← Общие книги

Общие книги · id 701

الإبداع في مضار الابتداع

علي محفوظ

Полный текст (446 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولا ضلالة، وهو سنة الخلفاء، والأئمة الفضلاء. انتهى. (من ذكر) من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم الحساب أكمل تذكير، وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنها نفس الذكر، (محدث): أي محدث تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة. مثار الخلاف في معنى البدعة شرعًا وفاء بما وعدناك نذكر لك هنا منشأ الخلاف الذى جرى بين أصحاب الطريقتين في تحرير معنى البدعة فنقول: قد وصفت البدعة وأهلها في لسان الشرع وأهله بصفات محذورة ومعان مذمومة تقضى يأن يكون معناها ما ذهب إليه أصحاب الطريقة الأولى وهو أن يكون الابتداع مشاركة للشارع في التشريع ومضاهاة له في سَن القوانين وإلزام الناس السير على مقتضاها. فمن ذلك قول الإمام مالك ﵁: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا". وعن بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وفى الحديث من رواية ابن أبي عاصم وغيره عن النبي ﵌ أنه قال: " يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكونى بـ (لا إله إلَّا الله) والاستغفار، فلما رأيت ذلك ثَبَّتُّ فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا". قال ابن القيم في " الجواب الكافى ": ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع، وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة، والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه، والمذنب ليس كذلك، والمبتدع قد قادح في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك، والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول ﷺ ، والعاصى ليس كذلك، والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصى بطئ السير بسبب ذنوبه. انتهى.

стр. 107

وأيضًا قد وصف البدعة بأنها لا تقبل معها عبادة ولا قربة، روى ابن ماجه من حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: " لا يقبل الله تعالى لصاحب بدعة صومًا ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين". والصرف: النفل، وقيل: التوبة كما في "القاموس"؛ لأني انصراف عن المعصية، والعدل: العدالة ضد الجور، وقيل: الفريضة. وظاهر هذا الأثر ونحوه أن كل أعمال المبتدعة رد عليهم. أما ما داخلته البدعة وتلاعبت به الأهواء فواضح أن الله لا يقبله، فإن عملًا يبعث عليه الهوى والجهل بشريعة الله جدير بأن يكون نكالًا لصاحبه وخزيًا له في الدنيا والآخرة. ويلحق بهذا ما إذا كانت البدعة إنكار العمل بخبر الواحد، فإن عامة التكليف مبنى عليه؛ لأن الأمر إنما يرد على المكلف من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وما تفرع منهما راجع إليهما، فإن كان واردًا من السنة فمعظم نقل السنة من الآحاد وإن كان واردًا من الكتاب فإنما تبينه السنة، فكل ما لم يبين من القرآن فلا بد لمنكر نقل الآحاد أن يستعمل فيه رأيه، وهو الابتداع بعينه، فيكون كل فرع ينبنى على ذلك بدعة لا سنة، فلا يقبل منه شيء كما في الصحيح: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ". وأولى بذلك ما إذا كان الابتداع بإنكار العمل بالأخبار النبوية مطلقًا جاءت تواترًا أو آحادًا وأنَّه إنما يرجع إلى كتاب الله، فهذا قد بنى أعماله على رأيه لا على الدين الذى وجب التدين به. وأما إذا لم يكن العمل على هذا الوصف فإن قاد صاحبه إلى صريح الكفر كبدع الإباحية والخوارج، فلا شك في عدم القبول وإلَّا فصاحب البدعة في بعض الأمور التعبدية أو غيرها قد يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذى يصير اعتقاده في الشريعة ضعيفًا وذلك يبطل عليه جميع أعماله، فإن المستحسن للبدع يلزمه في العادة أن الشرع عنده لم يكمل بعد، فلا يكون لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) معنى يعتبر به عندهم. وأيضًا قد وصفت بما روى عن هشام بن عروة قال: قال رسول الله ﵌: "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" لأن توقيره مظنة لمفسدتين تعودان علي الإسلام بالهدم: (إحداهما): التفات

стр. 108

العامة إلى ذلك التوقير فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس وأن ما هو علمه خير مما عليه غيره فيؤدى ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم. (والثانية): أنه إذا وقره من أجل بدعته صار ذلك كالحادى المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء وعلى كل حال فتحيا البدع وتموت السنن وهو هدم الإسلام بعينه وعلى ذلك دل الأثر. روى الطبرانى عن غضيف بن الحارث أن النبي ﵌ قال: "ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلَّا أضاعت مثلها من السنة ". وأيضًا قد وصفت بأنها مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين المسلمين لأنها تقتضى التفرق شيعًا، فعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ (١) يعنى أهل البدع، وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٢) قال: البدع والشبهات، وفى الحديث من طريق عائشة ﵂ قال رسول الله ﵌: " يا عائشة، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل ذنب توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة". قال ابن عطية في تفسيره هذه الآية: نعم أهل الأهواء … إلخ ما تقدم أول الفصل. وأيضًا دلت الآثار على أن المبتدع عليه إثم من عمل بالبدعة. في الصحيح أنه ﵌ قال: " من سىن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا " رواه مسلم. وإلى ذلك أشار الحديث الآخر: " ما من نفس تُقتل ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنَّه أول من سن القتل " متفق عليه. وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله إذ علل تعليق الإثم على ابن آدم لكونه أول من سن القتل، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله ﷺ فهو مثله إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل لكونه قتلًا دون غيره، بل لكونه سن سنة سوء وجعلها طريقة مسلوكة. ومثل هذا ما جاء في معناه كقوله: "ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى اللَّه ورسوله كان عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا" رواد الترمذى وحسنه كذا في " الاعتصام ".

стр. 109

وهو يرشد إلى أنه لا يلزم في السنة السيئة والبدعة كذلك المتوعد عليهما في كلام الشارع هذا الوعيد الشديد أن يكون أمرًا أحدث على أنه شرع ودين بحيث يكون المحدث له مضاهيًا ونظيرًا للشارع في وضع القوانين، بل الإحداث والابتداع والتسنين مناطها على أن تكون الرذيلة ارتكبت على وجه صار المحدث به قدوة لغيره وإن لم ينو أن يقتدى به الغير كما تقدم. بهذا شهدت الآثار، وجرى عليه أفهام السلف، ألا ترى ما قاله الإمام مالك ﵁ لابن مهدى لَمَّا وضع رداءه بين يدى الصف والناس يصلون فشغلهم بالنظر إليه: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلين بالنظر إليه وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﵌: " من أحدث في مسجدنا حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ". فظاهر أن ابن مهدى لم يفعل ما فعل على أنه دين وتشريع للناس ولكنه فعل بحيث يتبعه الغير في ذلك الفعل ولم يكن ناويًا ذلك الاتباع ومع ذلك سماه الإمام مالك ﵁ إحداثًا مستوجبًا اللعنة من الله والملائكة والناس فتنبه لذلك. وأيضًا وصفت البدعة في كثير من الآثار بأنها ضلالة والمبتدع بأنه ضال بخلاف سائر المعاصى فإنها لا توصف في الغالب بوصف الضلالة … إلخ ما عرفت. وإننا نقرر لك خلاصة هذه الشبهة التى هى أمثل ما تمسك به أصحاب الطريقة الأولى القائلون: بأن كل بدعة مذمومة وليس كل مذمومة بدعة. وقد ذهب إليه الشوكانى ثم نتبع ذلك ببيان أن هذه الشبهة لا تنهض بمن تشبث بأذيالها فنقول: لا يخفى أن شيئًا من هذه الصفات التى شهدت يها الآثار السالفة لا يجامع أن يكون موصوفه محلًّا للحسن بوجه من الوجوه لمنافرة كل هذه النعوت الحسن بجميع ضروبه، فما بالك بموصوف اجتمعت فيه هذه النعوت الشنيعة، هذه مقدمة، والمقدمة الثانية قد

стр. 110

ثبت من هذه الوجوه الثلاثة التى ذكرنا (١) عموم الآثار الدالة على هذه الصفات لكل فرد من أفراد البدعة، وأن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها، فثبت من مجموع هاتين المقدمتين أن كل بدعة مذمومة، وهى شطر الدعوى. فأما الشطر الآخر وهو أن هذه الكلية لا تنعكس إلى كلية، أي ليس كل خصلة مذمومة بدعة. فدليله أنه ثيت من مجموع هذه الصفات السالفة أن للبدعة خصوصية تمتاز بها عن بقية الخصال المذمومة، وهى كون البدعة جعلت مضاهية للطريقة المشروعة، ألا ترى إلى وصفها بأنها خيانة للرسالة لمنافاتها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) وبأن توقير صاحبها إعانة على هدم الإسلام. وعلى الجملة غالب الصفات المتقدمة إذا تأملتها على الوجه الذى قررنا وخصوصًا ما ذكرنا في وصفها بأنها ضلالة تعلم أن البدعة هى طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية … إلخ، وهو ما يدعيه أرياب الطريقة الأولى، ويؤيده ما في " القاموس" البدعة بالكسر الحدث في الدين بعد الإكمال، قال شارحه ومنه الحديث: " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ". ولما ورد عن كثير من السلف إطلاق البدعة على أمور حسنة، كقول عمر ﵁ في صلاة التروايح: " إنها بدعة ونعمت البدعة "، وقول أبى أمامة الباهلي رضى الله عنه: " إن الله كتب عليكم صيام رمضان ولم يكتب عليكم قيامه وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه فإن ناسًا من بنى إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضاء الله فعاتبهم بتركها ثم تلا ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٣) الآية". فدل أمره بالدوام مع وصفه بالابتداع على كونه أمرًا حسنًا، أخرجه سعيد بن منصور في سننه. وعن الحكم الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: " بدعة ونعمت البدعة هى " أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح، فقد استحسن ابن عمر ﵄ صلاة الضحى وهى من البدعة عنده.

стр. 111

أجابوا عنه بأنه مجاز من عمر ونحوه، ومن غيرهم جهل بمواقع السنة والبدعة وقد عرفت أنه لا سبيل إلى المجاز. وقول ابن عمر ﵄ في الضحى: "إنها بدعة" إما أن يكون ذلك بحسب أصلها فيكون نفيه سنيتها محمولًا على عدم رؤيته لا على عدم الوقوع في نفس الأمر أو بحسب وصفها فيكون قد أراد أنه ﷺ لم يداوم عليها أو أن إظهارها في المساجد ونحوها أو صلاتها جماعة بدعة. ثم نقول في كَشْف القناع عن هذه الشبهة: إن قولكم كل بدعة مذمومة إن عنيتم كل ما يطلق عليه لفظ البدعة فلا نسلمه، وما ذكرتم من المقدمتين لإثبات هذه الكلية لا يستلزمه، فإن اللفظ إذا كان مشتركًا كما يدعيه الفريق الثانى لا يجب على المتكلم عند استعماله أن يريد به كل ما وضع بإزائه. فلفظ البدعة في هذه الآثار إنما أريد به أحد معنييه المشهور وهو الحادث المذموم ولا إشكال في عموم الذم وجميع أفراد هذا المعنى. وإن أردتم من لفظ البدعة في هذه الآثار أفراد الحادث المذموم على ما رأيتم فمسلم ولا ينافى هذا أنه بمعنى آخر وهو مطلق الحادث مذمومًا كان أو ممدوحًا. وأما قولكم: وليس كل خصلة مذمومة بدعة فنقول به، لكن لا من الوجه الذى زعمتم فليس كل خصلة مذمومة عندنا بدعة، بل المذموم أول حدوثها ولو بالأولية الإضافية بحيث يقع الاقتداء به سواء أحدث العمل عدى أنه دين وشرع أم لا، وأنتم قد اعتبرتم في مفهوم البدعة هذا القيد الأخير أيضًا والكلام معكم في إثبات اعتباره ودلالة الآثار المتقدمة عليه فنقول على الإجمال: (أولًا): إن الآثار السابقة وإن عمت جميع أفراد البدعة وأجرت جميع هذه النعوت في كل أفرادها وتلك النعوت في زعمكم تقتضى خصوصية، وتلك الخصوصية فيما رأيتم هى مضاهاة الشرع فأين لكم أن هذه النعوت ثابتة لكل الأفراد وعلى كل الأحوال وفى جميع الأزمان والبقاع، ولم قلتم بأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع، والتحقيق المقرر في الأصول خلافه. فبناء على هذا لم لا يجوز أن هذه النعوت أجريت على البدع جميعها في حالة مخصوصة: وهى ما إذا استحسنها

стр. 112

المبتدع بحيث يعدها من المستحسنات شرعًا، وبهذا يكون قد ضاهى الشرع بالتشريع، فإذا لم تكن البدع على هذا الوجه من الاستحسان فلا تنال هذه الأوصاف مع كونها بدعة مذمومة، وربما يرشد إلى هذا قول الإمام مالك ﵁ المتقدم: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة ". فقوله: "يراها حسنة" يمكن اعتباره قيدًا في كل الآثار المطلقة عنه، ولا ينافى عمومها، لما علمت أن عموم الأشخاص شيء وعموم الأحوال شيء آخر، فهو تقييد للمطلق وليس تخصيصًا للعام. (ثانيًا): لم قلتم إن تلك الخصوصية التى اقتضتها هذه النعوت هى مضاهاة الشرع؟ ولم لا يجوز أن يكون وقوع الذنب موقع الاقتداء؟ وقد اعترفتها بأنه حينئذ قد يسمى استنانًا فيعامل معاملة من سنه لقوله ﵊: " من سن سنة سيئة … " الحديث، وقوله: " ما من نفس تقتل ظلمًا … " الحديث. فسمى القتل سنة بالنسبة إلى كل من عمل بها عملًا يقتدى به فيه، وقلتم بعد هذا لكن لا يسمى بدعة؛ لأنَّه لم يوضع على أنه تشريع والكلام معكم في ذلك، وقد نبهناك إلى هذا فيما سبق، فبناء على ذلك نقول: يصح أن يكون المناط لهذه الصفات الذميمة كون فاعله مفتاحًا للشر فيكون في صورة المشرع. وإن لم يكن كذلك على التحقيق، قال ﵌: " إن هذا الخير خزائن ولتلك الخزائن مفاتيح فطوبى لعبد جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر وويل لعبد جعله اللَّه مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير " رواه ابن ماجه وغيره، وهذا سر ما صرحوا به بأن السيئة وإن كانت من الصغائر لكن تسنينها كبيرة. ونقول على التفصيل: أما ما نقل عن الإمام مالك ﵁ فمؤول بأنه تصوير لحال من يبتدع، فكأنه بلسان حاله يزعم نسبة الخيانة، ويظن أنه سبق إلى فضيلة، وربما عند من يراه أنه كذلك، ولا شك أن من يفعل أي ذنب على وجه بحيث يقتدى به الغير يصح أن يصور بهذه الصورة سواء فعل البدعة على أنها تشريع أم لا، فلا يدل قول الإمام مالك ﵁ على أن البدعة يعتبر فيها خصوصية أن تكون للتشريع. وأما ما ورد من أن البدعة لا يقبل معها عمل فمحمول على انتفاء الثواب

стр. 113

وإن كان العمل صحيحًا كما ورد: " من صلى في ثوب قيمته عشرة دراهم فيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه " رواه أحمد، وكما ورد: " من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا " رواه الترمذى وحسنه، وإذا حمل عدم القبول على انتفاء الثواب فلا اختصاص له بالبدعة بالمعنى الذى زعموا حتى يدل على اعتبار معنى التشريع في مفهومها، ألا ترى شرب الخمر والدرهم الحرام جرى عليهما عدم القبول بهذا المعنى وليس يجب أن يكون بدعة بما زعموا؟ وما وقع في حديث حذيفة السابق: " يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين " لا يدل أيضًا على ما اعتبروه في معنى البدعة، كيف وهم لم يطردوه في كل مبتدع، فقد صرحوا بأنه إن قصد بابتداعه استدراك الطرق على الشارع وأنَّه علم ما لم يعلم الشارع فهو كفر إلَّا فالابتداع ضلال مبين. وبالجملة فالنعوت التى جرت على البدعة لا تخصها بالمعنى الذى ذكروا حتى تدل على اعتبار ما اعتبروا، وكذا التوصيف بالضلال لا يقتضى ما أرادوه؛ لأنَّه يقال لكل عدول عن المنهج عمدًا كان أو سهوًا يسيرًا كان أو كثيرًا. قال أبو البقاء: الضلال في القرآن يجئ لمعان منها: الغى والفساد، ومنه: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ (١)، وظاهر أن هذا المعنى يصح إرادته في حديث كل بدعة ضلالة، ومن معانيه أيضًا: الخسار، ومنه: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (٢) والزلل، ومنه: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ (٣) والبطلان، ومنه: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٤) والجهالة، ومنه: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (٥). وكل هذه المعانى يصح إرادتها في الحديث ولا اختصاص لها بما زعموا. وانظروا ماذا يصنعون في قوله ﷺ : "كل حدثة بدعة" مع أن فيه وجوه التعميم الثلاثة التى ذكروها مع أن من المحدثات ما ليس ببدعة بالمعنى الذى أرادوا ولا سبيل إلَّا اعتبار التخصيص بأن يراد محدثة على أنها دين، ومثل هذا يمكن ارتكابه لو فرضنا عموم البدعة وشمولها كل محدثة إذا تم لهم أن النعوت التى ذكروها تخص ما اعتبروا، قال في " الاعتصام ": ثم إن البدع على ضربين كلية وجزئية، فأما الكلية: فهى السارية فيما لا ينحصر في فروع الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين وإنكار العمل بالأخبار النبوية وقد تقدم وجهه. وأما الجزئية: فهى الواقعة في

стр. 114

الفروع الجزئية، كنذر الصيام قائمًا في الشمس ساكتًا، وتحريم ما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء. وبعد أن بينهما قال: ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع (الجزئية) تحت الوعيد بالنار وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة، بل المتحقق دخول كلياتها كالنصاب في السرقة فلا تكون تلك الأدلة واضحة الشمول لها (أي الجزئية) وهو صريح في جواز دخول التخصيص في الأدلة السابقة، بل قد ادعى وقوعه في بعضها وليس هذا إلا اعترافًا بما قررناه. وأما ما تقدم من "القاموس" فليس فيه دلالة أيضًا على ما أرادوا، فإنه بعد أن ذكر ما تقدم قال: أو هى ما استحدث بعد النبي صلى عنه عليه وآله وسلم من الأهواء والأعمال. قال شارحه: وهذا قول الليث، وقال ابن السكيت: البدعة كل محدثة، وفى حديث قيام رمضان " نعمت البدعة هذه ". ثم إنه بعد تسليم كل ما ذكروا من المقدمات والنتائج فهو لا ينفى أن يكون للبدعة معنى آخر غير ما ذكروه بحيث يكون منقسمًا إلى البدعة الحسنة والقبيحة، وقد تركنا من كلامهم كثيرًا مما يمكن مناقشتهم فيه خصوصًا الوجه الثالث من وجوه التعميم، إذ كون متعقل البدعة يقتضى ذلك بنفسه فرع أن يكون معناها ما أرادوا الكلام فيه، وأى مدخلية لإجماع السلف في إطلاق لفض البدعة على معنى عام أو خاص، وهذا مما انبنى على زعم أن الخلاف يرجع إلى الأحكام، ودونه خرط القتاد وشيب الغراب. حجة الطريقة الثانية: قد علمت محصول ما تدعيه، وأنها لا تقول باستحسان أن يخترع في الدين ما ليس منه، والمحدثات التى قالوا إنها حسنة هى ما ترجع إلى قاعدة شرعية أو دليل شرعى، فحسنها في الحقيقة إنما هو من جهة الشرع وعامة القائلين بذلك هم من جماعة السنة، ومذهبهم أن التحسين والتقبيح شرعيان ولا بدع في اعتبارهم في الشيء أن يكون بدعة مع رجوعه إلى قواعد الشرع أو أدلته، ومع استفادة حسنه من موارد النصوص، فإن بدعيته من حيث أنه بخصوصه لم يرتبط به الدليل الشرعى، ولكنه عمل أحدث ولم يكن في عهد النبوة أو عهد الخلفاء،

стр. 115

فنظرًا إلى أنه بعينه لم يكن له دليل سموه بدعة. ومن جهة أنه يرجع إلى قاعدة وجوب أو ندب أو إباحة، قالوا: حسنة وإلَّا فقبيحة. فمثل جمع القرآن والاقتصار على مصحف عثمان وصلاة التراويح واتخاذ المناخل للدقيق من البدع المستحسنة، أما الأول فلعدم وجود ذلك بهيئته في زمن النبوة، ولاقتضاء الأدلة الشرعية إياها كانت حسنة، أرياب الطريقة الأولى يقولون: إن ما تناولته قواعد الشرع أو أدلته سواء كانت صريحة فيه أم لا فمحال أن يكون من المبتدعات في الدين فكل بدعة قبيحة. وسند أصحاب الطريقة الثانية في هذا أنهم نظروا في موارد نصوص الشىرع واستعمال أهله من السلف المقتدى بهم، فرأوا أن كثيرًا من استعمالات الشرع يرشد إلى أن كل بدعة مذمومة مثل: " كل بدعة ضلالة "، ومثل: " لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين" رواه ابن ماجه من حديث حذيفة. وخرج عن ابن عباس ﵄: " أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته " إلى غير ذلك من الآثار الواردة في ذم البدع وأهلها فإنها محتفة بقرائن عموم مثل كلمة كل والوقوع في سياق النفى أو الشرط. فتبادر إلى الذهن من كثرة هذه الاستعمالات أن البدعة في لسان الشرع تقال بمعنى الحادث المذموم سواء كان ذمه؛ لأنَّه أحدث دينًا وليس منه أم لغير ذلك، لا خصوص الأول. إذ لا دليل عليه كما تقدم تحقيقه، وتأيد هذا المعنى بما تقرر في العرف العام من معنى المبتدع حيث يراد منه معنى الذم، قال في "النهاية ": البدعة بدعتان بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله وبه ورسوله ﷺ فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض الله عليه أو رسوله ﷺ فهو في حيز المدح ومن هذا النوع قول عمر ﵁: "نعمت البدعة هذه" لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح مدحها، ولما كان النبي ﷺ لم يسنها لهما وإنما صلاها ليالى ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس عليها وندبهم إليها سماها بدعة، وهى على الحقيقة سنة لقوله -صلى الله عليه

стр. 116

وسلم-: " عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى "، وعلى هذا التأويل يحمل الحديث: " كل محدثة بدعة " فيراد به ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفًا في الذم. انتهى ملخصًا. وتأيد أيضًا بما في حديث خيثمة عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " سيكون من بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فيحدثون البدعة ". قال عبد الله بن مسعود: فكيف أصنع إذا أدركتهم؟ قال: " تسألنى يا ابن أم عبد الله كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى اللَّه": أي في معصيته لا مطلقًا لوجوب إطاعة الأمراء " وإن عصوا فيما ليس بمعصيته ". وجه الدالالة من هذا الحديث أن المراد من قوله: "فيحدثون البدعة" كما يقتضيه سياق الكلام تأخير الصلاة عن أوقاتها، وظاهر أن الأمراء لم يحدثوا ذلك على أن يكون دينًا لله لعلمهما أنهم لا يطاعون في ذلك، لما علم من الدين ضرورة أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا. وإنما هذا من تساهلهم وتشاغلهم بمصالح الرعية عن مراسم الدين، فهى معصية ارتكبوها مع علمهم بتحريمها، وسماها بدعة محدثة لفعلهم إياها بحيث يقتدى بهم فيها كما هو الشأن في الأمراء. ثم نظروا فرأوا أن هناك استعمالات أخرى للشارع وأهله تدل على أن البدعة لها معنى آخر شرعًا يرادف معنى السنة الحادثة خيرًا كانت أو شرًّا، وأن الابتداع بهذا المعنى يساوى معنى التسنين، وهذا كما رواه الترمذى وحسنه أن النبي ﷺ قال لبلال بن الحارث: " اعلم "، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: " إنه من أحيا سنة من سنتى قد أميتت بعدى كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا ". وخرج أيضًا عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور من اتبع غير منقوص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزرها، ومثل أوزار من اتبع غير منقوص من أوزارهم شيئًا ". وقد تقدم عن عمر ﵁ استعمال البدعة في التراويح، ومثله

стр. 117

من أبى أمامة الباهلي ﵁، واستعمال ابن عمر كذلك في الضحى فهذه الموارد يتبادر منها أن تكون البدعة بمعنى مطلق السنة الحادثة. أما الأثر الأول فقوله: " بدعة ضلالة " فإنه إما توصيف أو إضافة والشأن في كليهما أنه تخصيص، وحمله على أنه بيان لا يلزم البدعة خلاف الظاهر، ولم يتقرر بعد أن البدعة لا تكون بمعنى يتناول الممدوح. ولَمَّا وقع قوله ﵌: " من ابتدع بدعة ضلالة … " الحديث موقع قوله في الأثر الآخر: " ومن سن سنة شر … " الحديث تبادر أن الابتداع يساوى معنى التسنين، وأن البدعة تساوى معنى السنة. ثم استعمالات عمر ومن معه يتبادر منها أيضًا أن البدعة بمعنى السنة الحادثة مطلقًا، فإن جعله مجازًا غير صحيح كما تقدم في تعريف البدعة، فإما أن يكون ذهابًا إلى المعنى اللغوى وقد تقدم أنه إحداث السنة خيرًا أو شرًّا، أو يكون تقريرًا لمعنى شرعى في البدعة عام يتناول الممدوح غيره. لا سبيل إلى الأول؛ لأن من راجع وجد أنه علم أن لفظ البدعة أو الابتداع الوارد في كلام الشرع وأهله يتبادر منه ما لم يكن في العهد النبوى بحيث يفهم منهما ذلك لا بواسطة قرينة، بل من اللفظ، وهذا يأبى أن يكون مستعملًا في معناه اللغوى وإلَّا لما كان كذلك كما لا يخفى على بصير. فلهذا جعلوا للفظ البدعة معنى آخر أعم من الأول، وقالوا: إنه مشترك لفظي في لسان الشرع، وقد أثبت المعنى العام كثير من أهل التحقيق وقسموه إلى الممدوح وغيره، منهم الإمام الشافعى ﵁، فقد روى عنه أبو نعيم أنه قال: البدعة بدعتان: بدعة محمودة بدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم كما تقدم. والقاضى عياض ﵀ وعبارته: "ما أحدث بعد النبي ﵌ فهو بدعة ". والبدعة فعل ما لم يسبق إليه فما وافق أصلًا من السنة يقاس عليه فهو ممدوح، وما خالف أصول السنة فهو ضلالة، ومنه قوله: " كل بدعة ضلالة ". وذهب إلى هذا الإمام النووى، والشيخ عز الدين ابن عبد السلام وتلميذه العلامة القرافى وكثير من شراح الحديث وعامة الفقهاء الأجلاء. والمتأمل في كلام الفريقين يرى أنه نزاع في أمر لفظى كما بسطناه لك

стр. 118

والمسألة هينة واضحة ترجع إلى تسمية وإطلاق لفظ فهى من الأمور الظنية التى يكتفى فيها بالظواهر وقد انكشف لك ظهورها هذا. هذا ويلوح من كلام كثير من العلماء أن ما فعل في عهد النبي ﵌ لا يناله اسم البدعة على كل من الطريقتين وأن ما فعل بعد الخلفاء الراشدين ناله اسم البدعة على تفصيل الطرق فيها وما فعل في عهدهم صح أن يسمى بدعة باعتبار أنه حدث بعد عهد النبوة شأن لا يسمى باعتبار أن سنتهم كسنته بدليل الأمر بالتمسك بسنتهم وقرنها بها؛ لأنهم ﵃ فيما سبق إما متبعون لسنة نبيهم ﵊ وإما متبعون لما فهموا من سنته في الجملة والتفصيل على وجه يخفي على غيرهم لا زائد على هذا. (نعم) قد يخشى أن تكون منسوخة بسنة أخرى فاحتاج العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده ليعلموا أن ذلك هو الذى مات عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه من غير أن يكون له ناسخ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره. والذى يظهر أن مناط البدعة على الطريقة الأولى أن يجعل من الدين ما ليس منه بأن يسلك بها مسلك التشريع، سواء لم يكن في عهده ﵌ أو كان، بل هذا أشد، والذى يرشد إلى هذا تعريفهم لها بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه، وتصريحهم بأن البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عن كل ما رسمه الشارع. والظاهر أيضًا أن مبناها على الطريقة الثانية أن تكون أول ما أحدث بأن لم يسبق لها مثال سواء كان ذلك في عهده ﵌ أم بعده يرشد إليه بيانهم لها بأنها ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا، بل نقول: ينبغى أن يكون المناط فيها الأولية الإضافية، وليس يجب أن تكون أول على الإطلاق، فمن أحدث خيرًا أو شرًّا في بلد أو قرية أو مجلس: تبعه غيره على ذلك المحدث اعتبر مبتدعًا وسانًا سنة حسنة أو سيئة، وإن كان مسبوقًا بذلك الفعل في غير هذا البلد أو القرية أو المجلس. يدل على هذا ما رواه ابن المبارك عن حذيفة ﵁ قال: قام سائل على عهد رسول عنه صلى الله عليه وآله وسلام فسأل فسكت القوم،

стр. 119

ثم إن رجلًا أعطاه فأعطاه القوم، فقال رسول الله ﵌: " من استَنَّ خيرًا فاستُن به فله أجره ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئًا، ومن استَنَّ شرًّا فاستُن به فعليه وزره، ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئًا "، وكذا ما أخرجه مسلم من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﵌ عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فأبطأوا عنه حتى رُئِىَ ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله ﵌: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء "، وقوله: " من سن في الإسلام … " الحديث، بأن دعا إليها بقول أو فعل أو فعلها فاقتدى به في فعلها كذا يقال في قوله: " سن سنة سيئة ". وجه الدلالة من الحديثين أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه قد اعتبر المبادرة بالصدقة من الأنصاري وغيره من قبيل سن السنة الحسنة معلوم أنهما ليسا أول من تصدق على الإطلاق وإنما ذلك لأنَّه وقع الاقتداء بهما في الصدقة فكان لهما مثل أجر من تصدق بعدهما، حيث كان لهما نية أن يقتدى بهما في ذلك، وعلى قياسه من سن في بلد مثلًا سنة سيئة فتبعه فيها غيره كان عليه وزره، ومثل أوزار من تبعه وإن لم ينو أن يقتدى به في ذلك من حيث أنه سهل للناس طريقها بدليل حديث ابن آدم القاتل فإن الظاهر أنه لم يكن من نيته أن يقتدى به غيره فيه، والظاهر أن الابتداع والتسنين رديفان أو متساريان، فالبدعة والسنة المحدثة كذلك وزيادة في البيان نقول: ما حدث في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إن كان مع الإنكار منهم عليه فبدعة ضلالة، كالخطبة قبل الصلاة في العيدين، فعله مروان بن الحكم وأنكره عليه أبو سعيد الخدري ﵁، كما أخرجه عنه البخارى وغيره قال: "كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر

стр. 120

ويوم الأضحى فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس حوله جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في عيد الأضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلى فجبذت بثوبه فجبذنى فارتقع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة ". رأى أن المحافظة على أصل السنة وهو استماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئة فيها ليست من شرطها وهذا اجتهاد منه. ولا يجوز اجتهاد يؤدى إلى مخالفة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ لذا أنكره أبو سعيد ومذهب السادة الشافعية لو خطب قبلها لم يعتد بها وأساء، ما فعله مروان فقد أنكره أبو سعيد كما ترى. وكذلك رفع اليدين للدعاء في الخطبة للجمعة فعله بشر بن مروان وأنكره عليه عمارة، كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما عن حصين بن عبد الرحمن قال: "رأى عمارة بن رويبة بشر بن مروان وهو يدعو في يوم جمعة فقال: قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على المنبر ما يزيد على هذه يعنى السبابة التي تلى الإبهام" وفيه أن السنة ألا يرفع يديه في الخطبة وبه قال مالك وأصحابنا وغيرهم، وأجابوا عن رفع يديه ﷺ في خطبة الجمعة حين استسقى بأنه كان لعارض. فإن قلت قد أخرج أبو داود عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر فقال ابن عمر: اخرج بنا فإن هذه بدعة. قال العينى: وفي " المبسوط " روى أن عليًّا ﵁ رأى مؤذنًا يثوب للعشاء فقال: أخرجوا هذا المبتدع من المسجد. فمع هذين الأثرين كيف يستحسن كثير من الفقهاء التثويب للناس كلهم في كل الصلوات إلا المغرب، وقال أبو يوسف: يجوز للأمراء وكل من كان مشغولًا بأمور المسلمين -وكرهه قوم إلا في صلاة الفجر فإنهم استحسنوه- ومعنى التثويب: العود إلى الإعلام بعد الإعلام كأن يقول المؤذن بين الأذان والإقامة:

стр. 121

حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح مرتين، وهو على حسب ما تعارفه الناس. قلنا: قد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: " تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور " ونسب إلى الإمام مالك ﵁ وغيره من الأئمة بعده أنهم قالوا: " يحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا من الفجور ". فلما ظهر في الناس بعد عهد النور والهداية التشاغل عن الأمور الدينية أحدث العلماء هذا التثويب لمزيد التنبيه إلى الصلاة التى هى عماد الدين ورأس السعادة في الدارين. قال في "الهداية": وهذا التثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة ﵃ لتغير أحوال الناس وخصوا الفجر به؛ لأنَّه وقت نوم وغفلة، والمتأخرون استحسنوه في الصلوات كلها لظهور التهاون في الأمور الدينية. قال أبو يوسف ﵀: لا أرى بأسًا يأن يقول المؤذن في الصلوات كلها السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حيّ على الصلاة حيّ على الفلح الصلاة يرحمك الله. واستبعده محمد، لأن الناس سواسية في أمر الجماعة، وأبو يوسف خصهم بذلك لزيادة اشتغالهم بأمور المسلمين كي لا تفوتهم الجماعة، وعلى هذا القاضى والمفتى. انتهى. ويستأنس له بما روى من طرق عدة أن بلالًا ﵁ كان يجئ بباب النبي ﷺ بين الأذانين ويؤذنه بالصلاة، وأنكره على وابن عمر ﵄ لعدم وجود توان إذ ذاك، فلم تكن إليه حاجة وبالجملة لا يلزم من إنكار بعض الصحابة أمرًا وعده إياه من المحدثات أن يكون كذلك. وإن لم يكن من الصحابة النكير على ما حدث في عهدهم فهو من البدع المستحسنة أو من سنتهم المأمور باتباعها -فمن ذلك الأذان على الزوراء على ما سيأتي بيانه- ومن ذلك تعدد صلاة العيد في مصر وأحد. قال الإمام ابن تممية في "منهاج السنة": أحدث على بن أبى طالب ﵁ في خلافته العيد الثانى بالجامع، فإن السنة المعروفة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان أنه لا يصلى في الحضر إلَّا جمعة واحدة ولا يصلى يوم النحر والفطر إلَّا عيد واحد، فلما كان عهده قيل له: إن بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى المصلى فاستخلف عليهم رجلًا

стр. 122

صلى بالناس بالمسجد، والرجل هو أبو مسعود الأنصاري رواه الشافعى بإسناد صحيح. وبالجملة ما يفعله الصحابي ولم يكن في عهده صلوات عنه وسلامه عليه لا يخلو إما أن يظهر نص من النصوص القرآنية أو النبوية يكون موافقًا له يدل على استحسانه، أو يظهر نص كذلك يخالفه أو لا يظهر هذا ولا ذاك فإن كان الأوال فلا ريب في كون الأخذ به أولى؛ لأن ذلك الفعل وإن لم يكن في العهد النبوى لكنه ظهر اندراجه في أصول الشرع، وإن كان الثانى يجمع بينهما ما أمكن بحيث لا يخرج ما فعله الصحابى عن حيز الشرع، فإن لم يمكن ذلك فالنص مقدم ويعذر الصحابي بعدم علمه بذلك النص وإلَّا لها يقل بما خالفه، وهذا ما لم يكن إجماع من الصحابة فيقدم، وإن كان الثالث بأن وجدنا قولًا أو فعلًا ولم نجد في الكتاب والسنة ما يخالف ولا ما يوافق فحينئذ يكون تقليده أولى ولا نتوقف في العمل به إلَّا أن يظهر لنا دليل يوافقه، وإذا اختلفت الصحابة فيما بيتهم يتخير فيه الآخذ فبأيهم اقتدى فقد اهتدى، ومثل هذا التفصيل يقال في الحادث في زمان التابعين ومن تبعهم، وأما الحادث بعد الأزمنة الثلاثة فيعرض على أدلة الشرع وقواعده، فإن لم يظهر له موافق ولا مخالف فلا يكون اتباعه مطلوبًا وإن ارتكبه من يعد من أرباب الفضيلة أو ممن اشتهر بالمشيخة، فإن أفعال العلماء والعباد ليست بحجة ما لم تكن مطابقة للشرع وبالله تعالى التوفيق. وإليك شيئًا من الشبه الواردة على عموم حديث: " كل بدعة ضلالة " ونحوه لتكون منها على بصيرة، قال أبو إسحاق ما حاصله: (الشبهة الأولى): ما في الصحيح من قوله ﵌: " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا " رواه مسلم. وجه الشبهة في الحديث أنه نسب الاستنان إلى المكلف ولو كان المراد به من عمل سنة ثابتة في الشرع لما قال: من سن وإنما يقول من: أحيا أو من عمل، ويؤيد الشبهة قوله ﵌: " ما من نفس تقتل ظلمًا إلَّا كان على ابن آدم كفل

стр. 123

من دمها لأنَّه أول من سن القتل " متفق عليه. فسن هنا بمعنى اخترع، فكذا في الحديث الأول، وخرج الترمذى أن النبي ﵌ قال لبلال بن الحارث: " اعلم "، قال: أعلم يا رسول الله، قال: " اعلم يا بلال "، قال: أعلم يا رسول الله، قال: " إنه من أحيا سنة من سنتى قد أميتت بعدى فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضى الله ورسوله كان عليه مثل إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا " حديث حسن. فقوله: " بدعة ضلالة " ظاهر في أن البدع إذا لم تكن ضلالة لا يذم فاعلها. فمجموع الأدلة يفيد أن الابتداع منه الحسن الذى يثاب عليه فاعله، ومنه القبيح الذى يعاقب عليه فاعله، فكيف تذمون البدع على الإطلاق؟. (والجواب) عن هذه الشبهة أنه ليس المراد الاستنان بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية وذلك لوجهين: (الأول): أن السبب الذى جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما فى الصحيح من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه آله وسلم في صدر النهار، فجاء قوم حفاة عراة مجتابى النمار أو العباء متقلدى السيوف، عامتهم بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله ﵌ لما رآهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ … ﴾ (١) الآية، والآية التى في سورة الحشر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ … ﴾ (٢) "تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره" حتى قال: " ولو بشق تمرة "، قال: فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﵌ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﵌: " من سن في الإسلام سنة حسنة … " الحديث. "مجتابى النمار" بكسر النون: جمع نمرة كساء مخطط من صوف، ومعنى مجتابيها: لابسيها قد خرقوها في رءوسهم. "والجوب" القطع، " فتمعر "

стр. 124

تغير، " تصدق رجل " خبر بمعنى الأمر، وهو أبلغ لدلالته على الوقوع، أي ليتصدق، "كومين" بفتح الكاف وضمها، قال ابن السراج: هو بالضم اسم لما كوم، وبالفتحم المرة الواحدة، قال: والكومة بالضم الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء، والكوم المكان المرتفع كالرابية، والفتح هنا أولى؛ لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية، " يتهلل " يستنير ويضيء فرحًا وسرورًا بمبادرة أصحابه إلى الامتثال، ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، " مذهبة " بضم الميم وسكون الذال وفتح الهاء والباء ومعناه فضة مذهبة (والمراد الصفاء والاستنارة). " من سن في الإسلام سنة حسنة ": بأن دعا لفعلها بقول أو فعل أو أعان عليها أو فعلها فاقتدى به في فعلها، وكذا يقال في " سن سنة سيئة ". فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابى حيث أتى بتلك الصُّرَّة فانفتح بسببه باب الصَّدقة على الوجه الأبلغ والصَّدقة مشروعة بالاتفاق، فظهر أن المراد منه من عمل ورجع هذا إلى حديث: " من أحيا سنة قد أميتت بعدي فإن له من الأجر … " الحديث فكأنها كانت سنة نائمة أيقظها رضى الله عنه بفعله فليس معناه: من اخترع سنة ولم تكن ثابتة. (الوجه الثانى): أن قوله: " من سن سنة حسنة "، " ومن سن سنة سيئة " لا يمكن حمله على الاختراع؛ لأن كون السنة حسنة أو سيئة لا يعرف إلَّا من جهة الشرع؛ لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب أهل السنة والجماعة وإنما يقول بالتحسين والتقبيح بالعقل المبتدعة فلزم أن تكون السنة في الحديث إما حسنة في الشرع وإما قبيحة بالشرع، فلا يصدق إلَّا على الصدقة المذكورة وما أشبهها من السنن المشروعة وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصى التى ثبت بالشرع كونها معاصى كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم حيث قال ﵊: " لأنَّه أول من سن القتل " ومنزلة على البدع؛ لأنَّه قد ثبت ذمها والنهى عنها بالشرع كما تقدم. وحاصل الجواب الثاني: أن الحديث حجة على المبتدع لا له المكانة قوله: "حسنة" مع العلم بأنا المحسن هو الشرع، فقد وجد في الحديث معنى يعود على فهم المبتدع بالإبطال، فوجب حمل " سن " على "عمل" أو أحيا دون " اخترع ". ثم قال:

стр. 125

بقي النظر في قوله: " ومن ابتدع بدعة ضلالة "، وأن تقييد البدعة بالضلالة يفيد مفهومًا والأمر فيه قريب؛ لأن الإضافة فيه لم تفد مفهومًا وإن قلنا بالمفهوم على رأى طائفة من أهل الأصول فإن الدليل دل على تعطيله في هذا الموضوع كما دل دليل تحريم الرِّبَا قليله وكثيره على تعطيل المفهوم في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً … ﴾ (١)، ولأن الضلالة لازمة للبدعة بإطلاق الأدلة المتقدمة فلا مفهوم أيضًا. انتهى. يريد بهذا أبو إسحاق: أن هذا القيد لبيان ما يلزم البدعة من أنها ضلالة على الإطلاق، وقد تقدم أنه خلاف الظاهر، ولا يعزب عنك أنه جرى على قصر البدعة على الحادث المذموم، وقد علمت ما فيه فتنبه. وإذا قطع النظر عن سبب الحديث يصح إن يراد منه الاختراع في أُمور الدنيا والتفنن فيها على وجه يلتئم مع أُصول الدِّين ومقاصده كاختراع الملاجئ والمستشفيات لإيواء اليتامى والبائسين، ومداواة المرضى من الفقراء، وصرف الأدوية لهم من غير أجر ولا ثمن، ومثل تكثير المعاهد الدينية وبناء الأروقة، ودور السكنى لطلاب العلم وإعانتهم عليه لاسيما الغرباء منهم، وإنشاء جمعية الرفق بالحيوان، فإن حسن مآثرها واضح جلى، مثل تطبيب الحيوانات، وحمايتها من الظلم، وبناء الأحواض في الميادين العمومية ليتيسر لها الشرب ودفع حرارة العطش، ومثل جمعية الإسعاف التي تقوم بخدمة الإنسانية لله تعالى وللمروءة، ومثل الطرق المسهلة لرقي الصناعة والتجارة، فكل هذه المخترعات ما شاكلها سنن حسنة يؤجر عليها صاحبها ويمدح عليها ولا يذم. فإن شئت فهمت في الحديث الحث على إحياء السنة الدينية التى ورد بها الشرع كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإحسان إلى الفقراء والنصيحة لكل مسلم والتعاون على البر وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك وتكره له ما تكره لها إلى غير ذلك من الأعمال التى دعا إليها الدين وحث على إحيائها، وإن شئت فهمت فيه الحث على التفكير في الأُمور الكونية التى بها ترقى الشعوب وتتقدم الأمم. ومعلوم أن الدين إنما ينهى عن الاختراع فيما حدده ورسمه على وجه مخصص كالعبادات، فلا يصح لك أن تغير فيه شيئًا بزيادة أو نقص أو تبديل كيفية من كيفياته،

стр. 126

ولم يمنع ما يمكن من أنواع الاختراع في الأُمور المعيشية والاجتماعية والعمرانية بشرط المحافظة على الأصول العامة وأن يكون أساس هذا الاختراع درء المفاسد وجلب المصالح وإقامة العدل وإماطة الظلم ورد المظالم إلى ذويها كما تقدم. (الشبهة الثانية): " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ". ووجه الشبهة فيه ظاهر وهو أنه قال ما رآه المسلمون والظاهر ما رأوه بعقولهما فرجع التحسين إليهم، فهم المخترعون، ولو كان التحسين بالدليل لما نسب الرؤية إلى المسلمين فدل على أن البدعة فيها الحسن والقبيح، وهى مدفوعة بأن هذا ليس بحديث مرفوع وإنما هو أثر موقوف على ابن مسعود فليس بحجة، سلمنا أنه حجة فليس المراد جنس المسلمين الصادق بالمجتهد وغيره لاقتضائه أن كل ما رآه آحاد المسلمين حسنًا فهو حسن، وكل ما رآه آحاد المسلمين قبيحًا فهو قبيح وهذا باطل لوجهين: (الأول): أنه يناقض حديث: " ستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلَّا واحدة " رواه عن النبي صلى ﷺ عليه وآله وسلم جماعة من الصحابة كأنس بن مالك وأبى هريرة وأبى الدرداء وجابر وأبى سعيد الخدرى وأُبى بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبى أُمامة وغيرهم. قال أبو منصور البغدادى: وجه المناقضة أن الحديث الأول يفيد أن كل مسلم لا يخطئ لأنَّه يرى أن ما ذهب إليه حسن فلا يكون في النار والثانى أفاد نقيض ذلك. (الثانى): أنه يقتضى كون العمل الواحد حسنًا عند بعض الناس يصح التقرب به إلى الله تعالى، قبيحًا عند البعض الآخر لا يصح التقرب به وهو مذهب المصوبة (١) وإنما المراد به جميع المجتهدين فيكون إشارة إلى الإجماع أو خصوص الصحابة كما يفيده صدر الأثر، وكما يقتضيه التفريع بالفاء، كما سيأتى لك. ولك أن تقول: إن الحديث في العمل الذى لم يرد فيه

стр. 127

نص من كتاب ولا سنة ولم يوجد من الأصول العامة ما يأباه ولو عرض على العقول السليمة لتلقته بالقبول ولم يكن من قسم العبادات، فهذا لا شك في استحسانه وبالله تعالى التوفيق. (الشبهة الثالثة): أذان عثمان ﵁ وذلك أنه لم يكن في زمان رسول الله ﵌ أذان بالزوراء -موضع بسوق المدينة ودار تسمى بذلك- بل كانوا يؤذنون على باب المسجد يوم الجمعة واستمر الأمر على ذلك إلى خلافة عثمان ﵁ فزاد أذان الزوراء وهو اختراع لم يكن وأقره الصحابة على ذلك، فكيف تذمون كل مخترع؟. (فنقول): إن الأذان الذى زاده عثمان لم يخرج به عن مقصود الشارع منه إذ الأذان بالصلاة هو الإعلام بها بالألفاظ المخصوصة بدون زيادة ولا نقص، فالذى يأتي بألفاظ لم ترد عن رسول الله ﵌ أو يضع الأذان في موضع يخرجه عن المقصود منه من الإعلام هو المبتدع. أما الذى يحافظ على الأذان بألفاظه ولا يخرج به عن الأعلام فلا شيء عليه إذا أتى به على سطح أو مشرفة أو منارة أو غير ذلك. وقد كان الأذان بالجمعة على عهد رسول الله ﵌ واحدًا كغيره من الأوقات الأخرى يقوله المؤذن إذا صعد الخطيب المنبر، وكذا في عهد أبى بكر وعمر، فلما كان زمن عثمان وحدثت الحاجة بكثرة المسلمين وعدم تبكيرهم إلى المسجد على نحو ما كانوا يفعلون في زمن من قبله أمر أن يؤذن بهم للجمعة على الزوراء وأبقى ما كان من الأذان على باب المسجد عند جلوس الإمام على المنبر على حاله إبقاء للعبادة كما كانت. روى البخاري وأبو داود والنسائى عن السائب بن يزيد ﵁ قال: " كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء ولم يكن للنبي ﷺ غير مؤذن واحد فثبت الأمر على ذلك ". وأطلقوا عليه الثالث؛ لأنَّه ثالث بالنسبة إلى حدوثه بعد الأذانين المشروعين وهو أول بالنسبة لتقدمه في العمل على الأذان والإقامة المشروعين

стр. 128

لكل صلاة. فترى أن زيادة عثمان هى جعله أذانًا على الزوراء للحاجة إليه وهو يعلم أن وضعه هناك ليس ممنوعًا ما دام لم يخترع له ألفاظا ولم يحدث فيه شيئًا ولم يثبت أن الأذان على مكان مخصوص من الأُمور التعبدية، فاختيار المكان من الأمور الاجتهادية وهو أحد الخلفاء الراشدين المتبعين، وقد أمر النبي ﵌ باتباع سنتهم والجرى على طريقتهم فقال: " عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " هذا أهم ما ورد على الباب من الشبه وبالله تعالى التوفيق. وقد ينكر المرشد بدعة فيقول فاعلها مثلًا: (هذه بدعة مستحسنة) والاستحسان لغة عد الشئ حسنًا، وسيأتى معناه في الاصطلاح -فنقول: إن الاستحسان عند القائلين به لا يصلح حجة للمبتدع- بيان ذلك أنه قد اختلف العلماء في الاستحسان، فمنهم من أثبت حجيته واعتبره أصلًا من أُصول الأحكام وهم الحنفية، ومنهم من نفاها فلم يعتبره أصلًا من أصولها وهم من عداهم كذا في جمع الجوامع. قال المحقق الشاطبي ما ملخصه: وأما الاستحسان فلأهل البدع أيضًا تعلق به، والمستحسن إما الشرع وإما العقل، أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما، لأن الأدلة اقتضت ذلك فلا فائدة لتسميته استحسانًا ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة والإجماع وما ينشأ عنها من القياس والاستدلال، فلم يبق إلَّا العقل وهو المستحسن، فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها، وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة التى تستحسن، ويشهد لذلك قول من قال في الاستحسان: إنه ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، قالوا: وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد وتميل إليه الطباع، فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع ما ينافيه وإلَّا فلا. فهو ينقسم إلى حسن وقبيح إذ ليس كل استحسان حقًّا. وقد استدل المثبتون له بثلاثة أدلة: الكتاب والسنة والإجماع. (فالأول): قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ … ﴾ (٢). وجه الدلالة: أن الأحسن

стр. 129

هو ما تستحسنه عقودهم. (والثانى): قوله ﵌: " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن " وإنما يعنى بذلك ما رأوه بعقولهم، وإلَّا لو كان حسنه بالدليل الشرعى لم يكن من جنس مما يرونه؛ إذ لا مجال للعقول في التشريع على ما زعمتم، فلم يكن للحديث فائدة. فدل على أن المراد ما رأوه برأيهم. (والثالث): أن الأُمة قد اجتمعت على استحسان دخول الحمام مثلًا من غير تقدير أجرة ولا تقدير مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل ولا سبب لذلك إلّا أن المشاحة في مثله قبيحة في العادة فاستحسن الناس تركه مع أنا نقطع بأن الإجارة المجهولة أو مدة الاستئجار أو مقدار المشترى إذا جهل فإنه ممنوع وقد استحسنت إجارته مع مخالفة الدليل، فأولى أن يجوز إذا لم يخالف دليلًا ثم قال في ردها: (أما الدليل الأول): فلا متعلق به، فإن أحسن ما أنزل إلينا إنما هو الأدلة الشرعية وخصوصًا القرآن فإن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا … ﴾ (١) الآية. وجاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال في خطبته: "أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب اللَّه" فيفتقر أصحاب الدليل أن يبينوا أن ميل الطباع أو أهواء النفوس ممَّا أنزل الله إلينا فضلًا عن أن يكون من أحسنه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢) يحتاج إلى بيان: أن ميل النفوس يسمى قولًا وحينئذ ينظر إلى كونه أحسن القول كما تقدم وهذا كله فاسد. ثم إننا نعارض هذا الاستحسان بأن عقولنا تميل إلى إبطاله وأنَّه ليس بحجة وإنما الحجة الأدلة الشرعية المتلقاة من الشرع، وأيضا فيلزم عليه استحسان العوام ومن ليس من أهل النظر إذا فرض أن الحكم يتبع مجرد ميل النفوس وهوى الطباع وذلك محال للعلم بأنه مضاد للشريعة فضلًا عن أن يكون من أدلتها. (وأما الدليل الثانى): فلا حجة فيه من أوجه: (أولها): أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن والأُمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شيء يدل على حسنه شرعًا؛ لأن الإجماع يتضمن

стр. 130

دليلًا شرعيًّا فالحديث عليكم لا لكم. وحاصل هذا الوجه أن الحديث إشارة إلى إجماع المسلمين والإجماع حجة ولا يكون إلَّا على دليل فكان الحسن بالدليل الشرعى لا بالاستحسان. (وثانيها): أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع -أي أن المستدل يريد أن يثبت بالحديث المذكور أن الاستحسان حجة من حجج الدين- فلابد أن يأتى على ذلك بدليل قطعى ودليله المذكور آحاد، إن سلم من الطعن فلا يفيد إلَّا ظن أن الاستحسان حجة وليس مدعاه، بل مدعاه القطع بأنه حجة، فدليله لا ينتج مدعاه، نقول في هذا الوجه نظر: فإنا لا نسلم أن حجية الاستحسان قطعية، بل ظنية؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية. (وثالثها): أنه إذا لم يرد به أهل الإجماع وأريد بعضهم أن يلزم عليه استحسان العوام وهو باطل إجماعًا، لا يقال: إن المراد استحسان أهل الاجتهاد لأنا نقول هذا ترك للظاهر فبطل الاستدلال، ثم إنه لا فائدة في اشتراط الاجتهاد؛ لأن المستحسن بالفرض لا ينحصر في الأدلة، فأى حاجة إلى اشتراط الاجتهاد. (وأما الدليل الثالث): فلا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل على صحته، بل الدليل ما دل على استحسانهم له وهو جريان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع علمه به وتقريره لهم عليه، أو في زمن الصحابة من غير نكير، أي إن كانت هذه العادة ثابتة في زمنه ﵊ فقد ثبت الحكم بالسنة لا بالاستحسان، وإن كانت في عصر الصحابة من غير إنكار منهم فقد ثبت الحكم بالإجماع لا بالاستحسان. فالحاصل أن تعلق المبتدعة بمثل هذه الأُمور تعلق بما لا يغنيهم ولا ينفعهم ألبتة. انتهى باختصار وإيضاح. وإليك شرح هذه الآيات الكريمة لتكون في هذا المقام على بصيرة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). أخبر -جَلَّ شَأْنه- أن الذين أعرضوا عن عبادة الأوثان وأقبلوا على عبادته تعالى دون سواه لهم البشرى بحسن الحال في الحياة الدنيا وفى الآخرة، وأمر النبي صلوات عنه وسلامه عليه

стр. 131

أن يعلم بهذه البشرى عباده الذين يستمعون القول الحق من كتاب الله وسنة رسوله فيتبعون أحسنه وهم أنفسهم الموصوفون بالاجتناب والإنابة، عبر عنهم بالظاهر بدل الضمير تشريفًا لهم بالإضافة ودلالة على أن علة اتصافهم بهذين الوصفين العظيمين كونهم نقادًا في الدين يميزون الحق من الباطل ويقدمون الأفضل على الفاضل كإبراء المعسر خير من إنظاره، والصيام للمسافر الذى لا يشق عليه الصيام خير من الإفطار، فإذا عرض لهم واجب ومندوب آثروا الأل على الثانى، أو عزيمة ورخصة أخذوا بالعزيمة دون الرخصة، أو القصاص والعفو، والانتصار، والإغضاء طلبًا أها هو أقرب عند الله وأعظم أجرًا، ولهذه النفوس العالية وتلك الأخلاق الفاضلة أثنى الله تعالى عليهم بأنهم الذين هداهم الله للدين الحق، وأنهم أصحاب العقول السليمة من تسلط الوهم ومنازعة الهوى، المستحقون لتوفيق الله تعالى وهدايته دون سواهم. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١). أحسن الحديث، لما له من التأثير في النفوس والسلطان على الأرواح، وسماه حديثًا؛ لأن النبي ﵌ كان يحدث به قومه ويخبرهم بما ينزل عليه منه -كتابًا بدل منه- متشابهًا يشبه بعضه بعضًا صفة. ﴿مَثَانِيَ﴾ جمع مثنى مردد ومكرر صفة ثانية له. ذكر سبحانه بعض أو صاف هذا الكتاب الكريم بكونه متشابه المعانى في الصحة والإحكام والابتناء على الحق والصدق والاشتمال على منافع الناس في الدارين، ومتناسب الألفاظ في الفصاحة ومتانة الأسلوب، وبلوغه حد الإعجاز، وبكونه مثانى لما ثنى فيه من القصص والأنباء والأحكام والأوامر والنواهى والوعد والوعيد والمواعظ. ثم بيَّن سبحانه آثاره في نفوس سامعيه لتقرير كونه أحسن الحديث، وأن أهل الخشية إذا سمعوا ما فيه من آيات الوَعِيد أصابتهم هيبة وخشية تنقبض منها قلوبهم

стр. 132

وجلودهم، وإذا ذكرت فيه آيات الرَّحْمَة تبدَّلَت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة. وفى الحق أنه لم يعرف في تاريخ البشر أن كلامًا له من التأثير في النفوس والاستيلاء على القلوب مثل ما لهذا الكتاب الحكيم: ﴿ذَلِكَ﴾ الكتاب التى بينت بعض نعوته ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته بصرف مواهبه إلى الاهتداء بتأمله فيما حواه من شواهد الحقية ودلائل كونه من عند الله تعالى، فتمسك به واتبع هداه. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ يخذله بتعطيل مواهبه وإعراضه عن تدبره وسماع نصحه وإرشاده وعدم تأثره بوعده ووعيده فما له من أحد يخلصه من وهدة الضلال والشقاء. قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (١). الإنابة: الرجوع، والإسلام: الاستسلام لأمره والخضوع لحكمه، وأحسن ما أنزل: هو القرآن، وبغتة: فجأة. بعد ما بشرهم سبحانه بأنه يغفر الذنوب كلها لمن يشاء ما عدا الشرك أمرهم بالرجوع إليه تعالى يفعل الطاعات واجتناب المعاصى واتباع أحسن القرآن (والقرآن كله حسن) بإحلال حلاله وتحريم حرامه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه من قبل أن ينزل بهما العذاب فجأة وهم لا يشعرون بمجيئه ليتداركوا ويتأهبوا له. (هذا) وقد عرفت أن الإمام الشافعى ﵀ ممن ينكر الاستحسان ولقد بالغ في إنكاره إذ نقل عنه أنه قال: " من استحسن فقد شرع "، ومعناه كما قال الرويانى: أنه نصب من جهة نفسه شرعًا غير الشرع، وقال في " الرسالة": "الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غر أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا": أي بمحض الهوى والشهوة وهذا غاية في الذم ونهاية في الإنكار ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢). ثم إنهم عرفوه بتعارف كثيرة، فمنهم من عرفه بما يتبادر منه

стр. 133

وهو ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، وإن كان مستقبحًا عند غيره. قال الآمدى في " الأحكام " ما ملخصه: إن هذا المعنى لا يصلح موضعًا للنزاع لاتفاق الأُمهَ قبل ظهور المخالفين على امتناع حكم المجتهد في شرع الله تعالى بشهوته وهواه من غير دليل شرعى، ولا فرق في ذلك بين المجتهد والعامى، ومنهم من عرفه بأنه: (دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته): أي يعسر عليه التعبير عنه وقد اعترضه الآمدى أيضًا بأنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلًا، محققًا أو وهمًا فاسدًا فلا خلاف في امتناع التمسك به، أي إن كان بمعنى أنه مؤد إلى الشك فيه فباطل أن يكون دليلًا وإن تحقق أنه دليل شرعى فلا نزاع في جواز التمسك به أيضًا، وإنما النزاع في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عنه ولا حاصل للنزاع اللفظى، من فسره بأنه: (العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى) كما في العتب فإنه قد ثبت تحريم بيعه بالزبيب سواء كان على رءوس الشجر أم لا قياسًا على الرطب. ثم إن الشارع أرخص في جواز بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر فقسنا عليه العنب وتركنا القياس الأول لكون الثانى أقوى، فلما اجتمع في الثانى القوة والاضطرار كان استحسانًا، أو بأنه: (تخصيص قياس بدليل أقوى منه) وهو قريب ممَّا قبله، ومثاله إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة، فإن عِلَّة إيجاب المثل في المثليات المتلفة تماثل الأجزاء، والشرع لم ينقض هذه العِلَّة، لكن استثنى هذه الصورة. فهذا الاستثناء لا يفسد هذه العلة، بل تبقى في غير محل الاستثناء، وصورة المسألة: اشترى المصراة وحلبها فوجدها قتيلة اللَّبن ليس له أن يردها عندنا، وعند الإمام الشافعى وغيره له ردها مع اللَّبن لو قائمًا أو مع صاع تمر لو هالكًا (فهو) يرجع إلى العمل بالراجح وترك المرجوح وهذا لا ينكره أحد حتى نفاة الاستحسان .. إلى أن قال: ولم يبق إلَّا التفسير بأنه (العدول عن حكم الدليل إلى العادة) للمصلحة كدخول الحمام من غير تعيين زمن المكث، ومقدار الماء أو الأجرة فإنه معتاد على خلاف الدليك العام؛ لأنَّه غرر والقياس يأباه لوروده على إتلاف العين مع الجهالة، وكذا شرب الماء من السقاء من غير

стр. 134

تعيين قدره وجواز استئجار الأجير بطعامه وإن كان لا ينضبط مقدار أكله ليسار أمره وخفة خطبه وعدم المشاحة فيه، وكذا أيضًا الظئر بأجر معين التعامل الناس والعرف، هذا استحسان لأنها ترد على إستهلاك العين وهو اللَّبن وذا مخالف لقياس الإجارة (فيقال فيه): إن أردتم بالعادة ما اتفقت عليه الأُمة من أهل الحل والعقد فهو حق، وهو يرجع إلى الاستدلال بالإجماع، وإن أريد بها عادة من لا يحتج بعادته كالعادات المستحدثة للعامة فيما بينهم فذلك ممَّا لا يمتنع ترك الدليل الشرعى به. انتهى بإيضاح. وقال الإمام النسفى في "متن المنار": والاستحسان يكون بالأثر، والإجماع، والضرورة والقياس الخفى، كالسلم، والاستصناع، وتطهير الأوانى وطهارة سؤر سباع الطير، ثم قال في شرحه: الاستحسان لغة وجود الشيء حسنًا، يقال: استحسنته: اعتقدته حسنًا، واستقبحته: اعتقدته قبيحًا. وشرعًا اسم لدليل يعارض القياس الجلى، فكأنهم سموه بهذا الاسم لاستحسانهم ترك القياس بدليل آخر فوقه، وذا قد يكون: ١ - نصًّا كما في السلم، فإن القياس يأبى جوازه؛ لأن المعقود عليه معدوم عند العقد وإنما تركوه بالنص وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه: " من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" متفق عليه. والإجارة، فإنها بيع المنفعة وهى معدومة فكان القياس عدم جوازها وإنما جوزوها بالنص وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه: " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ". وبقاء الصوم مع الأكل ناسيًا إذ القياس يقتضى فساده؛ لأن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه، وإنما بقوه بقوله صلوات الله وسلامه عليه: "من نسى وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" متفق عليه. والنص فوق الرأى (القياس) فاستحسنوا تركه به. ٢ - وقد يكون إجماعًا كما في الاستصناع فيما فيه تعامل، فإن القياس يأبى جوازه؛ لأنَّه بيع عين يعمله وهو معدوم الحال، والقياس الظاهر ألَّا يجوز بيع الشيء إلَّا بعد تعينه حقيقة، وأنما تركوه بالإجماع

стр. 135

وهو تعامل الأمة من غير نكير، والإجماع دليل فوق الرأى، فاسحسنوا تركه به. ٣ - وقد يكون ضرورة كما في طهارة الحياض والآبار والأوانى بعدما تنجست فإن القياس يأبى طهارتها؛ لأن الدلو ينجس بملاقاة الماء فلا يزال يعود وهو نجس، ولأن نزع بعض الماء لا يؤثر في طهارة الباقى، وكذا خروج بعضه عن الحوض، وكذا الماء ينجس بملاقاة الآنية النجسة والنجس لا يفيد الطهارة، فاستحسنوا ترك العمل بموجب القياس للضرورة، فإن الحرج مدفوع بالنص وفى موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ بالقياس. ٤ - وقد يكون قياسًا خفيًّا كما في سؤر سباع الطير كالصقر والحدأة والغراب فإنه في القياس نجس؛ لأنَّه سؤر ما هو سبع مطلق فكان كسؤر سباع البهائم كالذئب والضبع والنمر، وهذا معنى ظاهر الأثر؛ لأنهما يستويان في حرمة الأكل فيستويان في نجاسة السؤر. وفى الاستحسان: هو طاهر؛ لأن السبع ليس بنجس العين بدليل جواز الانتفاع به شرعًا كالأصطياد والبيع تجارة وجواز الانتفاع بجلده وعظمه، ولو كان نجس العين لما جاز كالخنزير، وسؤر سباع البهائم إنما كان نجسًا باعتبار حرمة الأكل لأنها تشرب بلسانها وهو رطب من لعابها، ولعابها يتولد من لحمها وهذا لا يوجد في سباع الطير؛ لأنها تأخذ الماء بمنقارها ثم تبتلعه، ومنقارها عظم وعظم الميتة طاهر فعظم الحى أولى، فصار هذا الاستحسان وإن كان باطنًا أقوى من القياس وإن كان ظاهرًا. انتهى بإيضاح. ومن أمثلة العمل بالاستحسان وترك القياس عند الحنفية قتل الجماعة بالواحد عملًا بالاستحسان والقياس عدم القصاص؛ لأن المعتبر فيه المساواة ولا مساواة بين العشرة والواحد ببداهة العقل، لكنهم تركوا هذا القياس بما روى أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلًا فقضى عمر رضى الله تعالى عنه عليهم بالقصاص، وقال: " لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به " والتمالؤ: التعاون. وروى عن علي ﵁: " أنه قتل ثلاثة بواحد "، وعن ابن عباس ﵄: " أنه قتل جماعة بواحد ". وكانت الصحابة

стр. 136

متوافرين، ولم ينكر عليهم أحد فحل محل الإجماع، ولأن القتل بطريق التغالب فساد غالب، فإن القتل بغير حق لا يتحقق غالبًا إلَّا بالاجتماع؛ لأن الواحد يقاوم الواحد، وما غلب وقوعه من الفساد يوجب مزجرة فوجب القصاص تحقيقًا لحكمة الإحياء، إذ لو لم يجب لما عجز المفسد عن أن يجمع عليه أمثاله ويقتل، لعلمه أن لا قصاص، فيؤدى إلى سد باب القصاص، وغير ذلك كثير. وبما ذكرنا تبين لك أنه لم يبق للاستحسان معنى يصلح للنزاع؛ لأن منه ما هو باطل بالاتفاق وهو الاستحسان بالهوى والشهوة، ومنه ما هو محتج به بالاتفاق وهو ما يرجع إلى تقديم الراجح على الرجوح والقوى على الضعيف، ومنه ما هو دائر بين المقبول اتفاقًا والمردود اتفاقًا فلا يخرج عنهما وهو الدليل الذى ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته، وعلى هذا فالخلاف بين مثبته ونافيه لفظى. فإن القائلين بالاستحسان يريدون به ما هو أحد الأدلة الأربعة، والقائلين بأن من استحسن فقد شرع، يريدون أن من أثبت حكمًا بأنه مستحسن من غير دليل عن الشارع فهو المشرع لذلك الحكم حيث لم يأخذه عن الشارع، كما يعلم هذا من إمعان النظر في كلام كل من الفريقين فلا وجه لتمسك أهل البدع بباب الاستحسان، وقول بعضهم: (هذه بدعة مستحسنة) إن أراد أن الذى استحسنها هو العقل مع مخالفتها ما رسمه الشرع فقد سبق الإجماع على بطلان ذلك في الدين، وإن أراد أنه العمل بالأدلة (وهى المعول عليه) وأن مقتضى الأدلة استحسانها طولب بالأدلة، فإن أقامها على حسنها خرجت من البدع ودخلت في السنن والله ولى التوفيق. وقد يقول المرشد: إن هذا العمل بدعة ولم تصح نسبته إلى رسول الله ﵌ والحديث المروى فيه ضعيف، فيقول البعض: (إن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال) فهل هذا القول على إطلاقه صواب؟ نقول: قال المحقق الشاطبى في " الاعتصام " ما ملخصه: إن للراسخين طريقًا يسلكونها في اتباع الحق، وإن الزائغين على طريق غير طريقهم، فاحتجنا إلى بيان الطريق التى سلكها هؤلاء لنتجنبها، وهى

стр. 137

متشعبة لا يمكن حصر مآخذها، لكنا نذكر من ذلك أوجهًا كلية يقاس عليها ما سواها: (فمنها): اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول الله ﵌ والتى لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء عليها، كحديث الاكتحال يوم عاشوراء، وإكرام الديك الأبيض، وأكل الباذنجان بنية، وأن النبي ﷺ تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه، فإن إمثال هذه الأحاديث لا يبنى عليهما حكم ولا تجعل أصلًا في التشريع أبدًا ومن جعلها كذلك فهو جاهل ومخطئ في نقل العلم؛ وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن لإلحاقه عند المحدثين بالصحيح، وكذلك أخذ بعضهم بالمرسل حيث ألحق بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور والمعدل، فأما ما دون ذلك فلا يؤخذ به بحال عند علماء الحديث ولا يعنون (حدثنى فلان عن فلان) مجودًا، بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح ولا متهم إلَّا عمن تحصل الثقة بروايته؛ لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي ﷺ لنعتمد عليه في الشريعة ونسند إليه الأحكام، والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي ﵌ قالها فلا يمكن أن يسند إليها حكم فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب. وما روى عن أحمد بن حنبل من أنه قال: (الحديث الضعيف خير من القياس) وظاهره يقتضى العمل بالحديث غير الصحيح لأنَّه قدمه على القياس المعمول به عند جمهور المسلمين: فليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به، بل الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب، وأن أول من قسم الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف الترمذى، وأن الضعيف الذى يرجحه أحمد على الرأى هو الحسن عند الترمذى ومن اختار تقسيمه. فإن قال قائل هذا كله رد على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التى لم تبلغ درجة الصحيح، فإنهم كل كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد

стр. 138

كذلك نصوا أيضًا على أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد صحة الإسناد، بل إن كان ذلك فبها ونعمت، وإلَّا فلا حرج على من نقلها واستند إليها، فقد فعله الأئمة كمالك في " الموطأ "، وابن المبارك في رقائقه، وأحمد بن حنبل في رقائقه، وسفيان قى " جامع الخير " وغيرهم. فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلي الترغيب والترهيب وإذا جاز اعتماد مثله جاز فيما كان نحوه مما يرجع إليه كصلاة الرغائب والمعراج وليلة النصف من شعبان وليلة أول جمعة من رجب وصلاة الإيمان والأسبوع وصلاة بر الوالدين ويوم عاشوراء وصيام رجب والسابع والعشرين منه "ما أشبه ذلك فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل الصالح. فالصلاة على الجملة ثابت أصلها، وكذلك الصيام وقيام الليل، كل ذلك راجع إلى خير نقلت فضيلته على الخصوص وإذا ثبت هذا فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث فهو من باب الترغيب، فلا يلزم فيه شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد بخلاف الأحكام فإنه قد اشترط في أحاديثها صحة الإسناد. فالجواب: إن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة، وبيانه أن العمل التكلم فيه إما أن يكون منصوصًا على أصله جملة وتفصيلًا أو لا يكون منصوصًا عليه لا جملة ولا تفصيلًا أو يكون منصوصًا عليه جملة لا تفصيلًا، فالأول لا إشكال في صحته كالصلوات المفروضات والنوافل المرتبة لأسباب وغيرها، وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف إذا فعلت على الوجه الذى نص عليه من غير زيادة ولا نقصان، كصيام عاشوراء أو يوم عرفة والوتر بعد نوافاق الليل وصلاة الكسوف. فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحًا على ما شرطوا فثبتت أحكامها من الفرض والسنة والاستحباب، فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغيب فيها أو تحذير من ترك الفرض منها وليست بالغة مبلغ الصحة ولا هى أيضًا من الضعف بحيث لا يقبلها أحد أو كانت موضوعة ليلا يصح الاستشهاد بها فلا بأس بذكرها في مقام الترغيب والترهيب بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح. والثانى ظاهر أنه غير صحيح وهو عين البدعة، الأنه لا يرجع إلَّا لمجرد

стр. 139

الرأى المبنى على الهوى وهو أبدع البدع وأفحشها، كالرهبانية المنفية عن الإسلام، والخصماء لمن خشى العنت، والتعبد بالقيام في الشمس أو بالصمت من غير كلام أحد، فالترغيب في مثل هذا لا يصح إذ لا يوجد في الشرع ولا أصل له يرغب في مثله أو يحذر من مخالفته. والثالث ربما يتوهم أنه كالأول من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في الجملة فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة، فمطلق التنفل بالصلاة مشروع، فإذا جاء ترغيب في ليلة النصف من شعبان فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة. وكذلك إذا ثبت أصل صيام ثبت صيام السابع والعشرين من رجب وما أشبه ذلك. (وليس كما توهموا) لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص. وكذلك إذا ثبت مطلق الصياع لا يلزم منه إثيات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك حتى يثبت بالتفصيل بدليل صحيح. ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح. وليس فيما ذكر في السؤال شيء من ذلك إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلى والنهارى في الجملة، وبين قيام ليلة النصف من شعبان يكذا وكذا ركعة يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة، ومثله صام اليوم الفلانى من الشهر الفلاني حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص ليس شيء من ذلك ما يقتضيه شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام. والدليل على ذلك أن تفضيل يوم من الأيام، أو زمان من الأزمنة بعبادة ما يتضمن حكمًا شرعيًّا فيه على الخصوص، كما ثبت لعاشوراء مثلًا أو لعرفة أو لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام، فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام، فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى مر غيرها بحيث لا تفهم من مطلق مشروعية التنفل بالصيام؛ لأن مطلق المشروعية يقتضى أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة في الجملة، وصيام يوم عاشوراء يقتضى أنه يكفر السنة التى قبله فهو أمر زائد على مطلق المشروعية،

стр. 140

ومساقه يفيد له مزية في الرتبة، وذلك راجع إلى الحكم. فإذًا هذا الترغيب الخاص يقتضى مرتبة في نوع من المندوب خاصة، فلابد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم: (إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح) والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لابد فيها من الزيادة على المشروعات كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما. فيلزم أن تكون أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح وهذا ناقض لما أسسه العلماء. ولا يقال إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط لأنا نقول هذا تحكم من غير دليل، بل الأحكام خمسة فكما لا يثبت الوجوب إلَّا بالصحيح، فإذا ثبت الحكم فاستسهل أن يثبت في أحاديث الترغيب والترهيب. ولا عليك فعلى كل تقدير كل ما رغب فيه إن ثبت حكمه أو مرتبته في المشروعات من طريق صحيح فالترغيب فيه بغير الصحيح مغتفر، وإن لم يثبت إلّا من حديث الترغيب فاشترط الصحة أبدًا إلَّا خرجت عن طريق القوم المعدودين في أهل الرسوخ، فلقد غلط في هذا المقام جماعة ممن ينسب إلى الفقه، وأصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدثين في الموضعين وبالله التوفيق. انتهى. ومن ذلك علمت أن قولهم: (الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال) ليس على إطلاقه بصواب، فإنهم إن أرادوا أن الضعيف يعمل به في إثبات الأعمال الفاضلة شرعًا فغير صحيح عند الراسخين في العلم، وإن أرادوا أنه يعمل به في الترغيب فيها مثلًا فهو صحيح لكن بعد أن تكون تلك الأعمال الخاصة قد ثبتت أحكامها من طريق صحيح عند المحدثين، والبدعة التى نحن بصددها ليست كذلك حتى يقال له ذلك فاحفظه فإنه نفيس. وهنا نذكر لك ما شرطه المحدثون لجواز العمل بالضعيف في الترغيب والترهيب. قال الحافظ السخاوى في " القول البديع " بعد ذكر المسألة: وخلاف القاضى أبى بكر بن العربى فيها إذ جزم بعدم جواز العمل بالضعيف مطلقًا، قال: وقد سمعت شيخنا (أي الحافظ بن حجر) مرارًا يقول وكتبه لي بخطه أن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة: (الأول): متفق عليه أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب ومن فحش غلطه. (الثاني): أن يكون مندرجًا تحت أصل عام فيخرج ما يخترع

стр. 141

بحيث لا يكون له أصل أصلًا. (الثالث): ألَّا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا يخسب إلى النبي ﷺ مما لم يقله. قال: والأخيران عن ابن عبد السلام عن صاحبه ابن دقيق العيد والأول نقل العلائى الاتفاق عليه. انتهى. بقى علينا تحقيق " ما رآه المسلمون حسنًا … " إلى آخره فقد اعتاد كثير من الناس أن يستدلوا على عدم كراهة ما اعتادوه من البدع بهذا الأثر وهذا الاستدلال لا يصح والحديث عليهم لا لهم؛ لأنَّه بعض حديث موقوف على ابن مسعود، رواه أحمد والبزار والطبرانى والطيالسى وغيرهم هكذا: " إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار محمدً فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ". ولا شك أن اللام في المسلمين ليس لمطلق الجنس الصادق بالمجتهد وغيره، لاقتضائه أن كل ما رآه آحاد المسلمين حسنًا فهو حسن وكل رآه آحاد المسلمين قبيحًا فهو قبيح، وذلك باطل لأمرين: (الأول): أنه يخالف قوله صلى الله عليه وآله سلم: ستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلَّا واحدة ". وجه المخالفة أن الحديث الأول يفيد أن كل مسلم مصيب؛ لأنَّه حكم بأن ما ذهب إليه حسن فلا يكون في النار، وكل من فرق الأمة مسلم يرى تدينه حسنًا فيلزم ألا يكون فرقة منها في النار، والثاني أفاد خلاف ذلك. (الأمر الثانى): أنه يقتضى كون العمل الواحد حسنًا عند البعض قبيحًا عند الآخر فيلزم ألا يتميز الحسن من القبيح، فهى إما للعهد والمعهود ما ذكره في قوله فاختار له أصحابًا فيكون المراد بالمسلمين الصحابة فقط، أو لاستغراق خصائص الجنس فيراد بالمسلمين أهل الاجتهاد الذين هم الكاملون في صفة الإسلام صرفًا للمطلق إلى الكامل؛ لأن المطلق عند عدم القرينة ينصرف إلى الفرد الكامل وهو المجتهد، فيكون ما رآه الصحابة أو أهل الاجتهاد حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه الصحابة أو أهل الاجتهاد قبيحًا فهو عند الله قبيح. (ويجوز) أن تكون للاستغراق الحقيقى فيكون المعنى ما رآه جميع المسلمين حسنًا أو قبيحًا فهو عند الله كذلك، وما اختلف فيه فالعبرة فيه للقرون الثلاثة المشهود

стр. 142

لهم بالخير. وأظهر هذه الاحتمالات الثلاثة في اللام وأصحها الاحتمال الأول كما تدل عليه الفاء الداخلة علي ما رآه المسلمون، والاحتمالان الأخيران يتجهان إذا كان الحديث بدون الفاء أو كان مع الواو كما هو المشهور الجارى على ألسنتهم، وإذ ليس فليس. وقد نسب جماعة هذا الحديث إلى النبي ﵌ وقالوا: " قال رسول الله ﷺ : ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن " منهم الإمام الرازى في "التفسير الكبير" والعينى في " شرح الهداية " وغيره من شراحها، لكن قال ابن نجيم في "الأشباه والنظائر"، قال العلائي: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول ابن مسعود موقوف عليه. انتهى بتصرف. ومما نقلناه لك على هذا الأثر تعرف أن تمسك أنصار البدع به ليس كما ينبغى لأنَّه أثر موقوف على ابن مسعود وقد اختلفوا في العمل بقول الصحابى، وعلى فرض العمل به فالمراد منه ما أجمعوا على حسنه إما من جميع المسلمين أو من خصوص الصحابة كما علمت مما تقدم. واعتادوا أيضًا أن يستدلوا على عدم كراهة ما ألفوه من البدع بقول عمر بن عبد العزيز ﵁: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ". فأجاز إحداث الأقضية واختراعها بقدر اختراع الفجار للفجور وإن لم يكن لها أصل. وجوابه: أن هذا القول لم يثبت عنه من طريق صحيح وإن سلم فراجع لأصل المصالح المرسلة والبدع مباينة لها كما عرفت أفاده في " الاعتصام ". الفصل السادس في أحْكام البِدْعَة أعلم أن أحكامها تختلف باختلاف الطريقتين في معنى البدعة. (أما) على رأى من يرى أن كل بدعة مذمومة؛ لأنها إما زيادة في الدين أو نقص منه أو تغيير لشيء من مراسمه فظاهر أنها بريئة من معنى الوجوب والندب والإباحة، وكذا ليس لها حظ من معنى الكراهة التنزيهية، فهى دائمًا منهى عنها نهى تحريم وتكون معصية حيثما وقعت، فإن

стр. 143

الأوصاف التى جرت عليها في الشرع قاضية بأن النسبة بين المكروه تنزيهًا وبين أدنى البدع بعيدة المنال. فمرتكب المكروه قصد نيل شهوته العاجلة متكلًا على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب، وأيضًا فليس عقده الإيمانى بمتزحزح لأنَّه يعتقد المكروه مكروهًا كما يعتقد الحراء حرامًا وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان، وأيضًا مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل شأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه (ومرتكب أدنى البدع) يكاد يكون على ضد هذه الأحوال، فإنه بعد ما دخل فيه حسنًا، بل يراه أولى مما حد له الشارع، فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلًا ونحلته أولى بالاتباع!؟ يدل على أنها لا تكون مكروهة تنزيهًا قوله ﵌: "من رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه من حديث أنس ردًا على من قال من الصحابة: " أما أنا فأقوم الليل ولا أنام " وعلى من قال: " أما أنا فلا أنكح النساء " فأتى بهذه العبارة وهى أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلَّا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر. وكذلك ما في الحديث: أنه ﵊ رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: " ما بال هذا؟ " قالوا: نذر ألا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم، فقال رسول الله ﵌: " مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه " رواه البخارى من حديث ابن عباس ﵄. قال مالك: أمره أن يتم ما كان عليه لله فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية، ويعضد هذا الذى قاله الإمام مالك ما في البخارى عن قيس ابن أبي عاصم قال: دخل رسول الله ﵌ على امرأة من قيس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال: "ما لها؟ " فقالت: حجت مصمتة. قال لها: "تكلمى فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية" فتكلمت. فتأمل كيف جعل القيام للشمس وترك الكلام من المعاصى، مع أنها في أنفسها من المباحث، لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويُدان الله به صارت معاصى لله عند الإمام مالك ﵁،

стр. 144

ويدل على هذا أيضًا أن عمر ﵁ ضرب صبيغًا العراقى وحبسه ولم يكن ما وقع منه إلَّا أنه كان يسأل عن أُمور في القرآن لا ينبنى عليها عمل، فقد قيل: إنه كان يسأل عن: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ (١)، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (٢) وما أشبه ذلك، وروى أنه كان يطوف بكتاب الله معه ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من يتعلم يعلمه الله، فأخذه عمر فضربه بالجريد الرطب، ثم سجنه، حتى إذا خف الذى به أخرجه فضربه فقال صبيغ حينما أراد أن يضربه الثالثة: إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد أن تداوينى فقد والله برئت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى ﵁ أن يقاطعه المسلمون، فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر ﵁ أن قد حسنت سيرته، فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته، فمثل هذه التعازير إنما تكون لجناية أربت على كراهة التنزيه إذ لا يستباح دم امرئ مسلم، ولا عرضه بمكروه تنزيهًا وإنما كان ما وقع من صبيغ بدعة مذمومة لأنَّه اشتغال بما لا يعنى، إذ لم يكن مما ينبنى عليه عمل حيث كان يبحث عن متشيهات القرآن، أفاده في "الاعتصام"، وصبيغ بوزن عظيم واسم أبيه عسل بكسر أوله. وجملة القول في قِصته أنه كان أول من وقع منه الشك وتشكيك الناس في متشابه القرآن ابتغاء تأويله، وكان قد كثر الداخلون في الإسلام من الشعوب المختلفة، فخشى عمر ﵁ الفتنة عليهم، فأدبه وأبعده إلى البصرة ونهى الناس عن مجالسته ومكالمته، فاشتد ذلك عليه فتاب في بدعته وعفا عنه عمر ﵁. وما ورد في كلام كثير من العلماء من إطلاق لفظ الكراهة على بعض البدع لا يريدون بها كراهة التنزيه، فإن استعمال الكراهة فيما يترجح جانب تركه من غير أن يكون في فعله عقوبة اصطلاح للمتأخرين من العلماء قصدًا إلى التمييز بين هذا وما يكون حرامًا، وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحًا أن يقولوا هذا حلال، وهذا حرام، ويتحامون هذه العبارة خوفًا مما في الآية من قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)

стр. 145

مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) فإنه وعيد شديد منه تعالى على الكذب عليه في أحكامه، والقول في شأن ما لم يحله هذا حلال، وفى شأن ما لم يحرمه هذا حرام إلَّا بما أن الله تعالى أحله، أو حرمه. وأصل الآية صد للعرب عن بدع الجاهلية ومذاهبهم الباطلة، التى كانوا عليها، بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب، وشكر إنعامه بذلك، ثم عدد علمهم محرمات الله، ونهاهم عن التحليل، والتحريم بأهوائهم دون اتباع شرع الله، والكذب منصوب بلا تقولوا، وهذا حلال وهذا حرام بدل منه، واللام بمعنى في، والمعنى: ولا تقولوا الكذب في شأن ما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، من غير استناد في ذلك إلى شرع، وهو تشريع عام لجميع المكلفين فيما يتعلق به الحكم بالحل والحرمة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإذا وجدت في كلامهم في البدع أو غيرها أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا مكروه، وما أشبه ذلك فلا تقطعن بأنهم يريدون التنزيه فقط، اللهم إلَّا أن يطلقوا لفظ المكروه على ما يكون له أصل في الشرع، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله، لا لأنَّه بدعة مكروهة. وكلية قوله: "كل بدعة ضلالة" شاهدة لهذا المعنى، وكل ما ورد في ذم البدع يقتضى التأثيم والتهديد والوعيد وهى خاصية المحرم، فإذا تقرر أن البدعة لا تكون إلَّا حرامًا وأنها معصية دائمًا فهى متفاوتة الرتبة في معنى الحرمة كغيرها من سائر المعاصى، فتنقسم إلى صغيرة وكبيرة وليست الكبيرة على درجة واحدة في الحرمة كما لا يخفى على من عرف وجوه التفاوت في الكبائر من المعاصى. أما الصغيرة: فهى البدعة الجزئية الواقعة في الفروع الجزئية بشرط أن تكون مينية على شبهة تخيل أنها شرع ودين، فإنها إذا كانت كذلك لا يتحقق دخولها تحت الوعيد بالنار الوارد في شأن البدعة وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة، بل المتحقق دخول عظائمها
следующие страницы →