حيان، وابن كثير (١).
قال ابن عثيمين: «يعني رجعا بعد أن أخذا مسافة تعبا فيها، يعني يقصان أثرهما؛ لئلا يضيع عنهما المحل الذي كانا قد أويا إليه» (٢).
وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه السادس وهو: تتبع الأثر.
الوجه الرابع: الخبر.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥].
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه ومهم: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
стр. 632
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب القصة في الآيات الإخبار.
الوجه الخامس: الإنزال.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣].
ويشهد له حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: أنزل القرآن على رسول الله ﷺ ، فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ١]، إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، فتلاه عليهم زمانا؛ فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [في الزمر: ٢٣]» (١).
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩].
وقال به من المفسرين: أبو السعود (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه سبب النزول.
الوجه السادس: اتباع الأثر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وابن إسحاق، وقتادة، والسُّدي (٤).
стр. 633
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «أصلٌ صحيح يدلُّ على تتبُّع الشَّئ. من ذلك قولهم: اقتصَصْتُ الأثَر، إِذا تتبَّعتَه» (٢).
الوجه السابع: التسمية.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤].
وقال به من المفسرين: السمرقندي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه السياق القرآني.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ستة وهي:
الوجه الأول: القراءة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه لأن القصَّ هو التتبع والقراءة تتبع المقروء فقاربه من هذه الجهة.
الوجه الثاني: البيان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ﴾ [النمل: ٧٦]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم القصة البيان، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القصة البيان وهذا المأخذ أليق في القصص القرآني لأن قصص القرآن لحِكم من أهمها بيان العظة والعبرة.
стр. 634
الوجه الثالث: الخبر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب القصة في الآيات الإخبار.
الوجه الرابع: الإنزال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، وشهد له حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]، ومأخذه سبب النزول.
الوجه الخامس: اتباع الأثر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه السادس: التسمية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، ومأخذه السياق القرآني.
وأما الوجه الذي هو:
- الطلب. ففي قوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤].
تقدم أنني لم أقف على من فسر القصص هنا بالطلب، والذي ذكروه أنه تتبع الأثر؛
وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الخامس: اتباع الأثر.
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الكلمات:
باب الكلمات:
قال ابن الجوزي:
«الكلمات: جمع كلمة. والكلمات يقال لما يحصره العدد وهو إلى القليل أقرب والجمع كلم وكلام. (والكلم: الجرح. والجمع: كلوم وكلام)، وقوم كلمى، أي: جرحى، ورجل كليم، أي: جريح. وقيل: إنما سمي الكلام كلاماً، لأنه يشق الأسماع بوصوله إليها. كما يشق الكلم الذي هو الجرح الجلد واللحم. وقيل: سمي كلاماً، لتشقيقه المعاني المطلوبة من أنواع الخطاب وأقسامه. وحقيقة الكلام حروف وأصوات مفيدة. قال عمر بن القاسم الثمانيني: والكلام عند أهل اللغة: يقع على المفيد، وغير المفيد. وأما عند النحويين فلا يطلقونه إلا على المفيد. فإن أوقعوه على غير المفيد قيدوه بصفة، فقالوا: (كلام مهمل)، وكلام متروك، وكلام غير مستعمل، وكلام غير مفيد
стр. 635
والكلمة: عند أهل اللغة تقع على القليل والكثير ويدل على ذلك قولهم: قال فلان في كلمته. يريدون في قصيدته، أو رسالته، أو خطبته. وكل واحد من (هذه) يشتمل على كلام طويل وجمل كثيرة. قال: وذكر المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَوَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، أن تفسير هذه الكلمة، قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦]. قال: فأما الكلمة في مدارس النحويين. فهي عبارة عن اسم فقط، أو فعل فقط، أو حرف فقط (١).
وذكر بعض المفسرين أن الكلمات في القرآن على سبعة أوجه:
أحدها: الكلمات العشر اللواتي ابتلى اللَّه تعالى بهن إبراهيم وهن خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما (اللواتي) في الرأس فالفرق والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك. واللواتي في الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط والاستطابة بالماء والختان. رواه طاووس عن ابن عباس. وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
والثاني: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه . وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
والثالث: القرآن . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
والرابع: علم اللَّه وعجائبه . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، وفي لقمان: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، وقيل في هذا الوجه: إنه على ظاهره لأن كلام اللَّه لا ينفد.
стр. 636
والخامس: الدين . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
والسادس: لا إله إلا اللَّه . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].
والسابع: قوله " كن ". ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الكلمات العشر اللواتي ابتلى اللَّه تعالى بهن إبراهيم وهن خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما اللواتي في الرأس فالفرق (٢) والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك. واللواتي في الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط والاستطابة بالماء والختان. رواه طاووس عن ابن عباس.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 637
الوجه الثاني: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.
وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
بهذا الشكل أورد ابن الجوزي هذا الوجه، ومن البداهة أن الكلام فيه نقص إذ أن لفظ الكلمات غير موجود؛ ولعل الوجه يكون:
الوجه الثاني: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ٣٧]، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] (١).
وقال به من السلف: الحسن، وأبو العالية، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، والضحاك (٢)، وخالد بن معدان، وعطاء، ومحمد بن كعب القرظي، والربيع (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير القرآن بالقرآن، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: القرآن.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال به من السلف: قتادة (٥).
стр. 638
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١).
وللسلف في الآية قول آخر: أن الكلمات في الآية عيسى بن مريم، وقال به مجاهد، والسُّدي.
ولعل الأقرب أن يكون القرآن لأن سياق الآية يدل عليه.
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: علم اللَّه وعجائبه.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]،
الآية الثانية: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [لقمان: ٢٧]، وقيل في هذا الوجه: إنه على ظاهره لأن كلام اللَّه لا ينفد.
وتفسير الكلام بالعلم تأويل لكلام الله تعالى؛ لأن الكلام غير العلم ولكل منهما أدلة مستقلة من الكتاب والسنة؛ قال ابن تيمية: «فأما كونه يتكلم كلمات لا نهاية لها، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته؛ فهذا هو الذي يدل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها، والفلاسفة توافق على دوام هذا النوع وقدماء أساطينهم يوافقون على قيام ذلك بذات الله، كما يقوله أئمة المسلمين وسلفهم، والذين قالوا إن ذلك ممتنع هم أهل الكلام المحدَث في الإسلام من الجهمية والمعتزلة» (٢).
وقال ابن عثيمين في تفسيره لآية الكهف وإثباته لصفة الكلام لله تعالى:
«قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ يعني حبرا يكتب به ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾. ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ قبل أن تنفد كلمات الله لأنه المدبر لكل الأمور، وبكلمة ﴿كن﴾ لا نفاد لكلامه بل أن في الآية الأخرى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ أي لو كان أقلاما ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، لنفد البحر وتكسرت الأقلام وكلمات الله - جلَّ وعلا - باقية.
стр. 639
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ يعني زيادة؛ فإن كلمات الله لا تنفد، وفي هذا نص صريح على إثبات كلام الله وكلمات الله كونية وشرعية؛ أما الشرعية فهو ما أوحاه إلى رسله، وأما الكونية فهو ما قضى به قدَرَه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وكل شيء بإرادته، إذا فهو يقول لكل شيءٍ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ومن الكلمات الشرعية ما أوحاه إلى من دون الرسل، كالكلمات التي أوحاها إلى آدم فإن آدم ﵇ نبي وليس برسول، وقد أمره الله ونهاه، والأمر والنهي كلمات شرعية» (١). وهذا القول قد أشار إليه ابن الجوزي بعد ذكره للوجه.
وبهذا يكون هذا الوجه: صفة الكلام لله تعالى على ما يليق بجلاله، ويكون مأخذه وصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
الوجه الخامس: الدين.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥].
ولم أقف على من فسر الكلمات هنا بالدين، والذي يظهر من السياق أن المراد القرآن؛ قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٤]، ثم قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:
١١٥].
وقال به من السلف قتادة (٢).
وقال السعدي: «أي صدقا في الإخبار وعدلا في الأمر والنهي، فلا أصدق من أخبار الله التي
стр. 640
أودعها هذا الكتاب العزيز ولا أعدل من أوامره ونواهيه» (١).
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ فقال ابن جرير: لا مغير لما أخبر عنه، وقال أبو حيان: لا مغير لأ قضيته ولا مبدل لكلمات القرآن (٢).
وقال ابن تيمية: «فإن الله تعالى يري عباده آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القران حق فخبره صدق وأمره عدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الأنعام: ١١٥]» (٣).
ويتبين مما تقدم عود هذين المثالين؛ للوجه الثالث وهو القرآن.
الوجه السادس: لا إله إلا اللَّه.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].
وقال به من السلف: ابن عباس (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن لا إله إلا الله مثال من أمثلة كلمات الله تعالى الشرعية.
الوجه السابع: قوله " كن ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١].
وقال به من السلف: قتادة (٦).
стр. 641
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن (كن) مثال من أمثلة كلمات الله تعالى الكونية.
وكل هذه الأوجه خلا الوجه الرابع فهي أمثلة على كلمات الله تعالى الكونية أو الشرعية، وأما الوجه الرابع فالوجه متعلق بذات الكلمات وليس المراد منها؛ لذلك أُثبت التفسير الصحيح لها مع إغفال غيره من أقوال المفسرين؛ قال ابن تيمية: «وأما كلماته الدينية وهى كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه فأطاعها الأبرار وعصاها الفجار، وأولياء الله المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية وجعله الديني وأذنه الديني وإرادته الدينية، وأما كلماته الكونية التي لا يجاوزها بر ولا فاجر فانه يدخل تحتها جميع الخلق حتى إبليس وجنوده وجميع الكفار وسائر من يدخل النار» (٢). وتقدم من كلام ابن عثيمين نحو هذا.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ستة وهي:
الوجه الأول: الكلمات العشر اللواتي ابتلى اللَّه تعالى بهن إبراهيم وهن خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما اللواتي في الرأس فالفرق والمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك. واللواتي في الجسد تقليم الأظافر وحلق العانة ونتف الإبط والاستطابة بالماء والختان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثاني: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. وتم التنبيه على عدم وجود المثال المطابق للباب، وافتراض التصحيح على هذا النحو:
الوجه الثاني: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا
стр. 642
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ومأخذه تفسير القرآن بالقرآن، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: علم اللَّه وعجائبه. ففي قوله تعالى: ﴿أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، تقدم بيان أن العلم ليس هو الكلام وأن الكلام صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وأن مسمى الوجه هنا ما ذكره ابن الجوزي من قول ثان: إنه على ظاهره لأن كلام اللَّه لا ينفد. فهي صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله.
وتم تأييد ذلك من قول ابن تيمية وابن عثيمين، ويكون مأخذه وصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
الوجه الخامس: لا إله إلا اللَّه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن لا إله إلا الله مثال من أمثلة كلمات الله تعالى الشرعية.
الوجه السادس: قوله " كن ". ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ومأخذه التفسير بالمثال لأن (كن) مثال من أمثلة كلمات الله تعالى الكونية.
وتقدم بيان أن كل هذه الأوجه خلا الوجه الرابع فهي أمثلة على كلمات الله تعالى الكونية أو الشرعية، وأما الوجه الرابع فالوجه متعلق بذات الكلمات وليس المراد منها؛ لذلك أُثبت التفسير الصحيح لها مع إغفال غيره من أقوال المفسرين.
وأما الوجه الذي هو: الدين . ففي قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، تقدم أنني لم أقف على من قال به وأن السياق يدل القرآن وتم ذكر من قال بالقرآن من السلف والمفسرين.
стр. 643
المبحث الثالث: دراسة الكلمة القرآنية الواردة على ثمانية أوجه .
وهي كلمة القتل:
باب القتل:
قال ابن الجوزي:
«القتل: الفعل المؤدي إلى الموت. والقتال: النفس. تقول قتلت فلاناً، أي: أصبت قتاله. وهي نفسه. والمقاتل: المواضع التي إذا أصيبت قتلت. وقتل فلان فلاناً قتلة سوء. ويقال قتلت الشيء علماً، وقتلت الخمر بالماء: مزجتها. والقتل: العدو. وجمعه: أقتال. وأنشدوا من ذلك:
واعتراني عن عامِر بن لُؤَيٍ ... في بلادٍ كثيرة الأَقْتالِ (١)
ويقال: تقتلت الجارية للرجل حتى عشقها، كأنها خضعت له. وأنشدوا من ذلك:
تَقتَّلْتِ لي حَتَّى إذا ما قتلتِني ... تنسَّكْتِ، ما هذا بفعل النواسِكِ (٢)
ويقال: قلب مقتل، إذا قتله العشق. قال امرؤ القيس:
وما ذَرَفَتْ عيناكِ إلا لتَضْرِبي ... بسهمَيْكِ في أعشارِ قَلبٍ مقتَّلِ (٣)
стр. 644
وذكر أهل التفسير أن القتل في القرآن على ثمانية أوجه:
أحدها: الفعل المميت للنفس . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وفي سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣].
والثاني: القتال . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، أي: فقاتلوهم. قاله مقاتل.
والثالث: اللعن . ومنه قوله تعالى في الذاريات: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، وفي المدثر: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]، وفي عبس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، وفي البروج: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤].
والرابع: التعذيب . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١].
والخامس: العلم . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧].
والسادس: الدفن للحي . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وفيها: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، وفي بني إسرائيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١].
والسابع: القصاص . ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
والثامن: الذبح . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الفعل المميت للنفس.
стр. 645
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
تنبيه: الوجه في هذه الآية يتأتى على قراءة (قُتِلَ) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبو عمرو وكذا يعقوب بضم القاف وكسر التاء بلا ألف مبنيا للمفعول وافقهم ابن محيصن واليزيدي والباقون قاتل بفتح القاف والتاء وألف بينهما بوزن فاعل (٢).
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣].وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «القاف والتاء واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على إذلالٍ وإماتةٍ» (٤).
الوجه الثاني: القتال.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
وظاهر الآية هنا أن القتل من طرف واحد وفيه إشارة لتمكين الله تعالى منهم وبشارة (٥) للمؤمنين وجعله ابن الجوزي من باب المفاعلة اعتمادا على تفسير مقاتل.
وفي الواقع أن كل مقتول مقاتِل قبل التمكن منه في هذا المثال وأمثلة الوجه الأول، وإن كانت عبارة مقاتل فيها مستمسك لهذا الوجه فقد سبقه مجاهد فقال: «لا تقاتل أحدا فيه أبدا، فمن عدا عليك فقاتلك، فقاتله كما يقاتلك» (٦).
стр. 646
ولم يفهم منها كثير من المفسرين أن القتل هنا غير القتال، بل مايدل عليه كلامهم أن القتل لابد له من مقاتلة قبله وإنما أتى لفظ هذه الآية بشارة للمؤمنين بأن مقاومة الكفار محدودة، وأن حزب الله هم الغالبون، كما أشار إليه أبو حيان، وإشارة إلى المبالغة في قتلهم إذا بدؤنا في المسجد الحرام كما قاله ابن عثيمين (١). وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
الوجه الثالث: اللعن.
ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠].
وقال به من السلف: ابن عباس (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعال: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠].
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الآية الثالثة: قوله تعال: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
وقال به من السلف: ابن عباس، وأبو مالك غزوان الغفاري (٥)، ومجاهد، وسفيان الثوري (٦).
стр. 647
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (١).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
تنبيه:
أورد القرطبي عن ابن عباس: «كل شيء بالقرآن قُتِلَ فهو لعن» (٣).
فيكون من الكليات على هذا القول.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسيبر باللازم؛ لأنه دعاء على الكافر بالقتل ومن لازم ذلك لعنه وهو طرده من رحمة الله.
الوجه الرابع: التعذيب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١].
ولم أقف على من فسر هذه الآية بالتعذيب، والذي يذكره المفسرون أنه القتل.
قال قتادة: «إذا أظهروا النفاق» (٤)، وقال السُّدي: «هذا حكم في القرآن ليس يعمل به، لو أن رجلا أو أكثر من ذلك اقتصوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم، أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم» (٥).
وقال بالقتل من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان (٦).
وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
стр. 648
الوجه الخامس: العلم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧].
وفي معنى هذه الآية خلاف منشؤه عود الضمير في لفظ القتل على مابينه ابن الجوزي فقال: «في الهاء ثلاثة أقوال: أحدها: أنها ترجع إلى الظن فيكون المعنى وما قتلوا ظنهم يقينا هذا قول ابن عباس. والثاني: أنها ترجع إلى العلم أي ما قتلوا العلم به يقينا تقول قتلته يقينا وقتلته علما للرأي والحديث هذا قول الفرَّاء وابن قتيبة.
والثالث أنها ترجع إلى عيسى فيكون المعنى وما قتلوا عيسى حقا هذا قول الحسن» (١).
وذكر هذه الأقوال أو بعضها من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ورجح عود الضمير على عيسى: ابن تيمية، والشوكاني، والشنقيطي (٣).
والمعنى على قولهم أن القتل على حقيقته فيعود المثال إلى الوجه الأول.
الوجه السادس: الدفن للحي.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]. ويشهد له حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قال: ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك» (٤).
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، والسُّدي، وابن جريج، والضحاك (٥).
стр. 649
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠].
وقال به من السلف: ابن عباس (٢)، وعكرمة، وقتادة (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١].
وقال به من السلف: ابن عباس (٥)، وقتادة، وجاهد (٦).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٧).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القتل للحي دفنه.
الوجه السابع: القصاص.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
стр. 650
وقال به من السلف: طلق بن حبيب، وسعيد بن جبير، وقتادة (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القتل القصاص.
الوجه الثامن: الذبح.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١].
ولم أقف على من فسر القتل هنا بالذبح، والظاهر أن المقصود الإماته والإشارة لأساليبها؛ قال ابن جرير: «لأنه أريد بقوله يذبحون وبقوله يقتلون تبيينه صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم» (٣).
وبهذا يكون الأولى عود هذا المثال إلى الوجه الأول .
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أربعة وهي:
الوجه الأول: الفعل المميت للنفس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس الوجه الثاني: اللعن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، وقوله تعالى:
стр. 651
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]. وتم التنبيه على قول ابن عباس أن (قُتِل) في القرآن بمعنى لعن، ومأخذه التفسير باللازم؛ لأن دعاء على الكافر بالقتل ومن لازم ذلك لعنه وهو طرده من رحمة الله
الوجه الثالث: الدفن للحي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وشهد له حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القتل للحي دفنه.
الوجه الرابع: القصاص. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القتل القصاص.
وأما الوجوه التي هي:
- القتال . ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
تقدم مناقشة أن الأولى عدم التفريق بينه وبين الوجه الأول؛ فيعود إليه.
- العلم . ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧]، تقدم أن الصحيح في القتل أنه على بابه فيعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
- التعذيب . ففي قوله تعالى: ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر هذه الآية بالتعذيب، وأن الذي يذكره المفسرون أنه القتل وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
- الذبح . ففي قوله تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٤١].
فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر هذه الآية بالذبح، وتم نقل مايؤيد دخوله في الوجه الأول من قول ابن جرير. وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
стр. 652
المبحث الرابع: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على تسعة أوجه . وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة البيت:
باب البيت:
قال ابن الجوزي:
«البيت: ما يأوي إليه الإنسان ليقيه الحر والبرد. وهو في تعارف أهل الأبنية أرض عليها دائر من البناء يظله سقف، وفي تعارف العرب وأصحاب الوبر دائر من صوف أو غير ذلك يظله سقف من جنسه. وقيل: سمي بيتاً لأنه يصلح للبيتوتة فيه. والبيات والتبييت أن يأتي العدو ليلاً. وبات فلان يفعل كذا إذا فعله ليلاً. كما يقال: بالنهار ظلّ. وبيَّت الرجل الأمر: إذا دبّره ليلاً. قال الشاعر:
أَتَوْني فلم أرضَ ما بَيَّتُوا ... وكانوا أتَوني بشيءٍ نُكُرْ (١)
والبيوت: الأمر يبيت عليه صاحبه، مهتماً به، قال الهذلي (٢):
وأجْعَلُ قِفْرَتَها عُدَّةً ... إذا خِفْتُ بيُّوتَ أمْرٍ عُضالِ
وذكر بعض المفسرين أن بيت في القرآن على تسعة أوجه:
أحدها: المنزل المبني ، ومنه قوله تعالى في النور: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧]، وفي التحريم: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١].
والثاني: المسجد ، ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧].
стр. 653
والثالث: السفينة ، ومنه قوله تعالى في نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، (أي: سفينتي، وقيل ديني).
والرابع: الكعبة ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وفيها: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
والخامس: الخيمة ، ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠].
والسادس: السجن ، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥].
والسابع: العش ، ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]، ومثله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١].
والثامن: الكهوف ، ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]، وفي الشعراء: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩].
والتاسع: الخانات ، ومنه قوله تعالى في النور: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي
الوجه الأول: المنزل المبني.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧].
وقال به من السلف: سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
стр. 654
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١].
وقال به من السلف: قتادة، والقاسم بن أبي بزة (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «وبَيَّتُّ بَيْتاً أي بَنَيْتُه» (٣).
الوجه الثاني: المسجد.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
وللسلف في الآية قول آخر: اجعلوا بيوتكم مساجد؛ وقال به ابن عباس، والنخعي، ومجاهد، وغزوان الغفاري، والربيع، والضحاك (٦)، وابن زيد (٧).
ورجح القول الثاني ابن جرير بدلالة اللغة (٨).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
стр. 655
الوجه الثالث: السفينة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].
وقال به من المفسرين: والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (١).
وهذا القول من التفسير إنما يجعله المفسرون في آخر الوجوه التي يذكرونها، ويقدمون له بـ
(قيل) ولم أقف على قائل به؛ غير أن ابن الجوزي في زاد المسير قال: حكاه الثعلبي (٢)، وهو كما قال؛ إلا أن السمرقندي ذكره (٣) بغير حكاية فقال: «يعني سفينتي وديني» (٤)
والقول المشهور عن جمهور المفسرين، وقال به ابن عباس، والضحاك: أن البيت هنا المسجد. وقيل: الدين.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب لأن السفينة في معنى الآية قاربت البيت من حيث إنها مأوى نوح ﵇ ومن معه بل إنها هي المأمن الوحيد أثناء الطوفان.
الوجه الرابع: الكعبة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقال به من السلف: ابن زيد (٥).
стр. 656
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقال به من السلف: السُّدي (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «وبَيَّتُّ بَيْتاً أي بَنَيْتُه» (٤).
الوجه الخامس: الخيمة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠].
وقال به من السلف: السُّدي (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 657
الوجه السادس: السجن.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥].
وقال به من السلف: سعيد بن جبير (١).
ومن المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي.
والذي يذكره المفسرون: حبسهن في البيوت (٢)؛ قال ابن العربي، والقرطبي: «أمر الله تعالى بإمساكهن في البيوت وحبسهن فيها في صدر الإسلام قبل أن تكثر الجناة فلما كثر الجناة وخشي فوتهم اتخذ لهم سجن» (٣).
وليس بين هذا القول والقول بالوجه تعارض فالبيوت سجون مادامت النساء محبوسات فيها؛ قال أبو السعود: «فاحبسوهن فيها واجعلوها سجنا عليهن» (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السابع: العش.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]. ولم أقف على من فسر لفظ الباب في هاتين الآيتين بالعُشّ، إلا ما ذكره ابن منظور فقال: «الوكر العش حيثما كان في جبل أو شجر» (٥).
ويتبين من قول ابن منظور أن هذا الوجه صحيح في الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.
стр. 658
الوجه الثامن: الكهوف.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]،
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩].
ولم أقف على من فسر لفظ الباب في هاتين الآيتين بالكهوف، غير ما ذكره الفيومي (١) في المصباح المنير حيث يقول: «الكهف: بيت منقور في الجبل، والجمع كهوف» (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: الخانات (٣).
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩].
وقال به من السلف: محمد بن الحنفية، وقتادة، ومجاهد، والضحاك (٤)، وسعيد بن جبير (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
стр. 659
وللسلف في الآية أقوال أخر:
- بيوت مكة: وقال به محمد الحنفية.
- البيوت الخربة: وقال به عطاء، وزيد بن أسلم (١).
- بيوت التجار: وقال به عائشة (٢)، وابن زيد (٣).
وليس بين أقوال السلف تعارض بل الجميع من قبيل التفسير بالمثال ولذا رجحها بمجموعها ابن جرير.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه التفسير بالمثال.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه التسعة وهي:
الوجه الأول: المنزل المبني. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل.
الوجه الثاني: المسجد. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧]، ومأخذه التفسير بالمقارب لأن المسجد والبيوت كلها مبنية فهذا مبني للعبادة وهذا مبني للسكن والمأوى.
الوجه الثالث: السفينة. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، ومأخذه التفسير بالمقارب لأن السفينة في معنى الآية قاربت البيت من حيث أنها مأوى نوح ﵇ ومن معه بل إنها هي المأمن الوحيد أثناء الطوفان.
стр. 660
الوجه الرابع: الكعبة. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل.
الوجه الخامس: الخيمة. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السادس: السجن. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السابع: العش. ودل عليه قوله تعالى قوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة.
الوجه الثامن: الكهوف. ودل عليه قوله تعالى قوله: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة
الوجه التاسع: الخانات. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، ومأخذه التفسير بالمثال.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الصاحب:
باب الصاحب:
قال ابن الجوزي:
«الصاحب: القرين، والجمع صحب وصحاب وأصحاب. ويقال للسيد: صاحب. وللعبد: صاحب. وللعالم: صاحب. وللمتعلم: صاحب. والأصل فيه الاقتران في المصاحبة (١).
стр. 661
وذكر بعض المفسرين أن الصاحب في القرآن على تسعة أوجه:
أحدها: النَّبِيّ ﷺ -، ومنه قوله تعالى في النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]، وفي التكوير: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢].
والثاني: أبو بكر الصديق ﵁ -، ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [براءة: ٤٠].
والثالث: الوالدان . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١]، أراد أبويه.
والرابع: الأخ . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧].
والخامس: الزوج . ومنه قوله تعالى في عبس: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦].
والسادس: الساكن . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وفيها: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ الأعراف: ٥٠].
والسابع: القوم . ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١].
والثامن: الرقيق: ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦].
والتاسع: الخازن . ومنه قوله تعالى في المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: النَّبِيّ ﷺ .
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢].
стр. 662
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢].
وقال به من السلف: ميمون بن مهران (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثاني: أبو بكر الصديق ﵁.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [براءة: ٤٠].
ويشهد له حديث أبي بكر ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما» (٤).
وقال به من السلف: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعروة بن الزبير، والزهري (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 663
الوجه الثالث: الوالدان.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١].
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والفرَّاء، والزَّجَّاج، السمرقندي، والقرطبي (١).
وأبطل هذا الوجه في الآية ما أخرجه البخاري عن يوسف بن ماهك قال: «كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبُايعُ له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ [الأحقاف: ١٧]، فقالت عائشة من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري» (٢).
قال ابن حجر: «قلت لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسنادا، وأولى بالقبول، وجزم مقاتل في تفسيره أنها نزلت في عبد الرحمن» (٣).
وبهذا يعود هذا المثال عاما في كل من له رفيق يدعوه إلى الهدى؛ ويكون هذا المثال داخلا في الوجه الثامن وهو الرفيق. وهو القول الذي ذكره: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٤).
الوجه الرابع: الأخ.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧].
стр. 664
وقال به من المفسرين: السمرقندي، والماوردي، والرازي، والقرطبي (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الخامس: الزوج.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الصحبة هنا التزويج.
الوجه السادس: الساكن.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وفيها:
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠].
ولم أقف على من فسر لفظ الباب في هاتين الآيتين بالسكن، بل يذكرون أن معنى (أصحاب): أهل؛ وممن قال به: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
وبهذا يكون معنى الوجه في الآيتين صحيحا، ومأخذه تفسير اللفظ بما يقاربه.
الوجه السابع: القوم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. ولم أقف على من فسر لفظ الباب هنا بالقوم، وفسره ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وابن كثير: ببني إسرائيل (٤).
وبهذا يكون معنى الوجه في الآية صحيح، ومأخذه تفسير اللفظ بما يقاربه.
стр. 665
الوجه الثامن: الرقيق.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦].
هكذا وجدت هذا الوجه في النزهة ولعله تصحيف، أو خطأ في النسخ؛ لأمرين:
- أن الحيري (١) والدامغاني (٢) ذكراه بالفاء وليس بالقاف: الرفيق (٣).
- أن أكثر السلف والمفسرين فسروا الآية بالرفيق.
فيكون بهذا الشكل:
الوجه الثامن: الرفيق.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦].
وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد (٤)، وعكرمة وابن زيد (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
وللسلف في الآية قول آخر: وهو أن الصاحب بالجنب: المرأة؛ وقال به منهم: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والنخعي (٧).
стр. 666
وليس بين قولي السلف تعارض بل هو اختلاف تنوع وكل منهم فسر الآية بمثال للصاحب؛ ولذا رجح ابن جرير كلا القولين وجعل الآية عامة في كل صاحب بالجنب.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه التاسع: الخازن.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ثمانية وهي:
الوجه الأول: النَّبِيّ ﷺ . ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثاني: أبو بكر الصديق ﵁. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [براءة: ٤٠]. وشهد له حديث أبي بكر ﵁، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: الأخ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه سبب النزول في بداية القصة.
الوجه الرابع: الزوج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦]، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الصحبة هنا التزويج.
стр. 667
الوجه الخامس: الساكن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وفيها: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ومأخذه تفسير اللفظ بما يقاربه.
الوجه السادس: القوم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، ومأخذه تفسير اللفظ بما يقاربه.
الوجه السابع: الرقيق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وتم التنبيه على تصحيح الوجه، وأنه:
الوجه السابع: الرفيق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثامن: الخازن.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١]، ومأخذه التفسير بالمثال.
وأما الوجه الذي هو: الوالدان. ففي قوله تعالى: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١]، تقدم من قول عائشة ﵂ عند البخاري ما يبطله، وأن الصاحب في الآية عموم الرفيق؛ وعليه يدخل هذا المثال في الوجه السابع.
стр. 668
المبحث الخامس، دراسة الكلمات القرآنية الواردة على عشرة أوجه مرتبة على حروف المعجم . وفيه عشرة مطالب.
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الاتخاذ:
باب الاتخاذ:
قال ابن الجوزي:
«الاتخاذ، والإعداد، والاصطناع يتقارب. والاتخاذ: يقال في الغالب لما يختار، ويرتضى. تقول: اتخذت فلاناً صديقاً (١).
وذكر بعض المفسرين أن الاتخاذ في القرآن على عشرة أوجه:
أحدها: الاختيار . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وفي المؤمنين: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنين: ٩١].
والثاني: الصياغة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
والثالث: السلوك . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١].
стр. 669
والرابع: التسمية . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [براءة: ٣١]، أي: سموهم.
والخامس: النسج . ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١].
والسادس: العبادة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وفي الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣].
والسابع: الجعل . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، وفي الكهف: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦]، وفي المنافقين: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقين: ٢].
الثامن: البناء . ومنه قوله تعالى في التوبة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧]. وفي الكهف: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، وفي الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩].
والتاسع: الرضا . ومنه قوله تعالى في المزمل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
والعاشر: العصر . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الاختيار.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. ولم أقف على من فسر الاتخاذ هنا بالاختيار، وإنما الذي ذكره الشوكاني أن اتخذ على أصلها من معنى جعل وصير إذا
стр. 670
نصبت مفعولين فقال: «أي جعله صفوة له وخصه» (١). وقال السمين الحلبي: «وإذا كان بمعنى التصيير تعدى لمفعولين كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]» (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنين: ٩١].
ولم أقف على من فسر الاتخاذ هنا بالاختيار؛ وإنما وقفت على أصلها من معنى الجعل؛ قال العكبري: «وقد تأتى اتخذت متعدية إلى مفعول واحد، إذا كانت بمعنى جعل وعمل كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدٍ﴾ [البقرة: ١١٦]، وكقولك: اتخذت دارا وثوبا وما أشبه ذلك» (٣).
ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل في المثالين؛ ففي المثال الأول بمعنى الجعل والتصيير وفي الثاني بمعنى الجعل والعمل.
الوجه الثاني: الصياغة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
ويستقيم هذا الوجه إذا أريد بالاتخاذ الجعل الذي هو العمل لا الجعل الذي هو التصيير؛
فإن أريد به العمل فهو بمعنى الصياغة والذي عمله وصاغه السامري؛ قال أبو حيان: «فإن كان الاتخاذ بمعنى جعله إلها، صح نسبته إلى القوم، وإن كان بمعنى العمل فالمتخذ إنما هو السامري» (٤).
ويوحي كلام الشنقيطي بأن الأولى أن تكون بمعنى التصيير مع حذف المفعول الثاني؛ فقال: «وقد قدمنا في سورة البقرة أن جميع آيات اتخاذهم العجل إلها حذف فيها المفعول الثاني في جميع القرآن كما في قوله هنا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾