← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 6

زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر

فهد بن إبراهيم الضالع

Полный текст (979 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الوجه الخامس عشر: القضاء. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. قال ابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وابن زيد: اختبارك وابتلاؤك (١). وتبع المفسرون السلف في هذا ومنهم: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢). وأما ابن كثير فلم يند عن بقية المفسرين غير أنه أضاف ما يؤيد الوجه فقال: «﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أي ابتلاؤك واختبارك وامتحانك؛ قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وغير واحد من علماء السلف والخلف، ولا معنى له غير ذلك، يقول: إنِ الأمر إلا أمرك، وإن الحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخلق والأمر» (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير باللازم لأن القضاء من لوازم الفتنة. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الخمسة عشر وهي: الوجه الأول: الشرك. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته.

стр. 877

الوجه الثاني: الكفر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته. الوجه الثالث: الابتلاء والاختبار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الرابع: العذاب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]، وتم التنبيه على أن الوجه على قراءة البناء للمجهول، وقوله تعالى: ﴿فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل. الوجه الخامس: الإحراق بالنار. ودل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الخليل. الوجه السادس: القتل. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. وقوله تعالى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السابع: الصد. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: الضلالة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١]، وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]، ومأخذه السياق القرآني الوجه التاسع: المعذرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه العاشر: العبرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥].

стр. 878

وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٥]، ومأخذه تفسير الشيء بنتيجته لأن العبرة ناتجة من الافتتان. الوجه الحادي عشر: الجنون. ودل عليه قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني عشر: الإثم. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩]، ومأخذه سبب النزول. الوجه الثالث عشر: العقوبة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الرابع عشر: المرض. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ومأخذ التفسير بالمثال. الوجه الخامس عشر: القضاء. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، ومأخذه التفسير باللازم لأن القضاء من لوازم الفتنة. المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الرحمة: باب الرحمة: قال ابن الجوزي: «الرحمة: النعمة على المحتاج. قال ابن فارس: يقال رحم يرحم إذا رق. والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى واحد (١). وذكر أهل التفسير أن الرحمة في القرآن على ستة عشر وجهاً: أحدهما: الجنة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وفي آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وفي سورة النساء: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]، وفي بني إسرائيل:

стр. 879

﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وفي العنكبوت: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣]، وفي الجاثية: ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠]. والثاني: الإسلام . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وفي هل أتى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] والثالث: الإيمان. ومنه قوله تعالى في هود: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: ٢٨]، وفيها: ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود: ٦٣]. والرابع: النبوة . ومنه قوله تعالى في الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، وفي ص: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]. والخامس: القرآن . ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، وفي بني إسرائيل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. والسادس: المطر . منه قوله تعالى في الأعراف: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وفي الروم: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، وفيها: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: ٤٦]. والسابع: الرزق . ومنه قوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وفي الكهف: ﴿آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف: ١٠]، وفيها: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: ١٦]. والثامن: النعمة . ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ١١٣]، وفي الكهف: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: ٦٥]. والتاسع: العافية . ومنه قوله تعالى في الزمر: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. والعاشر: النصر . ومنه قوله تعالى في الأحزاب: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧].

стр. 880

والحادي عشر: المنة . ومنه قوله تعالى في القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦]. والثاني عشر: الرقة . ومنه قوله تعالى في الحديد: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧]. والثالث عشر: المغفرة . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. والرابع عشر: السعة . ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] والخامس عشر: المودة . ومنه قوله تعالى في الفتح: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. والسادس عشر: العصمة . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. وقد ألحق بعضهم وجهاً سابع عشر فقال: الرحمة: الشمس. ومنه قوله تعالى في سورة عسق: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الجنة. ومثل له ابن الجوزي بست آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]. وقال به من السلف: عروة بن الزبير، وقتادة (٢). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).

стр. 881

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]. وقال به من السلف: أبي بن كعب، وقتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]. وقال به من المفسرين: ابن جرير،، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 882

ويشهد له حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ... ﷺ : احتجت النار والجنة؛ فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت هذه: يدخلني الضعفاء والمساكين؛ فقال الله لهذه: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وربما قال أصيب بك من أشاء، وقال لهذه: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها». (١) تنبيه: لإن كان رأي ابن الجوزي صحيحا في هذا الوجه من تفسير الرحمة بالجنة، وتفسيره في وجه آت للرحمة بالمغفرة - لأنهما من لوازم صفة الرحمة لله تعالى - فكان الأولى به ﵀ أن يجعل من هذين الوجهين صفة الرحمة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وذلك أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى على شقين، فمنها ما هو مخلوق ومنها ما هو صفة لله تعالى، وبَيَّن ابن القيم موقف هل السنة والجماعة من آيات الرحمة في القرآن والسنة وأنها تنقسم إلى قسمين؛ فقال: «فصل: الرحمة المضافة إلى الله، اعلم أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان؛ أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله، والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها؛ فمن الأول قوله في الحديث الصحيح احتجت الجنة والنار فذكر الحديث وفيه فقال للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء؛ مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى؛ وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة وخص بها أهل الرحمة وإنما يدخلها الرحماء ومنه تسميته تعالى للمطر، وهذا بخلاف قول الداعي: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فإن الرحمة هنا صفته ﵎ وهي متعلق الاستغاثة، فإنه لا يستغاث بمخلوق ولهذا كان هذا الدعاء من أدعية الكرب لما تضمنه من التوحيد والاستغاثة برحمة أرحم الراحمين .. والمقصود أن الرحمة المستغاث بها هي صفة الرب تعالى لا شيء من مخلوقاته». (٢) وقال ابن عثيمين: «قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]. والمراد بالرحمة هنا يحتمل أن تكون الرحمة التي هي صفته - أي أن يرحمهم -؛ ويحتمل أن يكون المراد ما كان من آثار رحمته؛ وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة:» أنت رحمتي أرحم بك من أشاء» فجعل المخلوق رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أرحم بك «؛ أما الرحمة التي

стр. 883

هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين؛ وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبداً أدخله الجنة التي هي رحمته» (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: الإسلام. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]. وقال به من السلف: علي بن أبي طالب ﵁ (٢)، والحسن، ومجاهد (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وللسلف في الآية قول آخر وهو: النبوة، وقال به مجاهد، والربيع (٥)، وليس بين قولي السلف تعارض بل كلاهما من قبيل التفسير بالمثال للرحمة. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والقرطبي، وابن كثير (٦). وليس دليل على تخصيص الإيمان أو الإسلام بالآيات السابقة، غير أنه تفسير ذكره السلف والمفسرون. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: الإيمان. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: ٢٨]، الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود: ٦٣]. وهذا المثالان يعودان للوجه بعدهما؛ وهو النبوة؛ وقال به: ابن عباس، وابن جريج (٧).

стр. 884

ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). وبهذا يكون هذان المثالان بمعنى النبوة. الوجه الرابع: النبوة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقال به من السلف: ابن عباس (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الرحمة النبوة.

стр. 885

الوجه الخامس: القرآن. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. وقال به من السلف: أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وقتادة، والحسن، ومجاهد (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير قالوا: هو لهم رحمة ونعمة (٤). وقال ابن عطية: «وأنكر بعض المتأولين أن يكون من للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه، قال القاضي أبو محمد: وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال وننزل من القرآن شيئا شيئا ما فيه كله شفاء» (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السادس: المطر. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقال به من السلف: السُّدي (٦).

стр. 886

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: ٤٦]. وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السابع: الرزق. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٥).

стр. 887

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف: ١٠]. وقال به من المفسرين: الزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (١). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: ١٦]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي، والزَّجَّاج، والنسفي (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثامن: النعمة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ١١٣]. ولم أقف على من فسر الرحمة هنا بالنعمة سوى مقاتل بن سليمان ومراده القرآن وليس النعمة حيث يقول: «نعمته بالقرآن» (٣) وهو أحد أقوال المفسرين في الرحمة هنا فإنهم يذكرون العصمة والوحي والقرآن؛ ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وعليه يعود ذلك المثال إلى الوجه السادس عشر وهو: العصمة (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: ٦٥]. وقال به من المفسرين: البغوي، وابن الجوزي، والقرطبي (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال.

стр. 888

الوجه التاسع: العافية. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان (١) قالوا: صحة وعافية ورخاء ونحوها. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه العاشر: النصر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧]. وقال به من السلف: السُّدي (٢). وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، وابن أبي زمنين، والسمرقندي، والماوردي، والبغوي، والقرطبي (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الحادي عشر: المنة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦]. ولم أقف على من فسر الرحمة هنا بالمنة، والذي يذكره السلف والمفسرون أنه نعمة الوحي بالقرآن: ومنهم: مجاهد، وقتادة (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). وبهذا يعود هذا الوجه إلى معنى النعمة.

стр. 889

الوجه الثاني عشر: الرقة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧]. ولم أقف على من فسر الرحمة هنا بمعنى الرقة، والصحيح في معنى الرحمة هنا هو المودة؛ ويؤكد هذا أن كثيرا من المفسرين يفسرون الرحمة هنا بآية الفتح وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، ومنهم: ابن الجوزي، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو السعود (١)، وبهذا يتبين عود هذا المثال إلى الوجه الخامس عشر: وهو المودة. الوجه الثالث عشر: المغفرة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي» (٢). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذ التفسير بالمقارب. الوجه الرابع عشر: السعة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ومعنى كلام السلف يدل عليه كقول ابن عباس: «ورحمة: مما كان على بني إسرائيل من تحريم الدية»، ونحوه عن قتادة (٤). ومن المفسرين: البغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 890

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الخامس عشر: المودة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ويشهد له حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (١). وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الرحمة المودة. الوجه السادس عشر: العصمة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. وألحق ابن الجوزي وجها سابع عشر: الرحمة: الشمس.

стр. 891

ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]. وقال به من المفسرين: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. وبعد هذا العرض يحسن أن يقال إن بين هذه الوجوه تقارب أحيانا وأحيانا أخر بينها تلازم ومنع من إدراج بعضها تحت بعض أمران؛ رأي المفسر واحتمال الآية. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة صحة أربعة عشر وجها هي: الوجه الأول: الجنة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]،، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الجاثية: ٣٠]،، وشهد له حديث أبي هريرة، ومأخذه السياق القرآني وتم التنبيه على صفة الرحمة لله تعالى. الوجه الثاني: الإسلام. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١]،، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثالث: النبوة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]،، وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ [ص: ٩]. ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب الرحمة النبوة.

стр. 892

الوجه الرابع: القرآن. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الخامس: المطر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم: ٤٦].، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السادس: الرزق. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠]،، وقوله تعالى: ﴿آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف: ١٦]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه السابع: النعمة. ففي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ١١٣]. وتقدم أنني لم أقف على من فسر الرحمة هنا بالنعمة وأنه يعود ذلك المثال إلى وجه: العصمة، ودل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: ٦٥]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الثامن: العافية. ودل عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه التاسع: النصر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧]، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه العاشر: المغفرة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وشهد له حديث أبي هريرة ﵁، ومأخذ التفسير بالمقارب. الوجه الحادي عشر: السعة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني عشر: المودة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وشهد له حديث النعمان بن بشير، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة، ويجوز أن يكون مأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الرحمة المودة.

стр. 893

الوجه الثالث عشر: العصمة. ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، ومأخذه السياق القرآني. الرابع عشر: الشمس. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]، ومأخذه السياق القرآني. وأما الوجوه وهي: - الإيمان . ففي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود: ٦٣]. تقدم أنني لم أقف على من ذكر الرحمة بمعنى الإيمان، وأن هذين المثالين يعودان للوجه الذي هو النبوة. - المنة . ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦]. تقدم أنني لم أقف على من فسر الرحمة هنا بالمنة، وأن الذي يذكره السلف والمفسرون أنه نعمة الوحي بالقرآن، وبهذا يعود هذا الوجه إلى معنى النعمة. - الرقة . ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً﴾ [الحديد: ٢٧]. تقدم أنني لم أقف على من فسر الرحمة هنا بمعنى الرقة، وأن الصحيح في معنى الرحمة هنا هو المودة وبهذا يتبين عود هذا المثال إلى الوجه الذي هو: المودة. المطلب الثالث: دراسة وجوه كلمة الذكر: باب الذكر: قال ابن الجوزي: الذكر يقال على وجهين: «أحدهما: الذكر بالقلب . والثاني: الذكر باللسان . وهو في الموضعين حقيقي ويستعار في مواضع تدل عليها القرينة. حدثنا محمد بن ناصر عن أبي زكريا عن ابن جني قال الذكر بكسر الذال باللسان وبضم الذال بالقلب تقول: ذكرت الشيء بلسان ذكراً وبقلبي ذكراً، ويقال اجعل هذا على ذكر منك بضم الذال، أي: لا تنسه. والذكر: العلا والشرف. والمذكر: التي ولدت ذكراً.

стр. 894

قال الفرَّاء: كم الذكَرَةُ من ولدك؟ أي: الذكور (١). وذكر أهل التفسير أن الذكر في القرآن على عشرين وجهاً: أحدها: الذكر باللسان . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وفي آل عمران: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وفي سورة النساء: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وفي الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. والثاني: الذكر بالقلب . ومنه قوله تعالى في آل عمران: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقيل هو الندم. والثالث: الحديث . ومنه قوله تعالى في يوسف: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، أي: حدثه بحالي. ومثله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٤١، ٥١، ٥٤، ٥٦]. والرابع: الخبر . ومنه قوله تعالى في الكهف: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]، وفي الأنبياء: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وفي الصافات: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨]. والخامس: العظة . ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، وفي الأعراف: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، وفي يس: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩]، وفي ق: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. والسادس: التوحيد . ومنه قوله تعالى في طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ٢٤]، وفي الزخرف: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦].

стр. 895

والسابع: الوحي . ومنه قوله تعالى في الصافات: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣]، وفي القمر: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥] وفي المرسلات: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥]. والثامن: القرآن . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، وفيها: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وفي الزخرف: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]. والتاسع: التوراة . ومنه قوله تعالى في النحل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، ومثله في الأنبياء [آية ٧]. والعاشر: الشرف ، ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]، وفي المؤمنين: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنين: ٧١]، وفي الزخرف: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. والحادي عشر: الطاعة . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، أي أطيعوني. والثاني عشر: الحفظ . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣]، وفي آل عمران: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. والثالث عشر: البيان . ومنه قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣]، وفي ص: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]، وفيها: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩]. والرابع عشر: الصلوات الخمس . ومنه قوله تعالى في البقرة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وفي النور: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، وفي المنافقين: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقين: ٩]. والخامس عشر: صلاة الجمعة . ومنه قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].

стр. 896

والسادس عشر: صلاة العصر . ومنه قوله تعالى في ص: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]. والسابع عشر: الغيب . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]. والثامن عشر: اللوح المحفوظ . ومنه قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقيل: أراد بالزبور ها هنا سائر الكتب. والتاسع عشر: الثناء على اللَّه وعلى رسوله ﷺ -. ومنه قوله تعالى في الشعراء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] والعشرون: الرسول. ومنه قوله تعالى في الطلاق: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠، ١١]، وقيل إن أنزل ها هنا بمعنى أرسل» (١). دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: الوجه الأول: الذكر باللسان. ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقال به من السلف: أنس بن مالك، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسُّدي، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، والربيع (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣).

стр. 897

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقال به من السلف: ابن جريج، وقتادة (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومقاتل بن حيان (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومقاتل بن حيان (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 898

الوجه الثاني: الذكر بالقلب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. وقال به من السلف: مقاتل بن حيان (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٢)؛ قالوا: ذكروا وعيده. وقال بذكر الوعيد من السلف: الضحاك (٣)، وابن إسحاق (٤). وليس بين الذكر بالقلب والندم والذكر باللسان تعارض بعد مقارفة الذنب أو ظلم النفس، لأن العبد يمر بها كلها لأنه يتذكر وعيد الله تعالى فيندم فيذكر الله ويستغفره؛ قال أبو حيان بعد ذكره للأقوال: «وهذه الأقاويل كلها على أن الذكر بالقلب» (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: الحديث. ومثل له ابن الجوزي بخمس آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، وإبراهيم التيمي (٦)، والحسن، والسُّدي (٧).

стр. 899

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾، الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾، الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾، الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٤١، ٥١، ٥٤، ٥٦]. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس: «ذَكَرْتُ الشيء، خلافُ نسِيتُه، ثم حمل عليه الذّكْر باللّسان» (٣). الوجه الرابع: الخبر. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، وأبو حيان، وأبن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]. وقال به من السلف: قتادة (٥).

стр. 900

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨]. وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان؛ والصحيح أن الذكر في هذه الآية هو الكتاب من التوراة أو الإنجيل؛ وقال به من السلف: قتادة، والسُّدي، والضحاك (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وبهذا يتبين عود هذا المثال إلى الوجه التاسع وهو التوراة. وبين هذا الوجه وبين الذي قبله فرق من حيث إن الحديث هناك عام في كل حديث لاسيما الإنشاء منه، وأما هنا فهو الخبر المحتمل للصدق أو الكذب (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين الأوليين، ومأخذه التفسير بالمثال. الوجه الخامس: العظة. ومثل له ابن الجوزي بأربع آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]. وقال به من السلف: ابن عباس (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 901

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن جريج (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وابن كثير (٤). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السادس: التوحيد. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه: ٢٤]. ولم أقف على من قال أن الذكر هنا بمعنى التوحيد سوى الواحدي (٦)، والذي يذكره المفسرون أنه بمعنى القرآن؛ وقال به: السمرقندي، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والسعدي (٧).

стр. 902

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦]. ولم أقف على من قال إن الذكر هنا التوحيد، والذي يذكره المفسرون أن الذكر هنا القرآن والحلال والحرام وعموم ذكر الله (١)، وأكثر المفسرين يذكرون القرآن معنى للذكر هنا، ومنهم: السمرقندي، والزَّمخشري، وأبو حيان، وأبو السعود، والسعدي (٢). وبهذا يتبين عود هذين المثالين للوجه الثامن وهو القرآن. الوجه السابع: الوحي. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [القمر: ٢٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥).

стр. 903

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥]. وقال به من السلف: قتادة، وسفيان الثوري (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ومما يؤيد الوجه أن ابن كثير فسر آية الصافات بآية المرسلات ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثامن: القرآن. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]. وقال به من السلف: قتادة (٣). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]. وقال به من السلف: قتادة، وميمون بن مهران (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٦).

стр. 904

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]. وقال به من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية قول آخر وهو: التذكير بالعقوبة بسبب الشرك؛ وقال به منهم: مجاهد وأبو صالح، والسُّدي (٣). وجمع بينهما مجاهد فقال: «أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون» (٤). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال الخليل: «والذِّكْرُ: الكتاب الذي فيه تَفْصيلُ الدِّين. وكلّ كتاب للأنبياء: ذِكْرٌ» (٥). الوجه التاسع: التوراة. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]. وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسُّدي، والأعمش (٦). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٧). وللسلف في الآية قولان آخران: - القرآن وقال به ابن زيد.

стр. 905

- أن أهل الذكر من أسلم من أهل الكتاب وقال به الأعمش (١). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧]. وقال به من السلف: قتادة (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وللسلف في الآية قولان آخران: - القرآن وقال به ابن زيد. - أن أهل الذكر من أسلم من أهل الكتاب وقال به الأعمش، وسفيان الثوري (٤). والقول بالقرآن في هاتين الآيتين يرده سياقهما؛ قال ابن عطية: «قال القاضي أبو محمد: وهذا موضع ينبغي أن يتأمل، وذلك أن الذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله تعالى عباده فأهل القرآن أهل ذكر، .. وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت، لأنهم كانوا خصومهم، وإنما أحيلوا على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد ﵇ فتجيء شهادتهم بأن الرسل قديما من البشر لا مطعن فيها، لازمة لكفار قريش» (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه السياق القرآني، ويجوز أن يكون مأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة، قال الخليل: «والذِّكْرُ: الكتاب الذي فيه تَفْصيلُ الدِّين. وكلّ كتاب للأنبياء: ذِكْرٌ» (٦).

стр. 906

الوجه العاشر: الشرف. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠]. وقال به من السلف: ابن عباس، والسُّدي (١)، وسفيان الثوري (٢). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). وللسلف في الآية قول آخر وهو: أن الذكر هنا بمعنى الحديث أي حديثكم؛ وقال به مجاهد، وسفيان الثوري (٤)، وليس بين تفسيري السلف تعارض، بل كلاهما من قبيل التفسير بالمثال للذكر، فكما أن القرآن فيه شرف ورفعة لمن أنزل عليهم ففيه حديثهم وما يحتاجونه من الحلال والحرام وغيره. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنين: ٧١]. وقال به من السلف: ابن عباس (٥)، والسُّدي، وسفيان الثوري (٦). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان (٧). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤].

стр. 907

وقال به من السلف: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسُّدي، وابن زيد (١). ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويؤيد هذا الوجه أن البغوي فسر آية الأنبياء بآية الزخرف، وفسر آية المؤمنون بآيتي الأنبياء، والزخرف. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «الذَّكْر: الشَّرَف والصَّوْتُ، قال اللَّهُ : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]» (٣). الوجه الحادي عشر: الطاعة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. ويشهد له حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي؛ وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم؛ وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا؛ وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا؛ وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (٤). وقال به من السلف: ابن عباس (٥)، سعيد بن جبير (٦)، والحسن (٧). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٨).

стр. 908

وللسلف في الآية قول آخر وهو: الذكر والثناء الحسن؛ وليس عن القول الآخر ببعيد فهو من لوازمه والثناء والذكر الحسن ضرب من ضروب الطاعة. وقال ابن عثيمين في معنى هذه الآية: «أن مَنْ ذَكر الله ذكره الله؛ لقوله تعالى: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾؛ وكون الله يذكرك أعظم من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي:» من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه «، وذكر الله يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح؛ فالأصل ذكر القلب» (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب ذكر الله تعالى لعبده طاعته إياه. الوجه الثاني عشر: الحفظ. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣]. وقال به من السلف: أبو العالية، والربيع (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال بمعناه من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير؛ قالوا: ذكرهم الله بعظيم نعمة الإسلام حين جمعهم بعد فرقة (٤)، ومن لوازم التذكير الحفظ.

стр. 909

ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيتين، ومأخذه التفسير باللازم. الوجه الثالث عشر: البيان. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] وقال به من السلف: السُّدي (١). وقال به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، البغوي، والزَّمخشري (٢). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]. وصرح به من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والماوردي (٣). وقال بمعناه من السلف: الضحاك، وقتادة (٤)؛ قالا: التذكير. وتبع المفسرون السلف في ذلك ومنهم: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). وللسلف في الآية قول آخر: الشرف؛ وقال به: ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسُّدي (٦). وليس بين قولي السلف تعارض فكما أن القرآن شريف في نفسه ويشرف به من أنزل عليه فكذلك هو تذكير وبيان للناس. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩].

стр. 910

وقال من المفسرين: مقاتل بن سليمان، والسمرقندي (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه التفسير باللازم لأن من لوازم الذكر البيان. الوجه الرابع عشر: الصلوات الخمس. ومثل له ابن الجوزي بثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقال به من السلف: ابن زيد، ومقاتل بن حيان (٢). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]. وقال به من السلف: ابن مسعود، وابن عباس، وسالم بن عبد الله (٤)، والربيع، ومقاتل بن حيان (٥). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (٦).

стр. 911

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقين: ٩]. وقال به من السلف: الضحاك (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال الخليل: «والذِّكْرُ: الصَّلاةُ، والدُّعاء، والثَّناء. والأنبياءُ إذا حَزَبَهم أمرٌ فَزِعوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ، أي: الصّلاة» (٣). الوجه الخامس عشر: صلاة الجمعة. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وقال به من السلف: مجاهد، وسعيد بن المسيب (٤). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٥). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السادس عشر: صلاة العصر. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]. وقال به من السلف: قتادة، والسُّدي (٦).

стр. 912

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه السابع عشر: الغيب. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]. هكذا هو موجود في كتاب ابن الجوزي، وهو كذلك عند الحيري (٢)، ولم أقف عليه عند الدامغاني، والذي ذكره ابن الجوزي في تفسيره، وفي تذكرة الأريب: العيب (٣). وهو الذي يقول به عامة المفسرين؛ ومنهم: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٤). وعليه يكون الوجه: العيب. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن سبب الذكر العيب هنا. الوجه الثامن عشر: اللوح المحفوظ. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقيل: أراد بالزبور هاهنا سائر الكتب.

стр. 913

زاد ابن الجوزي هذه الزيادة كأنه يشير إلى خلاف بين السلف في معنى الذكر؛ وأن الذين قالوا بقوله هذا في الزبور هم الذين قالوا بالوجه في معنى الذكر ومنهم: ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). وللسلف في الآية قولان آخران: - أن الزبور الكتب بعد موسى والذكر التوراة؛ وقال به: ابن عباس. - أن الزبور كتاب داود والذكر التوراة؛ وقال به الشعبي. وقال ابن جرير في تأييد القول الأول: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك .. أن معناه ولقد كتبنا في الكتب من بعد أم الكتاب الذي كتب الله كل ما هو كائن فيه قبل خلق السماوات والأرض، وذلك أن الزبور هو الكتاب يقال منه زبرت الكتاب وذَبرْته؛ إذا كتبته، وأن كل كتاب أنزله الله إلى نبي من أنبيائه فهو ذكر؛ فإذا كان ذلك كذلك؛ فإن في إدخاله الألف واللام في الذكر الدلالة البينة أنه معني به ذكر بعينه معلوم عند المخاطبين بالآية، ولو كان ذلك غير أم الكتاب التي ذكرنا لم تكن التوراة بأولى من أن تكون المعنية بذلك من صحف إبراهيم؛ فقد كان قبل زبور داود» (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني. الوجه التاسع عشر: الثناء على اللَّه وعلى رسوله ﷺ . ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وقال به من السلف: ابن عباس، وابن زيد (٤).

стр. 914

ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (١). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، ويظهر أن مراد ابن الجوزي هنا أن المراد بهذه الآية الشعراء في شعرهم فهم يثنون على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ . الوجه العشرون: الرسول. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠، ١١]، وقيل إن أنزل ها هنا بمعنى أرسل. يوضح مراد ابن الجوزي من هذه العبارة ما ذكره في تفسيره الآية بقوله: «قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠]، أي قرآنا رسولا أي وبعثه رسولا قاله مقاتل وإلى نحوه ذهب السُّدي، وقال ابن السائب: الرسول هاهنا جبرائيل، فعلى هذا يكون الذكر والرسول جميعا منزلين، وقال ثعلب الرسول هو الذكر وقال غيره معنى الذكر هاهنا الشرف» (٢). وبهذا يكون المراد بالرسول جبريل ويكون الإنزال على بابه؛ أو يكون الإنزال بمعنى الإرسال والتقدير: رسولا ذا ذكر. وقال به من المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٣). ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني.

стр. 915

نتيجة الدراسة تحصل من تلك الدراسة صحة تسعة عشر وجها وهي: الوجه الأول: الذكر باللسان. ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثاني: الذكر بالقلب. ودل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، ومأخذه السياق القرآني. الوجه الثالث: الحديث. ودل عليه قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٤١، ٥١، ٥٤، ٥٦]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. الوجه الرابع: الخبر. ودل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣]،، وقوله تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]. وقال به من السلف: قتادة (١). ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والبغوي، والزَّمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير (٢). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨]. وتقدم الإشارة إلى عود هذا المثال إلى الوجه التاسع وهو التوراة. وصحة هذا الوجه في معنى الآيتين الأوليين، ومأخذه التفسير بالمثال.
следующие страницы →