هـ.
وهي رسالة محدودة تقع في ثمان وستين صفحة، طبعت في دار البشائر بدمشق.
وهي في الغالب تتعلق بالألفاظ اللغوية؛ من غير التزام بألفاظ القرآن.
٤ - أفراد كلمات القرآن العزيز .
المؤلف: أبو الحسين أحمد بن فارس ت ٣٩٥ هـ في الري.
منشور في مجلة الحكمة. العدد ٢٢. من ص ١٢٧ حتى ١٤١. محرم. عام ١٤٢٢ هـ.
وهو يحوي أربعا وثلاثين لفظة، واستشهد بإحدى وخمسين آية، وبيت واحد من الشعر، ونقل الكتاب برمته الزركشي في البرهان (١) دون المقدمة، وأما السيوطي فقد نقله مختصرا اختصارا مخلا أحيانا (٢).
٥ - وجوه القرآن الكريم .
المؤلف: أبو عبد الرحمن إسماعيل بن أحمد الضرير الحيري النيسابوري ت بعد ٤٣٠ هـ، بيسير.
تحقيق: فاطمة بنت يوسف الخيمي.
الطبعة الأولى: دار السقا. دمشق. عام ١٩٩٦ م.
فقد وضع ألفاظ كتابه بطريق التبويب فيقول مثلا: (كتاب الباء: وهي على تسعة وعشرين بابا: البصير، البكم البرق .. )، ثم يدرج وجوه كل باب معرفا بكل وجه ومستشهدا عليه بآية أو اكثر، وربما أشار إلى بعض القرءات ولا سيما الشاذة.
٦ - الوجوه والنظائر لِأَلفاظ كتاب الله العزيز .
المؤلف: أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني ت ٤٧٨ هـ.
تحقيق: محمد حسن أبو العزم الزّفيتي.
طبعه: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وزارة الأوقاف المصرية. عام ١٤١٦ هـ.
وقد وضع كتابه بطريقة الإيجاز ثم البسط فيأتي للحرف الواحد ويجعله في باب ثم يذكر فيه جميع الكلمات التي سيتناول كل واحدة منها على حدة، ثم يبدأ بها معنونا كل كلمة بلفظ التفسير،
стр. 43
والكتاب محقق على فترتين، وبينهما نُشر تحقيق (عبد العزيز سيد الأهل وتسميته كتاب الدامغاني بقاموس القرآن) ولذلك قصة مطولة؛ ينظر لها في مقدمة المحقق هنا (١).
٧ - نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر .
مؤلفه: عبد الرحمن بن الجوزي أبو الفرج ت ٥٩٧ هـ.
وتقدم التعريف بالمؤلف والمؤلَّف.
٨ - بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز .
المؤلف: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي ت ٨١٧ هـ.
تحقيق: محمد بن علي النجار.
طبعه: المكتبة العلمية. بيروت - لبنان.
ذكر في أول الكتاب جملة من العلوم المتعلقة بالقرآن، ثم إنه جعل عامة الكتاب في ذكر وجوه الكلمات القرآنية الواردة في القرآن مرتبة على حروف الهجاء.
٩ - وجوه القرآن .
المؤلف: حبيش بن إبراهيم تفليسي ت ٥٥٨ هـ
طبع في طهران بالعربية، والفارسية عام ١٣٤٠ هـ.
يوجد منه نسخة في المركز العلمي لإحياء التراث بجامعة أم القرى؛ وهي بالفارسية على الشريط المصغر (الميكروفيلم).
ثانيا: الكتب المخطوطة التي عرف مكانها:
١ - وجوه القرآن .
المؤلف: أحمد بن علي المقرئ ت ٦٥٨.
توجد منه نسخة في المتحف البريطاني، ضمن مجموع تحت رقم (١ ٢٢٩).
٢ - المنتخب من كتاب تحفة الولد للإمام المفسر أحمد بن محمد الحدادي ، انتخبه أبو محمد علي بن القاسم البامياني.
توجد منه مصورتان في دار الكتب المصرية، تحت رقم (٢٠٧٩٢ ب) ورقم (٢٤٨٩٦)
стр. 44
٣ - عمدة العرفان في وجوه القرآن .
المؤلف: مصطفى بن عبد الرحمن الأزميري ت ١١٥٥ هـ.
توجد منه نسخة في دار الكتب المصرية تحت رقم (٢٥٧٣٣)، وتوجد منه نسخة بالشريط المصغر (الميكروفلم) في مكتبة البحث العلمي بجامعة أم القرى.
ثالثا: الكتب المخطوطة التي لم يعرف مكانها، وهي في حكم المفقود:
١ - كتاب عكرمة عن ابن عباس.
٢ - كتاب علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
٣ - كتاب أبي الفضل العباس بن الفضل الواقفي ت ١٨٦ هـ.
٤ - كتاب أبي الحسن الزاغوني، الحنبلي ت ٥٢٧ هـ، شيخ ابن الجوزي.
٥ - تنوير الأذهان والضمائر في شرح الأشباه والنظائر، لمصطفى بن خير الدين الرومي ت ١٠٢٥ هـ، ويسيطر عليه الجانب الفقهي الحنفي.
٦ - الذخائر في الأشباه والنظائر لعبد الرحمن بن علاء الدين علي بن إسحاق التميمي الداري ت ٨٧٦ هـ (١).
стр. 45
الباب الأول
الكلمات القرآنية الواردة على أربعة أوجه فأقل
الفصل الأول
دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على وجهين
وفيه اثنا عشر مبحثاً هي:
المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الألف.
المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء.
المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الجيم.
المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الحاء.
المبحث الخامس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الراء.
المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين.
المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الصاد.
المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف العين.
المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الغين.
المبحث العاشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف القاف.
المبحث الحادي عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الكاف.
المبحث الثاني عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الميم.
стр. 46
الباب الأول: الكلمات القرآنية الواردة على أربعة أوجه فأقل. وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على وجهين: وفيه اثنا عشر مبحثا:
المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الألف .
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة أخلد:
باب أخلد:
قال ابن الجوزي:
«أخْلَدَ: على وزن أفعلَ، وهو بمعنى الاعتماد على الشئ والميل إليه. قال أبو الحسين ابن فارس اللغوي: يقال أخْلَدَ: إذا أقام. ومثله: خَلَدَ، ومنه: جنة الخلد. وأخلد إلى الأرض لصق بها. والَخَلَدَ: البال. والخِلَدَةُ: القرط. وجاء في التفسير قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] مُقرَّطون، ويقال: إنه من الخلد (١).
وذكر أهل التفسير أن أخلد في القران على وجهين:
أحدهما: بمعنى الميل. ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]
والثاني: بمعنى التخليد. ومنه قوله تعالى في الهمزة: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣]، أي خلَّده من الخلود» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي
الوجه الأول: الميل .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
стр. 47
وقال به من السلف: مجاهد، وسعيد بن جبير، والسُّدي. (١)
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير (٢).
стр. 48
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثاني: التخليد .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣]
وقال به من السلف عكرمة (١)، السدي (٢).
стр. 49
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة قال ابن فارس: «من الخُلْد، وهو البقاء، أي لا يموت» (٢).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما:
الأول: الميل ودل عليه قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ومأخذ هذا الوجه هو السياق القرآني.
الثاني: التخليد ودل عليه قوله تعالى ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] ومأخذ هذا الوجه هو المعنى المشهور للفظ في اللغة.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة أسِف:
باب الأسف:
قال ابن الجوزي:
الأسف: الحزن الشديد على الشيء والتلهف عليه.
قال ابن فارس: «يقال: أسفتُ آسَفُ أسَفاً، إذا لهفت والأسِف الغضبان» (٣).
وذكر بعض المفسرين أن الأسف في القرآن على وجهين:
أحدهما: الحزن ، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾
﴿الأعراف: ١٥٠] ومثله: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ﴿يوسف: ٨٤]
стр. 50
والثاني: الغضب ، ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾
[الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. (١)
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الحزن .
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ الأعراف: ١٥٠].
وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن، والسُّدي (٢)، وقتادة (٣)، ومالك بن دينار (٤).
ومن المفسرين: النَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان (٥)، والنسفي (٦).
стр. 51
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ يوسف: ٨٤]
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك (١).
ومن المفسرين ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الأسف الحزن.
الوجه الثاني الغضب .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] أي أغضبونا
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسُّدي، وابن زيد، (٣) وعكرمة (٤)، وسعيد بن جبير (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،
стр. 52
والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والأَسِفُ الغضْبان» (٢). ويلاحظ هنا أن الأسف يطلق على الحزن والغضب معاً ويطلق أيضاً على كل واحد منهما على حدة، ومخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من لا يقوى عليه أظهره حزناً وجزعاً كما في الوجه الأول ومن نازع من يقوى عليه أظهره غضباً كما في الوجه الثاني وهذا واضح جلي من قول ابن عباس ﵁ عند الراغب الأصفهاني (٣).
نتيجة الدراسة:
يتبين مما تقدم صحة الوجهين مع أن منشأهما واحد وبيان ذلك مايلي:
الوجه الأول: الحزن ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ ﴿الأعراف: ١٥٠] وقوله تعالى: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ ﴿يوسف: ٨٤].
وهذا هو تفسير السلف والمفسرين للأسف في الآيتين ومأخذه أنه أحد المعنيين المشهورين للفظ في اللغة.
الوجه الثاني: الغضب ودل عليه قوله تعالى ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ومأخذ هذا الوجه هو المعنى الآخر المشهور في لغة العرب.
стр. 53
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الإصر:
باب الإصر:
قال ابن الجوزي:
قال أبو الحسن ابن فارس اللغوي: الإصر الثقل. والإصر: العهد. والآصرة: القرابة. وكل عقد وقرابة وعهد: إصر. والعرب. تقول: ماتأُصرني على فلان آصرة. أي: ماتعطفني عليه قرابة ولا منة. قال الحطيئة:
عَطَفُوا عَلَيَّ بِغَيْرِ آ ... صِرَةٍ فقد عَظُمَ الأواصِرْ (١)
أي: عطفوا علي بغير عهد ولا قرابة. والمأصر: الموضع الذي يقيم فيه صاحب الرصد فيأصر فيه العير. أي يحبسها لطلب الضريبة وأصرته: حبسته (٢).
وذكر بعض المفسرين أن الإصر في القرآن على وجهين: -
أحدهما: الثقل . ومنه قوله تعالى في البقرة ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
والثاني: العهد . ومنه قوله تعالى في آل عمران ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ آل عمران: ٨١]. وفي الأعراف:
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قال مجاهد: عهود كانت عليهم. وقد ذهب قوم إلى أن المراد بالإصر المذكور في البقرة: العهد. منهم ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي. فبطل على قولهم التقسيم (٣).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الثقل:
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
стр. 54
وقال به من السلف سعيد بن جبير (١)، الربيع (٢)، وعثمان بن عطاء (٣).
ومن المفسرين الزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، وابن كثير (٤).
وفي الآية قولان آخران عن السلف وهما:
_ أن الإصر هنا بمعنى العهد وقال به: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والربيع، والسُّدي، والضحاك، وابن جريج، والحسن، ومقاتل ابن حيان، وهو الذي رجحه ابن جرير، وقال به الفرَّاء (٥).
_ أن الإصر هنا بمعنى الذنب وهو مروي عن ابن زيد، وعطاء. (٦)
وأورد جميع الأقوال النَّحاس، والبغوي، وأبو حيان، والقرطبي. (٧)
واختلاف السلف هنا في تفسير الآية من قبيل اختلاف التنوع لاختلاف التضاد وبيان ذلك ما يلي:
_ أن الثقل لازم للعهد والذنب مثال من أمثلة الثقل، والعهد والذنب ثقيلان.
_ أن من فسر الإصر هنا بالثقل فقد نظر إليه باعتبار المعنى المشهور للإصر في لغة العرب، ومن فسر الإصر هنا بالعهد فهو نظر إلى السياق القرآني، ومن فسره بالذنب فقد نظر إليه باعتبار معنىً من معاني الثقل.
стр. 55
وبهذا تكون جميع التفاسير صحيحة في الآية وترجع إلى الوجه المذكور وهوالثقل؛ قال ابن فارس: «فأما قولهم إنّ العهد الثّقيل إصْرٌ فهو من هذا، لأنَّ العهدَ والقرابةَ لهما إصْرٌ ينبغي أن يُتحمَّل» (١).
الوجه الثاني: العهد .
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ﴾ آل عمران: ٨١]
وقال به من السلف ابن عباس والربيع (٢) ومجاهد، والسُّدي، وقتادة (٣)
ومن المفسرين ابن جرير، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤)
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ ﴿الأعراف: ١٥٧]
وقال به من السلف ابن عباس والحسن ومجاهد والسُّدي، والضحاك (٥) وعكرمة (٦)
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان (٧).
قال النَّحاس في الجمع بين القول بالعهد والثقل وبين أن بني إسرائيل قد شدد عليهم في أشياء فمن آمن منهم بمحمد ﷺ خفف عنه: «والقولان متقاربان» (٨).
стр. 56
وقال ابن عطية: «وقد جمعت هذه الآية المعنيين، فإن بني إسرائيل قد أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال فوضع عنهم بمحمد ﷺ ذلك العهد، وثقل تلك الأعمال» (١).
ويتبين مما تقدم، أن العهد لازم للثقل وهما متأتيان في الآيتين فلا يفرق بينهما فالآية الأولى فسرها بالعهد من المفسرين من نظر إلى سياقها وإن كان الإصر فيها لم يخرج عن كونه ثقيلاً إذ إن العهد ثقيل والقول بالثقل قول لبعض السلف وبعض المفسرين (٢) وأما الآية الثانية ففي صريح كلام النَّحاس وابن عطية ما يدل على أن المعنيين مرادين هنا وهو الذي عليه أكثر المفسرين كما تقدم.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة بطلان التقسيم كما أشار إليه ابن الجوزي وأن الجميع عائد إلى الثقل، ويدخل في الثقل العهد وغيره كالمشقة والذنب؛ قال أبو جعفر النَّحاس بعد إيراده لجميع أقوال السلف في آية البقرة: «وهذه الأقوال ترجع إلى معنى واحد، أي لا تأخذ عهدنا بما لا نقوم به إلا بثقل، أي لا تحمل علينا إثم العهد» (٣) وقال ابن فارس: «الهمزة والصاد والراء أصلٌ واحدٌ يتفرّع منه أشياءٌ متقاربة. فالأصْر الحبسُ والعَطف وما في معناهما، وتفسيرُ ذلك أنَّ العهد يقال له إصْرٌ، والقرابة آصِرَةٌ، وكل عقدٍ وقرابةٍ وَعهدٍ إصْرٌ، والبابُ كلُّه واحد» (٤).
وعلى هذا يكون هذا الباب غير داخل في علم الوجوه والنظائر إذ إنه لم يتجاوز وجهاً واحداً عند التحقيق.
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة أولى:
باب أولى:
قال ابن الجوزي:
الأصل في أولى أنها موضوعة لترجيح الأحق، تقول: زيد أولى بالإكرام من عمرو، أي، أحق.
قال ابن فارس: فأما قولهم في الشتم: أولى له، فحدثني علي ابن عمر، وقال: سمعت ثعلباً، يقول: أولى تهدُد ووعيد. وأنشدوا:
стр. 57
فَأَولى ثُمَّ أَولى ثُمَّ أَولى ... فَهَل لِلدَّرِ يُجلَبُ من مَردِّ (١)
قال الأصمعي (٢): معناه قاربه مايهلكه. أي: نزل به، وأنشد:
فعَادى بين هاديتين منَها ... وأولى أن يزيدَ على الثلاث (٣)
أي: قارب أن يزيد، قال ثعلب (٤): ولم يقل أحد في أولى أحسن مما قال الأصمعي (٥).
وذكر بعض المفسرين أن أولى في القرآن على وجهين: -
أحدهما: بمعنى أحق ومنه قوله تعالى في الأنفال ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي
كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وفي مريم ﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ ﴿مريم: ٧٠]، وفي الأحزاب:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
والثاني: بمعنى الوعيد والتهديد . ومنه قوله تعالى في سورة محمد ﷺ :
﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] وفي القيامة: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة ٣٥]» (٦).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: أن أولى بمعنى أحق .
стр. 58
ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [لأنفال: ٧٥]، ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «كان المهاجرلايتولى الأعرابي ولايرث وهو مؤمن ولايرث الأعرابي المهاجرفنسختهاهذه الآية» (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير. (٢)
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠].
وقال بمعناه من السلف: ابن جريج (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير. (٤)
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مامن مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرأوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً، أو ضياعاً، فليأتني فأنا مولاه» (٥).
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن زيد: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما أنت أولى
стр. 59
بعبدك ما قضى فيهم من أمر جاز كما كلما قضيت على عبدك جاز» (١) ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني، ويزيد المثال الثالث بتفسير النبي ﷺ .
الوجه الثاني: أنها للتهديد والوعيد .
ومثل ابن الجوزي لهذا الوجه بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠].
وقال به من السلف: قتادة (٣) وابن جريج (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان. (٥)
الآية الثانية: الآية الأولى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥]
وقال به من السلف: ابن زيد، وقتادة. (٦)
стр. 60
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير. (١)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.
وهذان الوجهان متقاربان لأن الغرض هو التهديد والوعيد والشيء الذي يُهدد به حقيق بالوقع فيمن هُدد؛ قال أبو جعفر النَّحاس:
" ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] على التهديد. وحقيقته: وليهم المكروه، والعرب تقول لكل من قارب الهلكة ثم أفلت: أولى لك. أي كدت تهلك «(٢)
نتيجة الدراسة:
تحصل مما تقدم صحة الوجهين وهما:
الوجه الأول: أن أولى بمعنى أحق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وقوله تعالى:
﴿أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٧٠] وقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]
الوجه الثاني: أنها للتهديد والوعيد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ﴿محمد: ٢٠] وفي القيامة:
﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة ٣٥ - ٣٦]، ومأخذ الوجهين السياق القرآني.
стр. 61
المبحث الثاني: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الباء. وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة البرق:
باب البرق:
البرق: هو النور اللامع في السحاب. يقال: بَرَقَتِ السماء ورَعَدت.
قال ابن فارس: يقال: برقت السماء فأبرقت. وكل شيء اجتمع فيه سواد وبياض فهو: أبرق. حتى إنهم يسمون العين: برقاء. وأنشدوا:
ومُنْحَدرٍ من رأسِ برقاءَ حطَّهُ ... مخافةُ بَيْنٍ من حبيبٍ مزايلِ (١)
يريد الدمع المنحدر من العين.
واختلف العلماء في البرق على أربعة أقوال:
أحدها: أنه سوط يضرب به السحاب . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن البرق فقال: "مخاريق يسوق بها الملك السحاب" (٢)، وروي عن علي ﵁ أنه قال: هو ضربة مخراق من حديد.
وروي عن ابن عباس ﵁ قال: إنه ضربة بسوط من نور.
والثاني: أنه تلألؤ كما حكاه ابن فارس (٣).
والثالث: أنه قدح اصطكاك أجرام السحاب .
والرابع: أنه من تحريك أجنحة الملائكة الموكلين بالسحاب حكاهما شيخنا علي بن عبيد الله (٤). والوجه عندنا هو الأول لمكان الأثر (٥).
وذكر بعض المفسرين أن البرق في القرآن على وجهين:
أحدهما: نور السحاب المذكور . ومنه قوله تعالى: في البقرة: ﴿السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩].
стр. 62
والثاني: نور الإسلام . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. وهو مثل ضربه الله للمنافقين.
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: نور السحاب المذكور .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩].
وقال به من السلف: ابن عباس: حيث قال: «سوط من نور يزجر به الملك السحاب» وعن علي وابن عباس أيضاً: «أنها مخاريق الملائكة». وعن مجاهد: «أنه مصع ملك يسوق السحاب». وعن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج: «أنه الملك نفسه» (١).
قال ابن جرير موفقاً بين تلك الأقوال: «قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد، بمعنى واحد وذلك أن تكون المخاريق التي ذكر علي ﵁ أنها هي البرق؛ هي السياط التي هي من نور التي يزجي بها الملك السحاب كما قال ابن عباس، ويكون إزجاء الملك السحاب مصعه إياه بها، وذاك أن المصاع عند العرب أصله المجالدة بالسيوف ثم تستعمله في كل شيء جولد به في حرب وغير حرب» (٢).
وقال السمعاني (٣): «قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: إن الرعد صوت ملك يزجر السحاب، والبرق لمعان سوط في يد ملك يضرب به السحاب يسوقه إلى حيث قدر الله تعالى» (٤).
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الباء والراء والقاف أصلانِ، تتفرّع الفروع منهما: أحدهما لمعانُ الشيء .. أمّا الأوّل فقال
стр. 63
الخليل: البرْق وَمِيضُ السَّحاب، يقال بَرَقَ السَّحابُ بَرْقاً وبَريقاً، قال: وأبْرَقَ أيضاً لغة. قال بعضهم: يقال بَرْقَة للمرّة الواحدة، إذا بَرَقَ، وَبُرْقَة بالضم، إذا أردْتَ المقدار من البرق» (١).
الوجه الثاني: نور الإسلام .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
وقال به من السلف: ابن زيد (٢).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير. (٣)
ويبسط ابن القيم هذا المثل بسطا بديعا فيقول: «وأما المنافق فانه عمي قلبه لم يجاوز بصرُه الظلمةَ ولم ير إلا برقا يكاد يخطف البصر، ورعدا عظيما، وظلمة؛ فاستوحش من ذلك وخاف منه، وهاله ذلك البرق وشدة لمعانه، وعظم نوره، فهو خائف أن يختطف معه بصره، لأن بصره أضعف من أن يثبت معه، فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف؛ فان أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه، وإن فقد الضوء قام متحيرا، لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات وحياته هو نفسه، بل لا يدرك إلا رعدا وبرقا وظلمة، ولا شعور له بما وراء ذلك، وأما من أنس بالصيب، وعلم انه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم استأنس بذلك ولم يستوحش منه ولم يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل من عند رب العالمين ﵎ على قلب رسول الله ليحيي به القلوب والوجود أجمع» (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المثل القرآني.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما:
стр. 64
الأول: نور السحاب المذكور . ودل عليه قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]. ومأخذه أصل اللفظ في لغة العرب.
والثاني: نور الإسلام . ودل عليه قوله تعالى في البقرة: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. ومأخذه المثل القرآني.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة البعل:
باب البعل:
قال ابن الجوزي:
«البعل يقال ويراد به: الزوج، والصاحب، والرب، والبعل يقال، ويراد به: ماشرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء.
قال شيخنا علي بن عبيد الله: وسمي الزوج بعلاً للمرأة لأنها كأرض الحرث الذي هو الولد. وماء الرجل سقيه. قال: وقيل البعل: العلو في الأصل. والزوج بعل: لعلوه على المرأة (١).
وذكر أهل التفسير أن البعل في القرآن على وجهين:
أحدهما: الزوج . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ﴿البقرة: ٢٢٨]، وفي هود: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] والثاني: اسم الصنم . ومنه قوله تعالى في الصفات: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الزوج .
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
стр. 65
وقال به من السلف: ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، والربيع، وابن زيد، والضحاك، والسدي (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ هود: ٧٢].
وقال به من السلف: أبو مالك غزوان الغفاري (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والسمعاني، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «يقال للزَّوج بَعْل» (٥).
الوجه الثاني: اسم الصنم .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥].
وقال به من السلف: ابن زيد، والضحاك (٦)، والحسن (٧).
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٨).
стр. 66
وللسلف قول آخر في الآية: وهو أن البعل هنا بمعنى الرب، وقال به ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والسدي (١).
وليس بين قولي السلف تعارض وذلك أن الصنم المسمى بعلا اتخذ ربا من دون الله تعالى ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين:
الوجه الأول: الزوج ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة. الوجه الثاني: الصنم ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات: ١٢٥]. ومأخذه السياق القرآني.
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة البلاء:
باب البلاء:
قال ابن الجوزي:
«قال ابن قتيبة: أصل البلاء: الاختبار. ويقال للخير: بلاءٌ، وللشر: بلاءٌ. يقال من الاختبار: بلوته أبْلُوهُ بلواً، والاسم بَلاء. ومن الخير: أبْلَيتهُ أبليه إبْلاءً. ومن الشر: بلاه الله يَبلُوه بلاء (٢).
وذكر أهل التفسير أن البلاء في القرآن على وجهين:
أحدهما: الاختبار . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وفي الأنبياء: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ﴿الانبياء: ٣٥].
стр. 67
والثاني: النعمة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]. أراد نعمة عظيمة في خلاصكم. وفي الصافات:
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الاختبار .
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ ... ﴾ [البقرة: ١٢٤].
واختلف السلف في المراد بالكلمات، واتفقوا على أن البلاء الاختبار ومنهم: ابن عباس، أبو صالح (٢) مولى أم هانئ، ومجاهد، والربيع، والشعبي (٣)، والحسن، والسُّدي.
قال ابن جرير بعد ذكره لهذه الأقوال:
«والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه وأمره أن يعمل بهن وأتمهن كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل الكلمات وجائز أن تكون بعضه لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك فعمل به وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه وإذا كان ذلك كذلك فغير جائز لأحد أن يقول عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء» (٤)
стр. 68
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الانبياء: ٣٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد. (٢)
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وابن كثير، وأبو حيان (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه احد أصلي اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والثاني نوعٌ من الاختبار» (٤).
الوجه الثاني: النعمة .
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩].
وقال به من السلف: ابن عباس، والسُّدي، ومجاهد، وابن جريج (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج (٦).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦].
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، وابن عطية، وابن الجوزي، والقرطبي (٧).
وفي الآية قول آخر: وهو أن البلاء في الآية الشر وهو مروي عن ابن زيد (٨).
وقال بالاختبار: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيان، وابن كثير (٩).
стр. 69
والصحيح في الآية: أن تفسير البلاء بمعنى النعمة تفسير للشيء ببعض أجزائه؛ لأن البلاء إما ان يكون بالخير أو بالشر فالأول لاستخراج الشكر، والثاني لاستخراج الصبر، فمن أعاد الضمير (لهو) إلى الذبح فقد أراد الاختبار بالمحنة والشدة، ومن أعاده إلى الفداء فقد أراد الاختبار بالنعمة؛ قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿الأنبياء: ٣٥].
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بجزء من معناه.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما:
الوجه الأول: الاختبار . ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقوله تعالى: ﴿نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: النعمة . ودل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، ومأخذه تفسير الشيء بجزء من معناه.
المبحث الثالث: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الجيم .
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الجزء:
باب الجزء
قال ابن الجوزي:
الجزء: بعض الجملة. والكل مجموع الأجزاء (١).
стр. 70
وذكر أهل التفسير، أن الجزء في القرآن على وجهين:
أحدهما: ما ذكرناه . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠].
والثاني: الولد ، ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ الزخرف: ١٥] (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي
الوجه الأول: بعض الشيء .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، والربيع، وابن زيد، وابن جريج، والسُّدي، ومجاهد، والضحاك. (٢)
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير (٣)
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثاني: الولد .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥].
وقال به من السلف: مجاهد، والسدي (٤)، وعطاء (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير. (٦)
стр. 71
قالوا: الجزء البنات.
قال الزَّجَّاج:
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥].
يعني به الذين جعلوا الملائكة بنات الله، وقد أنشدني بعض أهل اللغة بيتاً يدل على أن معنى جزء معنى الإناث، ولا أدري البيت، قديم أم مصنوع، أنشدني:
إن أجْزَأتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عَجَبٌ ... قد تجزئ الحرةُ المذكارُ أحياناً
أي إن أنثت، ولدت أنثى» (١)
ورد هذا القول من أهل اللغة أبو منصور الأزهري إذ يقول بعد نقله لكلام أبي إسحاق الزَّجَّاج:
«قلت: ولا أدري ما لجزء بمعنى الإناث، ولم أجده في شعر قديم، ولا رواه عن العرب الثقات، ولايعبأ بالبيت الذي ذكره لأنه مصنوع» (٢).
ورده أيضاً الزَّمخشري فقال:
«قالوا الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءاً له وبعضاً منه، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له. ومن بدع التفاسير: تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنّ الجزء في لغة العرب: اسم للإناث، وماهو إلاكذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتاً وبيتاً:
إن أجْزَأتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عَجَبٌ
زُوِّجتُهَا من بَنَاتِ الأوس مُجْزِئَةً» (٣)
стр. 72
ومع رد أهل اللغة تفسير الجزء بالبنات؛ فإن التفسير السياقي للآية يصدقه ويثبته ومن طرق التفسير بالماثور تفسير القرآن بالقرآن؛ وقد قال الله تعالى في الآية بعدها مباشرة: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ الزخرف: ١٦]، وقال في النحل:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ [النحل: ٥٧].
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الاية، ومأخذه السياق القرآني.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما:
الوجه الأول: بعض الشيء . ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠].
الوجه الثاني: الولد . ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، ومأخذه السياق القرآني، ومأخذ الوجهين السياق القرآني.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الجناح:
باب الجناح
قال ابن الجوزي:
«الأصل في الجناح: أنه العضو الذي يطير به الطائر. قال ابن فارس: وسمي جناحا الطائر لميلهما في شقيه، ومنه يقال: جنح إذا مال، والجُناح: الإثم لميله عن طريق الحق (١).
وذكر أهل التفسير أن الجناح في القرآن على وجهين:
أحدهما: جناح الطائر . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفي فاطر:
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ [فاطر: ١].
والثاني: الجانب ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وفي بني إسرائيل:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الاسراء: ٢٤]، وفي الشعراء:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]. (٢)
стр. 73
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: جناح الطائر .
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة، وابن جريج (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾ [فاطر: ١].
وقال به من السلف: قتادة (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وسمِّي الجَناحانِ جَنَاحَيْنِ لميلهما في الشّقَّين» (٥).
الوجه الثاني: الجانب .
ومثل ابن الجوزي له بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨].
стр. 74
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، وأبوحيان، والقرطبي. (١)
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الاسراء: ٢٤].
ومعنى تفسير السلف يدل عليه كقول عروة بن الزبير: «أي لا تتمنع من شيء يحبانه، وكن لهما ذليلاً ولاتكن لهما ذَلولاً، ونحوه عن مجاهد، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥].
وقال به من السلف ابن زيد (٤)، وسعيد بن جبير (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي (٦).
ويتبن مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الجناح أن يكون جانبا؛ ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهورللفظ في اللغة؛ قال الراغب:
стр. 75
«وسمي جانبا الشيء جناحيه فقيل جناحا السفينة وجناحا العسكر وجناحا الوادي وجناحا الإنسان لجانبيه» (١).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما:
الأول: أن الجناح هو جناح الطائر ، ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله تعالى:
﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة.
والوجه الثاني: الجانب ، ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الحجر: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، ومأخذه التفسير باللازم.
المبحث الرابع: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف الحاء .
وهي كلمة الحسن:
باب الحسن:
قال ابن الجوزي:
«الحَسَن: ضد القبيح. وحدَّه بعضهم فقال: الحسن مالفاعله أن يفعله. والقبيح عكسه. وقد يقال: هذا شيء حسن في أعلى الأشياء مرتبة. ويقال: في المقارب (٢).
وذكر أهل التفسير أن الحسن في القرآن على وجهين:
أحدهما: المحتسب ، ومنه قوله تعالى في البقرة ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]. ومثلها في الحديد والتغابن.
الثاني: الحق ، ومنه قوله تعالى في طه: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٦٨]، ومثله في البقرة: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]. على قراءة من حرك السين، أي قولوا للناس