← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تعمده. وهذا عبد عين أي: يخدمك ما دمت تراه، فإذا غبت عنه فلا. ويقال: لقيت فلاناً عين عنه، أي: أعياناً، ويقال: عنت الرجل: أصبته بعيني. وهو معين ومعيون، والفاعل عائن (١). وذكر أهل التفسير أن العين في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: العين الباصرة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، وفي البلد: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨]. والثاني: منبع الماء الجاري . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]. والثالث: الحفظ . ومنه قوله تعالى في القمر: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]. والرابع: المنظر . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١]، أي: بمنظر منهم. والخامس: القلب . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ﴾ [الكهف: ١٠١]. وزاد بعضهم وجهاً سادساً فقال: والعين: النهر. ومنه قوله تعالى في هل أتى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي . الوجه الأول: العين الباصرة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨].

стр. 492

وقال به من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «العين والياء والنون أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على عُضوٍ به يُبْصَر ويُنظَر» (٣). الوجه الثاني: منبع الماء الجاري. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذ المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ومن الباب: العين الجاريةُ النّابعة من عيون الماء، وإنّما سميت عينًا تشبيهًا لها بالعين النَّاظرةِ لصفائها ومائها؛ ويقال: قد عانَت الصّخرةُ، وذلك إذا كانَ بها صَدعٌ يخرج منه الماء، ويقال: حَفَر فأعْيَن وأعان» (٦). الوجه الثالث: الحفظ. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].

стр. 493

وقال به من السلف: مقاتل بن حيان (١)، سفيان قال: بأمرنا (٢). ومن المفسرين: ابن جرير فقال: بمرأى منا ومنظر، وقال الزَّجَّاج: بمرأى منا وحفظ، وقال البغوي: بمرأى منا، وقال ابن عطية: قال الجمهور معناه: بحفظنا وحفايتنا وتحت نظرنا لأهلها وسمى هذه الأشياء أعينا تشبيها، وقال القرطبي: بمرأى منا وحفظنا وأمرنا، وقال أبو حيان: بوحينا، وقيل بأمرنا، وقال ابن كثير: بمرأى منا وتحت حفظن وكلاءتنا (٣). وقال ابن تيمية في منهج أهل السنة والجماعة في إثبات العينين لله :» ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل .. فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم .. وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه .. وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤]. ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] «(٤). وقال السعدي في تفسير هذه الآية: «أي تجري بنوح ومن آمن معه، ومن حمله من أصناف المخلوقات برعاية من الله، وحفظ منه لها عن الغرق، ونظر وكلاءة منه تعالى، وهو نعم الحافظ والوكيل» (٥). تنبيه: مع أن الوجه في الآية صحيح وهو من التفسير باللازم؛ غير أن للفظ العين في هذا الموضع دلالة أعلى، ومقام أرفع، وهو إثبات الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته على نحو ما تم تجليته

стр. 494

من كلام ابن تيمية، والسعدي (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم النظر الحفظ. الوجه الرابع: المنظر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم العين النظر؛ قال الزَّمخشري: «بمعنى معاينا مشاهدا أي بمرأى منهم ومنظر» (٣). الوجه الخامس: القلب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ﴾ [الكهف: ١٠١]. وقال به من المفسرين: ابن عطية، وأبو حيان؛ قالا: البصر كناية عن البصيرة لأن العين الجارحة لا نسبة بينها وبين الذكر (٤). والصحيح أن الأعين على أصلها؛ ويدل عليه قول قتادة: «كانوا عميا عن الحق لا يبصرونه» (٥).

стр. 495

وقال به من المفسرين: ابن جرير، وابن كثير، والسعدي (١). وأيد ذلك ابن عثيمين فقال: «كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله، لا ينظرون إلى ذكر الله، وقد ذكر الله تعالى فيما سبق في نفس السورة أن ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف: ٥٧]، فالقلوب، والأبصار، والأسماع كلها مقفلة» (٢). وجمع الزَّمخشري بين القولين فقال: «عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم، أو عن القرآن وتأمل معانيه وتبصرها» (٣). وعليه فلا مانع من تصحيح القولين فالعين الباصرة مأخذها اللفظ، والعين البصيرة مأخذها السياق وهو ورود الذكر. ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب لأنه لابد من تواطؤ البصر والقلب في الإقبال أو الإعراض عن ذكر الله، ولأن البصر هو من أوسع المنافذ للقلب؛ قال الله تعالى: «﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ومعلوم أن النظر هنا للتفكر، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني من لفظ الذكر في الآية. وأما ما أشار إليه ابن الجوزي عن بعضهم: وجهاً سادساً فقال: والعين: النهر. ومثل له بقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]. فلم أقف عليه بهذا المعنى، وإنما الذي يذكره المفسرون: أن العين هنا هي منبع الماء الجاري، وممن قال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وبهذا يعود إلى الوجه الثاني.

стр. 496

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الخمسة وهي: الوجه الأول: العين الباصرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا [الأعراف: ١٩٥]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: منبع الماء الجاري. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]، ومأخذ المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه قال ابن فارس. الوجه الثالث: الحفظ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]. وتم التنبيه على أن الأولى بابن الجوزي ذكر صفة الله تعالى هنا، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم النظر الحفظ. الوجه الرابع: المنظر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء: ٦١]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم العين النظر؛ كما أشار إليه قال الزَّمخشري. الوجه الخامس: القلب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ﴾ [الكهف: ١٠١]. وتم عرض أقوال المفسرين باحتمال الآية للعين والقلب، ومأخذه التفسير بالمقارب، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني من لفظ الذكر في الآية. وأما ما أشار إليه ابن الجوزي عن بعضهم: وجهاً سادساً فقال: والعين: النهر. ومثل له بقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]. فقد تقدم أنني لم أقف عليه بهذا المعنى، وإنما الذي يذكره المفسرون: أن العين هنا هي منبع الماء الجاري، وبهذا يعود إلى الوجه الثاني.

стр. 497

المبحث التاسع: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حروف الفاء، والقاف، والكاف . وفيه ثلاثة مطالب. المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الفرض: باب الفرض: قال ابن الجوزي: «الفرض في اللغة: الحزّ في الشيء. يقال فرضت الخشبة. والحزُّ في سِيَة القوس، حيث يقع الوتر: فرض. والفرضة: المشرعة في النهر. وسمي ما فرضه اللَّه تعالى فرضاً، لأن له معالم وحدوداً (١). وأما الفرض في الشريعة: فاختلف الفقهاء هل يزيد على الواجب أم لا فروي عن الإمام أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل (٢) ﵁: أنهما اسمان بمعنى واحد. كما يقال: ندب ومستحب. وروي عنه أنهما اسمان لمعنيين. فالفرض أكثر من الواجب. واختلف أصحابنا في هذا التأكيد ما معناه، فقال بعضهم: معناه أنه لا يسامح الإنسان في تركه عمداً ولا سهواً. كأركان الصلاة وقال بعضهم: معناه أنه ثبت بطريق مقطوع به. كالقرآن وأخبار التواتر والإجماع (٣). وذكر أهل التفسير أن الفرض في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: الإلزام . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وفيها: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفي الأحزاب: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والثاني: الإحلال . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨].

стр. 498

والثالث: البيان . ومنه قوله تعالى في سورة النور: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]، وفي التحريم: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. والرابع: الإنزال ، ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. والخامس: القسمة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، وفي براءة في آية الزكاة: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، أي: قسمة، وقيل: أنه من الفرض الذي هو قرين الوجوب. قال ابن قتيبة: ويجوز أن تكون هذه الأقسام كلها من الإلزام والإيجاب (١)» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الإلزام. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. واختلف السلف في تحديد المراد بالفرض هنا بعد اتفاقهم على أنه الإلزام وممن قال به منهم: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وسفيان الثوري، ومجاهد، والنخعي، وطاوس، والحسن، وقتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).

стр. 499

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ومعنى تفسير السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «فهذا الرجل يتزوج المرأة، وقد سمى لها صداقا، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، فله نصف صداقها، ليس لها أكثر من ذلك»، ونحوه عن مجاهد، وقتادة، والربيع، والزهري. (١) ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ومعنى تفسير السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «إن مما فرض الله عليهم ألا نكاح إلا بولي، وشاهدين»، ونحوه عن أبي، ومجاهد (٣). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ومن الباب اشتقاق الفَرْض الذي أوجَبَه الله تعالى، وسمِّي بذلك لأنّ له معالمَ وحدودًا» (٤). الوجه الثاني: الإحلال. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]. وقال به من السلف: قتادة (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان،

стр. 500

وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة قال ابن فارس:» الفَرض ما جُدتَ به على غير ثوابٍ» (٢)، وقال الراغب الأصفهاني: «وما ورد من فرض الله له، فهو في ألا يحضره على نفسه نحو: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] «(٣). الوجه الثالث: البيان. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن زيد، وقتادة، ومقاتل بن حيان. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والقرطبي، وابن كثير (٤). تنبيه: هذا الوجه على قراءة (فرَّضنَاها) بالتشديد، وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو بتشديد الراء للمبالغة فيه، والباقون (فرَضناها) بالتخفيف، بمعنى جعلناها واجبة مقطوعا بها (٥). قال أبو إسحاق الزَّجَّاج: «فمن قرأ بالتخفيف فمعناه: ألزمناكم العمل بما فُرِض فيها، ومن قرأ بالتشديد فعلى وجهين، أحدهما على معنى التكثير؛ على معنى أنا فرضنا فيها فروضا كثيرة، وعلى معنى بينا وفصلنا ما فيها من الحلال والحرام» (٦). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].

стр. 501

وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الفرض الوضوح. الوجه الرابع: الإنزال. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. وقال به من السلف: مجاهد، ومقاتل بن حيان (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي ونسبه لأكثر المفسرين، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه؛ قال ابن عطية: «أنزله عليك وأثبته والفرض أصله عمل فرضة في عود أو نحوه فكأن الأشياء التي تثبت وتمكن وتبقى تشبه ذلك الفرض» (٤). الوجه الخامس: القسمة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]. وقال به من السلف: سعيد بن جبير (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير (٦). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ومعنى كلام قتادة يدل عليه فقال: «ثمانية أسهم فرضهن الله وأعلهن» (٧). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وابن كثير (٨). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذ السياق القرآني فالآية الأولى كلها في قسمة المواريث، والثانية في قسمة الزكاة.

стр. 502

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الخمسة، وهي: الوجه الأول: الإلزام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: الإحلال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما أشار إليه ابن فارس، والراغب. الوجه الثالث: البيان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]. وتم التنبيه على أن الوجه على قراءة التشديد، وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الفرض الوضوح. الوجه الرابع: الإنزال. ودل عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه؛ كما هو بين من كلام الله الوجه الخامس: القسمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ومأخذ السياق القرآن فالآية الأولى كلها في قسمة المواريث، والثانية في قسمة الزكاة. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة القول: باب القول: قال ابن الجوزي: «القول والكلام، واحد. والمقول: اللسان. ورجل قولة وقوّال: كثير القول. وقد فرق قوم بين القول والكلام، فقالوا: كل كلام قول. وليس كل قولٍ كلاماً، وقد أشار إلى هذا المعنى عمرو بن ثابت الثمانيني (١) في شرح " اللمع ". فذكر أن الكلام ما أفاد. والقول قد يفيد وقد لا يفيد. قال: فقولنا قام زيد كلام، لأنه مفيد. وقولنا قام قعد قول، ولا يقال له كلام، لأنه غير مفيد. ولكن يقال له في عرف النحويين كلام مهمل. قال محمد بن القاسم النحوي (٢). ويقال: القول ويراد به الظن. قالت العرب: أتقول عبد الله خارجاً؟. ومتى يقول محمداً منطلقاً؟ يريدون متى ينطلق في ظنك وعلمك وأنشدوا: أَما الرَّحِيلُ فَدُونَ بعدِ غَدٍ، ... فمتى تَقُولُ الدَّارَ تَجْمَعُنا؟ (٣) أي: تظن. وأنشدوا منه أيضاً: أجُهَّالاً تقُولُ بَنِي لُوءَيَ ... لَعَمْرُ أبِيكَ أوْ مُتَجَاهِلِينَا (٤)

стр. 503

وقال أبو زكريا: أفصح مذاهب العرب في القول: أن لا يعمل في الجملة التي بعده في اللفظ، وهي في التقدير في موضع نصب نحو قولك: قال زيد: عمرو منطلق. قال: وتذهب العرب إلى أن تعمل القول عمل الظن. إذا كان معه استفهام وتاء الخطاب، نحو قولك: أتقول زيداً قائماً؟ لأن الإنسان إنما يستفهم عن ظنه. وتقول: متى تقول أباك خارجاً» (١). وذكر بعض المفسرين أن القول في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: القرآن . ومنه قوله تعالى: في الزمر: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. والثاني: الشهادتان . ومنه قوله تعالى في إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. والثالث: السابق في العلم . ومنه قوله تعالى في السجدة: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]. والرابع: العذاب . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]. والخامس: نفس القول . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: القرآن. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. وقال به من السلف: الضحاك (٣). ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤)، ونسبه ابن الجوزي للجمهور (٥).

стр. 504

وللسلف في الآية قول آخر عن ابن عباس: «هو الرجل يجلس مع القوم، فيسمع الحديث فيه محاسن ومساوء، فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عن ما سواه» (١). ورجح القول في عموم الأقوال في معنى الآية ابن عطية، وأبو حيان وهو قول ابن جرير (٢). والصحيح القول بالوجه؛ لأمور: - أن هذا الأثر المنسوب لابن عباس، هو لابن السائب كما هو عند السمرقندي وابن الجوزي. - تفسير ابن كثير للآية حيث فسر القرآن بالقرآن؛ فقال: «أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله ﵎ لموسى ﵇ حين آتاه ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] (٣)، وتبعه في مثل هذا الشنقيطي (٤). - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فصل: قد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. والمراد بالقول القرآن كما فسره بذلك سلف الأمة وأئمتها .. واللام لتعريف القول المعهود فإن السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن واستماعه، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبينا فساد قول من استدل بهذه على سماع الغناء وغيره وجعلها عامة وبينا أن تعميمها فى كل قول باطل بإجماع المسلمين» (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن القرآن مثال للقول.

стр. 505

الوجه الثاني: الشهادتان. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وشهد له حديث البراء بن عازب ﵁ عنهما عن النبي ﷺ قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أُتى، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (١). ونحوه عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن مسعود، وابن عباس، وابن جريج، والربيع، وابن زيد، وقتادة، ومجاهد (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير النبي ﷺ . الوجه الثالث: السابق في العلم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]. ولم أقف على من قال به من السلف والمفسرين. والذي يذكره المفسرون: أن معنى القول هنا كالوجه بعد وهو: العذاب. ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ومما يثبت أن الوجه في هذه الآية يدخل مثالا للوجه الذي بعده؛ أن ابن عطية، وأبا حيان جعلا آيتي الوجهين نظيرين؛ عند تفسيرهم لآية النمل كما سيأتي.

стр. 506

وبهذا يكون هذا المثال بمعنى العذاب فيدخل في الوجه الذي بعده. الوجه الرابع: العذاب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]. وقال به من السلف: مجاهد، وابن جريج (١)، والحسن، ومقاتل بن حيان (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء وقال: السخط، وابن جرير، والنَّحَّاس وقال: السخط، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته؛ قال ابن عمر: «إذا لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري: بموت العلماء، وذهاب العلم»، فإذا كان ذلك كذلك، استحقوا نزول العذاب فنزل. الوجه الخامس: نفس القول. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والحسن، ومجاهد، وعكرمة، والربيع، وابن زيد (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 507

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «القاف والواو واللام أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يقلُّ كلمهُ، وهو القَول من النُّطق. يُقال: قَالَ يقول قَولاً، والمِقْوَل: اللّسان؛ ورجل قُوَلةٌ وقَوَّالٌ: كثير القَول» (١). نتيجة الدراسة: تحصل مما تقدم صحة أربعة وجوه وهي: الوجه الأول: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن القرآن مثال للقول. الوجه الثاني: الشهادتان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وشهد له حديث البراء بن عازب، ومأخذه تفسير النبي ﷺ الوجه الثالث: العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته، كما أشار إليه ابن عمر. الوجه الرابع: نفس القول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. وأما الوجه الذي هو: السابق في العلم . ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، فقد تقدم بيان أن هذا المثال داخل في العذاب وهو الوجه الثالث. المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الكَتْب . باب الكتب: قال ابن الجوزي: «الأصل في الكتب: الجمع. فكأن الكاتب هو جامع الحروف. يقال: كتبت البغلة، إذا جمعت بين شفريها بحلقةٍ. والكَتبة: الخرزة. والكتب: الخرز. والمكاتب: العبد يكاتب على نفسه بشيء يؤديه، فإذا أداه عتق (٢).

стр. 508

وذكر أهل التفسير أن الكتب في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: الأمر . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، أي: أمركم بدخولها. والثاني: الجعل . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، وفي المجادلة: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. والثالث: القضاء . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وفي براءة: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [براءة: ٥١]، وفي الحج: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤]، وفي المجادلة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]. والرابع: الفرض . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وفيها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وفيها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وفيها: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وفيها: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وفيها: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وفي سورة النساء: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧]. والخامس: الحفظ . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الأمر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]. وقال به من السلف: قتادة؛ قال: «أمروا بها كما أمروا بالصلاة». ونحوه عن: السدي (٢).

стр. 509

ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومنهم: ابن جرير قال: أثبتها، والبغوي: فرضها، والزَّمخشري: قسمها، وابن عطية: قضاها وقدرها، والقرطبي، وأبو حيان قالا: فرضها، وابن كثير قال: وعدكموها (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه، لأن الأمر هنا بمعنى الفرض والإيجاب وهذا هو الأغلب في القرآن لمعنى الكَتب (٢)، فالبغوي نقل عن قتادة، والسدي؛ أن الكتب بمعنى الأمر وهو مع هذا يقول بعد الأثرين بالفرض مما دل على التقارب بينهما. الوجه الثاني: الجعل. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والسمرقندي، والرازي، والقرطبي (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال به من المفسرين: السمرقندي، والقرطبي، وابن كثير (٤). ومما يؤيد هذا الوجه أن القرطبي فسر الكتابة هنا في آية المجادلة بآية آل عمران. ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته، وما يؤول إليه لأنهم إذا كتبوا يجعلون مع الشاهدين، وإذا كتب الإيمان في القلب جعله فيه.

стр. 510

الوجه الثالث: القضاء. ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن إسحاق: «لأخرج الذين كتب عليهم القتل إلى موطن غيره، يصرعون فيه» (١). ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [براءة: ٥١]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «كتب على الشيطان أنه من اتبع الشيطان من خلق الله»، ونحوه عن مجاهد (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 511

الآية الرابع: قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «كتب الله كتابا وأمضاه» (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل الكَتب؛ قال ابن قتيبة: «أصل الكتب ما كتبه الله في اللوح مما هو كائن» (٣). الوجه الرابع: الفرض. ومثل له ابن الجوزي بسبع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقال به من السلف: سعيد بن جبير (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٦). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠].

стр. 512

ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول الحسن: «حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضر الموت بالمعروف غير المنكر» (١). وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]. واختلف السلف في تحديد المراد بم كتب عليهم القتال، واتفقوا على أن الكتب هنا الفرض، ومنهم: عطاء، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والسمرقندي، والبغوي (٥). الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقال به من السلف: سعيد بن جبير (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي (٧). الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧].

стр. 513

وقال به من السلف: عكرمة، والسدي، وقتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ومن الباب الكِتَابُ، وهو الفَرْضُ، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]» (٣). الوجه الخامس: الحفظ. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته التي يصير إليها، والكتابة هنا للحفظ؛ قال الزَّجَّاج: «يحفظه عليه ليجازيهم به» (٥). نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الخمسة وهي: الوجه الأول: الأمر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه. الوجه الثاني: الجعل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ومأخذه تفسير

стр. 514

الشيء بنتيجته، وما يؤول إليه لأنهم إذا كُتبوا يجعلون مع الشاهدين، وإذا كَتب الإيمان في القلب جعله فيه. الوجه الثالث: القضاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ [براءة: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤]، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، ومأخذه أصل الكَتب كما قاله ابن قتيبة. الوجه الرابع: الفرض. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ البقرة: ٢٤٦]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: ٧٧]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الخامس: الحفظ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته التي يصير إليها.

стр. 515

المبحث العاشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الميم . وفيه مطلبان. المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة المدينة: باب المدينة: قال ابن الجوزي: «المدينة: على " فعيلة " والجمع: مدن. قال قطرب (١): هي من دان، أي أطاع. وقال ابن فارس: قال قوم: المدينة من الدين (٢). والدين: الطاعة وإنما سميت مدينة لأنها تقام فيها طاعة واليها، وقال آخرون سميت مدينة لأنها دين أهلها. أي: ملكوا. يقال: دان فلان بني فلان، أي: ملكهم. وفلان في دين فلان. أي: في طاعته. قال النابغة: بعثت على البرية خير راعٍ ... فأنت إمامها والناس دين (٣) ويقال: دين فلان أمره، أي ملكه. ويقول الفقهاء في الحالف: يديَّن، أي يملك أمره فيقال: أنت أعلم بما أردت فانظر فيما بينك وبين ربك، وقال الحطيئة: لقد دُيِّنْتِ أمرَ بَنِيْكِ حتّى ... تَرَكْتِهِمُ أدَقَّ من الطَحِينِ (٤) ويقال للأمة: المدينة، لأنها مملوكة مذللة، قال الأخطل: رَبَتْ وَرَبَا في حِجْرِها ابنُ مدينةٍ ... يظل على مِسحاتِهِ يَتركَّلُ (٥) يريد ابن أمة (٦). وذكر بعض المفسرين أنها في القرآن على خمسة أوجه:

стр. 516

أحدها: مدينة النبي ﷺ - (١) ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، وفيها: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. والثاني: مصر . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]. والثالث: الحجر . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. والرابع: أنطاكية . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ٨٢]. والخامس: مدينة أصحاب الكهف . قال مقاتل: واسمها أفسوس. ومنه قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]» (٢). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: مدينة النبي ﷺ . ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].

стр. 517

وقال به من السلف: قتادة، وزيد بن أسلم (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآن. الوجه الثاني: مصر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآن. الوجه الثالث: الحجر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآن. الوجه الرابع: أنطاكية (٦).

стр. 518

ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ٨٢]. واختُلف في تحديد اسم هذه المدينة فقيل: الأيلة (١)، وقيل: أنطاكية (٢). وذكر الأقوال أو بعضها من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وقال ابن حجر: «وشدة المباينة في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيء من ذلك» (٤). وقال الشنقيطي: «ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله ولم يثبت في بيانها شيء والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه. وكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها، بدون علم ولا جدوى، ونحن نعرض عن مثل ذلك دائما؛ كلون كلب أصحاب الكهف؛ واسمه وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر، وأنكر عليه موسى قتله، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم طول السفينة وعرضها، وكم فيها من الطبقات، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه ولا دليل على التحقيق فيه» (٥). وقال ابن عثيمين في تفسيره لآية الكهف هنا: «ولم يعين الله القرية فلا حاجة إلى أن نبحث عن هذه القرية، بل نقول: قرية أبهمها الله فنبهمها» (٦). وبهذا لا يثبت هذا الوجه، وتبقى الدينة على إبهامها.

стр. 519

الوجه الخامس: مدينة أصحاب الكهف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآن. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه أربعة وهي: الوجه الأول: مدينة النبي ﷺ . ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. الوجه الثاني: مصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥]. الوجه الثالث: الحجر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. الوجه الرابع: مدينة أصحاب الكهف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]. ومأخذ جميع هذه الوجوه السياق القرآن. وأما الوجه الذي هو: أنطاكية. فقد تقدمت الإشارة إلى الخلاف في تحديد اسم الدينة في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ٨٢]. وأنه مما أبهمه الله تعالى فنبهمه، ولا يثبت به الوجه.

стр. 520

المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة مع: باب مع: قال ابن الجوزي: «(مع): حرف يراد به الاقتران. تقول: جاء زيد مع عمرو وهو حرف متحرك العين قال الزَّجَّاج: ويجوز في الاضطرار إسكان العين. قال الشاعر: ورِيشِي منكمُ وهوايَ فيكمْ ... وإن كانت زيارتُكُمْ لِماما (١) وقال أبو زكريا: " مع " على ضربين: إذا دخلها "من" كانت اسماً، وإذا لم تدخلها "من" كانت حرفاً (٢). وذكر بعض المفسرين أن "مع " في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: بمعنى الصحبة . ومنه قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]. والثاني: بمعنى النصر . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [براءة: ٤٠]، وفي الشعراء: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]. والثالث: بمعنى العلم . ومنه قوله تعالى في المجادلة: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. والرابع: بمعنى " عند ". ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١]. والخامس: بمعنى " على ". ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]» (٣). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: بمعنى الصحبة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى الأصلي للفظ في اللغة؛ قال ابن سيدة: «وهو اسمٌ، معناهُ الصُّحبَةُ» (٥).

стр. 521

الوجه الثاني: بمعنى النصر. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [براءة: ٤٠]. ويشهد له حديث أبي بكر ﵁ قال قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (١). وقال به من السلف: قتادة (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]. وقال به من السلف: السدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين وهو من لوازم وآثار المعية الخاصة، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الراغب: «وإما في الشرف والرتبة نحو: هما معا في العلو، ويقتضي معنى النصرة، وأن المضاف إليه لفظ مع هو المنصور؛ نحو قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [براءة: ٤٠]. الوجه الثالث: بمعنى العلم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. وقال به من السلف: الضحاك (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه (٨) في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم المعية العلم، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني إذ أن ورود علم الله تعالى واطلاعه على كل

стр. 522

شيء جاء في أول الآية وآخرها؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]. الوجه الرابع: بمعنى " عند ". ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١]. ولم أقف على من قال بأن (مع) هنا بمعنى عند، وإنما الذي يذكره المفسرون أنها على بابها من المصاحبة والاجتماع وليس من حاجة إلى إخراجها عن أصلها بغير دليل؛ وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول، وهو الصحبة. الوجه الخامس: بمعنى " على ". ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ولم أقف على من قال بأن (مع) هنا بمعنى على، وإنما الذي يذكره المفسرون أنها على بابها من المصاحبة والاجتماع وليس من حاجة إلى إخراجها عن أصلها بغير دليل؛ وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول وهو الصحبة.

стр. 523

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ثلاثة وهي: الوجه الأول: بمعنى الصحبة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ومأخذه المعنى الأصلي للفظ في اللغة؛ كما قال ابن سيدة. الوجه الثاني: بمعنى النصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [براءة: ٤٠].وشهد له حديث أبي بكر ﵁، ودل عليه وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما ذكره الراغب. الوجه الثالث: بمعنى العلم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم المعية العلم، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني إذ أن ورود علم الله تعالى واطلاعه على كل شيء جاء في أول الآية وآخرها. وأما الوجهان وهما: - بمعنى " عند " في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ٤١]. - بمعنى " على ". بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فقد تقدم أنني لم أقف على من قال بأن (مع) هنا بمعنى عند أو على، وإنما الذي يذكره المفسرون أنها على بابها من المصاحبة والاجتماع وليس من حاجة إلى إخراجها عن أصلها بغير دليل، وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول، وهو الصحبة.

стр. 524

المبحث الحادي عشر: دراسة وجوه الكلمة القرآنية الواردة على حرف النون. وهي كلمة النكاح: باب النكاح: قال ابن الجوزي: «قال المفضل (١): أصل النكاح: الجماع. ثم كثر ذلك حتى قيل للعقد: النكاح. وقال أبو عمر غلام ثعلب (٢): الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين، والمبرد (٣) عن البصريين أن النكاح في أصل اللغة اسم للجمع بين الشيئين، وقد سموا الوطء نفسه نكاحاً من غير عقد قال الأعشى: ومنكُوحَةٍ غَيرِ ممهُوْرةٍ ... وأخْرَى يُقال لَهُ فادِهَا (٤) يعني: المسبية الموطوءة بغير مهر ولا عقد. وقال القاضي أبو يعلى (٥): وقد يطلق اسم النكاح على العقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمراد به العقد دون الوطء إلا أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد (٦). وإنما سمي

стр. 525

العقد نكاحاً لأنه سبب يتوصل به إلى الوطء. وقد يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاوراً له أو بينهما سبب. كما تسمى الشاة التي تذبح عن الصبي عقيقة وإنما العقيقة اسم الشعر الذي على رأسه. وتسمى المزادة راوية وإنما الراوية الجمل. وما يكون من الإنسان غائطاً وإنما الغائط المكان المطمئن (١). وذكر بعض لمفسرين أن النكاح في القرآن على خمسة أوجه: أحدها: العقد . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وفي سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وفيها: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وفي الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. والثاني: الوطء . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. والثالث: العقد والوطء . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. والرابع: الحلم . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]. والخامس: المهر . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور

стр. 526

: ٣٣]، وقد ألحق بعضهم وجهاً سادساً. فقال: والنكاح: القبول. ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]». (١) دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: العقد. ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه»، ونحوه عن ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وزيد بن أسلم (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. وقال به من السلف: أبو مالك غزوان الغفاري، وسعيد بن جبير (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥].

стр. 527

وقال به من السلف: السدي، ومقاتل بن حيان (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور في اللغة؛ قال ابن فارس: «والنّكاح يكون العَقدَ دونَ الوطء، يقال نَكَحْتُ: تَزَوّجْتُ، وأنكَحْتُ غَيرِي (٥)»، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم النكاح الشرعية العقد. الوجه الثاني: الوطء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ويشهد له حديث عائشة ﵂ قالت: إن امرأة رفاعة القرظي، جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة (٦)، قال رسول الله ﷺ : «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا؛ حتى

стр. 528

يذوق عُسَيلتكِ (١) وتذوقي عُسَيلتَهُ» (٢). ونحوه عن أبو هريرة، أنس بن مالك، وابن عمر، وابن عباس (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «النون والكاف والحاء أصلٌ واحد، وهو البِضاع (٥)». الوجه الثالث: العقد والوطء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك، دخل بها أم لم يدخل، فهي عليك حرام» (٦). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه العمل الشرعي؛ قال ابن قدامة: «مسألة: وإذا عقد على المرأة ولم يدخل بها فقد حرمت على ابنه وأبيه وحرمت عليه أمها» (٨)، ونقل الإجماع على هذا ابن كثير فقال: «يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم وإعظاما واحتراما

стр. 529

أن توطأ من بعده حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها وهذا أمر مجمع عليه» (١). فالعقد في الوجه منصوص عليه والوطء من باب أولى. الوجه الرابع: الحُلُم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد (٢)، وأبو مالك غزوان الغفاري، وسعيد بن جبير، والسدي (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح الحُلم. الوجه الخامس: المهر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٣٣]. وقال به من السلف: عكرمة (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 530

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح المهر. وأما ماذكره ابن الجوزي عن بعضهم وجها سادسا: القبول. ومثل له بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فقد قال به من المفسرين: الزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح القبول. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه ستة وهي: الوجه الأول: العقد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور في اللغة؛ كما قاله ابن فارس، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه. الوجه الثاني: الوطء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وشهد له حديث عائشة ﵂، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما أشار إليه ابن فارس. الوجه الثالث: العقد والوطء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، ومأخذه العمل الشرعي. الوجه الرابع: الحُلُم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح الحُلم. الوجه الخامس: المهر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٣٣]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح المهر. الوجه السادس: القبول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح القبول.
следующие страницы →