والخامس: النفقة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
والسادس: الفاكهة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧].
والسابع: الثواب . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفي حم المؤمن: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. وفي الطلاق: ﴿أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١].
والثامن: الجنة . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]، قاله مقاتل (١).
والتاسع: الحرث والأنعام . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩].
والعاشر: الشكر . ومنه قوله تعالى في الواقعة: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
قال ابن السكيت: الرزق بلغة أزدشنوءة (٢) الشكر، ومنه في هذه الآية. وتقول رزقني فلان، أي: شكرني» (٣).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: العطاء.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
وقال به من السلف: قتادة (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو
стр. 702
حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
وقال به من السلف: ابن جريج (٢).
ومن المفسرين: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «أُصَيْلٌ واحدٌ يدلُّ على عَطاءٍ لوَقت، ثم يُحمَل عليه غير الموقوت. فالرّزْق: عَطاء الله جلَّ ثناؤُه، ويقال رَزَقه الله رَزْقاً» (٤).
الوجه الثاني: الطعام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥].
وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وناس من أصحاب النبي ﷺ ، والسُّدي، وعلي بن زيد (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: الغداء والعشاء.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].
стр. 703
وقال به من السلف: قتادة (١)، ومجاهد، والحسن (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: المطر.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥].
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢].
وقال به من السلف: الضحاك، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري، والحسن، ومجاهد (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الخامس: النفقة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
стр. 704
وقال به من السلف: الحسن، وسفيان الثوري (١)، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، وقتادة (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم، صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الرزق الإنفاق.
الوجه السادس: الفاكهة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٢٧].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعطية العوفي، والحسن، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، والسُّدي (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السابع: الثواب.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،
стр. 705
والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١)؛ أشاروا إلى أن الرزق هو نعيم الجنة.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «لا والله ما هناكم مكيال ولاميزان ولا حساب» (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن كثير (٣).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١].
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤) أشاروا إلى أن الرزق هو نعيم الجنة.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثامن: الجنة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
وقال به من السلف: السُّدي (٥).
ومن المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والبغوي (٦).
وفي الحقيقة ليس بين هذا الوجه والذي قبله فرق؛ والأولى دخول هذا المثال في الذي قبله، حيث لم يفرق المفسرون بين الثواب وبين الجنة بل هما متلازمان؛ قال ابن جرير في تفسيره لهذه الآية
стр. 706
: «يرزقك في الآخرة، وهو ثوابه إياه»، وقال الزَّمخشري: «وهو ما ادخره له من ثواب الآخرة» (١).
وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الذي قبله.
الوجه التاسع: الحرث والأنعام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩].
وقال به من السلف: عبد الله بن مسعود، ومجاهد، والضحاك (٢).
ومن المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه العاشر: الشكر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].
وقال به من السلف: علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعطاء، والحسن، والضحاك (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والرّزْق بلغة أزْدِشُنوءَة: الشُّكر، من قوله جلّ ثناؤه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
стр. 707
[الواقعة: ٨٢]، وفعلتُ ذلك لمَّا رزَقْتَنِي، أي لمَّا شكَرْتَنِي» (١).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه تسعة وهي:
الوجه الأول: العطاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: الطعام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: الغذاء والعشاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الرابع: المطر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الخامس: النفقة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الرزق الإنفاق.
الوجه السادس: الفاكهة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٢٧]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السابع: الثواب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثامن: الحرث والأنعام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩]، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 708
الوجه التاسع: الشكر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
وأما الوجه الذي هو: - الجنة . ففي قوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. تقدم ذكر من قال به من السلف والمفسرين وأن ليس بينه وبين القول بالثواب فرق بل هما متلازمان وتم نقل كلام المفسرين في هذا، وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الذي قبله
المطلب السادس: دراسة وجوه كلمة الصلاة:
باب الصلاة:
قال ابن الجوزي:
الصلاة في اللغة: الدعاء. وأنشدوا من ذلك للأعشى:
تقول بِنْتِي وقد قرَّبتُ مُرْتَحَلاً يا ربّ ... جنّبْ أبي الأوصابَ والوَجَعا
عليكِ مثلُ الذي صَلَّيتِ فاغتَمِضِي ... يومًا فإنَّ لجَنْبِ المرءٍ مُضطجَعا (١)
وقد ذهب قوم إلى الصلاة الشرعية إنما سميت صلاة لما فيها من الدعاء. وقال آخرون سميت صلاة لما فيها من الركوع والسجود الذي يكون برفع الصلا.
قال ابن فارس: والصَّلا مغرز الذنب من الفرس قال: ويقال إنها من: صليت العود إذا لينته لأن المصلي يلين ويخشع (٢).
وذكر أهل التفسير أن الصلاة في القرآن على عشرة أوجه:
أحدها: الصلاة الشرعية . ومنه قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وكذلك كل صلاة مقترنة بالزكاة.
والثاني: المغفرة . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فصلاة اللَّه تعالى المغفرة. وفيها: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣].
стр. 709
والثالث: الاستغفار . ومنه صلاة الملائكة المذكورة في هاتين الآيتين اللتين في الأحزاب. وصلاة الملائكة الاستغفار.
الرابع: الدعاء . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [براءة: ١٠٣].
والخامس: القراءة . ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].
والسادس: الدين . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧].
والسابع: موضع الصلاة . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠].
والثامن: صلاة الجمعة . ومنه قوله تعالى في الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
والتاسع: صلاة العصر . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
والعاشر: صلاة الجنازة . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [براءة: ٨٤]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الصلاة الشرعية.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥].
وقال به من السلف: مجاهد، والزهري (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي،
стр. 710
وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني وهو الإقامة قبله، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «والصلاة هي التي جاء بها الشَّرع، من الركوع والسُّجود وسائرِ حدود الصلاة» (٢).
الوجه الثاني: المغفرة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «إن الله يرحم النبي والملائكة يدعون له» (٣).
وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال به من السلف: سعيد بن جبير (٥).
وقال بمعناه من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦)؛ أكثرهم قال في تفسير صلاة الله تعالى على عباده بالرحمة.
стр. 711
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «أمَّا الصَّلاة من الله تعالى فالرَّحمة» (١). وقال ابن قتيبة: «والصلاة من الله: الرحمة والمغفرة» (٢).
الوجه الثالث: الاستغفار.
ومنه صلاة الملائكة المذكورة في هاتين الآيتين اللتين في الأحزاب. وصلاة الملائكة الاستغفار.
هكذا ذكر هذا الوجه ومراده أن الصلاة من الله تعالى هي المغفرة والرحمة وتقدمت في الوجه السابق، وأما الصلاة من الملائكة فهي استغفارهم ودعاؤهم للمؤمنين وهو مراده هنا:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «إن الله يرحم النبي والملائكة يدعون له» (٣).
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال به من السلف: سعيد بن جبير، وأبو العالية (٥).
وقال بمعناه من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،
стр. 712
والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١)؛ أكثرهم قال في تفسير صلاة الملائكة أنها الدعاء والاستغفار.
وهذان المثالان داخلان في الوجه بعدهما إذا ليس فرق بين الاستغفار والدعاء.
الوجه الرابع: الدعاء.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [براءة: ١٠٣].
وقال به من السلف: سعيد بن جبير وقتادة، والضحاك (٢)، والسُّدي (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وأما الثاني: فالصلاةُ وهي الدُّعاء» (٥).
الوجه الخامس: القراءة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].
ويشهد له حديث بن عباس في قوله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، قال نزلت ورسول الله ﷺ متوار بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه ﷺ :
стр. 713
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾؛ فيسمع المشركون قراءتك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، عن أصحابك، أسمعهم القرآن، ولا تجهر ذلك الجهر .. » (١).
وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين (٢)، وعطاء، وقتادة (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
وللسلف في الآية قول آخر: وهو الدعاء. وقال به منهم: عائشة، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير (٥).
وليس بين قولي السلف تعارض بل هما متلازمان في الصلاة لاشتمالها على الدعاء والقراءة.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول.
الوجه السادس: الدين.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧].
وقال به من السلف: عطاء بن أبي رباح (٦).
ومن المفسرين: الواحدي، وابن الجوزي، والفخر الرازي (٧).
стр. 714
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم الصلاة الدين، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن قتيبة: «والصلاة الدين، قال تعالى حكاية عن قوم شعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧]» (١).
الوجه السابع: موضع الصلاة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠].
وقال به من السلف: مجاهد، وابن زيد (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
وللسلف في الآية قول آخر:
أن الصلوات هي الكنائس، وقال به ابن عباس، والضحاك، وقتادة.
وليس بين أقوال السلف تعارض بل كلها أمثلة لأماكن العبادة ذكروها؛ قال ابن عطية:
«والأظهر أنه قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات» (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: صلاة الجمعة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
стр. 715
وقال به من السلف: سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، وابن زيد (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: صلاة العصر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦].
ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا؛ فإن أعطاه ما يريد وفَّى له وإلا لم يف له، ورجل ساوم رجلا بسلعة بعد العصر؛ فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها» (٣).
وقال به من السلف: الشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، وقتادة (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي ونسبه للجمهور، والزَّمخشري، وابن عطية ونسبه للجمهور، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه فعل النبي ﷺ وقوله؛ قال أبو حيان: «وكذا فعل رسول الله ﷺ فقد استحلف عديا وتميما بعد العصر عند المنبر .. ورجح هذا القول بفعله ﷺ وقوله» (٦).
стр. 716
الوجه العاشر: صلاة الجنازة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [براءة: ٨٤].
ويشهد له عمر بن الخطاب ﵁: أنه قال لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دُعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه؛ فلما قام رسول الله ﷺ وثبتُّ إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على بن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟؛ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أخر عني يا عمر، فلما أكثرت عليه، قال: إني خيرت فاخترت؛ لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [براءة: ٨٤]. إلى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [براءة: ٨٤]، قال: فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ والله ورسوله أعلم» (١).
وقال به من السلف: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وقتادة (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول.
стр. 717
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه تسعة وهي:
الوجه الأول: الصلاة الشرعية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥]، ومأخذه السياق القرآني وهو الإقامة قبله، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: المغفرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثالث: الدعاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [براءة: ١٠٣]، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الرابع: القراءة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠].وشهد له حديث ابن عباس، ومأخذه سبب النزول.
الوجه الخامس: الدين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧]، ومأخذه التفسير باللازم.
الوجه السادس: موضع الصلاة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: ٤٠]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: صلاة الجمعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: صلاة العصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وشهد له حديث أبي هريرة ﵁، ومأخذه فعل النبي ﷺ وقوله؛ كما قال أبو حيان.
الوجه التاسع: صلاة الجنازة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [براءة: ٨٤].وشهد له عمر بن الخطاب ﵁، ومأخذه سبب النزول.
وأما الوجه الذي هو: - الاستغفار . ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ
стр. 718
الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فقد تقدمت الإشارة إلى أن المفسرين لم يفرقوا بين الدعاء والاستغفار فيعود هذان المثالان إلى الدعاء.
المطلب السابع: دراسة وجوه كلمة العذاب:
باب العذاب:
قال ابن الجوزي:
«العذاب: اسم لما استمر ألمه. ويقال: ماء عذب: إذا استمر سائغاً للشراب. وأعذب القوم: إذا شربوا ماء عذباً. والذي يطلب لهم الماء العذب معذب وقد عذب الماء عذوبة، واستعذب القوم ماءهم. وعذبة السوط: طرفه. وعذبة الميزان: الخيط الذي يرفع به. والعذيب: ماء لتميم. وعاذب: مكان قال ابن فارس: وأصل العذاب في كلام العرب: الضرب (١).
وذكر أهل التفسير أن العذاب في القرآن على عشرة أوجه:
أحدها: الحد في الزنى . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وفي النور: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وفيها: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨].
والثاني: المسخ . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، أراد: مسخهم قروداً أو خنازير.
والثالث: هلاك المال . ومنه قوله تعالى في نون والقلم: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [القلم: ٣٣].
والرابع: الغرق . ومنه قوله تعالى في نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١].
стр. 719
والخامس: القذف والخسف . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥].
والسادس: الجوع . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنين: ٦٤]، وفيها: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنين: ٧٧]، وفي الدخان: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢].
والسابع: القتل . ومنه قوله تعالى في الحشر: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣]، وفي سجدة لقمان: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [لقمان: ٢١]، وقيل هو القتل ببدر.
والثامن: الضرب المؤلم . ومنه قوله تعالى في يس: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨].
والتاسع: نتف الريش . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١].
والعاشر: تعب الخدمة . ومنه قوله تعالى في سبأ: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الحد في الزنى.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٢)، وسعيد بن جبير، والسُّدي، ومقاتل بن حيان (٣).
стр. 720
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨].
ويشهد له حديث ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك. فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي ﷺ يقول البينة وإلا حد في ظهرك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق؛ فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]؛ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، فانصرف النبي ﷺ فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبة قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت ... الحديث» (٣).
وقال به من السلف: سعيد بن جبير (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه السياق القرآني في الأمثلة الثلاثة، ويزيد المثال الثالث بمأخذ وهو سبب النزول.
стр. 721
الوجه الثاني: المسخ.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وعكرمة (١)، وقتادة (٢).
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والسمعاني، والزَّمخشري (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ لأنه تعالى ذكر في الآية التي بعدها المسخ. فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
الوجه الثالث: هلاك المال.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [القلم: ٣٣].
وقال به من السلف: ابن زيد (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني لأنه تقدم ذكر الجنة، ثم أشار إلى الطائف عليه باسم الإشارة.
стр. 722
الوجه الرابع: الغرق.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١].
وقال به من السلف: محمد بن السائب الكلبي (١).
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، وابن جرير، والسمرقندي، والنسفي، والفخر الرازي (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الخامس: القذف والخسف.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الأنعام: ٦٥].
ويشهد له حديث جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ أعوذ بوجهك فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، فقال النبي ﷺ : هذا أيسر» (٣)
وقال به من السلف: السُّدي، وغزوان الغفاري، ومجاهد، وابن زيد (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 723
الوجه السادس: الجوع.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنين: ٦٤].
وشهد له أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف» (١).
وقال به من السلف: الضحاك (٢).
ومن المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنين: ٧٧].
وقال به من السلف: مجاهد (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٥).
وللسلف في الآية قول آخر: أن العذاب ما وقع بهم يوم بدر، وقال به ابن عباس وابن جريج (٦). وليس بين قولي السلف تعارض بل القولين من قبيل التمثيل على العذاب.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢].
ويشهد له حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم؛ إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [الزمر: ٨٦]. إن قريشا لما غلبوا النبي ﷺ واستعصوا عليه قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف؛ فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع
стр. 724
قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]؛ فقيل له إن كشفنا عنهم عادوا فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر .. ». (١)
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السابع: القتل.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣].
وقال به من السلف: ابن عباس، والزهري، ويزيد بن رومان (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [لقمان: ٢١].
وقال به من السلف: ابن مسعود، والحسن، والحارث بن نوفل، ومجاهد (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 725
الوجه الثامن: الضرب المؤلم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «عذاب موجع».
وقال به من المفسرين: الفخر الرازي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «العَذاب، يقال منه: عذَّب تعذيبًا، وناسٌ يقولون: أصل العَذاب الضَّرب» (٢).
الوجه التاسع: نتف الريش.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ويزيد بن رومان (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 726
الوجه لعاشر: تعب الخدمة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معي الآية، ومأخذه السياق القرآني.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه العشرة وهي:
الوجه الأول: الحد في الزنى. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨].
وشهد له حديث ابن عباس، ومأخذه السياق القرآني في الأمثلة الثلاثة، ويزيد المثال الثالث بمأخذ وهو سبب النزول.
الوجه الثاني: المسخ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، ومأخذه السياق القرآني؛ لأنه تعالى ذكر في الآية بعدها المسخ تصريحا.
الوجه الثالث: هلاك المال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [القلم: ٣٣]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: الغرق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١]، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 727
الوجه الخامس: القذف والخسف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، وشهد له حديث جابر بن عبدالله، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السادس: الجوع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنين: ٦٤]، وشهد له أبي هريرة، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [المؤمنين: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]. وشهد له حديث عبد الله بن مسعود ﵁، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السابع: القتل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر: ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [لقمان: ٢١]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثامن: الضرب المؤلم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه التاسع: نتف الريش. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه لعاشر: تعب الخدمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]، ومأخذه السياق القرآني.
стр. 728
المطلب الثامن: دراسة وجوه كلمة الغيب:
باب الغيب:
قال ابن الجوزي:
«الغيب: ما غاب عنك. يقال: غابت الشمس مغيباً. وغابت المرأة، فهي مغيبة، إذا غاب بعلها. وفي الحديث: " لا تدخلوا على المغيبات " (١). ويقال: وقعنا في غيبة وغيابة، أي: في هبطةٍ من الأرض. والغابة: الأجمة (٢).
وذكر بعض المفسرين أن الغيب في القرآن على أحد عشر وجهاً:
أحدها: اللَّه . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣].
والثاني: الوحي . ومنه قوله تعالى في التكوير: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤].
والثالث: حوادث القدر . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والرابع: الظن . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، وفي سبأ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٥٣].
والخامس: المطر . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩].
والسادس: موت سليمان ﵇ ، ومنه قوله تعالى في سبأ: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ [سبأ: ١٤].
والسابع: اللوح المحفوظ . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]، وفي الطور:
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ [الطور: ٤١].
والثامن: حال الغيبة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: لما غابت عنه الأزواج من مالهم ومن أنفسهن. وفي يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢].
_________
стр. 729
والتاسع: وقت نزول العذاب . ومنه قوله تعالى في الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦].
والعاشر: القعر . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]، أي: في قعره» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: اللَّه .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣].
وقال به من السلف: عطاء بن أبي رباح (٢).
ومن المفسرين: البغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن الآية عامة في كل غيب ومن الإيمانِ بالغيب الإيمانُ بالله تعالى؛ قال ابن عثيمين: «أي يقرون بما غاب عنهم مما أخبر الله به عن نفسه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وغير ذلك مما أخبر الله به من أمور الغيب؛ وعلى هذا فـ (الغيب) مصدر بمعنى اسم الفاعل: أي بمعنى: غائب» (٤).
الوجه الثاني: الوحي.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤].
وقال به من السلف: قتادة، وسفيان الثوري، وابن زيد، وزر بن حبيش (٥).
стр. 730
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: حوادث القدر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «لعلمت إذا اشتريت شيئا أربح فيه، فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه، ولا يصيبني الفقر» (٢).
وقال ابن جريج: «قال أعلم الغيب متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح».
وقال ابن زيد: «قال لاجتنبت ما يكون من الشر واتقيته» (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «من ذلك الغَيْب: ما غَابَ، ممّا لا يعلمه إلا الله» (٥).
الوجه الرابع: الظن.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢].
وقال به من السلف: قتادة (٦).
стр. 731
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٥٣].
وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ومما يؤكد صحة هذا الوجه في معنى الآيتين أن الزَّمخشري ذكر آية سبأ تفسيرا لآية الكهف، وابن كثير ذكر آية الكهف تفسيرا لآية سبأ فكلٌ منهما فسر آيتي الوجه من قبيل تفسير القرآن بالقرآن.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: المطر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩].
ويشهد له حديث سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتح الغيب خمس: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ [لقمان: ٣٤]» (٤) وقال به من المفسرين: النَّحاس، والبغوي، والزمخشري، وابن عطية (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير النبي ﷺ ، وهو تفسير بجزء المعنى.
стр. 732
الوجه السادس: موت سليمان ﵇.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ [سبأ: ١٤].
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: اللوح المحفوظ.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨].
وقال به من السلف: ابن عباس (٢).
ومن المفسرين: السمرقندي، والبغوي، وابن الجوزي، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ [الطور: ٤١].
وقال به من السلف: ابن عباس (٤).
ومن المفسرين: السمرقندي، والبغوي، والومخشري، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الغيب اللوح المحفوظ.
стр. 733
الوجه الثامن: حال الغيبة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤].
وقال به من السلف: قتادة، والسُّدي، وعطاء، وسفيان الثوري (١)، ومقاتل بن حيان (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢].
وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة، وأبو صالح، والضحاك (٤)، والسُّدي، وابن إسحاق (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «أصلٌ صحيح يدلُّ على تستُّر الشيء عن العُيون» (٧).
стр. 734
الوجه التاسع: وقت نزول العذاب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن:
٢٦].
وقال به من المفسرين: السمرقندي، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني؛ قال تعالى قبيل هذه الآية: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٥ - ٢٦].
الوجه العاشر: القعر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «الركية» (٢)، وقول قتادة:
«أسفله» (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب غياب يوسف قعر البئر.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه العشرة وهي:
الوجه الأول: اللَّه . ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، ومأخذه السياق القرآني.
стр. 735
الوجه الثاني: الوحي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [التكوير: ٢٤]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: حوادث القدر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الرابع: الظن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٥٣]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: المطر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وشهد له سالم بن عبد الله بن عمر، ومأخذه تفسير النبي ﷺ .
الوجه السادس: موت سليمان ﵇. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ [سبأ: ١٤]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ [الطور: ٤١]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الغيب اللوح المحفوظ.
الوجه الثامن: حال الغيبة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢]، وماخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فار س.
الوجه التاسع: وقت نزول العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه العاشر: القعر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب غياب يوسف قعر البئر.
стр. 736
المطلب التاسع: دراسة وجوه كلمة القرب:
باب القرب:
قال ابن الجوزي:
«الأصل في القرب: أنه الدنو من المسافة. وضده: البعد. والقربان: ما قرب إلى اللَّه تعالى. وقربان الملك وقرابينه وزراؤه. وأقربت الشاة دنا نتاجها. ولا يقال: للناقة: أقربت.
قال ابن السكيت: ثوب مقارب، ولا يقال مقارب إذا لم يكن جيداً (١).
وقال غيره: ثوب مقارب - بكسر الراء - ليس بجيد - وبفتحها - رخيص. والقارب. سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية، تستخف لحوائجهم. والقارب: الطالب للماء ليلاً.
وحكى ابن فارس عن بعض اللغويين: أنه لا يقال ذلك لطالب الماء نهاراً (٢).
وذكر بعض المفسرين أن القرب في القرآن على عشرة أوجه:
أحدها: الجماع . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
والثاني: الإجابة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] أي مجيب، وفي سبأ: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].
والثالث: قرب الزمان . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، أي: دان. وفي الأنبياء: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، وفيها: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧].
والرابع: الأصوب . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤].
والخامس: اللين . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢].
والسادس: القرابة . ومنه قوله تعالى في عسق: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وفي البلد: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥].
والسابع: ما قبل معاينة الملك . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧].
стр. 737
والثامن: الأكل . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥].
والتاسع: الدخول في الصلاة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣].
والعاشر: المجاورة . ومنه قوله تعالى في الرعد: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، أي: تجاورهم» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الجماع.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وشهد له حديث أنس: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبيَّ ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .. إلى آخر الآية .. فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح؛ فبلغ ذلك اليهود؛ فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما؛ فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ؛ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما» (٢).
وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون مأخذه سبب النزول.
стр. 738
الوجه الثاني: الإجابة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويشهد للمثالين حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أو قال: لما توجه رسول الله ﷺ أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير؛ الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛ فقال: رسول الله ﷺ أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم .. » (٣).
تنبيه:
مع صحة هذا الوجه في معنى الآيتين لأن من لازم القرب الإجابة؛ فقد كان الأولى بابن الجوزي أن يجعل الوجه صفة القرب لله تعالى على مايليق بجلاله وعظمته؛ قال ابن عثيمين:
«قريبٌ هو أي ذاته. لكن يجب أن تعلم أنه مع قربه بذاته فهو مستوٍ على العرش. ولكن مع هذا يجب أن نُنَزِّه الله عمَّا لا يليقُ به بحيث نتوهم أنه معنا في المكان، هذا لا يمكن، بل هو قريبٌ بذاته مع علوه.
стр. 739
وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية قال: «هو عليٌّ في دُنوِّه، قريبٌ في عُلُوِّه (١)» (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم قربه تعالى إجابته عبده.
الوجه الثالث: قرب الزمان.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧].
وقال به من السلف: حذيفة بن اليمان، وابن زيد (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه السياق القرآني.
стр. 740
الوجه الرابع: الأصوب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: اللين.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القرب اللين.
الوجه السادس: القرابة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].
ويشهد له حديث ابن عباس ﵄؛ أنه سُئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة؛ فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» (٣).