: ٣٣]، وقد ألحق بعضهم وجهاً سادساً. فقال: والنكاح: القبول. ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]». (١)
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: العقد.
ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «مشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه»، ونحوه عن ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وزيد بن أسلم (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وقال به من السلف: أبو مالك غزوان الغفاري، وسعيد بن جبير (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥].
стр. 527
وقال به من السلف: السدي، ومقاتل بن حيان (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩].
وقال به من السلف: ابن عباس (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور في اللغة؛ قال ابن فارس: «والنّكاح يكون العَقدَ دونَ الوطء، يقال نَكَحْتُ: تَزَوّجْتُ، وأنكَحْتُ غَيرِي (٥)»، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه، لأن من لوازم النكاح الشرعية العقد.
الوجه الثاني: الوطء.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
ويشهد له حديث عائشة ﵂ قالت: إن امرأة رفاعة القرظي، جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة (٦)، قال رسول الله ﷺ : «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا؛ حتى
стр. 528
يذوق عُسَيلتكِ (١) وتذوقي عُسَيلتَهُ» (٢).
ونحوه عن أبو هريرة، أنس بن مالك، وابن عمر، وابن عباس (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «النون والكاف والحاء أصلٌ واحد، وهو البِضاع (٥)».
الوجه الثالث: العقد والوطء.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك، دخل بها أم لم يدخل، فهي عليك حرام» (٦).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه العمل الشرعي؛ قال ابن قدامة: «مسألة: وإذا عقد على المرأة ولم يدخل بها فقد حرمت على ابنه وأبيه وحرمت عليه أمها» (٨)، ونقل الإجماع على هذا ابن كثير فقال: «يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم وإعظاما واحتراما
стр. 529
أن توطأ من بعده حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها وهذا أمر مجمع عليه» (١). فالعقد في الوجه منصوص عليه والوطء من باب أولى.
الوجه الرابع: الحُلُم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد (٢)، وأبو مالك غزوان الغفاري، وسعيد بن جبير، والسدي (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح الحُلم.
الوجه الخامس: المهر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٣٣].
وقال به من السلف: عكرمة (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
стр. 530
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح المهر.
وأما ماذكره ابن الجوزي عن بعضهم وجها سادسا: القبول. ومثل له بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
فقد قال به من المفسرين: الزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية؛ ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح القبول.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة وجوه ستة وهي:
الوجه الأول: العقد.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور في اللغة؛ كما قاله ابن فارس، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه.
الوجه الثاني: الوطء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وشهد له حديث عائشة ﵂، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما أشار إليه ابن فارس.
الوجه الثالث: العقد والوطء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، ومأخذه العمل الشرعي.
الوجه الرابع: الحُلُم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح الحُلم.
الوجه الخامس: المهر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٣٣]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح المهر.
الوجه السادس: القبول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم النكاح القبول.
стр. 531
المبحث الثاني عشر: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على حرف الواو . وفي أربعة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الوراء .
باب الوراء:
قال ابن الجوزي:
«الوراء: ظرف من ظروف المكان. ومثله: الخلف. ومقابله: الأمام، والقدام. والوراء: ولد الولد (١).
وذكر بعض المفسرين أن الوراء في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: الخَلْف . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وفي هود: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]، وهذا على سبيل المثل.
والثاني: الدنيا . ومنه قوله تعالى في الحديد: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:
١٣].
والثالث: القدام . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]، وفي إبراهيم: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦].
والرابع: بمعنى سوى . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وفي المؤمنين: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنين: ٧].
والخامس: بمعنى " بعد ". ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١]. وفي مريم: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ [مريم: ٥]، أي: من بعدي، يعني: بعد
стр. 532
موتي. وفي البروج: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]، أي: من بعد أعمالهم محيط بهم للانتقام منهم» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الخلف.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول الشعبي: «كانوا يقرأونه، وإنما نبذوا العمل به»، ونحوه عن ابن جريج (٢)، والسدي (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢].
وقال به ابن عباس، وقتادة، والثوري، وابن زيد (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «ووراء، إذا قيل وراء زيد كذا فإنه يقال لمن خلفه» (٧).
الوجه الثاني: الدنيا.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣].
стр. 533
وقال به من السلف: مجاهد (١).
ومن المفسرين: الزَّمخشري، وأبو حيان (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ حيث ورد في الآيات مخاطبة المؤمنين للمنافقين بذكر حالهم معهم في الدنيا.
الوجه الثالث: القدام (٣).
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (٥).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وأمَّا قولُهم: وَرَاءَكَ، فإنَّه يكون من خلف، ويكون من قُدّام» (٧).
стр. 534
الوجه الرابع: بمعنى سوى.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقال به من السلف: أبومالك سعد بن طارق الأشجعي (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنين: ٧].
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي (٣).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني؛ ففي الآيات الأولى بعد ذكر الله تعالى للمحرمات بين هنا أن ما سواها حلال، وفي الثانية بين حفظ الفرج ثم رفع هذا الحفظ بأحد خيارين؛ الزوجة أو ملك اليمين، ثم جعل من طلب سواهما معتديا.
الوجه الخامس: بمعنى " بعد ".
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١].
وقال به من السلف: قتادة، وأبو العالية، والربيع (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٥).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ [مريم: ٥].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «يعني بالموالي الكلالة الأولياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى»، ونحوه عن أبي صالح، ومجاهد، وقتادة، والسدي (٦).
стр. 535
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠].
وقال به من المفسرين: ابن عطية (٢).
والذي يذكره المفسرون؛ معنى الإحاطة بهم هنا، وهو يدل على الوجه كما ذكره ابن الجوزي.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني.
وبين هذا الوجه والذي قبله تقارب شديد، قال القرطبي في آية البقرة تلك بعد ذكره سوى وبعد: «والمعنى واحد» (٣)، وأبعد اتحاد الوجهين في وجه واحد السياق كما هو واضح في آية مريم.
نتيجة الدراسة:
تحصل مما تقدم صحة الوجوه الخمسة وهي:
الوجه الأول: الخلف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني.
الوجه الثاني: الدنيا. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]، ومأخذه السياق القرآني؛ حيث ورد في الآيات مخاطبة المنافقين للمؤمنين بذكر حالهم معهم في الدنيا.
الوجه الثالث: القدام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة.
стр. 536
الوجه الرابع: بمعنى سوى. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنين: ٧]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: بمعنى " بعد ". ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ البقرة: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]، ومأخذه السياق القرآني.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الورود:
باب الورود:
قال ابن الجوزي:
«قال شيخنا علي بن عبيد اللَّه: الأصل في الورود: أنه السعي للطلب. وهو الأعم الأظهر في طلب الماء، فإذا رجع عن الماء سمي العود صدراً. ثم يقال للبلوغ: ورود، لأنه مقصود الورود. والموضع الذي يقصد للماء: هو الوِرد.
ويقال للذي جاء عطشان: وِرد، لأن العطش سبب الورود. ويستعار في مواضع (١).
وذكر أهل التفسير أن الورود في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: الدخول . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، وفي الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]، أي: دخلوها.
والثاني: الحضور . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، أي: حاضرها. وقد ألحقه قوم بالقسم الذي قبله (٢).
والثالث: البلوغ . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣].
стр. 537
والرابع: الطلب . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩]، أي: طالب الماء لهم.
والخامس: العطش . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، أي: عطاشاً.
قال أبو عبد الرحمن اليزيدي: ورداً من وردت» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الدخول (٢).
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٤).
الآية الثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]، أي: دخلوها.
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
стр. 538
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه السياق القرآني؛ ففي الآية الأولى ذكر الله تعالى كيف يقدم فرعون قومه فيدخلون جهنم هجوما (١)، وفي آيتي الأنبياء ذكر الله تعالى أن العباد والمعبودين حصب جهنم، وقد أشار إلى السياق هنا أبو حيان (٢)، ويجوز أنه يكون مأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن الورود نتيجته الدخول في هذه الآيات.
الوجه الثاني: الحضور.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
وقال به من السلف: عبيد بن عمير. (٣)
وكثير من المفسرين أطال في ذكر الخلاف في تحديد المراد بالورود في هذه الآية على نحو ماذكره ابن الجوزي: «
وفي هذا الورود خمسة أقوال:
أحدها: أنه الدخول روى جابر بن عبد الله، وابن عباس، وعبد الله بن رواحة، والحسن البصري، وخالد بن معدان، وأبو مالك غزوان الغفاري (٤)، وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء فقال الزَّجَّاج (٥): العرب تقول وردت بلد كذا ووردت ماء كذا إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣].
والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠ - ١٠٢]،
والثاني: أن الورود الممر عليها قاله عبد الله بن مسعود وقتادة وابن مسعود،
стр. 539
والثالث: ورودها حضورها قاله عبيد بن عمير،
والرابع: ورود المسلمين المرور على الجسر وورود المشركين دخولها قاله ابن زيد،
والخامس: أن ورود المؤمن إليها ما يصيبه من الحمى في الدنيا روي عن مجاهد أنه قال الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. فعلى هذا من حم من المسلمين فقد وردها» (١).
والصحيح من هذه الأقوال أن معنى الورود المرور؛ ويدل عليه:
- حديث حفصة: «أن النبي ﷺ قال عندها: لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد؛ الذين بايعوا تحتها قالت: بلى يا رسول الله فانتهرها. فقالت: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال النبي ﷺ قد قال الله : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]» (٢).
قال النووي في شرحه صحيح مسلم: «والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون» (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقد فسره النبي في الحديث الصحيح رواه مسلم في صحيحه عن جابر بأنه المرور على صراط، والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة» (٤).
وقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية؛: «واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، ما هو والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، وفي الصحيح أنه قال والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة قالت حفصة فقلت يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال ألم تسمعيه قال ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها
стр. 540
جثيا أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه .. وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها» (١).
وذكر المرور من المفسرين: ابن جرير ورجحه، والسمرقندي، والبغوي، والقرطبي، والشوكاني، والشنقيطي (٢).
ويتبين مما تقدم أن الوجه هنا المرور كما فسره النبي ﷺ .
الوجه الثالث: البلوغ.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «أحدهما الموافاة إلى الشيء» (٤).
الوجه الرابع: الطلب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩].
وصرح به من المفسرين: السمرقندي، وابن كثير، وقال بمعناه: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الورود طلب الماء.
стр. 541
الوجه الخامس: العطش.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦].
وقال به من السلف: أبو هريرة، وابن عباس، والحسن، وقتادة، وسفيان الثوري (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الورود العطش؛ قال أبو حيان «تسمية للشيء بسببه» (٣).
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أربعة هي:
الوجه الأول: الدخول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أنه يكون مأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن الورود نتيجته الدخول في هذه الآيات.
الوجه الثاني: البلوغ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثالث: الطلب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الورود طلب الماء.
الوجه الرابع: العطش. ودل عليه قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الورود العطش.
стр. 542
وأما الوجه الذي هو:
- الحضور. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].فقد تقدمت الإشارة إلى الخلاف فيه وأن الأكثرين على معنى الدخول، ويكون هذا المثال ضمن أمثلة الوجه الأول.
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الوضع:
باب الوضع:
قال ابن الجوزي:
«الوضع: إلقاء الشيء وتركه. والغالب فيه أن يكون إلقاؤه من العلو إلى السفل. والوضيع: الدنيء في حسبه ضَعَة وضِعَةً. والدابة تضع في سيرها وضعاً وهو سير سهل سريع. وأوضعها راكبها (١).
وذكر بعض المفسرين أن الوضع في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: الولادة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وفي الطلاق: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
والثاني: الحطُّ . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وفي الانشراح: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢].
والثالث: النصب . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وفي الزمر: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ الزمر: ٦٩].
والرابع: البسط . ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
والخامس: السير ، ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، قال اليزيدي: الإيضاع: سرعة السير. ومعناه لأسرعوا السير بينكم يتخللونكم» (٢).
стр. 543
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الولادة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قواه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
وقال به من السلف: ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، والسدي، وقتادة (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الواو والضاد والعين أصلٌ واحد يدلُّ على الخَفْض للشّيء وحَطّه. وَوَضَعْتُه بالأرض وَضعاً، وَوضَعت المرأة ولدَها» (٤).
الوجه الثاني: الحطُّ.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 544
واختلف السلف في المراد بالإصر، واتفقوا على أن الوضع هنا الحطّ؛ ومنهم: ابن عباس، والضحاك، والحسن، ومجاهد، والسدي، وقتادة وسعيد بن جبير (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢].
وقال به من السلف: قتادة، والضحاك، وابن زيد (٣)، ومجاهد (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الواو والضاد والعين أصلٌ واحد يدلُّ على الخَفْض للشّئ وحَطّه. وَوَضَعْتُه بالأرض وَضعاً، وَوضَعت المرأة ولدَها» (٦).
الوجه الثالث: النصب.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]،
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر: ٦٩]، ولم أقف على من قال أن الوضع في الآيتين
стр. 545
النصب خاصة بل عامة المفسرين يفسرون الميزان، والكتاب ويغفلون الوضع هنا (١)؛ غير أن سياق الآية الأولى يفيد معنى النصب لأن وضع الميزان نصبه والنصب للشيء إقامته فيكون قائما منتصبا وهذا صحيح في الميزان؛ قال ابن فارس في إثبات معنى الإقامة للنصب: «النون والصاد والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على إقامةِ شيءٍ وإهدافٍ في استواء» (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه بالمثال الأول، ومأخذه السياق القرآني.
وأما المثال الثاني فالكتاب عائد لمعنى الحطَّ وهو أصل اللفظ في اللغة فيدخل في الوجه الثاني.
الوجه الرابع: البسط.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ كقول ابن جرير: وطّأَها، وقول الزَّمخشري، وأبي حيان: خفضها، وقول ابن كثير: لتستقر بما على وجهها من الأنام. وأما السمرقندي، والسمعاني فقد صرحا به (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن الوضع في الآية لأجل البسط؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩].
الوجه الخامس: السير.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول قتادة: «لأسرعوا بينكم»، ونحوه عن مجاهد، وابن زيد (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
стр. 546
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة وقع:
باب وقع:
قال ابن الجوزي:
«وقع: فعل ماض، والأصل فيه: السقوط من العلو إلى السفل ويقال: وقع كذا، بمعنى: كان. ومواقع الغيث: مساقطه (١).
وذكر أهل التفسير أن وقع في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: بمعنى سقط. ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٢٢].
والثاني: بمعنى كان. ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وفي الذاريات: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، وفي الطور: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، وفي المرسلات: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧]، أي: لكائن.
والثالث: بمعنى بان. ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨].
والرابع: بمعنى وجب. ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وفيها: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٨٥].
والخامس: بمعنى نزل. ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]، أي: ظنوا أن العذاب نازل بهم» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: بمعنى سقط.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٢٢].
стр. 547
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة وقع:
باب وقع:
قال ابن الجوزي:
«وقع: فعل ماض، والأصل فيه: السقوط من العلو إلى السفل ويقال: وقع كذا، بمعنى: كان. ومواقع الغيث: مساقطه (١).
وذكر أهل التفسير أن وقع في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: بمعنى سقط . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٢٢].
والثاني: بمعنى كان . ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وفي الذاريات: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، وفي الطور: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، وفي المرسلات: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧]، أي: لكائن.
والثالث: بمعنى بان . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨].
والرابع: بمعنى وجب . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وفيها: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٨٥].
والخامس: بمعنى نزل . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]، أي: ظنوا أن العذاب نازل بهم» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: بمعنى سقط.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٢٢].
стр. 548
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الواو والقاف والعين، أَصْلٌ واحد يرجع إليه فروعه، يدلُّ على سقوطِ شَيءٍ» (٢)، وقال الراغب الأصفهاني: «الوقوع: ثُبوتُ الشيءِ وَسُقوطُه» (٣).
الوجه الثاني: بمعنى كان.
ومثل له ابن الجوزي بآربع آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١].
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني وصرحا به (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦].
وقال به من السلف: ابن زيد (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧].
стр. 549
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه؛ قال ابن فارس: «الكاف والواو والنون أصلٌ يدلُّ على الإخبار عن حدوثِ شئ، إمَّا في زمانٍ ماضٍ أو زمان راهن. يقولون: كان الشيءُ يكونُ كَونًا، إذا وَقَعَ وحضر» (٣).
الوجه الثالث: بمعنى بان.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «ظهر» (٤) ومثله عن مجاهد (٥).
وتبع السلفَ المفسرون في هذا ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير قالا: تبين، والنَّحَّاس، والبغوي قالا: فظهر، والزَّمخشري قال: فحصل وثبت، وابن عطية: نزل ووجد، والقرطبي: فظهر.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الوقوع البيان والظهور.
الوجه الرابع: بمعنى وجب.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢].
وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة (٦).
стр. 550
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٨٥].
وقال به من السلف: قتادة (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه؛ قال ابن فارس: «الواو والجيم والباء أصلٌ واحد، يدلُّ على سُقوط الشيءِ ووُقوعِه» (٤).
الوجه الخامس: بمعنى نزل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١].
ولم أقف على من فسر الوقوع هنا بمعنى النزول؛ وإنما الذي يدل عليه تفسير السلف والسياق وأقوال المفسرين أنه سقوط الجبل.
فأما أقوال السلف؛ فقول ابن عباس: «وإلا خرَّ عليكم الجبل»، ونحوه عن مجاهد، وقتادة (٥)، وأما السياق فقد ذكر الله تعالى في أول الآية أنه جعل الجبل فوقهم، وأخذ موسى عليهم العهد أن يأخذوا الكتاب بقوة أو يسقط عليهم.
وأما المفسرون فممن قال بالسقوط منهم: السمرقندي، والزَّمخشري، والنسفي، وأبو السعود (٦).
وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
стр. 551
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أربعة وهي:
الوجه الأول: بمعنى سقط. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٢٢]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس، والراغب الأصفهاني.
الوجه الثاني: بمعنى كان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه؛ كما تقدم توضيحه من كلام ابن فارس في كلمة (كان).
الوجه الثالث: بمعنى بان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الوقوع البيان والظهور.
الوجه الرابع: بمعنى وجب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٨٥]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه؛ كما تقدم توضيحه من كلام ابن فارس على كلمة (وجب).
وأما الوجه الذي هو:
- بمعنى نزل. فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر الوقوع في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]، بمعنى النزول؛ وإنما الذي يدل عليه تفسير السلف والسياق وأقوال المفسرين أنه سقوط الجبل، وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
стр. 552
الفصل الثاني
الكلمات القرآنية الواردة على ستة أوجه فأكثر وهي دون الأحد عشر وجهاً
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على ستة أوجه مرتبة على حروف المعجم.
المبحث الثاني: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على سبعة أوجه مرتبة على حروف المعجم.
المبحث الثالث: دراسة الكلمة القرآنية الواردة على ثمانية أوجه.
المبحث الرابع: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على تسعة أوجه.
المبحث الخامس: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على عشرة أوجه مرتبة على حروف المعجم.
стр. 553
الفصل الثاني: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على ستة أوجه فأكثر وهي دون الأحد عشر وجها. وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على ستة أوجه مرتبة على حروف المعجم. وفيه عشرة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الإرسال:
باب الإرسال
قال ابن الجوزي: «الإرسال: في المحبوس إطلاقه. وفي المطلق بعثه، تقول أرسلت الطائر. بمعنى: أطلقته. وأرسلت فلاناً إلى فلانٍ. بمعنى بعثته (١).
وذكر بعض المفسرين أن الإرسال في القرآن على ستة أوجه:
أحدها: البعث . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، ومثله كثير.
والثاني: التسليط . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]. وفي القمر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، وفي الفيل: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣].
والثالث: الإخراج ومنه قوله تعالى في القمر: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧].
والرابع: الإطلاق . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وفي الشعراء: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧].
والخامس: الفتح . ومنه قوله تعالى في فاطر: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، أي: فلا فاتح.
والسادس: الإنزال . ومنه قوله تعالى في نوح: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]، أي: ينزل المطر» (٢).
стр. 554
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: البعث.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩].
وقال به من السلف: أبو صالح (١).
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومنهم: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الراء والسين واللام أصلٌ واحدٌ مطّردٌ مُنْقاس، يدلُّ على الانبعاث» (٣)، وقال الراغب الأصفهاني: «أصل الرَّسْل: الانبعاث على تُؤَ دةٍ» (٤).
الوجه الثاني: التسليط.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «تغويهم إغواء» (٥).
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩].
стр. 555
وقال به من المفسرين: السمرقندي (١).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣].
ولم أقف على من تكلم عن الإرسال والسياق يدل عليه.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: الإخراج.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧].
وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمقارب لأن الإخراج قريب من البعث الذي هو أصل الإرسال في اللغة؛ ولذلك فقد جاءت عبارات المفسرين هنا «باعثوها ومخرجوها».
الوجه الرابع: الإطلاق.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ قالوا «وكانوا يكدونهم في العمل»، ومنهم: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧].
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
стр. 556
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور في اللغة؛ قال ابن عطية «وهو من الإرسال بمعنى الإطلاق وكما تقول أرسلت الحجر من يدي» (١).
الوجه الخامس: الفتح.
ومنه قوله تعالى في فاطر: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية. ومأخذه السياق القرآني لقوله تعالى في أول الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢].
الوجه السادس: الإنزال.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١].
ولم أقف على من فسر الإرسال في هذه الآية.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية. ومأخذه السياق القرآني؛ وذلك باعتبار أن السماء هنا بمعنى المطر ويدل عليه قوله تعالى: (مدرارا).
وجميع ماتقدم من وجوه وأمثلة عليها إنما يدل عليها سياق الآيات التي هي فيها، وإلافهي متقاربة، ووقوف المفسرين على تفسير معنى الإرسال قليل كما هو ملاحظ.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه السته وهي:
الوجه الأول: البعث. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: التسليط. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، ومأخذه السياق القرآني.
стр. 557
الوجه الثالث: الإخراج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمقارب لأن الإخراج قريب من البعث الذي هو أصل الإرسال في اللغة.
الوجه الرابع: الإطلاق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ومأخذه المعنى المشهور في اللغة.
الوجه الخامس: الفتح. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، ومأخذه السياق القرآني لقوله تعالى في أول الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢].
الوجه السادس: الإنزال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]، ومأخذه السياق القرآني؛ وذلك باعتبار أن السماء هنا بمعنى المطر ويدل عليه قوله تعالى:
﴿مِدْرَارًا﴾.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الاستواء:
باب الاستواء
قال ابن الجوزي:
«الاستواء: يقال على ضربين أحدهما: تام، والآخر: ناقص. فالتام مثل، قولك استوى الأمر إذا استقام. ويقال: استوى الشيئان إذا اعتدلا. والناقص ما لا يتم إلا بصلته، مثل قولك: استوى على السرير، واستوى على الدابة. (وأما ما صلته "إلى" فمعناه: القصد. مثل قولك: استوى إلى الشيء). وأما ما صلته "مع" فمعناه: المساواة. مثل قولك: استوى الماء مع الخشبة (١).
وذكر بعض المفسرين أن الاستواء في القرآن على ستة أوجه:
أحدها: العمد والقصد . ومنه قوله تعالى في فصلت: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١].
стр. 558
والثاني: الاستقرار . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].
والثالث: الركوب . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْك﴾ [المؤمنين: ٢٨]، وفي الزخرف: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣].
والرابع: القوة والشدة . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، أي: قوي واشتد.
والخامس: التشابه . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وفي فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]، وفي حم المؤمن: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨].
والسادس: العلو . ومنه قوله تعالى في طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: العمد والقصد.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١].
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان.
تنبيه:
قال ابن عثيمين في تفسيره في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]: قوله تعالى: (ثم) أي بعد أن خلق لنا ما في الأرض جميعاً ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي علا إلى السماء؛ هذا ما فسرها به ابن جرير. ﵀؛ وقيل: أي قصد إليها؛ وهذا ما اختاره ابن كثير. ﵀؛ فللعلماء في تفسير ﴿اسْتَوَى إِلَى﴾ قولان: الأول: أن الاستواء هنا بمعنى القصد؛ وإذا كان القصد تاماً قيل: استوى؛ لأن الاستواء كله يدل على الكمال، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، أي كمل؛ فمن نظر إلى أن هذا الفعل عُدّي بـ (إلى) قال: إن (استوى) هنا ضُمِّن معنى قصد؛
стр. 559
ومن نظر إلى أن الاستواء لا يكون إلا في علوّ جعل (إلى) بمعنى "على"؛ لكن هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى لم يستوِ على السماء أبداً؛ وإنما استوى على العرش؛ فالصواب ما ذهب إليه ابن كثير ﵀ وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام، والإرادة الجازمة؛
و ﴿السَّمَاءِ﴾ أي العلوّ؛ وكانت السماء دخاناً. أي مثل الدخان» (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن قتيبة: «وكل من كان يعمل عملا فتركه بفراغ، أو غير فراغ وعمد لغيره، فقد استوى له واستوى عليه» (٢).
الوجه الثاني: الاستقرار.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤].
وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه؛ لأن من لوازم الاستواء الاستقرار.
الوجه الثالث: الركوب.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْك﴾ [المؤمنين: ٢٨].
стр. 560
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣].
وقال به من السلف: قتادة، وطاوس (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: القوة والشدة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤].
واختلف السلف في سن الاستواء مما يدل على اتفاقهم على الوجه؛ ومنهم: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: التشابه.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠].
стр. 561
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]،
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨].
فهو مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر؛ وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد (١).
وممن ذكر هذا المعنى من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
وبهذا يبقى الاستواء هنا بمعنى أصل اللفظ في اللغة وهو التعادل؛ فلا يصار إلى غيره؛ قال ابن فارس: «السين والواو والياء أصلٌ يدلُّ على استقامةٍ واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا، أي لا يعادله» (٣).
الوجه السادس: العلو.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي» (٤).
وقال به من السلف: مجاهد: قال: علا. (٥)
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الاستواء العلو.
стр. 562
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه خمسة وهي:
الوجه الأول: العمد والقصد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾
[فصلت: ١١]. وتم التنبيه على الفرق بين تعدية الاستواء بعلى أو إلى من قول ابن عثيمين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن قتيبة.
الوجه الثاني: الاستقرار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه؛ لأن من لوازم الاستواء الاستقرار.
الوجه الثالث: الركوب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْك﴾ [المؤمنين: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: القوة والشدة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: العلو. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وشهد له حديث أبي هريرة ﵁، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الاستواء العلو.
وأما الوجه الذي هو:
- التشابه. فقد تقدم أنني لم أقف على من ذكر التشابه وأن الاستواء يبقى على معناه الأصلي في اللغة وليس من حاجة إلى التحول عنه في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]، الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨].
وبهذا يكون الاستواء هنا بمعنى أصل اللفظ في اللغة وهو التعادل؛ فلا يصار إلى غيره؛ قال ابن فارس: «السين والواو والياء أصلٌ يدلُّ على استقامةٍ واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا، أي لا يعادله» (١).
стр. 563
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة البعث:
باب البعث:
قال ابن الجوزي:
«البعث والإرسال يتقاربان. تقول: بعثت رسولاً، وأرسلت رسولاً. ويقال: البعث، ويراد به: الإحياء. ويقال، ويراد به: الإثارة. يقال: بعثت الناقة إذا أثرتها. ويوم بُعاث: يوم كان للأوس والخزرج (١).
وذكر أهل التفسير أن البعث في القرآن على ستة أوجه:
أحدها: الإلهام ، ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١].
والثاني: الإحياء ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، وفيها: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
والثالث: الإيقاظ من النوم ، ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وفي الكهف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢].
والرابع: التسليط ، ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥].
والخامس: الإرسال ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩]، وفي الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
والسادس: النصب ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: انصب لنا، وفيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة
стр. 564
: ٢٤٧]، وفي سورة النساء: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي
الوجه الأول: الإلهام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١].
ولم أقف على من قال بالإلهام هنا، والأولى في معنى البعث هنا أن يكون على معناه الأصلي في اللغة وهو: إثارة الشيء؛ قال السمين الحلبي: «البعث: أصله الإثَارَة والتوجيه، ومنه بعثتُ البعير، ويختلف باختلاف متعلقاته، ومنه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ [المائدة: ٣١]. أي قيَّضه ويسَّره» (٢)، وهذا هو تفسير ابن جرير، والراغب الأصفهاني» (٣).
الوجه الثاني: الإحياء.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦].
وقال به من السلف: ابن إسحاق، وقتادة، وابن زيد، والسُّدي، والربيع (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، وقتادة، والربيع، والسُّدي (٦).
стр. 565
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب البعث الإحياء؛ قال ابن فارس: «الباء والعين والثاء أصلٌ واحد، وهو الإثارة. ويقال بعثْتُ النّاقةَ إذا أثَرْتَها»، وقال ابن عطية في تفسيره للمثال الأول: «والبعث هنا الإثارة» (٢).
الوجه الثالث: الإيقاظ من النوم.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠].
وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد، والسُّدي، وعبد الله بن كثير (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).