فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج لربه فلا يؤذ بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة" رواه أبو داود.
(الثانى): فيه رفع الأصوات في المسجد لغير حاجة شرعية وقد ورد النهى عنه، روى مالك في "الموطأ" أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: "إن المصلى يناجى ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن"، وقال ﵊ للإمام على ﵁ وكرم الله وجهه: "يا على لا تجهر بقراءتك ولا بدعائك حيث يصلى الناس فإن ذلك يفسد عليهم صلاتهم" رواه في المدخل.
وفي "الدر المختار" يحرم رفع الصوت في المسجد إلا للمتفقهة، وقال ابن العماد الشافعى ﵀: تحرم القراءة جهرًا على وجه يشوش على نحو مُصَلٍّ، وفى مختصر سيدى خليل وشرحه: يكره رفع الصوت بقراءة القرآن في المسجد خوف التشويش على المصلين والذاكرين، فإن شوش حرم اتفاقًا.
(الثالث): كونه مخالفًا لما كان في زمن النبي ﷺ وزمن أصحابه فمن بعدهم، وصح أن أصحاب رسول الله ﵌ كانوا يكرهون رفع الصوت بالذكر والقرآن لا سيما في المساجد، فإذا كان معه تهويش لا يشك في التحريم (نعم) ورد النص على فضل قراءة هذه السورة ليلة الجمعة ويومها لكن ليس على هذا الوجه المعروف، بل يقرأ لنفسه في بيته مطلقًا أو في المسجد بدون رفع الصوت، روى البيهقي وحسنه السيوطى: "من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق"، وروى الحاكم والبيهقى من حديث ابن مسعود: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين السماء والأرض".
وفى "قرة العين" وشرحها "فتح المعين" للعلامة زين الدين الشافعى ما نصه: ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيرها إن حصل به تأذ لمصل أو نائم كما صرح به النووى في كتبه. وقال شيخنا في "شرح العباب": ينبغى حرمة الجهر بالقراءة في
المسجد وحمل كلام النووى على ما إذا خيف التأذى وعلى كون القراءة في غير المسجد. انتهى.
وكتب الحنفية والحنابلة والمالكية صريحة في أن قراءة السورة على هذه
стр. 177
الكيفية المعتادة ممنوعة، هذا إلى ما يكون من إعراض الناس عن استماعها لا سيما إذا كان القارئ غير حسن الصوت فيقعون في الحرج ويقع القارئ في جريمة تعريض القرآن للإهانة. ومعلوم أن احترام القرآن واجب فلا يقرأ في الأسواق ومواضع الاشتغال، فإذا قرأ فيها كان هو المضيع لحرمته وكان الإثم عليه دون أهل الاشتغال دفعًا للحرج. وقد أصبحت هذه البدعة مألوفة للناس يعدونها من الشعائر الدينية والوظائف الشرعية، فعلى المرشد إذا تعرض لها أن يكون حكيمًا حتى لا يثير فتنة. ولا يعزب عنك أنها من البدع الإضافية.
ومن البدع المكروهة تسامر الناس في المساجد بحديث الدنيا وربما علت أصواتهم وارتفع ضحكهم وكثر تصفيقهم الحاد وتصفيرهم المزعج، وفى هذا هتك لحرمة بيوت الله تعالى التى أعدها لعبادته وإيذاء للمصلين ومنع للمتعبدين، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم ليس للَّه فيهم حاجة" رواه ابن حبان في صحيحه.
وعن الحسن ﵁: "يأتى على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس للَّه فيهم حاجة".
ومن البدع المكروهة افتتاح خطبة العيد بالتكبير كما يفعله خطباء المساجد اليوم فإنه مخالف لهديه صلوات الله وسلامه عليه في خطبه، قال الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد" ما نصه: وكان صلوات الله وسلامه عليه لا يخطب خطبة إلَّا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء أنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم فيه سنة عن النبي ﷺ ، وسنته تقتضى خلافه وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله. اهـ.
ومنها: اجتماع الناس يوم العيد بالمساجد وانقسامهم إلى طائفتين كل واحدة منهما ترد على الأخرى بالتكبير المعروف، فإن السنة أن يكبر المسلمون في البيوت والطرقات ومصلاهم كل على انفراد على ما هو معروف في كتب الفروع.
ومن البدع المكروهة انصراف بعض الناس عقب صلاة العيد تاركًا سماع
الخطبتين، والبعض ينصرف عقب الخطبة الأولى تاركًا استماع
стр. 178
الثانية مع ما فيه من اختراق الصفوف وتخطى الرقاب (ثم) من ينتظر منهم يزدحمون يتركون الأمكنة التى صلوا فيها لأجل استماع الخطبة، أو حرصًا على التمسح بالخطيب إذا نزل. والسنة بقاء الجميع في أماكنهم حتى يفرغ الإمام من الخطبة، ففى البخارى وغيره عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: "كان رسول الله ﵌ يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم" وهو صريح في عدم الانصراف، وأن السنة لمن يريد سماع الخطبة في العيد أن يستمر في مكانه الذى صلى فيه، وروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال يوم عيد: "من شهد الصلاة معنا فلا يبرح حتى يشهد الخطبة" ذلك أن الخطبة من سنن العيد. وغير خاف أن انتقال هؤلاء عن أماكنهم يحدث تهويشًا ليس على الإمام وحده. (فعلى) الخطباء تحذير الناس من ذلك في الخطبة حتى يرجعوا عن هذه المخازى.
ومن البدع المخالفة للسنة أن يمسك الخطيب السيف الخشبى على المنبر، فإن النبي صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يأخذ بيده سيفًا أوغيره وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس قبل أن يتخذ له المنبر ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف البتة وما يظنه بعض الناس أنه كان دائمًا يعتمد على السيف وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قد قام بالسيف فمن عدم الوقوف على هديه صلوات الله وسلامه عليه فإنه لم يحفظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف أو قوس أو غيرهما، والدين إنما قام بالوحى، وأما السيف فقد شرع دفاعًا عن الدين وأهله ولمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبي ﵌ التى كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف كما سيأتى في بدع الاعتقادات.
ومن البدع المذمومة الدكة التى يصعد عليها المؤذنون والمبلغون وقارئ سورة الكهف يوم الجمعة، وكذا الكرسى الذى يعد لذلك في معظم المساجد. (أما) الأذان فقد علمت أنه يمنع داخل المسجد فكيف تصنع له دكة فيه، (وأما) الكرسى فلا ضرورة تدعو إليه لوجهين:
(الأول): أنه يشغل من المسجد موضعًا كبيرًا وهو وقف على المصلين لصلاتهم.
(الثانى): أنهم يقرءون عليه السورة وقد علمت الحال فيها، وأول من
أحدث بدعة القراءة
стр. 179
في المصحف على الكرسى في المسجد الحجاج الثقفى ولم يكن ذلك من عمل السابقين.
(وأما التبليغ جماعة) الذى عملوا لأجله الدكة فهو غير مشروع بهذه الصفة التى هم عليها، بل هو من البدع التى أدت إلى مفاسد فكيف يعمل له دكة لا سيما من مال الوقف. قال في "المدخل" ما ملخصه: إن التبليغ جماعة يوقع خللًا في الصلاة، ذلك أنهما يبلغون مثنى بعضهم على صوت بعض مع رفع أصواتهم بالتكبير في الصلاة على ما يعلم من زعقاتهم وذلك يذهب الحضور والخشوع أو بعضه ويذهب السكينة والوقار، وقد اختلف العلماء في صحة صلاة المُسمع الواحد والصلاة به وبطلانها على أربعة أقوال: تصح، لا تصح، الفرق بين أن يأذن الإمام فتصح أو لا فلا تصح، والفرق بين أن يكون صوت الإمام يعمهم فلا تصح أو لا فتصح، فإذا كان هذا في تبليغ الواحد فأولى جريان الخلاف في صحة صلاتهم وبطلانها في تبليغ الجماعة على صوت واحد، وهذا إذا أتوا كلهم بالتكبير كاملًا في جميع الصلاة.
وأما على ما يفعلونه اليوم من كونهم يتواكلون في التكبير ويديرونه بينهما ويقطعونه ويوصلونه فبعضهم يبتدئ التكبير فيقول: الله ويمد صوته ثم يبتدئ الآخر أثناء الكلمة نفسها واصلًا صوته بصوت صاحبه قبل انقطاعه مبالغة في رفع صوته عمدًا، وفاعل هذا لم يأت بالتكبير على وجهه. فلا شك أنه شغل في الصلاة بزيادة غير شرعية ولا لضرورة شرعية فتبطل صلاتهم بلا خلاف ويقع أيضًا بذلك التهويش والتخليط (ثم) إن التبليغ جماعة في الصلاة أدى إلى مخالفة السنة؛ لأنَّه يصير الإمام في حكم المأموم لأن المكبرين يطولون في التكبير والإمام ينتظر فراغهم منه لينتقل إلى الركن الذى يليه. اهـ.
وفي "حواشى الدر" رفع الصوت لغير حاجة كما يكره للإمام يكره للمبلغ، وفى حاشية أبى السعود التبليغ عند عدم الحاجة إليه بأن بلغهم صوت الإمام مكروه.
وفى "السيرة الحلبية" اتفق الأئمة الأربعة على أن التبليغ حينئذ بدعة مكروهة وعند الحاجة إليه مستحب، هذا كله ما لم يقصد إعجاب الناس
стр. 180
بصوته والتغنى به وزيادة علوه كما يقع كثيرًا في زماننا فلا يبعد بطلان صلاته حينئذ، ففى "الدر المختار": "صلى رسول الله ﵌ آخر صلاته قاعدًا والناس
خلفه قيام وأبو بكر يبلغهم تكبيره" وبه علم جواز أصل رفع الصوت للمبلغ، أما ما تعارفوه في زماننا فلا يبعد أنه مفسد إذ الصياح ملحق بالكلام. انتهى فتح، وفى "حواشى الدر" زيادة على هذا فارجع إليها إن شئت.
وعند السادة المالكية: الأفضل أن يرفع الإمام صوته يستغنى عن مسمع (مبلغ).
وقالت السادة الشافعية: يسن للإمام ومثله المبلغ أن يجهر بالتكبير والتسميع إن احتيج إليه فإن لم يحتج إلى الجهر المذكور كان مكروهًا وعلى كل حال إذ قصد الإمام أو المسمع بتكبيره الذكر فقط أو مع الإعلام صحت صلاته وإن قصد الإعلام فقط أو أطلق بطلت على المعتمد، وقصد الذكر شرط عند كل تكبير. هذا حكم التبليغ في المذاهب الأربعة.
فتحصل أن التبليغ له أصل في السنة، وأن غالب الناس وضعوه في غير موضعه واستعملوه على غير كيفيته بما علمت، وبأنك ترى خلف الإمام مأمومًا واحدًا يرفع صوته بكيفية مزعجة، ويقع مثل ذلك إذا كان خلفه اثنان أو ثلاثة مثلًا. وقد يكون المسجد صغيرًا يعمه صوت أضعف إمام ويقع التبليغ فيه على وجه يشوش على من بالمسجد، والتشويش حرام بلا خلاف، نسأل الله تعالى السلامة والهداية.
ومن البدع المكروهة تمكين الأطفال من المسجد، ففى الحديث عنه ﵌: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وجمروها أيام جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم" أخرجه المنذرى. جمروها: كبخروها وزنًا ومعنى، والمطاهر: جمع مِطْهرة بالكسر والفتح لغة: وهو كل إناء يتطهر به،
وذلك لما فيه من الامتهان وعدم صيانته لاسيما إذا كان لتعليم القرآن فيه؛ لأن عدم الصيانة محقق كما هو مشاهد، فخير مافعلت الرياسة الدينية، من تطهير الجامع الأزهر الشريف بإخراج مكاتب الصبيان منه، ومن
стр. 181
الحديث يؤخذ كراهة رفع الأصوات في المساجد وكثرة اللغط، وقد أصبحت المساجد الشهيرة اليوم بالأسواق أشبه فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.
ومن البدع المكروهة رفع الصوت بالذكر في المسجد كما يقع من أرباب الطرق الذين ينصبون حلقات الذكر (المحرف)، وكذا رفع الصوت بالقرآن فيه إذ
المطلوب في القراءة والذكر السر، لحديث: "السر بالقرآن كالسر بالصدقة" رواه غير واحد، ولقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١): أي اذكر سرًّا تذللًا وخوفًا منه تعالى ﴿وَ﴾: فوق السر، ﴿دُونَ الْجَهْرِ﴾: أي قصدًا بينهما، ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: أول النهار وآخره، ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى. وفسر الاعتداء في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) بالجهر بالدعاء. وممَّا جاء في الحض على ترك الجهر بالذكر والدعاء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٣): أي وإن تجهر بذكر الله من دعاء وغيره فاعلم أنه غنى عن جهرك لأنَّه تعالى يعلم ما أسررته للغير وأخفى منه وهو ما لم تبح به لأحد. وقد صح عن ابن مسعود ﵁: "أنه سمع قومًا اجتمعوا في مسجد يهللون ويصلون على النبي ﷺ جهرًا فذهب إليهم وقال: ما عهدنا ذلك على عهده ﷺ ، وما أراكم إلَّا مبتدعين فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد".
(ومن هذا) ظهر لك حال ما ابتدع الناس من قراءة العشر جهرًا قبل الشروع في الصلاة خصوصًا العصر، وكذلك الجهر بختم الصلاة المعروف، فإن كل ذلك على هذه الكيفية المعروفة من البدع المكروهة من حيث أنه جعل شعارًا للصلاة جماعة في وقتها، ووضع الشعائر من اختصاصات الشارع وليس لغيره أن يحدث شيئًا من الشعائر من عند نفسه، وسيأتى هذا في بدع العبادات.
ومن البدع المكروهة تزويق المساجد وزخرفة المحاريب وهى أشد كراهة من زخرفة بقية أجزاء المسجد؛ لأنَّه يشغل قلب المصلى، ولأن شيئًا من ذلك لم يكن في العهد الأول، وأمر عمر ﵁ ببناء مسجد وقال للبناء: أكِنَّ الناسَ من المطر وإيَّاك أن تُحَمِّرَ أو تُصفِّرَ، وأول
стр. 182
من ابتدع زخرفة المساجد الوليد بن عبد الملك لَمَّا بعث خالد بن عبد الله القسرى. (وعلى الجملة) فقد كان السلف رضى الله
عنهم يكرهون تزويق المساجد والقبلة بالزخرف وتحلية المصاحف، وفى الخبر: "إذا ما زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم" كذا في "القوت" لأبي طالب المكى.
وأما اتخاذ المحاريب فلم يكن في زمانه ﷺ محراب قط، ولا زمان الخلفاء الأربعة فمن بعدهم، وإنما حدث في آخر المائة الأولى مع ورود الحديث بالنهى عن اتخاذه، وأنَّه من شأن الكنائس، وأن اتخاذه في المساجد من أشراط الساعة.
روى البيهقي من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا هذه المذابح" يعنى المحاريب، وعن ابن مسعود ﵁: "أنه كره الصلاة في المحراب وقال: إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب" أخرجه البزار، وفى "مصنف ابن أبي شيبة" عن موسى الجهنى قال: قال رسول الله ﵌: "لا تزال هذه الأمة - أو قال: أمتى - بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى"، وفيه أيضًا عن أبى ذر قال: "إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد" ومن أراد الزيادة على هذا فليرجع إلى "المنهل العذب المورود شرح سنن أبى داود".
(وعلى الجملة) فهذا قليل من كثير في بدع المساجد تركناه إتكالًا على فطانة. المرشد وكمال استعداده، على أن بدع المساجد الآن صارت من الوظائف، يعيش بها كثير من الناس، ويصعب على المرشدين محاربتها مهما أوتوا من علم وحكمة، ولا دواء لإزالتها إلا أن تقوم الخطباء أولًا بإقناع العامة بأن هذه الأمور الواقعة في المساجد هى من البدع والحدث في الدين، ثم تطلب من وزارة الأوقاف العمل على إماتتها، وهى وزارة إسلامية رشيدة لا تريد سوى العناية بالشعائر الدينية الصحيحة وإصلاح المعابد والمساجد التى أعدت لإقامتها، وفى ظننا أن ذلك سهل الحصول بعد أن صارت إدارة المساجد في يد رجل حكيم نابغ من العلماء، والله تعالى يقول الحق وهو يهدى السبيل.
* * *
стр. 183
الفصل الثانى في بِدَع المقَابِر والأضرِحَة وزيارة القُبُور
اعلم أن بدع المقابر والأضرحة كثيرة، وقد طال فيها كلام العلماء وأفردت بالتآليف، ونحت نذكر لك من هذه البدع الأهم فالأهم، سالكين سبيل الاعتدال متجنبين إن شاء الله تعالى طرفى الإفراط والتفريط فنقول:
(من هذه البدع) اتخاذ الناس المقابر والأضرحة موسمًا من مواسمهم وعيدًا من أعيادهم يشدون إليها الرحال كما تشد لزيارة بيت الله الحرام ويبيتون عندها الليالى ذوات العدد وهناك تصنع ألوان الأطعمة وتذبح الذبائح وتنصب ملاعب الصبية وتقام أسواق الباعة.
وأعياد المقابر أسبوعية لهم فوق ذلك عادات في المواسم الشرعية من عيد الفطر والأضحى وأول رجب، ولغالب الأضرحة مواسم وأعياد أسبوعية خلاف الموالد تسمى بالحضرة كليلة الثلاثاء ويومه للإمام الحسين ﵁، وليلة السبت ويومه للإمام الشافعى ﵀، وهكذا لكل ولى عندهم وقت معلوم تجتمع فيه العامة والخاصة من الرجال والنساء ومعهم الأطفال لزيارته على الوجه المعروف.
وهذه البدعة ورد النهى عنها صريحًا مع ما ينشأ عنها من الشرور والمفاسد، فمن ذلك ما روى أبو داود وغيره عن أبى هريرة ﵁ أنه ﵊ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، ولا تجعلوا قبرى عيدًا وصلوا على أينما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم"، وعن سهل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب ﵁ عند القبر، فنادانى وهو ببيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريد، فقال: ما لي رأيتك عند القبر، فقلت: سلمت على النبي ﷺ فقال: لذا دخلت المسجد؟ ثم قال: إن رسول الله ﷺ : "لا تتخذوا بيتى عيدًا ولا بيوتكم مقابر وصلوا علىّ فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم" فما أنت ومن بالأندلس إلا سواء منه ﵊. رواه
سعيد بن منصور في سننه، وإذا ثبت هذا بالنسبه إلى قبر النبي ﷺ وهو سيد القبور وأفضلها فقبر غيره أولى بالنهى كائنًا من كان.
стр. 184
وقوله: "لا تتخذوا بيوتكم مقابر" أمر بتحرى النافلة في البيوت حتى لا تكون بمنزلة القبور، كما أن النهى عن اتخاذها تضمن النهى عن تحرى العبادة عند القبور، ولذا قال: فإن صلاتكم وتسليمكم مع بعدكم وقربكم سواء لا حاجة بكم إلى اتخاذها عيدًا، كما اتخذ المشركون من أهل الكتاب قبور أنبيائهم وصالحيهم عيدًا، فإن اتخاذ القبور عيدًا هو من أعمالهم التى كانوا عليها قبل ظهور الإسلام، وقد كانت لهم أعياد زمانية وأعياد مكانية أبطلها الله تعالى بالإسلام وعوض عن أعيادهم الزمانية عيدى الفطر والنحر وأيام منى، كما عوض عن أعيادهم المكانية الكعبة البيت الحرام وعرفات ومنى والمشاعر.
وأما الفاسد التى تنشأ عن ذلك فكثيرة:
(منها) أن النساء قد اتخذن ذلك ميدانًا لشهواتهن فيتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ويتزين للخروج إلى المقابر والأضرحة بأجمل زينة ويتهتكن بأقبح صورة: لا دين يمنعهن، ولا أدب يردعهن، وكثير منهن يركبن على الدواب في الذهاب والرجوع ويمسهن المكارى (العربجى) في إركابهن وإنزالهن وتقر المحادثة بينهما كأنه زوجها أو ذو محرم منها، وكثيرًا ما يشترك الرجال والنساء الأجانب في مركوب واحد على ازدحام شديد مع تمام التبرج والزينة. والتبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب، وهو من أقبح البدع التى ستذهب بالقومية المصرية إن لم يتداركها الله بالغيورين العاملين. هذا في الذهاب والعودة.
(وأما) في حال زيارتهن للقبور فالأمر أشنع وأفظع فإنهن يخالطن الرجال مع كثرة الخلوات هناك وتيسر الدور وكشفهن لوجوههن، وهناك يختلط بهن الشرار من الشبان في مزاح ومداعبة وكثرة ضحك مع الغناء في موضع الخشية والاعتبار والذل، وخروجهن على هذه الأحوال نهارًا محل ريبة فكيف به ليلًا!؟
(وعلى الجملة) فما يترتب على خروجهن إلى المقابر من الفسوق والخروج عن حدود الآداب كثير مشاهد، يستغيث منه الدين وتتألم منه الإنسانية، ويذهب معه الحياء والمروءة وتتأذى به الأموات في قبورهم؛ لأن أرواحهم خرجت من النوم إلى اليقظة، ومن الهزل إلى الجد، وصارت لا تميل إلى مثل هذه السفاسف، بل
لا تهوى سوى الحق والكمال،
стр. 185
فكيف السكوت على هذا من زوج أو ذى غيرة على الدين والعرض!؟ فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.
ومن هذه المفاسد ما يقع عند الموتى ممَّا يكرهونه ويتأذون منه، من الجلوس على المقابر والوطء عليها، فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" رواه مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه، وكذا الاستناد إليها، فعن عمرو ابن حزم قال: رآنى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم متكئًا على قبر فقال: "لا تؤذ صاحب هذا القبر" رواه الإمام أحمد، وكذا البول والتغوط عندها وكثرة اللغط الذى يكون من الازدحام والبيع والشراء وأصوات الأراجيح وغيرها من كل ما يخالف الدين ويحول بين القلوب والخشية، وبين الموتى والرحمة مع أن قصد الزيارة إنما هو نوال الإحسان إلى نفس الزائر وإلى الميت.
(أما إحسانه إلى نفسه) فبتذكر الموت والآخرة والزهد في الدنيا والاتعاظ بحال الميت كما في الحديث: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" رواه مسلم وغيره، وعن على ﵁ أنه ﵌ قال: "إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة" رواه الإمام أحمد. وعن ابن مسعود ﵁ أنه ﵌ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" رواه ابن ماجه. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة" رواه الإمام أحمد.
وذلك أن الإنسان إذا شاهد القبور، وتذكر الموت وانقطاع هذه الحياة، وانقضاء ما ألفه من اللذات والشهوات، وتفكر فيما يصير إليه من ضيق اللحود وصولة الدود، وهو لا يدرى ما يؤول إليه من شدة الحساب وصعوبة الجواب، دخل قلبه الروع وحضرته الخشية وكان له ذلك عظة واعتبارًا، وكان الربيع بن خيثم إذا وجد غفلة خرج إلى القبور وبكى ويقول: كنا وكنتم، ثم يحيى الليل كله فيصبح كأنه نشر من قبره، وهذا
стр. 186
الغرض من الزيارة يكون برؤية القبور من غير معرفة أصحابها ولو قبور الكفار، ومن الزيارة التى يرجع نفعها إلى الزائر ما تكون لأداء حق كصديق ووالد فإنها وفاء وبر.
وأما إحسانه إلى الميت فبالسلام عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية، وحينئذ فتسن الزيارة لكل مسلم، ففى الحديث الصحيح عن بريدة رضى الله عنه: "أنه ﵌ كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم يا أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العافية" رواه مسلم، وفى حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: مر رسول الله صلي ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلاح عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" رواه الترمذى وحسنه. والأثَرَ بفتحتين وررى بكسر فسكون: أي على عقبكم.
فإنه ﵌ بين لنا فائدة زيارة القبور، وهى إحسان الزائر إلى نفسه بتذكر الموت والآخرة والزهد في الدنيا والاتعاظ والاعتبار، وإلى أهل القبور بالسلام عليهم كما كانوا في حال حياتهم، والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية من جميع المحن.
فينبغى لمن يزور قبر الميت وليًّا كان أو غيره من المؤمنين أن يسلم عليهم ويسأل لهما العافية ويستغفر ويترحم، ثم يعتبر بحال من زار وما صار إليه حاله، وماذا سئل عنه، وبماذا أجاب، وهل قبره روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ثم يجعل نفسه كأنه مات ودخل القبر وذهب عنه أهله وماله وولده ومعارفه وبقى وحيدًا فريدًا ليس معه سوى عمله وهو الآن يسأل، فماذا يجيب، وما يكون حاله؟ ويملأ قلبه بهذا الاعتبار ويتعلق بمولاه بالخلاص من هذه الأمور الخطيرة التى لا يخلص منها إلا الاستقامة مع إحسان الله ورحمته، فعن أنس ﵁ أنه ﵌ قال: "يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله" متفق عليه.
* * *
стр. 187
المبِيت في المَقَابِر
(ومن هذه المفاسد) المبيت (١) فيها وإيقاد السراج والشمع ونحوه على القبور، ففى الحديث عن ابن عباس ﵄ أنه ﵊: "لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أبو داود والترمذى وحسنه، وقد نهى ﵌ عن أن يتبع الميت بنار فكيف يفعل ذلك على قبره؟ قال العلامة البركوى: فكل ما لعن رسول الله ﷺ فهو من الكبائر. وقد صرح الفقهاء بتحريمه إذا لو كان اتخاذ السرج عليها مباحًا لم يلعن من فعله. واللعن لما فيه من تضييع المال في غير فائدة، والإفراط في تعظيم القبور تشبهًا بتعظيم الأصنام.
ولهذا قال العلماء: لا يجوز النذر للقبور لا شمع ولا زيت ولا غير ذلك فإنه نذر معصية لا يجوز الوفاء به بالاتفاق ولا أن يوقف عليها شيء لأجل ذلك فإن هذا الوقف لا يصح ولا يحل إثباته وتنفيذه، ففى "الدر المختار" وحواشيه من كتب الحنفية ما ملخصه:
اعلم أن النذر الذى يقع للأموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم أو الشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربًا إليهم كأن يقول: يا سيدى فلان إن رد غائبى أو عوفى مريضى أو قضيت حاجتى فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا فهو بالإجماع باطل وحرام لوجوه:
(منها): أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز لأنَّه عبادة وهى لا تكون إلَّا لله، (ومنها): أن المنذور له ميت والميت لا يملك، (ومنها): أنه أن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى فاعتقاده ذلك كفر والعياذ بالله.
اللهم إلَّا أن قال: يا الله إنى نذرت لك إن شفيت مريضى أو رددت غائبى
أو قضيت حاجتى أن أطعم الفقراء الذين بباب الولى الفلانى أو أشترى
стр. 188
حصرًا لمسجده أو زيتًا لوقوده أو دراهم لمن يقوم بشعائره .. إلى غير ذلك ممَّا فيه نفع للفقراء والنذر لله ، وذكر الولى إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده فيجوز بهذا الاعتبار، ولا يجوز أن يصرف ذلك لغنى ولا لشريف ذى منصب أو ذى نسب أو علم ما لم يكن فقيرًا ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للأغنياء. اهـ.
(وجملة القول) أن الإجماع على حرمة النذر للمخلوق، وأنَّه لا ينعقد ولا تشتغل الذمة به، فله أن يتصرف فيه في حوائج نفسه ولا يجوز لخادم الشيخ أخذه إلا أن يكون فقيرًا أو عياله فقراء فيأخذونه على سبيل الصدقة المبتدأة، وأخذه أيضًا مكروه ما لم يقصد الناذر التقرب إلى الله تعالى وصرفه إلى الفقراء، ويقطع النظر عن نذر الشيخ، وأولى بالناس أن يتصدقوا بمثل هذه النذور على يتامى وفقراء بلادهم، فهم بها أولى، وإليها أحوج، مع ما في ذلك من توفير الراحة من عناء نقلها إلى أماكن الأولياء، إلى آخر ما هو مبسوط في الفروع فارجع إليها إن شئت.
اهتمام النِّسَاء بزيارة القُبُور
ومن المفاسد اهتمام النساء بزيارة القبور وإهمال الرجال، فقد عكس الشيطان على الناس قضية المشروع فإن الزيارة مستحبة للرجال لخبر مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة". قال الحافظ المنذرى: قد كان النبي ﷺ نهى عن زيارة القبور نهيًا عامًا للرجال والنساء ثم أذن للرجال في زيارتها واستمر النهى في حق النساء. اهـ.
وسر النهى أولًا عن زيارتها، أنه لما كان منشأ عبادة الأصنام من جهة القبور في قوم نوح نهى النبي ﷺ أصحابه في صدر الإسلام عن زيارتها سدًّا لذريعة الشرك لكونهم حديثى عهد بكفر، ثم لما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها وعلمهم كيفيتها تارة بفعله، وتارة بقوله كما مر في الأحاديث أول الفصل.
أما زيارة النساء للقبور فمن العلماء من حرمها مطلقًا، ومنهم من فصل بين الشابة وغيرها. قال في المدخل: إنما هذا الخلاف في نساء ذلك الزمان
стр. 189
وكن على ما يعلم عن عادتهن في الاتباع، وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجواز ذلك، فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يعلم في الشرع من الستر لا على ما يعلم من عادتهن الذميمة في هذا الزمان.
ومن المفاسد الفاشية (تقبيل واستلام قبور الأولياء) والأنبياء والعلماء صرح به الإمام النووى ﵀، وترخيص بعضهم في هذا الاستلام، وكذا في تقبيل قبور من ذكروا بقصد التبرك لا سند له. (نعم) إذا غلبه وجد وأدب وحال فله حكم آخر.
ومن المفاسد اتخاذ الملاهى والملاعب عند المقابر، وكذا كثرة المزاح والضحك وإنشاد القصائد، يقع هذا في موطن الخشوع والاعتبار وما هو جدير بالحزن والخشية، فعنه ﵌: "أن الله يكره لكم ثلاثًا: العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك عند المقابر" رواه غير واحد من طرق مختلفة. والرفث: الفحش في القول.
ومن البدع السيئة الطواف حول الأضرحة، فإنه لم يعهد عبادة إلَّا بالبيت، وكذا لم يشرع التقبيل والاستلام إلَّا للحجر الأسود. (قال في المدخل) فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة الحرام ويتمسح به ويقبله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك (١) وذلك كله من البدع؛ لأن التبرك إنما هو بالاتباع له ﵊، وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب، ولأجل ذلك كره علماؤنا رحمة الله عليهم التمسح بجدار الكعبة أو بجدران المسجد أو بالمصحف إلى غير ذلك مما يتبرك به سدًّا لهذا الباب، ولمخالفة السنة؛ لأن صفة التعظيم موقوفة عليه ﵌ فكل ما عظمه رسول الله ﵌ نعظمه ونتبعه فيه.
فتعظيم المصحف قراءته والعمل بما فيه لا تقبيله ولا القيام إليه كما يفعله
بعضهم في هذا الزمان، وكذلك المسجد تعظيمه الصلاة فيه لا التمسح بجدرانه، وكذلك الورقة يجدها الإنسان في الطريق فيها اسم من أسمائه
стр. 190
تعالى أو اسم نبى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ترفيعه إزالة الورقة من موضع المهنة إلى موضع ترفع فيه لا بتقبيلها، وكذلك الولى تعظيمه أتباعه لا تقبيل يده وقدمه ولا التمسح به، فكذلك ما نحن بسبيله تعظيمه باتباعه لا بالابتداع عنده. اهـ.
ونقول: أما ما ذكره من كراهة القيام للمصحف وتقبيله فموضع خلاف بين الشافعية، (وأما ما ذكره) من كراهة تعظيم الولى بتقبيل يده والتمسح به ففى مسألة التقبيل خلاف، كرهها مالك ﵀ وآخرون، وقال سليمان بن حرب: قبلة اليد هى السجدة الصغرى، وعن ابن عبد البر يقال: تقبيل اليد إحدى السجدتين، وقبض هشام بن عبد الملك يده من رجل أراد أن يقبلها وقال: مه، فإنه لم يفعل هذا من العرب إلا هَلوع (١) ومن العجم إلا خَضوع.
ورخص فيه أكثر العلماء كأحمد والشافعى رحمهما الله تعالى إذا كان للدين لا للدنيا، فلا يكره تقبيل اليد لزهد وعلم وكبر سن، بل يستحب، قال الشعبى: "صلى زيد بن ثابت على جنازة فقربت إليه بغلته ليركبها فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال زيد: خل عنه يابن عم رسول الله ﷺ ، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء، فقبل زيد بن ثابت يده وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ أخرجه الطبرانى والبيهقى والحاكم وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، والمراد بالكبراء: ذوو الأسنان والشيوخ، ويكره لدنياه وثروته وشوكته ووجاهته كراهة شديدة، كذا في الأنوار.
(نعم) اتفق العلماء على كراهة مد اليد للناس ابتداء ليقبلوها فهذا ينهى عنه بلا نزاع كائنًا من كان، إنما النزاع فيما إذا كان المقبل هو المبتدئ بذلك، وفى المسألة كلام طويل بين المشايخ مذكور في كتب الفروع وشراح الحديث وفيما ذكرنا كفاية.
وأما مسألة التمسح بنحو الأولياء أنفسهم أو بشيء من آثارهم فقد وافقه على المنع من ذلك وأنَّه بدعة: المحقق الشاطبى في "الاعتصام" حيث قال: ومن
стр. 191
البدع
الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فينهى عنه أو غير بدعة فيعمل به، فمثل هذا الفعل له جهتان، والبدعة الإضافية هى الواقعة ذات وجهين، ومن أمثلة ذلك التبرك بغير آثار النبي ﷺ ممن ثبتت ولايته واتباعه للسنة أخذًا بما ثبت عن كثير من الصحابة أنهم تبركوا بآثاره ﷺ ، فقد ثبت أنهم كانوا يتمسحون بفضل وضوءه ويدلكون بنخامته وجوههم وجلودهم، وشربوا دم حجامته، وشربت خادمته بوله ﵊، وتبركوا بشعره وثوبه وغيرهما. روى البخارى عن المسور وغيره في كتاب البيوع، باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب وهو حديث طويل فيه:
(ثم إن عروة) هو عروة بن مسعود وجهته قريش عام صلح الحديبية إلى النبي ﷺ فرأى من تعظيم أصحابه له ما رأى وأخبر به قريشًا: "جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ . بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك به وجهه وجلده" تبركًا بفضلاته، وزاد ابن إسحاق: "ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه"، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشى، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له".
فهذا التبرك ظاهره أنه مشروع نظير ما وقع من الصحابة وإقرار النبي ﷺ لهم لكن عارض ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة ﵃ بعد موته ﵊ لم يقع
стр. 192
من أحد منهم شيء من ذلك، إذ لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبى بكر الصديق رضى الله عنه فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك ولا عمر ﵁، وكان أفضل الأمة بعده، ثم عثمان وعلى وسائر الصحابة ﵃ لم يثبت من طريق صحيح أن أحدًا تبرك بواحد منهم على نحو ما وقع منهم مع النبي ﵊، بل كانوا قدوة فيما اتبعوا فيه نبيهم من أحكام الدين. فهذا
إجماع منهم على ترك هذه الأشياء، إما لقيام دليل عندهم على اختصاص التبرك على هذا النحو به ﵊ لمزيد بركته، وكمال نفحاته، وطهارة روحه، بخلاف غيره فلا يبلغ شأوه وإن حصل له من الكمال ما شاء الله، فلا يصح التبرك بغيره على نحو التبرك به، وإلا فهو بدعة كما لو فعل غير ذلك من خصوصياته صلوات الله وسلامه عليه.
وإما سدًّا للذريعة (١) خوفًا من أن يجعل ذلك سنة، أو لأن العامة لا تقف فيه عند حد، بل تبالغ بجهلها في التماس البركة حتى تخرج بالمتبرك به عن الحد فتعتقد فيه ما لا يليق به، وهذا التبرك هو أصل العبادة ولأجله قطع عمر ﵁ الشجرة التى بويع تحتها رسول الله ﷺ وذكر أهل السير أن سبب عبادة الأوثان هذا التبرك، فخاف عمر ﵁ أن يتمادى الحال على تلك الشجرة فتعبد من دون الله.
وحكى أن أصحاب الحلاج بالغوا في التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله ويتبخرون بعذرته حتى ادعوا فيه الألوهية، وربما يظن بغير الولى الولاية لخفاء أمرها، لأن الجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر، فيعظمون ما ليس بعظيم، وهذا ضلال مبين.
فالسلف تركوا العمل بما تقدم وإن كان له أصل لما يلزم عليه من الفساد. والوجه الثانى هو الأظهر؛ لأن الخصوصية تحتاج إلى دليل ولو كان لظهر لنا، ويؤيد الاحتمال الأول إطباق الصحابة ومن بعدهما على الترك، فلو
стр. 193
لم يكن خصوصية لوقع من بعضهم ولو نادرًا عتمادًا على أنه المشروع أو حيث تنتفى العلة الموجبة للامتناع.
وفى الحديث عن ابن شهاب ما يدل على أن الأولى ترك هذا التبرك وأن يتحرى الإنسان ما هو أحرى وأوكد من وظائف التكليف، قال: حدثنى رجل من الأنصار أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا جلودهم، فلما رآهم يصنعون ذلك سألهم لم
تفعلون هذا؟ قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك، فقال رسول الله ﷺ : "من كان منكم يحب أن يحبه اللَّه ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة ولا يؤذ جاره" انتهى بتصرف.
ولا يخفى على المتأمل المنصف أنه لا سبيل إلى دعوى الخصوصية إذ لا دليل عليها كما اعترف هو بذلك ولا يكفى فيها الاحتمال لأنها خلاف الأصل.
* * *
الكلام مع الإمام الشاطبى ومناقشته
والذهاب إلى أن الصحابة ومن بعدهم تحاشوا مثل هذا التبرك سدًّا للذريعة إلى آخر ما سبق غير وجيه، لما هو معلوم في الأصول من أن التمسك بسد الذرائع في المنع من الشئ حيث ثبتت مشروعيته لا ينهض إلا بعد ثبوت دليل خاص يرشد إلى أن الشارع اعتبر في ذلك الشئ بخصوصه سد الذريعة، ولا يكفى اعتباره سد الذريعة في الجملة، حيث ثبت أيضا أنه لها يعتبرها في كثير من الذرائع ذلك هو أيضًا في كتاب "الموافقات".
والقياس على ما نهى عنه الشارع دون ما لم ينه عنه تحكم باطل، وأيضًا من شروط القياس إبداء الجامع ليتسنى للخصم الاعتراض عليه بالفارق، وأنى للمانعين أن يهتدوا إلى الجامع، بعد ما علمت من أن الشارع لم يمنع في كثير من الذرائع، فالتبرك بالآثار قد ثبتت مشروعيته بما وقع من الصحابة معه ﵌ من غير دليل على الخصوصية، فالمنع منه سدًّا للذرائع. بالنسبة لغيره ﵊ يحتاج إلى دليل يخصه.
وعدم وقوع مثل هذا التبرك من أحد من الصحابة إن سلم فلا ينفى
стр. 194
مشروعيته إذ لم ندع وجوبه، ولعل هناك دواعى قضت بتركه كتركهم صلاة التراويح في زمان أبى بكر وصدرًا من خلافة عمر ﵄.
ولو كان التباس الشقى بالولى مدعاة لترك التبرك بالآثار لما ندبنا الشارع إلى احترام الأولياء، ولما أساغ الرقية منهم وطلب دعواتهم والاقتداء بهم وإتخاذ المريدين لهم قادة مربين.
(وجه الملازمة) أن كل ذلك يؤدى إلى تعظيم من ليس بعظيم وإلى الاقتداء بمن لا قدوة فيه لمكان الالتباس وهو الضلال البعيد.
وما وقع من أتباع الحلاج فذلك من فرط حماقتهم وليس نتيجة مشروعية التبرك بالآثار، ألَا ترى ادعاءهم الألوهية والشرع والعقل يحيلان عليه ذلك، والتمسك بما وقع من سيدنا عمر -رضى اللّه عنه- غير ناهض لأنها وقائع أحوال، فيجوز أنه احتف به أمور اقتضت المنع.
وحديث ابن شهاب لا يدل على أولوية الترك لجواز أن يكون الغرض منه دفع توهم أن مثل هذا التبرك يكفى علامة على محبة رسول الله ﷺ فأفاد أنه لابد في شعار محبته من اتباع أوامره ﵊ كيف وقد ورد أنه ﵊ دعا لخادمته لما شربت بوله وقال: "لن تلج النار بطنك" رواه الدارقطني وقال: هو حديث صحيح، وقد صح عن الربيع بن سليمان أن الإمام الشافعى -رضى اللّه عنه- كان يتبرك بغسالة ثوب الإمام أحمد ﵀ كما ذكره صاحب "الطبقات الكبرى" في قصة طويلة، ولسنا نريد أن يكون لها منصب الدلالة، وأن تنخرط في سلك الحجاج فإن فيما سبق الكفاية، وإنما نريد مجرد الائتناس كما يقع من الإمام الغزالى وغيره. وفى الأثر: "سؤر المؤمن شفاء" وهذا لكونه أثرًا من آثار المؤمن لأنَّه مؤمن.
(وصفوة القول) أن الشارع أجاز لنا تعظيم ذوى الفضل من العلماء والصلحاء وأباح لنا احترامهم بحدود مخصوصة فلا بأس بهذا التبرك ما دام لم يخرج إلى الحد الذى تأباه الشريعة. فلا يجوز التبرك بدم غيره وبوله إذ لم يثبت طهارة ذلك بخلافه ﷺ فإن الأصح طهارة فضلاته ﵊، قال به القاضى حسين وآخرون. وفى ذلك خلاف طويل ذكره الإمام النووى في "المجموع" الجزء الأول باب الآنية.
стр. 195
الذريعة وأقسامها
بقى أن الذريعة هى الوسيلة للشئ وهى ثلاثة أقسام: ما أجمع الناس على سده، وما أجمعوا على عدم سده، وما اختفلوا فيه. (فالمجمع) على سده كالمنع من سب الأصنام عند من يعلم أنه يسب اللّه تعالى حينئذ، وكحفر الآبار في طريق المسلمين إذا علم أو ظن وقوعهم فيها، وإلقاء السم في أطعمتهم إذا عدم أو ظن أنهم يأكلونها فيهلكون، (والمجمع) على عدم سده كالمنع من زراعة العنب خشية الخمر، والتجاور في البيوت خشية الزنا، فلم يمنع شيء من ذلك ولو كان وسيلة للمحرم، والمختلف فيه كالنظر إلى المرأة؛ لأنَّه ذريعة للزنا بها، وكذلك الحديث معها.
ومن البدع الفاشية بين الناس الكتابة على القبور سواء فيها كتابة اسم الميت ونسبه أو غيرها وسواء كانت في لوح أو حجر يوضع عند رأسه أو غير ذلك كالستور التى توضع على أضرحة الأولياء والعلماء وخصوصًا كتابة القرآن فإنه لاشك في حرمته لتعريضه للامتهان والتنجيس من آثار الموتى، فقد روى أبو داود عن جابر -رضى اللّه عنه-: "أنه ﵊ نهى عن تجصيص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه" واستثنى بعضهم من ذلك كتابة أسماء الأولياء والعلماء لأجل أن يزاروا ويحترموا.
ومن هذه البدع تجصيص القبور والبناء عليها في حريم القبر أو خارجه فيتناول البناء على نفس القبر أو بناء تحويطة وقبة عليه، ومن البناء التركيبة المعروفة، ومثل البناء ما يسمى بالتابوت والمقصورة وقد تغالت الأغنياء في وضع التراكيب وإبداع المقاصير حتى صار الغرض منها الزينة والتفاخر، وهان عليهما صرف الأموال في سبيل الشيطان وما هو من شعار الجاهلية التى فطم الشارع عنها. روى مسلم في صحيحه عن جابر ﵁: "أنه ﵊ نهى عن تجصيص القبر وأن يبنى عليه" سواء أكان البناء في مقبرة مسبلة وهى ما اعتيد الدفن فيها عرف مسبلها أو لا، أم في مقبرة موقوفة، إلا إذا دعت ضرورة للبناء ارتكب بقدرها كأن يخشى نبش القبر من نحو آدمى أو سبع أو هدم سيل، قال الإمام الشافعى ﵀ في "الأم": وأحب أن لا يزاد في القبر تراب من غيره، وإنما أحب
стр. 196
أن يُشخصَ على
وجه الأرض شبرًا أو نحوه، وأحب ألَّا يبنى ولا يجصص، فإذ ذلك يشبه الزينة والخيلاء وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة، وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك. انتهى. وإنما وجب الهدم لما في البناء من الزينة والخيلاء وإضاعة المال والتشبه بالجاهلية والتضييق على الناس وبالبناء يتأبد القبر بعد اندراس الميت فيحرم الناس من الدفن في تلك البقعة.
وقد أفتى جمع من العلماء بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية منهم العلامة ابن حجر، إذ قال في "الزواجر": وتجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التى على القبور إذ هى أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول اللّه ﷺ ، لأنَّه نهى عن ذلك وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. اهـ. فينبغى لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام وكانت هذه الفتوى في عهد الملك الظاهر إذ عزم على هدم كل ما في القرافة من البناء كيف كان، فاتفق علماء عصره أنه يجب على ولى الأمر أن يهدم ذلك كله ويجب عليه أن يكلف أصحابها رمى ترابها في الكيمان.
* * *
غَرس الأشجار في الحيشان
ووجه الفتيا أبى قرافة مصر جميعها لا تخرج عن كونها موقوفة أو مسبلة ولا مساغ لاحتمال أن أحدًا من الناس وضع البناء بحق بأن كان في ملكه أو ملك غيره بإذنه، وقد صرحوا بأنه لا يجوز الانتفاع بالمقبرة المسبلة أو الموقوفة في غير الدفن (وعليه) فغرس الأشجار وإحداث البساتين داخل الحيشان من البدع المحرمة، فيجب قلع ذلك وإن تيقنا اندراس من بها، فإذا كانت القرافة مملوكة جاز ذلك بشرط أن لا يصل منه للأموات ضرر (هذا) وليس لأحد حفر قبر غيره حتى يأتى عليه مدة يعلم فيها انمحاق الميت جميعه بحيث يكون ترابًا.
(وعلى الجملة) لا يجوز بناء الحيشان والمساكن واتخاذ البساتين وإجراء المياه في المقابر، وكل ذلك بدع سيئة
стр. 197
واغتصاب لحقوق المسلمين وفيه من المفاسد
ما لا يغيب عن بصير، وليس لأحد أن يهيئ قبرًا ليدفن فيه إذا مات؛ لأنَّه تحجير على غيره ومن سبق إلى مباح كان أولى به، ويجوز له ذلك في ملكه لأنَّه لا غصب في ذلك وفيه تذكرة لمن أعد له، والسنة تهيئة القبر عقب الموت فما تدرى نفس بأى أرض تموت.
* * *
ستُور الأَضْرحَة
ومن البدع الستور التى توضع على الأضرحة ويتنافس فيها، والشيلان التى توضع كالعمامة على تابوت الأولياء والعلماء، فإن هذا مع ما فيه من صرف المال لغير غرض شرعى وفعل العبث وتضليل البسطاء من العامة على ما سيأتى، قد ورد ما يفيد النهى عنه صريحًا، ففىٍ الصحيحين عن عائشة -رضى اللّه عنها-: أن النبي ﷺ خرج في غزاة فأخذت نمطًا فسترته على الباب، فلما قدم رأى النمط فجذبه حتى هتكه ثم قال: "إن اللَّه لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين". والنمط: وزان حجر واحد الأنماط: وهى ضرب من البسط له خمل رقيق.
فالتعليل في الحديث إيماء إلى أن هذه الستور خلقت لينتفع بها الأحياء، فاستعمالها في ستر الجماد تعطل وعبث، ولكن خَدَمَةَ الأضرحة زين لهم الشيطان ذلك ليفتح لهم بابًا من الارتزاق الخبيث فتراهم إذا احتاجوا لتجديد ثوب التابوت لكل عام أو إذا بلى يوهمون العوام أن بها من البركة ما لا يحاط به وأنها نافعة في الشفاء من الأمراض ودفع الحساد وجلب الأرزاق والسلامة من كل المكاره والأمن من جميع المخاوف، فتهافتت عليها البسطاء وهان عليهم بذل الأموال في الحصول على اليسير منها، وكيف تقر البركة وهذه الستور على ما عهدت، وبناء القبور على ما علمت، ورفعها وتزيينها على ما سمعت.
إنا لا ننكر على الناس التبرك بآثار الصالحين من العلماء والأولياء، فقد تقدم أنه ثبت عن الصحابة -رضى اللّه عنهم- التبرك بآثار المصطفى صلوات اللّه وسلامه عليه، وكذا صح أن الإمام الشافعى كان يتبرك بغسالة قميص الإمام أحمد -رضى اللّه عنهما- يأخذ منها كل يوم يمسح على وجهه تبركًا
стр. 198
(ولكنا نقول) إن الآثار التى يتبرك بها يجب أن تكون من الآثار التى لا ينكرها الشرع ويصح أن تتحمل شيئًا من بركات صاحبها كاللباس والفرش والإناء، ألا ترى لو ذهب أحد في التبرك بولى إلى شرب بوله مثلًا كان آثمًا لنهى الشارع بخلاف بوله ﵊ لطهارته عند من قال بطهارة فضلاته والمسألة خلافية كما سبق.
فواجب الخاصة من العلماء أن لا يخوضوا في مثل هذه البدع خشية أن يتوسل بها الشيطان إلى تضليل العوام، فإن من أهم الأمور سد ما هو ذريعة إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما يؤول إليه ما نهى عنه، والخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته.
وقد أنكر الصحابة -رضى اللّه عنهم- ما هو دون هذا بكثير كما روى غير واحد عن المعرور بن سويد أنه قال: "صليت مع عمر بن الخطاب ﵁ في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ (١)، و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ (٢)، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعًا فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها" أخرجه الإمام ابن الجوزى في "سيرة عمر"، وكذا لما بلغه أن الناس ينتابون شجرة البيعة أرسل فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون إليها فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة.
* * *
عرائض الشكوى وإلقاؤها داخل الأضرحة
ومن البدع ما يصنعه العامة من تقديم عرائض الشكوى وإلقائها داخل الضريح زاعمين أن صاحب الضريح يفصل فيها وربما كان المطلوب إلحاق الأذى بمسلم أو مسلمة، فعلى رجال الدين أن يبينوا لهم شرع الله تعالى، ومنازل أصحاب الأضرحة عنده، وإلى من ينبغى أن ترفع هذه الشكاوى.
ومن البدع اتخاذ المقابر مساجد بالصلاة إليها، فعن أبى مرثد كناز بن الحصين -رضى اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "لا تصلوا إلى القبور
ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم، وأبو مَرثد بفتح
стр. 199
الميم واسمه كَناز بفتح الكاف وتشديد النون وآخره زاى، وعن أبى سعيد الخدرى -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" رواه أحمد وأبو داود والترمذى وغيرهم، وقال صلوات الله وسلامه عليه: "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" متفق عليه.
والسر في ذلك أن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد ذكر ابن عباس -رضى اللّه عنهما -وغيره من السلف: "أن ودًا وسواعًا وأخواتهما كانوا قومًا صالحين من قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم وكان هذا مبدأ عبادة الأصنام" أخرجه ابن جرير. ولهذه المفسدة نهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة مطلقًا إن لم يقصد الصلاة عندها، ووقت طلوع الشمس وعند استوائها، وعند غروبها؛ لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة للشمس فيها فنهى أمته عن الصلاة وإن لم يقصدوا ما قصد المشركون سدًّا للذريعة وبعدًا عن التشبه بعبدة الأوثان.
(وعلى الجملة) تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا، وكذا الصلاة عليها للتبرك والإعظام كما صرح به الإمام النووى في "شرح المهذب"، وليس معنى الإعظام أن تقصد أرباب القبور بالسجود فإنه كفر صراح، بل المعنى أنه بتحريه الصلاة للّه تعالى على هذا الوجه زاعمًا أنه أرجى للقبول عند اللّه تعالى ببركة صاحب الضريح يكون قد أعظم من شأن هذا الولى وهذا يقع كثيرًا من العامة.
* * *
بِنَاء المساجد على القُبُور
ومن هذه البدع بناء المساجد على القبور، ففى الحديث عن ابن عباس -رضى اللّه تعالى عنهما-: "أن رسول اللَّه ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أبو داود والترمذى وحسنه، وفى الصحيحين عن عائشة -رضى اللّه عنها-: أن أم سلمة ذكرت لرسول اللَّه ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية فذكرت ما رأته فيها وقال رسول اللّه ﷺ : "أولئك قوم إذا
стр. 200
مات فيهم العبد
الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللَّه" والسر فيه ما تقدم في اتخاذها مساجد.
ومن البدع الفاشية وقوف بعض الزائرين قليلًا بغاية الخشوع عند الباب كأنهم يستأذنون، ثم يدخدون وبعضهم يقف أمام القبر واضعًا يديه كالمصلى ثم يجلس، فهذا كله من البدع التى لم يشهد لها أصل ولا حال ولا أدب يقتضيه، وإذا له يشرع ذلك بالنسية لزيارة أشرف خلق اللّه ﵊ فكيف بغيره!؟
ومنشأ هذه البدعة عمل الشيعة فإنهم عند زيارتهم للأئمة رضى اللّه عنهم ينادى أحدهم: أدخل يا أمير المؤمنين، أو يا بن بنت رسول اللّه عليه الصلاهّ والسلام أو نحو ذلك؟ ويزعمون أن علامة الإذن حصول رقة القلب ودمع العين وهذا ممَّا لم يعرف عن أحد من السلف، ولا ذكره أحد من الفقهاء، ولا يعد فاعله إلا مضحكة للعقلاء، وكون المزور حيًّا في قبره لا يستدعى الاستئذان في الدخول لزيارته.
وكذا ما ذكره بعض الفقهاء من أنه ينبغى للزائر التأدب مع المزور كما يتأدب معه حيًّا كما لا يخفى، فإن المراد منه التأدب في قربه بعده بالنسبة للمزور بقدر ما جرت به العادة في زيارتهم في الحياة تعظيمًا لهم وإكرامًا وعدم رفع الصوت عندهم. ولذا كان من البدع المكروهة ما عليه عامة زوار الأولياء من دقهم التوابيت وتعلقهم بها ونحو ذلك، فإن ذلك كله خلاف الأدب، والسنة التأدب في زيارتهم على ما علمت.
ومن هذا يعلم حال ما ذكره يعض الصوفية من أنه ينبغى لمن أراد زيارة قبور الأولياء قدس اللّه أسرارهم أن يقف بالباب على أكمل ما يكون من الأدب ويجمع حواسه ويعتمد بقلبه طالبًا الإذن ويجعل شيخه واسطة بينه وبين الولى المزور في ذلك فإن حصل له انشراح صدر ومدد روحانى وفيض باطنى فليدخل وإلا فليرجع. هذا هو أدب الزيارة عنده ولم نجد ذلك عن أحد من السلف الصالح. انتهى من الألوسى ملخصًا.
(ومن البدع) إهمال آداب الزيارة، فمن ذلك التسليم على صاحب القبر، بما كان يعلمه النبي ﷺ للصحابة إذا خرجوا لزيارة
стр. 201
القبور، وقد تقدم أول الفصل، ثم يدنو من الميت دنوه منه حيًّا عند زيارته ولا يستلم القبر ولا يقبله، ثم يقوم في قبلة الميت ويستقبله بوجهه عند السلام عليه وعند الدعاء له يستقبل القبلة وهو مخير
في أن يقوم في ناحية رجليه إلى رأسه وقبالة وجهه، ثم يثنى على اللّه تعالى بما حضره من الثناء ثم يصلى على النبي ﷺ ثم يدعو للميت بما أمكنه وبالمأثور أحب، أن يجتهد في الدعاء له فإنه أحوج الناس إليه لانقطاع عمله. هذا هو المأثور عنه ﷺ في زيارته لأهل البقيع، وإذا دعا اللّه عند هذه القبور في نازلة نزلت به أو بالمسلمين وتضرع إلى اللّه تعالى وحده في زوالها وكشفها عنه فلا بأس به.
(ويتصل) بهذا المقام أربع مسائل ينبغى للمرشد أن يكون فيها على بصيرة:
(المسألة الأولى): الرحلة لزيارة مشاهد الخير وقبور الصالحين من الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء بقصد التبرك بها والصلاة في المواضع الفاضلة (حرمها) قوم، منهم الجوينى شيخ إمام الحرمين والقاضى حسين من الشافعية والقاضى عياض من المالكية وشيخ الإسلاء ابن تيمية من الحنايلة، واستدلوا بما في الصحيحين من حديث أبى هريرة -رضى اللّه عنه- وأبى سعيد قال ﷺ : "لا تشدوا الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدى هذا، والمسجد الأقصى" وبأن زيارة الأولياء بدعة لم تكن في زمن السلف، وبأن الرحلة إلى الزيارة تؤدى إلى ارتكاب كثير من المحظورات، كاختلاط الرجال بالنساء، وحضور أمكنة اللهو التى تقام عادة عند الولى المعتاد الرحلة إليه، وسماع الغناء الممنوع سماعه.
(وأجازها) قوم، منهم الإمام الغزالى، حيث قال: وما تبين لي أن الأمر ما ذكره هؤلاء الذين تمسكوا بالحديث "من حمل النهى على التحريم" بل الزيارة مأمور بها قال ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هُجْرًا" رواه مسلم. الهُجْر -بالضم-: الفحش، والحديث إنما ورد في المساجد (لأجل الصلاة فيها) وليس في معناها الْمَشَاهِد؛ لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة متماثلة ولا بلد إلا وفيه مسجد، فلا معنى
стр. 202
للرحلة إلى مسجد آخر، وأما المشاهد فلا تتساوى، يل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند الله .
(نعم) لو كان في موضع لا مسجد فيه فله أن يشد الرحال إلى موضع فيه مسجد وينتقل إليه بالكلية إن شاء، ثم ليت شعرى هل يمنع ذلك القائل من شد الرحال إلى قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل إبراهيم وموسى ويحيى وغيرهم، كقبر هود بحضرموت صلوات الله عليهم؟ فالمنع من ذلك في غاية الإحالة، فإذا جوز هذا فقبور الأولياء والعلماء والصلحاء في معناه فلا يبعد أن يكون
ذلك من أغراض الرحلة (المندوب إليها) كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد. انتهى بإيضاح.
(وحاصله) أن المانعين قاسوا الزيارة والرحلة إليها على الرحلة لغير المساجد الثلاثة وحجة الإسلام الغزالى أجاب بوضوح الفرق فإن ما عدا تلك المساجد الثلاثة متساوية في الفضل فلا فائدة في الرحلة إليها، وأما الأولياء فإنهم متفاوتون في القرب من اللّه تعالى ونفع الزائرين بحسب معارفهم وأسرارهما فكان للرحلة إليهم فائدة، أي فائدة، فمن ثم ندبت الرحلة إليهم للرجال فقط بقصد ذلك.
وأجابوا عن الدليل الثانى للمانعين بأنه على تقدير التسليم فليس كل بدعة مذمومة، بل قد تكون حسنة على ما لا يخفى.
وأجابوا عن الدليل الثالث بأن الزائر إن لم يتيسر له الزيارة إلا مع وجود تلك المفاسد فالقربات لا تترك لمثل ذلك، بل على الإنسان فعلها وإنكار البدع، بل وإزالتها إن أمكنه، وإن تيسرت الزيارة مع عدم المفاسد فتارة يقدر على إزالة كلها أو بعضها فيتأكد له الزيارة مع وجود تلك المفاسد ليزيل منها ما قدر عليه، وتارة لا يقدر على إزالة شيء منها، فالأولى، بل الواجب الزيارة في غير زمن تلك المفاسد ألا ترى أن الأئمة لم يمنعوا نحو الطواف والوقوف بعرفة أو مزدلفة والرمى مع أن فيما ذكر اختلاطًا، أي اختلاط، وإنما منعوا نفس الاختلاط لا غير، ويمكنه أن يحضر لا يخالط -أفاده ابن حجر- وأنت خبير بأن موالد الأولياء اليوم مملوءة بالمنكرات وأن أعظم المرشدين لا يقدرون على إزالتها أو شيء منها. فالواجب ألا يزور في زمن تلك المفاسد.
стр. 203
وإليك شرح هذا الحديث لتكون في المقام علي تمام البصيرة: "لا تشد الرحال" على صيغة المجهول نفى بمعنى النهى: أي لا تشدوا الرحال، رهو أبلغ من صريح النهى كأنه قال: لا يستقيم شرعًا أن يقصد بالسفر إلا هذه البقاع، لما اختصت به من المزايا التى شرفها اللّه تعالى بها، والرحال بالحاء المهملة: جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس وهو أصغر من القتب، وشد الرحال كناية عن السفر؛ لأنَّه لازم للسفر، ووقع في رواية لمسلم "تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد" من غير حصر. وليس في هذه الرواية منع شد الرحال لغيرها إذ العدد لا مفهوم له
عند الجمهور، والتعبير بشد الرحال خرج مخرج الغالب في ركوب المسافر فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشى في هذا المعنى.
ويدل له قوله في بعض طرقه في الصحيح: "إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد" أخرجه مسلم.
وقوله: "إلا إلى ثلاثة مساجد": استثناء مفرغ وتقدير الكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان (فإن قيل) فعلى هذا يلزم ألا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى فلا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل ﵇ مثلًا؛ لأن المستثنى منه في المفرغ لابد أن يقدر أعم العام.
(أجيب) بأن المراد بأعم العام ما يناسب نوعًا ووصفًا.
كما إذا قلت: ما رأيت إلا زيدًا كان التقدير ما رأيت رجلًا أو أحدًا إلا زيدًا لا ما رأيت شيئًا أو حيوانًا إلا زيدًا. فهاهنا تقديره لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة: "المسجد الحرام" المحرم بالجر بدل من الثلاثة والرفع خبر لمحذوف تقديره هى المسجد الحرام "ومسجدى هذا والمسجد الأقصى" سمى به لبعده عن المسجد الحرام.
ومنه يستفاد فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأن المسجد الحرام قبلة الناس وإليه حجهم، ومسجد الرسول ﷺ أسس على التقوى، والمسجد الأقصى كان قبلة الأمم السالفة، وفيه النهى عن شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة لكن اختلفوا على أي وجه فقال النووى: معناه لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد ما غير هذه الثلاثة ونقله عن جمهور العلماء. وقال ابن بطال: هذا الحديث إنما هو
стр. 204
عند العلماء فيمن نذر على نقسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة.
قال الإمام مالك ﵀: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة فإنه يصلى في بلده إلا أن ينذر ذلك في مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس فعليه السير إليها، وقال ابن بطال: وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعًا بذلك فمباح إن قصدها بأعمال المطى وغيره، ولا يتوجه إليه الذى في هذا الحديث.
وله محامل أخرى أحسنها أن المراد منه حكم المساجد فقط وأنَّه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه، فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب
العلم وزيارة الصالحين والمشاهد وزيارة الإخوان، وفى التجارة والتنزه وما إلى ذلك فليس داخلًا في النهى، وقد رد ذلك مصرحًا به في بعض طرق الحديث في "مسند أحمد" من حديث أبى سعيد الخدرى ﵁ وذكر عنده صلاة في الطور فقال: قال رسول اللّه ﷺ : "لا ينبغى للمصلى أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدى هذا" وإسناده حسن وهو ما درج عليه حجة الإسلام الغزالى فيما سبق عنه.
(وصفوة القول) أن السفر إلى أي مسجد غير هذه الثلاثة للصلاة فيه منهى عنه، أما هذه الثلاثة فلا، لما لها من المزايا، وأن من نذر إتيان المساجد الثلاثة لزمه ذلك عند الإمام مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الإمام الشافعى في "الأم": يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك به، بخلاف المسجدين الآخرين، وهذا هو المنصوص عليه لأصحابه.
أما من نذر إتيان غيرها لصلاة، أو أعتكاف لا يلزمه؛ لأنَّه لا فضل لبعضها على بعض فتكفى صلاته مثلًا في أي مسجد كان، وهو كالمجمع عليه، على ما قال الإمام النووى.
وأما السفر لزيارة الأنبياء، والأولياء، والعلماء، والشهداء والصالحين فخارج عن موضوع الحديث، واللّه تعالى ولى التوفيق والهداية.
(المسألة الثانية): إلاستعانة بالمخلوق، بهذا الاستعانة به إن كان ذلك فيما يقدر عليه نحو الحيلولة بينه وبين عدوه ودفع الصائل عنه من لص أو
стр. 205
سبع، كأن يحمل معه متاعه أو يعلف دابته ونحو ذلك مما يجرى فيه التعاون والتعاضد بين الناس فلا ريب في جوازهما إذا كان ذلك مع اعتقاد أن لا مغيث ولا معين على الإطلاق إلا اللّه تعالى، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه.
أما ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى فلا يستغاث فيه إلا به كغفران الذنوب، والهداية، وشفاء المريض، وإنزال المطر، والرزق كما قال تعالى: ﴿ … وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ … ﴾ (١)، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ … ﴾ (٢).
والاستغاثة: طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار: طلب النصرة فلا يكون إلا عند الشدائد بخلاف الاستعانة فإنها طلب المعونة في شدة أو غيرها، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٥) وبما ذكر علمت أن الاستغاثة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى لا تجوز فإنها دعاء والدعاء عبادة، بل مخ العبادة وغير اللّه تعالى لا يعبد.
(المسألة الثالثة): الاستشفاع، وهو طلب الشفاعة من الغير بمعنى سؤال فعل الخير من الغير للغير على سبيل الضراعة فلا نزاع فيه لأحد من المسلمين إلا الشفاعة لأهل الكبائر عند المعتزلة والخوارج (فإنه) ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة أن نبينا ﷺ هو الشافع المشفع، وأنَّه يشفع للخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربه. قال ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلى: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل، وأعطيت الشفاعة، وكل نبى بعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" متفق عليه من حديث جابر. وفى "سنن أبي داود": أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إنا نستشفع باللّه عليك ونستشفع بك على اللّه، فقال: "شأن اللَّه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من
стр. 206
خلقه" فأقره على قوله: "نستشفع بك على اللَّه" وأنكر عليه قوله: "نستشفع باللَّه عليك".
(وجملة القول فيه) أن في القرآن الكريم آيات ناطقة بنفى الشفاعة مطلقًا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ (١)، وأخرى ناطقة بنفى منفعة الشفاعة كقوله : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٢)، وآيات تقيد النفى بمثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٤) فمن الناس من يحكم الثانى بالأول، ومنهم من يرى أنه
لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر؛ لأن مثل هذا الاستثناء معهود في أسلوب القرآن في مقام النفى القطعى للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٥)، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٦) فليس في القران نص قطعى في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث الصحيح يإثباتها فما معناها؟
الشفاعة المعروفة عند الناس هى أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره -حكم به أم لا- فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع. أما الحاكم المعادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به؛ وأما الحاكم الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشئ وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة.
وكل من النوعين محال على اللّه تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه، وعلمه أزلى لا يتغير، فما ررد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضى مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص اللّه بها من يشاء يوم القيامة، عمر عنها بلفظ (الشفاعة) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه اللّه جل وعلا عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفى. (ومذهب الخلف) حمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه اللّه تعالى والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا.
في الصحيحين وغيرهما: " أن النبي ﷺ يسجد يوم القيامة
стр. 207
ويثنى على اللّه تعالى بثناء يُلْهَمُهُ يومئذ فيقال له: ارفع رأسك وسَل تُعطَهْ وَاشفع تُشَفَّع" وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن اللّه تعالى يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هى إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضًا ما يقوى غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اتكالًا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله للّه وأنَّه لا ينفع أحدًا في الآخرة إلا طاعته ورضاه ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ
شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (١) ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٢) أفاده الأستاذ الإمام.
(المسألة الرابعة): التوسل إلى اللّه تعالى بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه. أجاز بعضهم إذا كان بمعنى الشفاعة لما في صحيح البخارى: "أن عمر ابن الخطاب -رضى اللّه عنه- استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" فلا يخفى أن توسلهم به هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فهو شفيع لهم وسائل لا مسئول، وأجازه بعضهم وإن لم يكن بمعنى الشفاعة، بل بمعنى التوسل بجاه الوسيلة نحو القسم على اللّه بنبيه ﷺ إلا أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام خصه به ﷺ للحديث الصحيح: أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللّه إنى أصبت في بصرى فادع الله لي، فقال النبي ﷺ : "توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد يا محمد إنى أستشفع بك في رد بصرى اللهم شفعه في"، وقال: "فإن كان لك حاجة فمثل ذلك" فرد اللَّه بصره. أخرجه النَّسَائِيّ والترمذى وصححه وابن ماجه وغيرهم فعلم منه أن النبي ﵌ شفع له، فسأل اللّه أن يشفعه فيه، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ ابن عبد السلام التوسل به ﷺ من المنع الذى أفتى به حيث قال: وهذا ينبغى أن يكون مقصورًا على النبي ﷺ لأنَّه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على اللّه بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص
стр. 208
به لعلو درجته ومرتبته، وفيه نظر الأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل ولا يكفى فيها الاحتمال لأنها خلاف الأصل كما تقدم آنفًا.
وبما تقدم يتضح لك أن المستغيث بإنسان طالب منه سائل له، بخلاف المتوسل به فليس مطلوبًا منه ولا مسئولًا وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به.
وجملة الأمر أنه مسألة كثر فيها الكلام وطال النزاع بين الإمام السبكى وشيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية رحمهما اللّه وأتى كل منهما بأدلة أيد فيها رأيه ورد أدلة الآخر، ولكل من الشيخين أشياع وأنصار تتلاحى وتتشاتم حتى صارت بابًا من
أبواب الفتنة والتفريق بين جماعة المسلمين، ونحن إلى الوفاق والوئام أحوج منا إلى الهواء والغذاء، وبسط الكلام فيها ممَّا لا يحتمله هذا المختصر فاكتفينا بهذا الإجمال.
وأما التوسل إلى اللّه تعالى يعمل العبد نفسه فلا خلاف بينهم في جوازه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (١). قال العلماء: الوسيلة الشرعية هى صالح العمل لقوله تعالى في بيان صفات المتقين الفائزين بهذه الكرامات السنية: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) فإنهم رتبوا طلب المغفرة والوقاية من النار على الإيمان، والمراد به الإيمان الصادق الذى تصدر عنه آثاره من عمل الطاعات وترك المعاصى، وهذا لا شك توسل منهم بالإيمان وصالح العمل في مقام الضراعة إلى اللّه تعالى.
وقوله تعالى في بيان أحوال أولى الألباب السليمة والعقول الصحيحة: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (٣). المنادى: رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه، وأولوا الألباب الموصوفون بما ذُكِرَ هم السابقون من أصحابه، ومن تبعهم في ذلك له حكمهم، والذنب: كل عمل تسوء عاقبته في العاجل والآجل من المعاصى كلها سواء منها ما يتعلق بحقوق اللّه وما يتعلق بحقوق العباد، والسيئة: الفعلة القبيحة التى تسوء صاحبها أو تسوء غيره عاجلًا أو آجلًا، فهى عامة أيضًا، وغفر الذنوب: سترها وعدم المؤاخذة عليها ألبتة، وتكفير السيئات: حطها وإسقاطها، والمراد بالإيمان:
стр. 209
الإذعان الذى وقر في النفس وصدقه العمل، فإنهم رتبوا غفر الذنوب وحط السيئات على إجابة الداعى إلى الإيمان بالإيمان وصالح العمل؛ وهذا أيضًا توسل بالطاعات وأصلها في مقام الابتهال إليه .
ولأن النبي ﷺ حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى اللّه تعالى بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فعن ابن عمر -رضى اللّه عنهما- قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم
الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا اللَّه بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا فنأى بى طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدى أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاوغون عند قدمى فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منه.
وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلى، فأردتها على نفسها فامتنعت منى حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتنى فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلى بينى وبين نفسها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق اللَّه ولا تفض الخاتم إلا بحقه فانصرفت عنها وهى أحب الناس إلى وتركت الذهب الذى أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث: اللهم إنى استأجرت أُجُرَاء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذى له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءنى بعد حين، فقال: يا عبد اللَّه أد إلى أجرى، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد اللَّه لا تستهزئ بى، فقلت: لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا، اللهم إن كنت
стр. 210
فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون" متفق عليه. أغْبق بفتح فسكون فكسر: أي ما كنت أقدم عليهما في شرب نصيبهما من اللبن أقارب ولا رقيقًا، والغبوق كصبور ما يشرب بالعشى، وأُرح بضم الهمزة وكسر الراء: أرجع، من أراح رباعيًّا، ويتضاوغون: يضجون من الجوع. فهذا الحديث صريح في أن توسل العبد بعمل نفسه إلى مولاه ينفعه عند الشدة.
(وصفوة القول) أن لفظ التوسل يراد به معان ثلاثة:
(الأول): التقرب إلى اللّه تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ وهذا واجب لا يكمل الإيمان إلا به.
(الثانى): التوسل إليه سبحانه بشفاعة النبي ﷺ ودعائه وذلك كان في حياته ويكون في عرصات القيامة.
(الثالث): التوسل به ﷺ بمعنى الإقسام على اللّه بذاته، فهذا لم يقع من الصحابة -رضى اللّه عنهم- في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد موته لا عند القبر الشريف ولا غير القبر ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة المأثورة عنهم، وما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد، وأن الوسيلة في الآية هى ما يتوصل به إلى رضاء اللّه تعالى والقرب منه ونيل الثواب في الآخرة من فعل الطاعات وترك المعاصى واللّه الموفق.
ومن هذا تعلم أن المقصود في كل ذلك هو اللّه وغيره شفيع فقط إذا أذن اللّه له، وقد يغفل عن هذا العوام فتراهم إذا نزل بهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر تركوا دعاء اللّه تعالى ودعوا غيره فينادون بعض الأولياء كسيدى أحمد البدوى وسيدى إبراهيم الدسوقى والسيدة زينب -رضى اللّه عنهم- معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء، وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا اللّه وحده ينجو من تلك الشدائد.
ولا ريب أن السبب الأعظم الذى نشأ عنه هذا الاعتقاد وهذه الغفلة هو ما زينه الشيطان للناس من رفع القبور، وبناء القباب، وصنع المقاصير وعمل التوابيت، ووضع الستور عليها وتزيينها بأبلغ زينة وتحسينها على أكمل وجه، فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور
стр. 211
قد بنيت عليه قبة فدخلها ونظر على القبور والستور الرائعة، والسرج المتلألئة وقد صدعت حولها مجامير الطيب فلا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيمًا لصاحب هذا القبر ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الولى من المنزلة ويدخله من الروع والمهابة ما يغرس في قلبه من العقائد الوهمية التى هى من أعظم مكايد الشيطان للمسلمين وأشد وسائله إلى إضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلًا قليلًا، حتى يطلب من صاحب هذا القبر ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى، وهذا عين الضلال.
وقد يجعل الشيطان طائفة من بنى آدم (شياطين الإنس) يقفون على ذلك القبر يخدعون من يأتى إليه من الزائرين يهولون عليهم الأمر ويصنعون أمورًا من أنفسهم وينسبونها إلى صاحب الضريح على وجه يخفى على البسطاء.
وقد يختلقون من حكايات الكرامات له ما اللّه أعلم به ويبثونها في الناس ويكررونها في مجالسهم فتشيع وتستقيض، ويتلقاها بقلب سليم من يحسن الظن بهم وبأصحاب الأضرحة، ويقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب فيرويها كما
سمعها، ويتحدث بها في مجالسه فيقع البسطاء في بلية عظيمة من الاعتقاد، ويزعم كثير من قصار النظر أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء ورد الضائع وغير ذلك ممَّا يكَون في عالم الكون والفساد، على معنى أن اللّه تعالى فوض إليهم ذلك لما لهم عنده من الجاه الأعلى والمقام الرفيع الأسمى فلهم ما يشاءون ومن قصدهم لا يخيب.
وتراهم لهذا يرفعون لهم شكواهم في عرائض مكتوبة يضعونها في الأضرحة وربما كان صاحب هذا الضريح في حال حياته لا يستطيع الأخذ بناصر المظلوم ولكن الناس بعد الممات يجعلون له التصرف في الملك والملكوت. وقد قال عيسى ﵇: ﴿ … وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
(نحن لا ننكر) أن اللّه تعالى قد يكرم من شاء من أوليائه بعد الموت كما يكرمه قبله بما شاء فيبرئ سبحانه المريض وينقذ الغريق وينصر
стр. 212
على العدو ويرد الضائع وغير ذلك كرامة له، فإن الكرامة من قبيل الجائز عقلًا. وقد وقعت لأناس ونطق بوقوعها الكتاب العزيز في شأن الذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها، ومريم، وأصحاب الكهف، والذى عنده علم من الكتاب. وثبت أيضًا بالآثار الصحيحة لبعض الصحابة والتابعين والسلف الصالح من بعدهم رحم اللّه الجميع.
* * *
الفصل الثالث في بدَع الجَنَائز والمَآتِم
نحن لا نطيل الكلام فيما يقع من النساء في الجنائز والمآتم فإن قبحه صار معروفًا للعامة والخاصة حتى أصبحت النساء من الأمراض التى أعيت أطباء الناصحين، وصِرْنَ أكبر عون للشيطان على تنفيذ كل ما يمليه عليهن من عادات الجاهلية في الندب والنياحة وشق الجيوب ولطم الخدود وصبغ الوجوه والأيدى بالنيلة ورفع الأصوات والتكلم بكلمات الكفر والتسخط على القدر والاعتراض على اللّه تعالى وهو القاهر فوق عباده إلى غير ذلك من قبائحهن المشهورة.
ويطلن في ذلك ويعاودنه يومًا بعد يوم لاسيما ما يصدر منهن عند خروج الروح، وعند دخول المغسل، وحال إخراج الميت من البيت للدفن. وقد يخرجن مكشوفات العورات رافعات الأصوات بكل قبح خلف الجنازة حتى يدفن ويرجعن على مثل ذلك وأكثرهن متبرجات، ثم يعقب ذلك خروجهن إلى القبور بدعوى الزيارة فيقع منهن ما يقع من المفاسد ولاسيما في المواسم كأول رجب ونصف شعبان وأيام العيدين وبياتهن في القبور كما سبق في بدع المقابر.
ولا يخفى أن كل ذلك من الكبائر يغضب اللّه ورسوله ﷺ ، وهو مانع من حضور الملائكة ونزول الرحمات، مضاد للشريعة وما كان عليه السلف الصالح ونص عليه أئمة الدين.
* * *
ما ينبغى أن يُقَال عِند الموت وما لا ينبغى
اعلم أنه يطلب من ولى المحتضر أن لا يترك أحدًا يرفع صوته حوله، وأن يمتثل أوامر الشرع حين نزول الأمر به فيقول ما ورد في سنة المصطفى
стр. 213
صلوات اللّه وسلامه عليه، فعن أم سلمة -رضى اللّه عنها- قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" فلما مات أبو سلمة أتيت
النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال: "قولى: اللهم اغفر لي وله وأعقبنى منه عقبى حسنة"، فقلت ذلك فأعقبنى الله من هو خير منه محمدًا ﷺ . رواه أبو داود والترمذى النَّسَائِيّ وابن ماجه.
وعن أم سلمة ﵂ أيضًا قالت: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم اأْجُرْنى في مصيبتى وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره اللَّه تعالى في مصيبته وأخلف له خيرًا منها"، قالت: فلما مات أبو سلمة قالت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إنى قلتها فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله ﷺ . رواه مسلم وأبو داود النَّسَائِيّ والترمذى. اأجرنى بالقصر والمد أكثر أهل اللغة أنه مقصور، وأخلف بقطع الهمزة وكسر اللام يقال: أخلف له وأخلف عليه إذا أعطاه عوضه وبدله، أجره الله بنصر الهمزة ومدها والقصر أفصح وأشهر -كما سبق- ومعنى أجره الله: أعطاه أجره وجزاء صبره وهمه في مصيبته.
وقال رسول الله صلوات الله تعالى وسلامه عليه: "من استرجع عند المصيبة جبر اللَّه مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفًا يرضاه" رواه الطبرانى في "الكبير"، وعن أبى موسى -رضى اللّه عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ولد العبد قال اللَّه تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدى فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدى؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول اللَّه تعالى: ابنوا لعبدى بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد" رواه الترمذى وحسنه وابن حبان في صحيحه، وعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى على امرأة وهى تبكى على صبى لها فقال لها: "اتقى الله واصبرى"، فقالت: وما تبالى بمصيبتى، فلما ذهبت قيل لها:
стр. 214
إنه رسول اللّه ﷺ فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند أول صدمه"، أو قال: "عند أول الصدمة" رواه مسلم، ومعناه: الصبر الكامل الذى يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدمة: الضرب في شيء صلب ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة.
وعلى الولى أن يمنع النساء من الوقوع فيما لا ينبغى خوفًا من الوقوع في النهى الصريح، فقد روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى عن عبد الله بن مسعور
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية"، وروى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى -رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه وسنداه (١) إلا وكل الله به ملكين ينتهرانه ويقولان له: أهكذا كنت .. "، وروى البخارى عن النعمان بن بشير قال: "أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى وتقول: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا وقيل لي: كنت كذا، فلما مات لم تبك عليه".
وعلى من رأى أحدًا يرتكب نحو ذلك أن يمنعه بلين ورفق، فإن لم يرجع أقام عليه سطوة الشرع ولا يتركه لأجل ما ينزل به؛ لأن الشرع قرر ما قرر فيه بقوله ﵊: "فإذا وجبت فلا تَبكينَّ باكية" أي فلا يتعدى ما حده ﵊، ووجبت: مات، والحديث محمول على رفع الصوت أو مخصوص بالنساء لأنَّه قد يفضى بكاؤهن إلى النياحة فيكون من باب سد الذرائع فلا يعارض ما يأتى من جواز البكاء الخالى من الندب ورفع الصوت قبل الموت وبعده.
ومعلوم أن السنة عند الاحتضار السكون وتطييب الميت إكرامًا للقاء الملائكة، وأن يحضره إذ ذاك أهل الخير والصلاح من الأهل والأصحاب فيلقنونه كلمة التوحيد برفق لحديث: "لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله" أي من قرب موته، رواه أصحاب السنن إلا البخارى. والمراد ذكروه (لا إله
стр. 215
إلَّا الله) لتكون آخر كلامه، لحديث: "من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة" رواه أحمد وأبو داود، ولا ينبغى للملقن أن يقول له: قل: لا إله إلَّا الله إلى آخره أو يلح عليه بذلك لئلا يضجر لشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق.
والسنة أيضًا عند الاحتضار الإكثار من الدعاء للميت والحاضرين سرًّا لأن الملائكة يحضرون ويؤمنون على دعاء الداعى، وقراءة سورة يس والرعد، فقد أخرج ابن أبي شيبة المروزى عن جابر بن زيد قال: كان يستحب إذا حضر الميت أن يقرأ عنده سورة الرعد، فإن ذلك يخفف عن الميت، وأنَّه أهون لقبضه وأيسر لشأنه، ويستحب أيضًا سورة يس بعد الموت، فإن الميت لبقاء إدراك روحه كالحى بالنسبة
لسماع القرآن وحصول بركته له، وإذا صح السلام عليه فالقراءة عليه أولى، لكن العامة تعتقد أنه لولا قراءة إلإخلاص لا تصعد روحه إلى السماء، فيتأكد بيان أن ذلك خطأ.
(ومن ذلك بدعة الإسعاد) وهى من عوائد الجاهلية في مآتمهم وقد نهى عنها الدين الحنيف ولكنها أعيدت هذه الأزمان وانتشرت بين النساء حتى صارت من السنن المألوفة، فتراهن يسرعن لمساعدة صاحبة الميت في النوح والبكاء ولا يعرفن في التعزية غرضًا سوى ذلك، وتصير المساعدة دينًا في ذمة المرأة المصابة، ترى وجوب تأديته لكل من ساعدها، وذلك محظور ينهى عنه الشارع، روى النَّسَائِيّ عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ على النساء حين بايعهن ألا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "لا إسعاد في الإسلام". والإسعاد: إعانة النساء بعضهن بعضًا في النياحة بموت الميت، وعن أم سلمة ﵂ قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفى أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدنى فاستقبلها رسول الله ﷺ فقال: "أتريدين أن تدخلى الشيطان بيتًا أخرجه الله منه" (مرتين) فكففت عن البكاء فلم أبك. رواه مسلم. غريب وفى أرض غربة معناه: أنه من أهل مكة