← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

المطلب التاسع: دراسة وجوه كلمة القرب: باب القرب: قال ابن الجوزي: «الأصل في القرب: أنه الدنو من المسافة. وضده: البعد. والقربان: ما قرب إلى اللَّه تعالى. وقربان الملك وقرابينه وزراؤه. وأقربت الشاة دنا نتاجها. ولا يقال: للناقة: أقربت. قال ابن السكيت: ثوب مقارب، ولا يقال مقارب إذا لم يكن جيداً (١). وقال غيره: ثوب مقارب - بكسر الراء - ليس بجيد - وبفتحها - رخيص. والقارب. سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية، تستخف لحوائجهم. والقارب: الطالب للماء ليلاً. وحكى ابن فارس عن بعض اللغويين: أنه لا يقال ذلك لطالب الماء نهاراً (٢). وذكر بعض المفسرين أن القرب في القرآن على عشرة أوجه: أحدها: الجماع . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والثاني: الإجابة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] أي مجيب، وفي سبأ: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]. والثالث: قرب الزمان . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، أي: دان. وفي الأنبياء: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، وفيها: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]. والرابع: الأصوب . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤]. والخامس: اللين . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. والسادس: القرابة . ومنه قوله تعالى في عسق: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وفي البلد: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. والسابع: ما قبل معاينة الملك . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧].

стр. 737

والثامن: الأكل . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. والتاسع: الدخول في الصلاة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. والعاشر: المجاورة . ومنه قوله تعالى في الرعد: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، أي: تجاورهم» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الجماع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وشهد له حديث أنس: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبيَّ ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .. إلى آخر الآية .. فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح؛ فبلغ ذلك اليهود؛ فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما؛ فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي ﷺ ؛ فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما» (٢). وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون مأخذه سبب النزول.

стр. 738

الوجه الثاني: الإجابة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويشهد للمثالين حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أو قال: لما توجه رسول الله ﷺ أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير؛ الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛ فقال: رسول الله ﷺ أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم .. » (٣). تنبيه: مع صحة هذا الوجه في معنى الآيتين لأن من لازم القرب الإجابة؛ فقد كان الأولى بابن الجوزي أن يجعل الوجه صفة القرب لله تعالى على مايليق بجلاله وعظمته؛ قال ابن عثيمين: «قريبٌ هو أي ذاته. لكن يجب أن تعلم أنه مع قربه بذاته فهو مستوٍ على العرش. ولكن مع هذا يجب أن نُنَزِّه الله عمَّا لا يليقُ به بحيث نتوهم أنه معنا في المكان، هذا لا يمكن، بل هو قريبٌ بذاته مع علوه.

стр. 739

وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية قال: «هو عليٌّ في دُنوِّه، قريبٌ في عُلُوِّه (١)» (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم قربه تعالى إجابته عبده. الوجه الثالث: قرب الزمان. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]. وقال به من السلف: حذيفة بن اليمان، وابن زيد (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معاني الآيات، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 740

الوجه الرابع: الأصوب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الخامس: اللين. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القرب اللين. الوجه السادس: القرابة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. ويشهد له حديث ابن عباس ﵄؛ أنه سُئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة؛ فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» (٣).

стр. 741

وقال به من السلف: ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وأبو مالك غزوان الغفاري، وقتادة، ومجاهد، والسُّدي، والضحاك، وابن زيد (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣)، وابن زيد (٤)، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والسُّدي (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب القرب القرابة. الوجه السابع: ما قبل معاينة الملك. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك، وعكرمة، وابن زيد، وأبو قلابة (٧).

стр. 742

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). وللسلف في الآية قول آخر: أن القرب هنا: في صحتهم قبل مرضهم وموتهم، وقال به: ابن عباس، والسُّدي (٢). وليس بين القولين تعارض بل هما من قبيل اختلاف التنوع، فهما متلازمان. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: الأكل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. واختلف السلف في تحديد الشجرة مما يدل على اتفاقهم على الأكل؛ ومنهم: ابن عباس، وغزوان الغفاري، وعطية العوفي، وقتادة، والحسن، والسُّدي، وسعيد بن جبير (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن الأكل هنا نتيجة للقرب. ويذكر بعض المفسرين أن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الأكل سدا للذريعة. الوجه التاسع: الدخول في الصلاة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣].

стр. 743

وقال به من السلف: علي ابن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وقتادة، وأبو رزين، والنخعي (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه العاشر: المجاورة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]. وقال به من السلف: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب القرب المجاورة. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه العشرة وهي: الوجه الأول: الجماع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وشهد له حديث أنس، ومأخذه تفسير النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون مأخذه سبب النزول.

стр. 744

الوجه الثاني: الإجابة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠].وشهد للمثالين حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وتم التنبيه على أن الوجه على صحته فالواجب أن يكون صريحا في صفة الباري جل وعلا، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم قربه تعالى إجابته عبده. الوجه الثالث: قرب الزمان. وقوله تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: الأصوب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الخامس: اللين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القرب اللين. الوجه السادس: القرابة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. وشهد له حديث ابن عباس ﵄، وقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٥]، ومأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب القرب القرابة. الوجه السابع: ما قبل معاينة الملك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: الأكل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن الأكل هنا نتيجة للقرب. الوجه التاسع: الدخول في الصلاة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه العاشر: المجاورة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: ٣١]، ومأخذه التفسير بالسبب لأن من أسباب القرب المجاورة.

стр. 745

المطلب العاشر: دراسة وجوه كلمة القرية: باب القرية: قال ابن الجوزي: «القرية: اسم لما يجمع جماعة كثيرة من الناس. وهو اسم مأخوذ من الجمع. تقول: قريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه. ويقال: للحوض الذي فيه الماء: مقراة. قال الزَّجَّاج: والقرء في اللغة الجمع. ويسمي القرآن قرآناً لأنه كلام مجتمع. وقال ابن قتيبة: سمي القرآن قرآناً لأنه جمع السور وضمها. وهو من قولك: ما قرأت الناقة سَلى قطّ، أي: ما ضمت في رحمها ولداً. وأنشد أبو عبيدة: هِجَانِ اللَّوْنِ لم تَقْرَأْ جَنِينَا (١) وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: تأليفه (٢). وذكر بعض المفسرين أن القرية في القرآن على عشرة أوجه: أحدها: مكة . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢]، وفي سورة محمد ﷺ : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، وفي سورة النساء: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. والثاني: أيلة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. والثالث: أريحا (٣). ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]، وفي الأعراف: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١].

стр. 746

والرابع: دير هرقل (١). ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. والخامس: أنطاكية . ومنه قوله تعالى في يس: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]. والسادس: قرية قوم لوط . ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٣٤]. والسابع: نينوى (٢). ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]. والثامن: مصر . ومنه قوله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. والتاسع: مكة والطائف . ومنه قوله تعالى في الزخرف. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. والعاشر: جميع القرى على الإطلاق . ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٥٨]» (٣). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: مكة. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢].

стр. 747

وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. وقال به من السلف: ابن عباس (٥)، ومجاهد، والسُّدي، وابن زيد (٦). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي ونسباه لإجماع المتأولين، وأبو حيان، وابن كثير (٧).

стр. 748

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمثال، ويختص المثال الثاني بمأخذ السياق القراني. الوجه الثاني: أيلة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وقال به من السلف: ابن مسعود (١)، وابن عباس، وعكرمة، والسُّدي، ومجاهد، وقتادة (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: أريحا. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]. وقال به من السلف: ابن عباس (٤)، ابن زيد (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). وللسلف في الآية قول آخر: بيت المقدس، وقال به قتادة، والربيع، والسُّدي، الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١].

стр. 749

وقال به من المفسرين: ابن عطية (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: دير هرقل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وقال به من السلف: ابن عباس (٢). وقال به من المفسرين: البغوي، وأبو حيان (٣). وللسلف في الآية قول آخر: بيت المقدس، وقال به: وهب بن منبه، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، وعطاء (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الخامس: أنطاكية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]. وقال به من السلف: بريدة، وابن عباس، والزهري، وعكرمة (٥). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ورد هذا الوجه ابن كثير (٧). وتبعه ابن عثيمين (٨). وبهذا يعود لفظ القرية إلى العموم فيدخل في الوجه العاشر.

стр. 750

الوجه السادس: قرية قوم لوط. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٣٤]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه السابع: نينوى. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]. وقال به من السلف: السُّدي، وابن إسحاق (٢). ومن المفسرين: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: مصر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، وابن إسحاق (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.

стр. 751

الوجه التاسع: مكة والطائف. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه العاشر: جميع القرى على الإطلاق. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٥٨]. وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤)

стр. 752

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «القاف والراء والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على جمعٍ واجتماعٍ. من ذلك القَرْية، سمّيت قريةً لاجتماع النَّاس فيها» (١). تنبيه: جميع الوجوه في هذا الباب - سوى الأخير - من قبيل التفسير بالمثال على القرية وبعضها دل عليه السياق غير أن تحديد إبهامها وفك غلقها لدرجة الخلاف في بعضها قد رده المحققون من أهل العلم وكثير منه ليس عليه نص صريح، وليس في علمه كبير فائدة ترجى دنيا وأخرى؛ قال ابن تيمية: «وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإن الله نصب على الحق فيه دليلا، فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفى مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفى اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم، ومالم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب؛ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن اسحق، وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة» (٢). وقال الشنقيطي: «ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله ولم يثبت في بيانها شيء والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه. وكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها، بدون علم ولا جدوى، ونحن نعرض عن مثل ذلك دائما؛ كلون كلب أصحاب الكهف؛ واسمه وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر، وأنكر عليه موسى قتله، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم طول السفينة وعرضها، وكم فيها من الطبقات، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه ولا دليل على التحقيق فيه» (٣).

стр. 753

يقول ابن عثيمين: «وذلك لأن الله لو كان في بيان هذه القرية بعينها مصلحة لبينها، وليس المقصود - كما مر علينا كثيرا - تعيين الأشخاص، أو الأماكن، أو الأزمان، ليس فيه كثير فائدة في الغالب، المقصود العبرة في القصة، وما وقع» (١). وعامة هذا الباب داخل ضمن علم من علوم القرآن وهو، مبهمات القرآن (٢). نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه تسعة هي: الوجه الأول: مكة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويختص المثال الثاني بمأخذ السياق القرآني. الوجه الثاني: أيلة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: أريحا. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الرابع: دير هرقل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ومأخذه التفسير بالمثال.

стр. 754

الوجه الخامس: قرية قوم لوط. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٣٤]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: نينوى. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه السابع: مصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: مكة والطائف. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه التاسع: جميع القرى على الإطلاق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٥٨]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. وأما الوجه الذي هو: أنطاكية . ففي قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]. تقدم رد ابن كثير وابن عثيمين له وأنه بهذا يعود إلى عموم القرية فيدخل هذا المقال في الوجه الأخير. وتم التنبيه على قلة الفائدة في تفسير مبهمات لم يعينها الله تعالى والاستشهاد من قول الشنقيطي وابن عثيمين على هذا.

стр. 755

الفصل الثالث الكلمات القرآنية الواردة على أحد عشر وجهاً فأكثر وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على أحد عشر وجهاً مرتبة على حروف المعجم. المبحث الثاني: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على اثني عشر وجهاً مرتبة على حروف المعجم. المبحث الثالث: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على ثلاثة عشر وجهاً. المبحث الرابع: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على أكثر من ثلاثة عشر وجهاً.

стр. 756

الفصل الثالث: الكلمات القرآنية الواردة على أحد عشر وجها فأكثر. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: دراسة وجوه الكلمات القرآنية الواردة على أحد عشر وجها مرتبة على حروف المعجم . وفيه خمسة مطالب: باب الرجال: «الرجال جمع: رجل، فهو اسم لذكور بني آدم بعد البلوغ. وقيل: أنه اسم مأخوذ من القوة، يقال: رجل رُجيل وامرأة رجلة إذا كانا قويين ورجل ذو رجلة، أي: قوي على المشي، وارتجلت الكلام: إذا قلته من غير تدبير. ورجلت: سرحته، وَالرَّجْل: الرَّجّالة. وَالرَّجْلانُ: الراجل الواحد. والرجل بكسر الراء: القطعة من الجراد (١). وذكر بعض المفسرين أن الرجال في القرآن على أحد عشر وجهاً: أحدهما: الرسل . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]. والثاني: الملائكة . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]. والثالث: الصابرون من أصحاب النبي ﷺ في الغزوات . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. الرابع: أهل قباء . ومنه قوله تعالى في براءة: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]. والخامس: المحافظون على أوقات الصلاة . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. والسادس: المقهورون من مؤمني أهل مكة . ومنه قوله تعالى في الفتح: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥].

стр. 757

والسابع: فقراء المسلمين . ومنه قوله تعالى في ص: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]. والثامن: المشاة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وفي الحج: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧]. والتاسع: الأزواج . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وفي سورة النساء: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. والعاشر: الذكور . ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١]، وفي الأحزاب: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. والحادي عشر: الكفار . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الرسل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]. وقال به من السلف: قتادة (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.

стр. 758

الوجه الثاني: الملائكة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]. وقال به من السلف: أبو مجلز (١). ونقل قول أبي مجلز من المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية أقوال أخر: أنهم قوم من بني آدم تساوت سيئاتهم وحسناتهم: وقال به حذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك، وسعيد بن جبير. أنهم قوم قتلوا في سبيل الله، عصاة لوالديهم في الدنيا: وقال به شرحبيل بن سعد (٣). أنهم قوم صالحون علماء: وقال به مجاهد. وقد توقف ابن جرير في ترجيح أحد هذه الأقوال؛ غير أنه رد القول بالوجه فقال: «قال أبو جعفر: والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم، هم رجال يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله يصح سنده، ولا أنه متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذا كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يدرك قياسا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم، ودون سائر الخلق غيرهم، كان بينا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره» (٤).

стр. 759

واستغرب ابنُ كثير قولَ أبي مجلز وقولَ مجاهد ورجح قولَ الجمهور فقال: «وهذا صحيح إلى أبي مجلز؛ لاحق بن حميد أحد التابعين، وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق، وقولُ الجمهور مقدم على قوله بدلالة الآية على ما ذهبوا إليه. وكذا قول مجاهد إنهم قوم صالحون علماء فقهاء فيه غرابة أيضا والله أعلم» (١). وبهذا يكون الوجه: أنهم قوم من بني آدم تساوت سيئاتهم وحسناتهم. الوجه الثالث: الصابرون من أصحاب النبي ﷺ في الغزوات. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. ويشهد له حديث أنس ﵁ قال: «غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع؛ فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء؛ يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء؛ يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنةَ ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنه برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية». (٢) وقال به من السلف: يزبد بن رومان، ومجاهد (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).

стр. 760

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه سبب النزول. الوجه الرابع: أهل قباء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]. وقال به من السلف: عبد الله بن سلام، والشعبي، وعطية العوفي، وابن زيد، وعطاء (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الخامس: المحافظون على أوقات الصلاة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. وقال به من السلف: ابن مسعود (٣)، وابن عمر، وسالم بن عبد الله، وعطاء والضحاك (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.

стр. 761

الوجه السادس: المقهورون من مؤمني أهل مكة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥]. وقال به من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه السابع: فقراء المسلمين. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]. ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول مجاهد: «هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيبا وفلانا وفلانا» (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثي (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: المشاة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].

стр. 762

وقال به من السلف: ابن عباس (١)، والنخعي، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والضحاك، والسُّدي، وقتادة، وطاوس، والزهري، والربيع بن أنس (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد (٤)، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وَالرَّجْل: الرَّجّالة، وإنما سُمُّوا رَجْلاً لأنهم يمشون على أرجُلِهم، وَالرُّجَّال وَالرُّجَالَى: الرّجَال؛ وَالرَّجْلانُ: الرَّاجِل، والجماعة رَجْلى» (٧). الوجه التاسع: الأزواج. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 763

وقال به من السلف: ابن عباس، وابن زيد، والشعبي (١)، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل بن حيان (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك، والسُّدي (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه العاشر: الذكور. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١]. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٦).

стр. 764

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقال به من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «الرجل مختص بالذكر من الناس» (٣)، وقال الخليل: «هذا رَجُلٌ، أي ليس بأنْثَى» (٤). الوجه الحادي عشر: الكفار. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨]. ومعنى تفسير السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «نادوا رجالا في النار»، وقول قتادة: «الجبارين» (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.

стр. 765

نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الأحد عشر مع تغيير مسمى واحد منها، وهي: الوجه الأول: الرسل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]. ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: الملائكة. وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]. تقدم أنه قول أبي مجلز ورد ابن جرير وابن كثير له، وترجيح قول الجمهور في الآية وهو: أنهم قوم من بني آدم تساوت سيئاتهم وحسناتهم. الوجه الثالث: الصابرون من أصحاب النبي ﷺ في الغزوات. ودل عليه قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وشهد له حديث أنس ﵁، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه سبب النزول. الوجه الرابع: أهل قباء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الخامس: المحافظون على أوقات الصلاة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: المقهورون من مؤمني أهل مكة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥]. ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه السابع: فقراء المسلمين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: المشاة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.

стр. 766

الوجه التاسع: الأزواج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه العاشر: الذكور. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١].وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني. الوجه الحادي عشر: الكفار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨]، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الشجر . باب الشجر: قال ابن الجوزي: «الشجر: جمع شجرة. وهي كل نبات له ساق، يقال: شجرة، وشجرات، وأشجار. ووادٍ شجير: كثير الشجر. وهذه الأرض أشجر من هذه، أي: أكثر شجراً، وأرض شجْراء والشَّجِرةُ: إذا كانت كثيرة الشجر. وشجر بين القوم: إذا اختلف الأمر بينهم (١). وذكر أهل التفسير أن الشجر في القرآن على أحد عشر وجهاً: أحدها: الشجر الذي له ساق . ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. والثاني: الكرم . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، قيل نبات أو ساق. وقيل: هي الحنطة. والثالث: الزيتون . ومنه قوله تعالى في المؤمنين: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنين: ٢٠].

стр. 767

والرابع: الزقوم . ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وفي الصافات: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]. والخامس: النخلة . ومنه قوله في إبراهيم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. والسادس: شجرة الحنظل . ومنه قوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. والسابع: شجرة العوسج ومنه قوله تعالى في سورة القصص: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، وكانت شجرة العوسج. والثامن: شجرة القرع . ومنه قوله تعالى في الصافات: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]. والتاسع: شجر المرخ والعفار . ومنه قوله تعالى في سورة يس: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠]، قال ابن قتيبة (١): أراد بها الزنود التي توري بها الأعراب من شجر المرخ والعفار. وهو شجر معروف. والعاشر: السَّمُرة . ومنه قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وكانت هذه الشجرة سمرة. وقال ابن فارس: والسَّمُرة واحدة السمر وهو شجر الطلح (٢). والحادي عشر: إبراهيم الخليل ﵇ . ومنه قوله تعالى في النور: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥] وهذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنبينا محمد ﷺ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، أي: هو من ذرية إبراهيم ﵇» (٣).

стр. 768

دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الشجر الذي له ساق. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. وقال به من السلف: ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وسفيان الثوري (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير ونقل إجماعهم عليه، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: الكرم. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وناس من أصحاب النبي ﷺ ، وسعيد بن جبير (٣)، والسُّدي، وغزوان الغفاري (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). وللسلف في الآية قولان آخران: السنبلة: وقال به ابن عباس، وغزوان الغفاري، وعطية العوفي، وقتادة، والحسن. التينة: وقال به بعض أصحاب النبي ﷺ . ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.

стр. 769

الوجه الثالث: الزيتون. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنين: ٢٠]. وقال به من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع: الزقوم. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [بني إسرائيل: ٦٠]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣)، ومسروق، والحسن، وغزوان الغفاري، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والنخعي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد (٤). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤].

стр. 770

وقال به من السلف: قتادة، والسُّدي (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه الخامس: النخلة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [إبراهيم: ٢٤]. ويشهد له حديث ابن عمر ﵄ قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فقال: أخبروني بشجرة تشبه؛ أو كالرجل المسلم لا يتحاتُّ ورقها، ولا ولا ولا، تؤتي أكلها كل حين، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر، وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلمالم يقولوا شيئا، قال رسول الله ﷺ : هي النخلة، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال ما منعك أن تكلم؟ قال: لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا». (٣) وقال به من السلف: أنس بن مالك، وابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن زيد (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 771

وللسلف في الآية قول آخر: أنها شجرة في الجنة، وقال به ابن عباس. ورجح ابن جرير الأول بصحة الرواية عن رسول الله ﷺ . ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير النبي ﷺ . الوجه السادس: شجرة الحنظل. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. وقال به من السلف: أنس بن مالك، ومجاهد، وأبو العالية. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السابع: شجرة العوسج. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]. وقال به من السلف: قتادة (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.

стр. 772

الوجه الثامن: شجرة القرع. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وعمرو بن ميمون، وقتادة، والضحاك، والسُّدي، وسعيد بن جبير (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني. الوجه التاسع: شجر المرخ والعفار. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠]. وقال به من السلف: ابن عباس (٣). ومن المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الوجه العاشر: السمرة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. ويشهد له حديث جابر قال: «كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت». (٥) وقال به من السلف: قتادة (٦).

стр. 773

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير النبي ﷺ . الوجه الحادي عشر: إبراهيم الخليل ﵇. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنبينا محمد ﷺ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والسمعاني، والقرطبي (٢). والقول بهذا الوجه منشؤه الاختلاف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ فظاهر الآية أن الضمير عائد إلى الله تعالى، ومن السلف من جعله عائدا إلى (المؤمنين) وهو أبي بن كعب ﵁ وابن جبير، والضحاك؛ وفي قراءة أبي (مثل نور المؤمنين) (٣)؛ ويكون تأويل المثل في الآية على هذا القول: فالمشكاة صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزَّجَّاجة قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها. ومن السلف من جعل الضمير عائدا إلى (محمد ﷺ ) وهما كعب الأحبار، وابن جبير، ويكون تأويل المثل في الآية على هذا القول مختلف فيه؛ فقيل: رسول الله ﷺ هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوءة، وما يتصل بها من عمله وهداه، والزَّجَّاجة قلبه، والشجرة المباركة هي الوحي والملائكة رسل إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي،

стр. 774

وقيل: المشكاة جوف رسول الله ﷺ والمصباح النور الذي في قلبه، والزَّجَّاجة قلبه، فهو من شجرة مباركة، وهو إبراهيم ﵇ سماه شجرة مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه. وهذا الوجه مروي عن ابن عمر حيث قال: «المشكاة جوف محمد ﷺ والزَّجَّاجة قلبه والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد من شجرة مباركة أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته فأوقد الله تعالى في قلب محمد ﷺ النور كما جعله في قلب إبراهيم ﵇» (١). ونبه ابن عطية إلى عود الضمير إلى غير مذكور في الكلام فقال: «قال القاضي أبو محمد وهذه أقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر وفيها تقطع المعنى المراد بالآية» (٢). ووقف الشوكاني من هذين القولين وقفة المتأمل في تفسير مخالف لظاهر الآية وهو وارد عن السلف فقال: «وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا ونحوه مما تقدم عن أبى بن كعب وابن عباس وابن عمر ﵃ ليس على ما تقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله ﷺ ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن عباس هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما قدمنا عنه، ولا وجه لهذا الاستبعاد فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال، ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه، وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من لغة، وأما ما حكى عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا، فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب ﵀ ممن يقتدى به في مثل هذا، وقد نبهناك فيما سبق أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيرا، فلا تقوم به الحجة، ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي؛ نعم إن صحت قراءة أبى بن كعب كانت هي المستند،

стр. 775

لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة للمراد، وإن لم تصح فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة وغيرهم ممن قبلهم وممن بعدهم هو المتعين» (١). وأعمل ابن القيم الآية على ظاهرها، وأشار إلى الخلاف فيها، وذكر قولا بديعا تتسق معه الأقوال فقال: «فصل: في تفسير قوله تعالى: ﴿﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن كما قال أبي بن كعب وغيره، وقد اختلف في مفسر الضمير في نوره؛ فقيل هو النبي أي: مثل نور محمد، وقيل مفسره المؤمن أي: مثل نور المؤمن، والصحيح: أنه يعود على الله ؛ والمعنى مثل نور الله في قلب عبده؛ وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسوله؛ فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور، وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظا ومعنى، وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل، وقابل، ومحل وحال، ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل؛ فالفاعل: هو الله تعالى مفيض الأنوار الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه والحال: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله، وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم، وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان: أحدهما طريقة التشبيه المركب: وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف؛ وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن؛ فتأمل صفة المشكاة وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها المصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودا؛ من زيت شجرة في وسط القراح لا شرقية ولا غربية؛ بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها؛
следующие страницы →