← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وليس بين قولي السلف تعارض بل هو اختلاف تنوع وكل منهم فسر الآية بمثال للصاحب؛ ولذا رجح ابن جرير كلا القولين وجعل الآية عامة في كل صاحب بالجنب. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه التاسع: الخازن. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه ثمانية وهي: الوجه الأول: النَّبِيّ ﷺ . ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثاني: أبو بكر الصديق ﵁. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [براءة: ٤٠]. وشهد له حديث أبي بكر ﵁، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: الأخ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه سبب النزول في بداية القصة. الوجه الرابع: الزوج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٦]، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الصحبة هنا التزويج.

стр. 667

الوجه الخامس: الساكن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وفيها: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ومأخذه تفسير اللفظ بما يقاربه. الوجه السادس: القوم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، ومأخذه تفسير اللفظ بما يقاربه. الوجه السابع: الرقيق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وتم التنبيه على تصحيح الوجه، وأنه: الوجه السابع: الرفيق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثامن: الخازن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١]، ومأخذه التفسير بالمثال. وأما الوجه الذي هو: الوالدان. ففي قوله تعالى: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ [الأنعام: ٧١]، تقدم من قول عائشة ﵂ عند البخاري ما يبطله، وأن الصاحب في الآية عموم الرفيق؛ وعليه يدخل هذا المثال في الوجه السابع.

стр. 668

المبحث الخامس، دراسة الكلمات القرآنية الواردة على عشرة أوجه مرتبة على حروف المعجم . وفيه عشرة مطالب. المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الاتخاذ: باب الاتخاذ: قال ابن الجوزي: «الاتخاذ، والإعداد، والاصطناع يتقارب. والاتخاذ: يقال في الغالب لما يختار، ويرتضى. تقول: اتخذت فلاناً صديقاً (١). وذكر بعض المفسرين أن الاتخاذ في القرآن على عشرة أوجه: أحدها: الاختيار . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وفي المؤمنين: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنين: ٩١]. والثاني: الصياغة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. والثالث: السلوك . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١].

стр. 669

والرابع: التسمية . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [براءة: ٣١]، أي: سموهم. والخامس: النسج . ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]. والسادس: العبادة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، وفي الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣]. والسابع: الجعل . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]، وفي الكهف: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦]، وفي المنافقين: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقين: ٢]. الثامن: البناء . ومنه قوله تعالى في التوبة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧]. وفي الكهف: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، وفي الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]. والتاسع: الرضا . ومنه قوله تعالى في المزمل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. والعاشر: العصر . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الاختيار. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. ولم أقف على من فسر الاتخاذ هنا بالاختيار، وإنما الذي ذكره الشوكاني أن اتخذ على أصلها من معنى جعل وصير إذا

стр. 670

نصبت مفعولين فقال: «أي جعله صفوة له وخصه» (١). وقال السمين الحلبي: «وإذا كان بمعنى التصيير تعدى لمفعولين كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]» (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنين: ٩١]. ولم أقف على من فسر الاتخاذ هنا بالاختيار؛ وإنما وقفت على أصلها من معنى الجعل؛ قال العكبري: «وقد تأتى اتخذت متعدية إلى مفعول واحد، إذا كانت بمعنى جعل وعمل كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدٍ﴾ [البقرة: ١١٦]، وكقولك: اتخذت دارا وثوبا وما أشبه ذلك» (٣). ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل في المثالين؛ ففي المثال الأول بمعنى الجعل والتصيير وفي الثاني بمعنى الجعل والعمل. الوجه الثاني: الصياغة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. ويستقيم هذا الوجه إذا أريد بالاتخاذ الجعل الذي هو العمل لا الجعل الذي هو التصيير؛ فإن أريد به العمل فهو بمعنى الصياغة والذي عمله وصاغه السامري؛ قال أبو حيان: «فإن كان الاتخاذ بمعنى جعله إلها، صح نسبته إلى القوم، وإن كان بمعنى العمل فالمتخذ إنما هو السامري» (٤). ويوحي كلام الشنقيطي بأن الأولى أن تكون بمعنى التصيير مع حذف المفعول الثاني؛ فقال: «وقد قدمنا في سورة البقرة أن جميع آيات اتخاذهم العجل إلها حذف فيها المفعول الثاني في جميع القرآن كما في قوله هنا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾

стр. 671

[الأعراف: ١٤٨]. أي اتخذوه إلها، وقد قدمنا أن النكتة في حذفه دائما التنبيه على أنه لا ينبغي التلفظ بأن عجلا مصطنعا من جماد إله». (١) ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل والتصيير في المثال. الوجه الثالث: السلوك. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]. ولم أقف على من فسر الاتخاذ بالسلوك هنا؛ وإنما يذكر المفسرون السلوك تفسيرا للسرب (٢)، والذي يدل عليه كلامهم أنها بمعنى جعل وصير؛ قال النَّحَّاس، وأبو السعود، والألوسي، والشوكاني: «انتصاب سربا على أنه المفعول الثاني لاتخذ أي اتخذ سبيلا سربا» (٣). ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل والتصيير في المثال. الوجه الرابع: التسمية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [براءة: ٣١]. ولم أقف على من فسر الاتخاذ بالتسمية هنا؛ والذي يدل عليه كلامهم أنها على أصلها من الجعل؛ قال القرطبي: «قال أهل المعاني جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء» (٤). ويشهد على بقاء معنى التصيير حديث عدي بن حاتم قال أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا

стр. 672

أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾﴾ [براءة: ٣١]، قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه» (١). قال سليمان آل الشيخ: «صرح ﷺ في هذا الحديث بأن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام وهو طاعتهم في خلاف حكم الله ورسوله» (٢). ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل والتصيير في المثال. الوجه الخامس: النسج. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]. ولم أقف على من فسر الاتخاذ بالنسج هنا؛ وهو بمعنى جعل التي هي العمل؛ أي عملت بيتا ويدل عليه قول العكبري المتقدم: «وقد تأتى اتخذت متعدية إلى مفعول واحد، إذا كانت بمعنى جعل وعمل كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، وكقولك: اتخذت دارا وثوبا وما أشبه ذلك» (٣). ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل والعمل في المثال. الوجه السادس: العبادة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣]. ولم أقف على من فسر الآيتين بالعبادة؛ ووقفت على من فسرهما بالجعل؛ قال ابن سيده: «﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، أراد اتخذوه إلها، فحذف الثاني، لأن الاتخاذ

стр. 673

دليل عليه «(١)، وقال الراغب الأصفهاني عن (أخذ):» والاتخاذ افتعال منه، ويعدى إلى مفعولين، ويجري مجرى الجعل نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣]» (٢). ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل والتصيير في المثال. الوجه السابع: الجعل. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنسفي (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦]. قال ابن عثيمين: «اتخذوا: صيروا» (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقين: ٢]. ولم أقف على من فسر الاتخاذ هنا. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني عن (أخذ): «والاتخاذ افتعال منه، ويعدى إلى مفعولين، ويجري مجرى الجعل» (٥)، وقال السمين الحلبي: «وإذا كان بمعنى التصيير تعدى لمفعولين كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]» (٦).

стр. 674

الوجه الثامن: البناء . ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧]. ويصح هذا الوجه إذا أريد بالاتخاذ الجعل الذي هو العمل لا الجعل الذي هو التصيير. فيكون من قولهم: عمل مسجدا؛ أي بناه وعمل ثوبا؛ أي خاطه، وعليه يدل كلام العكبري المتقدم، الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. وقال السمرقندي، والواحدي، وابن عثيمين: «لنجعلن عليهم مسجدا» (١)، وهي جعل بمعنى عمل فيصح فيه الوجه. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول مجاهد: «قصور مشيدة وبنيان مخلدة» (٢). ومن المفسرين: أبو حيان؛ قال: «بمعنى عمل أي يعملون مصانع أي يبتنون» (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم اتخاذ وعمل المصانع البناء. الوجه التاسع: الرضا. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]. لم أقف على من فسر الاتخاذ هنا بالرضا، والذي قال به ابن جرير وابن كثير: «أن معنى الاتخاذ هنا التفويض التام لله تعالى (٤) والإخلاص له» (٥). ويكون هذا الوجه صحيحا من حيث اللزوم لأن من لوازم اتخاذ الله تعالى وكيلا الرضا به وبقدره. الوجه العاشر: العصر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧].

стр. 675

ولم أقف على من فسر الاتخاذ هنا بالعصر والذي يدل عليه قول بعضهم (١) أن الاتخاذ بمعنى التصيير فيدل على العصر لكونه بمعناه، على تقدير: «وتتخذون من ثمرات النخيل سكرا». ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه وذلك لما بين العصر والتصير من التوافق في التحول من شيء لآخر. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أربعة وهي: الوجه الأول: الجعل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: ٩٢]. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقين: ٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني والسمين الحلبي. الوجه الثاني: البناء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم اتخاذ وعمل المصانع البناء. الوجه الثالث: الرضا. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩]، وهذا الوجه صحيح من حيث اللزوم لأن من لوازم اتخاذ الله تعالى وكيلا الرضا به وبقدره. الوجه الرابع: العصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه، وذلك لما بين العصر والتصيير من التوافق في التحول من شيء لآخر.

стр. 676

وأما الوجوه التي هي: - الاختيار - الصياغة - السلوك - النسج - العبادة . ففي قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنين: ٩١]. فلم أقف على من فسر الاتخاذ هنا بالاختيار؛ وإنما وقفت على أصلها من معنى الجعل فهي في المثال الأول بعنى التصيير فنصبت مفعولين وفي الثاني بمعنى الجعل والعمل فنصبت مفعولا. وفي قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. فلم أقف عليه بمعنى الصياغة ودل قول الشنقيطي على كونها على بابها من التصيير. وفي قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]. فلم أقف على من فسر الاتخاذ بالسلوك هنا؛ وإنما يذكر المفسرون السلوك تفسيرا للسرب (١)، والذي يدل عليه كلامهم أنها بمعنى جعل وصير؛ كما قاله النَّحَّاس، وأبو السعود، والألوسي، والشوكاني وفي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [براءة: ٣١]. فلم أقف على من فسر الاتخاذ بالتسمية هنا؛ والذي يدل عليه كلامهم أنها على أصلها من الجعل؛ كما قال القرطبي. وفي قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]. فلم أقف على من فسر الاتخاذ بالنسج هنا؛ وهو بمعنى جعل التي هي العمل؛ أي عملت بيتا ويدل عليه قول العكبري. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر: ٣]، فلم أقف على من فسر الآيتين بالعبادة؛ ووقفت على من فسرهما بالجعل؛ كما قال ابن سيدة: والراغب الأصفهاني. ويتبين مما تقدم بقاء لفظ الاتخاذ على معنى الجعل والتصيير في جميع الأمثلة، ويكون وجها واحد: التصيير.

стр. 677

المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الأذى: باب الأذى قال ابن الجوزي: «الأذى: اسم لما يجدد كراهية قد يحتمل مثلها، وقد لا يحتمل. يقال: آذيت فلاناً، أوذيه، أذية وأذى، الآذيُّ: موج البحر. وإذا: كلمة لمستقبل الزمان. ويقال: بعير أذٍ على فعلٍ، وناقةٌ أَذِيَةٌ: إذا كانت لا تقر في مكان من غير وجع (١). وذكر بعض المفسرين أن الأذى في القرآن على عشرة أوجه: أحدها: العصيان . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. والثاني: المن . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقر ة: ٢٦٣]. والثالث: القمل . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. والرابع: الشدة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: شدة من مطر. والخامس: القذف بالغيب . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. والسادس: شغل القلب . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. والسابع: الشتم . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١].

стр. 678

والثامن: السب . والتعيير. ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وفي سورة النساء: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]. والتاسع: العذاب . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، وفي العنكبوت: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. والعاشر: ما يؤذي الإنسان . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: يؤذي المجامع بنتن ريحه ونجاسته. وقال أبو سليمان الدمشقي: يورث جماع الحائض علة في فرج الرجل مبلغة في الألم. قيل إنها تشقيق يلحق الفرج لا يكاد يخلص منه سريعاً. قلت: وبعض ناقلي التفسير: يقول: إن الأذى في هذا القسم المراد به الحرام» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: العصيان. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، لأن من أمثلة الأذية لله تعالى ولرسوله ﷺ العصيان.

стр. 679

الوجه الثاني: المن. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقر ة: ٢٦٣]. وقال به من السلف: الضحاك، وقتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: القمل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ويشهد له حديث كعب بن عُجْرَةَ ﵁ قال: «حُملتُ إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي؛ فقال: ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا. أما تجد شاة؟ قلت: لا، قال صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، واحلق رأسك فنزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة» (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول. الوجه الرابع: الشدة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢].

стр. 680

ولم أقف على من فسر الأذى بشدة المطر (١)، فيكون الأذى بالمطر بحدود ما يتأذى منه الإنسان في حال الحرب؛ وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه العاشر. الوجه الخامس: القذف بالغيب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده؛ فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدَرُ (٢)؛ فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر؛ ففر الحجر بثوبه فخرج موسى في إثره يقول: ثوبي يا حجر؛ حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى؛ فقالوا: والله ما بموسى من بأس. وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا؛ فقال أبو هريرة والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربا بالحجر» (٣). وقال به من السلف: ابن عباس، وابن زيد، سعيد بن جبير (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي،

стр. 681

وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة. الوجه السادس: شغل القلب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ولم أقف على من خص الأذى بانشغال القلب، والأولى بقاؤه على عموم الأذى فيعود هذا المثال إلى الوجه العاشر. ويشهد لمعنى الأذى حديث أنس بن مالك قال: «تزوج رسول الله ﷺ فدخل بأهله .. جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ فسلم على نسائه، ثم رجع فلما رأوا رسول الله ﷺ قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخي الستر، ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزلت هذه الآية فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى آخر الآية.» (٢). الوجه السابع: الشتم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١].

стр. 682

وقال بمعناه من المفسرين: الزَّجَّاج، والسمرقندي، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وأبو السعود؛ قالوا: طعن وتهديد باللسان (١). والأولى أن يكون هذا الوجه والذي بعده وجها واحدا؛ قال السمرقندي في تفسيره لهذه الآية: «يعني باللسان بالسب وغيره»، وقال ابن كثير في تفسيره لآية النساء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]: «الشتم» فيلاحظ عدم تفريقهم بينهما (٢)، وبهذا يعود هذا المثال للوجه الذي بعده. الوجه الثامن: السب والتعيير. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]. ويشهد له حديث أسامة بن زيد ﵄: «أن رسول الله ﷺ ركب على حمار على قطيفة فَدَكِية (٣)، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة؛ فلما غشيت المجلس عَجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال لا تغبروا علينا فسلم رسول الله ﷺ عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه .. وكان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم

стр. 683

الله ويصبرون على الأذى قال الله : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]». (١) وقال به من السلف: عكرمة، والزهري (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن جبير (٤)، وقتادة، ومجاهد (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الأذى السب والتعيير. الوجه التاسع: العذاب. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول السُّدي: «كانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا» (٧). وتبع السلفَ المفسرون في ذلك ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٨). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]. وقال به من السلف: ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن زيد (٩)، ومجاهد، وعطاء (١٠). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الأذى العذاب. الوجه العاشر: ما يؤذي الإنسان. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢].

стр. 684

واختلف السلف في تحديد المراد بالقذر واتفقوا على أنه ما يؤذي الإنسان؛ ومنهم: ابن عباس، وقتادة، والسُّدي، ومجاهد (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الهمزة والذال والياء أصل واحد، وهو الشيء تتكرَّهُه ولا تَقِرُّ عليه، تقول: آذَيْتُ فلاناً أُوذِيهِ» (٣). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه سبعة وهي: الوجه الأول: العصيان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الأذى العصيان. الوجه الثاني: المن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: القمل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وشهد له حديث كعب بن عُجْرَةَ ﵁، ومأخذه سبب النزول. الوجه الرابع: القذف بالغيب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وشهد له حديث أبي هريرة ﵁، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة. الوجه الخامس: العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الأذى العذاب. الوجه السادس: السب والتعيير. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وشهد

стр. 685

له حديث أسامة بن زيد ﵄، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الأذى السب والتعيير. الوجه السابع: ما يؤذي الإنسان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. وأما الوجوه التي هي: - الشدة . ففي قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، تقدم أنني لم أقف على من فسر الأذى بشدة المطر، وأن الأذى بالمطر بحدود ما يتأذى منه الإنسان في حال الحرب؛ وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه العاشر. - شغل القلب . ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. تقدم أنني لم أقف على من فسر الأذى بشغل القلب، والأولى بقاؤه على عموم الأذى فيعود هذا المثال إلى الوجه العاشر، وشهد له حديث أنس بن مالك. - الشتم . ففي قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]. وتقدم التدليل من أقوال المفسرين على دخول الشتم في السب والتعبير فيدخل فيه. المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الأهل . باب الأهل: قال ابن الجوزي: «الأهل في عموم التعارف: الأقارب من العصبة وذوي الأرحام، لأنه يجمعهم النسب والتناصر. ثم يستعار في مواضع تدل عليها القرينة. ويقال: منزل آهل إذا كان به أهله. وأهل فلان، يأهل ويأهل أهولاً: إذا تزوج. والإهالة: للودك المذاب. وأستأهل الرجل: أكلها (١).

стр. 686

وذكر بعض المفسرين أن الأهل في القرآن على عشرة أوجه: أحدها: ساكنو القرى . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٧]، وفي براءة: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]. والثاني: قراء الكتب . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ومثله كثير. والثالث: الأرباب . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وفيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. والرابع: الزوجة . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]. والخامس: الأولاد . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠]. والسادس: الدين . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]. والسابع: الأمة . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. والثامن: القوم والعشيرة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. والتاسع: المستعدون للشيء . ومنه قوله تعالى في الفتح: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]. والعاشر: المستحق . ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]. فسره النبي ﷺ قال: يقول اللَّه تعالى: " أنا أهل أن أتقى أن يجعل معي إله آخر وأنا أهل لمن لم يجعل معي إلهاً آخر أن أغفر له". معناه أنا المستحق لذلك» (١).

стр. 687

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: ساكنوا القرى. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٧]. وقال به من السلف: مالك بن دينار (١). ومن المفسرين: البغوي، والقرطبي، والبيضاوي، والشوكاني (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]. وقال به من السلف: ابن زيد (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني؛ وهو القرى في الأولى، والمدينة في الثانية، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «وأهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد». (٥) الوجه الثاني: قراء الكتب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].

стр. 688

ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ ومنهم: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير؛ قالوا: أهل الكتاب من اليهود والنصارى (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ وهو الكتاب، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «وأهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد» (٢). الوجه الثالث: الأرباب. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال به من السلف: مقاتل بن حيان (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه لأن أهل الشيء ملاكه (٦) فلما ملكوه صاروا قريبين قرب أهله منه.

стр. 689

الوجه الرابع: الزوجة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدن، أحدهما أَلاهْل. قال الخليل: أهل الرجل زَوْجُه، وَالتأهُّل التَّزَوّج» (٢). الوجه الخامس: الأولاد. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠]. وقال به من السلف: ابن جريج، والضحاك، وقتادة (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السادس: الدين. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والضحاك (٥).

стр. 690

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وَأهل الإسلام مَن يَدِينُ به» (٢). الوجه السابع: الأمة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]. وقال به من المفسرين: القرطبي، وأبو حيان، وأبو السعود، والشوكاني (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه لأن الأمة قربت من النبي ﷺ قرب الأهل في الأمر بالصلاة، وقد يصح أن يقال: إن المراد أهل الرجل خاصة، وهم داخلون في عموم الأمة. الوجه الثامن: القوم والعشيرة. ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، وابن عباس، والسُّدي، وقتادة (٤)، وسعيد بن جبير (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 691

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «وأهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد» (١). الوجه التاسع: المستعدون للشيء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]. لم أقف على من فسر الأهل هنا بالمستعدين للشيء، بل الذي يذكرونه صريح في الوجه الذي بعده، وهو الأحق؛ قال قتادة: «وكان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها» (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وبهذا يعود هذا المثال للوجه الذي بعده. الوجه العاشر: المستحق. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]. فسره النبي ﷺ قال: يقول اللَّه تعالى: " أنا أهل أن أتقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له. معناه أنا المستحق لذلك» (٤). وقال به من السلف: قتادة (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان،

стр. 692

وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الآية، ومأخذه السياق القرآني. نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه تسعة وهي: الوجه الأول: ساكنو القرى. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة. الوجه الثاني: قراء الكتب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ومأخذه السياق القرآني؛ وهو الكتاب، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة. الوجه الثالث: الأرباب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه. الوجه الرابع: الزوجة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الخامس: الأولاد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السادس: الدين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.

стр. 693

الوجه السابع: الأمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه. الوجه الثامن: القوم والعشيرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني. الوجه التاسع: المستحق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، وتقدم الحكم على الحديث الذي ذكره ابن الجوزي وأنه لا يثبت، وأن الوجه صحيح، ومأخذه السياق القرآني. وأما الوجه الذي هو: المستعدون للشيء . ففي قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]. تقدم أنني لم أقف على من فسر الأهل هنا بالمستعدين للشيء، بل الذي يذكرونه صريح في الوجه الذي هو المستحق، وبهذا يعود هذا المثال للوجه الذي بعده. المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الثقل: باب الثقل: قال ابن الجوزي: «الأصل في الثقل: الرزانة. وضده: الخفة. والثقلان: الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقل للأرض، إذ كانت تحملهم أحياء وأمواتاً. قالت الخنساء ترثي أخاها: أَبَعْدَ ابنِ عَمْرو من آل الشّرِيـ ... ـدِ حَلَّتْ به الأَرْضُ أَثْقالَها (١) وتعني بقولها حلت: من التحلية، أي: زانت به موتاها. ويقال: ارتحل القوم بثقلهم وثقلتهم، أي: بأمتعتهم كلها (٢).

стр. 694

وذكر بعض المفسرين أن الثقل في القرآن على عشرة أوجه: أحدها: الرزانة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، وفيها: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. والثاني: الزاد والمتاع ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]. والثالث: الكنوز ومنه قوله تعالى في الزلزلة: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]، أي: كنوزها. وقال ابن قتيبة: موتاها (١). والرابع: الشدة ، ومنه قوله تعالى في هل أتى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]. والخامس: الرجحان ، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، وفي القارعة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦]. والسادس: الأوزار ، ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. والسابع: الركون إلى الدنيا ، ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. والثامن: الشيوخ ، ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، أراد شباناً وشيوخاً. والتاسع: عظيم القدر ، ومنه قوله تعالى في المزمل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. والعاشر: العالَم ، ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، أراد عالم الإنس وعالم الجن» (٢).

стр. 695

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الرزانة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. وقال به من السلف: السُّدي (٢). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الثاء والقاف واللام أصلٌ واحدٌ يتفرّع منه كلماتٌ متقاربة، وهو ضِدّ الخِفّة» (٤)، وقال في معنى الرزانة: «يقولون رَزُنَ الشَّيءُ: ثَقُل» (٥). الوجه الثاني: الزاد والمتاع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ويقال ارتحل القَومْ بثَقَلتهم، أي بأمتعتهم» (٧). الوجه الثالث: الكنوز. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، والشنقيطي (٨). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وَأثقال الأرض كنوزُها، في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]» (٩). الوجه الرابع: الشدة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]. وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١٠). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم ثقل ذلك اليوم شدته.

стр. 696

الوجه الخامس: الرجحان. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]. وقال به من السلف: عمرو بن دينار (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: الأوزار. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. وقال به من السلف: قتادة، وابن زيد (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،

стр. 697

والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الثقل يوم القيامة الأوزار. الوجه السابع: الركون إلى الدنيا. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول مجاهد: «أُمروا بالنفر في الصيف حين خرفت النخل، وطابت الثمار، واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج» (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الثقل الركون إلى الدنيا. الوجه الثامن: الشيوخ. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. وقال به من السلف: الحسن، والمغيرة بن النعمان (٤)، وأبو صالح، وعكرمة، والضحاك، ومقاتل بن حيان (٥).

стр. 698

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه التاسع: عظيم القدر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. ويشهد له حديث عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ ، كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جِرَانها (٢) فلم تستطع أن تتحرك، وتلت قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]» (٣). ومعنى تفسير السلف يدل عليه؛ كقول الحسن، وقتادة: «ثقيل العمل به»، وقول ابن زيد: «ثقيل محمله» (٤). وتبع المفسرون السلف في هذا ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذ تفسير الشيء بسببه فمن أسباب ثقل القرآن عظمة قدره. الوجه العاشر: العالَم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١].

стр. 699

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الثاء والقاف واللام أصلٌ واحدٌ يتفرّع منه كلماتٌ متقاربة، وهو ضِدّ الخِفّة، ولذلك سُمِّي الجنُّ والإنس الثَّقَلَيْن، لكثرة العدد» (٢). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه العشرة، وهي: الوجه الأول: الرزانة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثاني: الزاد والمتاع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الثالث: الكنوز. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة كما قال ابن فارس. الوجه الرابع: الشدة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم ثقل ذلك اليوم شدته. الوجه الخامس: الرجحان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: الأوزار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الثقل يوم القيامة الأوزار.

стр. 700

الوجه السابع: الركون إلى الدنيا. ودل عليه قوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الثقل الركون إلى الدنيا. الوجه الثامن: الشيوخ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]،، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه التاسع: عظيم القدر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وشهد له حديث عائشة ﵂، ومأخذ تفسير الشيء بسببه فمن أسباب ثقل القرآن عظمة قدره. الوجه العاشر: العالَم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. المطلب الخامس: دراسة وجوه كلمة الرزق: باب الرزق: قال ابن الجوزي: «والرزق: العطاء، وجمعه أرزاق. وارتزق الجند: أخذوا أرزاقهم. والرَّزْقة المرة الواحدة (١). وذكر أهل التفسير أن الرزق في القرآن على عشرة أوجه: أحدهما: العطاء . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وفيها: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. والثاني: الطعام . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ أي: أطعموا. ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]، أي: أطعمنا. والثالث: الغداء والعشاء . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. والرابع: المطر . ومنه قوله تعالى في الجاثية: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥]، في الذاريات: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢].

стр. 701

والخامس: النفقة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. والسادس: الفاكهة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]. والسابع: الثواب . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفي حم المؤمن: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. وفي الطلاق: ﴿أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]. والثامن: الجنة . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، قاله مقاتل (١). والتاسع: الحرث والأنعام . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]. والعاشر: الشكر . ومنه قوله تعالى في الواقعة: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. قال ابن السكيت: الرزق بلغة أزدشنوءة (٢) الشكر، ومنه في هذه الآية. وتقول رزقني فلان، أي: شكرني» (٣). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: العطاء. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]. وقال به من السلف: قتادة (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو

стр. 702

حيان، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقال به من السلف: ابن جريج (٢). ومن المفسرين: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «أُصَيْلٌ واحدٌ يدلُّ على عَطاءٍ لوَقت، ثم يُحمَل عليه غير الموقوت. فالرّزْق: عَطاء الله جلَّ ثناؤُه، ويقال رَزَقه الله رَزْقاً» (٤). الوجه الثاني: الطعام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وناس من أصحاب النبي ﷺ ، والسُّدي، وعلي بن زيد (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: الغداء والعشاء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].

стр. 703

وقال به من السلف: قتادة (١)، ومجاهد، والحسن (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: المطر. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥]. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]. وقال به من السلف: الضحاك، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري، والحسن، ومجاهد (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الخامس: النفقة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣].

стр. 704

وقال به من السلف: الحسن، وسفيان الثوري (١)، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، وقتادة (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الرزق الإنفاق. الوجه السادس: الفاكهة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٢٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعطية العوفي، والحسن، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، والسُّدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السابع: الثواب. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،

стр. 705

والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١)؛ أشاروا إلى أن الرزق هو نعيم الجنة. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «لا والله ما هناكم مكيال ولاميزان ولا حساب» (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن كثير (٣). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤) أشاروا إلى أن الرزق هو نعيم الجنة. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثامن: الجنة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. وقال به من السلف: السُّدي (٥). ومن المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والبغوي (٦). وفي الحقيقة ليس بين هذا الوجه والذي قبله فرق؛ والأولى دخول هذا المثال في الذي قبله، حيث لم يفرق المفسرون بين الثواب وبين الجنة بل هما متلازمان؛ قال ابن جرير في تفسيره لهذه الآية
следующие страницы →