← Общие книги

Общие книги · id 701

الإبداع في مضار الابتداع

علي محفوظ

Полный текст (446 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بحيث لا يكون له أصل أصلًا. (الثالث): ألَّا يعتقد عند العمل به ثبوته لئلا يخسب إلى النبي ﷺ مما لم يقله. قال: والأخيران عن ابن عبد السلام عن صاحبه ابن دقيق العيد والأول نقل العلائى الاتفاق عليه. انتهى. بقى علينا تحقيق " ما رآه المسلمون حسنًا … " إلى آخره فقد اعتاد كثير من الناس أن يستدلوا على عدم كراهة ما اعتادوه من البدع بهذا الأثر وهذا الاستدلال لا يصح والحديث عليهم لا لهم؛ لأنَّه بعض حديث موقوف على ابن مسعود، رواه أحمد والبزار والطبرانى والطيالسى وغيرهم هكذا: " إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فاختار محمدً فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، ما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ". ولا شك أن اللام في المسلمين ليس لمطلق الجنس الصادق بالمجتهد وغيره، لاقتضائه أن كل ما رآه آحاد المسلمين حسنًا فهو حسن وكل رآه آحاد المسلمين قبيحًا فهو قبيح، وذلك باطل لأمرين: (الأول): أنه يخالف قوله صلى الله عليه وآله سلم: ستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلَّا واحدة ". وجه المخالفة أن الحديث الأول يفيد أن كل مسلم مصيب؛ لأنَّه حكم بأن ما ذهب إليه حسن فلا يكون في النار، وكل من فرق الأمة مسلم يرى تدينه حسنًا فيلزم ألا يكون فرقة منها في النار، والثاني أفاد خلاف ذلك. (الأمر الثانى): أنه يقتضى كون العمل الواحد حسنًا عند البعض قبيحًا عند الآخر فيلزم ألا يتميز الحسن من القبيح، فهى إما للعهد والمعهود ما ذكره في قوله فاختار له أصحابًا فيكون المراد بالمسلمين الصحابة فقط، أو لاستغراق خصائص الجنس فيراد بالمسلمين أهل الاجتهاد الذين هم الكاملون في صفة الإسلام صرفًا للمطلق إلى الكامل؛ لأن المطلق عند عدم القرينة ينصرف إلى الفرد الكامل وهو المجتهد، فيكون ما رآه الصحابة أو أهل الاجتهاد حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه الصحابة أو أهل الاجتهاد قبيحًا فهو عند الله قبيح. (ويجوز) أن تكون للاستغراق الحقيقى فيكون المعنى ما رآه جميع المسلمين حسنًا أو قبيحًا فهو عند الله كذلك، وما اختلف فيه فالعبرة فيه للقرون الثلاثة المشهود

стр. 142

لهم بالخير. وأظهر هذه الاحتمالات الثلاثة في اللام وأصحها الاحتمال الأول كما تدل عليه الفاء الداخلة علي ما رآه المسلمون، والاحتمالان الأخيران يتجهان إذا كان الحديث بدون الفاء أو كان مع الواو كما هو المشهور الجارى على ألسنتهم، وإذ ليس فليس. وقد نسب جماعة هذا الحديث إلى النبي ﵌ وقالوا: " قال رسول الله ﷺ : ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن " منهم الإمام الرازى في "التفسير الكبير" والعينى في " شرح الهداية " وغيره من شراحها، لكن قال ابن نجيم في "الأشباه والنظائر"، قال العلائي: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول ابن مسعود موقوف عليه. انتهى بتصرف. ومما نقلناه لك على هذا الأثر تعرف أن تمسك أنصار البدع به ليس كما ينبغى لأنَّه أثر موقوف على ابن مسعود وقد اختلفوا في العمل بقول الصحابى، وعلى فرض العمل به فالمراد منه ما أجمعوا على حسنه إما من جميع المسلمين أو من خصوص الصحابة كما علمت مما تقدم. واعتادوا أيضًا أن يستدلوا على عدم كراهة ما ألفوه من البدع بقول عمر بن عبد العزيز ﵁: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ". فأجاز إحداث الأقضية واختراعها بقدر اختراع الفجار للفجور وإن لم يكن لها أصل. وجوابه: أن هذا القول لم يثبت عنه من طريق صحيح وإن سلم فراجع لأصل المصالح المرسلة والبدع مباينة لها كما عرفت أفاده في " الاعتصام ". الفصل السادس في أحْكام البِدْعَة أعلم أن أحكامها تختلف باختلاف الطريقتين في معنى البدعة. (أما) على رأى من يرى أن كل بدعة مذمومة؛ لأنها إما زيادة في الدين أو نقص منه أو تغيير لشيء من مراسمه فظاهر أنها بريئة من معنى الوجوب والندب والإباحة، وكذا ليس لها حظ من معنى الكراهة التنزيهية، فهى دائمًا منهى عنها نهى تحريم وتكون معصية حيثما وقعت، فإن

стр. 143

الأوصاف التى جرت عليها في الشرع قاضية بأن النسبة بين المكروه تنزيهًا وبين أدنى البدع بعيدة المنال. فمرتكب المكروه قصد نيل شهوته العاجلة متكلًا على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة الله أقرب، وأيضًا فليس عقده الإيمانى بمتزحزح لأنَّه يعتقد المكروه مكروهًا كما يعتقد الحراء حرامًا وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان، وأيضًا مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل شأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه (ومرتكب أدنى البدع) يكاد يكون على ضد هذه الأحوال، فإنه بعد ما دخل فيه حسنًا، بل يراه أولى مما حد له الشارع، فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه أهدى سبيلًا ونحلته أولى بالاتباع!؟ يدل على أنها لا تكون مكروهة تنزيهًا قوله ﵌: "من رغب عن سنتى فليس منى" متفق عليه من حديث أنس ردًا على من قال من الصحابة: " أما أنا فأقوم الليل ولا أنام " وعلى من قال: " أما أنا فلا أنكح النساء " فأتى بهذه العبارة وهى أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلَّا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر. وكذلك ما في الحديث: أنه ﵊ رأى رجلًا قائمًا في الشمس فقال: " ما بال هذا؟ " قالوا: نذر ألا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم، فقال رسول الله ﵌: " مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه " رواه البخارى من حديث ابن عباس ﵄. قال مالك: أمره أن يتم ما كان عليه لله فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية، ويعضد هذا الذى قاله الإمام مالك ما في البخارى عن قيس ابن أبي عاصم قال: دخل رسول الله ﵌ على امرأة من قيس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال: "ما لها؟ " فقالت: حجت مصمتة. قال لها: "تكلمى فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية" فتكلمت. فتأمل كيف جعل القيام للشمس وترك الكلام من المعاصى، مع أنها في أنفسها من المباحث، لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويُدان الله به صارت معاصى لله عند الإمام مالك ﵁،

стр. 144

ويدل على هذا أيضًا أن عمر ﵁ ضرب صبيغًا العراقى وحبسه ولم يكن ما وقع منه إلَّا أنه كان يسأل عن أُمور في القرآن لا ينبنى عليها عمل، فقد قيل: إنه كان يسأل عن: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ (١)، ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (٢) وما أشبه ذلك، وروى أنه كان يطوف بكتاب الله معه ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من يتعلم يعلمه الله، فأخذه عمر فضربه بالجريد الرطب، ثم سجنه، حتى إذا خف الذى به أخرجه فضربه فقال صبيغ حينما أراد أن يضربه الثالثة: إن كنت تريد قتلى فاقتلنى قتلًا جميلًا، وإن كنت تريد أن تداوينى فقد والله برئت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى الأشعرى ﵁ أن يقاطعه المسلمون، فاشتد ذلك على الرجل، فكتب أبو موسى إلى عمر ﵁ أن قد حسنت سيرته، فكتب إليه عمر أن يأذن للناس بمجالسته، فمثل هذه التعازير إنما تكون لجناية أربت على كراهة التنزيه إذ لا يستباح دم امرئ مسلم، ولا عرضه بمكروه تنزيهًا وإنما كان ما وقع من صبيغ بدعة مذمومة لأنَّه اشتغال بما لا يعنى، إذ لم يكن مما ينبنى عليه عمل حيث كان يبحث عن متشيهات القرآن، أفاده في "الاعتصام"، وصبيغ بوزن عظيم واسم أبيه عسل بكسر أوله. وجملة القول في قِصته أنه كان أول من وقع منه الشك وتشكيك الناس في متشابه القرآن ابتغاء تأويله، وكان قد كثر الداخلون في الإسلام من الشعوب المختلفة، فخشى عمر ﵁ الفتنة عليهم، فأدبه وأبعده إلى البصرة ونهى الناس عن مجالسته ومكالمته، فاشتد ذلك عليه فتاب في بدعته وعفا عنه عمر ﵁. وما ورد في كلام كثير من العلماء من إطلاق لفظ الكراهة على بعض البدع لا يريدون بها كراهة التنزيه، فإن استعمال الكراهة فيما يترجح جانب تركه من غير أن يكون في فعله عقوبة اصطلاح للمتأخرين من العلماء قصدًا إلى التمييز بين هذا وما يكون حرامًا، وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحًا أن يقولوا هذا حلال، وهذا حرام، ويتحامون هذه العبارة خوفًا مما في الآية من قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)

стр. 145

مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) فإنه وعيد شديد منه تعالى على الكذب عليه في أحكامه، والقول في شأن ما لم يحله هذا حلال، وفى شأن ما لم يحرمه هذا حرام إلَّا بما أن الله تعالى أحله، أو حرمه. وأصل الآية صد للعرب عن بدع الجاهلية ومذاهبهم الباطلة، التى كانوا عليها، بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال الطيب، وشكر إنعامه بذلك، ثم عدد علمهم محرمات الله، ونهاهم عن التحليل، والتحريم بأهوائهم دون اتباع شرع الله، والكذب منصوب بلا تقولوا، وهذا حلال وهذا حرام بدل منه، واللام بمعنى في، والمعنى: ولا تقولوا الكذب في شأن ما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، من غير استناد في ذلك إلى شرع، وهو تشريع عام لجميع المكلفين فيما يتعلق به الحكم بالحل والحرمة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإذا وجدت في كلامهم في البدع أو غيرها أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا مكروه، وما أشبه ذلك فلا تقطعن بأنهم يريدون التنزيه فقط، اللهم إلَّا أن يطلقوا لفظ المكروه على ما يكون له أصل في الشرع، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله، لا لأنَّه بدعة مكروهة. وكلية قوله: "كل بدعة ضلالة" شاهدة لهذا المعنى، وكل ما ورد في ذم البدع يقتضى التأثيم والتهديد والوعيد وهى خاصية المحرم، فإذا تقرر أن البدعة لا تكون إلَّا حرامًا وأنها معصية دائمًا فهى متفاوتة الرتبة في معنى الحرمة كغيرها من سائر المعاصى، فتنقسم إلى صغيرة وكبيرة وليست الكبيرة على درجة واحدة في الحرمة كما لا يخفى على من عرف وجوه التفاوت في الكبائر من المعاصى. أما الصغيرة: فهى البدعة الجزئية الواقعة في الفروع الجزئية بشرط أن تكون مينية على شبهة تخيل أنها شرع ودين، فإنها إذا كانت كذلك لا يتحقق دخولها تحت الوعيد بالنار الوارد في شأن البدعة وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلًا تحت وصف السرقة، بل المتحقق دخول عظائمها

стр. 146

وكلياتها كالنصاب في السرقة، ألا ترى أن خواص البدعة غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبًا كالفرفة والخروج عن الجماعة، ولا يظهر فيها اتباع الهوى، حيث كان مثارها التأويل، والمفسدة فيها ليست كالمفسدة الحاصلة بالكلية. فعلى الجملة إذا اجتمع في البدعة وصفان: كونها جزئية وكونها مبنية على شبهة صح أن تكون صغيرة، وأن الوصف بالضلال عام في البدع جزئية أو كلية. أما الوعيد بالنار فخاص بالبدع الكلية كما يأتى (ومثالها) من نذر أن يصوم قائمًا لا يجلس، وضاحيًا لا يستظل، ومن حرم على نفسه شيئًا ممَّا أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل بالنهار، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين، وبدعة التغنى بالقرآن والتطريب في الأذان وما إلى ذلك من البدع الإضافية. ويشترط: زيادة على ما تقدم أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصى مع المداومة تكون كبيرة. ولذا قالوا: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، فكذلك البدعة. وأن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك عليه، فإنه الذى أثارها وسبب كثرة وقوعها والعمل بها. "ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها … " الحديث، وإنما تتفاوت الصغيرة والكبيرة بكثرة الإثم وقلته فربما تساوى الصغيرة من هذا الوجه الكبيرة أو تربو عليها، فمن حق المبتدع إذا ابتلى بالبدعة أن يقتصر على نفسه حتى لا يحمل مع وزره وزر غيره، ففى الحديث: "من ابتلى بشيء من هذه القاذورات (١) فليستتر بستر اللَّه" رواه الحاكم وغيره وسنده جيد. وأن لا تفعل في المواضع التى هى مجتمعات الناس أو المواضع التى تقام فيها السنن وتظهر فيها أعلام الشريعة وإلَّا كان ذلك كالدعاء إليها بالتصريح، فإن المظهر لها عنى هذا الوجه كأنه يقول هذه سنة فاتبعوها،

стр. 147

ومثل البدعة في هذا كل معصية صغيرة، إذا فعلت بحيث يقتدى بفاعلها صارت كبيرة، فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر. وأن لا يستحقرها، فإن ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله، كلما استصغره كبر عند الله؛ لأن استعظامه يكون عند نفور القلب منه وكراهته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به، واستصغاره يكون عند الإلف به والأنس معه وذلك يوجب شدة أثره في القلب. وقد جاء في كون استصغار الذنب كبيرة قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا": أي نحاه بيده فطار رواه البخارى. وإنما يعظم الذنب في قلب المؤمن لعلمه بجلال الله، فإذا نظر إلى عظم من عصى رأى الصغيرة كبيرة. وقد أوحى الله إلى بعض الأنبياء: لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مُهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانضر إلى كبرياء من واجهته بها. "وأما الكبيرة": فهى البدعة الكلية السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة، وهى التى يتحقق دخولها تحت الوعيد الوارد في الكتاب والسنة، فهو مخصوص بقسم الكبائر لا عام فيه وفى غيره، وما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه العفو (مثال الكبيرة من البدع) بدعة التحسين والتقبيح العقليين وباقى الفرق الثلاث والسبعين، وبدعة إنكار الأخبار النبوية مطلقًا اكتفاء بالقرآن، فإنها مختصة بكليات الشريعة دون جزئياتها، وخواص البدع ظاهرة في أهل البدع الكلية من الفرقة والخروج عن الجماعة: (وصفوة القول) أنه ثبت أن المعاصى تنقسم إلى صغيرة وكبيرة، وأن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة وهى الدين والنفس والنسل والعمل والمال، وكل ما نص عليه راجع إليها، وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها، وأن البدع من المعاصى فكذلك تنقسم إلى صغيرة وكبيرة، وأن ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة، وما لا فهو صغيرة: ١ - مثال الابتداع في الدين تحريم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة،

стр. 148

والحامى، والبحيرة من الإبل: هى التى يمنح درها للطواغيت، والسائبة: هى التى يسيبونها لطواغيتهم فتعطى للسدنة، ولا يطعم أبنها إلَّا أبناء السبيل ونحوهم، الوصيلة: الناقة تبكر بأنثى ثم تثنى بالأنثى يقولون: وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر، فيجدعون أذنها للطواغيت، والحامى: هو الفحل من الإبل يولد من ظهره عشرة أبطن، فيقولون: حمى ظهره فيترك لا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ومرعى، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ … ﴾ (١) وحاصل الآية: تحريم ما أحل الله على قصد التقرب به إليه تعالى مع كونه حلالًا في شريعة إبراهيم ﵇ وأول من فعل ذلك عمرو بن لحى. ٢ - ومثال وقوعه في النفس نحل الهند في تعذيبهم أنفسهم بأنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، والقتل بالأنواع التى تفزع منها القلوب، وتقشعر منها الجلود، كالإحراق بالنار، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلا في زعمهم، والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج من هذه الدار العاجلة، ولهم في ذلك أصول فاسدة اعتقدوها، وبنوا عليها أعمالهم كما سبق. ٣ - ومثال ما وقع في الأنكحة التى كانت معتبرة في الجاهلية كالدين المحتوم والملة الجارية، ولم تكن في شريعة إبراهيم ﵇، ولا غيره، وهى على أنواع: (منها): نكاح الاستبضاع، وهو أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من حيضها: أرسلى إلى فلان فاستبضعى منه، ويعتزلها زوجها، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذى يقع عليها، فإذا حملت منه أصابها زوجها إذا أحب، يفعلون ذلك رغبة في نجابة الولد، (ومنها): أن يجتمع الرهط (ما دون العشرة) من الشبان كلهم يصيب المرأة، فإذا وضعت ألحقته بمن تريد، (ومنها): أن يجتمع كثير من الفتيان يأتون المرأة البغى، وبعد الوضع تلحقه القافة بالذى يرون، (ومنها): نكاح ما نكح الأب، فكان الرجل إذا مات وله زوجة، وأبناء من غيرها خلفه فيها أكبر أبنائه. فلما بعث صلوات الله وسلامه عليه هدم كل أنكحة الجاهلية إلّا نكاح الناس اليوم، وهذه الأنواع رواها البخارى عن عائشة.

стр. 149

٤ - ومثال ما يقع في العقل أن الشريعة بينت أن التشريع لله وحده، فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع بالتحسين والتقبيح فابتدعوا في دين الله تعالى ما ليس منه. ومن ذلك أن الخمر لما حرمت ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم - وهو يشربها - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا … ﴾ (١) الآية، تأولها قوم على أن الخمر حلال، وأنها داخلة تحت قوله: ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾، فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله بنص الكتاب، وقد تقدم بيان ذلك في أمثلة البدعة الحقيقية فارجع إليه إن شئت. ٥ - ومثال ما يقع في المال أن الكفار قالوا: إنما البيع مثل الربا، أرادوا نظمها في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح، فاستحلوه استحلاله، وقالوا: يجوز بيع عشرة من الدنانير بأحد عشر، كما جاز بيع ما قيمته عشرة بأحد عشر، بل جعلوا الربا أصلًا في الحل، وقاسوا به البيع مبالغة، والأصل إنما الربا مثل البيع فأنكر الله عليهم هذه التسوية بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢)، وحاصله: أن ما ذكرتم قياس فاسد الوضع لوقوعه في مقابلة النص، على أن بينهما فارقًا، وهو أن من باع ثوبًا مثلًا قيمته عشرة في الحال بأحد عشر إلى أجل فقد جعل الثوب مقابلًا للأحد عشر، فلا شيء منها إلَّا وهو في مقابلة شيء من الثوب، بخلاف ما إذا باع العشرة بأحد عشر، فإنه أخذ الزائد بغير عوض، ولا يمكن جعل الإمهال عوضًا لأنَّه ليس بمال حتى يكون في مقابلة الزائد، وهذا عين الرِّبا؛ لأنَّه زيادة لا يقابلها عوض في معاوضة ماليه - كما سبق - هذا بيان الحكم التكليفى المنوط بالبدعة. وأما حكمها بمعنى العقوبة المترتبة عليها، فإن كانت البدعة ممَّا توجب الردة والعياز بالله تعالى فجزاء المبتدع جزاء المرتد يستتاب، فإن لم يتب يقتل، فإن لم تكن توجب الردة فتختلف عقوبتها بحسب اختلاف حالها في نفسها من كونها عضيمة المفسدة في الدين أَوْ لا؛ وكون صاحبها مشتهرًا بها أَوْ لا، وداعيًا إليها أَوْ لا، ومستظهرًا بالأتباع وخارجًا عن الناس أَوْ لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أَوْ لا، وكل من هذه الأحوال له حكم اجتهادى يخصه، إذ لم يرد في الشرع الشريف في البدعة

стр. 150

حد معين لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، كما ورد في كثير من المعاصى كالسرقة، وقطع الطريق، والقتل، والخمر، والقذف، فهى حسبما يؤدى إليه الاجتهاد، وأعلى مراتبها القتل، وأدناها تحذير الناس منها كى لا يتبعوها، وبينهما مراتب متفاوتة كالضرب، والحبس، والتغريب، والمقاطعة، وعدم المناكحة، وتجريحهم فلا تقبل لهم شهادة ولا رواية على تفصيل مذكور في محله، ولا يكونون ولاة، ولا قضاة، ولا ينصبون في مناصب العدالة من إمامة أو خطابة. من ذلك ما حكى ابن وهب قال: حدثنا مالك بن أنس قال: جعل صبيغ العراقى يطوف بكتاب الله معه ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من يتعلم يعلمه الله، فأخذه عمر بن الخطاب ﵁ فضربه بالجريد الرطب، ثم سجنه حتى إذا خف الذى به أخرجه فضربه، فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلى فأجهز على وإلَّا فقد شفيتنى شفاك الله فخلاه عمر. والمشهور في قصته أنه كان يسأل عن المتشابهات كـ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١) فيفتح بها على الناس باب التشكيك في القرآن، وأن عمر ضربه ثم نفاه من المدينة وأمر بمقاطعته لأجل ذلك الابتداع المحرم كما سبق. ونقل العينى في "عمدة القارى" عن سحنون ﵀: من كان يدعو إلى بدعة قوتل حتى يؤتى عليه، أو يرجع إلى الله، وإن لم يدع يصنع به ما صنع عمر ﵁: يسجن ويكرر عليه الضرب حتى يتوب. ومن ذلك ما يحكى عن الإمام الشافعى ﵁: أنه حكم في أصحاب الكلام - يعنى أهل البدع - أن يضربوا بالجرائد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر القبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. (قال ابن تيمية): والداعى إلى إلى البدعة مستحق للعقوبة باتفاق المسلمين وعقوبته تارة تكون بالقتل كالخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "يقتلون أهلَ الإسلام ويَدَعُونَ أهلَ الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدرى وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

стр. 151

والبدعة التى يعد بها صاحبها من أهل الأهواء، ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة: مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والمشبهة، والمجسمة. والخوارج: هما الذين خرجوا على الإمام على رضى الله عنه كفروه عند التحكيم، ومنهم من يقول: مرتكب الكبيرة كافر، وهم الذين قال فيهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: "سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعُون أهل الأوثان يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة" متفق عليه، والروافض: طائفة من الشيعة لا تقر بالولاية إلَّا لعلى ﵁، ومن الشيعة زيدية تقول بالولاية لأبي بكر وعمر ﵄ فقط تبعًا لرئيسهم زيد بن على زين العابدين حيث قال: "رجلان وليا فعدلَا". والقدرية: فرقة تقول: إن أفعال العباد مخلوقة لهم من دون الله تعالى، والمرجئة: فرقة تقول: لا يضر مع الإيمان معصية فهم يعطلون الرجاء، والمشبهة: قوم شبهوا الله تعالى بالمخلوقات، ومثلوه بالحوادث، والمجسمة: غلاتهم المصرون على التجسيم الصرف، وأما غير غلاتهم فهم مشبهة الحشوية فقالوا: هو جسم لا كالأجساء من لحم ودم لا كاللحوم، وله الأعضاء والجوارح، وقد تقدم معظم هذا، ومن استقرأ أهل البدع من المتكلمين أو أكثرهم وجدهم من سبايا الأم ومن ليس له أصالة في اللسان العربى ففهموا كتاب الله على غير وجهه. (وأما أحكامها على الطريقة الثانية) من حيث الجملة، أي بالنظر إلى كونها بدعة قطع النظر عما يتقضاها، فالكراهة بمعنى أن الحكم المتقرر لهما بحسب ذاتها والثابت لها من حيث أصلها بقطع النظر عن عوارضها هو الكراهة، فإن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع؛ ولبعض السلف الصالح وهو أبو العباس الإبيانى من أهل الأندلس ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن وفيهن خير الدنيا والآخرة: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، من تورع لا يتسع. وأما من حيث التفصيل وباعتبار خصوصية كل بدعة، فقد علمت أنها على هذه الطريقة يعرض لها أقسام الحكم الشرعى، فأى شيء تناولها من

стр. 152

الأدلة والقواعد بعد عرضها عليه ألحقت به، من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، ولا خفاء في اختلاف رتبتها من جهة انقسام النهى إلى كراهة وتحريم وقد مرت أمثلتها على هذه الطريقة. قال المحقق الشاطبى ما ملخصه: أعلم أننا إذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة فلا إشكال في اختلاف رتبتها؛ لأن النهى من جهة انقسامه إلى نهى الكراهة ونهى التحريم يستلزم أن أحدهما أشد في النهى من الآخر، فإذا انضم إليهما قسم الإباحة ظهر الاختلاف في الأقسام، فإذا اجتمع إليها قسم الندب وقسم الوجوب كان الاختلاف فيها أوضح. اهـ. الفصل السابع في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وكيف يقوم به المرشد المنكر وكذا النكر: إذا وقعا في مقابلة المعروف بالمعنى الآتي فهو ما ليس معروفًا أنه دين وشرع، فهما بمعنى القبيح شرعًا حرامًا كان أو مكروهًا، فهو قسمان. والمعروف: ما عرف بين الناس أنه دين الله وشرعه، فينتظم الواجبات والمندوبات، فهو أيضًا قسمان، ويقال بمعنى النصف وحسن الصحبة والرفق مع الأهل وغيرهم، نحو من كان آمرًا بالمعروف فليأمر بالمعروف، أي من أمر بالخير والطاعة فليأمر باللين والرفق، والمباح ما ليس معروفا ولا منكرًا، ولو أريد بالمعروف ما ليس بقبيح شرعًا اندرج فيه، وقد سبق أن المباح من الحسن شرعٌ عندنا. وأما الحسبة بالكسر، فهى عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كما في الإحياء أخذًا له من الاحتساب في الأمر بمعنى حسن التدبير والنظر فيه، قال الأصمعى: فلان حسن الحسبة في الأمر، أي حسن التدبير والنظر فيه، ويقال: الاحتساب بمعنى أدخار الأجر عند الله تعالى، تقول: احتسب الأجر عند الله: ادخره لا يرجو ثواب الدنيا، ويقال: احتسب بكذا، اعتد به وأراد وجه الله تعالى. فعلى هذا: المحتسب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مطلقًا (نعم) قد شاع في العرف إطلاقه على خصوص من ولى ذلك من طرف الإمام، قال العلامة الشبراملسى: المحتسب من ولى الحسبة وهى الإنكار والاعتراض

стр. 153

على فعل ما يخالف الشرع، ويقال: احتسب على فلان كذا، أي أنكره، ومنه محتسب البلد. اهـ. واعلم أن من المصالح الواجبة على الإمام أن يولى محتسبًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحيث يكون حرًّا عدلًا ذا رأى وصرامة وخشونة في الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة وإن لم يكن مجتهدًا، ولهذا المحتسب من الوظائف ما ليس للولاة والقضاة وآحاد الناس، وإن كان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يصحان من كل مسلم ويجبان عليه، قال ابن حبيب الماوردى: الفرق بين التطوع بالأمر والنهى والمحتسب من وجوه كثيرة: (منها): أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية وفرضه على غيره داخل في فروض الكفاية. (ومنها): أن عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها ويبحث عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على المتطوع بحث ولا فحص. (ومنها): أنه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء، فعلى المحتسب إجابة من استعداه وليس على المتطوع إجابته، والاستعداء: الاستعانة يقال: استعديت الأمير على فلان فأعدانى، أي استعنت به عليه فأعاننى والاسم منه العدوى وهى المعونة. (ومنها): أن له أن يتناول كفايته على الحسبة من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار منكر. اهـ بتصرف. وينبغى لمن يتصدى للإرشاد أن يقف على مبحث الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ليكون على بصيرة في سيره، فنقول على وجه الإجمال: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، والمهم الذى بعث الله له النبيين أجمعين، ولو أهمل لاضمحلت الديانة وفشت الضلالة وعم الفساد وهلك العباد. وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة وعليه انعقد الإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). دلت هذه الآية الكريمة على أنه يجب على المسلمين أن تقوم منهم طائفة بوظيفة الدعوة إلى الخير والأمر بالعروف والنهى عن المنكر حفظًا للشريعة وصونًا

стр. 154

لأحكامها فالمخاطب بهذا كافة المسلمين، فهم المكلفون أن يختاروا منهم طائفة تقوم بهذه الفريضة فهنا فريضتان إحداهما على جميع المسلمين، والثانية على الجماعة الذين يختارونها للدعوة، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣). فقذف عليهم اللعنة وهى أشد ما عنون الله به عن مقته وغضبه، فالملعون منه تعالى هو المحروم من لطفه وعنايته، المطرود عن باب رأفته ورحمته، وقد كان داود ﵇ لعن المعتدين عامة والذين اعتدوا في السبت خاصة، ثم لعنهم عيسى ﵇ وكان سبب ذلك اللعن من الله تعالى الذى طال أمده، عصيانهم له تعالى واعتداءهم المستمر، وقد بين - جَلَّ ثَنَاؤه - ذلك العصيان، وسبب استمرارهم على الخروج عن حدود الله بأنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا عن منكر ما من المنكرات مهما اشتد قبحه وعظم ضرره، والنهى عن المنكر حفاظ الدين وسياج الآداب والكمالات، فإذا أهمل تجرأ الفساق على إظهار الفسوق والفجور بلا مبالاة، ومتى صار العامة يرون المنكرات بأعينهم ويسمعونها بآذانهم تزول عنهم وحشتها وقبحها من نفوسهم، ثم يتجرأ الكثيرون على ارتكابها، ذلك كان شأن القوم ودأبهم الذى اعتادوه، وأصروا عليه، ذكره الله للمؤمنين عبرة لهم حتى لا يفعلوا فعلهم فيكونوا مثلهم، ويحل بهم من لعنة الله وغضبه ما حل بهم، وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان" رواه مسلم. بدأ باليد لأنها أقوى في إزالة المنكر، كإراقة الخمر وكسر آنيته وآلات اللهو والحيلولة بين الظالم والمظلوم، ورد المغصوب إلى مالكه، فإن عجز عن الإنكار باليد بأن خاف لحوق ضرر ببدنه أو أخذ مال أو إتلافه أنكر بالقول الذى يرجى نفعه كصياح واستغاثة وأمر من يفعل ذلك

стр. 155

وتوبيخ وتذكير بالله تعالى وأليم عقابه مع شدة أو لين بحسب ما يقتضيه الحال، وقد يبلغ بالرفق والسياسة ما لا يبلغ بالسيف والرياسة، فإن عجز عن إزالته بالقول أنكره بقلبه بالكراهة للمنكر وظهور ذلك على جوارحه مع العزم على إزالته فعلًا أو قولًا متى قدر؛ لأنَّه يجب كراهة المعصية فالراضى بها شريك الفاعل، والإنكار بالقلب عند العجز عنه بغيره أقل آثار الإيمان وثمراته في النفع؛ لأن مجرد كراهته له بقلبه لا يحصل بها زوال مفسدة المنكر المطلوب إزالته، فهو قاصر بخلافه باليد واللسان فإنه متعد لأنَّه كراهة وإزالة. وأبلغ آثار كراهته للمنكر مقاطعة فاعله وترك مجالسته ومعاملته وإقرائه السلام والرد عليه، يدل لهذا فعله صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه ﵃ مع الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية فإنه ﵌ أعرض عنهم وأمر الصحابة أن يهجروهم ولا يكلموهم فلبثوا على ذلك خمسين ليلة حتى اشتد بهم الحزن والأسف والندم على ما كان منهم فتابوا وأنابوا فقبلهم الله ورسوله ﷺ . وعن حذيفة ﵁ عن النبي ﵌ قال: "والذى نفسى بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" رواه الترمذى وقال: حديث حسن. وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﵌ قال: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا وَنَجَوْا جميعًا" رواه البخارى. "القائم في حدود اللَّه" معناه: المنكر لها القائم في دفعها وإزالتها، "والحدود": ما نهى الله عنه، "واستهموا": اقترعوا و"نجوا": أي الآخذون في أنفسهم، و"نَجَّوْا" بالتشديد: أي نجوا المأخوذين الممنوعين، وهكذا إقامة الحدود يحصل لمن أقامها وأقيمت عليه وإلَّا

стр. 156

هلك العاصى بمعصيته والساكت بالرضا بها، وفيه وقوع الجميع في العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ثم إن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان على الكفاية عند استيفاء الشروط، وقد يتعين إذا لم يعلم بالمنكر سواه أو لم يقدر على إزالته غيره، هذا غير الإنكار بالقلب، أما هو فواجب عينًا لأن معناه كراهة المعصية ومن أحب معصية وإن لم يحضرها فهو آثم (وقد يندبان وقد يحرمان) وشروط الوجوب قدرة وتجويز فائدة وإن لم تكن الامتثال مثل كسر جاه الفاسق، وخشية أن يتعود النشء فعل المنكر، وترغيب الطائعين في امتثال الأمر واجتناب النهى، ومثل رجاء أن يتذكر ويتعظ فلا يقع المكروه بعد ذلك، وأن لا يخاف مكروهًا يناله، وأن يعرف وصف ما يأمر به وينهى عنه من أنه واجب معين أو مخير، مضيق أو موسع، عين أو كفاية، وكذا في المنهى، وأن لا يترتب عليهما محظور آخر. فإذا لم تتوفر هذه الشروط فقد يحرمان كما إذا ترتب عليهما ضرر أعظم، وقد يندبان كما إذا لم تفهر لهما فائدة أصلًا. ولا يعارض الوجوب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) لأن معناها: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢) وممَّا كلفنا به الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب عليه بعد ذلك لأنَّه أدى ما عليه فإن الذى عليه القول، لا القبول، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (٤) ومن شروط الوجوب عند السادة المالكيةَ أن يعلم أو يظن أن إنكاره يزيل المنكر، وأن أمره بالمعروف مؤثر ونافع، فإذا لم يعلم أو يظن تأثيره فلا وجوب أفاده العلامة الخرشى شارح المختصر، ومثله في "الفروق للإمام" القرافى قال: الشرط الثالث أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكر مزيل له وأن أمره بالمعررف مؤثر في تحصيله، فإذا عدم هذا الشرط يسقط الوجوب ويبقى الجواز والندب، وقريب منه ما في "الكشاف" قال: شرط النهى ألا يغلب على ظنه أن النهى لا يؤثر لأنَّه عبث. اهـ. وفى هذا يسر وسعة، وقد ورد في الحديث ما يستدل به على سقوط الأمر

стр. 157

والنهى عند عدم القبول والانتفاع، ففى سنن أبى داود وابن ماجه والترمذى عن أبى ثعلبة الخشنى أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) قال: سألت عنها خبيرًا، أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوًى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام". ثم إن كان المأمور به والمنهى عنه من الأمور الظاهرة التى يعرفها العامة والخاصة وجب الأمر والنهى عليهما جميعًا كترك الصلاة وشرب الخمر والفطر في رمضان وإلَّا اختص بالعلماء أو بمن عرفه من العامة وامتنع على غيرهما. ثم محل الإنكار ما أجمع عليه كأكل الرِّبا، ولعب القمار، وشهادة الزور، وتبرج النساء في الطرقات، وتناول المسكرات والمخدرات. أما المختلف فيه فلا إنكار فيه كالنكاح بلا ولى وتناول ميراث ذوى الأرحام، والأخذ بشفعة الجوار، وترك البسملة في الصلاة أجازها الحنفية، وكأكل الضب والضبع. ومتروك التسمية أجازها الشافعية، فمن ارتكبه فلا يحل الإنكار عليه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب، وهو المختار عند كثير من المحققين، وعلى المذهب الآخر المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم مرفوع عنه، لكن إن ندبه يرفق ولين إلى الخروج من الخلاف على جهة النصيحة فهو حسن لاتفاق العلماء على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر. نعم إذا كان الفاعل للمختلف فيه يعتقد حرمته أنكر عليه، كشافعى ترك القراءة خلف الإمام، وهو يخبر أنه يعتقد حرمته، وكذا ينكر على من فعل مختلفًا فيه خالف النص الظاهر أو الإجماع أو القياس الجلى كنكاح المتعة ووطء المطلقة ثلاثًا بلفظ واحد بدون أن تنكح زوجًا آخر (والمندوب) يندب الأمر به والمكروه يستحب النهى عنه. قال الإمام الغزالى في "الإحياء": فإن قلت: إذا كان لا يعترض على الحنفى في النكاح بلا ولى لأنَّه يرى أنه حق فينبغى ألَّا يعترض على المعتزلى في قوله: إن الله لا يُرى، وقوله: إن الخير من الله والشر ليس من الله، وقوله:

стр. 158

كلام الله مخلوق، ولا على الحشوى في قوله: إن الله تعالى جسم وله صورة، وأنَّه مستقر على العرش، بل لا ينبغى أن يعترض على الفلسفى في قوله: الأجساد لا تبعث وإنما تبعث النفوس، لأن هؤلاء أيضًا أدى اجتهادهم إلى ما قالوه وهم يظنون أن ذلك هو الحق. فإن قلت: بطلان مذهب هؤلاء ظاهر فبطلان مذهب من يخالف نص الحديث الصحيح أيضًا ظاهر، وكما ثبت بظواهر النصوص أن الله تعالى يُرى والمعتزلى ينكرها بالتأويل، فكذلك ثبت بظواهر النصوص مسائل خالف فيها الحنفى كمسألة النكاح بلا ولى، ومسألة شفعة الجوار ونظائرهما، فاعلم أن المسائل تنقسم إلى ما يتصور أن يقال فيه: (كل مجتهد مصيب) وهو أحكام الأفعال في الحل والحرمة، وذلك هو الذى لا يعترض على المجتهدين فيه، إذ لا يعلم خطؤهم قطعًا، بل ظنًّا، إلى ما لا يتصور أن يكون المصيب فيه إلَّا واحدًا كمسألة الرؤية والقدر، وقدم الكلام، ونفى الصورة والجسمية والاستقرار عن الله تعالى، فهذا ممَّا يعلم خطأ المخطئ فيه قطعًا، ولا يبقى لخطئه الذى هو جهل محض وجه. فإذن البدع كلها ينبغى أن تحسم أبوابها، وتنكر على المبتدعين بدعهم وإن اعتقدوا أنها الحق، كما نرد على اليهود والنصارى كفرهم وإن كانوا يعتقدون أن ذلك حق؛ لأن خطأهم معلوم على القطع، بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد. فإن قلت: فمهما اعترضت على القدرى في قوله: الشر ليس من الله اعترض عليك القدرى أيضًا في قولك: الشر من الله، وكذلك في قولك: إن الله يُرى وفى سائر المسائل، إذ المبتدع محق عند نفسه، والمحق مبتدع عند المبتدع، وكل يدعى أنه محق وينكر كونه مبتدعًا فكيف يتم الاحتساب. فاعلم أنا لأجل هذا التعارض نقول ينظر إلى أهل البلدة التى أظهرت البدعة فيها، فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهما على السنة فلهم النهى عنها حسبة بغير إذن السلطان، وإن انقسم أهل البلد إلى أهل السنة وأهل البدعة وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة فليس للآحاد الحسبة في المذاهب إلَّا بنص السلطان، فإذا أذن لواحد أن يزجر المبتدعة عن إظهار

стр. 159

البدعة كان له ذلك لا لغيره، فإن ما يكون بإذن السلطان لا يعارض بخلاف ما يكون من جهة الآحاد. وعلى الجملة فالحسبة في البدعة أهم من الحسبة في كل المنكرات، ولكن ينبغى أن يراعى فيها هذا التفصيل الذى ذكرناه كى لا يقابل الأمر فيها ولا ينجر إلى تحريك الفتنة. انتهى باختصار وهو كلام حسن يفيد أن جميع المسائل الفقهية اجتهادية خلاف ما قاله ابن تيمية من أنها لم يرد فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا، ويفيد قاعدة كلية ينضبط بها ما لا إنكار فيه من مسائل الخلاف وما فيه إنكار منها. (تنبيه): اتفق العلماء على أنه يستحب الخروج من الخلاف حيث أمكن بأن كان للفعل وجه مجمع عليه كمسح الرأس، فإن لم يكن كالوتر فلا، وكذا لا يستحب إذا لزم الوقوع في مخالفة السنة، فلا يستحب لشافعى دخل المسجد وقت الكراهة ترك تحية المسجد مراعاة لمذهب من يرى ذلك لما فيه من ترك السنة، فإذا قصد بالإنكار على المختلف فيه ندب الفاعل إلى مراعاة الخلاف بشرطه ساغ الإنكار، بل كان مندوبًا إليه. وجملة القول: هذا باب شأنه عظيم وخطره جسيم، وإذا كثر الخبث ولم يأخذوا على أيدى الظلمة عم العقاب الصالح والطالح، فإن الساكت شريك الجانى كما قال ﷺ : "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصى ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا إلَّا يوشك أن يعمهم اللَّه بعقابه" رواه أبو داود، فواجب على من يتصدى للإرشاد أن يعنى بهذا الباب فإنه قوام الأمر وملاكه ولا يهاب من ينكر عليه مهما علت رتبته فإن الناس أمام شرع الله سواء والله تعالى وعد العاملين المخلصين النصر. قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢). وذو الإيمان الصحيح والعزيمة الصادقة لا يبالى بما ينوبه من وراء الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. قال تعالى: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). ولا تأخذه في الله لومة لائم. فعن أبى ذر الغفارى ﵁ قال: "أوصانى خليلى بخصال من الخير: أوصانى أن لا أخاف في الله لومة لائم،

стр. 160

وأوصانى أن أقول الحق وإن كان مرًّا" رواه ابن حبان في صحيحه. ولا يحابى نحو صديق، فإن حق الصديق أن ينصح لصديقه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها ويسعى في عمارة آخرته وإن نقصت دنياه، بخلاف العدو فإنه الذى يسعى في فساد آخرته وإن حصل به صورة نفع دنيوى "والمؤمن مرآة أخيه" ولهذا كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أولياء المؤمنين، وإبليس لعنه الله تعالى عدوهم. جاعلًا نصب عينيه قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١) فإنها نعم الطريق رسمه تعالى لحبيبه المصطفى ﷺ فالتزمه وسار عليه فأفلح في مهمته وظفر بمطلوبه، ومن تحلَّى باللِّين، وتجمَّل بالرِّفق ملك نواصى القلوب واستولى على الأرواح، قال الإمام الشافعى ﵀: "من وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن نصحه علانية فقد فضحه وشانه" والله الهادى إلى سواء السبيل. كيفَ تُقَاوِم البِدَع ؟ أعلم أن البدعة إما أن تكون اعتقادية وإما أن تكون عملية كما تقدم في أقسام البدعة (فإذا كانت اعتقادية) فلا ننكرها وجوبًا على معتقدها على سبيل الابتداع إلَّا إذا علم قطعًا أنها خلاف الحق بأن قام الدليل القاطع على بطلانها كاعتقاد المجسمة والرافضة - ويلزم أن يكون الإنكار على التفصيل الذى تقدم للإمام الغزالى - أما ما علم بطلانه ظنًّا كاعتقاد أنه تعالى متكلم بمعنى أنه خالق للكلام فلا يجب إنكاره، بل يسن على سبيل النصيحة بلين ورفق. وإن كانت عملية كمسح الشيعة على الرجلين بدل المسح على الخفين فالإنكار عليها إما من جهة الاعتقاد أومن جهة مباشرة الفعل: (فالأول): إنما يكون إذا علمنا حرمة اعتقاد فاعلها على التفصيل المتقدم كأن اعتقدها دينًا وليست منه، وكذا إذا علمنا أنها تجر العامة إلى اعتقاد أنها دين وليست كذلك، وإلَّا ندب الإنكار حينئذ فإن ما يؤدى إلى المفسدة إنما ينكر وجوبًا إذا كان بحيث يؤدى إليها يقينًا أو ظنًّا وإلَّا فهو مكروه يندب النهى عنه.

стр. 161

(وأما الإنكار عليها من جهة مباشرتها) فيراعى فيه قواعد التحريم وأدلته، فإن كانت مما يندرج في محرم إجماعًا أو بنص ظاهر أو بقياس جلى وجب إنكارها مع مراعاة التفصيل الذى علمته في كلام الإمام الغزالى، وإلَّا فحالها حال المحرم المختلف فيه، وقد عرفت أنه إنما ينكر وجوبًا إذا علم أن المباشر له يعتقد حرمته بأن أخبر بذلك، وإلَّا فإنكارها على سبيل الندب. هذا من حيث الإنكار، وأما من حيت المعاملة والآداب فالمبتدع العاصى بفعله تارة تكون بدعته ممَّا يتأذى بها غيره في دنياه كالمكوس والمظالم المحدثة، وتارة يتضرر بها الغير في دينه كأن ابتدع بدعة محرمة ثم هو يدعو الناس إليها ويهيئ لهم أسباب مباشرتها، وتارة تكون قاصرة على نفسه. القسم الأول: وهو أشدها، ما يتضرر به الناس، فالأولى الإعراض عن مبتدعيه وترك مخالطتهما ومقاطعتهما في المعاملة؛ لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الناس، وفى هذا القسم أنواع متفاوتة في الإيذاء فمنها ما يتعلق بالدماء، ومنها ما يتعلق بالأموال، ومنها ما يتعلق بالأعراض. القسم الثانى: ما لا يؤذى الناس في دنياهم ولكن يختلس بفعله دينهم وإن كان على وفق رضاهم فهو قريب من الأول ولكنه أخف منه، فإن المعصية بين العبد وبين مولاه إلى العفو أقرب، ولكن من حيث أنه متعد على الجملة إلى غيره فهو شديد، وهذا أيضًا يقتضى الإهانة، والإعراض، والمقاطعة وعدم إجابة السلام، إذا ظن أن فيه نوعًا من الزجر له أو لأمثاله. القسم الثالث: ما يفسق به المبتدع في نفسه ولا يتعدى شرُّه إلى غيره، فالأمر فيه أخف (وبالجملة) هذا مبحث طويل الذيل، فإن أردت المزيد فيه فارجع إلى ما ذكره حجة الإسلام الغزالى في "الإحياء" في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما ذكره الإمام الماوردى في آخر كتاب "الأحكام السلطانية"، وما ذكره شتى الإسلام ابن تيمية في كتاب "الحسبة"، والله تعالى يتولى رشادك. * * *

стр. 162

البابُ الثانى في النَّظَر في البِدَع مِن جِهَة فُروعهَا وفيه فُصُولٌ: الفصل الأول في بَيَان البِدَع التى تَقَع في المسَاجِد المساجد بيوت الله تعالى فيها يعبد، وفيها يذكر اسمه. قال ﵌: "إنما بنيت المساجد لذكر اللَّه" أي لا لنحو البيع والشراء ونشدان الضالة والأكل فيها ممَّا ورد النهى عنه، والجلوس فيها مستحب إذا كان لعبادة من اعتكاف أو قراءة قرآن أو علم أو سماع موعظة أو انتظار صلاة. فقد روى عن أبى الدرداء أنه قال لابنه: ليكن المسجد بيتك فإنى سمعت رسول الله ﵌ يقول: "المساجد بيوت المتقين، فمن يكن المسجد بيته يضمن اللَّه له الروح والرحمة والجواز على الصراط" رواه الطبرانى في "الكبير" و"الأوسط" والبزار وقال: إسناده حسن، والروح بالفتح الرحمة فالعطف تفسير. والرجل المعلق قلبه بالمساجد من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلَّا ظله، وفى البخارى من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الملائكة تصلى على أحدكم ما دام في مصلاه الذى صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه" وبالحدَث يُحْرَم المحدث دعاء الملائكة عقابًا له بما آذاهم من الرائحة الخبيثة، ومن كثرت ذنوبه وأحب أن تحط عنه فليغتنم ملازمة مصلاه ليستكثر من دعاء الملائكة فهو مرجو الإجابة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (١). وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال ﵊: "ألَا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط" رواه مالك ومسلم والترمذى والنسائى. وعن بعض الصحابة رضي الله

стр. 163

عنهم: المساجد بيوت الله وأنَّه حق على الله أن يكرم من زاره فيها، ثم إن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا … ] (١) التخريب كما يكون بالهدم يكون بمنع المصلين والمتعبدين من دخولها. إذا عرفت هذا تعلم أن من البدع التى لاشك في حرمتها غلق كثير من المساجد في كل الأوقات ما عدا أول الوقت، فربما أدى ذلك إلى تضييع الصلاة فقد لا يتيسر له المبادرة إليها أول الوقت، ولا خفاء أن هذا صد عن سبيل الله تعالى وسعى في خرابها ومنع عن زيارة الله تعالى في بيوته. بنى أهل البر والإحسان المساجد للعبادة في كل الأوقات، وللاعتكاف، ولانتظار الصلاة وغير ذلك. فما الضرورة التى تبيح غلقها في وجوه المتعبدين؟ وأىّ ضرر لحق المساجد المفتوحة على الدوام مع كثرة الواردين عليها (نعم) يباح غلقها في غير أول الوقت لخوف امتهانها بنحو دخول الأطفال والبهائم فيها وفعل الفسق أو خشية ضياع آلاتها بشرط أن لا تدعو حاجة إلى فتحها كتعليم العلم أو وجود معتكف فيها يتضرر بغلقها وإلَّا حرم غلقها وإن خيف الامتهان أو الضياع (نعم) إذا تيقن أحد الأمرين جاز الغلق، فإن دَرْءَ المفاسد مقدم على جلب المصالح. قد نشأ من ذلك بدعة أخرى مذمومة، وهى ما اعتاده الخدمة من طرد المصلين أو طلاب العلم عقب صلاة العشاء يصيحون جميعًا بأصوات منكرة لأجل ذلك، ومن كان في صلاة حملوه على الإسراع فيها وبذلك يقع التهويش على المتعبدين وصدهم عن سبيل الله. وقد كانت السنة فتح المساجد مطلقًا في كل الأوقات؛ لأن ذلك هو المأثور عن مسجد رسول الله ﵌ في زمنه وزمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين. ومن بدع المساجد الدائر أمرها بين الكراهة والحرمة ما يسمى بالتبرير، وهو تلاوة المؤذنين على نحو المنارات بأصوات مرتفعة عند موت عالم آيات من سورة ﴿هَلْ أَتَى﴾ أولها ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ (٢).

стр. 164

وقد يجتمع عدد منهم على منارة واحدة مثلًا فيقرءون هذه الآيات بالإدارة ويتنازع الاثنان أو الأكثر الآية الواحدة أو يتلقف رجل آية والآخر آية أخرى. وقراءة القرآن على هذا الوجه لا خلاف في أنها بدعة محدثة والجمهور على أنها بدعة مكروهة، فإنها بمنزلة الاختلاس والنهبة (١) وليس فيها خشوع ولا تدبر للقرآن، والسنة في قراءته أن تكون بحزن وخشوع وسكون فيكره التبرير من هذه الجهة. وفيه بدعة أخرى مكروهة: وهى التلحين في القراءة تلحين الغناء لمنعه من فهم النظم الكريم، كما قيل: من تلذذ بألحان القرآن حرم فهم القرآن. أما كون التلحين بدعة فلا نزاع فيه، وأما كراهته فهى مختار الجمهور من الأئمة، ونص عليه الإمام مالك والشافعى وأحمد ﵃ قالوا: لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم. قال القاضى عياض: وأباحها أبو حنيفة ﵀ وجماعة من السلف لحديث أبى هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "ما أذن اللَّه لشئ ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" متفق عليه. "أذن الله": أي استمع وهو إشارة إلى الرضا والقبول، "يجهر به"، قيل تفسير لقوله: يتغنى، وقال الشافعى ﵀: معناه تحسين القراءة وترقيقها ويشهد له الحديث الآخر: "زينوا القرآن بأصواتكم": أي بالمد والترتيل. وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء، ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية وإقبال النفوس على استماعه. هذا ما لم يؤد إلى تمطيط فاحش وتغن زائد وإخراج الحروف عن أوضاعها العربية حتى يقع النقص والزيادة في القرآن ويختل نظمه وإلَّا فهو حرام بالإجماع كما نقله النووى والماوردى وغيرهما. فالتبرير إذا خرج إلى هذا الحد حرم وإلَّا فهو مكروه لما ذكرنا ولأنه يؤدى إلى هذه المفسدة. وأيضًا فالقصد منه إن كان الإعلام بموت عالم فالإعلام بالنداء ورفع الصوت مكروه عند بعض الفقهاء، وعلى القول بعدم كراهته حيث لم

стр. 165

يشتمل على نياحة أعنى تعداد محاسن الميت وذكر مفاخره، فظاهر أن القرآن لم ينزل للإعلام بموت العلماء، وإن كان القصد من التبرير الإخبار بأن هذا الميت من الأبرار الذين يشربرون من كأس، إلى آخره، قلنا: فلم اتخذ شعارًا لخصوص العلماء حتى فهمت العامة أن الأبرار هم العلماء خاصة؟ ولم لم يعمل هذا للأولياء المتقين والشجعان المجاهدين، والأسخياء المحسنين، والولاة العادلين؟ وعلى الجملة فمثار هذه البدعة ما كانت تفعله الجاهلية من النعى، كانوا يرسلون من يعلم بموته على أبواب الدور والأسواق، قال في "سبل السلام": من النعى المنهى عنه النعى من أعلى المنارات في هذه الأعصار في موت العلماء. اهـ. ونذكر لك في هذا الفصل من بدع المساجد ما وقع من الابتداع في الأذان يوم الجمعة، فنقول: إن الثابت فيه على عهد رسول الله ﵌ كما أسلفناه لك كان أذانًا واحدًا يؤذنه بلال ﵁ على باب مسجده ﵌ وبعد جلوسه ﵊ على المنبر وبين يديه ﵌، فقد أخرج أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهرى عن السائب بن يزيد قال: "كان يؤذن بين يدى رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر، فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك". فهذا الحديث عين مكان الأذان المذكور وهو كونه على باب المسجد. ومعنى كونه بين يديه: أي في مقابلة الوجه؛ لأن باب المسجد يكون غالبًا مستقبل المنبر أو معناه عند حضوره وصعوده على المنبر لا قبل ذلك. ثم إن الغرض من هذا الأذان أمران: (الأول): الإعلام بدخول الوقت لصلاة الجمعة، ولذا كان على باب المسجد ليكمل هذا الغرض. (الثانى): الإعلام يقرب شروع الخطيب في الخطبة لينصت الناس ويتركوا الكلام، وهذا سر كونه بين يديه، وكونه بعد جلوس الخطيب، كونه على باب

стр. 166

المسجد لا فوق سطح المسجد، وهذا الغرض هو ما يقصد من الإقامة فإنها للإعلام بالدخول فيها. ثم لما كثر الناس بالمدينة رأى عثمان ﵁ أن الغرض الأول من الأذان لم يقع على الوجه الأتم فأحدث الأذان الثالث وهو الأول وقوعًا، وسمى ثالثًا لكونه مزيدًا على الأذان والإقامة فإنها أذان وإعلام، وأمر بفعله على الزوراء وأقره على ذلك الصحابة فكان إجماعًا سكوتيًّا، فهذا أول ما وقع في الأذان ممَّا لم يكن في عهده ﵌، وهو وإن كان محدثًا بعده ﵌ لكنه سنة الخلفاء الراشدين (ثم) إن عثمان ﵁ أبقى الأذان الثانى على ما كان عليه ولكن صار الغرض منه خصوص الإعلام بقرب شروع الخطيب في الخطبة لينصت الناس. ثم حدث بعد ذلك بدعتان: (الأولى): جعل هذا الأذان قريبًا من المنبر كما يفعل الآن. (والثانية): الزيادة في هذا الأذان الثانى على واحد حيث أتى بمؤذن ثان يؤذن على الدكة كالمجيب للأول. أما البدعة الأولى: فأول من أحدثها هشام بن عبد الملك، والصواب أنها بدعة مكروهة والذى فعله رسول الله ﵌ والخلفاء الراشدون بعده هو السنة وحده، والاتباع خير من الابتداع. كان رسول الله ﵌ إذا زالت الشمس خرج فرقى المنبر فأذن المؤذن على الباب … إلخ ما تقدم، قال ابن رشد: الأذان بين يدى الإمام في الجمعة مكروه لأنَّه محدث. أما البدعة الثانية: أي الإتيان بمؤذن ثان داخل المسجد فلم يدع إليها داع لكفاية واحد في غرض هذا الأذان فهى مذمومة مكروهة. قال العلامة أبو شامة في كتاب "الباعث": وأما الأذان بين يدى الخطيب بعد صعوده على المنبر فلا ينبغى أن يكون إلَّا من واحد لأنَّه لإقامة الشعار والإعلام بصعود الخطيب المنبر لإنصات الحاضرين والسنة فيه إفراد المؤذن. ومن البدع ما يقع عقب هذا الأذان عند المنبر ممَّا يسمى بالترقية وهو تلاوة آية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ … ﴾ (١) ثم حديث: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت فقد لغوت" رواه البخارى.

стр. 167

ولاشك أنه من البدع المذمومة ففى "الدر المختار" أنها بدعة مكروهة تحريمًا عند أبى حنيفة لا عند أبى يوسف ومحمد، وأما التأمين عند الدعاء والترضى عن الصحابة والدعاء للسلطان فمكروه اتفاقًا. أهـ. وفى "البحر": اعلم أن ما تعورف من أن المرقى للخطيب يقرأ الحديث النبوى وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء ويدعون للصحابة بالترضى وللسلطان بالنصر إلى غير ذلك فكله حرام على مقتضى مذهب أبى حنيفة (١) ﵀، وأغرب منه أن المرقى ينهى عن الأمر بالمعروف بمقتضى الحديث الذى يقرؤه ثم يقول: أنصتوا رحمكم الله ولم أر نقلًا في وضع هذا المرقى في كتب أئمتنا. اهـ. وفى كتب السادة المالكية ومن البدع المكروهة التى ابتدعها أهل الشام وهم بنو أمية: الترقية، وما يقوله المرقى من: صلوا عليه، وآمين، ورضي الله عنهم، فهو مكروه، وكذا قوله الحديث عند فراغ المؤذن قبل الخطة: إنما اتبعوا في ذلك أهل الشام وخالفوا الوارد عن الشرع، وفى شرح "أقرب المسالك" للعارف الدردير: ومن البدع المحرمة ما يقع بدكة المبلغين بالقطر المصرى من الصريخ على صورة الغناء والترنم، ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم. انتهى. ومعلوم أن الاتباع خير من الابتداع، فإن الابتداع شر كله، وقد تركت اليوم بدعة الترقية في المساجد الشهيرة لشجاعة خطبائها وغيرتهم على السنة. ومن البدع ما يسمى بالأولى والثانية، أعنى ما يقع قبل الزوال يوم الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ونحو ذلك ولا خلاف في أن ذلك لم يكن على عهد رسول الله ﵌ ولا عهد السلف الصالح، إنما النظر في استحسانه وذمه فقال فريق: إنه من البدع المستحسنة المندوبة لأنَّه لغرض التنبيه على قرب صلاة الجمعة ليستعد الناس لها بالاغتسال والطيب ولبس أحسن الثياب والتبكير

стр. 168

إليها، فلأجل تشاغل الناس عن أمور دينهم وتكاسلهم عنها استحسن إيقاظهم من غفلتهم ليؤدوا وظائف الصلاة وليستعدوا لها بأحسن وجوه الاستعداد، ولم يكن السلف الصالح في حاجة إلى هذا التنبيه لمزيد اهتمامهم بأمور دينهم، فكان هذا الدعاء دعاء إلى خير فيندمج في ضمن قواعد الندب وأدلة المندوب. ولهذا رأى المتأخرون من الحنفية استحسان التثويب في الصلوات كلها، وهو العود إلى الإعلام بعد الإعلام حسبما يتعارفه الناس إما بقولهم بين الأذان والإقامة: حي على الصلاة حى على الفلاح مرتين أو بقولهما: الصلاة الصلاة، وقال أبو يوسف ﵀: لا أرى بأسًا بأن يقول المؤذن للأمير في الصلوات كلها: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حى على الصلاة حى على الفلاح الصلاة يرحمك الله، ومثله القاضى والمفتى خصوا بذلك لمزيد اشتغالهم بأمور المسلمين كيلا تفوتهم الجماعة. وذكر الأبى في شرح مسلم عند قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ما نصه: قلت: ما ليس من أمره هو ما لم يسنه ولم يشهد الشرع باعتباره فيتناول المنهيات والبدع التى لم يشهد الشرع باعتبارها، وأما التى شهد باعتبار أصلها فهى جائزة وهى من أمره كالمستحدثات المستحسنة كالاجتماع على قيام رمضان، وكالتصبيح اليوم، وكالتحضير، والتأهيب، فإن الشرع شهد باعتبار جنس مصلحتها فإن الأذان شرع لمصلحة الإعلام بدخول الوقت، والإقامة شرعت للإعلام بالدخول في الصلاة، والتصبيح والتحضير والتأهيب من ذلك النوع لما في الثلاثة من مصلحة الإعلام بقرب حضور الصلاة، ولما في التأهيب من الإعلام بأنه يوم الجمعة لمن ليس عنده شعور به ويشهد لذلك زيادة عثمان أذانًا بالزوراء يوم الجمعة على ما كان في زمنه ﷺ وزمن الخليفتين قبله، وإنما زاد لمصلحة المبالغة في الإعلام حين كثر الناس. اهـ. وهو تقرير لقاعدة جليلة أعنى اعتبار المصالح المرسلة، والتصبيح ما يفعله بعض أهل المغرب عقب الأذان الأخير للفجر يجتمع المؤذنون وينادون بصوت واحد بقولهم: أصبح ولله الحمد ويكررون ذلك مرارًا عديدة جماعة دورانهم على المنار، فالتصبيح قولهم: أصبح ولله الحمد، والتحضير قول

стр. 169

جماعة المؤذنين بعد الأذان الأخير: حضرت الصلاة رحمكم الله ينادون بذلك على صوت واحد ويدورون على المنار مرارًا يفعلون ذلك في الظهر والعصر، وقد يقفون على أبواب المساجد ويقولون: الصلاة رحمكم الله حضرت الصلاة، الصلاة يا أهل الصلاة، والتأهيب ما يقع يوم الجمعة قبل صلاتها لتتأهب الناسر لها كى لا يغفلوا عنها، ومثله ما يسمى عندنا بالأولى والثانية وعادة أهل المغرب فيه أن يجتمع جماعة من المؤذنين قبل الصلاة فيرفعون أصواتهم على المنار قائلين: الوضوء للصلاة ويدورون عليه مرارًا كذا يؤخذ من المدخل. وبالجملة فالتصبيح والتحضير من قبيل التثويب أعنى العودة إلى الإعلام بعد الإعلام وقد علمت أن المتأخرين من الحنفية على استحسانه في الصلوات كلها خلافًا لابن الحاج (وقال) فريق آخر: إنها مذمومة إذ ليس لأحد أن يحدث شعارًا دينيًّا من عند نفسه على خلاف ما كان عليه رسول الله ﵌ والخلفاء الراشدون من بعده ولا يقبل الاستحسان من غير المجتهدين؛ لأنَّه دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عنه عبارته فهو خاص بالمجتهد، فعن عمر رضى الله عنه: أنه انتهر المؤذن حينما آذنه بالصلاة وقال له: أليس في أذانك ما يكفينا والخير كله في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع فكانت بدعة مكروهة. وأول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين هشام بن عبد الملك أراد أن يعلم الناس بمجئ الإمام ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها مروان، ثم أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة إيذانًا بفراغه منها ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه، ولم يرد مروان وهشام إلَّا الاجتهاد فيما رأيا إلَّا أنه لا يجوز اجتهاد في خلاف سنة رسول الله ﷺ ، قال ابن حبيب: وقد حدثنى ابن الماجشون أنه سمع مالكًا يقول: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (١) فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا فإن قيل: إن الأذان هنا نظير أذان الزوراء لعثمان رضى الله عنه فما قيل فيه من التوجيه الاجتهادى يقال هنا ولا يكون بذلك مخالفًا للسنة؛ لأن قصة

стр. 170

هشام نازلة لا عهد بها فيما تقدم؛ لأن الأذان إعلام بمجئ الإمام لخفاء مجيئه عن الناس لبعدهم عنه، ثم الإقامة للإعلام بالصلاة إذ لولاها لم يعرفوا دخوله في الصلاة فصار ذلك أمرًا لابد منه كأذان الزوراء. فالجواب: أن مجئ الإمام لم يشرع فيه الأذان وإن خفى على بعض الناس لبعده، فكذلك لا يشرع فيما بعد لأن العلة كانت موجودة، ثم لم يشرع إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبي ﷺ والخلفاء بعده، ثم تصير مؤثرة. وأيضًا فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث تقديم الخطبة على الصلاة، وما انبنى على المحدث محدث، ولأنه لا لم يشرع في النوافل أذان ولا إقامة على حال فهمنا من الشرع التفرقة بين النفل والفرض لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلًا، وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما نحن فيه فلا يصح أن يقاس أحدهما على الآخر، وغير خاف عليك أن القاعدة الأصولية (أن ما تركه الرسول ﷺ مع وجود المقتضى وانتفاء المانع فتركه هو السنة وفعله هو البدعة). ومن البدع المختلف في حسنها وذمها الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان جهرًا ما عدا الصبح والجمعة اكتفاء بما يقع قبلهما وما عدا المغرب لضيق وقتها (١)، والذى أحدث ذلك هو محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله البرلسى وأمر به في مصر وأعمالها ليلة الجمعة فقط، ثم صار ذلك عامًا على يد نجم الدين الطنبدى لسبب مذكور في كتب التاريخ، ففى خطط المقريزى: وأما مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم "الفاطميين" إلى أن استبد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بسلطنة ديار مصر وأزال الدولة الفاطمية سنة سبع وستين وخمسمائة، وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعي ﵁ وعقيدة الشيخ أبى الحسن الأشعرى ﵀ فأبطل من الأذان (حى على خير العمل) وصار يؤذن في سائر إقليم مصر والشام بأذان أهل مكة، وفيه تربيع التكبير وترجيح الشهادتين،

стр. 171

فاستمر الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر، وانتشر مذهب أبى حنيفة ﵁ في مصر فصار يؤذن في بعض المدارس التى للحنفية بأذان أهل الكوفة وتقام الصلاة أيضًا على رأيهم وما عدا ذلك فعلى ما قلنا إلَّا أنه في ليلة الجمعة إذا فرع المؤذنون من التأذين سلموا على رسول الله ﷺ ، وهو شيء أحدثه محتسب (١) القاهرة صلاح الدين عبده الله بن عبد الله البرلسى بعد سنة ستين وسبعمائة، فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ومتولى الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصالح المنصور أمير حاج المعروف بحاج ابن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله ﷺ في ليلة جمعة وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه فقال لهم: أتحبون أن يكون هذا السلام في كل أذان؟ قالوا: نعم. فبات تلك الليلة وأصبح متواجدًا يزعم أنه رأى رسول الله ﷺ في منامه وأنَّه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله ﷺ في كل أذان (فمضى) إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدى وكان شيخًا جهولًا سيئ السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتًا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء، لا يحتشم من أخذ البرطيل والرشوة، ولا يراعى في مؤمن إلَّا ولا ذمة. قد ضرى على الآثام وتجسد من أكل الحرام، يرى أن العلم إرخاء العذبة، ولبس الجبة، ويحسب أن رضاء الله (سبحانه) في ضرب العباد بالدرقة، وولاية الحسبة، لم تحمد الناس قط أياديه، ولا شكرت أبدًا مساعيه، بل جهالاته شائعة، وقبائح أفعاله ذائعة (وقال) له: رسول الله ﷺ يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله كما يفعل في كل ليالى الجمع. فأعجب الجاهل هذا القول وجهل أن رسول الله ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلَّا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته وقد نهى

стр. 172

الله في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه حيث يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (١) وقال رسول الله ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور" فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستىمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذى لا يحل تركه وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا فلا حول ولا قوة إلَّا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون. اهـ باختصار. فنقول: لا كلام في أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان مطلوبان شرعًا لورود الأحاديث الصحيحة بطلبهما من كل من سمع الأذان لا فرق بين مؤذن وغيره كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىَّ فإن من صلى علىَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغى إلَّا لعبد من عباد اللَّه وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل اللَّه لي الوسيلة حلت له الشفاعة" لكن لا مع الجهر، بل بأن يسمع نفسه أو من كان قريبًا منه، إنما الخلاف في الجهر بهما على الكيفية المعروفة، والصواب: أنها بدعة مذمومة بهذه الكيفية التى جرت بها عادة المؤذنين من رفع الصوت بهما كالأذان والتمطيط والتغنى، فإن ذلك إحداث شعار دينى على خلاف ما عهد عن رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح من أئمة المسلمين، وليس لأحد بعدهم ذلك، فإن العبادة مقصورة على الوارد عنه ﷺ بإجماع الأئمة فلا تثبت باستحسان أحد من غير هؤلاء ولا بإحداث سلطان عادل أو جائر. ومن العجب أنهم يفعلون هذا بقصد التقرب إليه تعالى، وقد ثبت بالنقل الصحيح الصريح أنه لا يقرب إلى الله تعالى إلَّا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذى شرع. قال العلامة ابن حجر في "الفتاوى الكبرى": "وقد استفتى مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه ﷺ بعد الأذان على الكيفية التى

стр. 173

يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة"، وقال الإمام الشعرانى نقلًا عن شيخه: "لم يكن التسليم الذى يفعله المؤذنون في أيامه ﷺ ولا الخلفاء الراشدين، بل كان في أيام الروافض بمصر". اهـ. (وقد سئل) الأستاذ الإمام شيخنا المرحوم الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية بإفادة من مديرية المنوفية في (٢٤) مايو سنة (١٩٠٤) نمرة (٦٧٥) عن مسائل: (منها): ما اشتهر من الصلاة والسلام على النبي ﵌ عقب الأذان في الأوقات الخمسة إلَّا المغرب؟ (فأجاب) بقوله: أما الأذان فقد جاء في الخانية أنه ليس لغير المكتوبات، وأنَّه خمس عشرة كلمة، وآخره عندنا لا إله إلَّا الله وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة ابتدعت للتلحين لا لشئ آخر، ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين ولا عبرة بقول من قال: إن شيئًا من ذلك بدعة حسنة؛ لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهى سيئة، من ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كاذب. اهـ. وحاصل هذا أن الأذان من شعائر الإسلام المنقولة بالتواتر من عهد الرسول ﷺ وكلماته معدودة في كتب السنة وكتب الفقه مجمع عليها بين أئمة المسلمين من أهل السنة والجماعة. وأما زيادة الصلوات والتسليمات في آخره فهى من بدع المؤذنين المتأخرين. وقال في "المدخل": عطس رجل بجانب سيدنا عبد الله بن سيدنا عمر فقال: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ " فقال سيدنا عبد الله: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ " ما هكذا علمنا رسول الله ﷺ أن نقول إذ عطسنا، بل علمنا أن نقول: "الحمد لله رب العالمين". انتهى. فهذا الصحابى الكبير أنكر على من صلى وسلم على النبي ﷺ عقب العطاس لعدم وروده عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. (ومن ثم) قال العلامة ابن حجر في فتاويه الكبرى: "من صلى على النبي ﷺ قبل الأذان أو قال: محمد رسول الله ﷺ بعده معتقدًا سنيته في ذلك المحل ينهى ويمنع منه لأنَّه تشريع بغير دليل، ومن شرع بغير دليل يزجر ويمنع". انتهى.

стр. 174

فهذا العلامة ابن حجر حكم على من صلى على النبي ﷺ قبل الأذان أو قال: محمد رسول الله ﷺ بعده بأنه شرع في دين الله تعالى وأنّه يمنع من ذلك ويزجر وما ذاك إلَّا لقبح ما فعل، وأن الوقوف عند ما ورد به الشرع أولى، وواجب المرشد في مثل هذه البدعة الإضافية أن يكون حكيمًا، فينبه الناس إليها بالرفق واللين كى لا يكون مثيرًا للفتن، (وبهذا) ظهر لك أمر ما يقر من كثير من المؤذنين عقب أذان الفجر من قولهم ورضى الله ﵎ عنك يا شيخ العرب ونحو ذلك من الألفاظ (بأعلى صوت) وأنها بدعة مذمومة لم تعرف من طريق مشروع. اللهم وفقنا جميعًا لما تحبه وترضاه، وقنا شر الابتداع. ومن البدع المكروهة تحريمًا: التلحين في الأذان وهو التطريب: أي التغنى به بحيث يؤدى إلى تغيير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها أو زيادة فيها محافظة على توقيع الألحان، فهاذا لا يحل إجماعًا في الأذان، كما لا يحل في قراءة القرآن، ولا يحل أيضًا سماعه؛ لأن فيه تشبهًا بفعل الفسقة في حال فسقهم فإنهم يترنمون، وخروجًا عن المعروف شرعًا في الأذان والقرآن. ومن البدع: أذان الجماعة المعروف بالأذان (السلطانى أو أذان الجوق) فإنه لا خلاف في أنه مذموم مكروه لما فيه من التلحين والتغنى إخراج كلمات الأذان عن أوضاعها العربية وكيفيتها الشرعية بصور قبيحة تقشعر منها الجلود الحية وتتألم لها الأرواح الطاهرة؛ وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك وقد أمر حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول بإبطال هذا الأذان وكان في كل قصر من القصور الملكية يقوم أربعة من المؤذنين معًا وفى صوت واحد، لما لاحظ جلالته في أثناء حضوره لتأدية صلاة الجمعة في الجامع الأزهر أن مؤذنًا واحدًا هو الذى يقوم بالأذان فسأل في ذلك حضرة صاحب الفضيلة مولانا الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى فقال فضيلته: إن الأذان السلطانى لم يكن في عهد رسول الله ﷺ ، فأمر بإبطاله. كما أمر بعدم رفع الصوت والتصفيق في المسجد حال دخوله للصلاة أحترمًا للمساجد ونزولًا على حكم الشريعة الإسلامية.

стр. 175

ومن البدع المنكرة بلا خلاف كتب الأوراق التى يسمونها حفائظ في آخر جمعة من رمضان (الجمعة اليتيمة) حال الخطبة لما فيها من الإعراض عن استماع الخطبة، بل والتهويش على الخطب وسامعيه وذلك ممنوع شرعًا كما لا يخفى ولا خير فيه ولا بركة له، فإنما يتقبل الله من المتقين لا من المبتدعين، وقد يكتب فيها كلمات سريانية قد تكون دالة على ما لا يصح ولم ينقل عن أحد من أهل العلم، وظنى أن ذلك من بدع الدجالين التى زينوها للبسطاء، ولذا لا تقع إلا في القرى المتأخرة وسيأتى النهى عن تعليق التمائم في الفصل الثانى عشر في خرافات العامة وأوهامهم إن شاء الله تعالى. وممَّا اختلف فيه الدعاء للسلطان يعينه، وقد أفتى ابن عبد السلام بأنه بدعة غير محبوية (أما) ما يقع من المؤذنين عند ذكر السلطان بقولهم بصوت مرتفع: آمين آمين نصره الله وأدامه إلى آخره فهو بدعة سيئة بلا خلاف لما أخرج سعيد بن منصور عن أبى هريرة ﵁ قال: "لا تقل: سبحان الله والإمام يخطب يوم الجمعة"، وأخرج عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذى يقول له: أنصت ليست له جمعة"، ولما فيه من التهويش على المستمعين، وكثيرًا ما يتكلف في ذلك حسن الألحان فتنصرف الآذان عن سماع الخطبة. (وأما) ما يقع من بعض العامة حين نزول الخطيب من على المنبر من التمسح بكتفه وظهره فمما لا أصل له، وكذلك البيارق التى تنصب على جانبى المنبر والستارة التى تسبل على بابه وبعض الخطباء يستتر بهذه البيارق؛ لأنَّه لسوء حفظه يقرأ الخطبة في الورق وبذلك يضيع تأثير الخطبة في نفوس السامعين. (ومن البدع) قراءة سورة الكهف يوم الجمعة بصوت مرتفع وترجيع كترجيع الغناء، والناس ما بين راكع وساجد وذاكر وقارئ ومتفكر، وناهيك ما يكون من العوام من رفع أصواتهم استحسانًا لألحان القارئ من غير مبالاة بحرمة المكان والقرآن، وهذا كله مذموم لا يحل لوجوه: (الأول): أن فيه تهويشًا على المتعبدين وهو حرام بالإجماع عن أبى سعيد الخدرى قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد

стр. 176

فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج لربه فلا يؤذ بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" رواه أبو داود. (الثانى): فيه رفع الأصوات في المسجد لغير حاجة شرعية وقد ورد النهى عنه، روى مالك في "الموطأ" أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلى يناجى ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن"، وقال ﵊ للإمام على ﵁ وكرم الله وجهه: "يا على لا تجهر بقراءتك ولا بدعائك حيث يصلى الناس فإن ذلك يفسد عليهم صلاتهم" رواه في المدخل. وفي "الدر المختار" يحرم رفع الصوت في المسجد إلا للمتفقهة، وقال ابن العماد الشافعى ﵀: تحرم القراءة جهرًا على وجه يشوش على نحو مُصَلٍّ، وفى مختصر سيدى خليل وشرحه: يكره رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد خوف التشويش على المصلين والذاكرين، فإن شوش حرم اتفاقًا. (الثالث): كونه مخالفًا لما كان في زمن النبي ﷺ وزمن أصحابه فمن بعدهم، وصح أن أصحاب رسول الله ﵌ كانوا يكرهون رفع الصوت بالذكر والقرآن لا سيما في المساجد، فإذا كان معه تهويش لا يشك في التحريم (نعم) ورد النص على فضل قراءة هذه السورة ليلة الجمعة ويومها لكن ليس على هذا الوجه المعروف، بل يقرأ لنفسه في بيته مطلقًا أو في المسجد بدون رفع الصوت، روى البيهقي وحسنه السيوطى: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق"، وروى الحاكم والبيهقى من حديث ابن مسعود: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين السماء والأرض". وفى "قرة العين" وشرحها "فتح المعين" للعلامة زين الدين الشافعى ما نصه: ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيرها إن حصل به تأذ لمصل أو نائم كما صرح به النووى في كتبه. وقال شيخنا في "شرح العباب": ينبغى حرمة الجهر بالقراءة في المسجد وحمل كلام النووى على ما إذا خيف التأذى وعلى كون القراءة في غير المسجد. انتهى. وكتب الحنفية والحنابلة والمالكية صريحة في أن قراءة السورة على هذه

стр. 177

الكيفية المعتادة ممنوعة، هذا إلى ما يكون من إعراض الناس عن استماعها لا سيما إذا كان القارئ غير حسن الصوت فيقعون في الحرج ويقع القارئ في جريمة تعريض القرآن للإهانة. ومعلوم أن احترام القرآن واجب فلا يقرأ في الأسواق ومواضع الاشتغال، فإذا قرأ فيها كان هو المضيع لحرمته وكان الإثم عليه دون أهل الاشتغال دفعًا للحرج. وقد أصبحت هذه البدعة مألوفة للناس يعدونها من الشعائر الدينية والوظائف الشرعية، فعلى المرشد إذا تعرض لها أن يكون حكيمًا حتى لا يثير فتنة. ولا يعزب عنك أنها من البدع الإضافية. ومن البدع المكروهة تسامر الناس في المساجد بحديث الدنيا وربما علت أصواتهم وارتفع ضحكهم وكثر تصفيقهم الحاد وتصفيرهم المزعج، وفى هذا هتك لحرمة بيوت الله تعالى التى أعدها لعبادته وإيذاء للمصلين ومنع للمتعبدين، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم ليس للَّه فيهم حاجة" رواه ابن حبان في صحيحه. وعن الحسن ﵁: "يأتى على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس للَّه فيهم حاجة". ومن البدع المكروهة افتتاح خطبة العيد بالتكبير كما يفعله خطباء المساجد اليوم فإنه مخالف لهديه صلوات الله وسلامه عليه في خطبه، قال الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" ما نصه: وكان صلوات الله وسلامه عليه لا يخطب خطبة إلَّا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء أنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم فيه سنة عن النبي ﷺ ، وسنته تقتضى خلافه وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله. اهـ. ومنها: اجتماع الناس يوم العيد بالمساجد وانقسامهم إلى طائفتين كل واحدة منهما ترد على الأخرى بالتكبير المعروف، فإن السنة أن يكبر المسلمون في البيوت والطرقات ومصلاهم كل على انفراد على ما هو معروف في كتب الفروع. ومن البدع المكروهة انصراف بعض الناس عقب صلاة العيد تاركًا سماع الخطبتين، والبعض ينصرف عقب الخطبة الأولى تاركًا استماع

стр. 178

الثانية مع ما فيه من اختراق الصفوف وتخطى الرقاب (ثم) من ينتظر منهم يزدحمون يتركون الأمكنة التى صلوا فيها لأجل استماع الخطبة، أو حرصًا على التمسح بالخطيب إذا نزل. والسنة بقاء الجميع في أماكنهم حتى يفرغ الإمام من الخطبة، ففى البخارى وغيره عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: "كان رسول الله ﵌ يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم" وهو صريح في عدم الانصراف، وأن السنة لمن يريد سماع الخطبة في العيد أن يستمر في مكانه الذى صلى فيه، وروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال يوم عيد: "من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة" ذلك أن الخطبة من سنن العيد. وغير خاف أن انتقال هؤلاء عن أماكنهم يحدث تهويشًا ليس على الإمام وحده. (فعلى) الخطباء تحذير الناس من ذلك في الخطبة حتى يرجعوا عن هذه المخازى. ومن البدع المخالفة للسنة أن يمسك الخطيب السيف الخشبى على المنبر، فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يأخذ بيده سيفًا أوغيره وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس قبل أن يتخذ له المنبر ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف البتة وما يظنه بعض الناس أنه كان دائمًا يعتمد على السيف وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قد قام بالسيف فمن عدم الوقوف على هديه صلوات الله وسلامه عليه فإنه لم يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف أو قوس أو غيرهما، والدين إنما قام بالوحى، وأما السيف فقد شرع دفاعًا عن الدين وأهله ولمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي ﵌ التى كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف كما سيأتى في بدع الاعتقادات. ومن البدع المذمومة الدكة التى يصعد عليها المؤذنون والمبلغون وقارئ سورة الكهف يوم الجمعة، وكذا الكرسى الذى يعد لذلك في معظم المساجد. (أما) الأذان فقد علمت أنه يمنع داخل المسجد فكيف تصنع له دكة فيه، (وأما) الكرسى فلا ضرورة تدعو إليه لوجهين: (الأول): أنه يشغل من المسجد موضعًا كبيرًا وهو وقف على المصلين لصلاتهم. (الثانى): أنهم يقرءون عليه السورة وقد علمت الحال فيها، وأول من أحدث بدعة القراءة

стр. 179

في المصحف على الكرسى في المسجد الحجاج الثقفى ولم يكن ذلك من عمل السابقين. (وأما التبليغ جماعة) الذى عملوا لأجله الدكة فهو غير مشروع بهذه الصفة التى هم عليها، بل هو من البدع التى أدت إلى مفاسد فكيف يعمل له دكة لا سيما من مال الوقف. قال في "المدخل" ما ملخصه: إن التبليغ جماعة يوقع خللًا في الصلاة، ذلك أنهما يبلغون مثنى بعضهم على صوت بعض مع رفع أصواتهم بالتكبير في الصلاة على ما يعلم من زعقاتهم وذلك يذهب الحضور والخشوع أو بعضه ويذهب السكينة والوقار، وقد اختلف العلماء في صحة صلاة المُسمع الواحد والصلاة به وبطلانها على أربعة أقوال: تصح، لا تصح، الفرق بين أن يأذن الإمام فتصح أو لا فلا تصح، والفرق بين أن يكون صوت الإمام يعمهم فلا تصح أو لا فتصح، فإذا كان هذا في تبليغ الواحد فأولى جريان الخلاف في صحة صلاتهم وبطلانها في تبليغ الجماعة على صوت واحد، وهذا إذا أتوا كلهم بالتكبير كاملًا في جميع الصلاة. وأما على ما يفعلونه اليوم من كونهم يتواكلون في التكبير ويديرونه بينهما ويقطعونه ويوصلونه فبعضهم يبتدئ التكبير فيقول: الله ويمد صوته ثم يبتدئ الآخر أثناء الكلمة نفسها واصلًا صوته بصوت صاحبه قبل انقطاعه مبالغة في رفع صوته عمدًا، وفاعل هذا لم يأت بالتكبير على وجهه. فلا شك أنه شغل في الصلاة بزيادة غير شرعية ولا لضرورة شرعية فتبطل صلاتهم بلا خلاف ويقع أيضًا بذلك التهويش والتخليط (ثم) إن التبليغ جماعة في الصلاة أدى إلى مخالفة السنة؛ لأنَّه يصير الإمام في حكم المأموم لأن المكبرين يطولون في التكبير والإمام ينتظر فراغهم منه لينتقل إلى الركن الذى يليه. اهـ. وفي "حواشى الدر" رفع الصوت لغير حاجة كما يكره للإمام يكره للمبلغ، وفى حاشية أبى السعود التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بلغهم صوت الإمام مكروه. وفى "السيرة الحلبية" اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ بدعة مكروهة وعند الحاجة إليه مستحب، هذا كله ما لم يقصد إعجاب الناس

стр. 180

بصوته والتغنى به وزيادة علوه كما يقع كثيرًا في زماننا فلا يبعد بطلان صلاته حينئذ، ففى "الدر المختار": "صلى رسول الله ﵌ آخر صلاته قاعدًا والناس خلفه قيام وأبو بكر يبلغهم تكبيره" وبه علم جواز أصل رفع الصوت للمبلغ، أما ما تعارفوه في زماننا فلا يبعد أنه مفسد إذ الصياح ملحق بالكلام. انتهى فتح، وفى "حواشى الدر" زيادة على هذا فارجع إليها إن شئت. وعند السادة المالكية: الأفضل أن يرفع الإمام صوته يستغنى عن مسمع (مبلغ). وقالت السادة الشافعية: يسن للإمام ومثله المبلغ أن يجهر بالتكبير والتسميع إن احتيج إليه فإن لم يحتج إلى الجهر المذكور كان مكروهًا وعلى كل حال إذ قصد الإمام أو المسمع بتكبيره الذكر فقط أو مع الإعلام صحت صلاته وإن قصد الإعلام فقط أو أطلق بطلت على المعتمد، وقصد الذكر شرط عند كل تكبير. هذا حكم التبليغ في المذاهب الأربعة. فتحصل أن التبليغ له أصل في السنة، وأن غالب الناس وضعوه في غير موضعه واستعملوه على غير كيفيته بما علمت، وبأنك ترى خلف الإمام مأمومًا واحدًا يرفع صوته بكيفية مزعجة، ويقع مثل ذلك إذا كان خلفه اثنان أو ثلاثة مثلًا. وقد يكون المسجد صغيرًا يعمه صوت أضعف إمام ويقع التبليغ فيه على وجه يشوش على من بالمسجد، والتشويش حرام بلا خلاف، نسأل الله تعالى السلامة والهداية. ومن البدع المكروهة تمكين الأطفال من المسجد، ففى الحديث عنه ﵌: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وجمروها أيام جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم" أخرجه المنذرى. جمروها: كبخروها وزنًا ومعنى، والمطاهر: جمع مِطْهرة بالكسر والفتح لغة: وهو كل إناء يتطهر به، وذلك لما فيه من الامتهان وعدم صيانته لاسيما إذا كان لتعليم القرآن فيه؛ لأن عدم الصيانة محقق كما هو مشاهد، فخير مافعلت الرياسة الدينية، من تطهير الجامع الأزهر الشريف بإخراج مكاتب الصبيان منه، ومن
следующие страницы →