Полный текст (1 240 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
تفيح فيحا اذا نفحت بِالدَّمِ وأفحتها أَنا وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ يُقَال للغارة فِي الْجَاهِلِيَّة فيحي فياح مَكْسُورَة مثل قطام وحذام وَكَذَلِكَ اذا دفعت أَي اتسعي وَقَوله فاح الدَّم نَفسه اذا سَالَ وَيُقَال دَار فيحاء وَمَكَان أفيح أَي وَاسع.
فَأَرَادَ انكم ترَوْنَ قتلا ذريعا فاشيا بِكُل مَكَان.
وَقَوله وَلأَهل الْحق جَوْلَة هُوَ من قَوْلك جال يجول فِي الْبِلَاد يُرِيد أَنهم لايستقرون على أَمر يعرفونه ويطمئنون اليه فهم متحيرون.
وَقَوله يعْفُو لَهَا الْأَثر أَي يدرس والعفاء موت الْأَثر.
حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي شيخ مسن من بني نهشل قَالَ كَانَ فِي أقطاع النَّاس اني أقطعتك من عفاء الأَرْض وَحقّ السُّلْطَان وَابْن السَّبِيل أول شَارِب.
قَالَ السجسْتانِي عَنهُ العفاء موت الْأَثر وَقَالَ الزيَادي عَنهُ عَفا الأَرْض مَا كَانَ عافيا لَيْسَ فِيهِ لمُسلم وَلَا لمعاهد شَيْء وَالْقَوْلَان جَمِيعًا متقاربان.
والصفقة وَمَا يجمعُونَ عَلَيْهِ يُقَال صفق الْقَوْم لَهُ بالبيعة وَأَصله من صفق يَده على يَده وَعنهُ يُقَال ربحت صفقتك اذا اشْتريت شَيْئا وَيُقَال أَتَت الحلفة صفقتهم أَي بيعتهم كَأَنَّهُمْ كَانُوا يتصافقون بِأَيْدِيهِم عِنْد كل أَمر يبرمونه فَيكون ذَلِك
стр. 422
كالحلف وَالدَّلِيل على انْقِطَاع الْأَمر وَيُقَال أصفق النَّاس لفُلَان أَي اجْتَمعُوا لَهُ.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر حَدِيث الشَّفَاعَة انه قَالَ انما نَحن حفْنَة من حفنات الله تَعَالَى.
يرويهِ أَبُو مُعَاوِيَة عَن اسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عَن سعيد ابْن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن أَبَا بكر قَالَ ذَلِك.
الحفنة والحثوة شَيْء وَاحِد يُقَال حفن الْقَوْم من المَال وحاث لَهُم اذا أعْطى كل رجل مِنْهُم حثوة وانما أَرَادَ أَبُو بكر انا على كثرتنا يَوْم الْقِيَامَة قَلِيل عِنْد الله كالحفنة.
ويروى أَن عمر قَالَ: ان الله ان شَاءَ أَدخل خلقه الْجنَّة بكف وَاحِدَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ : صدق عمر.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه ذكر الْمُسلمين فَقَالَ: فَمن ظلم مِنْهُم أحدا فقد أَخْفَر ذمَّة الله وَمن ولي من أَمر النَّاس شَيْئا فَلم يعطهم كتاب الله فَعَلَيهِ بهلة الله وَمن صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي خفرة الله.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن نصر بن عمرَان أَو نصر بن عَاصِم عَن رَافع الطَّائِي عَن أبي بكر.
قَوْله أَخْفَر ذمَّة الله أَي نقض ذمَّة الله وَعَهده يُقَال
стр. 423
أخفرت فلَانا اذا كَانَ بَيْنك وَبَينه عهدا أَو حلف فنقضه وَقَالَ زيد الْخَيل [من الطَّوِيل] ... اذا أخفروكم مرّة كَانَ ذَلِكُم ... جيادا على فرسانهن العمائم ...
يَقُول اذا نقضوا مَا بَيْنكُم وَبينهمْ من الصُّلْح كَانَ ذَلِك النَّقْض فُرْسَانًا يغيرون عَلَيْكُم.
وَيُقَال خفرت الرجل بِغَيْر ألف اذا حفظته فَأَنا خفير.
قَالَ عدي بن زيد [من الْخَفِيف] ... من رَأَيْت الْمنون خلدن أم من ... ذَا عَلَيْهِ من أَن يضام خفير ...
وَأَرَادَ أَبُو بكر أَن الْمُسلم قد أَخذ من الله باسلامه عهدا أَو ذمَّة فَمن ظلمه فقد أَخْفَر تِلْكَ الذِّمَّة أَلا ترَاهُ يَقُول وَمن صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي خفرة الله.
وفيهَا لُغَتَانِ أخريان خفارة وخفارة وَمثله بِشَارَة ودراية اللَّبن ودوايته للَّذي يَعْلُو شبه الْجلْدَة الرقيقة.
وروى الْكسَائي الزِّيَارَة والزوارة وَقَالَ غَيره والفتاحة والفتاحة وَهِي المحاكمة والفتاح الْحَاكِم.
стр. 424
وَقَوله عَلَيْهِ بهلة الله أَي لعنته وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ .
وفيهَا لُغَة أُخْرَى بهلة وَمثله سدفة اللَّيْل وسدفة وجهمة وجهمة وبرهة من الدَّهْر وبرهة وَمَالِي عَلَيْهِ عرجة وَلَا عرجة وبقعة من الأَرْض وبقعة وَجَلَست نبذة ونبذة أَي نَاحيَة.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه أشرف من كنيف وَأَسْمَاء بنت عُمَيْس ممسكته وَهِي موشومة الْيَدَيْنِ حِين اسْتخْلف عمر فَكَلَّمَهُمْ.
يرويهِ وَكِيع عَن يُونُس بن أبي اسحاق عَن أبي السّفر.
وَقَوله أشرف من كنيف يَعْنِي من ستْرَة وكل شَيْء سترك فَهُوَ كنيف وَلذَلِك قيل للترس كنيف وَقَالَ لبيد من الوافر ... حريما يَوْم لم يمنح حريما ... سيوفهم وَلَا الحجف الكنيف ...
أَي السَّاتِر وَمِنْه يُقَال كنفت الرجل اذا حطته وَمِنْه يُقَال أَنْت فِي كنف الله أَي فِي ستر الله وَيُقَال أَيْضا كنف فلَان عَن الشَّيْء وصدف ونكب أَي عدل وَمِنْه قَول الْقطَامِي
стр. 425
[من الطَّوِيل [ ... ليعلم مَا فِينَا عَن البيع كانف ...
أَي عَادل.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه تزوج بنت خَارِجَة بن أبي زُهَيْر وهم بالسنح فِي بني الْحَارِث بني الْخَزْرَج فَكَانَ اذا أَتَاهُم تَأتيه النِّسَاء بأغنامهم فيحلب لَهُنَّ فَيَقُول أأنفج أم ألبد فان قَالَت أنفج باعد الاناء من الضَّرع حَتَّى تشتد الرغوة فان قَالَت ألبد أدنى الاناء من الضَّرع حَتَّى لَا يكون لَهُ رغوة.
يرويهِ يحيى بن آدم عَن ابْن ادريس عَن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الراهب.
قَوْله أأنفج هُوَ من نفجت الشَّيْء فانتفج أَي عَظمته وَمِنْه قيل انتفج الدَّابَّة اذا شرب المَاء فَعظم جنباه.
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي زيد أَنه قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ لمن ولدت لَهُ بنت هَنِيئًا لَك النافجة يُرِيدُونَ أَنه يَأْخُذ
стр. 426
مهرهَا ابلا يضمها الى ابله فينفجها.
وَقَوله أم ألبد هُوَ من لبد الشَّيْء يلبد لبودا وَتَلَبَّدَ أَيْضا اذا انْضَمَّ بعضه الى بعض يُقَال ألبد فلَان بِالْمَكَانِ فَهُوَ ملبد بِهِ اذا لزمَه وَأقَام بِهِ وَمِنْه قَول ابْن أبي بَرزَة وَذكر قوما يعتزلون الْفِتْنَة عِصَابَة ملبدة خماص الْبُطُون من أَمْوَال النَّاس خفاف الظُّهُور من دِمَائِهِمْ.
وخبرني السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ وَمن أمثالهم تلبدي تصيدي يُرَاد انما تلبدتك لتثب وَمثله مخر نبق لينباع والمخر نبق اللاطيء لينباع أَي لينبسط فيثب وَأنْشد [من السَّرِيع] ... ثمَّة ينباع انبياع الشجاع ...
وَقَول الله جلّ وَعز: ﴿كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ هُوَ من هَذَا أَي كَادُوا يركبونه ويلبدون بِهِ رَغْبَة فِيمَا سمعُوا من الْقُرْآن وشهوة لَهُ.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود ان الْجِنّ أَتَوا فَجعلُوا يركبون رَسُول
стр. 427
الله وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لبدا جماعات متظاهرين وَالْأَصْل من هَذَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان حسان لما هجا قُريْشًا قَالَت قُرَيْش ان هَذَا الشتم مَا غَابَ عَنهُ ابْن أبي قُحَافَة.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله عَن عَمه عَن ابْن أبي الزِّنَاد قَوْلهم مَا غَابَ عَنهُ ابْن أبي قُحَافَة لم يُرِيدُوا أَن أَبَا بكر واطأ حسان على الهجاء وَلَا حَضَره حِين هجاهم وانما أَرَادوا ان أَبَا بكر عَالم بالأنساب وَالْأَخْبَار وان ذَاك لم يخف عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ ﵀ هَذَا قَول الْأَصْمَعِي.
وَذكر ابْن اسحق ان رَسُول الله ﷺ قَالَ لحسان: نافح عَن قَوْمك واسأله عَن معايب الْقَوْم يَعْنِي أَبَا بكر.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان الْأَنْصَار قَالَت لقريش منا
стр. 428
أَمِير ومنكم أَمِير فجَاء أَبُو بكر فَقَالَ انا معشر هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش أكْرم النَّاس أحسابا وأثقبه أنساباء ثمَّ نَحن بعد عترة رَسُول الله الَّتِي خرج مِنْهَا وبيضته الَّتِي تفقأت عَنهُ وانما جيبت الْعَرَب عَنَّا كَمَا جيبت الرَّحَى عَن قطبها.
يرويهِ زيد بن هرون عَن أبي مَالك النصري عَن عَليّ بن زيد قَوْله أثقبه أنسابا يُرِيد أبينهم وأوضحهم والثاقب المضيء يُقَال حسب ثاقب وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿فَأتبعهُ شهَاب ثاقب﴾ أَي نجم مضيء.
يُقَال أثقب نارك والثقوب مَا تذكى بِهِ النَّار وَهُوَ مثل الْوقُود وَقَالَ أَبُو الْأسود [من الطَّوِيل] ... أذاع بِهِ فِي النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُ ... بعلياء نَار أوقدت بثقوب ...
وَيُقَال أثقبت النَّار فثقبت وَمِنْه قَول سَاعِدَة [من الْكَامِل] غَابَ تشيمه ضرام مثقب
تشيمه دخل فِيهِ.
وَقَوله وَنحن عترة رَسُول الله يُرِيد رهطه وَقد بيّنت هَذَا فِي صدر هَذَا الْكتاب.
стр. 429
وَقَوله وانما جيبت الْعَرَب عَنَّا يُرِيد خرقت الْعَرَب عَنَّا فَكُنَّا وسطا وَكَانَت الْعَرَب حوالينا كَمَا خرقت الرَّحَى فِي وَسطهَا للقطب وَهُوَ الَّذِي تَدور عَلَيْهِ فقريش كالقطب وَفِيه ثَلَاث لُغَات قطب وقطب وقطب وَيُقَال جبت الْقَمِيص اذا قورت جيبه وجبيته اذا جعلت لَهُ جيبا.
وَأَرَادَ أَن قُريْشًا وَاسِطَة الْعَرَب ولبابها وَلذَلِك قيل فِي النَّبِي ﵊ هُوَ أوسطهم حسبا أَي خَيرهمْ ووسط كل شَيْء خَيره وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ . قَالَ الشَّاعِر [من الْكَامِل] ... كَانَت قُرَيْش بَيْضَة فتفلقت ... فالمخ خالصه لعبد منَاف ...
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان رجلا وقف عَلَيْهِ فلاث لوثا من كَلَام فِي دهش فَقَالَ أَبُو بكر قُم يَا عمر الى الرجل فَانْظُر مَا شَأْنه فَسَأَلَهُ عمر فَذكر أَنه ضافه ضيف فزنى بابنته.
يرويهِ يزِيد عَن مُحَمَّد بن اسحق عَن نَافِع عَن ابْن عمر أصل اللوث الطي يُقَال لثت الْعِمَامَة ألوثها لوثا وَمِنْه قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... وَلم ينفض الادلاج لوث العمائم ...
стр. 430
وَأَرَادَ أَنه تكلم بِكَلَام مطوي لم يشرحه وَلم يُبينهُ للاستحياء حَتَّى خلا بِهِ عمر فَصرحَ بِهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان عبد الرَّحْمَن ابْنه قَالَ لَهُ لقد أهدفت لي يَوْم بدر فضفت عَنْك فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر لكنك لَو أهدفت لي لم أضف عَنْك.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين قَوْله لقد أهدفت لي أَي أشرفت لي يُقَال أهدف فلَان واستهدف للشَّيْء إِذا أربأ لَهُ وَمِنْه قيل للْبِنَاء الْمُرْتَفع هدف وَأرى هدف الرَّمْي مِنْهُ لِأَنَّهُ شَيْء إرتفع للرامي فَرَآهُ وَيُقَال فِي غير هَذَا الْموضع أهدفت الى فلَان أَي لجأت اليه.
وَقَالَ كَعْب الغنوي [من الطَّوِيل] ... عَظِيم رماد الْبَيْت يحتل بَيته ... الى هدف لم يحتجبه غيوب ...
ويحتل وَيحل وَاحِد والهدف الْموضع الْمُرْتَفع لم يحتجبه غيوب أَي لم يصر فِيهَا فيحجبه والغيوب مَا اطْمَأَن من الأَرْض وَاحِدهَا غيب يُرِيد انه ينزل الْمَوَاضِع المرتفعة لِئَلَّا يخفى مَكَانَهُ على ضيف أَو طَالب حَاجَة وَمثل هَذَا قَول الآخر
стр. 431
[من الطَّوِيل] ... عِظَام الْبيُوت ينزلون الروابيا ...
وَقَوله فضفت عَنْك أَي عدلت عَنْك وملت يُقَال ضاف فلَان عَن الشَّيْء وَمثله ضَاقَ قَالَ أَبُو زبيد [من الْخَفِيف] ... علل الْمَرْء بالرجاء ويضحى ... غَرضا للمنون نصب الْعود
كل يَوْم ترميه مِنْهَا برشق ... فمصيب أَو ضاف غير بعيد ...
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه أكل مَعَ رجل بِهِ ضروة من جذام. . هُوَ من ضرّ بِي الْعرق يضرو اذا سَالَ كَأَنَّهُ من الضراوة يُرَاد أَن داءه قد ضري بِهِ قَالَ العجاج [من الرجز] ... مِمَّا ضرى الْعرق بِهِ الضري ...
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه قَالَ فِي كَلَام لَهُ سلوا الله
стр. 432
الْعَفو والعافية والمعافاة وَاعْلَمُوا أَن الصَّبْر نصف الايمان وَالْيَقِين الايمان كُله.
أما الْعَفو فالعفو عَن الذُّنُوب يكون بَين الله وَبَين العَبْد وَأما الْعَافِيَة فالعافية من آفَات الدُّنْيَا وأهوال الْآخِرَة وَأما المعاناة فان تَعْفُو عَن النَّاس وَيَعْفُو عَنْك فَلَا يكون يَوْم الْقِيَامَة قصاص.
والمفاعلة تكون من اثْنَيْنِ نَحْو الْمُضَاربَة والمشاتمة وَهُوَ أَن تضرب وتضرب وتشتم وتشتم وَكَذَلِكَ المعافاة هِيَ أَن تَعْفُو ويعفى عَنْك
وَقد تكون المعافاة من الله جلّ وَعز تَقول رب عَافنِي كَمَا تكون المعاقبة والمشارفة من وَاحِد إِلَّا أَن المعافاة فَفِي حَدِيث أبي بكر على مَا أعلمتك
وَأما الصَّبْر فَثَلَاث دَرَجَات أَولهَا الصَّبْر على الْمُصِيبَة وَثَانِيها الصَّبْر على الطَّاعَة وأعلاها الصَّبْر على الْمعْصِيَة
وَأما الْيَقِين فدرجتان إِحْدَاهمَا يَقِين السّمع وَالْأُخْرَى يَقِين النّظر وَهَذَا أَعلَى الْيَقِين قَالَ الله ﵎ حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم ﷺ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ أَي يَقِين النّظر وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ الْمخبر كالمعاين حِين ذكر مُوسَى إِذْ
стр. 433
أعلمهُ الله جلّ وَعز أَن قومه عبدُوا الْعجل فَلم يلق الألواح فَلَمَّا عاينهم عاكفين عَلَيْهِ غضب وَألقى الألواح حَتَّى انْكَسَرت
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه رأى رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ عَلَيْك بالمغفلة والمنشلة
يرويهِ ابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو بن الْحَارِث قَالَ عَن عقبَة بن مُسلم عَن أبي عبد الرحمن الحبلي عَن الصنَابحِي
قَالُوا المغفلة العنفقة سميت بذلك لِأَن كثيرا من النَّاس يغْفل عَنْهَا وَعَما تحتهَا
والمنشلة مَوضِع الْخَاتم من الْخِنْصر وَلَا أَحْسبهُ سمي مَوضِع الْخَاتم منشلة إِلَّا لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ غسله نشل الْخَاتم من ذَلِك الْموضع أَي اقتلعه مِنْهُ ثمَّ غسله ورد الْخَاتم
стр. 434
حَدِيث عمر بن الْخطاب
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خطب النَّاس فَقَالَ إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم أَن يُؤْخَذ الرجل الْمُسلم البريء عِنْد الله فيدسر كَمَا يدسر الْجَزُور ويشاط لَحْمه كَمَا يشاط لحم الْجَزُور يُقَال عَاص وَلَيْسَ بعاص فَقَالَ عَليّ وَكَيف ذَاك وَلما تشتد البلية وَتظهر الحمية وتسب الذُّرِّيَّة وتدقهم الْفِتَن دق الرَّحَى بثفالها
يرويهِ سعيد بن مُحَمَّد الْجرْمِي عَن أبي ثميلة وَهُوَ يحيى بن وَاضح عَن رُمَيْح بن هِلَال عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن عمر
قَوْله يدسر أَي يدْفع حَتَّى يسْقط يُقَال دسرته دسرا وَمِنْه حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ
حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عَمْرو عَن ابْن أذينة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر أَي دَفعه وألقاه
وَقَوله يشاط لَحْمه كَمَا يشاط لحم الْجَزُور أَي يبضع وَيقطع وَالْأَصْل فِي الإشاطة الإحراق فاستعير وَمِنْه قَول عمر الْقسَامَة توجب الْعقل وَلَا تشيط الدَّم
يَقُول إِذا حَلَفت فَإِنَّمَا تجب الدِّيَة لَا الْقود
стр. 435
ويروى عَن عمر بن عبد العزيز وَابْن الزبير إنَّهُمَا أقادا بالقسامة
وَمن الإشاطة الحَدِيث فِي يَوْم مُؤْتَة أَن زيد بن حَارِثَة قَاتل براية رَسُول الله ﷺ حَتَّى شاط فِي رماح الْقَوْم وَقَول عَليّ دق الرَّحَى بثفالها والثفال جلدَة تبسط تَحت الرَّحَى ليَقَع عَلَيْهَا الدَّقِيق قَالَ زُهَيْر وَذكر الْحَرْب [من الطَّوِيل] ... فتعرككم عَرك الرَّحَى بثفالها ... وتلقح كشافا ثمَّ تحمل فتتئم ...
العرك الدَّلْك وَقَوله عَرك الرَّحَى بثفالها يُرِيد دقتها للحب إِذا كَانَت مثقلة وَلَيْسَت تكون مثقلة إِلَّا وَهِي تطحن فَأَرَادَ دق الرَّحَى وَهِي طاحنة
وَأَرَادَ عَليّ ﵀ الرَّحَى الَّتِي تديرها الْيَد لِأَن الثفال يوضع تحتهَا فَهِيَ تدقه
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ لَا تفطروا حَتَّى تروا اللَّيْل يغسق على الظراب
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ
стр. 436
أرسل الْحجَّاج إِلَى عبد الله بن عكيم فَذكر ذَلِك عَن عمر فِي حَدِيث فِيهِ طول
يغسق يظلم يُقَال غسق فَهُوَ غَاسِق والظراب جمع ظرب وَهُوَ دون الْجَبَل قَالَ الشَّاعِر [من الْخَفِيف] ... إِن جَنْبي على الْفراش لناب ... كتجافي الْأسر فَوق الظراب ...
وَقد يجمع الظراب فَيُقَال ظرب مثل كتاب وَكتب يُقَال فِي بعض الحكم إياك والرعب فَإِنَّهُ يزِيل الْحلم كالظراب وَإِنَّمَا اخْتصَّ الظراب لقصرها فَأَرَادَ أَن ظلمَة اللَّيْل تقرب من الأَرْض قَالَ الْهُذلِيّ [من مجزوء الْكَامِل] ... دلجي إِذا مَا اللَّيْل جن على المقرنة الحباحب ...
المقرنة الْجبَال الَّتِي يدنو بَعْضهَا من بعض كَأَنَّهَا قرنت والحباحب الصغار مِنْهَا فَإِذا اشْتَدَّ سَواد اللَّيْل اسْتَوَت الْأَعْلَام والأكام فِي الْعين وَقَالَ الآخر [من الطَّوِيل] ... إِذا لم يُنَازع جَاهِل الْقَوْم ذَا النهى ... وبلدت الْأَعْلَام بِاللَّيْلِ كالأكم ...
يَقُول استسلم الْقَوْم للأولاد وَسكت من سواهُم لأَنهم فِي تيه وَفِي ليل وبلدت كَأَنَّهَا لزقت بِالْأَرْضِ بِاللَّيْلِ والأعلام
стр. 437
الْجبَال الطوَال صَارَت كَأَنَّهَا آكام فِي الْعين وَمثله [من مخلع الْبَسِيط] ... حَتَّى إِذا مَا دجا وَسوى ... بَين القرارات والآكام ...
القرارات جمع قرارة وَهُوَ مَوضِع مطمئن يسْتَقرّ فِيهِ مَاء الْمَطَر
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن عمرَان بن سوَادَة أَخا بني لَيْث قَالَ لَهُ أَربع خِصَال عاتبتك عَلَيْهَا رعيتك فَوضع عود الدرة ثمَّ ذقن عَلَيْهَا وَقَالَ هَات قَالَ ذكرُوا أَنَّك حرمت الْعمرَة فِي أشهر الْحَج فَقَالَ عمر أجل إِنَّكُم إِن اعتمرتم فِي أشهر حَجكُمْ رأيتموها مجزئة لكم من حَجكُمْ فقرع حَجكُمْ فَكَانَت قائبة قوب عامها وَالْحج بهاء من بهاء الله قَالَ وَشَكوا مِنْك عنف السِّيَاق وقهر الرّعية قَالَ فَنزع الدرة ثمَّ مسحها حَتَّى أَتَى على سيورها وَقَالَ أَنا زميل مُحَمَّد فِي غَزْوَة قرقرة الكدر ثمَّ إِنِّي وَالله لأرتع فأشبع وأسقي فأروى وأضرب الْعرُوض وأزجر العجول وأذب قدري وأسوق خطوي وأرد اللفوت وأضم العنود وَأكْثر الزّجر وَأَقل الضَّرْب وَأشهر بالعصا وأدفع بِالْيَدِ وَلَوْلَا ذَلِك لأغدرت
يرويهِ يُوسُف بن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن عبد الرحمن بن نباتة عَن
стр. 438
عمرَان بن سوَادَة أخي بني لَيْث
قَوْله ذقن عَلَيْهَا أَي وضع عَلَيْهَا ذقنه يستمع وَقَوله فقرع حَجكُمْ أَي خلت أَيَّام الْحَج من النَّاس وَكَانُوا يتعوذون بِاللَّه من قرع الْغناء وَذَلِكَ أَلا يكون عَلَيْهِ غاشية وزوار وَمن قرع المراح وَذَلِكَ أَلا تكون إبل
والقائبة قشر الْبَيْضَة إِذا خرج مِنْهَا الفرخ والقوب الفرخ
وأنشدني مُحَمَّد بن عمر عَن ابْن كناسَة للكميت وَذكر النِّسَاء [من الوافر] ... لَهُنَّ وللمشيب وَمن علاهُ ... من الْأَمْثَال قائبة وقوب ...
وَفَسرهُ فَقَالَ أَرَادَ أَن النِّسَاء ينفرن من ذِي المشيب ويفارقنه كَمَا يُفَارق القوب وَهُوَ الفرخ القائبة وَهِي الْبَيْضَة فَلَا يعود إِلَيْهَا بعد خُرُوجه مِنْهَا أبدا وَأَرَادَ عمر أَنكُمْ إِذا رَأَيْتُمْ الْعمرَة فِي أشهر الْحَج كَافِيَة من الْحَج خلت مَكَّة من الْحَاج فَكَانَت كبيضة فَارقهَا الفرخ فخلت عامها
وَقَوله إِنِّي وَالله أرتع فأشبع وأسقي فأروي يُرِيد أَنه حسن الرّعية لِلْإِبِلِ إِذا أرتع الْإِبِل أَي أرسلها ترعى تَركهَا حَتَّى تشبع وَإِذا سَقَاهَا تَركهَا حَتَّى تروى وَلم يرد الْإِبِل هَاهُنَا وأنما هُوَ مثل ضربه لسياسته النَّاس
стр. 439
وَقَوله أضْرب الْعرُوض وَالْعرُوض هُوَ الَّذِي يَأْخُذ يَمِينا وَشمَالًا وَلَا يلْزم المحجة يَقُول أضربه حَتَّى يعود إِلَى الطَّرِيق
وَمثله قَوْله وأضم العنود أَي الَّتِي تعند عَن الطَّرِيق وأذب قدري وأسوق خطوي أَي أذب قدر طاقتي وأسوق قدر خطوي وأرد اللفوت وَهُوَ الَّذِي يتلفت يَمِينا وَشمَالًا ويروغ
وَقَوله وَأكْثر الزّجر وَأَقل الضَّرْب يُرِيد أَنه يقْتَصر أبدا على الزّجر وَمَا اكْتفى بِهِ حَتَّى يضْطَر إِلَى الضَّرْب
وَقَوله وَأشهر بالعصا وأدفع بِالْيَدِ يُرِيد أَنه يرفع الْعَصَا يرهب بهَا وَلَا يستعملها وَلكنه يدْفع بِيَدِهِ
وَقَوله وَلَوْلَا ذَلِك لأغدرت يُرِيد لَوْلَا هَذَا التَّدْبِير وَهَذِه السياسة لخلفت بعض مَا أسوق
وَهَذِه أَمْثَال ضربهَا أَصْلهَا فِي رعيه الْإِبِل وسوقها وَإِنَّمَا يُرِيد بهَا حسن سياسته النَّاس فِي هَذَا الْغُزَاة الَّتِي ذكرهَا
يَقُول فَإِذا كنت أفعل هَذَا فِي أَيَّام رَسُول الله ﷺ مَعَ طَاعَة النَّاس لَهُ وتعظيمهم إِيَّاه فَكيف لَا أَفعلهُ بعده وَإِن كَانَ راعي الْإِبِل رَفِيقًا بهَا عَالما بمصالحها قيل لَهُ ترعية وَإِذا كَانَ عنيفا بهَا يخرق فِي إيرادها وإصدارها قيل حطمة لِأَنَّهُ يحطمها ويلقي بَعْضهَا على بعض
وروى جرير بن حَازِم عَن الْحسن عَن عَائِذ بن عَمْرو أَنه دخل
стр. 440
على عبيد الله بن زِيَاد فَقَالَ لَهُ أَي بني سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول شَرّ الرعاء الحطمة وَكَانَ بعض الروَاة يعيب قَول أبي النَّجْم فِي صفة راعي الْإِبِل [من الرجز] ... صلب الْعَصَا جَاف عَن التغزل ...
وَيَقُول الرَّاعِي لَا يُوصف بصلابة الْعَصَا وَإِنَّمَا الْجيد قَول الرَّاعِي [من الطَّوِيل] ... ضَعِيف الْعَصَا بَادِي الْعُرُوق ترى لَهُ ... عَلَيْهَا إِذا مَا أمحل النَّاس إصبعا ...
أَي أثرا حسنا
وَقَالَ بَعضهم لم يرد أَبُو النَّجْم الْعَصَا الَّتِي تكون مَعَه إِنَّمَا أَرَادَ أَنه صلب الْقَنَاة يَعْنِي الْبدن وَيُقَال أَيْضا حطم بِلَا هَاء وَأنْشد الْأَصْمَعِي [من الرجز] ... قد حشها اللَّيْل بسواق حطم ...
стр. 441
وَتَفْسِير هَذَا يَقع فِي تَفْسِير حَدِيث الْحجَّاج بن يُوسُف
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ للسائب ورع عني بالدرهم وَالدِّرْهَمَيْنِ
حدّثنَاهُ إِسْحَق بن رَاهَوَيْه قَالَ حدّثنَاهُ الْمُقْرِئ عبد الله بن يزِيد عَن سعيد بن أبي أَيُّوب عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن ابْن شهَاب
وَقَوله ورع عني أَي كف عني الْخُصُوم فِي قدر الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ بِأَن تنظر فِي ذَلِك وتقضي فِيهِ بَينهم وتنوب عني وكل من كففته فقد ورعته وَقَالَ الرَّاعِي وَذكر الْإِبِل [من الطَّوِيل] ... إِذا ورعت أَن تركب الْحَوْض كسرت ... بأركان هضب كل رطب وذابل ...
يَقُول إِذا كفت عَن أَن تزدحم على الْحَوْض قحمت بأجسام كأركان الْجبَال فَكسرت كل رطب وذابل عَن عصي الرعاء وَمِنْه الْوَرع فِي الدّين إِنَّمَا هُوَ الْكَفّ عَن الْمعاصِي وَمِنْه قَول عمر بن الْخطاب لَا تنظروا إِلَى صِيَام أحدكُم وَلَا صلَاته وَلَكِن انْظُرُوا من إِذا حدث صدق وَإِذا اؤتمن أدّى وَإِذا أشفى ورع
يُرِيد إِذا أشرف على مَال يَأْخُذهُ أَو على مَعْصِيّة تركب ورع أَي كف
стр. 442
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خطب النَّاس فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس لينكح الرجل مِنْكُم لمته من النِّسَاء ولتنكح الْمَرْأَة لمتها من الرِّجَال حَدَّثَنِيهِ هرون بن مُوسَى عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْحَق الطَّالقَانِي عَن عِيسَى بن يُونُس عَن أبي بكر الغساني عَن أبي المجاشع الْأَزْدِيّ
لمة الرجل من النِّسَاء مثله فِي السن وَمِنْه قيل فِي الحَدِيث الْمَوْضُوع على فَاطِمَة رَحمهَا الله إِنَّهَا خرجت فِي لمة من نسائها تتوطأ ذيولهاه حَتَّى دخلت على أبي بكر فكلمته بذلك الْكَلَام وَقد كنت كتبته وَأَنا أرى أَن لَهُ أصلا ثمَّ سَأَلت عَنهُ رجال الحَدِيث فَقَالَ لي بعض نقلة الْأَخْبَار أَنا أسن من هَذَا الحَدِيث وَأعرف من عمله
وَحدثنَا أَحْمد بن نصر النَّيْسَابُورِي بِإِسْنَاد ذكره إِن فَاطِمَة ﵍ قَالَت بعد موت أَبِيهَا ﷺ [من الْبَسِيط] ... قد كَانَ بعْدك أنباء وهنبثة ... لَو كنت حاضرها لم تكْثر الْخطب
إِنَّا فقدناك فقد الأَرْض وابلها ... فاختل قَوْمك فاشهدهم وَلَا تغب ...
стр. 443
وَهَذَانِ البيتان هما سَبَب وضع ذَلِك الْكَلَام
أَرَادَ عمر لَا تنْكح الشَّابَّة الشَّيْخ الْكَبِير وَلَا ينْكح الشَّاب الْعَجُوز وَأَن ينْكح كل وَاحِد قرنه وشكله
وَكَانَ سَبَب هَذِه الْخطْبَة أَن شَابة زوجت شَيخا فَقتلته
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر إِن رجلا أَتَاهُ يشكو إِلَيْهِ النقرس فَقَالَ كذبتك الظهائر
يرويهِ أَبُو نعيم عَن سُفْيَان عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن قيس بن ابي حَازِم
الظهائر جمع ظهيرة وَهِي الهاجرة وَقت الزَّوَال وَقَوله كذبتك أَي عَلَيْك بهَا وَهَذِه كلمة تَقُولهَا الْعَرَب فِي معنى الإغراء كَذبك كَذَا أَي عَلَيْك بِهِ وَكذب عَلَيْك كَذَا وَمِنْه حَدِيث النَّبِي ﷺ فِي الْحجامَة
روى أَبُو عبد الرحمن الْمقري عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن الْمثنى بن عَمْرو عَن أبي سِنَان عَن أبي قلَابَة عَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ الْحجامَة على الرِّيق فِيهَا شِفَاء وبركة وتزيد فِي الْعقل وَفِي الْحِفْظ فَمن احْتجم فَيوم الْخَمِيس والأحد كذباك أَو يَوْم الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء فَإِنَّهُ
стр. 444
الْيَوْم الَّذِي كشف الله فِيهِ عَن أَيُّوب الْبلَاء وأصابه يَوْم الْأَرْبَعَاء ثمَّ قَالَ وَلَا يَبْدُو بِأحد من جذام أَو برص إِلَّا فِي يَوْم أربعاء أَو لَيْلَة أربعاء
قَوْله كذباك أَي عَلَيْك بهما وَقَالَ خِدَاش بن زُهَيْر [من الطَّوِيل] ... كذبت عَلَيْكُم أوعدوني وعللوا ... بِي الأَرْض والأقوام قردان موظبا ...
قَوْله عللوا بِي الأَرْض أَي تغنوا بهجائي فِي أسفاركم وعللوا بِهِ السّفر يَا قردان موظب
وَإِنَّمَا أَمر عمر صَاحب النقرس أَن يبرز للْحرّ فِي الهاجرة وَيَمْشي فِيهَا حافيا ويبتذل نَفسه فَإِن ذَلِك يذهب النقرس
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر إِن رجلا كسر مِنْهُ عظم فَأتى عمر بن الْخطاب يطْلب الْقود فَأبى أَن يُقَيِّدهُ فَقَالَ الرجل هُوَ إِذا كالأرقم إِن يقتل ينقم وَإِن يتْرك يلقم قَالَ فَهُوَ كالأرقم
يرويهِ يحيى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن الْحجَّاج عَن عَطاء الأرقم الْحَيَّة وَجمعه أراقم وَمِنْه قيل لبني جشم الأراقم وَذَلِكَ أَن قَائِلا
стр. 445
قَالَ ورآهم صغَارًا كَأَن عيونهم عُيُون الأراقم
وَقَوله إِن يقتل ينقم يُرِيد إِن قتلته كَانَ لَهُ من ينْتَقم مِنْك وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة يَزْعمُونَ أَن الْجِنّ تطلب بثأر الجان فَرُبمَا مَاتَ قَاتله وَرُبمَا أَصَابَهُ خبل
وَرُوِيَ ابْن مَسْعُود أَن رَسُول الله أَمر بقتل الْحَيَّات وَقَالَ من خَافَ ثأرهن فَلَيْسَ منا
وَقَالَ ابْن عَبَّاس الجان مسيخ الْجِنّ كَمَا مسخت القردة من بني إِسْرَائِيل
وَقَوله إِن يتْرك يلقم يَقُول إِن تركته أكلك وَهَذَا مثل يضْرب للرجل يجْتَمع عَلَيْهِ أَمْرَانِ من الشَّرّ لَا يدْرِي كَيفَ يصنع فيهمَا وَمثله قَوْلهم أشقر إِن يتَقَدَّم ينْحَر وَإِن يتَأَخَّر يعقر
وَيُقَال إِن أول من قَالَه لَقِيط بن زُرَارَة فِي يَوْم جبلة وَأنْشد أَبُو زيد فِي نَحْو هَذَا [من الطَّوِيل]
стр. 446
.. وَهل أَنا إِلَّا مثل سيقة العدى ... إِن استقدمت نحر وَإِن جبأت عقر ...
سيقة العدى أَي سَاقه الْأَعْدَاء يُقَال أَيْضا شيقة العدى أَي طَلِيعَة الْأَعْدَاء جبأت تَأَخَّرت فَأَرَادَ الرجل أَنه قد وَقع بَين أَمريْن كسر عظم من عِظَامه وَعدم الْقود من الْجَانِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْعظم إِذا كسر قَود لِأَنَّهُ يخَاف على الْمُقْتَص مِنْهُ الْمَوْت وَلَكِن فِيهِ الدِّيَة
روى يحيى بن زَكَرِيَّا عَن أَشْعَث عَن الْحسن أَنه قَالَ لَا قصاص فِي عظم قَالَ فَذكرت ذَلِك لعامر فَقَالَ مَا أنْكرت من ذَلِك أَرَأَيْت لَو كسر فَخذه أَكنت تكسر فَخذه أَو كسر سَاقه أَكنت تكسر سَاقه
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه أَتَى قبَاء فَرَأى فِيهِ شَيْئا من غُبَار وعنكبوت فَقَالَ لرجل ائْتِنِي بجريدة وَاتَّقِ العواهن قَالَ فَجِئْته بهَا فَربط كميه بوذمة ثمَّ أَخذ الجريدة فَجعل يتتبع بهَا الْغُبَار
يرويهِ ضرار بن صرر عَن عبد العزيز بن مُحَمَّد عَن إِسْحَق بن الْمُسْتَوْرد عَن عبد الرحمن بن يزِيد بن حَارِثَة عَن أبي حَارِثَة عَن أبي ليلى قَالَ أَتَانَا عمر فِي مَسْجِدنَا فِي قبَاء ثمَّ ذكر الحَدِيث
стр. 447
الجريدة السعفة وَجَمعهَا جريد وَهِي أَيْضا الْخرص وَجَمعهَا خرصان
والعواهن هِيَ السعفات اللواتي بَين القلبة والقلبة جمع قلب
وَأهل نجد يسمون العواهن الخوافي وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْهَا إشفاقا على الْقلب أَن يضر بِهِ قطعهَا والعواهن فِي غير هَذَا عروق فِي رحم النَّاقة
والوذمة سير من سيور الدَّلْو وَيكون لغَيْرهَا وَجَمعهَا وذم وَهِي الَّتِي تكون بَين أَذَان الدَّلْو والعراقي يُقَال أوذمت الدَّلْو إِذا شددتها بالوذم والعرقوتان الخشبتان اللَّتَان تعرضان على الدَّلْو مثل الصَّلِيب
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خطب فَقَالَ فِي خطبَته أَلا لَا تضربوا الْمُسلمين فتذلوهم وَلَا تمنعوهم حُقُوقهم فتكفروهم وَلَا تجمروهم فتفتنوهم
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن سعيد الْجريرِي عَن أبي نَضرة عَن أبي فراس قَالَ خَطَبنَا عمر فَقَالَ ذَلِك
стр. 448
قَوْله لَا تجمروهم هُوَ من التجمير وَذَلِكَ أَن يتْرك الْجَيْش فِي مغازيهم لَا يقفلون قَالَ الشَّاعِر [من الرجز] ... فاليوم لَا ظلم وَلَا تسيير ... وَلَا لغاز إِن غزا تجمير ...
وَيُقَال ايضا أجمرتهم فَأَنا أجمرهم إجمارا قَالَ الآخر [من الطَّوِيل] ... معاوي إِمَّا أَن تجهز أهلنا ... إِلَيْنَا وَإِمَّا أَن نؤوب معاويا
أأجمرتنا إجمار كسْرَى جُنُوده ... ومنيتنا حَتَّى مللنا الأمانيا ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه أَتَى بمروط فَقَسمهَا بَين نسَاء الْمُسلمين وَدفع مِرْطًا بَقِي إِلَى أم سليط الْأَنْصَارِيَّة وَكَانَت تزفر الْقرب يَوْم أحد تَسْقِي الْمُسلمين
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يُونُس عَن الزُّهْرِيّ
المروط أكسية من صوف كَانُوا يَأْتَزِرُونَ بهَا وَرُبمَا كَانَت من خَز أَو غَيره
وَقَوله تزفر الْقرب أَي تحملهَا على ظهرهَا
стр. 449
والزفر الْحمل على الظّهْر وَيُقَال للإماء اللواتي يحملن الْقرب على ظهورهن زوافر قَالَ الْكُمَيْت وَذكر الْمنَازل [من مجزوء الْكَامِل] ... تمشي بهَا ربد النعا ... م تماشي الآم الزوافر ...
الآم جمع أمة
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن مَالك بن أَوْس بن الْحدثَان قَالَ بَينا أَنا جَالس فِي أَهلِي حِين متع النَّهَار إِذا رَسُوله فَانْطَلَقت حَتَّى أَدخل عَلَيْهِ وَإِذا هُوَ جَالس على رمال سَرِير ثمَّ ذكر حَدِيثا طَويلا فِي الْفَيْء وسبله
يرويهِ عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث بن سعد عَن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن مَالك بن أَوْس
متع النَّهَار أَي تَعَالَى وَهُوَ من الماتع والماتع الطَّوِيل وَإِنَّمَا أَرَادَ تطاول مَا مضى من النَّهَار وَمِنْه يُقَال فِي الدُّعَاء أمتع الله بك
стр. 450
ويروى عَن كَعْب أَنه ذكر الدَّجَّال فَقَالَ يسخر مَعَه جبل ماتع خلاطه ثريد قَالَ الْمسيب بن علس [من الْكَامِل] ... وَكَأن غزلان الصرائم إِذْ ... متع النَّهَار وأرشق الحدق ...
وَمثله تلع النَّهَار أَيْضا إِذا ارْتَفع وَقَوله رمال سَرِير يُرِيد نسجا فِي وَجه السرير من السعف يُقَال رملته وللمرأة الَّتِي تعْمل ذَلِك راملة وَفِيه لُغَة أُخْرَى أرملت قَالَ كَعْب بن زُهَيْر يصف طَرِيقا [من الْبَسِيط] ... ولاحب كحصير الراملات ترى ... من الْمطِي على حَافَّاته حبقا ...
وَقَالَ الراجز [من الرجز] ... كَأَن نسج العنكبوت المرمل ...
جر المرمل بالجوار
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ اعطوا من الصَّدَقَة من
стр. 451
أبقت لَهُ السّنة غنما وَلَا تعطوا من ابقت لَهُ السّنة غنمين
يرويهِ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن أبي نجيح عَن رجل عَن عمر السّنة هَاهُنَا الأزمة يُقَال أَصَابَتْهُم السّنة إِذا أجدبوا وَأَرْض بني فلَان سنة إِذا كَانَت مُجْدِبَة وَمِنْه قَول الله ﵎ ﴿وَلَقَد أَخذنَا آل فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ وَنقص من الثمرات﴾
وَكَانَ عمر لَا يُجِيز نِكَاحا فِي عَام سنة وَيَقُول لَعَلَّ الضيقة تحملهم على أَن ينكحوا غير الْأَكفاء وَقَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل ... أَرَادَ ابْن كوز والسفاهة كاسمها ... ليستاد منا إِن شتونا لياليا ...
وَكَانَ عمر أَيْضا لَا يقطع سَارِقا فِي عَام سنة
وَقَوله غنما أَي قِطْعَة من الْغنم يُقَال لفُلَان غنمان أَي قطعتان من الْغنم قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... هما سيدانا يزعمان وَإِنَّمَا ... يسوداننا إِن يسرت غنماهما
فَأَرَادَ عمر أَن يُعْطي من الصَّدَقَة من لم تبْق لَهُ السّنة من غنمه إِلَّا قِطْعَة وَاحِدَة لَا يقطع مثلهَا فَتكون الصَّدَقَة قطعتين
стр. 452
لقلتهَا وَألا يُعْطي مِنْهَا من أبقت لَهُ غنما يقطعهَا ويجعلها فِي مكانين لكثرتها أَلا ترى أَن الْغنم قد تكون خمْسا وَعشرا وَأكْثر من ذَلِك وَأَقل وَأَن الْغَنَمَيْنِ لَا يكون أَحدهمَا إِلَّا قطيعا وَنَحْوه لِأَنَّهَا لَا تفرق فَتكون فِي مكانين إِلَّا للكثرة
وَقَالَ ابْن أبي نجيح الْغنم مائَة شَاة كَأَن القطيع الَّذِي يفرد عِنْده مائَة وَلست أحفظ عَن عُلَمَائِنَا فِي الْغنم حدا محدودا وَقَالَ الرياشي عَن الْأَصْمَعِي إِذا كَانَت الْإِبِل مائَة قيل لَهَا إبل يُقَال لَهُ إبلان أَي مِائَتَان من الْإِبِل وَلم يذكر فِي الْغنم شَيْئا فَإِن كَانَ الَّذِي ذكره ابْن أبي نجيح مَحْفُوظًا مَعْرُوفا فَأرى عمر ﵀ عِنْده قد أَمر بِأَن تدفع الصَّدَقَة إِلَى من لَهُ مائَة من الْغنم وَالصَّدَََقَة لَا تحل لَغَنِيّ وَالَّذِي تقدم من تفسيرنا مُوَافق للسّنة واللغة
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه انكفأ لَونه فِي عَام الرَّمَادَة حِين قَالَ لَا آكل سمنا وَأَنه اتخذ أَيَّام كَانَ يطعم النَّاس قدحا فِيهِ فرض فَكَانَ يطوف على القصاع فيغمز الْقدح فَإِن لم تبلغ الثريدة الْفَرْض فتعال فَانْظُر مَاذَا يفعل بِالَّذِي ولي الطَّعَام
حَدَّثَنِيهِ عبد الرحمن السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي عَن عبد الله بن عمر الْعمريّ
قَوْله انكفأ لَونه يُرِيد تغير عَن حَاله وَحَال
стр. 453
وَالْأَصْل فِي الانكفاء الانقلاب وَمِنْه يُقَال كفأت الْإِنَاء إِذا قلبته وَقَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال أرمد النَّاس إِذا جهدوا وَلذَلِك قيل عَام الرَّمَادَة والرمد الْهَلَاك وَمِنْه قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... صببت عَلَيْكُم حاصبي فتركتكم ... كأصرام عَاد حِين جللها الرمد ...
والقدح السهْم وَجمعه قداح وَالْفَرْض الحز يُقَال فرضت المسواك والزند إِذا حززت فيهمَا وَمِنْه قَول عَمْرو بن الْعَاصِ للنجاشي إِنَّهُم يَعْنِي الْمُهَاجِرين يخالفونك فِي عِيسَى وَأمه قَالُوا بقول كَمَا قَالَ الله هُوَ كلمة الله وروحه أَلْقَاهَا إِلَى الْعَذْرَاء البتول الَّتِي لم يمسسها بشر وَلم يفترضها ولد
يُرِيد قبل الْمَسِيح وَكَأن عمر جعل هَذَا الْفَرْض عَلامَة لمنتهى الثَّرِيد فِي الصحاف
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه كَانَ أروح كَأَنَّهُ رَاكب وَالنَّاس يَمْشُونَ كَأَنَّهُ من رجال بني سدوس
حَدَّثَنِيهِ أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب الأروح الَّذِي يتدانى عقباه وتتباعد صُدُور قَدَمَيْهِ يُقَال أروح بَين الرّوح والأفحج الَّذِي تتدانى صُدُور قَدَمَيْهِ
стр. 454
ويتباعد عقباه وتنفحج ساقاه والوكع ميل إِبْهَام الرجل على الْأَصَابِع حَتَّى تَزُول فَيرى شخص أَصْلهَا خَارِجا وَمِنْه يُقَال أمة وكعاء
وَبَنُو سدوس من شَيبَان والطول أغلب عَلَيْهِم
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن ابْن عَبَّاس قَالَ دَعَاني عمر فَإِذا حَصِير بَين يَدَيْهِ عَلَيْهِ الذَّهَب منثورا نثر الحثا فَأمرنِي بقسمه
يرويهِ أَبُو النَّضر عَن سُلَيْمَان بن الْمُغيرَة عَن حميد بن هِلَال عَن زُهَيْر بن حَيَّان قَالَ سَمِعت ابْن عَبَّاس يذكر ذَلِك
الحثا التِّبْن وَيُقَال هُوَ دقاق التِّبْن قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] ... وأغبر مسحول التُّرَاب ترى بِهِ ... حثى طردته الرّيح من كل مطرد ...
ويروى ترى بِهِ جثى جمع جثوَة وَهِي جُمُعَة من التُّرَاب تجمعها الرّيح وَقَالَ أحد الرجاز يهجو رجلا [من الرجز] ... وَيَأْكُل التَّمْر وَلَا يلقِي النَّوَى ... كَأَنَّهُ غرارة ملأى جثا ...
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه قَالَ النِّسَاء ثَلَاث فهينة لينَة
стр. 455
عفيفة مسلمة تعين أَهلهَا على الْعَيْش وَلَا تعين الْعَيْش على أَهلهَا وَأُخْرَى وعَاء للْوَلَد وَأُخْرَى غل قمل يَضَعهُ الله فِي عنق من يَشَاء ويفكه عَمَّن يَشَاء
وَالرِّجَال ثَلَاثَة رجل ذُو رَأْي وعقل وَرجل إِذا حزبه أَمر أَتَى ذَا رَأْي فَاسْتَشَارَهُ وَرجل حائر بائر لَا يأتمر رشدا وَلَا يُطِيع مرشدا
كَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يروي هَذَا الحَدِيث عَن عبد الملك بن عُمَيْر وحدثنيه عبد الرحمن عَن عَمه عَن شيخ من بني العنبر أَنه قَالَ كَانَ يُقَال وَذكر الْكَلَام كُله وَلم يروه عَن عمر
وَقَالَ وَرجل يَنْتَهِي إِلَى رَأْي ذِي اللب والمقدرة وَقَالَ الْمقدرَة من التَّقْدِير والمقدرة من الْيَسَار والحائر المتحير فِي أمره يُقَال رجل حيران وحائر وَامْرَأَة حيرى والبائر الْهَالِك يُقَال بار يبور بورا وأباره الله وَمِنْه قَول الله ﵎ ﴿قوما بورا﴾ يُقَال رجل بور إِذا كَانَ فَاسِدا هَالكا لَا خير فِيهِ وَقوم بور
وَقَوله غل قمل وَالْأَصْل فِيهِ أَنهم كَانُوا يغلون بالقد وَعَلِيهِ الشّعْر فيقمل على الرجل
وَقَوله لَا يأتمر رشدا أَي لَا يَأْتِي برشد من ذَات نَفسه يُقَال لمن فعل الشَّيْء عَن غير مُشَاورَة قد ائتمر وَيُقَال
стр. 456
بئس مَا أتمرت لنَفسك قَالَ النمر بن تولب [من المديد] ... اعلمي أَن كل مؤتمر ... مُخطئ فِي الرَّأْي أَحْيَانًا
فَإِذا مالم يصب رشدا ... كَانَ بعض اللوم ثنيانا ...
يَقُول إِذا ركب رَأسه وَفعل الشَّيْء عَن غير مُشَاورَة فَلَا بُد من أَن يُخطئ فَإِذا لم يصب رشدا لامه النَّاس لوما بعد اللوم الأول على ركُوبه هَوَاهُ بِغَيْر مُشَاورَة وَالثَّانِي على خطأه وَقَالَ ربيعَة بن جشم [من المتقارب] ... أحاربن عَمْرو كَأَنِّي خمر ... يعدو على الْمَرْء مَا يأتمر ...
خمر أَي كَأَنِّي خامرني دَاء أَو وجع وَيُقَال أَرَادَ كَأَنِّي فِي عقب خمار وَقَوله ويعدو على الْمَرْء مَا يأتمر يَقُول إِذا ائتمر أمرا على غير رشد عدا عَلَيْهِ فَأَهْلَكَهُ وَهُوَ شَبيه بقَوْلهمْ من حفر حُفْرَة وَقع فِيهَا وَأَنا أَحسب أصل هَذَا الْحَرْف يفتعل من الْأَمر كَأَن نَفسه أَمرته بِشَيْء فائتمر أَي فأطاعها أَو أَن هَوَاهُ دَعَاهُ إِلَى شَيْء فتابعه وَمثله فِي الْكَلَام عذلته فاعتذل أَي فأعتب ورددته فَارْتَد
стр. 457
فَأَرَادَ عمر أَنه لَا يَأْتِي برشد من ذَات نَفسه وَلَا يقبل مِمَّن يرشده وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز ﴿إِن الْمَلأ يأتمرون بك﴾ أَرَادَ يتشاورون فِيك وَاسْتشْهدَ أَبُو عُبَيْدَة على يتشاورون فِيك قَوْله ويعدو على الْمَرْء مَا يأتمر وَلَيْسَ يجوز أَن يكون فِي هَذَا الْموضع يأتمر يشاور لِأَن الْمُشَاورَة رشد وَخير فَكيف يعدو عَلَيْهِ مَا شاور فِيهِ
وَالْمعْنَى مَا ذَكرْنَاهُ وَأما قَول النمر بن تولب [من المتقارب] ... أرى النَّاس قد أَحْدَثُوا شِيمَة ... وَفِي كل حَادِثَة يؤتمر ...
فَإِنَّهُ أَرَادَ فِي كل أَمر يحدث تفكر وَنظر وارتياء رَأْي
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه خرج لَيْلَة فِي شهر رَمَضَان وَالنَّاس أوزاع فَقَالَ إِنِّي لأَظُن أَن لَو جمعناهم على قَارِئ كَانَ أفضل فَأمر أبي بن كَعْب فَأمهمْ ثمَّ خرج لَيْلَة وهم يصلونَ بِصَلَاتِهِ فَقَالَ نعم الْبِدْعَة هَذِه وَالَّتِي ينامون عَنْهَا أفضل من الَّتِي يقومُونَ فِيهَا
يرويهِ إِبْرَاهِيم بن مُوسَى عَن هِشَام عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة ابْن الزبير عَن عبد الرحمن بن عبد الْقَارِي الأوزاع الْفرق
стр. 458
يُرِيد أَنهم كَانُوا يتنقلون فِي شهر رَمَضَان بعد صَلَاة الْعشَاء فرقا وَمِنْه يُقَال وزعت المَال بَينهم إِذا فرقته وَقَالَ الْمسيب بن علس يمدح رجلا [من الْكَامِل] ... أحللت بَيْتك بِالْجَمِيعِ وَبَعْضهمْ ... متفرق ليحل بالأوزاع ...
أَي حللت وسط الْقَوْم وَلم تنتح فِرَارًا من الْقرى حَيْثُ لَا يعرف مَكَانك فَتكون من الأوزاع وَهَذَا مثل قَول الآخر [من الْبَسِيط] ... وَلَا يحل إِذا مَا حل معتنزا ... يخْشَى الرزية بَين المَاء والبادي ...
والمعتنز الْمُنْفَرد يَقُول لَا ينزل وَحده مَخَافَة أَن ينزل بِهِ ضيف على المَاء أَو فِي البدو
وَقَوله الَّتِي تنامون عَنْهَا يُرِيد صَلَاة آخر اللَّيْل خير من الَّتِي تقومون فِيهَا يَعْنِي صَلَاة أَوله
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَن أَصْحَاب مُحَمَّد تَذَاكَرُوا الْوتر فَقَالَ أَبُو بكر أما أَنا فأبدأ بالوتر وَقَالَ عمر لكني أوتر حِين تنام الضغطى
يرويهِ يعلى عَن الْأَجْلَح عَن ابْن أبي الْهُذيْل
стр. 459
الضغطى جمع ضغيط وَهُوَ الرجل الضَّعِيف الرَّأْي الْجَاهِل يُقَال رجل ضغيط بَين الضغاطة وَمِنْه قَول عمر فِي حَدِيث آخر اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الضغاطة
وَمِنْه قَول ابْن عَبَّاس لَو لم يطْلب النَّاس بِدَم عُثْمَان لرموا بِالْحِجَارَةِ من السَّمَاء فَقيل لَهُ أَتَقول هَذَا وَأَنت عَامل لفُلَان فَقَالَ إِن فِي ضغطات وَهَذِه إِحْدَى ضغطاتي وَمثله ضَعِيف وضعفى ومريض ومرضى
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه لما قدم إِلَى الشَّام تفحل لَهُ أُمَرَاء الشَّام رَوَاهُ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي قَوْله تفحل لَهُ أُمَرَاء الشَّام يُرِيد أَنهم اخْشَوْشِنُوا فِي الزي واللباس والمطعم وَأَصله من الْفَحْل لِأَن التصنع فِي الزي وَالْقِيَام على النَّفس عِنْدهم إِنَّمَا هُوَ للإناث أَو من تأنث
وَقد قَالَ عمر اخْشَوْشِنُوا أَو اخشوشبوا وَتَمَعْدَدُوا يَقُول دعوا عَنْكُم التنعم وزي الْعَجم وَعَلَيْكُم بمعد وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زيهم ومعاشهم وَكَانُوا أَصْحَاب غلظ وخشونة
стр. 460
وَقَوله اخشوشبوا أَي تيبسوا وَأَصله من الْخشب يبس الْخشب
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه كَانَ فِي وَصيته إِن توفيت وَفِي يَدي صرمة ابْن الْأَكْوَع فسنتها سنة ثمغ
رَوَاهُ الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي
الصرمة هَاهُنَا قِطْعَة من نخيل وَيُقَال أَيْضا للقطعة من الْإِبِل صرمة إِذا كَانَت خَفِيفَة قَالَ الْأَصْمَعِي وَيُقَال للَّذي لَهُ صرمة مصرم وَلَا أَحْسبهُ قيل للمقل مصرم إِلَّا من هَذَا
وثمغ مَال لعمر كَانَ وَقفه
وَقَالَ فِي حَدِيث عمر أَنه مر على رَاع فَقَالَ يَا راعي عَلَيْك الظلْف لَا ترمض فَإنَّك رَاع وكل رَاع مسؤول
من حَدِيث ابْن أبي حليمة عَن مَالك بن مغول عَن طَلْحَة بن مصرف
قَوْله عَلَيْك الظلْف يُرِيد عَلَيْك الْمَوَاضِع الصلبة الَّتِي لَا يكون فِيهَا رمل وَلَا تُرَاب فارع الْغنم فِيهَا يُقَال ظلفت أثري إِذا مشيت فِي مَكَان صلب لَا يتَبَيَّن فِيهِ أثر الْقدَم وَمن هَذَا يُقَال كَذَا أظلف من كَذَا وظلفت نَفسِي من كَذَا
وَقَوله لَا ترمض أَي لَا تصب الْغنم بالرمضاء وَهُوَ
следующие страницы →