المبحث السادس: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف السين .
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة السحر:
باب السحر:
قال ابن الجوزي:
«قال بعض أهل العلم: السحر: اسم لما لطف وخفي سببه. والسحر أنواع فمنه، شعبذة: كإيهام سحرة فرعون أن العصي حيات. ومنه عقد، ونفث، ورقى، وغير ذلك، وربما أثر في الماء والهواء.
وقال ابن عقيل (١) من أصحابنا: ولا ينكر أن يحدث اللَّه شيئاً عقيب شيء، من غير تولد من ذلك الشيء. كما يحدث الشفاء عند التداوي. والجرب والجذام عند مقاربة أصحاب ذلك باطراد العادة لا من طريق العدوى. وقد نقص قوم من رتبة السحر فقالت المعتزلة: ليس السحر إلاَّ الشعبذة (٢) والدهشة والنقل الصحيح يكذبهم. فإن النَّبِيّ ﷺ " سُحر حتى كان يخيل إليه بأنه يأتي أهله فيغتسل" (٣). وقد رفعه قوم فجعلوه زائداً على المعجزات. وربما توهم جاهل أن الساحر يقلب
стр. 457
الصور فيجعل المرأة طائراً ونحو ذلك (١).
وذكر بعض المفسرين أن السحر في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب. ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وفي الأعراف: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦].
والثاني: العلم . ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩].
والثالث: الكذب . ومنه قوله تعالى في القمر: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، وفي الأعراف: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦].
والرابع: الجنون . ومنه قوله تعال في بني إسرائيل: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ومثله في الفرقان.
والخامس: الصرف . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ المؤمنين: ٨٩]، أي: تصرفون عن الحق» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وابن إسحاق (٣).
стр. 458
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦].
وقال به من السلف: ابن عباس، والسدي (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
تنبيه:
أنكر الزَّمخشري وقوع السحر حقيقة في الموضعين، وقد تقدم الكلام عليه في مقدمة ابن الجوزي.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أحد أصول اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «السين والحاء والراء أصول ثلاثة متباينة: أحدهما عضْوٌ من الأعضاء، والآخر خَدْعٌ وشِبههُ، والثالث وقتٌ من الأوقات» (٤).
هذا وإن السحر منه ما يكون باستجلاب معاونة الشياطين - وهو الذي تنكره المعتزلة -، ومنه المثال الأول، ومنه ما يكون بالخديعة ومنه المثال الثاني (٥).
الوجه الثاني: العلم (٦).
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]
وقال به من السلف: ابن عباس (٧).
стр. 459
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم السحر العلم.
الوجه الثالث: الكذب.
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢].
ولم أقف على من فسر السحر هنا بالكذب من السلف والمفسرين.
بل الذي يقولونه: إنه السحر المعروف.
وقال به من السلف: قتادة، والضحاك (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦].
وهذا المثال كسابقه؛ لم أقف على من فسر السحر هنا بالكذب من السلف والمفسرين.
بل الذي يقولونه: أنه السحر المعروف.
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وابن كثير (٤).
وبهذا يعود هذان المثالان إلى الوجه الأول وهو السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب.
الوجه الرابع: الجنون.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
стр. 460
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]،
وقال به من المفسرين: الزَّمخشري (١).
والذي عليه الأكثرون أن السحر هنا على حقيقته: وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨].
ولم أقف على من قال به من السلف والمفسرين (٣).
والذي عليه المفسرون إن السحر هنا على حقيقته: وقال به منهم: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
وذكر البغوي عن مجاهد (٥): مخدوعا، وهو يعود لأحد نوعي السحر المعروف - الوجه الأول -.
الوجه الخامس: الصرف.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنين: ٨٩].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
стр. 461
ومع قولهم بذلك القول فإنهم يجعلون السحر على حقيقته هنا وهو سبب صرفهم؛ قال الفرَّاء: «أفك وسحر وصرف سواء»، وقال ابن جرير: «تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئة»، وقال البغوي: «كيف يخيل إليكم الحق باطلاً؟».
قال الشنقيطي عن أمثلة هذين الوجهين:» وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨].
فمعناه أنهم يزعمون أنه ﷺ مسحور أو مطبوب قد خبله السحر، فاختلط عقله فالتبس عليه أمره يقولون ذلك لينفروا الناس عنه، وقال مجاهد مسحورا، أي مخدوعا مثل قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنين: ٨٩]. أي من أين تخدعون ومعنى هذا راجع إلى ما قبله لأن المخدوع مغلوب في عقله» (١).
وقال السعدي: «﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنين: ٨٩]، أي فأين تذهب عقولكم حيث عبدتم من علمتم أنهم لا ملك لهم ولا قسط من الملك، وأنهم عاجزون من جميع الوجوه، وتركتم الإخلاص للمالك العظيم القادر المدبر لجميع الأمور، فالعقول التي دلتكم على هذا لا تكون إلا مسحورة، وهي ـ بلا شك ـ قد سحرها الشيطان بما زين لهم وحسن لهم وقلب الحقائق لهم فسحر عقولهم، كما سحرت السحرة أعين الناس «(٢).
وبهذا يتضح عود أمثلة الوجه الرابع _ الجنون - إلى حقيقة السحر وهو الاستعانة بالشياطين، ومثال هذا الوجه - الصرف - يعود إلى الخداع؛ وكلاهما يدخل في المعنى الأصلي للسحر.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة وجهين وهما:
الوجه الأول: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦].
стр. 462
وتم التنبيه على رفع الزَّمخشري راية الاعتزال وإنكاره وقوع السحر حقيقة، ومأخذه أحد أصول اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
وتم التنبيه على أن هذا الوجه على ضربين؛ ما يكون باستجلاب معاونة الشياطين - وهو الذي تنكره المعتزلة -، ومنه المثال الأول، ومنه ما يكون بالخديعة ومنه المثال الثاني ..
والثاني: العلم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن العلم من أسباب السحر، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم السحر العلم.
وأما الوجوه وهي:
- الكذب . فقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]. فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر السحر هنا بالكذب من السلف والمفسرين. وأن الذي يقولونه: أنه السحر المعروف، وبهذا يعود هذان المثالان إلى الوجه الأول وهو السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب.
- الجنون .
فقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان: ٨].فلم أقف على من قال به من السلف والمفسرين غير الزَّمخشري في المثال الأول. والذي عليه المفسرون أن السحر هنا على حقيقته: وقال به منهم: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١)، وبهذا يعود هذان المثالان إلى الوجه الأول وهو السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب.
- الصرف .
فقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنين: ٨٩].
فقد تقدم قول المفسرين به وأن السحر هو سبب الصرف كما قاله الشنقيطي والسعدي، وبهذا يتضح عود أمثلة الوجه الرابع _ الجنون - إلى حقيقة السحر وهو الاستعانة بالشياطين، ومثال هذا الوجه - الصرف - يعود إلى الخداع؛ وكلاهما يدخل في المعنى الأصلي للسحر.
стр. 463
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة السماء:
باب السماء:
قال ابن الجوزي:
«السماء في اللغة: اسم لكل ما علا وارتفع. وهو مأخوذ من السمو، وهو العلو. يقال: سما بصره، أي: علا، وسما لي شخص، ارتفع حتى استثبته. وسماوة الهلال وكل شيء: شخصه والسماة: الصيادون: وقد سموا واستموا، إذا خرجوا للصيد (١).
وذكر بعض المفسرين أن السماء في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: السماء المعروفة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، وفي التغابن: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [التغابن: ٣]، وفي الذاريات: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢]، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧].
والثاني: السحاب . ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢].
والثالث: المطر . ومنه قوله تعالى في نوح: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١].
والرابع: سقف البيت . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥].
والخامس: سقف الجنة وسقف النار . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨]، في قصة أهل الجنة وقصة أهل النار» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: السماء المعروفة.
ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩].
стр. 464
ومعنى تفسير السلف يدل عليه كقول أبي العالية: ارتفع، ونحوه عن الحسن، والربيع (١).
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [التغابن: ٣].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والقرطبي (٣).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢].
ومعنى كلام واصل بن الأحدب يدل عليه: ومن عند الله الذي في السماء رزقكم (٤).
وإنما الذي ورد عن الأكثرين: أن السماء هنا بمعنى المطر والثلج، وقال به من السلف:
ابن عباس ومقاتل (٥)، والضحاك، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، وسفيان الثوري (٦).
ورجح الثاني من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧).
وعلى هذا يكون هذا المثال ضمن أمثلة الوجه الثالث الذي هو المطر.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: بقوة، ونحوه عن مجاهد، وقتادة، وابن زيد،
стр. 465
وسفيان الثوري (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معاني الآيات - عدا الآية الثالثة -، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «والسّمواتُ السَّبْعُ: أطباق الأَرَضينَ» (٣).
الوجه الثاني: السحاب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢].
وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، والقرطبي (٤).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس:» والعرب تُسمّي السّحاب سَماءً»، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال لأن السحاب مثال على العلو؛ قال ابن فارس: «وكلُّ عالٍ مُطلّ سماء «(٥).
الوجه الثالث: المطر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
стр. 466
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس:» والعرب تُسمّي السّحاب سَماءً والمطر سماءً»، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال لأن المطر مثال على العلو؛ قال ابن فارس: «وكلُّ عالٍ مُطلّ سماء «(١).
الوجه الرابع: سقف البيت.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وعكرمة (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن سقف البيت مثال على العلو؛ قال ابن فارس: «وكلُّ عالٍ مُطلّ سماء» (٤).
الوجه الخامس: سقف الجنة وسقف النار.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨].
وقال به من السلف: ابن عباس؛ فقال: «لكل جنة سماء وأرض»، ونحوه عن الحسن، والسدي (٥).
ومن المفسرين: الزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٦).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وكلُّ عالٍ مُطلّ سماء» (٧).
стр. 467
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الخمسة وهي:
الوجه الأول: السماء المعروفة.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [التغابن: ٣].
وأما قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢].
فقد تقدم أن قول الأكثرين من السلف والمفسرين على خلاف الوجه وأن السماء هنا بمعنى المطر والثلج.
وعلى هذا يكون هذا المثال ضمن أمثلة الوجه الثالث الذي هو المطر.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧].
وتقدم بيان صحة هذا الوجه في معاني الآيات - عدا الآية الثالثة -، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل.
الوجه الثاني: السحاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال لأن السحاب مثال على العلو كما قال ابن فارس.
الوجه الثالث: المطر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]. ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال لأن السحاب مثال على العلو كما قال ابن فارس.
الوجه الرابع: سقف البيت. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]. ومأخذه التفسير بالمثال لأن السحاب مثال على العلو كما قال ابن فارس.
الوجه الخامس: سقف الجنة وسقف النار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٨]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما ذكره ابن فارس.
стр. 468
المبحث السابع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرفي الضاد والطاء ، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الضحك:
باب الضحك:
قال ابن الجوزي:
«قال شيخنا ﵁: الضحك في الأصل: الانشقاق. يقال: ضحكت الأرض، إذا انشقت عن نباتها. وسمي انفتاح الفم بالتبسم أو القهقهة ضحكاً. والضحك: خصيصة من خصائص الإنسان لا يشاركه فيها غيره من الحيوان غير الناطق. وقد حد بعضهم الضحك فقال: انبساط طبيعي يعرض للنفس الناطقة يدل على تأثيرها بلذيذ وقال ابن فارس: الضاحكة: كل سن يبدو من مقدم الأضراس عند الضحك (١). والضحوك: الطريق الواضح. والأضحوكة: ما يضحك منه. ورجل ضحكة: بتسكين الحاء، يضحك منه. وضحكة: بتحريكها، يكثر الضحك (٢).
وذكر أهل التفسير أن الضحك في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: الضحك المعروف . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [براءة: ٨٢]، وفي النجم: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].
والثاني: الفرح . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١]، أي: فرحت بالبشرى. وقيل: حاضت. وقيل: هو من الضحك المعروف.
والثالث: التعجب . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]، أي: متعجباً.
والرابع: الاستهزاء . ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧]، وفي النجم: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠]، وفي المطففين: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩].
стр. 469
والخامس: الإشراق . ومنه قوله تعالى في عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الضحك المعروف.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [براءة: ٨٢].
وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو رزين، والربيع بن خيثمة، والحسن، وقتادة، وابن زيد (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه المعنى المشهور لفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «من ذلك الضَّحِك ضَحِك الإنسان» (٥).
الوجه الثاني: الفرح.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١].
ولم أقف على من قال به من السلف، والمفسرين.
стр. 470
والذي يذكرونه أن الضحك هنا:
الضحك المعروف: وقال به من السف: قتادة، والسدي (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
وللسلف في الآية أقوال أخر:
- ضحكت بمعنى حاضت، وقال به ابن عباس (٣)، ومجاهد.
- ضحكت ظنا أنهم سيعملون عمل قوم لوط، وقال به محمد بن قيس.
- ضحكت من روع إبراهيم، وقال به الكلبي.
- ضحكت لما بشرت بإسحاق، وقال به وهب بن منبه (٤).
ورد هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة ابن كثير فقال: «وقول محمد بن قيس إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط، وقول الكلبي إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم ضعيفان جدا؛ وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما فلا يلتفت إلى ذلك والله أعلم، وقال وهب بن منبه إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق وهذا مخالف لهذا السياق فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها» (٥).
وأكثر المفسرين على أن الضحك هنا هو الضحك المعروف؛ قال البغوي: «الأكثرون على أن المراد منه الضحك المعلوم المعروف» ومثله عند ابن عطية، والقرطبي، وأبي حيان (٦).
стр. 471
وبهذا يعود هذا الوجه للذي قبله ويكون الضحك على بابه؛ سيما أن الفرح لازم للضحك فلا يمكن أن يكون ضحك على بابه إلا ومعه فرح.
الوجه الثالث: التعجب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩].
ولم أقف على من قال بالتعجب في هذه الآية؛ بل الذي يذكرونه أنه الضحك المعروف غير أن دلالة الآية فيها الابتداء بالتبسم ثم الانتقال إلى الضحك.
قال ابن سيرين لما سئل عن التبسم في الصلاة: «لا أراه إلا ضحكا ثم تلا هذه الآية». (١)
قال ابن جرير:» تبسم سليمان ضاحكا»، وقال الزَّجَّاج: «تبسم لأن أكثر ضحك الأنبياء تبسما»، وقال النَّحَّاس: «كذلك ضحك الأنبياء»، وقال البغوي: «مبتسما، وقيل: أوله تبسما وآخره ضحكا»، وقال الزَّمخشري: «تبسم شارعا في الضحك، يعني قد جاوز حد التبسم إلى الضحك «وقال ابن عطية نحوا من قول الزَّجَّاج، وأبو حيان نحواً من قول الزَّمخشري (٢).
وعلى القول بالتبسم فقط ففي الآية ما يرده وهو التصريح بالضحك بعد التبسم مما يثبت أن هناك حالة ضافية على التبسم وهي الضحك، وحين يصح هذا التقرير فليس يعارض الحالة الأصلية للأنبياء وهي أن أكثر ضحكهم تبسما، فيكون هذا المثال من القليل الذي هو خلاف الأصل، مع كون داعيه موجوداً من حال النملة، وكل هذا دون القهقهة، فهو ﵇ انتقل من التبسم إلى طرف من الضحك؛ قال القرطبي: «والمعنى تبسم مقدار الضحك لأن الضحك يستغرق التبسم والتبسم دون الضحك وهو أوله .. فالتبسم ابتداء الضحك والضحك عبارة عن الابتداء والانتهاء، إلا أن الضحك يقتضي مزيدا على التبسم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه، قيل قهقه، والتبسم ضحك الأنبياء ﵈» وعلى هذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول وهو الضحك المعروف.
الوجه الرابع: الاستهزاء.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
стр. 472
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩].
وقال به من السلف: قتادة (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن من أسباب الضحك الاستهزاء.
الوجه الخامس: الإشراق.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩].
لم أقف على الضحك هنا بمعنى الإشراق.
стр. 473
والذي يذكره المفسرون السرور؛ ومنهم: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (١).
ويؤكد رد هذا الوجه تفسير ابن عباس ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ مشرقة، ولو فسر الضحك ب الإشراق هنا للزم منه التكرار.
وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول الذي هو الضحك المعروف والذي من لوازمه السرور.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجهين هما:
الوجه الأول: الضحك المعروف.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [براءة: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، ومأخذه المعنى المشهور لفظ في اللغة؛ كماقال ابن فارس.
الوجه الثاني: الاستهزاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [الزخرف: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن من أسباب الضحك الاستهزاء.
وأما الوجوه الثلاثة التي هي:
- الفرح . فقد تقدم أنني لم أقف على من قال به من السلف، والمفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١].وأن الذي يذكرونه أن الضحك هنا هو الضحك المعروف، وبهذا يعود هذا الوجه للذي قبله ويكون الضحك عل بابه؛ سيما أن الفرح لازم له.
- التعجب . فقد تقدم أنني لم أقف على من قال به من السلف، والمفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩]. بل الذي يذكرونه أنه الضحك المعروف غير
- الإشراق. فقد تقدم أنني لم أقف على من قال به من السلف، والمفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩].
والذي يذكره المفسرون هو السرور، وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول الذي هو الضحك المعروف والذي من لوازمه السرور.
стр. 474
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الطائفة:
باب الطائفة
قال ابن الجوزي:
«قال ابن قتيبة: الطائفة القطعة من الشيء وقد تكون الطائفة واحداً واثنين وثلاثاً وأكثر (١).
وذكر بعض المفسرين أن الطائفة في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: الجماعة . ومنه قوله تعالى في الحجرات: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
والثاني: المؤمنون . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
والثالث: المنافقون . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، يعني: المنافقين، وقيل الذين غشاهم النعاس من المؤمنين سبعة والذين أهمتهم أنفسهم من المنافقين ثلاثة والأول أصح.
والرابع: ثلاثة . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، قاله: الزهري.
والخامس: رجل واحد . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ﴾ [براءة: ٦٦]،
وفي اسم هذا الرجل قولان:
أحدهما: الجهير .
стр. 475
والثاني: مخشيّ ، كان يمشي مع رجلين من المنافقين وهما يستهزآن برسول اللَّه ﷺ فضحك فلما اطلع رسول اللَّه ﷺ على حالهم قال: " واللَّه ما تكلمت بشيء وإنما ضحكت تعجباً من قولهم "، فنزلت هذه الآية (١)» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الجماعة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
وقال به من السلف: ابن عباس، وابن زيد (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «فأمَّا الطائفة منَ النّاس فكأنّها جامعةٌ تُطِيفُ بالواحد أو بالشئ» (٥).
الوجه الثاني: المؤمنون.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
стр. 476
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول عبد الرحمن بن عوف: «ألقي علينا النوم يوم أحد»، ونحوه عن أبي طلحة، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن إسحاق (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: المنافقون.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال به من السلف: قتادة، والربيع، وابن إسحاق، وابن زيد (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: ثلاثة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
وقال به من السلف: قتادة، والزهري (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
стр. 477
وللسلف في الآية أقوال أخر:
- أن الطائفة هنا بمعنى الواحد، وقال به مجاهد.
- أن الطائفة هنا بمعنى الواحد فأكثر، وقال به علي بن أبي طالب.
- أن الطائفة هنا بمعنى رجلين، وقال به عطاء، وعكرمة.
- أن الطائفة هنا بمعنى ثلاثة، وقال به قتادة، والزهري.
- أن الطائفة هنا بمعنى أربعة، وقال به ابن زيد (١).
تنبيه:
لهذا الوجه علاقة قوية بما يختلف فيه الفقهاء في تحديد الطائفة الكافية في إقامة الحدود،
فقال ابن قدامة (٢) في المغني: «فصل: ويجب أن يحضر الحد طائفة من المؤمنين لقول الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
قال أصحابنا: والطائفة واحد فما فوقه وهذا قول ابن عباس ومجاهد، والظاهر أنهم أرادوا واحدا مع الذي يقيم الحد لأن الذي يقيم الحد حاصل ضرورة، فيتعين صرف الأمر إلى غيره وقال عطاء وإسحاق اثنان، فإن أراد به واحدا مع الذي يقيم الحد فهو مثل القول الأول، وإن أراد اثنين غيره فوجهه أن الطائفة اسم لما زاد على الواحد وأقله اثنان، وقال الزهري ثلاثة لأن الطائفة جماعة وأقل الجمع ثلاثة، وقال مالك أربعة لأنه العدد الذي يثبت له الزنا، وللشافعي قولان كقول الزهري ومالك، وقال ربيعة خمسة، وقال الحسن عشرة وقال قتادة: نفر» (٣).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه العمل الشرعي.
стр. 478
الوجه الخامس: رجل واحد .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ﴾ [براءة: ٦٦].
وقال به من السلف: ابن عباس (١)، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن كعب القرظي (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
تنبيه:
قال ابن فارس: «فأمَّا الطائفة منَ النّاس فكأنّها جامعةٌ تُطِيفُ بالواحد أو بالشئ، ولا تكاد العرب تحدُّها بعدَدٍ معلوم، إلاَّ أنّ الفقهاء والمفسّرِين يقولون فيها مرَّة: إنّها أربعةٌ فما فوقها، ومرّة إنّ الواحد طائفةٌ، ويقولون: هي الثَّلاثة، ولهم في ذلك كلامٌ كثير؛ والعربُ فيه على ما أعلمتك».
وحيث جعل قصر الطائفة على الواحد فأكثر ليس من كلام العرب في شيئ؛ فكيف بلغة علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، والزهري فلعلهم هم العرب الذي يتحدث عنهم ابن فارس؛ ثم إن يحيى بن زياد الفرَّاء وهو عاش قبل ابن فارس فسر آية التوبة بالواحد والاثنين.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه سبب نزول الآية.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الخمسة وهي:
الوجه الأول: الجماعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩].
[الحجرات: ٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
والثاني: المؤمنون. ودل عليه قوله تعالى في: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
стр. 479
الوجه الثاني: المؤمنون. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: المنافقون. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: ثلاثة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
وتم التنبيه على أن الوجه علاقته بالأحكام أكثر وأن الخلاف بين السلف في تحديد عدد الطائفة الكافية في هذا، صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه العمل الشرعي.
الوجه الخامس: رجل واحد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ﴾ [براءة: ٦٦].
وتم التنبيه على رد ابن فارس للغوية الوجهين الأخيرين، والرد عليه، ومأخذه سبب نزول الآية.
стр. 480
المبحث الثامن: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف العين . وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة العدل:
باب العدل:
قال ابن الجوزي:
«العدل: الإنصاف والحق. وضده: الجور. ويقال للمرضى من الناس: عدل. فيقال: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل. لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، لأنه مصدر والعدل: المثل. وبسط الوالي عدله ومعدلته ومعدلته وعدلت الشيء فاعتدل، أي: قومته فاستقام. والعدل: الفداء، في قولهم: "لا يقبل اللَّه صرفاً ولا عدلاً (١).
وذكر بعض المفسرين أن العدل في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: الفداء . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي الأنعام: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠].
والثاني: الإنصاف . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وفيها: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩].
والثالث: القيمة . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، أراد: أو قيمة ذلك بصيام عنه.
والرابع: الشرك . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
والخامس: التوحيد . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، قيل أراد بالعدل: كلمة التوحيد، وهي لا إله إلاَّ اللَّه» (٢).
стр. 481
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الفداء.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨].
وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو العالية، والسدي، وقتادة، وابن زيد (١)، والحسن، وسعيد بن جبير (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠].
وقال به من السلف: قتادة، والسدي، وابن زيد (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ومما يقوي القول الوجه أن ابن جرير في تفسيره لآية البقرة ذكر آية الأنعام، وابن كثير في تفسيره لآية الأنعام ذكر آية البقرة فهو تفسير للقرآن بالقرآن.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور لأن العدل هو المساواة؛ قال ابن فارس: «والعَدْل: قِيمة الشئ وفِدَاؤُه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، أي فِدْية، وكلُّ ذلك من المعادلة، وهي المساواة.» (٦).
стр. 482
الوجه الثاني: الإنصاف.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣].
ولم أقف على العدل هنا بمعنى الإنصاف وإنما تفسير السلف والمفسرين يدل على أن العدل على حقيقته من إرادة المساواة.
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول الضحاك: «في المجامعة والحب» (١).
وتبع المفسرون السلف في هذا ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩].
ولم أقف على العدل هنا بمعنى الإنصاف وإنما تفسير السلف والمفسرين يدل على أن العدل على حقيقته من إرادة المساواة.
ومعنى كلام السلف يدل عليه على نحو ما تقدم وممن قال به: عمر بن الخطاب، وابن عباس، والضحاك، وسفيان، وابن زيد (٣)، والحسن (٤).
وتبع المفسرون السلف في هذا من غير تصريح بالوجه، ومنهم: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم أن هذا الوجه فيه نظر في معنى الآيتين، وأن الصحيح أن يكون العدل على بابه ولايُصار إلى غيره دون حاجة فيكون الوجه: المساواة، ويكون مأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛
стр. 483
قال ابن فارس: «العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنَّهما متقابلان كالمتضادَّين: أحدُهما يدلُّ على استواء». (١)
الوجه الثالث: القيمة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «فإن كان ليس عنده ما يبلغ ذلك، نظروا ثمنه فقوموه طعاما، ثم صام مكان كل صاع يومين» ونحوه عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، ومجاهد، والسدي، وعكرمة، والحسن، وقتادة. (٢)
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه المعنى المقارب قال الخليل:» ويقول في الكفّارة
﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].، أي: ما يكون مثله، وليس بالنّظير بعينه «(٣).
الوجه الرابع: الشرك.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١].
وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، ومجاهد، والسدي، وابن زيد (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، وابن كثير (٥).
стр. 484
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه المعنى المشهور؛ قال ابن فارس: «ويقال للشيء يساوي الشيء: هو عِدْلُه، وعَدلتُ بفلانٍ فلانًا، وهو يُعادِله، والمُشْرِك يَعدِل بربَه، تعالى عن قولهم عُلوًا كبيرًا، كأنَّه يسوّي به غيره» (١).
الوجه الخامس: التوحيد.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال به من السلف: ابن عباس.
ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب؛ قال الراغب الأصفهاني: «العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ماله» (٣).
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه أربعة هي:
الوجه الأول: الفداء.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب العدل الفدية، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور لأن العدل هو المساواة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: القيمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [المائدة: ٩٥].
ومأخذه المعنى المقارب كما قال الخليل.
الوجه الثالث: الشرك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. ومأخذه المعنى المشهور؛ كما قال ابن فارس.
стр. 485
الوجه الرابع: التوحيد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، ومأخذه التفسير بالمقارب؛ كما أشار إليه الراغب الأصفهاني.
وأما الوجه الذي هو: الإنصاف .
فقد تقدم أن الصحيح في العدل من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى:
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، أن يكون العدل على بابه ولا يُصار إلى غيره دون حاجة فيكون الوجه: المساواة، ويكون مأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة على .
باب على:
قال ابن الجوزي:
«قال أبو زكريا: " على " تستعمل اسماً وفعلاً وحرفاً. فإذا كانت عبارة عن شخص فهي اسم وتدخل عليها علامات الأسماء. تقول: جاءني علاً، ورأيت علاً، ومررت بعلاً. وإذا كانت بمعنى فوق فهي اسم أيضاً. تقول: جئت من عليه، كما يقال: جئت من فوقه. قال الشاعر:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بعد ما تَمَّ ظِمْؤُهَا (١)
وقال الآخر:
فهي تَنُوشُ الحوضَ نَوْشًا من عَلا (٢)
وإذا كانت مشتقة من مصدر ودلت على زمن مخصوص فهي فعل تقول: علا يعلو علواً فهو عالٍ. وعلا الحائط، كما تقول ارتفع الحائط. وما عدا هذين الموضعين فهي حرف يجر ما بعدها (٣).
стр. 486
وذكر بعض المفسرين أن " على " في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: بمعنى فوق . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
والثاني: بمعنى الشرط . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
والثالث: بمعنى الضمان والالتزام . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
والرابع: بمعنى " من ". ومنه قوله تعالى في المطففين: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، قال ابن قتيبة: ومثله:
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: ١٠٧]، أي: استحق منهم (١).
والخامس: بمعنى " في "، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، قاله المبرد» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي
الوجه الأول: بمعنى فوق.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي» (٣).
стр. 487
وقال به من السلف: مجاهد: قال: علا. (١)
وقال ابن تيمية: «ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة قال بعضهم ارتفع على العرش علا على العرش وقال بعضهم عبارات أخرى وهذه ثابتة عن السلف قد ذكر البخاري في صحيحه بعضها» (٢).
وقال ابن كثير: «تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف: إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل» (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الزَّجَّاجي: «والاسم قولك جئت من عليه بمعنى من فوقه» (٤).
الوجه الثاني: بمعنى الشرط.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].
وقريبا من الشرط قال المفسرون، فقال الفرَّاء: أن تجعل ثوابي، وقال النَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير: أن تكون أجيرا، وقال الزَّمخشري: المعاهدة (٥).
وقال الطاهر: «على من صيغ الشرط في العقود» (٦).
стр. 488
تنبيه:
من عرض أقوال المفسرين يتبين قرب الأجر والشرط والعهد من بعض غير أن السبب المباشر في تفسير الآية بالشرط هنا هو قول الفقهاء؛ قال ابن قدامة:
«على ليست حرف شرط ولا مقابله، لهذا لا يصح أن تقول بعتك ثوبي على ألف .. أجريت مجرى الشرط والجزاء بدليل قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]» (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه العمل الشرعي.
الوجه الثالث: بمعنى الضمان والالتزام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «أن يبين الهدى والضلالة»، ونحوه عن مجاهد، وقتادة، والضحاك (٢).
وتبع المفسرون السلف في هذا ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
قال ابن القيم: «في أداة على سر لطيف، وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط على هدى وهو حق .. والله هو الحق، وصراطه حق ودينه حق؛ فمن استقام على صراطه فهو على الحق والهدى، فكان في أداة على، على هذا المعنى ما ليس في أداة إلى فتأمله فإنه سر بديع.
فإن قلت فما الفائدة في ذكر على في ذلك أيضا وكيف يكون المؤمن مستعليا على الحق وعلى الهدى؟ قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى مع ثباته عليه، واستقامته إليه فكان في
стр. 489
الإتيان بأداة على ما يدل على علوه وثبوته واستقامته، وهذا بخلاف الضلال والريب فإنه يؤتى فيه بأداة في الدالة على انغماس صاحبه، وانقماعه، وتدسسه فيه كقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] فإن طريق الحق تأخذ علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير وطريق الضلال تأخذ سفلا هاوية بسالكها في أسفل سافلين» (١).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي (٢).
الوجه الرابع: بمعنى من.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي، قال ابن قتيبة: «﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، أي من الناس» (٤).
الوجه الخامس: بمعنى في.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وقال به من السلف: ابن جريج، وابن إسحاق (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي (٦).
стр. 490
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الفرَّاء:
«تصلح في وعلى في مثل هذا الموضع؛ تقول: أتيته في عهد سليما وعلى عهده سواء» (١).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الخمسة وهي:
الوجه الأول: بمعنى فوق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وشهد له حديث أبي هريرة ﵁، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الزَّجَّاجي: «والاسم: قولك جئت من عليه بمعنى من فوقه» (٢).
الوجه الثاني: بمعنى الشرط. ودل عليه قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وتم التنبيه على أن منشأ الوجه قول الفقهاء، ومأخذه العمل الشرعي.
الوجه الثالث: بمعنى الضمان والالتزام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، ومأخذه الاستعمال العربي.
الوجه الرابع: بمعنى من. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، ومأخذه الاستعمال العربي، كما قال ابن قتيبة.
الوجه الخامس: بمعنى في. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قاله الفرَّاء.
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة العين:
باب العين:
قال ابن الجوزي:
«العين: من الأسماء المشتركة، والأصل فيها: العين الباصرة. ثم هي بالوضع العرفي منقولة إلى مواضع، فيقال العين: ويراد بها الذات، ويقال العين: ويرد بها منابع الماء. ويقال: في غير ذلك. والماء المعين: الظاهر للعيون. وأعيان القوم: أشرافهم. ويقال: أفعل ذلك عمد عين، إذا
стр. 491
تعمده. وهذا عبد عين أي: يخدمك ما دمت تراه، فإذا غبت عنه فلا. ويقال: لقيت فلاناً عين عنه، أي: أعياناً، ويقال: عنت الرجل: أصبته بعيني. وهو معين ومعيون، والفاعل عائن (١).
وذكر أهل التفسير أن العين في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: العين الباصرة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، وفي البلد:
﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨].
والثاني: منبع الماء الجاري . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
والثالث: الحفظ . ومنه قوله تعالى في القمر: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
والرابع: المنظر . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١]، أي: بمنظر منهم.
والخامس: القلب . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ﴾ [الكهف: ١٠١].
وزاد بعضهم وجهاً سادساً فقال: والعين: النهر. ومنه قوله تعالى في هل أتى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي .
الوجه الأول: العين الباصرة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨].
стр. 492
وقال به من السلف: قتادة (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «العين والياء والنون أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على عُضوٍ به يُبْصَر ويُنظَر» (٣).
الوجه الثاني: منبع الماء الجاري.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسدي (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذ المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ومن الباب: العين الجاريةُ النّابعة من عيون الماء، وإنّما سميت عينًا تشبيهًا لها بالعين النَّاظرةِ لصفائها ومائها؛ ويقال: قد عانَت الصّخرةُ، وذلك إذا كانَ بها صَدعٌ يخرج منه الماء، ويقال: حَفَر فأعْيَن وأعان» (٦).
الوجه الثالث: الحفظ.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].
стр. 493
وقال به من السلف: مقاتل بن حيان (١)، سفيان قال: بأمرنا (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير فقال: بمرأى منا ومنظر، وقال الزَّجَّاج: بمرأى منا وحفظ، وقال البغوي: بمرأى منا، وقال ابن عطية: قال الجمهور معناه: بحفظنا وحفايتنا وتحت نظرنا لأهلها وسمى هذه الأشياء أعينا تشبيها، وقال القرطبي: بمرأى منا وحفظنا وأمرنا، وقال أبو حيان: بوحينا، وقيل بأمرنا، وقال ابن كثير: بمرأى منا وتحت حفظن وكلاءتنا (٣).
وقال ابن تيمية في منهج أهل السنة والجماعة في إثبات العينين لله :» ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل .. فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم .. وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه .. وقوله:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤].
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] «(٤).
وقال السعدي في تفسير هذه الآية: «أي تجري بنوح ومن آمن معه، ومن حمله من أصناف المخلوقات برعاية من الله، وحفظ منه لها عن الغرق، ونظر وكلاءة منه تعالى، وهو نعم الحافظ والوكيل» (٥).
تنبيه:
مع أن الوجه في الآية صحيح وهو من التفسير باللازم؛ غير أن للفظ العين في هذا الموضع دلالة أعلى، ومقام أرفع، وهو إثبات الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته على نحو ما تم تجليته
стр. 494
من كلام ابن تيمية، والسعدي (١).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم النظر الحفظ.
الوجه الرابع: المنظر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم العين النظر؛ قال الزَّمخشري: «بمعنى معاينا مشاهدا أي بمرأى منهم ومنظر» (٣).
الوجه الخامس: القلب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ﴾ [الكهف: ١٠١].
وقال به من المفسرين: ابن عطية، وأبو حيان؛ قالا: البصر كناية عن البصيرة لأن العين الجارحة لا نسبة بينها وبين الذكر (٤).
والصحيح أن الأعين على أصلها؛ ويدل عليه قول قتادة: «كانوا عميا عن الحق لا يبصرونه» (٥).
стр. 495
وقال به من المفسرين: ابن جرير، وابن كثير، والسعدي (١).
وأيد ذلك ابن عثيمين فقال: «كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله، لا ينظرون إلى ذكر الله، وقد ذكر الله تعالى فيما سبق في نفس السورة أن ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، فالقلوب، والأبصار، والأسماع كلها مقفلة» (٢).
وجمع الزَّمخشري بين القولين فقال: «عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم، أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها» (٣).
وعليه فلا مانع من تصحيح القولين فالعين الباصرة مأخذها اللفظ، والعين البصيرة مأخذها السياق وهو ورود الذكر.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب لأنه لابد من تواطؤ البصر والقلب في الإقبال أو الإعراض عن ذكر الله، ولأن البصر هو من أوسع المنافذ للقلب؛ قال الله تعالى: «﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ومعلوم أن النظر هنا للتفكر، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني من لفظ الذكر في الآية.
وأما ما أشار إليه ابن الجوزي عن بعضهم: وجهاً سادساً فقال: والعين: النهر. ومثل له بقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
فلم أقف عليه بهذا المعنى، وإنما الذي يذكره المفسرون: أن العين هنا هي منبع الماء الجاري، وممن قال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
وبهذا يعود إلى الوجه الثاني.