← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]، الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨]. فهو مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر؛ وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد (١). وممن ذكر هذا المعنى من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وبهذا يبقى الاستواء هنا بمعنى أصل اللفظ في اللغة وهو التعادل؛ فلا يصار إلى غيره؛ قال ابن فارس: «السين والواو والياء أصلٌ يدلُّ على استقامةٍ واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا، أي لا يعادله» (٣). الوجه السادس: العلو. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي» (٤). وقال به من السلف: مجاهد: قال: علا. (٥) وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الاستواء العلو.

стр. 562

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه خمسة وهي: الوجه الأول: العمد والقصد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. وتم التنبيه على الفرق بين تعدية الاستواء بعلى أو إلى من قول ابن عثيمين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن قتيبة. الوجه الثاني: الاستقرار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه؛ لأن من لوازم الاستواء الاستقرار. الوجه الثالث: الركوب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْك﴾ [المؤمنين: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: القوة والشدة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الخامس: العلو. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وشهد له حديث أبي هريرة ﵁، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الاستواء العلو. وأما الوجه الذي هو: - التشابه. فقد تقدم أنني لم أقف على من ذكر التشابه وأن الاستواء يبقى على معناه الأصلي في اللغة وليس من حاجة إلى التحول عنه في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]، الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٨]. وبهذا يكون الاستواء هنا بمعنى أصل اللفظ في اللغة وهو التعادل؛ فلا يصار إلى غيره؛ قال ابن فارس: «السين والواو والياء أصلٌ يدلُّ على استقامةٍ واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا، أي لا يعادله» (١).

стр. 563

المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة البعث: باب البعث: قال ابن الجوزي: «البعث والإرسال يتقاربان. تقول: بعثت رسولاً، وأرسلت رسولاً. ويقال: البعث، ويراد به: الإحياء. ويقال، ويراد به: الإثارة. يقال: بعثت الناقة إذا أثرتها. ويوم بُعاث: يوم كان للأوس والخزرج (١). وذكر أهل التفسير أن البعث في القرآن على ستة أوجه: أحدها: الإلهام ، ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]. والثاني: الإحياء ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، وفيها: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. والثالث: الإيقاظ من النوم ، ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وفي الكهف: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]. والرابع: التسليط ، ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]. والخامس: الإرسال ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩]، وفي الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]. والسادس: النصب ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، أي: انصب لنا، وفيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة

стр. 564

: ٢٤٧]، وفي سورة النساء: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: الإلهام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]. ولم أقف على من قال بالإلهام هنا، والأولى في معنى البعث هنا أن يكون على معناه الأصلي في اللغة وهو: إثارة الشيء؛ قال السمين الحلبي: «البعث: أصله الإثَارَة والتوجيه، ومنه بعثتُ البعير، ويختلف باختلاف متعلقاته، ومنه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ [المائدة: ٣١]. أي قيَّضه ويسَّره» (٢)، وهذا هو تفسير ابن جرير، والراغب الأصفهاني» (٣). الوجه الثاني: الإحياء. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]. وقال به من السلف: ابن إسحاق، وقتادة، وابن زيد، والسُّدي، والربيع (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، وقتادة، والربيع، والسُّدي (٦).

стр. 565

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب البعث الإحياء؛ قال ابن فارس: «الباء والعين والثاء أصلٌ واحد، وهو الإثارة. ويقال بعثْتُ النّاقةَ إذا أثَرْتَها»، وقال ابن عطية في تفسيره للمثال الأول: «والبعث هنا الإثارة» (٢). الوجه الثالث: الإيقاظ من النوم. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]. وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد، والسُّدي، وعبد الله بن كثير (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 566

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «وبعثته من نومه فانبعث، أي: نبّهته» (١). الوجه الرابع: التسليط. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]. وقال به من المفسرين: السمرقندي، وأبو حيان، وابن كثير، والسعدي (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن من أسباب البعث التسليط. الوجه الخامس: الإرسال. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩]. ويشهد له حديث العرباض بن سارية ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «إني عبد الله لخاتم النبيين، وإن آدم ﵇ لمنجدل (٣) في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين ترين». (٤) وقال به من السلف: قتادة، والسُّدي، والربيع، وأبو العالية (٥).

стр. 567

ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز ان يكون ماخذه التفسير بالمقارب؛ قال الخليل: «البَعْثُ: الإِرسالُ» (٣). الوجه السادس: النَّصْب. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]. الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. ولم أقف على من فسر البعث في هذه الآيات بالنصب، والأولى هنا بقاء البعث على أصله من الإثارة مع التوجيه فتعود أمثلة هذا الوجه إلى أصل اللفظ في اللغة. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أربعة وهي: الوجه الأول: الإحياء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب البعث الإحياء.

стр. 568

الوجه الثاني: الإيقاظ من النوم. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل. الوجه الثالث: التسليط. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن من أسباب البعث التسليط. الوجه الرابع: الإرسال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [البقرة: ١٢٩]. وشهد له حديث العرباض بن سارية ﵁، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمقارب. وأما الوجهان اللذان هما: الإلهام . فقد تقدم أنني لم أقف على من قال به في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، وأن الأولى في معنى البعث هنا أن يكون على معناه الأصلي في اللغة وهو: إثارة الشيء؛ كما قاله السمين الحلبي. - النَّصْب . فقد تقدم أنني لم أقف على من قال به في قوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وأن الأولى هنا بقاء البعث على أصله من التوجيه فتعود أمثلة هذا الوجه إلى أصل اللفظ في اللغة. وبهذا تدخل هذه الأمثلة كلها في وجه مستقل يكون: الإثارة مع التوجيه. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥].

стр. 569

المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة السرف: باب السرف قال ابن الجوزي: «قال ابن فارس: السَّرَف مجاوزة الحد. والسَّرفُ: الجهل. والسَّرِف: الجاهل. والسَّرَف الضراوة (١). وفي الحديث: " إن للحم سَرَفاً كسرفِ الخمر " (٢). وسَرَف: مكان (٣). وذكر بعض المفسرين أن السَّرف في القرآن على ستة أوجه: أحدها: الخروج عما يجب . ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، أي: لا تقتل غير من لا يجب قتله. والثاني: الحرام . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]. والثالث: الإنفاق في المعصية . ومنه قوله تعالى في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]. والرابع: تحريم الحلال . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. والخامس: الشرك . ومنه قوله تعالى في حم المؤمن: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣].

стр. 570

والسادس: الإفراط في الذنوب . ومنه قوله تعالى في الزمر: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]» (١). الوجه الأول: الخروج عما يجب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. واختلف السلف في المخاطب في النهي عن الإسراف؛ واتفقوا على أن المراد به الخروج عن ما يجب؛ ومنهم: طلق بن حبيب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وابن زيد (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، فسرفه أن يقتل غير قاتله إما بالعدول عنه إلى من هو أشرف منه أو بتجاوز قتل القاتل إلى غيره حسبما كانت الجاهلية تفعله» (٤). الوجه الثاني: الحرام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، والسُّدي، ومقاتل بن حيان (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي،

стр. 571

وأبو حيان (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته وما يؤول إليه، لأن من أكل مال اليتيم وأسرف فيه فقد وقع في الحرام. الوجه الثالث: الإنفاق في المعصية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وللسلف في الآية أقوال أخر: - أن الإسراف هنا بمعنى المجاوزة في النفقة؛ وقال به إبراهيم النخعي، ووهيب بن الورد (٤). - أن الإسراف هنا أن تأكل مال غيرك بغير حق؛ وقال به عون بن عبد الله (٥). وليس بين أقوال السلف تعارض بل هي من قبيل التفسير بالمثال، فكل منهم ذكر مثالا على الإسراف المنهي عنه، فيكون من قبيل اختلاف التنوع. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: تحريم الحلال. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].

стр. 572

وقال به من السلف: ابن عباس، والسُّدي، ومجاهد، وابن زيد (١)، وعون بن عبد الله، وعكرمة (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الخامس: الشرك. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. وقال به من السلف: قتادة (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). وللسلف في الآية قول آخر: أن المسرفين هنا: سفاكوا الدماء بغير حق، وقال به مجاهد، وابن زيد. (٦) وليس بين قولي السلف تعارض، بل كلاهما من قبيل التفسير بالمثال على المسرفين أصحاب النار، ورجح ابن جرير العموم وأدخل فيه القولين (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ لاقتران الإسراف في الآية بدخول النار.

стр. 573

الوجه السادس: الإفراط في الذنوب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. واختلف السلف في تحديد المراد بالمسرفين في هذه الآية واتفقوا على أن معناه الإسراف في الذنوب والمعاصي. ويشهد له حديث عن بن عباس ﵄: أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا؛ فأتوا محمدا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؛ فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٨٦]، ونزل: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]» (١). وقال به من السلف: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وابن زيد، وقتادة، والسُّدي، ومحمد بن كعب القرظي (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول. وجائز لجميع الأوجه أن يكون مأخذها التفسير بالمثال؛ قال ابن فارس: «سرف السين والراء والفاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تعدّي الحدّ» (٤)، فالخروج عما يجب، والحرام، والإنفاق في المعصية، وتحريم الحلال، والشرك، والإفراط في الذنوب كلها أمثلة على مجاوزة الحد.

стр. 574

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الستة وهي: الوجه الأول: الخروج عما يجب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كماقال الراغب الأصفهاني. الوجه الثاني: الحرام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته وما يؤول إليه لأن من أكل مال اليتيم وأسرف فيه فقد وقع في الحرام. الوجه الثالث: الإنفاق في المعصية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: تحريم الحلال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الخامس: الشرك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، ومأخذه السياق القرآني؛ لاقتران الإسراف في الآية بدخول النار. الوجه السادس: الإفراط في الذنوب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، وشهد له حديث ابن عباس ﵄، ومأخذه سبب النزول. هذا وجائز لجميع الأوجه أن يكون مأخذها التفسير بالمثال؛ كما تم بيانه سابقا. المطلب الخامس: دراسة وجوه كلمة الطواف . باب الطواف: قال ابن الجوزي: «الطواف بالشيء: استيعاب نواحيه بالسعي حوله. تقول: طِفت بالبيت: إذا درت حوله .. . . . والطائف أيضاً: ما طاف بالإنس والجن من الجنَّان (١).

стр. 575

وذكر بعض المفسرين أن الطواف في القرآن على ستة أوجه: أحدها: الطواف بالبيت . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وفي الحج: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. والثاني: السعي بين الصفا والمروة . ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. والثالث: الجولان . ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]. والرابع: الخدمة . ومنه قوله تعالى في الطور: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤]، أي: يخدمونهم. والخامس: نار محرقة . ومنه قوله تعالى في نون: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩]. والسادس: الوسوسة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول:: الطواف بالبيت. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. اختلف السلف في تحديد المراد بالطائفين هنا؛ هل هم الغرباء على البيت أم أهله، واتفقوا على أن الطواف؛ حول البيت ومنهم: سعيد بن جبير، وعطاء (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).

стр. 576

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. وقال به من السلف: عطاء، وابن زيد (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الطاء والواو والفاء أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على دَوَاران الشئ على الشئ، وأن يَحُفَّ به، ثم يُحمل عليه. يقال طاف به وبالبيت يطوف طَوْفًا وطَوَافًا» (٣). الوجه الثاني: السعي بين الصفا والمروة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. ويشهد له حديث هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السن، أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. فلا أرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما؟. فقالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد (٤) وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة؛ فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]» (٥).

стр. 577

وقال به من السلف: أنس بن مالك، وعائشة، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: الجولان. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]. وقال بمعناه من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الطواف الجولان. الوجه الرابع: الخدمة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤]. وقال به من السلف: قتادة (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الطواف في الآية الخدمة.

стр. 578

الوجه الخامس: نار محرقة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩]. وقال به من السلف: ابن جريج (١). ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والسمرقندي، والسمعاني، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي (٢). وللسلف في الآية قول آخر: وهو أن الطائف في الآية أمر من الله تعالى، وقال به ابن عباس، وقتادة (٣). وليس بين قولي السلف تعارض؛ لأن النار المحرقة من أمر الله تعالى. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: الوسوسة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «هي اللمة والزلة من الشيطان» ونحوه عن السُّدي (٤). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان. وللسلف في الآية قول آخر؛ وهو: الطائف الغضب، وقال به: سعيد بن جبير، ومجاهد (٥). وليس بين قولي السلف تعارض بل كلاهما من قبيل التفسير بالمثال لطائف الشيطان؛ قال ابن جرير: «قال أبو جعفر: وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن الغضب من استزلال الشيطان،

стр. 579

واللمة من الخطيئة أيضا، وكان ذلك من طائف الشيطان، وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لخصوص معنى منه دون معنى، بل الصواب أن يعم كما عمه جل ثناؤه؛ فيقال: إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسباب الشيطان ما كان ذلك العارض تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره» (١). تنبيه: واختلفت القراء في ﴿طَائِفٌ﴾؛ فابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (٢) بياء ساكنة من غير ألف ولا همز (طيف) على وزن ضيف مصدر من طاف يطيف كباع يبيع وافقهم اليزيدي (٣) ومعناه لمه، وكان مجاهد يقول طيف من الشيطان: غضب، والباقون بألف وهمزة مكسورة من غير ياء (طائف) اسم فاعل من طاف يطوف، والمعنى وساوس الشيطان ولمَمَهُ (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والطائف: ما أطاف بالإنسان من الجِنَّان، يقال طاف واطَّاف، قال الله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] و (طائِفٌ) أيضًا» (٥). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الستة وهي: الوجه الأول: الطواف بالبيت. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.

стр. 580

الوجه الثاني: السعي بين الصفا والمروة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وشهد له حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومأخذه سبب النزول، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: الجولان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الطواف الجولان. الوجه الرابع: الخدمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الطواف في الآية الخدمة. الوجه الخامس: نار محرقة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القلم: ١٩]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: الوسوسة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وتم التنبيه على اختلاف القراء في الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. المطلب السادس: دراسة وجوه كلمة اللهو: باب اللهو قال ابن الجوزي: «قال ابن فارس: وكلُّ شئٍ شَغَلَكَ فقد ألهَاك؛ ولَهَوتُ من اللَّهْو، ولَهِيتُ عن الشَّيء، وكان ابنُ الزُّبَيرِ إذا سمِعَ صوتَ الرّعد لَهِيَ عن الحديث. أي: تركه وأعرَضَ عنه. فاللُّهْوة، وهو ما يَطحنه الطّاحِن في الرَّحَى بيده،. وجمعها: لُهىً، وبذلك سمّيت العَطية لُهْوَة فقيل: هو كثير اللُّهَى. واللَّهاة: لهاة الفم، هي اللحمة المشرفة على الحلق. وقيل: بل هي أقصى الفم. وجمعها: لَهىً» (١).

стр. 581

وذكر بعض المفسرين أن اللهو في القرآن على ستة أوجه: احدها: الاستهزاء . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠]. والثاني: ضرب الطبل والملاهي . ومنه قوله تعالى في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا﴾ [الجمعة: ١١]. والثالث: الولد . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]، قال الحسن وقتادة: أراد به المرأة. والرابع: السرور الفاني . ومنه قوله تعالى في الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٣٠]. والخامس: الغناء . ومنه قوله تعالى في لقمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]. والسادس: الشغل والمنع . ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]، وفي المنافقين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ [المنافقين: ٩]، ومثله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الاستهزاء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب اللهو الاستهزاء.

стр. 582

الوجه الثاني: ضرب الطبل والملاهي. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا﴾ [الجمعة: ١١]. ويشهد له حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ أقبلت عير تحمل طعاما فالتفتوا إليها، حتى ما بقي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا﴾ [الجمعة: ١١]» (١). وقال به من السلف: مجاهد (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب اللهو في الآية الطبل والملاهي. الوجه الثالث: الولد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤)، وعكرمة، والسُّدي (٥)، والحسن (٦). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧).

стр. 583

وللسلف في الآية قول آخر: وهو أن اللهو في الآية: المرأة؛ وقال به الحسن، ومجاهد، وقتادة (١). وليس بين قولي السلف تعارض بل هما قولان متلازمان؛ قال ابن كثير بعد ذكره لهما: «وهذا والذي قبله متلازمان» (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب اللهو الولد. الوجه الرابع: السرور الفاني. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٣٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن السرور الفاني مثال اللهو. الوجه الخامس: الغناء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة (٤)، وعطاء، والحسن (٥)، وميمون بن مهران، ومكحول (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي،

стр. 584

وأبو حيان، وابن كثير (١). وللسلف في الآية أقوال أخر: - أن اللهو بمعنى: الطبل؛ وقال به مجاهد. - أن اللهو بمعنى الشرك؛ وقال به الضحاك. ورجح ابن جرير العموم؛ فجميع أقوال السلف من قبيل التفسير بالمثال على اللهو. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن الغناء مثال للهو وليس هو كل اللهو. الوجه السادس: الشغل والمنع. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ [المنافقين: ٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].

стр. 585

وقال به من السلف: محمد بن السائب الكلبي (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «اللام والهاء والحرف المعتلّ أصلانِ صحيحان: أحدهما يدلُّ على شُغْل عن شَيءٍ بشئ، والآخر على نَبْذِ شئٍ من اليد» (٣)، وقال السجستاني: «ألهاكم التكاثر شغلكم التكاثر»، وقال الراغب الأصفهاني: «ويقال ألهاه كذا أي شغله عما هو أهم إليه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]» (٤). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الستة وهي: الوجه الأول: الاستهزاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب اللهو الاستهزاء. الوجه الثاني: ضرب الطبل والملاهي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا﴾ [الجمعة: ١١]، وشهد له حديث جابر بن عبد الله ﵁، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب اللهو في الآية الطبل والملاهي. الوجه الثالث: الولد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء: ١٧]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب اللهو الولد. الوجه الرابع: السرور الفاني. ودل عليه قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: ٣٠]، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن السرور الفاني مثال اللهو.

стр. 586

الوجه الخامس: الغناء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن الغناء مثال للهو وليس هو كل اللهو. الوجه السادس: الشغل والمنع. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ [المنافقين: ٩]، وقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. المطلب السابع: دراسة وجوه كلمة النداء: باب النداء: قال ابن الجوزي: «النداء: استدعاء المخاطِب المخاطَب إذا كان بعيداً منه - وحروف النداء خمسة: " يا "، و" أيا "، و" هيا "، و" أي " و" ألف الاستفهام ". تقول: يا زيد، وأيا زيد، وهيا زيد، وأي زيد، وأزيد. وأنشدوا في " أيا ": أَيا بارِح الجَوْزَاءِ ما لَكَ لا تَرَى ... عِيالَكَ قد أَمْسَوا مَرامِيلَ جُوَّعا (١) وقال ذو الرمة في " هيا ": أيا ظبيةَ الوَعساءِ بين جُلاجل ... وبين النقا آأنتِ أمْ أُمُّ سالم؟ (٢) وأنشدوا في " أي ":

стр. 587

أَلم تَسْمَعِي، أَيْ عَبْدَ، في رَوْنَقِ الضُّحى بُكاء حَماماتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ؟ (١) رخَّم اسم امرأة اسمها عبدة. وأنشد سيبويه في " ألف الاستفهام ": أُزَيْدُ أَخا وَرْقَاءَ، إِنْ كنت ثائراً، فقدْ عَرَضَتْ أَحْناءُ حَقَ فخاصِمِ (٢) وذكر بعض المفسرين أن النداء في القرآن على ستة أوجه: أحدها: الأذان . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، وفي سورة الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. والثاني: الدعاء . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وفي الأنبياء: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، وفيها: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. والثالث: التكليم . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وفي القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦]. والرابع: الأمر . ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]. والخامس: النفخ في الصور . ومنه قوله تعالى في ق: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]. والسادس: الاستغاثة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وفي الزخرف: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وقد ألحق بعضهم وجهاً سابعاً فقال: والنداء: الوحي.

стр. 588

ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الأذان. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال به من السلف: السُّدي (٢)، والزهري (٣)، والكلبي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقال به من السلف: مجاهد، وابن زيد، ومسروق (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني لاقتران النداء في الآيتين بالصلاة. الوجه الثاني: الدعاء.

стр. 589

ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. وقال به من السلف: قتادة، وابن جريج، والسُّدي (١)، والحسن (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: التكليم. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦].

стр. 590

اختلف السلف في هذه الآية على هذا النحو: - نودوا أن يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني، وقال به أبو هريرة، وابن جريج. - إذ نادينا أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت، وقال به مقاتل بن حيان (١). - إذ نادينا موسى، وقال به: قتادة (٢). ورجح ابن كثير قول قتادة؛ فقال: «وهذا والله أعلم أشبه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤]. وعلى جميع هذه الأقوال فالمناداة تكليم الله تعالى لموسى ﵇. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). والصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الله تعالى ينادي ويتكلم بصوت على مايليق بجلاله؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة أنه سبحانه ينادى بصوت «، وقال عن أقسام الوحي:» القسم الثالث: التكليم من وراء حجاب كما كلم موسى ﵇ ولهذا سمى الله هذا نداء ونجاء فقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣]،

стр. 591

وهذا التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]» (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، والأولى في هذا الوجه بمثاليه أن يكون: كلام الله تعالى. الوجه الرابع: الأمر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، أبو حيان، وابن كثير (٢). والنداء هنا هو التكليم الذي تقدم ومن الكلام الأمر؛ ومما يؤيد هذا نص ابن الجوزي على صفة الكلام في الوجه السابق. ودلت عليه عبارة ابن كثير؛ حيث قال: «كلمه وأمره» (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني وهو الأمر بإتيان القوم الظالمين. الوجه الخامس: النفخ في الصور. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]. وقال به من السلف: كعب بن مالك، وبريدة (٤)، وقتادة، وابن عباس (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي،

стр. 592

وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١]. الوجه السادس: الاستغاثة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «ينادي الرجل أخاه فيقول: يأخي قد احترقت فأغثني؛ فيقول: إن الله حرمهما على الكافرين» (٢)، ونحوه عن ابن زيد (٣). وبمعناه من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والسعدي (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]، فأجابهم بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]»، ونحوه عن عبد الله بن عمرو (٥)، والسُّدي، وابن زيد (٦).

стр. 593

ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب النداء الاستغاثة. وأما الوجه السابع: الوحي. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]. واختلف في هذا النداء هل كان بواسطة ملك أم هو كلام بغير واسطة: - فذهب جمهور المفسرين إلى أنه وحي بواسطة ملك (٢). والصحيح أنه كلام بغير واسطة؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فهو سبحانه ناداهما حين أكلا منها ولم ينادهما قبل»، وقال: «فان الله وصف نفسه بهذه الأفعال ووصف نفسه بالأقوال اللازمة والمتعدية في مثل .. قوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]» (٣)، وقال ابن القيم: «ونظير ذلك اطراد قوله وناديناه .. ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] .. ولم يجئ في موضع واحد أمرنا من يناديه، ولا ناداه ملكنا فتأويله بذلك عين المحال والباطل» (٤). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين (٥). وبهذا يعود هذا الوجه إلى التكليم.

стр. 594

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الستة وهي: الوجه الأول: الأذان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومأخذه السياق القرآني لاقتران النداء في الآيتين بالصلاة. الوجه الثاني: الدعاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: التكليم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦]، وتم التنبيه على منهج أهل السنة في كلام الله تعالى، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه، والأولى في هذا الوجه بمثاليه أن يكون: كلام الله تعالى. الوجه الرابع: الأمر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]، ومأخذه السياق القرآني وهو الأمر بإتيان القوم الظالمين. الوجه الخامس: النفخ في الصور. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: الاستغاثة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب النداء الاستغاثة. وأما الوجه السابع: الوحي. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]. فقد تقدم عرض الخلاف وترجيح أئمة أهل السنة والجماعة بأن النداء هنا التكليم وعود هذا المثال إلى الوجه الثالث.

стр. 595

المطلب الثامن: دراسة وجوه كلمة وجد: باب وجد: قال ابن الجوزي: "وجد: فعل ماضٍ. وهو في الأصل: إصابة الشيء والإحساس به بعد أن لم يكن ذلك. يقال وجدت الضالة وِجداناً. ووجدت من الحزن وجْدَاً. ومن الغضب موجدة. ووجدت في المال وجداً. قال ابن فارس: وحكى بعضهم: وجدت في الغضب وجداناً. وأنشدوا: كِلانا ردَّ صاحبَهُ بغَيظٍ ... على حَنَقٍ وَوِجدانٍ شديدٍ (١) وذكر بعض المفسرين أن وجد في القرآن على ستة أوجه: أحدها: الإصابة والمصادفة . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]، وفي القصص: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]. والثاني: العلم . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. والثالث: الاستطاعة . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وفي المجادلة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]. والرابع: اليسار . ومنه قوله تعالى في الطلاق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. والخامس: الرؤية . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، وفي براءة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وفي الضحى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].

стр. 596

والسادس: القراءة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وفي الكهف: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [آل عمران: ٤٩]، وهذا الوجه لا أراه إلا داخلاً في الوجه الأول " (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الإصابة والمصادفة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]، الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]. ولم أقف على من فسر (وجد) في الآيتين بالوجه؛ وبالنظر إلى الاستعمال العربي لهذا اللفظ فالوجه صحيح وهو معناه الأصلي؛ قال الخليل: «والوِجدانُ والجِدةُ من قولك: وجَدْتُ الشّيء، أي: أَصَبْتُهُ» (٢)، وقال ابن فارس: «الواو والجيم والدال: يدلُّ على أصلٍ واحد، وهو الشيء يُلفيه (٣).» ومما يؤكد قوة هذا الوجه أن ابن الجوزي يرى دخول مثال الوجه السادس فيه. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة. الوجه الثاني: العلم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول أبي بن كعب: «علم الله يومئذ من يفي ممن لا يفي»، وقال أبو العالية: «هو ذلك العهد يوم أخذ عليهم الميثاق «(٤)، وقال ابن القيم:» قال

стр. 597

تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، فالله سبحانه أوجده على علمه بأن يكون على صفة ثم وجده بعد إيجاده على تلك الصفة التي علم أن سيكون عليها» (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والسمرقندي، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي (٢). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم بالنسبة إلى الله تعالى، كما دل عليه كلام ابن القيم قريبا. الوجه الثالث: الاستطاعة. ومثل ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]. وقال به من السلف: مجاهد، ومسروق (٣). وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]. ويشهد له حديث خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: «ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه ورسول الله يجادلني فيه ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، إلى الفرض (٥)، فقال:

стр. 598

يعتق رقبة قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكينا، قالت ما عنده من شيء يتصدق به، قالت فأُتى ساعتئذٍ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى بن عمك» (١). وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: اليسار. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن زيد (٣)، ومجاهد (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. أي تمكنكم وقدر غناكم ويعبر عن الغنى بالوجدان والجدة «، وقال ابن منظور:» والوُجْدُ والوَجْدُ

стр. 599

والوِجْدُ: اليسار والسَّعةُ. وفي التنزيل العزيز: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]» (١). الوجه الخامس: الرؤية. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. ولم أقف على من فسر (وجد) في الآيات بالرؤية؛ غير إن السياق ظاهر في الوجه ولما بين (وجد) وبين الرؤية من تلازم. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم. الوجه السادس: القراءة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [آل عمران: ٤٩]. ولم أقف على من فسر (وجد) في الآيات بالقراءة؛ وقد قال ابن الجوزي: «وهذا الوجه لا أراه إلا داخلاً في الوجه الأول» . نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه خمسة وهي: الوجه الأول: الإصابة والمصادفة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة

стр. 600

الوجه الثاني: العلم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، ومأخذه التفسير باللازم بالنسبة إلى الله تعالى، كما دل عليه كلام ابن القيم قريبا. الوجه الثالث: الاستطاعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، وشهد له حديث خويلة بنت مالك بن ثعلبة، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: اليسار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني وابن منظور. الوجه الخامس: الرؤية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم. وأما الوجه: القراءة . ففي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [آل عمران: ٤٩]، فلم أقف على من فسر (وجد) في الآيات بالقراءة؛ وقد قال ابن الجوزي: «وهذا الوجه لا أراه إلا داخلاً في الوجه الأول». المطلب التاسع: دراسة وجوه كلمة الوجه: باب الوجه: قال ابن الجوزي: «الوجه: في الأصل اسم للعضو المخصوص في الحيوان. وسمي وجهاً لأن المواجهة تقع به في غالب الحال. ثم يستعار ذلك في كل ما يراد تقديمه على ما سواه. فيقال: هذا وجه الرأي، وهذا وجه القوم ومستقبل كل شيء: وجه. ووجه النهار: أوله. وأنشد الزَّجَّاج في ذلك:
следующие страницы →