← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والسادس: القراءة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، وفي الكهف: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [آل عمران: ٤٩]، وهذا الوجه لا أراه إلا داخلاً في الوجه الأول " (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الإصابة والمصادفة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]، الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]. ولم أقف على من فسر (وجد) في الآيتين بالوجه؛ وبالنظر إلى الاستعمال العربي لهذا اللفظ فالوجه صحيح وهو معناه الأصلي؛ قال الخليل: «والوِجدانُ والجِدةُ من قولك: وجَدْتُ الشّيء، أي: أَصَبْتُهُ» (٢)، وقال ابن فارس: «الواو والجيم والدال: يدلُّ على أصلٍ واحد، وهو الشيء يُلفيه (٣).» ومما يؤكد قوة هذا الوجه أن ابن الجوزي يرى دخول مثال الوجه السادس فيه. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة. الوجه الثاني: العلم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول أبي بن كعب: «علم الله يومئذ من يفي ممن لا يفي»، وقال أبو العالية: «هو ذلك العهد يوم أخذ عليهم الميثاق «(٤)، وقال ابن القيم:» قال

стр. 597

تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، فالله سبحانه أوجده على علمه بأن يكون على صفة ثم وجده بعد إيجاده على تلك الصفة التي علم أن سيكون عليها» (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والسمرقندي، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي (٢). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم بالنسبة إلى الله تعالى، كما دل عليه كلام ابن القيم قريبا. الوجه الثالث: الاستطاعة. ومثل ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]. وقال به من السلف: مجاهد، ومسروق (٣). وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]. ويشهد له حديث خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: «ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت فجئت رسول الله ﷺ أشكو إليه ورسول الله يجادلني فيه ويقول: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]، إلى الفرض (٥)، فقال:

стр. 598

يعتق رقبة قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال فليطعم ستين مسكينا، قالت ما عنده من شيء يتصدق به، قالت فأُتى ساعتئذٍ بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني أعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى بن عمك» (١). وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: اليسار. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن زيد (٣)، ومجاهد (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. أي تمكنكم وقدر غناكم ويعبر عن الغنى بالوجدان والجدة «، وقال ابن منظور:» والوُجْدُ والوَجْدُ

стр. 599

والوِجْدُ: اليسار والسَّعةُ. وفي التنزيل العزيز: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]» (١). الوجه الخامس: الرؤية. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. ولم أقف على من فسر (وجد) في الآيات بالرؤية؛ غير إن السياق ظاهر في الوجه ولما بين (وجد) وبين الرؤية من تلازم. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم. الوجه السادس: القراءة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [آل عمران: ٤٩]. ولم أقف على من فسر (وجد) في الآيات بالقراءة؛ وقد قال ابن الجوزي: «وهذا الوجه لا أراه إلا داخلاً في الوجه الأول» . نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه خمسة وهي: الوجه الأول: الإصابة والمصادفة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٣]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة

стр. 600

الوجه الثاني: العلم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، ومأخذه التفسير باللازم بالنسبة إلى الله تعالى، كما دل عليه كلام ابن القيم قريبا. الوجه الثالث: الاستطاعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، وشهد له حديث خويلة بنت مالك بن ثعلبة، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: اليسار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني وابن منظور. الوجه الخامس: الرؤية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم. وأما الوجه: القراءة . ففي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [آل عمران: ٤٩]، فلم أقف على من فسر (وجد) في الآيات بالقراءة؛ وقد قال ابن الجوزي: «وهذا الوجه لا أراه إلا داخلاً في الوجه الأول». المطلب التاسع: دراسة وجوه كلمة الوجه: باب الوجه: قال ابن الجوزي: «الوجه: في الأصل اسم للعضو المخصوص في الحيوان. وسمي وجهاً لأن المواجهة تقع به في غالب الحال. ثم يستعار ذلك في كل ما يراد تقديمه على ما سواه. فيقال: هذا وجه الرأي، وهذا وجه القوم ومستقبل كل شيء: وجه. ووجه النهار: أوله. وأنشد الزَّجَّاج في ذلك:

стр. 601

مَنْ كان مَسْروراً بمَقْتَلِ مالِكٍ ... فليأْتِ نِسْوَتَنا بوَجْهِ نهارِ يَجِدِ النسَاءَ حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ ... يَلْطُمْنَ أوجُهَهُنَّ بالأسْحَارِ (١) وذكر أهل التفسير أن الوجه في القرآن على ستة أوجه: أحدها: الوجه المعروف في الحيوان . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وفي آل عمران: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وفي سورة النساء: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧]. والثاني: الدين . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، أي: أخلص دينه - وفي لقمان: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]. والثالث: الذات . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وفي الكهف: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وفي القصص: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وفي الروم: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨]، وفي هل أتى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، أي: اللَّه. والرابع: الأول . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]. والخامس: العلم . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أي: علمه، حكاه محمد بن القاسم النحوي.

стр. 602

والسادس: الحقيقة . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨]، أي على حقيقتها» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الوجه المعروف في الحيوان. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. اختلف السلف في تحديد من المراد بالآية واتفقوا على أن الوجه في الآية الوجهُ المعروف؛ ومنهم: أبي بن كعب، وأبو أمامة، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والسُّدي، والشعبي (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، وعطية العوفي، وقتادة (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،

стр. 603

والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الواو والجيم والهاء أصلٌ واحد يدلُّ على مقابلةٍ لشيء. وَالوجه مستقبِلٌ لكل شئ، يقال وَجْه الرّجلِ وغَيره، وربَّما عُبّر عن الذات بالوَجْه» (٢). ويرى أنه أصل اللفظ في اللغة الراغب الأصفهاني؛ فقال: «أصل الوجه الجَارِحةُ» (٣). الوجه الثاني: الدين. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. وقال به من السلف: سعيد بن جبير (٤)، والضحاك (٥). وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٦). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]. وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والسمرقندي، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والسعدي (٧). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 604

الوجه الثالث: الذات. ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨]، الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. كثير من المفسرين (١) لم يوفق للسبيل الصحيح رغم اجتهاده في تفسير الوجه في هذه الآيات ومثلها، فقالوا: وجهه: ذاته. جهته. وجوده. قصده. رضاه. ثوابه. أنه صلة. وقد انبرى لتلك الشبهة أئمة الإسلام فأنار الله تعالى بهم الدروب، وبينوا حقيقة صفة الوجه لله تعالى؛ ومن أولئك الأئمة ابن قيم الجوزية فوقف وقوف السابر المتأمل فقال: «الأول: أنه لا يعرف في لغة من لغات الأمم وجه الشيء بمعنى ذاته ونفسه، وغاية ماشبه به المعطل وجه الرب أن قال: هو كقول القائل وجه الحائط ووجه الثوب، فيقال للمعطل: المشبه به ليس الوجه في ذلك بمعنى الذات بل هذا مبطل لقولك؛ فان وجه الحائط أحد جانبيه فهو مقابل لدبره، ومثل هذا وجه الكعبة ودبرها فهو وجه حقيقة، ولكنه بحسب المضاف إليه فلما كان المضاف إليه بناء كان وجهه من جنسه، وكذلك وجه الثوب أحد جانبيه وهو من جنسه. الثاني: أن حمله على الثواب المنفصل من أبطل الباطل، فان اللغة لا تحتمل ذلك ولا يعرف أن الجزاء يسمى وجها للمجاز، وأيضا فالثواب مخلوق وقد علمنا عن النبي ﷺ أنه استعاذ بوجه الله فقال أعوذ بوجهك الكريم أن تضلني لا إله إلا الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون رواه أبو داود وغيره (٢).

стр. 605

الثالث: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: «أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك» (١)، ولم يكن ليسأل لذة النظر إلى ثواب المخلوق ولا يعرف تسمية ذلك وجها لغة ولا شرعا ولا عرفا. الرابع: قول عبد الله بن مسعود ﵁: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه»، فهل يصح أن يحمل الوجه في هذا على مخلوق أو يكون صلة لا معنى له، أو يكون بمعنى القبلة والجهة، فعلم أن نوره صفة له كما أن الوجه صفة ذاتية وهو الذي قاله ابن مسعود وهو تفسير قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، فلا تشتغل بأقوال المتأخرين الذين غشت بصائرهم عن معرفة ذلك فخذ العلم عن أهله فهذا تفسير الصحابة ﵃. الخامس: أن الصحابة ﵃ والتابعين وجميع أهل السنة والحديث والأئمة الأربعة وأهل الاستقامة من أتباعهم متفقون على أن المؤمنين يرون وجه ربهم في الجنة؛ فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن للنظر عنده حقيقة، ولا سيما إذا أنكر الوجه والعلو فيعود النظر عنده إلى خيال مجرد، وان أحسن العبارة قال: هو معنى يقوم بالقلب لهم إليه، كنسبة النظر إلى العين وليس في الحقيقة عنده نظر ولا وجه ولا لذة تحصل للناظر. السادس: أن تفسير وجه الله بقبلة الله وإن قاله بعض السلف كمجاهد (٢) وتبعه الشافعي فإنما قالوه في موضع واحد لا غير وهو قوله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فهب أن هذا كذلك في هذا الموضع فهل يصح أن يقال ذلك في غيره من المواضع التي ذكر الله تعالى فيها الوجه؟، فما يفيدكم هذا في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، وقوله ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠]، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]، على أن الصحيح في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، أنه كقوله في سائر الآيات التي فيها ذكر الوجه؛ فانه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافا إلى الرب تعالى على طريقة واحدة ومعنى واحد؛ فليس فيه معنيان مختلفان في جميع

стр. 606

المواضع غير الموضع الذي ذكره في سورة البقرة وهو قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وهذا لا يتعين حمله على القبلة أو الجهة ولا يمنع أن يراد به وجه الرب حقيقة فحمله على موارده ونظائره كلها أولى (١). السابع: أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغة ولا شرعا، ولا عرفا، بل القبلة لها اسم يخصها، والوجه له اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا يستعار اسمه له. الثامن: أنه لو أريد بالوجه في الآية الجهة والقبلة لكان وجه الكلام أن يقال: فأينما تولوا فهو وجه الله، لأنه إذا كان المراد بالوجه الجهة فهي التي تولي نفسها وإنما يقال ثم كذا إذا كان أمران كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠]، فالنعيم والملك ثم لا إنه نفس الظرف والوجه لو كان المراد به الجهة نفسها لم يكن ظرفا لنفسها فإن الشيء لا يكون ظرفا لنفسه فتأمله، ألا ترى أنك إذا أشرت إلى جهة الشرق والغرب لا يصح أن تقول ثم جهة الشرق ثم جهة الغرب بل تقول هذه جهة الشرق وهذه جهة الغرب ولو قلت: هناك جهة الشرق والغرب لكان ذكر الظرف لغوا، وذلك لأن ثم إشارة إلى المكان البعيد فلا يشار بها إلى قريب والجهة والوجهة مما يحاذيك إلى آخرها فجهة الشرق والغرب ووجهة القبلة مما يتصل إلى حيث ينتهي؛ فكيف يقال فيها: ثم إشارة إلى البعيد؟ بخلاف الإشارة إلى وجه الرب ﵎ فإنه يشار إلى ذاته، ولهذا قال غير واحد من السلف فثم الله تحقيقا لان المراد وجهه الذي هو من صفات ذاته والإشارة إليه بأنه ثم كإشارة إليه بأنه فوق سمواته وعلى العرش وفوق العالم. التاسع: أن تفسير القرآن بالقرآن هو أولى التفاسير ما وجد اليه السبيل ولهذا كان يعتمده الصحابة والتابعون والأئمة بعدهم والله تعالى ذكر في القرآن القبلة باسم القبلة والوجوه، وذكر وجهه الكريم باسم الوجه المضاف إليه فتفسيره في هذه الآية بنظائره هو المتعين» (٢).

стр. 607

وقال ابن عثيمين: «﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، اختلف فيه المفسرون من السلف، والخلف، فقال بعضهم: المراد به وجه الله الحقيقي؛ وقال بعضهم: المراد به الجهة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، يعني: في المكان الذي اتجهتم إليه جهة الله ؛ وذلك؛ لأن الله محيط بكل شيء؛ ولكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي؛ لأن ذلك هو الأصل؛ وليس هناك ما يمنعه؛ وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قِبَل وجه المصلي (١)؛ والمصلُّون حسب مكانهم يتجهون؛ فأهل اليمن يتجهون إلى الشمال؛ وأهل الشام إلى الجنوب؛ وأهل المشرق إلى المغرب؛ وأهل المغرب إلى الشرق؛ وكل يتجه جهة؛ لكن الاتجاه الذي يجمعهم الكعبة؛ وكل يتجه إلى وجه الله؛ وعلى هذا يكون معنى الآية: أنكم مهما توجهتم في صلاتكم فإنكم تتجهون إلى الله سواء إلى المشرق، أو إلى المغرب، أو إلى الشمال، أو إلى الجنوب» (٢). وبهذا تكون جميع هذه الأمثلة بمعنى إثبات صفة الوجه لله تعالى، على مايليق بجلاله، ويكون هذا الوجه: صفة لله تعالى، ويشهد له حديث جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال النبي ﷺ أعوذ بوجهك فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فقال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فقال النبي ﷺ : هذا أيسر» (٣)، ومأخذه إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ . الوجه الرابع: الأول. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو مالك غزوان الغفاري، والسُّدي (٤)، وقتادة، والربيع (٥).

стр. 608

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن منظور: «وجئتك بوَجْهِ نهارٍ أَي بأَوَّل نهار» (٢). الوجه الخامس: العلم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وهذا المثال داخل في الوجه الثالث بعد تعديله إلى صفة الباري جل وعلا، وقد تقدم كلام ابن القيم وابن عثيمين عليه. الوجه السادس: الحقيقة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «أن يصدقوا في شهادتهم»، ونحوه عن السُّدي ومقاتل بن حيان (٣). ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 609

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أربعة وهي: الوجه الأول: الوجه المعروف في الحيوان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: الدين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ لقمان: ٢٢]. وقال، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: الأول. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، ومأخذه التفسير بالمعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كماقال ابن منظور. الوجه الرابع: الحقيقة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨]، ومأخذه السياق القرآني. وأما الوجهان: - الذات. العلم. ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]. وقوله تعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة: ١٠٨]. تقدم الإشارة إلى انحراف المفسرين في تأويل وجه الله تعالى في هذه الآيات، وأن الصحيح فيها: أن لله تعالى وجها يليق بجلاله، على ما بينه ابن القيم والاستشهاد عليه من سنة رسول الله ﷺ ، وأن مأخذه إثبات ما وصف الله تعالى به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ .

стр. 610

المطلب العاشر: دراسة وجوه كلمة الواو: باب الواو: قال ابن الجوزي: «قال ابن فارس: " الواو " تكون للجمع (١) وتكون للعطف وتكون بمعنى " الباء " في القسم، نحو: واللَّه. وتكون بمعنى " مع " تقول: استوى الماء والخشبة، أي: مع الخشبة. وتقع " صلة " ولا تكون زائدة أولى. وقد تزاد ثانية، نحو: كوثر، وهو من الكثرة. وثالثة، نحو: جدول وهو من الجدل. ورابعة، نحو: قرنوة، وهو نبت يدبغ به الأديم. وخامسة، نحو: قمحدوه (٢). و" الواو " في القرآن على ستة أوجه: أحدها: الجمع . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. والثاني: بمعنى العطف كقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٦ - ١٧]. فهذه " واو عطف " دخلت عليها ألف الاستفهام. والثالث: بمعنى القسم كقوله تعالى في الأنعام: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٣]. والرابع: صلة . ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]. والخامس: بمعنى " إذ ". كقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، يريد إذ طائفة.

стр. 611

والسادس: أن تكون مضمرة . كقوله تعالى في براءة: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، المعنى أتوك وقلت: لا أجد تولوا» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الجمع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. ولم أقف على من فسر الواو هنا، ولعله لوضوح كونها على أصلها من إرادة العطف والجمع، وعليه يعود هذا المثال للوجه بعده: الوجه الثاني: بمعنى العطف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٦ - ١٧]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي. تنبيه: قرأ نافع وابن عامر (أوْ آباؤنا الأولون) بإسكان الواو، فالهمزة والواو شيء واحد؛ فكأنه شك فيقولون: أنحن نبعث أو آباؤنا الأولون؟ وهم منكرون للبعث أي: لا نبعث نحن ولا آباؤنا، وقرأ الباقون (أوَ آباؤنا الأولون) بفتح الواو وهي واو نسق دخلت عليها همزة الاستفهام، كما يقال فلان ينظر في النحو فتقول أوَ هوَ ممن ينظر في النحو؟ (٢). والوجه هنا على قراءة فتح الواو. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن فارس: «وتكون للنسق «وقال:» وذهب آخرون إلى أن الواو لا تكون إلا للجمع .. وجاز أن يكون

стр. 612

الأول تقدم الثاني، ونكتة بابها أنها للجمع «(١)، وقال ابن هشام عن معاني الواو:» الأول العاطفة ومعناها مطلق الجمع فتعطف الشيء على مصاحبه .. وعلى سابقه» (٢). الوجه الثالث: بمعنى القسم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الخليل: «والواو في القسم قولهم: والله: وتالله «(٤)، وقال ابن فارس:» وتكون بمعنى الباء في القسم نحو (والله)» (٥). الوجه الرابع: صلة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]. وقال به: الفرَّاء، وابن فارس، والنَّحَّاس، ومكي بن أبي طالب (٦). ورده أبو حيان وقال: «ليس بشيء»، وقال ابن عطية، وأبو البقاء العكبري، وأبو حيان،

стр. 613

والشوكاني: الواو للحال (١). والقول الثاني هو الراجح لأن الخلاف دائر بين زيادة الواو للتوكيد وبين تأسيس معنى جديد؛ فيقدم التأسيس على التوكيد؛ قال أبو البقاء: «فصل: ولا تزاد الواو عند أكثر البصريين لوجهين: أحدهما: أن الحروف وضعت للاقتصار أو عوضا عن ذكر الجمل كالهمزة فإنها بدل عن أستفهم، أو أسأل، وما بدل عن أنفي، فزيادتها تنقض هذا الغرض. والثاني: أن الحروف وضعت للمعاني، فذكرها دون معناها يوجب اللبس وخلوها عن المعنى وهو خلاف الأصل» (٢). وقال ابن تيمية: «فليس في القرآن من هذا شيء ولا يذكر فيه لفظ زائدا إلا لمعنى زائد، وإن كان في ضمن ذلك التوكيد .. وما يجيء من زيادة اللفظ فالمعنى معه أزيد من المعنى بدونه فزيادة اللفظ لزيادة المعنى وقوة اللفظ لقوة المعنى» (٣) وبهذا ينقل مسمى هذا الوجه إلى: الحال. الوجه الخامس: بمعنى " إذ ". ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وأجاز كونها للحال وبمعنى إذ: مكي بن أبي طالب فقال: وهذه الواو قيل هي واو الابتداء وقيل واو الحال وقيل هي بمعنى إذ، وقال أبو البقاء: «وتسمى هذه الواو واو الحال وقيل الواو بمعنى إذ وليس بشيء» (٤). واستجلى ابن هشام هذا القضية؛ فقال: «والثانية واو الحال الداخلة على الجملة الاسمية نحو جاء زيد والشمس، ويقدرها سيبويه (٥) والأقدمون بإذ، ولا يريدون أنها بمعناها، إذ لا يرادف الحرفُ الاسمَ، بل إنها وما بعدها قيد للفعل السابق؛ كما أن إذ كذلك ولم يقدرها بإذا لأنها لا تدخل على الجمل الاسمية.

стр. 614

ووهم أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. فقال الواو للحال، وقيل: بمعنى إذ، وسبقه إلى ذلك مكي، وزاد عليه فقال الواو للابتداء وقيل للحال وقيل بمعنى إذ إ هـ. والثلاثة بمعنى واحد فإن أراد بالابتداء الاستئناف فقولهما سواء» (١). وبهذا يكون قال بهذا الوجه: سيبويه، وابن فارس (٢)، ومكي بن أبي طالب، والزَّمخشري (٣)، وابن عطية (٤)، والعكبري، والقرطبي (٥)، وابن هشام. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الزَّجَّاجي: «وتكون للحال بمنزلة إذ كقولك: مررت بزيد وعمرو جالس، معناه: إذ عمرو جالس؛ قال الله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، معناه إذ طائفة في هذه الحال» (٦). الوجه السادس: أن تكون مضمرة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]. وقال به: ابن فارس، وأبو علي الفارسي (٧)، وابن عطية، وأبو حيان، وابن هشام (٨). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن فارس: «وتكون الواو مضمرة في مثل قوله جل ثناؤه: ﴿﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾

стр. 615

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، والتأويل: ولا على الذين -إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد ما أحملكم عليه - تولوا» (١). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أربعة، وتبديل مسمى الخامس؛ وهي: الوجه الأول: بمعنى العطف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٦ - ١٧]. وتم التنبيه على أن الوجه على قراءة فتح الواو، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: بمعنى القسم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٣]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال الخليل وابن فارس. الوجه الثالث: بمعنى " إذ ". ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال الزَّجَّاجي. الوجه الرابع: أن تكون مضمرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن فارس. وأما الوجه: صلة . ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]، قد تقدم عرض الخلاف وترجيح: أن لها معنى وهو واو الحال، وتقديمه على القول بأنه صلة، والتدليل عليه من كلام العكبري وشيخ الإسلام ابن تيمية، وبهذا ينقل مسمى هذا الوجه إلى: واو الحال. وبين هذا الوجه بمسماه الجديد وبين الوجه الذي هو بمعنى (إذ) تقارب شديد لأن الواو في الموضعين للحال؛ غير أن تأويل المتقدمين لها بإذ لا يستقيم هنا. وأما الوجه: الجمع . ففي قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. قد تقدم أنه ليس فرق بين الجمع والعطف فيدخل هذا المثال في الوجه الأول.

стр. 616

المبحث الثاني: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على سبعة أوجه مرتبة على حروف المعجم . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الإمساك: باب الإمساك: قال ابن الجوزي: «الإمساك: الحبس. وضده: الإطلاق. والإمساك: أيضاً: البخل، يقال: فلان ممسك، أي: بخيل، والمَسْك: بفتح الميم وتسكين السين، الإهاب، وبكسر الميم: الطيب المعروف. وبفتح الميم والسين: الأسورة من الذَّبْل واحدها مَسَكة. والذَّبْل: شيء كالعاج (١). وذكر بعض المفسرين أن الإمساك في القرآن على سبعة أوجه: أحدها: المراجعة للزوجة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وفي الطلاق: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. والثاني: الحبس . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]. والثالث: البخل . ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]. والرابع: الحفظ . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وفي فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] وفي الملك: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩]. والخامس: المنع . ومنه قوله تعالى في فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]، وفي الزمر: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨].

стр. 617

والسادس: الأخذ . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. والسابع: العمل . ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: المراجعة للزوجة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. واختلف السلف في المراد بالآية واتفقوا على معنى الرجعة؛ ومنهم: ابن عباس، وعطاء ومجاهد، وأبو رزين، والضحاك، والسُّدي (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال به من السلف: الضحاك، والسُّدي (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 618

الوجه الثاني: الحبس. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسُّدي، وسعيد بن جبير (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الميم والسين والكاف أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على حَبْس الشيء أو تَحبُّسِه» (٣). الوجه الثالث: البخل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والبَخِيل مُمسِكٌ، والإمساك: البُخْل» (٥).

стр. 619

الوجه الرابع: الحفظ. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩]. وقال به من المفسرين: السمرقندي (١)، وقريبا منه عبارات بقية المفسرين؛ فقالوا: كراهية أن تقع، ولكيلا تقع (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهورللفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، أي يحفظها» (٣). الوجه الخامس: المنع. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. ولم أقف على من فسر الإمساك بالمنع، والأولى تفسيره بأصل اللفظ في اللغة وهو: الحبس؛ فلا يخرج عنه. وقال بالحبس من السلف قتادة؛ فقال «فلا يستطيع أحد حبسها» (٤). ومن المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والبغوي، والزَّمخشري (٥). وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه: الحبس.

стр. 620

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. وقال به من المفسرين: السمرقندي، وأبو السعود، والسعدي (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى هذه الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الإمساك المنع، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في للغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «يقال أمسكت عنه كذا أي منعته، قال: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]» (٢). الوجه السادس: الأخذ. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان (٣). ويشهد له حديث قيس بن عباد قال كنت جالسا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج وتبعته فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة؛ قال والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؛ رأيت رؤيا على عهد النبي ﷺ فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها، وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء؛ في أعلاه عروة فقيل لي ارقه؛ قلت: لا أستطيع فأتاني منصف (٤) فرفع ثيابي من خلفي؛ فرقيت حتى كنت في أعلاها؛ فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك؛ فاستيقظت وإنها لفي يدي فقصصتها على النبي ﷺ قال: «تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت». وذاك الرجل عبد الله بن سلام (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الإمساك الأخذ، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بما يقاربه لما بين الإمساك والأخذ من التقارب، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه السابع: العمل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]. وقال به من المفسرين: السمرقندي، والزَّمخشري، والسعدي (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الاستمساك العمل.

стр. 621

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ستة وهي: الوجه الأول: المراجعة للزوجة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الإمساك في الآيتين مراجعة الزوجة. الوجه الثاني: الحبس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثالث: البخل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الرابع: الحفظ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ [الملك: ١٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في للغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني. الوجه الخامس: المنع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]. وتقدم أنني لم أقف على من فسر الإمساك بالمنع هنا، والأولى تفسيره بأصل اللفظ في اللغة وهو: الحبس؛ فلا يخرج عنه، وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه: الحبس. وأما الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. فهي صحيحة في الوجه، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الإمساك المنع، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في للغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني. الوجه السادس: الأخذ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] وشهد له حديث قيس بن عباد، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الإمساك الأخذ، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بما يقاربه لما بين الإمساك والأخذ من التقارب. الوجه السابع: العمل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته؛ لأن العمل نتيجة للإمساك.

стр. 622

المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة العهد: باب العهد قال ابن الجوزي: » قال ابن قتيبة: الأمان: عهد. والوصية: عهد. واليمين: عهد. والحفاظ: عهد. قال ﵇: " إن حسن العهد من الإيمان" (١). والزمان: عهد. يقال: كان ذلك بعهد فلان (٢). وقال ابن فارس: والعَهْد: الأمان الموثَّق (٣). ويقال: عهد إليه: إذا أوصيته، المَعْهَد: المنزل، إذا كان مثابة. والعهيد: الذي يعاهدك والعُهْدة: وثيقة المتبايعين، وفي الأمر عُهْدَة: لم تحكم بعد. والتعهد: الاحتفاظ بالشيء وتجديد العهد به (٤). ويقولون: تعهَّدْت ضيعتي ولا يقولون تعاهدت. لأن التعاهد لا يكون إلاَّ من اثنين، والعهد من المطر. وَلِيّ قد مضى قبله وسمي لأنه أول ما عهد الأرض. وذكر بعض المفسرين أن العهد في القرآن على سبعة أوجه: أحدها: الوصية . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وفي يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]. والثاني: الأمان . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [براءة: ٤]. والثالث: الوفاء . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. والرابع: التوحيد . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، أي: وَحِّدْه بقول: لا إله إلاَّ اللَّه. والخامس: اليمين . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، قاله: ابن قتيبة، وقال غيره: هو من المعاهدة على فعل الشيء. والسادس: الوحي . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي: أوحينا. قاله: الحسن. وألحقه بعضهم بالقسم الأول، ومعناهما متقارب. والسابع: النبوة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] «(٥).

стр. 623

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الوصية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [البقرة: ٢٧]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثاني: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [يس: ٦٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «فمن ذلك قولهم: عَهِد الرجلُ يَعْهَدُ عَهْدًا، وهو من الوصيَّة، وإنّما سمِّيت بذلك لأنّ العهدَ مما ينبغي الاحتفاظُ به، ومنه اشتقاق العَهد الذي يُكتَب للوُلاة من الوصيّة» (٣). الوجه الثاني: الأمان. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [براءة: ٤]. وقال به: ابن قتيبة (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: العهد: الأمَانُ» (٥). ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.

стр. 624

الوجه الثالث: الوفاء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]. وقال به من السلف: الحسن (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية قول آخر: أن العهد هو: الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم وقت استخراجهم من ظهره، قاله: أبي بن كعب (٣)، وابن عباس (٤). وجمع بينهما ابن عطية؛ فقال: «فيجيء المعنى وما وجدنا لأكثرهم التزام عهد وقبول وصاة» (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته؛ لأن الوفاء نتيجة للعهد. الوجه الرابع: التوحيد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن جريج (٦). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧).

стр. 625

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني لأنه تعالى نفى الشفاعة عن العباد ثم استثنى منهم الموحدين. الوجه الخامس: اليمين. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، قال ابن الجوزي: قاله ابن قتيبة، وقال غيره: هو من المعاهدة على فعل الشيء. وممن اختار قول ابن قتيبة البغوي، واعتضد بمقالة للسلف؛ حيث قال: «والعهد ها هنا هو اليمين؛ قال الشعبي: «العهد يمين وكفارته كفارة اليمين» (١). ومن قبله السمرقندي ذكر القولين فقال: «إذا حلفتم بالله فأتموا له بالفعل، ويقال: أوفوا بعهد الله أي العهود التي بينكم وبين الله تعالى والعهود التي بينكم وبين الناس» (٢). والصحيح أن العهد في الآية عموم العهود فيكون من المعاهدة على فعل الشيء كما أشار إليه ابن الجوزي؛ قال الإمام الشافعي «: فظاهره عام علىكل عقد، ويشبه والله أعلم أن يكون الله ﵎، أراد أن يوفوا بكل عقد كان بيمين، أو غير يمين» (٣). وهو الذي يدل عليه كلام ابن جرير، وصرح به ابن عطية، والقرطبي، والشوكاني، والشنقيطي، والسعدي (٤). وبقاعدة تقديم التأسيس على التكرار رد الشوكاني الوجه فقال: «وفسره بعضهم باليمين وهو مدفوع بذكر الوفاء بالأيمان بعده حيث قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، أي بعد تشديدها وتغليظها وتوثيقها، وليس المراد اختصاص النهى عن النقض بالأيمان المؤكدة لا بغيرها، مما لا تأكيد فيه؛ فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد منها» (٥).

стр. 626

وبهذا يكون مسمى هذا الوجه بما ذكره ابن الجوزي عن غير ابن قتيبة وهو: المعاهدة على فعل الشيء، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والعَهْد: المَوْثِق، وجمعه عُهود» (١). الوجه السادس: الوحي. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]. قال ابن الجوزي: أي: أوحينا. قاله: الحسن. وألحقه بعضهم بالقسم الأول، ومعناهما متقارب. والذي رواه ابن كثير عن الحسن: «أمرهما أن يطهراه من الأذى، والنجس ولا يصيبه شيء من ذلك» (٢)، فلعله غيره. وقال به من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وللسلف في الآية قول آخر وهو: أن العهد هنا الأمر وقال به: عطاء، وابن زيد (٤)، والحسن (٥). وعبارات المفسرين في هذه الآية تدل على صحة الوجه مع قربه من الوجه الأول: الوصية أو الأمر؛ قال الزَّمخشري: أمرناهما وأوحينا إليهما، وقال ابن عطية (٦): العهد في اللغة على أقسام هذا منها: الوصية بمعنى الأمر، وقال أبو حيان: أمرنا، أو أوصينا، أو أوحينا، أو قلنا: أقوال متقاربة، وقال ابن كثير: وعدي بإلى لأنه بمعنى أوحينا. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب العهد في الآية الوحي.

стр. 627

الوجه السابع: النبوة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقال به من السلف: السُّدي (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه السبعة وهي: الوجه الأول: الوصية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: الأمان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [براءة: ٤]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: الوفاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته؛ لأن الوفاء نتيجة للعهد. الوجه الرابع: التوحيد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، ومأخذه السياق القرآني لأنه تعالى نفى الشفاعة عن العباد ثم استثنى منهم الموحدين.

стр. 628

الوجه الخامس: اليمين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وتقدم مناقشة هذا الوجه وأن الصحيح في الآية القول الآخر الذي ذكره ابن الجوزي فيكون هو الوجه: المعاهدة على فعل الشيء، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والعَهْد: المَوْثِق، عُهود» (١). الوجه السادس: الوحي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب العهد في الآية الوحي. الوجه السابع: النبوة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومأخذه التفسير بالمثال. المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة القصص: باب القصص: قال ابن الجوزي: «القصص: مصدر قولك: قصصت الحديث، أقصه قصاً، وقصصاً. وهو الكلام المتصل بعضه ببعض. والأصل فيه الاتباع. وهو أن هذا المتكلم يتبع ما سبق قبله بالحديث والأخبار عنه. ويقال للواقعة التي لها حديث وبناء: قصة. واقتصصت الأثر: إذا تبعته. واقتصصت الحديث: إذا رويته على ما علمته. . . . (٢). وذكر بعض المفسرين أن القصص في القرآن على سبعة أوجه: أحدها: القراءة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. والثاني: البيان . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، وفي النمل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ﴾ [النمل: ٧٦].

стр. 629

والثالث: الطلب . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. والرابع: الخبر . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، وفيها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، ومثله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥]. والخامس: الإنزال . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وفي طه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]. والسادس: اتباع الأثر . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]. والسابع: التسمية . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: سميناهم» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي الوجه الأول: القراءة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه لأن القصَّ هو التتبع والقراءة تتبع المقروء فقاربه من هذه الجهة. الوجه الثاني: البيان.

стр. 630

ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن جريج: «لتعلم ما لقيت الرسل قبلك من أممهم» (١). وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ﴾ [النمل: ٧٦]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم القصة البيان، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القصة البيان وهذا المأخذ أليق في القصص القرآني لأن قصص القرآن لحِكم من أهمها بيان العظة والعبرة. الوجه الثالث: الطلب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. ولم أقف على من فسر القصص هنا بالطلب، والذي ذكروه أنه تتبع الأثر؛ قال مجاهد: «تتبع موسى وفتاه أثر الحوت، فشقَّا البحر راجعَين»، ونحوه عن قتادة (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو

стр. 631

حيان، وابن كثير (١). قال ابن عثيمين: «يعني رجعا بعد أن أخذا مسافة تعبا فيها، يعني يقصان أثرهما؛ لئلا يضيع عنهما المحل الذي كانا قد أويا إليه» (٢). وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه السادس وهو: تتبع الأثر. الوجه الرابع: الخبر. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]. ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومهم: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 632

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب القصة في الآيات الإخبار. الوجه الخامس: الإنزال. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]. ويشهد له حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: أنزل القرآن على رسول الله ﷺ ، فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]، إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، فتلاه عليهم زمانا؛ فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [في الزمر: ٢٣]» (١). وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]. وقال به من المفسرين: أبو السعود (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه سبب النزول. الوجه السادس: اتباع الأثر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وابن إسحاق، وقتادة، والسُّدي (٤).

стр. 633

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «أصلٌ صحيح يدلُّ على تتبُّع الشَّئ. من ذلك قولهم: اقتصَصْتُ الأثَر، إِذا تتبَّعتَه» (٢). الوجه السابع: التسمية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]. وقال به من المفسرين: السمرقندي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ستة وهي: الوجه الأول: القراءة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه لأن القصَّ هو التتبع والقراءة تتبع المقروء فقاربه من هذه الجهة. الوجه الثاني: البيان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ﴾ [النمل: ٧٦]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم القصة البيان، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القصة البيان وهذا المأخذ أليق في القصص القرآني لأن قصص القرآن لحِكم من أهمها بيان العظة والعبرة.

стр. 634

الوجه الثالث: الخبر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب القصة في الآيات الإخبار. الوجه الرابع: الإنزال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وشهد له حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]، ومأخذه سبب النزول. الوجه الخامس: اتباع الأثر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه السادس: التسمية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، ومأخذه السياق القرآني. وأما الوجه الذي هو: - الطلب. ففي قوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. تقدم أنني لم أقف على من فسر القصص هنا بالطلب، والذي ذكروه أنه تتبع الأثر؛ وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الخامس: اتباع الأثر. المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الكلمات: باب الكلمات: قال ابن الجوزي: «الكلمات: جمع كلمة. والكلمات يقال لما يحصره العدد وهو إلى القليل أقرب والجمع كلم وكلام. (والكلم: الجرح. والجمع: كلوم وكلام)، وقوم كلمى، أي: جرحى، ورجل كليم، أي: جريح. وقيل: إنما سمي الكلام كلاماً، لأنه يشق الأسماع بوصوله إليها. كما يشق الكلم الذي هو الجرح الجلد واللحم. وقيل: سمي كلاماً، لتشقيقه المعاني المطلوبة من أنواع الخطاب وأقسامه. وحقيقة الكلام حروف وأصوات مفيدة. قال عمر بن القاسم الثمانيني: والكلام عند أهل اللغة: يقع على المفيد، وغير المفيد. وأما عند النحويين فلا يطلقونه إلا على المفيد. فإن أوقعوه على غير المفيد قيدوه بصفة، فقالوا: (كلام مهمل)، وكلام متروك، وكلام غير مستعمل، وكلام غير مفيد

стр. 635

والكلمة: عند أهل اللغة تقع على القليل والكثير ويدل على ذلك قولهم: قال فلان في كلمته. يريدون في قصيدته، أو رسالته، أو خطبته. وكل واحد من (هذه) يشتمل على كلام طويل وجمل كثيرة. قال: وذكر المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَوَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، أن تفسير هذه الكلمة، قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦]. قال: فأما الكلمة في مدارس النحويين. فهي عبارة عن اسم فقط، أو فعل فقط، أو حرف فقط (١). وذكر بعض المفسرين أن الكلمات في القرآن على سبعة أوجه: أحدها: الكلمات العشر اللواتي ابتلى اللَّه تعالى بهن إبراهيم وهن خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما (اللواتي) في الرأس فالفرق والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك. واللواتي في الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط والاستطابة بالماء والختان. رواه طاووس عن ابن عباس. وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. والثاني: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه . وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. والثالث: القرآن . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. والرابع: علم اللَّه وعجائبه . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، وفي لقمان: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقيل في هذا الوجه: إنه على ظاهره لأن كلام اللَّه لا ينفد.
следующие страницы →