الوجه الثاني: الإصابة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٥٠]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثالث: القلع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]. ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الرابع: العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]. وتم التنبيه على عدم دخول أمثلة هذا الوجه والذي قبله في صفات الله تعالى، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: الجماع. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وشهد له حديث جابر رضي ﵁ وقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]. وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل: ٥٥]، ومأخذه السياق القرآني، ويزيد المثال الأول بمأخذ وهو سبب النزول.
الوجه السادس: العمل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: الإقرار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: الخلق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: الدخول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. وشهد له حديث البراء بن عازب ﵁، ومأخذه سبب النزول.
الوجه العاشر: المضي. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨]، ومأخذه التفسير بالمقارب.
стр. 807
الوجه الحادي عشر: المجيء بعينه. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٨]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
وأما الوجه: الظهور. ففي قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. تقدم أنني لم أقف على من قال بالظهور هنا، فيعود الإتيان على أصله في اللغة من معنى المجيء؛ فيكون مثالا للوجه الحادي عشر.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الباء:
قال ابن الجوزي:
«قال أبو زكريا: الباء حرف جر يدخل على الاسم فيجره وهي تجيء في عدة معان منها: أن تكون للإلصاق. كقولك: مسحت يدي بالمنديل. ومنها: أن تكون للاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم، وضربت بالسيف. وتصحب الأثمان، كقولك: اشتريت بدرهم، وبعت بدينار. وتكون: للقسم. كقولك: بالله. وتكون بمعنى: في، كقولك: زيد بالبصرة وتكون: زائدة. كقولك: ليس زيد بمنطق.
وقال ابن قتيبة: تكون الباء بمعنى (من)، تقول العرب: شربت بماء كذا، أي من ماء كذا (١).
قال عنترة:
شَربتْ بماءِ الدُّحرُضينِ فأَصْبحتْ ... زوراءَ تنْفرُ عن حياض الدَّيْلم (٢)
وتكون الباء بمعنى: عن. قال علقمة بن عبدة:
فَإنْ تَسْألوني بالنِّساء فإنَّني ... بصيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طبيبُ (٣)
وقال ابن أحمر:
стр. 808
تُسَائِل يَا ابْنَ أحمَرَ مَنْ رَآهُ ... أَعَارَتْ عَيْنُهُ أم لم تَعَارا (١)
وذكر بعض المفسرين أن الباء في القرآن على اثني عشر وجهاً:
أحدها: صلة في الكلام: ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وفي المائدة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي المؤمنين: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنين: ٢٠].
والثاني: بمعنى " من "، ومنه قوله تعالى في هل أتى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وفي المطففين: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨].
والثالث: بمعنى "اللام "، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، وفي الدخان: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩].
والرابع: بمعنى "مع "، ومنه قوله تعالى في الذاريات: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩]، أي مع جنده.
والخامس: بمعنى "في "، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
والسادس: بمعنى "عن "، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، وفي الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩].
والسابع: بمعنى " بعد "، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
والثامن: بمعنى "عند "، ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
والتاسع: بمعنى " إلى "، ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠].
стр. 809
والعاشر: بمعنى على ، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢].
والحادي عشر: بمعنى المصاحبة ، ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١].
والثاني عشر: بمعنى السبب ، ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، أي: من أجله» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: صلة في الكلام.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣].
وقال به: أبو حيان (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
وقال به: الفرَّاء، والقرطبي، والسمين الحلبي (٣).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنين: ٢٠].
وقال به من المفسرين ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير (٤).
تنبيه:
إنما يصح الوجه في هذه الآية على قراءة (تُنْبِتُ) بضم التاء وكسر الموحدة مضارع أنبت بمعنى نبت فيكون لازما وقيل معدى بالهمزة وبالدهن مفعوله والباء زائدة أو حال، وهي قراءة ابن كثير وأبي
стр. 810
عمرو ورويس، ووافقهم اليزيدي، وأما الباقون فقرأوا (تَنْبُتُ) بفتح التاء وضم الباء مضارع نبت لازم وبالدهن حال الفاعل أي تنبت ملتبسة بالدهن (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن هشام في معاني الباء: «الرابع عشر: التوكيد وهي الزائدة» (٢).
الوجه الثاني: بمعنى " من ".
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨].
وقال به من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن قتيبة: «تقول العرب: شربت بماء كذا وكذا أي من ماء كذا وكذا. قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]. و ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]» (٥).
الوجه الثالث: بمعنى "اللام".
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠].
وقال به: القرطبي، وأبو حيان (٦).
стр. 811
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩].
وقال به: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والقرطبي (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن قتيبة: «قال الله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]. أي للحق» (٢).
الوجه الرابع: بمعنى "مع ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩].
وقال به: الفرَّاء، السمرقندي، والواحدي، والفخر الرزي (٣).
وهذا الوجه وإن كان صحيحا بمعنى (مع) فهو معنى المصاحبة من معاني الباء وليس بين
(مع) والمصاحبة فرق بل هما متلازمان يؤيد هذا قول الفخر: «﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩]، فيه وجوه الأول الباء للمصاحبة والركن إشارة إلى القوم كأنه تعالى يقول أعرض مع قومه، يقال نزل فلان بعسكره على كذا». (٤) وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الحادي عشر وهو المصاحبة.
الوجه الخامس: بمعنى "في".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
ولم أقف على من فسر الباء هنا بمعنى في، ولعل ابن الجوزي يشير إلى حديث استفتاح النبي ﷺ في الصلاة وفيه: «لبيك وسعديك، والخير كله في يديك» (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة.
الوجه السادس: بمعنى "عن".
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
стр. 812
وقال به: البغوي، والعكبري، والألوسي (١).
الآية الثانية: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩].
وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن قتيبة: «﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] أي عنه» (٣).
الوجه السابع: بمعنى " بعد ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
وقال به من السلف: ابن إسحاق (٤).
ومن المفسرين: الزَّمخشري، وابن الجوزي، والعكبري، والقرطبي (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: بمعنى "عند".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
وقال به: السمرقندي (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الزَّجَّاجي عند معاني الباء: «وبمعنى عند: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]» (٧).
стр. 813
الوجه التاسع: بمعنى " إلى ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠].
ويشهد له حديث النبي ﷺ وفيه: « .. سبقك بها عكاشة». (١)
وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبو السعود (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الزَّجَّاجي عند معاني الباء: «وبمعنى إلى ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]» (٣).
الوجه العاشر: بمعنى على.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢].
وقال به من المفسرين: القرطبي، وأبو حيان (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال الزَّجَّاجي عند معاني الباء: «وبمعنى على» (٥).
الوجه الحادي عشر: بمعنى المصاحبة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٦).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن فارس: «وباء المصاحبة، وقوله : ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]» (٧).
стр. 814
الوجه الثاني عشر: بمعنى السبب.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].
وقال به: العكبري، والألوسي (١).
تنبيه:
تقدمت هذه الآية المذكورة مثالا لوجه متقدم وهو كون الباء بمعنى (عن)، وهما قولان للمفسرين، قال أبو البقاء العكبري: «الباء هنا للسببية والتقدير وتقطعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون بها النجاة، ويجوز أن تكون الباء للحال أي تقطعت موصولة بهم الأسباب كقولك خرج زيد بثيابه، وقيل بهم بمعنى عنهم وقيل الباء للتعدية والتقدير قطعتهم الأسباب كما تقول تفرقت بهم الطرق أي فرقتهم» (٢).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠].
وقال به من المفسرين: ابن قتيبة، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه الاستعمال العربي؛ قال ابن فارس: «وباء السبب، وقوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]» (٤).
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة أحد عشر وجها وهي:
الوجه الأول: صلة في الكلام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾
стр. 815
[المؤمنين: ٢٠]، وتم التنبيه على أن الوجه في هذا المثال على قراءة (تُنْبِتُ)، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن هشام.
الوجه الثاني: بمعنى " من ". ودل عليه قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]. وقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن قتيبة.
الوجه الثالث: بمعنى "اللام". ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن قتيبة.
الوجه الرابع: بمعنى "في".ودل عليه قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
وتم التنبيه على أنني لم أقف عليه والتماس مأخذ ابن الجوزي له من كلام النبي ﷺ ، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة.
الوجه الخامس: بمعنى "عن". ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن قتيبة.
الوجه السادس: بمعنى " بعد ".ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: بمعنى "عند".ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال الزَّجَّاجي.
الوجه الثامن: بمعنى " إلى ". ودل عليه قوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]. وشهد له حديث النبي ﷺ ، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال الزَّجَّاجي.
الوجه التاسع: بمعنى على. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال الزَّجَّاجي.
الوجه العاشر: بمعنى المصاحبة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن فارس.
стр. 816
الوجه الحادي عشر: بمعنى السبب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦].وتم التنبيه على تكرار الآية وأن فيها قولان للمفسرين، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، ومأخذه الاستعمال العربي؛ كما قال ابن فارس.
وأما الوجه الذي هو: بمعنى "مع ". ففي قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ [الذاريات: ٣٩]. فتقدم أنه داخل ضمن أمثلة المصاحبة؛ وتم نقل كلام الفخر الرازي في ذلك، وبهذا يعود إلى الوجه الذي هو المصاحبة.
المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة القيام:
باب القيام:
قال ابن الجوزي:
«الأصل في القيام: أنه انتصاب القامة من الآدمي وامتدادها إلى جهة العلو. والقَوْمَة: المرة الواحدة. وهذا قوام هذا، أي: الذي يقوم به. والقوام حسن الطول (١).
وذكر بعض المفسرين أن القيام في القرآن على اثني عشر وجهاً:
أحدها: القيام المعروف الذي هو انتصاب القامة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وفي المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠].
والثاني: الأمن . ومنه قوله تعالى في المائدة: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، أي: أمانا. وقيل قواماً لأمرهم.
والثالث: الإتمام . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
والرابع: العدل . ومنه قوله تعالى في الرعد: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].
стр. 817
والخامس: الوقوف . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وفي عم يتساءلون: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، وفي المطففين: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].
والسادس: النهوض بالدعوة . ومنه قوله تعالى في المدثر: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]، وفي سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩].
والسابع: الكون . ومنه قوله تعالى في مواضع: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٢، ١٤، ٥٥، غافر: ٤٦، الجاثية: ٢٧].
والثامن: الثبوت . ومنه قوله تعالى في هود: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، أي: ثابت بنيانه وشخصه.
والتاسع: القول . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، أي: قوالين.
والعاشر: المواظبة . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥].
والحادي عشر: القوام . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، أي: قواماً في المعاش.
والثاني عشر: الخلوة . ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] حين تخلو، قاله الحسن البصري (١)» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: القيام المعروف الذي هو انتصاب القامة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
стр. 818
ويشهد له، حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: «ثم إن كنا لنتكلم في الصلاة، على عهد النبي ﷺ ، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت» (١).
واختلف السلف في معنى القنوت واتفقوا على أن القيام هو المعروف ومنهم: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، وسعيد بن جبير، والسُّدي، والشعبي، وجابر بن زيد، والحسن بن أبي الحسن، وسعيد بن عبد العزيز، وطاوس، وعطية (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، والقرطبي، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠].
وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «وأمّا الآخَر فقولُهم: قامَ قيامًا، والقَوْمة المَرَّةُ الواحدة، إذا انتصب» (٥).
الوجه الثاني: الأمن.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٦)، والزهري، ومقاتل بن حيان (٧).
стр. 819
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم كونه قياما؛ الأمن فيه، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير القرآن بالقرآن؛ قال الزَّجَّاج: «فأما من قال إنه أمن فلأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]» (٢).
الوجه الثالث: الإتمام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والبغوي، وابن كثير؛ ذكروا: المحافظة على مواقيتها وحدودها مع النبي ﷺ (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الإقامة الإتمام.
الوجه الرابع: العدل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول قتادة: «ذلكم ربكم ﵎ قائم على بني آدم بأرزاقهم وآجالهم وحفظ عليهم والله أعمالهم» (٤)، ونحوه عن الضحاك (٥).
стр. 820
وبين علاقة العدل بتفسير قتادة ابن الجوزي في زاد المسير فقال: «يعني نفسه ومعنى القيام هاهنا التولي لأمور خلقه والتدبير لأرزاقهم وآجالهم، وإحصاء أعمالهم للجزاء والمعنى: أفمن هو مجازي كل نفس بما كسبت، يثيبها إذا أحسنت ويأخذها بما جنت، كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام» (١).
وقال ابن تيمية: «وهذا استفهام تقرير، يتضمن إقامة الحجة عليهم ونفي كل معبود مع الله الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت، بعلمه وقدرته، وجزائه في الدنيا والآخرة؛ فهو رقيب عليها، حافظ لأعمالها، مجاز لها بما كسبت من خير وشر» (٢).
وقال نحواً من قول قتادة من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: الوقوف.
ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].
ويشهد له حديث ابن عباس ﵄ قال: «قام النبي ﷺ وقام الناس معه فكبر وكبروا معه وركع، وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في صلاة ولكن يحرس بعضهم بعضا» (٤).
وقال به من السلف: ابن عباس (٥).
стр. 821
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨].
واختلف السلف في تحديد المراد بالروح؛ والذي يستقيم معه الوجه القول القائل أنه جبريل وقال به منهم: الضحاك، والشعبي (٢).
وتبع السلفَ المفسرون في هذا ومنهم: الزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير؛ ومال إليه مستشهدا بقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] (٣)، وجزم به ابن عثيمين (٤).
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].
ويشهد له حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]؛ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (٥).
وقال به من السلف: ابن مسعود، وقتادة (٦).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧).
стр. 822
وهذا الوجه بأمثلته ليس بينه وبين الوجه الأول (انتصاب القامة) فرق، ويكون معنى القيام في هذه الأمثلة الثلاثة الانتصاب والقيام المعروف ويعود مأخذه لذات الوجه الأول وهو أصل اللفظ في اللغة؛ غير أن المثال الثالث هنا يزيد مأخذا جديدا وهو تفسير النبي ﷺ .
الوجه السادس: النهوض بالدعوة.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢].
ويشهد له حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ثم فتر عني الوحي فترة؛ فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قِبَل السماء؛ فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض؛ فجَئثت (١) منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني؛ فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] إلى:
﴿فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]» (٢).
وقال به من السلف: قتادة (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩].
وقال به من السلف: ابن عباس، والضحاك (٥)، وابن جريج (٦).
стр. 823
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني؛ وهو الإنذار في الأول والدعاء في الثاني.
الوجه السابع: الكون.
ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٢]،
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٤]،
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ٥٥]،
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر: ٤٦]،
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٢٧].
ولم أقف على من فسر القيام في واحد من هذه المواضع بالكون؛ وإنما الذي يذكرونه القيام نفسه أوالمجيء؛ ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ومعنى القيام هنا عائد للوجه الأول وهو؛ بمعنى مجيئها، والمعنى ويوم تقوم القيامة والمراد قيام الناس من قبورهم؛ قال الراغب الأصفهاني: «والقيامة عبارة عن قيام الساعة المذكور في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٢]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦]، والقيامة أصلها ما يكون من الإنسان من القيام دفعة واحدة أدخل فيها الهاء تنبيها على وقوعها دفعة» (٣). وبهذا تعود هذه الأمثلة إلى الوجه الأول.
стр. 824
الوجه الثامن: الثبوت.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠].
ومعنى كلام السلف يدل عليه؛ كقول ابن عباس: «يعني بالقائم قرى عامرة»، ونحوه عن قتادة وابن جريج، وابن زيد (١).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم القيام الثبوت.
الوجه التاسع: القول.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة، والسُّدي، وابن زيد (٣)، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان (٤).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني؛ وهو ذكر الشهادة وأداؤها بالقسط.
стр. 825
الوجه العاشر: المواظبة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥].
وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة (١)، وعطاء (٢)، والضحاك (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
وللسلف في الآية قول آخر وهو: قائما على رأسه؛ وقال به منهم: السُّدي، والربيع بن أنس (٥).
وليس بين قولي السلف تعارض بل بينهما تلازم فالقيام على الرأس من لوازم المواظبة.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني وهو مايشعر به لفظ المداومة في الآية.
الوجه الحادي عشر: القوام.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥].
وقال به من السلف: ابن عباس، وغزوان الغفاري، والسُّدي، والحسن، ومجاهد، وابن زيد (٦).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٧).
стр. 826
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه غي معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «والقِوامُ من العَيْش: ما يُقِيمُك، ويُغْنيكَ» (١). ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بسببه؛ لأن القوام سبب للقيام.
الوجه الثاني عشر: الخلوة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨].
وقال به من السلف: الحسن البصري فقال: «حين تقوم إذا صليت وحدك» (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والسمرقندي، والزَّمخشري، وابن كثير، وأبو السعود (٣).
وقال أكثر المفسرين في هذه الآية: حين تقوم إلى الصلاة (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه، ومأخذه السياق القرآني.
نتيجة الدراسة
تحصل من تلك الدراسة صحة وجوه عشرة وهي:
الوجه الأول: القيام المعروف الذي هو انتصاب القامة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وشهد له، حديث زيد بن أرقم ﵁، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ومأخذه أحد أصلي اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس.
الوجه الثاني: الأمن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم كونه قياما؛ الأمن فيه، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير القرآن بالقرآن.
стр. 827
الوجه الثالث: الإتمام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الإقامة الإتمام.
الوجه الرابع: العدل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه الخامس: النهوض بالدعوة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]. وشهد له حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، ومأخذه السياق القرآني؛ وهو الإنذار في الأول والدعاء في الثاني.
الوجه السادس: الثبوت. ودل عليه قوله تعالى: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم القيام الثبوت.
الوجه السابع: القول. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]، ومأخذه السياق القرآني؛ وهو ذكر الشهادة وأدائها بالقسط.
الوجه الثامن: المواظبة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، ومأخذه السياق القرآني وهو ما يشعر به لفظ المداومة في الآية.
الوجه التاسع: القوام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل.
الوجه العاشر: الخلوة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾
[الشعراء: ٢١٨]، ومأخذه تفسير السلف.
وأما الوجهان وهما:
-: الوقوف . ففي قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فقد تقدم أن هذا الوجه بأمثلته ليس بينه وبين الوجه الأول (انتصاب القامة) فرق، ويكون معنى القيام في هذه الأمثلة الثلاثة الانتصاب والقيام المعروف ويعود مأخذه لذات الوجه الأول وهو أصل اللفظ في اللغة؛ غير أن المثال الثالث يزيد مأخذا جديدا وهو تفسير النبي ﷺ .
стр. 828
- الكون . ففي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم: ٥٥]، وقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الجاثية: ٢٧]. فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر القيام في واحد من هذه المواضع بالكون؛ وإنما الذي يذكرونه القيام نفسه أوالمجيء؛ وأن معنى القيام هنا عائد للوجه الأول وهو انتصاب القامة؛ وذلك أن القيام هنا من القيامة، والمعنى ويوم تقوم القيامة والمراد قيام الناس من قبورهم؛ كما هو مفهوم كلام الراغب الأصفهاني، وبهذا تعود هذه الأمثلة إلى الوجه الأول.
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الناس:
باب الناس:
قال ابن الجوزي:
«الناس: اسم للحيوان الآدمي. وواحد الناس إنسان. والجمع: ناس وأناسي.
قال ابن فارس: سمي الإنس إنساً لظهورهم. ويقال: آنست الشيء: رأيته. وآنست الصوت: سمعته. وآنست: علمت. والأنيس: كل ما يؤنس به (١). والناس بتشديد السين: العطشان. قال الراجز:
وبَلَدٍ تُمْسِي قَطَاهُ نُسَّا (٢)
ويقال لمكة: الناسية، لقلة الماء بها (٣).
وذكر بعض المفسرين أن الناس في القرآن على اثني عشر وجهاً:
أحدها: النبي محمد ﷺ -. ومنه قوله تعالى في النساء: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
стр. 829
والثاني: سائر الرسل . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقيل إن على هاهنا بمعنى "اللام".
والثالث: المؤمنون . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
والرابع: مؤمنو أهل كتاب التوراة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٢]. يريد ابن سلام وأصحابه.
والخامس: أهل مكة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وفي الحج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج: ٥]، وهو اللفظ عام وإن خوطب به أهل مكة. وفي آل عمران: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وفي يونس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، وفي النمل: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].
والسادس: اليهود . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠].
والسابع: بنو إسرائيل . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣، ٤]، وفي المائدة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].
والثامن: أهل مصر . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٤٦]، وفيها: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩].
والتاسع: نعيم بن مسعود . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فالكلمة الأولى أريد بها نعيم بن مسعود. والثانية أهل مكة.
والعاشر: ربيعة ومضر . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
стр. 830
والحادي عشر: من كان من عهد آدم إلى زمن نوح . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]، وفي يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
والثاني عشر: سائر الناس . ومنه قوله تعالى في الحج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج: ١]، وفي الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣].
وقد زاد مقاتل وجهاً ثالث عشر، فقال: والناس: الرجال. ومنه قوله تعالى في حم المؤمن: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]» (١).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: النبي محمد ﷺ .
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وقال به من السلف: ابن عباس، وعكرمة، والسُّدي، ومجاهد، والضحاك (٢)، وأبو مالك غزوان الغفاري (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه إطلاق العام على الخاص.
стр. 831
الوجه الثاني: سائر الرسل.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان (١).
والصحيح في هذا ما فسره به النبي ﷺ من حديث أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله ﷺ يُدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب؛ فيقول هل بلغت؟؛ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟؛ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته؛ فيشهدون أنه قد بلغ، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط العدل» (٢).
وقال به من السلف: جابر ين عبد الله، وأبو هريرة، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، وعطاء (٣).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم عدم صحة هذا الوجه، ويكون معناه: سائر الأمم إلا أمة محمد ﷺ
الوجه الثالث: المؤمنون.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١].
وقال به من السلف: قتادة، والربيع (٥).
стр. 832
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده.
الوجه الرابع: مؤمنو أهل كتاب التوراة.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٢].
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، البغوي، والزَّمخشري، والقرطبي (٢).
وللسلف في الآية قول آخر: وهو أصحاب محمد وقال به ابن عباس (٣).
والصحيح في هذه الآية بقاؤها على عمومها في جميع الذين آمنوا بالنبي ﷺ ؛ قال ابن عطية: «وقال قوم الآية نزلت في منافقي اليهود والمراد بالناس عبد الله بن سلام ومن أسلم من بني إسرائيل، قال القاضي أبو محمد وهذا تخصيص لا دليل عليه» (٤).
وبهذا يعود هذا المثال إلى أمثلة الوجه الذي قبله وهو المؤمنون.
الوجه الخامس: أهل مكة.
ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج: ٥].
قال ابن الجوزي بعد هاتين الآيتين: اللفظ عام وإن خوطب به أهل مكة.
وكأنه يشير لقول ابن عباس: «يا أيها الناس؛ خطاب لأهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة»؛ وقال البغوي بعد إيراده له: «وهو هنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله
стр. 833
الصغار والمجانين «(١)، ونقله عن مجاهد ورده ابن عطية فقال:» وقال مجاهد: يا أيها الناس حيث وقع في القرآن مكي ويا أيها الذين آمنوا مدني.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁ قد تقدم في أول السورة أنها كلها مدنية وقد يجيء في المدني يا أيها الناس وأما قوله في يا أيها الذين آمنوا فصحيح» (٢).
والذي يدل عليه كلام المفسرين: عموم الناس.
وقال ابن عباس: الكفار والمنافقون (٣).
وقال أيضا: لجميع من يعقل. وقال الحسن ومجاهد: اليهود (٤).
وقال ابن عطية، والقرطبي عن آية الحج: «العالم» (٥).
ورجح البغوي، والقرطبي، وأبو حيان العموم؛ وقال عن العموم: «والظاهر قول ابن عباس، لأن دعوى الخصوص تحتاج إلى دليل» (٦). ويبقى على هذا لفظ الباب على عمومه، ولو وقفت على قول للسلف في أهل مكة لصح وكان تفسيرا بالمثال غير أني لم أقف عليه
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال به من السلف: الحسن، وأبو مالك غزوان الغفاري (٧).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٨).
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣].
стр. 834
وقال به: ابن الجوزي، وأبو حيان؛ ونسبه للجمهور (١).
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].
ومراد ابن الجوزي هنا مكان خروج الدابة التي هي من علامات الساعة الكبرى، وأنها تخرج في الحرم المكي (٢)، وبغض النظر عن ثبوت مكان خروجها من عدمه فإن المقصود من الدابة أو غيرها في حالة وقعت الإعلام العام لدنو الساعة، وحصره في أهل مكة يمنع مقصدا كونيا سيحدث قطعا؛ والذي يدل عليه الحديث الصحيح أنها تخرج ضحى؛ كما هو حديث عبد الله بن عمرو قال حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا» (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى المثالين الثالث والرابع، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده، وأما بقية الأمثلة فهي داخلة في الوجه الثاني عشر وهو: سائر الناس.
الوجه السادس: اليهود.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وقال به من السلف: قتادة، والربيع (٤)، وأبو العالية (٥)، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، والسُّدي (٦).
стр. 835
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.
الوجه السابع: بنو إسرائيل.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣، ٤].
وقال به من السلف: قتادة، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].
وظاهر من هذه الآية أن الناس النصارى خاصة؛ وقال به من السلف: السُّدي (٤).
ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى المثال الأول، ومأخذه السياق القرآني وهو ورود التوراة والإنجيل وهما كتابا أهل الكتاب، وأما المثال الثاني فيستقل بوجه جديد وهو: النصارى، وقد يرد على هذا أن يكون مراد ابن الجوزي بهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الصف: ٦] فجعله من تفسير القرآن بالقرآن، وذكر المفسرون عند آية الصف؛ أن النداء ببني
стр. 836
إسرائيل لأنه ليس له فيهم نسب، وأن المراد النصارى لأن سياق الآية فيها تصديقه لمن قبله وهو موسى المرسل لليهود وتبشيرا لمن بعده وهو محمد؛ صلى الله عليهم وسلم.
الوجه الثامن: أهل مصر.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٤٦].
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩].
ومعلوم أن الناس في المثالين أهل مصر لأن أحداث قصة يوسف في مصر (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
الوجه التاسع: نعيم بن مسعود.
ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقال به من السلف: مجاهد، وعكرمة (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (٣).
تنبيه:
عند هذه الآية لم يذكر ابن جرير: نعيم بن مسعود بل قال: «قوم سألهم أبو سفيان أن يثبطوا محمدا ﷺ » (٤).
стр. 837
وقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه والناس جماعة، وإبراهيم واحد، والله تعالى ذكره يقول: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]؟، قيل: إن العرب تفعل ذلك كثيرا فتدل بذكر الجماعة على الواحد، ومن ذلك قول الله :
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، والذي قال ذلك واحد، وهو فيما تظاهرت به الرواية من أهل السير: نعيم بن مسعود الأشجعي» (١).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده (٢).
الوجه العاشر: ربيعة ومضر.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، وابن الجوزي (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده.
الوجه الحادي عشر: من كان من عهد آدم إلى زمن نوح.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣].
وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة (٤).
стр. 838
ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩].
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده.
الوجه الثاني عشر: سائر الناس.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج: ١].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «الإِنسُ: جماعةُ النّاس، وهم الأَنَسُ، تقول: رأيت بمكان كذا أَنَساً كثيراً، أي: ناساً» (٥).
стр. 839
الثالث عشر: الوجه الذي زاده مقاتل: فقال: والناس، الرجال.
ومثل له بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].
وفيه ملاحظتان:
الأولى: (الرجال) هكذا هو في كتاب ابن الجوزي فلعله تصحف أثناء النسخ فكتب
(الرجال) والصحيح (الدجال)؛ وذلك لأمرين:
- أن بعض المفسرين يذكرون أن معنى الناس هنا الدجال كما سيأتي.
- أن الكتب المؤلفة في الوجوه النظائر توجه ذات التوجيه المذكور؛ فقال الحيري، والدامغاني: الدجال، وكلاهما يمثلان بالآية المذكورة (٢).
الثانية: أن باب الناس ليس موجودا عند مقاتل، في النسخة التي بين أيدينا، فإما أن يكون مما سقط من كتاب مقاتل، وإما أن يكون ابن الجوزي استفاد هذه الوجه من تفسير مقاتل حيث قال مقاتل: «يعني بالناس في هذا الموضع الدجال وحده؛ يقول: خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، هما أعظم خلقا من خلق الدجال» (٣).
وقال به من السلف: أبو العالية (٤).
ومن المفسرين: مقاتل بن سليمان، والبغوي، والقرطبي (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده.
стр. 840
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة اثني عشر وجها، هي:
الوجه الأول: النبي محمد ﷺ .
ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، ومأخذه إطلاق العام على الخاص.
الوجه الثاني: سائر الرسل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وتقدم من صحيح السنة ما يدل على أن الوجه: جميع الناس سوى أمة مجمد ﷺ .
الوجه الثالث: المؤمنون. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، ومأخذه إطلاق العام على بعض أفراده.
الوجه الرابع: أهل مكة. وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج: ٥].
تقدم ترجيح المفسرين العموم في الآيتين فيعود لفظ الناس فيهما لسائر الناس وهو الوجه الثاني عشر.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]. فقد تقدم أن الوجه فيهما صحيح، ومأخذه إطلاق العام على بعض أفراده.
وأما قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].
فمراد ابن الجوزي هنا مكان خروج الدابة التي هي من علامات الساعة الكبرى، وتقدمت الإشارة إلى عدم تخصيص خروج الدابة بأهل مكة؛ فيعود لفظ الباب إلى العموم وهو الوجه الثاني عشر.
الوجه الخامس: اليهود. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠]، ومأخذه إطلاق العام على بعض أفراده.
الوجه السادس: بنو إسرائيل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣، ٤].
стр. 841
وتقدمت الإشارة إلى صحة هذا الوجه في هذا المثال، ومأخذه السياق القرآني وهو ورود التوراة والإنجيل وهما كتابا أهل الكتاب، وأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ فظاهر من هذه الآية أن الناس النصارى خاصة؛ فيستقل بوجه جديد وهو: النصارى.
الوجه السابع: أهل مصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٤٦]. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩]، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده، ويجوز أن يكون مأخذه السياق القرآني.
الوجه الثامن: نعيم بن مسعود. ودل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وتم التنبيه على قول ابن جرير وأنه نص عليه نصا واضحا في غير موضعه ومأخذه إطلاق اسم الجنس على أحد أفراده.
الوجه التاسع: ربيعة ومضر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده.
الوجه العاشر: من كان من عهد آدم إلى زمن نوح.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣].وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده.
الوجه الحادي عشر: سائر الناس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [الحج: ١]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل.
الوجه الثاني عشر: الوجه الذي زاده مقاتل: فقال: والناس الدجال.
ودل عليه قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]. وتم التنبيه على خلل في التحقيق، وعلى زيادة ابن الجوزي من مقاتل، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على أحد أفراده.
وأما الوجه الذي هو: مؤمنو أهل كتاب التوراة . ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٢]. فقد تقدم أن الصحيح بقاء لفظ الباب على عموم المؤمنين دون تخصيص فئة دون أخرى كما قاله ابن عطية، وبهذا يعود هذا المثال إلى أمثلة الوجه الذي قبله وهو المؤمنون.
стр. 842
المبحث الثالث: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على ثلاث عشرة وجها . وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة الرجل:
باب الرجل:
قال ابن الجوزي:
«الرجل: واحد الرجال (١).
وذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على ثلاث عشر وجهاً:
أحدهما: مثال ضربه اللَّه لنفسه . ومنه قوله تعالى في الزمر: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩]، فالرجل الثاني ضربه مثلاً لنفسه ، والأول المؤمنون.
والثاني: النبي محمد ﷺ -. ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، وفي سبأ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧].
والثالث: نوح ﵇ -. ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣].
والرابع: هود ﵇ -. ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩].
والخامس: موسى ﵇ -. ومنه قوله تعالى في حم المؤمن: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
والسادس: يوشع بن نون وكالب بن يوحنا . ومه قوله تعالى في المائدة: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣].
والسابع: حزقيل (مؤمن فرعون وقيل شروان) . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]، وفي المؤمن: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨].
стр. 843
والثامن حبيب النجار . ومنه قوله تعالى يس: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠].
والتاسع: يمليخا وفرطس . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢]. وقال مقاتل: يمليخيا مؤمن وفرطس كافر.
والعاشر: أبو مسعود الثقفي أو الوليد بن المغيرة . ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، أي: لولا نزل على أحد هذين.
والحادي عشر: جميل بن معمر الفهري . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]. والآية عامة وإن كانت نزلت (١) في حق شخص معين.
والثاني عشر: الوثن . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل: ٧٦]، يعني به الوثن.
والثالث عشر: الشيطان . ومنه قوله تعالى في الزمر: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، قيل: هو الشيطان لأنه يزين لقوم المعاصي فيتبعهم غيرهم فيختصم التابع والمتبوع» (٢).
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي:
الوجه الأول: مثال ضربه اللَّه لنفسه.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: ٢٩].
стр. 844
وقال به من السلف: ابن عمر (١)، ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد (٢).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
وقال ابن كثير: «أي لا يستوي هذا وهذا كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فأين هذا من هذا» (٤).
وبسط ابن القيم هذا المثال فقال: «هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد؛ فالمشرك بمنزلة عبد تملكه جماعة مشتركين في خدمته لا يمكنه رضاهم أجمعين، والموحد لما كان يعبد الله وحده، فمثله كمثل عبد رجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليته بمصالحه فهل يستوي هذان العبدان» (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المثل القرآني.
الوجه الثاني: النبي محمد ﷺ .
ومثل له ابن الجوزي بأيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن جريج (٦).
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية،
стр. 845
والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١).
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٧].
وقال به من السلف: قتادة (٢).
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على أحد أفراده.
الوجه الثالث: نوح ﵇.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣].
وقال به من المفسرين: الزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه إطلاق اسم الجنس على أحد أفراده.
الوجه الرابع: هود ﵇.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩].
وقال به من المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه إطلاق اسم الجنس على أحد أفراده.
الوجه الخامس: موسى ﵇.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
وقال به من المفسرين: ابن جرير (٦). وقلَّ قائل به من المفسرين لظهوره من السياق.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه إطلاق اسم الجنس على أحد أفراده.
الوجه السادس: يوشع بن نون وكالب بن يوحنا.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ [المائدة: ٢٣].
وهو عند ابن جرير، والدامغاني، وابن كثير (يوفنّا) بدلا من (يوحنا) (٧).
وقال به من السلف: ابن عياس، ومجاهد، والسُّدي، وعطية العوفي، وقتادة، والربيع (٨). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٩).
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده.