وللسلف في الآية قول آخر: أنها شجرة في الجنة، وقال به ابن عباس.
ورجح ابن جرير الأول بصحة الرواية عن رسول الله ﷺ .
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير النبي ﷺ .
الوجه السادس: شجرة الحنظل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦].
وقال به من السلف: أنس بن مالك، ومجاهد، وأبو العالية.
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه السابع: شجرة العوسج.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠].
وقال به من السلف: قتادة (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 772
الوجه الثامن: شجرة القرع.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦].
وقال به من السلف: ابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وعمرو بن ميمون، وقتادة، والضحاك، والسُّدي، وسعيد بن جبير (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: شجر المرخ والعفار.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠].
وقال به من السلف: ابن عباس (٣).
ومن المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الوجه العاشر: السمرة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
ويشهد له حديث جابر قال: «كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، وقال بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت». (٥)
وقال به من السلف: قتادة (٦).
стр. 773
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير النبي ﷺ .
الوجه الحادي عشر: إبراهيم الخليل ﵇.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنبينا محمد ﷺ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥].
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والسمعاني، والقرطبي (٢).
والقول بهذا الوجه منشؤه الاختلاف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ فظاهر الآية أن الضمير عائد إلى الله تعالى، ومن السلف من جعله عائدا إلى (المؤمنين) وهو أبي بن كعب ﵁ وابن جبير، والضحاك؛ وفي قراءة أبي (مثل نور المؤمنين) (٣)؛ ويكون تأويل المثل في الآية على هذا القول: فالمشكاة صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزَّجَّاجة قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها.
ومن السلف من جعل الضمير عائدا إلى (محمد ﷺ ) وهما كعب الأحبار، وابن جبير، ويكون تأويل المثل في الآية على هذا القول مختلف فيه؛ فقيل: رسول الله ﷺ هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوءة، وما يتصل بها من عمله وهداه، والزَّجَّاجة قلبه، والشجرة المباركة هي الوحي والملائكة رسل إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي،
стр. 774
وقيل: المشكاة جوف رسول الله ﷺ والمصباح النور الذي في قلبه، والزَّجَّاجة قلبه، فهو من شجرة مباركة، وهو إبراهيم ﵇ سماه شجرة مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه.
وهذا الوجه مروي عن ابن عمر حيث قال: «المشكاة جوف محمد ﷺ والزَّجَّاجة قلبه والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد من شجرة مباركة أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته فأوقد الله تعالى في قلب محمد ﷺ النور كما جعله في قلب إبراهيم ﵇» (١).
ونبه ابن عطية إلى عود الضمير إلى غير مذكور في الكلام فقال: «قال القاضي أبو محمد وهذه أقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر وفيها تقطع المعنى المراد بالآية» (٢). ووقف الشوكاني من هذين القولين وقفة المتأمل في تفسير مخالف لظاهر الآية وهو وارد عن السلف فقال:
«وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا ونحوه مما تقدم عن أبى بن كعب وابن عباس وابن عمر ﵃ ليس على ما تقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله ﷺ ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن عباس هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة كما قدمنا عنه، ولا وجه لهذا الاستبعاد فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال، ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه، وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من لغة، وأما ما حكى عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا، فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب ﵀ ممن يقتدى به في مثل هذا، وقد نبهناك فيما سبق أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب كما يقع ذلك كثيرا، فلا تقوم به الحجة، ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي؛ نعم إن صحت قراءة أبى بن كعب كانت هي المستند،
стр. 775
لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة للمراد، وإن لم تصح فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة وغيرهم ممن قبلهم وممن بعدهم هو المتعين» (١).
وأعمل ابن القيم الآية على ظاهرها، وأشار إلى الخلاف فيها، وذكر قولا بديعا تتسق معه الأقوال فقال:
«فصل: في تفسير قوله تعالى: ﴿﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن كما قال أبي بن كعب وغيره، وقد اختلف في مفسر الضمير في نوره؛ فقيل هو النبي أي: مثل نور محمد، وقيل مفسره المؤمن أي: مثل نور المؤمن، والصحيح: أنه يعود على الله ؛ والمعنى مثل نور الله في قلب عبده؛ وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسوله؛ فهذا مع ما تضمنه عود الضمير المذكور، وهو وجه الكلام يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظا ومعنى، وهذا النور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل، وقابل، ومحل وحال، ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل؛ فالفاعل: هو الله تعالى مفيض الأنوار الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه والحال: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله، وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني، وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله، وتبتهج به قلوبهم، وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان: أحدهما طريقة التشبيه المركب: وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف؛ وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه ومقابلته بجزء من المشبه به، وعلى هذا عامة أمثال القرآن؛ فتأمل صفة المشكاة وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها المصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها ومادته من أصفى الأدهان، وأتمها وقودا؛ من زيت شجرة في وسط القراح لا شرقية ولا غربية؛ بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار، بل هي في وسط القراح محمية بأطرافه تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها؛
стр. 776
يكاد يضيء من غير أن تمسه نار، فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به» (١).
وبهذا يتبين أن هذا الوجه؛ على خلاف ظاهر الآية، والأولى بقاؤه على ظاهرها وهي شجرة الزيتون المراد بها في المثل الوحي.
وبعض الوجوه في هذا الباب مما ليس عليه دليل صحيح، وليس في معرفته كبير فائدة داخل في مبهمات القرآن والتي تقدم الكلام عليها في باب القرية.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه عشرة وهي:
الوجه الأول: الشجر الذي له ساق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
الوجه الثاني: الكرم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثالث: الزيتون. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنين: ٢٠]، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
والرابع: الزقوم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: النخلة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. وشهد له حديث بن عمر ﵄، ومأخذه تفسير النبي ﷺ .
الوجه السادس: شجرة الحنظل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، ومأخذه التفسير بالمثال.
стр. 777
الوجه السابع: شجرة العوسج. ودل عليه قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه الثامن: شجرة القرع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٦]، ومأخذه التفسير بالمثال. ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: شجر المرخ والعفار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠]، ومأخذه التفسير بالمثال.
الوجه العاشر: السمرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وشهد له حديث جابر، ومأخذه التفسير بالمثال، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير النبي ﷺ .
وأما الوجه الذي هو: إبراهيم الخليل ﵇. ففي قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنبينا محمد ﷺ في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، تقدم كلام العلماء عليه وأنه تفسير مخالف لظاهر الآية، وأن الأولى أن الشجرة زيتونة وهي مثل مضروب للوحي.
وتم التنبيه أن بعض وجوه هذا الباب ليس على تحديده دليل وهو داخل في الكلام على المبهم في باب القرية.
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة القطع:
باب القطع:
قال ابن الجوزي:
«القطع: في الأصل الفصل بين المتركبين. ثم يستعار في مواضع تدل عليها القرينة. والقطيعة: الهجران. والقطع: الطائفة من الليل. والقطيع: الطائفة من الغنم. والمقطعات: الثياب القصار (١).
стр. 778
وذكر بعض المفسرين أن القطع في القرآن على أحد عشر وجها:
أحدها: الفصل والإبانة . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وفي الأعراف: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: ١٢٤].
والثاني: الجرح والخدش . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١].
والثالث: إخافة السبيل . ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
والرابع: قطع الرحم والقرابة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧].
والخامس: التفرق في الدين . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، أراد تفرقوا في الأديان.
والسادس: الشديد . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨].
والسابع: الاستئصال . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥]، وفي الحجر: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦].
والثامن: التخريب . ومنه قوله تعالى في الرعد: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١].
والتاسع: الإبرام . ومنه قوله تعالى في النمل: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢].
والعاشر: الإعداد . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩].
والحادي عشر: القتل . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، أي: ليقتل طائفة منهم» (١).
стр. 779
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الفصل والإبانة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ويشهد له حديث عائشة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا» (١).
وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، والسُّدي (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: ١٢٤].
وقال به من السلف: ابن عباس (٤)، وسعيد بن جبير، والسُّدي (٥).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «القاف والطاء والعين أصلٌ صحيحٌ واحد، يدل على صَرْمٍ وإبانة شيءٍ من شيء» (٧).
стр. 780
الوجه الثاني: الجرح والخدش.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١]. وقال به من السلف: ابن عباس، مجاهد، والسُّدي، وابن زيد، قتادة (١).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
وللسلف في الآية قول آخر: وهو أنهن قطعن أيديهن حتى أبنها، وهو قول مجاهد، وقتادة.
وأجاز الوجهين معا ابن جرير. ورد القول الثاني ابن عطية لبعده ولكون الأول قول الجماعة فقال: «قال القاضي أبو محمد: فظاهر هذه أنه بانت الأيدي وذلك ضعيف من معناه، وذلك أن قطع العظم لا يكون إلا بشدة، ومحال أن يسهو أحد عنها، والقطع على المفصل لا يتهيأ إلا بتلطف لا بد أن يقصد، والذي يشبه أنهن حملن على أيديهن الحمل الذي كن يحملنه قبل المتك (٣) فكان ذلك حزا وهذا قول الجماعة» (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم القطع الجرح والخدش.
الوجه الثالث: إخافة السبيل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
وقال به من السلف: ابن زيد (٥).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
стр. 781
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ؛ قال الراغب الأصفهاني: «وقطع الطريق يقال على وجهين، أحدهما: يراد به السير والسلوك، والثاني: يراد به الغصب من المارة والسالكين للطريق نحو قوله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] .. وإنما سمي ذلك قطع الطريق لأنه يؤدي إلى انقطاع الناس عن الطريق فجعل ذلك قطعا للطريق» (١).
الوجه الرابع: قطع الرحم والقرابة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]. وقال به من السلف: قتادة، والسُّدي (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ؛ قال الخليل: «ويقالُ لقاطِعِ الرَّحم: إنَّه لقُطَع وقُطَعَةٌ. من» قَطَعَ رَحِمَه «إذا هَجَرَها» (٤).
الوجه الخامس: التفرق في الدين.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣].
وقال به من السلف: ابن زيد (٥).
стр. 782
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته، لأنهم تقاطعوا حتى بلغ بهم التقاطع إلى التفرق في الدين؛ قال الزَّجَّاج: «لأن تقطيع أمرهم بينهم تفرقة» (٢).
الوجه السادس: الشديد.
ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨].
هكذا هو في كتاب ابن الجوزي فلعله تصحف أثناء النسخ فكُتب (الشديد) والصحيح
(التشتيت)؛ وذلك لأمرين:
- أن المفسرين يذكرون أن معنى التقطيع هنا التفريق والتشتيت كما سيأتي.
- أن الكتب المؤلفة في الوجوه النظائر توجه ذات التوجيه المذكور؛ فقال الحيري: التفريق، وقال الدامغاني: التفريق والتبديد، وقال الفيروزآبادي: التفريق والتشتيت؛ وكلهم يمثلون بالآية المذكورة (٣).
وبهذا يكون الوجه بهذه الصورة: الوجه السادس: التشتيت.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «في كل أرض يدخلها اليهود» (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
стр. 783
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب التقطيع هو التشتيت، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني لأن لفظ الجمع في الأمم يشعر بالوجه.
الوجه السابع: الاستئصال.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥].
وقال به من السلف: السُّدي، وابن زيد (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦].
وقال به من السلف: ابن عباس (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ومما يؤكد صحة هذا الوجه أن القرطبي فسر هذه الآية بآية الأنعام.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني لأن القطع على بابه من إرادة الفصل والتفريق ثم زاد عليه وصف من السياق وهو الدابر فإذا كان الدابر وهو الأخير مقطوع فغيره من باب أولى وهو معنى الاستئصال المراد.
стр. 784
الوجه الثامن: التخريب.
ومثل له ابن الجوزي: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١].
هكذا هو في كتاب ابن الجوزي فلعله تصحف على المحقق أثتاء النسخ فكتب (التخريب) والصحيح (التقريب)؛ وذلك لأمرين:
- أن المفسرين يذكرون أن معنى التقطيع هنا تقريب المسافة كما سيأتي.
- أن الكتب المؤلفة في الوجوه النظائر توجه ذات التوجيه المذكور؛ فقال الحيري: التقصير، وقال الدامغاني: قرب البعيد، وقال الفيروزآبادي: تقريب البعيد وتبعيد القريب؛ وكلهم يمثلون بالآية المذكورة (١).
وبهذا يكون الوجه بهذه الصورة: الوجه الثامن: التقريب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١].
قال السيوطي: «وأخرج بن أبي حاتم وابن مردويه عن عطية العوفي قال قالوا للنبي ﷺ :
«لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١] (٢).
وقال به من السلف: مجاهد، الضحاك (٣)، وقتادة (٤).
وقال به من المفسرين: السمرقندي، والماوردي، والسمعاني، والقرطبي (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول وإن لم يثبت، فإن أقوال المفسرين تدل على اعتمادهم على هذا الأثر في هذا المعنى.
стр. 785
الوجه التاسع: الإبرام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن زيد: «قاضية» (١).
وتبع المفسرون السلف في هذا ومنهم: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي (٢)؛ قالوا: قاضية وفاصلة.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب.
الوجه العاشر: الإعداد.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩].
ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول مجاهد: «قطعت لهم ثياب من نار قال الكافر قطعت له ثياب من نار والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار»، ونحوه عن سعيد بن جبير (٣).
وقال به أو بما يقاربه من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن سبب التقطيع الإعداد.
الوجه الحادي عشر: القتل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧].
وقال به من السلف: قتادة، والربيع، والحسن، وابن إسحاق، والسُّدي.
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
стр. 786
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، أي يهلك جماعة منهم» (١).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة، صحة الوجوه الأحد عشر وهي:
الوجه الأول: الفصل والإبانة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وشهد له حديث عائشة، وقوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [الأعراف: ١٢٤]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: الجرح والخدش. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١]، ومأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم القطع الجرح والخدش.
الوجه الثالث: إخافة السبيل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ.
الوجه الرابع: قطع الرحم والقرابة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ؛ كما قال الخليل.
الوجه الخامس: التفرق في الدين. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، ومأخذه التعبير عن الشيء بنتيجته.
الوجه السادس: التشتيت. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٨]. وتقدم التنبيه على أنه في كتاب ابن الجوزي (الشديد) والصحيح (التشتيت)، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب التقطيع هو التشتيت، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني لأن لفظ الجمع في الأمم يشعر بالوجه.
стр. 787
الوجه السابع: الاستئصال. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، ومأخذه السياق القرآني لأن القطع على بابه من إرادة الفصل والتفريق ثم زاد عليه وصف من السياق وهو الدابر فإذا كان الدابر وهو الأخير مقطوع فغيره من باب أولى وهو معنى الاستئصال المراد.
الوجه الثامن: التقريب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١]. وتقدم التنبيه على أنه في كتاب ابن الجوزي (التخريب) والصحيح (التقريب)، ومأخذه سبب النزول.
الوجه التاسع: الإبرام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]، ومأخذه التفسير بالمقارب.
الوجه العاشر: الإعداد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن سبب التقطيع الإعداد.
الوجه الحادي عشر: القتل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الراغب الأصفهاني: «﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، أي يهلك جماعة منهم» (١).
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الكتاب:
باب الكتاب:
قال ابن الجوزي:
«الكتاب: اسم لكلام مجموع في صك. والأصل فيه: الجمع. ومنه سميت الكَتِيبةُ لاجتماعها. قال ابن قتيبة: ويقال: لفعل الكاتب: كتاب. ويقال: كتب كتاباً، وقام قياماً، وصام صياماً. وقد يسمى الشيء بفعل الفاعل ويقال: هذا درهم ضرب الأمير، وإنما هو مضروب الأمير. ويقال: هؤلاء خلق اللَّه، وإنما هم مخلوقو اللَّه (٢).
стр. 788
وذكر بعض المفسرين أن الكتاب في القرآن على أحد عشر وجهاً:
أحدها: اللوح المحفوظ . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وفيها: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفي الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢].
والثاني: الكتابة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨].
والثالث: الحساب . ومنه قوله تعالى في الجاثية: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨].
والرابع: العدة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
والخامس: العمل . ومنه قوله تعالى في المطففين: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، وفيها: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، وقيل: أراد الكتاب الذي فيه أعمالهم.
والسادس: الوقت . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وفي الحجر: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤].
والسابع: القرآن . ومنه قوله تعالى في ص: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، وفي حم السجدة: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١].
والثامن: التوراة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥]، وفي المائدة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
والتاسع: الإنجيل . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].
والعاشر: الفرض . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
стр. 789
والحادي عشر: العلم . ومنه قوله تعالى في الروم: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: اللوح المحفوظ.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ومما يؤيد الوجه أن ابن كثير فسر هذا المثال بالذي قبله.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
стр. 790
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه أصل الكَتب في أول الخلق؛ قال ابن قتيبة: «أصل الكتب ما كتبه الله في اللوح مما هو كائن» (١).
الوجه الثاني: الكتابة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومقاتل بن حيان (٢)، وابن جريج (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية ونسبه لجماعة المفسرين، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «من ذلك الكِتابُ والكتابة، يقال: كتبت الكتابَ أكتُبه كَتْبًا» (٥).
الوجه الثالث: الحساب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨].
وقال به من المفسرين: يحيى ن سلام (٦)، والفرَّاء، والقرطبي، وأبو حيان (٧).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن الحساب نتيجة للكتابة.
стр. 791
الوجه الرابع: العدة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والسُّدي، وقتادة، والربيع، والشعبي، وابن زيد، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والزهري، وعطاء، وغزوان الغفاري (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: العمل.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
ولم أقف على من فسر الكتاب هنا بمعنى العمل إلا ما ذكره السمرقندي عند الآية الأولى فقال: «يعني أعمال الكفار»، فإن أراده ابن الجوزي فمراد السمرقندي كتاب الأعمال وليس الأعمال نفسها بدليل قوله عند المثال الثاني: «فرفع كتابهم» (٣).
وأما الذي يذكره أكثر المفسرين فهو ما ذكره ابن الجوزي بقوله: «وقيل: أراد الكتاب الذي فيه أعمالهم»، وممن قال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم تبديل هذا الوجه إلى: كتاب صحائف الأعمال.
стр. 792
الوجه السادس: الوقت.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥].
وقال به من السلف: ابن إسحاق، وعمر بن عبد العزيز (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «أجل معلوم لا متأخر» (٣).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني وذلك أن لفظ الباب على بابه من إرادة اللوح المحفوظ غير أن الأجل والعلم في المثالين فيهما إشارة للوقت؛ قال القرطبي في المثال الثاني: «أجل مؤقت كتب لهم في اللوح المحفوظ»، وذكر أبو حيان نحوه.
الوجه السابع: القرآن.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩].
стр. 793
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١].
وقال به من السلف: قتادة (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: التوراة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥].
وقال به من السلف: قتادة، ومجاهد (٤).
وذكره من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري (٥).
والصحيح في معنى (أهل الكتاب) هنا أنهم اليهود والنصارى فيكون المراد بالكتاب التوراة والإنجيل؛ وذلك لأمرين:
- أن سياق الآية جلي في الكتابين وتمام الآية قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥].
стр. 794
أن عامة المفسرين يذكرون اليهود والنصارى؛ ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
قال ابن عطية: «والصحيح أن جميع المتأولين إنما نحوا منحى واحدا، وأن الآية في اليهود والنصارى وألفاظ الآية تعطي ذلك» (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
وذكره من المفسرين: ابن عطية، وأبو حيان.
والصحيح في هذه أن الكتاب هو القرآن وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية ومال إليه بظاهر اللفظ، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
وسبب التصحيح ظهوره من سياق الآية في قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. ولو مثل ابن الجوزي بلفظ الكتاب المتقدم من الآية لصح به الوجه.
وبهذا يعود لفظ الباب في المثال الثاني للوجه الذي قبله وهو القرآن.
ويكون مسمى هذا الوجه بالمثال الأول: التوراة والإنجيل.
الوجه التاسع: الإنجيل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤].
стр. 795
ويشهد له حديث عبد الله بن عباس ﵄ أخبره أن أبا سفيان بن حرب ﵁ أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام ... بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ... الآية﴾ [آل عمران: ٦٤].» (١).
وقال به من السلف: محمد بن جعفر، والسُّدي، وابن زيد (٢): قالوا: وفد نجران.
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
وللسلف في الآية قول آخر: يهود المدينة: وقال به قتادة، والربيع، وابن جريج (٤).
ورجح ابن جرير وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥): العموم في الكتابين.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة.
الوجه العاشر: الفرض.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).
стр. 796
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ومن الباب الكِتَابُ، وهو الفَرْضُ» (١).
الوجه الحادي عشر: العلم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]. وقال به من السلف: الربيع بن أنس (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن العلم من لوازم الكتابة.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أحد عشر وهي:
الوجه الأول: اللوح المحفوظ. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢]، ومأخذه أصل الكَتب في أول الخلق؛ كما قال ابن قتيبة.
الوجه الثاني: الكتابة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثالث: الحساب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: ٢٨]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن الكتابة لأجل الحساب.
стр. 797
الوجه الرابع: العدة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: العمل. ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
تقدم أنني لم أقف على من فسر الكتاب هنا بمعنى العمل، وأن الصحيح في هذين المثالين أن يكون الوجه الخامس: كتاب صحائف الأعمال.
الوجه السادس: الوقت. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: التوراة. ودل عليه قوله تعالى قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥]. وتقدم أن الصحيح في معنى (أهل الكتاب) هنا أنهم اليهود والنصارى فيكون المراد بالكتاب في هذا المثال التوراة والإنجيل كما قال ابن عطية.
وأما الآية الثانية: ففي قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥].
تقدم أن الصحيح في هذه أن الكتاب هو القرآن كما هي دلالة السياق وأقول المفسرين. وبهذا يعود لفظ الباب في المثال الثاني للوجه الذي قبله وهو القرآن. ويكون مسمى هذا الوجه بالمثال الأول: التوراة والإنجيل.
الوجه التاسع: الإنجيل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وشهد له حديث عبد الله بن عباس، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة.
الوجه العاشر: الفرض. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الحادي عشر: العلم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾
[الروم: ٥٦]، ومأخذه التفسير باللازم لأن العلم من لوازم الكتابة.
стр. 798
المبحث الثاني: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على اثني عشر وجها مرتبة على حروف المعجم . وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الإتيان:
باب الإتيان:
قال ابن الجوزي:
«الإتيان: مصدر قولك: أتى، يأتي، إتياناً، وهو بمعنى: جاء. تقول: أتيت فلاناً. أي: جئته. وآتيته بالمد بمعنى: أعطيته. واستأتت الناقة استتاء: إذا أرادت الفحل.
وذكر بعض المفسرين أن الإتيان في القرآن على اثني عشر وجهاً:
أحدها: الدنو . ومنه قوله تعالى في الحجر: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وفي النحل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
والثاني: الإصابة . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠]، وفي يونس: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٥٠].
والثالث: القلع . ومنه قوله تعالى في سورة النحل: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦].
والرابع: العذاب . ومنه قوله تعالى في الحشر: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢].
والخامس: الجماع . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وفي الشعراء: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]، وفي النمل: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل: ٥٥].
والسادس: العمل . ومنه قوله تعالى في العنكبوت: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
والسابع: الإقرار . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، أي: مقراً بالعبودية له.
стр. 799
والثامن: الخلق . ومنه قوله تعالى في إبراهيم: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩].
والتاسع: الظهور . ومنه قوله تعالى في الصف: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
والعاشر: الدخول . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].
والحادي عشر: المضي . ومنه قوله تعالى في الفرقان: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، وفي النمل: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨].
والثاني عشر: المجيء بعينه . ومنه قوله تعالى في مريم: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٨]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: الدنو.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
ولم أقف على من فسر الإتيان بالدنو هنا؛ فيعود إلى أصله في اللغة من إرادة المجيء.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
اختلف السلف في تحديد المراد بأمر الله تعالى، واتفقوا على أن معنى الإتيان القرب والدنو؛ ومنهم: الضحاك، وابن جريج (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني وهو التعبير بالماضي.
стр. 800
الوجه الثاني: الإصابة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٥٠].
ولم أقف على من فسر الإتيان في هاتين الآيتين بالإصابة، غير أن السياق القرآني يدل عليه؛ وهو كون الإتيان عذابا؛ ولا يكون العذاب إلا بإصابة المعذبين.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: القلع.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «أتاها أمر الله من أصلها فخر عليهم السقف من فوقهم» (١).
وقال به من المفسرين: السمرقندي، والسمعاني، والفخر الرازي، والشنقيطي (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه السياق القرآني وهو ورود القواعد؛ والإتيان بمعناه في اللغة غير أن اجتماع الإتيان مع القواعد أعطى الوجه.
الوجه الرابع: العذاب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
стр. 801
تنبيه:
في هذا الوجه والذي قبله ورد الإتيان منسوبا إلى الله تعالى، والمراد إتيان مكره وعذابه مقابل مكر الكفار، وأما صفة الإتيان لله سبحانه فمنصوص عليها في مواطن أخرى من كتابه العزيز؛ قال ابن تيمية: « ... وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته، وأنه لا ينزل قبل يوم القيامة لعقوبة أحد من خلقه، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده، ويحاسبهم ويثيبهم، وتشقق السموات يومئذ لنزوله، وتنزل لملائكة تنزيلا .. فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو من أمره وعذابه؛ فقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، يعني مكره من قبل قواعد بنيانهم فتفسير هذا الإتيان خرور السقف عليهم من فوقهم، وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]، مكر بهم وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وهم بنو النضير فتفسير الإتيانين مقرون بهما» (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني وهو ورود الرعب في الآية.
الوجه الخامس: الجماع.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وشهد له حديث جابر رضي ﵁ قال: «كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحولاً فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]» (٢).
وقال به من السلف: أبي بن كعب، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسُّدي (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
стр. 802
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥].
وقال به من السلف: مجاهد (١).
وبمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير؛ قالوا: ينكحون الرجال ويأتونهم (٢).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل: ٥٥]. وبمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير؛ قالوا: ينكحون الرجال ويأتونهم (٣).
ومما يقوي الوجه أن ابن كثير فسر هذه الآية بآية الشعراء.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني، ويزيد المثال الأول بمأخذ وهو سبب النزول.
الوجه السادس: العمل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
واختلف السلف في المراد بالمنكر؛ واتفقوا على أن الإتيان عمل ذلك المنكر؛ ومنهم: عائشة، وأم هانئ، وابن عباس، وعكرمة، والسُّدي، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد (٤).
وتبع المفسرون السلف في ذلك ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
стр. 803
الوجه السابع: الإقرار.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: الخلق.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩].
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: الظهور.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
ولم أقف على من قال بالظهور هنا، فيعود الإتيان على أصله في اللغة من معنى المجيء؛ فيكون مثالا للوجه الثاني عشر.
الوجه العاشر: الدخول.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].
стр. 804
ويشهد له حديث البراء بن عازب ﵁ يقول: «نزلت هذه الآية فينا؛ كانت الأنصار إذا حجوا فجاؤوا، لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها؛ فجاء رجل من الأنصار فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك فنزلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]» (١).
وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وقتادة، والسُّدي، وعطاء، وابن جريج (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه سبب النزول.
الوجه الحادي عشر: المضي.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]. وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير؛ قالوا: مروا (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨].
وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير؛ قالوا: مروا (٥).
стр. 805
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمقارب؛ فالإتيان والمرور والمضي ألفاظ متقاربة.
الوجه الثاني عشر: المجيء بعينه.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٨].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول وهب بن منبه: «أقبلت به إلى قومها» (١).
وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان قالوا: أتت وأقبلت به (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «الهمزة والتاء والواو والألف والياء يدلُّ على مجيءِ الشيءِ وإصْحابِه وطاعَتِه» (٣).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه أحد عشر وهي:
الوجه الأول: الدنو. ففي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، تقدم أنني لم أقف على من فسر الإتيان بالدنو هنا؛ فيعود إلى أصله في اللغة من إرادة المجيء، ويدخل في أمثلة الوجه الأخير.
وصح مثالا على الوجه الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، ومأخذه السياق القرآني وهو التعبير بالماضي للفعل.
стр. 806
الوجه الثاني: الإصابة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٥٠]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: القلع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]. ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]. وتم التنبيه على عدم دخول أمثلة هذا الوجه والذي قبله في صفات الله تعالى، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: الجماع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وشهد له حديث جابر رضي ﵁ وقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]. وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل: ٥٥]، ومأخذه السياق القرآني، ويزيد المثال الأول بمأخذ وهو سبب النزول.
الوجه السادس: العمل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: الإقرار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: الخلق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: الدخول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. وشهد له حديث البراء بن عازب ﵁، ومأخذه سبب النزول.
الوجه العاشر: المضي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨]، ومأخذه التفسير بالمقارب.
стр. 807
الوجه الحادي عشر: المجيء بعينه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٨]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
وأما الوجه: الظهور. ففي قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. تقدم أنني لم أقف على من قال بالظهور هنا، فيعود الإتيان على أصله في اللغة من معنى المجيء؛ فيكون مثالا للوجه الحادي عشر.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الباء:
قال ابن الجوزي:
«قال أبو زكريا: الباء حرف جر يدخل على الاسم فيجره وهي تجيء في عدة معان منها: أن تكون للإلصاق. كقولك: مسحت يدي بالمنديل. ومنها: أن تكون للاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم، وضربت بالسيف. وتصحب الأثمان، كقولك: اشتريت بدرهم، وبعت بدينار. وتكون: للقسم. كقولك: بالله. وتكون بمعنى: في، كقولك: زيد بالبصرة وتكون: زائدة. كقولك: ليس زيد بمنطق.
وقال ابن قتيبة: تكون الباء بمعنى (من)، تقول العرب: شربت بماء كذا، أي من ماء كذا (١).
قال عنترة:
شَربتْ بماءِ الدُّحرُضينِ فأَصْبحتْ ... زوراءَ تنْفرُ عن حياض الدَّيْلم (٢)
وتكون الباء بمعنى: عن. قال علقمة بن عبدة:
فَإنْ تَسْألوني بالنِّساء فإنَّني ... بصيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طبيبُ (٣)
وقال ابن أحمر:
стр. 808
تُسَائِل يَا ابْنَ أحمَرَ مَنْ رَآهُ ... أَعَارَتْ عَيْنُهُ أم لم تَعَارا (١)
وذكر بعض المفسرين أن الباء في القرآن على اثني عشر وجهاً:
أحدها: صلة في الكلام: ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وفي المائدة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي المؤمنين: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنين: ٢٠].
والثاني: بمعنى " من "، ومنه قوله تعالى في هل أتى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وفي المطففين: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨].
والثالث: بمعنى "اللام "، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وفي الدخان: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩].
والرابع: بمعنى "مع "، ومنه قوله تعالى في الذاريات: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩]، أي مع جنده.
والخامس: بمعنى "في "، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
والسادس: بمعنى "عن "، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، وفي الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩].
والسابع: بمعنى " بعد "، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
والثامن: بمعنى "عند "، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
والتاسع: بمعنى " إلى "، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠].
стр. 809
والعاشر: بمعنى على ، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢].
والحادي عشر: بمعنى المصاحبة ، ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١].
والثاني عشر: بمعنى السبب ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، أي: من أجله» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: صلة في الكلام.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣].
وقال به: أبو حيان (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وقال به: الفرَّاء، والقرطبي، والسمين الحلبي (٣).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنين: ٢٠].
وقال به من المفسرين ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٤).
تنبيه:
إنما يصح الوجه في هذه الآية على قراءة (تُنْبِتُ) بضم التاء وكسر الموحدة مضارع أنبت بمعنى نبت فيكون لازما وقيل معدى بالهمزة وبالدهن مفعوله والباء زائدة أو حال، وهي قراءة ابن كثير وأبي
стр. 810
عمرو ورويس، ووافقهم اليزيدي، وأما الباقون فقرأوا (تَنْبُتُ) بفتح التاء وضم الباء مضارع نبت لازم وبالدهن حال الفاعل أي تنبت ملتبسة بالدهن (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن هشام في معاني الباء: «الرابع عشر: التوكيد وهي الزائدة» (٢).
الوجه الثاني: بمعنى " من ".
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨].
وقال به من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن قتيبة: «تقول العرب: شربت بماء كذا وكذا أي من ماء كذا وكذا. قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]. و ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]» (٥).
الوجه الثالث: بمعنى "اللام".
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠].
وقال به: القرطبي، وأبو حيان (٦).