قد بنيت عليه قبة فدخلها ونظر على القبور والستور الرائعة، والسرج المتلألئة وقد صدعت حولها مجامير الطيب فلا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيمًا لصاحب هذا القبر ويضيق ذهنه عن تصور ما لهذا الولى من المنزلة ويدخله من الروع والمهابة ما يغرس في قلبه من العقائد الوهمية التى هى من أعظم مكايد الشيطان للمسلمين وأشد وسائله إلى إضلال العباد ما يزلزله عن الإسلام قليلًا قليلًا، حتى يطلب من صاحب هذا القبر ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى، وهذا عين الضلال.
وقد يجعل الشيطان طائفة من بنى آدم (شياطين الإنس) يقفون على ذلك القبر يخدعون من يأتى إليه من الزائرين يهولون عليهم الأمر ويصنعون أمورًا من أنفسهم وينسبونها إلى صاحب الضريح على وجه يخفى على البسطاء.
وقد يختلقون من حكايات الكرامات له ما اللّه أعلم به ويبثونها في الناس ويكررونها في مجالسهم فتشيع وتستقيض، ويتلقاها بقلب سليم من يحسن الظن بهم وبأصحاب الأضرحة، ويقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب فيرويها كما
سمعها، ويتحدث بها في مجالسه فيقع البسطاء في بلية عظيمة من الاعتقاد، ويزعم كثير من قصار النظر أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء ورد الضائع وغير ذلك ممَّا يكَون في عالم الكون والفساد، على معنى أن اللّه تعالى فوض إليهم ذلك لما لهم عنده من الجاه الأعلى والمقام الرفيع الأسمى فلهم ما يشاءون ومن قصدهم لا يخيب.
وتراهم لهذا يرفعون لهم شكواهم في عرائض مكتوبة يضعونها في الأضرحة وربما كان صاحب هذا الضريح في حال حياته لا يستطيع الأخذ بناصر المظلوم ولكن الناس بعد الممات يجعلون له التصرف في الملك والملكوت. وقد قال عيسى ﵇: ﴿ … وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١).
(نحن لا ننكر) أن اللّه تعالى قد يكرم من شاء من أوليائه بعد الموت كما يكرمه قبله بما شاء فيبرئ سبحانه المريض وينقذ الغريق وينصر
стр. 212
على العدو ويرد الضائع وغير ذلك كرامة له، فإن الكرامة من قبيل الجائز عقلًا. وقد وقعت لأناس ونطق بوقوعها الكتاب العزيز في شأن الذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها، ومريم، وأصحاب الكهف، والذى عنده علم من الكتاب. وثبت أيضًا بالآثار الصحيحة لبعض الصحابة والتابعين والسلف الصالح من بعدهم رحم اللّه الجميع.
* * *
الفصل الثالث في بدَع الجَنَائز والمَآتِم
نحن لا نطيل الكلام فيما يقع من النساء في الجنائز والمآتم فإن قبحه صار معروفًا للعامة والخاصة حتى أصبحت النساء من الأمراض التى أعيت أطباء الناصحين، وصِرْنَ أكبر عون للشيطان على تنفيذ كل ما يمليه عليهن من عادات الجاهلية في الندب والنياحة وشق الجيوب ولطم الخدود وصبغ الوجوه والأيدى بالنيلة ورفع الأصوات والتكلم بكلمات الكفر والتسخط على القدر والاعتراض على اللّه تعالى وهو القاهر فوق عباده إلى غير ذلك من قبائحهن المشهورة.
ويطلن في ذلك ويعاودنه يومًا بعد يوم لاسيما ما يصدر منهن عند خروج الروح، وعند دخول المغسل، وحال إخراج الميت من البيت للدفن. وقد يخرجن مكشوفات العورات رافعات الأصوات بكل قبح خلف الجنازة حتى يدفن ويرجعن على مثل ذلك وأكثرهن متبرجات، ثم يعقب ذلك خروجهن إلى القبور بدعوى الزيارة فيقع منهن ما يقع من المفاسد ولاسيما في المواسم كأول رجب ونصف شعبان وأيام العيدين وبياتهن في القبور كما سبق في بدع المقابر.
ولا يخفى أن كل ذلك من الكبائر يغضب اللّه ورسوله ﷺ ، وهو مانع من حضور الملائكة ونزول الرحمات، مضاد للشريعة وما كان عليه السلف الصالح ونص عليه أئمة الدين.
* * *
ما ينبغى أن يُقَال عِند الموت وما لا ينبغى
اعلم أنه يطلب من ولى المحتضر أن لا يترك أحدًا يرفع صوته حوله، وأن يمتثل أوامر الشرع حين نزول الأمر به فيقول ما ورد في سنة المصطفى
стр. 213
صلوات اللّه وسلامه عليه، فعن أم سلمة -رضى اللّه عنها- قالت: قال رسول اللّه ﷺ : "إذا حضرتم الميت فقولوا خيرًا فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" فلما مات أبو سلمة أتيت
النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة قد مات، قال: "قولى: اللهم اغفر لي وله وأعقبنى منه عقبى حسنة"، فقلت ذلك فأعقبنى الله من هو خير منه محمدًا ﷺ . رواه أبو داود والترمذى النَّسَائِيّ وابن ماجه.
وعن أم سلمة ﵂ أيضًا قالت: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم اأْجُرْنى في مصيبتى وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره اللَّه تعالى في مصيبته وأخلف له خيرًا منها"، قالت: فلما مات أبو سلمة قالت: أي المسلمين خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إنى قلتها فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله ﷺ . رواه مسلم وأبو داود النَّسَائِيّ والترمذى. اأجرنى بالقصر والمد أكثر أهل اللغة أنه مقصور، وأخلف بقطع الهمزة وكسر اللام يقال: أخلف له وأخلف عليه إذا أعطاه عوضه وبدله، أجره الله بنصر الهمزة ومدها والقصر أفصح وأشهر -كما سبق- ومعنى أجره الله: أعطاه أجره وجزاء صبره وهمه في مصيبته.
وقال رسول الله صلوات الله تعالى وسلامه عليه: "من استرجع عند المصيبة جبر اللَّه مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفًا يرضاه" رواه الطبرانى في "الكبير"، وعن أبى موسى -رضى اللّه عنه- أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ولد العبد قال اللَّه تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدى فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدى؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول اللَّه تعالى: ابنوا لعبدى بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد" رواه الترمذى وحسنه وابن حبان في صحيحه، وعن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى على امرأة وهى تبكى على صبى لها فقال لها: "اتقى الله واصبرى"، فقالت: وما تبالى بمصيبتى، فلما ذهبت قيل لها:
стр. 214
إنه رسول اللّه ﷺ فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند أول صدمه"، أو قال: "عند أول الصدمة" رواه مسلم، ومعناه: الصبر الكامل الذى يترتب عليه الأجر الجزيل لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدمة: الضرب في شيء صلب ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة.
وعلى الولى أن يمنع النساء من الوقوع فيما لا ينبغى خوفًا من الوقوع في النهى الصريح، فقد روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى عن عبد الله بن مسعور
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية"، وروى الترمذى عن أبى موسى الأشعرى -رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه وسنداه (١) إلا وكل الله به ملكين ينتهرانه ويقولان له: أهكذا كنت .. "، وروى البخارى عن النعمان بن بشير قال: "أغمى على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى وتقول: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا وقيل لي: كنت كذا، فلما مات لم تبك عليه".
وعلى من رأى أحدًا يرتكب نحو ذلك أن يمنعه بلين ورفق، فإن لم يرجع أقام عليه سطوة الشرع ولا يتركه لأجل ما ينزل به؛ لأن الشرع قرر ما قرر فيه بقوله ﵊: "فإذا وجبت فلا تَبكينَّ باكية" أي فلا يتعدى ما حده ﵊، ووجبت: مات، والحديث محمول على رفع الصوت أو مخصوص بالنساء لأنَّه قد يفضى بكاؤهن إلى النياحة فيكون من باب سد الذرائع فلا يعارض ما يأتى من جواز البكاء الخالى من الندب ورفع الصوت قبل الموت وبعده.
ومعلوم أن السنة عند الاحتضار السكون وتطييب الميت إكرامًا للقاء الملائكة، وأن يحضره إذ ذاك أهل الخير والصلاح من الأهل والأصحاب فيلقنونه كلمة التوحيد برفق لحديث: "لقنوا موتاكم لا إله إلَّا الله" أي من قرب موته، رواه أصحاب السنن إلا البخارى. والمراد ذكروه (لا إله
стр. 215
إلَّا الله) لتكون آخر كلامه، لحديث: "من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة" رواه أحمد وأبو داود، ولا ينبغى للملقن أن يقول له: قل: لا إله إلَّا الله إلى آخره أو يلح عليه بذلك لئلا يضجر لشدة كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق.
والسنة أيضًا عند الاحتضار الإكثار من الدعاء للميت والحاضرين سرًّا لأن الملائكة يحضرون ويؤمنون على دعاء الداعى، وقراءة سورة يس والرعد، فقد أخرج ابن أبي شيبة المروزى عن جابر بن زيد قال: كان يستحب إذا حضر الميت أن يقرأ عنده سورة الرعد، فإن ذلك يخفف عن الميت، وأنَّه أهون لقبضه وأيسر لشأنه، ويستحب أيضًا سورة يس بعد الموت، فإن الميت لبقاء إدراك روحه كالحى بالنسبة
لسماع القرآن وحصول بركته له، وإذا صح السلام عليه فالقراءة عليه أولى، لكن العامة تعتقد أنه لولا قراءة إلإخلاص لا تصعد روحه إلى السماء، فيتأكد بيان أن ذلك خطأ.
(ومن ذلك بدعة الإسعاد) وهى من عوائد الجاهلية في مآتمهم وقد نهى عنها الدين الحنيف ولكنها أعيدت هذه الأزمان وانتشرت بين النساء حتى صارت من السنن المألوفة، فتراهن يسرعن لمساعدة صاحبة الميت في النوح والبكاء ولا يعرفن في التعزية غرضًا سوى ذلك، وتصير المساعدة دينًا في ذمة المرأة المصابة، ترى وجوب تأديته لكل من ساعدها، وذلك محظور ينهى عنه الشارع، روى النَّسَائِيّ عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ على النساء حين بايعهن ألا ينحن، فقلن: يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن؟ فقال رسول اللّه ﷺ : "لا إسعاد في الإسلام". والإسعاد: إعانة النساء بعضهن بعضًا في النياحة بموت الميت، وعن أم سلمة ﵂ قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفى أرض غربة لأبكينه بكاء يتحدث عنه فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدنى فاستقبلها رسول الله ﷺ فقال: "أتريدين أن تدخلى الشيطان بيتًا أخرجه الله منه" (مرتين) فكففت عن البكاء فلم أبك. رواه مسلم. غريب وفى أرض غربة معناه: أنه من أهل مكة
стр. 216
ومات بالمدينة، والمراد بالصعيد هنا: عوالى المدينة، وأصل الصعيد في اللغة: وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لا، قاله الخليل وابن الأعرابى والزجاج. قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة.
ومن البدع أن يأنف الإنسان من حمل الجنازة حتى صار هذا في الأمصار شعار طائفة من الحانوتية مع أنه لا دناءة في حملها، بل هو مكرمة وبر فعله النبي ﷺ ثم الصحابة فمن بعدهم (ومن هذا أيضًا) نفرة الناس من تغسيل الميت حتى أصبح لا يتولى أمره إلا قوم اتخذوا تغسيل الميت وحمله حرفة لهم وهم فسقة جهلة بواجبات الغسل وسننه، وكيف النفرة منه وهو من الأمور الأربعة التى تجب على الحى في حق أخيه المسلم وهى تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه على ما هو معلوم في الفروع.
والسنة في الغاسل ومن يعينه أن يكون أمينًا ومن أهل الديانة، فعن على -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "من غسل ميتًا وكفنه، وحنطه، وحمله،
وصلى عليه، ولم يفش عليه ما رأى خرج من خطيئته مثل ما ولدته أمه" رواه ابن ماجه، ولم يكن للسلف الصالح رضوان الله عليهم غاسل ولا حمال بأجرة، بل كانوا يغسل بعضهم بعضًا ويحمل بعضهم بعضًا فيتزاحمون على النعش ابتغاء الثواب ورضوان الله.
ومن البدع المذمومة التى تخالف الشرع الشريف، وتنافى قوانين الاقتصاد المغالاة في الكفن فيبتاعون منه ما غلا ثمنه ودقت صنعته، وربما كانوا يضنون به عليه أيام حياته، ويتسلون في هذا الإسراف الذميم بقولهم: ذهب الغالى فلا أسف على الرخيص، وتلك حجة داحضة واهية لا يحتاج في أدحاضها إلى تفكير.
السنة في الكفن: أن يكون ت من ثياب القطن البيضاء، وأن تكون ثلاثة فقط، روى مسلم من حديث عائشة ﵂ "إن رسول الله ﵌ كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة". سحولية بفتح السين وضمها: نسبة إلى سحول بلدة باليمن تجلب منها الثياب، والكرسف: القطن. وعن على -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله
стр. 217
- ﷺ : "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبًا سريعًا" رواه أبو داود، وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض وكفنوا فيها موتاكم" رواه الإمام البغوى في "المصابيح"، وروى البخارى وأبو داود عن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم"، وعن ابن عباس ﵄: "يحرم التكفين في شيء من الحرير فإنه إسراف ومغالاة، وقد نهينا عن المغالاة فيه".
والسنة تحثنا على الاهتمام بعيادة المريض وتشييع الجنائز في أدب وخشوع، فعن البراء بن عازب -رضى اللّه عنهما-: "أمرنا رسول اللّه ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعى، وإفشاء السلام" متفق عليه، وروى إبرار القسم كأن حلف إنسان على أن تعمل له عملًا، فالسنة أن تعمله لتبر قسمه، عن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- أن رسول اللّه ﷺ قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس" متفق عليه، وعن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه ﷺ : "حق المسلم على المسلم ست"، قيل: وما هن
يا رسول اللّه؟ قال: "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" رواه مسلم والترمذى والنسائى ابن ماجه "وحق المسلم": أي الأمر المتأكد للمسلم على مثله، والعدد في الحديثين لا مفهوم له، وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة" رواه أحمد والبزار وابن حيان في صحيحه، وعن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "من عاد مريضًا ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا" رواه الترمذى وحسنه، وعنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها
стр. 218
فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قات: "مثل الجبلين العظيمين" متفق عليه، وفى رواية البخارى: "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أُحد، ومن يصلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" إلى غير ذلك ممَّا يؤكد هذه المجاملات التى تجمع القلوب وتغرس فيها المحبة والوئام، والتى في إهمالها تفرق القلوب وانطواؤها على العداوة والبغضاء، ولعيادة المريض آداب سيأتى بيانها في بدع المعاشرة والعادات.
ومن البدع قول البعض عقب الصلاة عليها بصوت مرتفع: ما تشهدون فيه؟ فيقول الحاضرون كذلك (كان من الصالحين) ونحوه فإن ذلك الاستشهاد لم يقع في عهد النبي ﷺ ولا في عهد القرون المشهود لهم بالخير، ولأنه مدعاة للإخبار بالكذب، فإن جوابهم على هذا الاستشهاد مطرد بأنه من أهل الخير حتى في الأموات المعروفين بالفسق المجاهرين بالفجور وهؤلاء الأولى حينئذ ذكرهم بالشر للتحذير من طريقهم والاقتداء بهم والتخلق بأخلاقهم وما ورد من النهى عن سب الأموات فهو في غير المنافق والكافر، وفى غير المجاهرين بفسق أو بدعة (وإنما) الذى وقع في زمنه ﷺ أنه مر بجنازة فأثنى عليها بخير فقال النبي ﷺ "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض". وأصل الحديث عن أنس ﵁ قال: مر بجنازة فأثنى عليها بخير فقال نبى اللّه ﷺ : "وجبت وجبت وجبت"، ومر بجنازة فأثنى عليها بشرٍّ،
فقال نبى الله ﷺ : "وجبت وجبت وجبت"، فقال عمر: فداك أبى وأمى مر بجنازة فأثنى عليها بخير فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فأثنى عليها بشر فقلت: وجبت وجبت وجبت. فقال رسول الله ﷺ : "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض" رواه البخارى ومسلم واللفظ له.
أما طلب الشهادة والإجابة عنه فلم يعهد، ثم إن هذا الحديث محمول
стр. 219
على ما إذا طابق الثناء الواقع أو لم يكن الميت معلومًا حاله، الأن من استحق إحدى الدارين لا يصير من أهل غيرها بقول مخالف للواقع وكل نفس بما كسبت رهينة.
ومن البدع الطواف بها حول الأضرحة كضريح الإمام الحسين والسيدة زينب -رضى اللّه عنهما-، ثم يوقف بها عند باب الضريح ويأتى خادمه يقول كلمات كالمستشفع لها عند صاحب الضريح فهذا لم يعهد عن الشرع وأهله، وقد يجر إلى إفساد عقائد العامة مع ما فيه من فوات الإسراع بالدفن. ومثل ذلك الطواف بها حول القرية أو السير بها من أبعد الطرق إلى المقابر مع الهوينا والسنة إكرام الميت بالتعجيل، ففى سنن أبى داود: أن طلحة بن البراء بن عازب -رضى اللّه عنهما- مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقال: "إنى لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنونى به وعجلوا به فإنه لا ينبغى لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهرانى أهله"، وفى الصحيحين عن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- عن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم". قد ورد: "لا تدبوا بها كدبيب اليهود".
ومن البدع الإضافية ما يقع من حملة القرآن في قرى مصر من قراءة العشر عند وضع الجنازة في المسجد قبل الصلاة عليها فإن ذلك لم يكن على عهد رسول اللّه ﷺ ولا عهد السلف الصالح من بعده مع ما فيه أيضًا من تفويت سنة الإسراع بالدفن.
ثم إن الجنائز اليوم صارت من مواطن الافتخار والرياء فترى أهل الميت يجتهدون أن يكون المشهد محل إعجاب الناس وحديثهم، ومن هنا سهل على الشيطان أن يزين لهم كثيرًا من البدع وأن يتبعوا في جنائزهم سنن اليهود والنصارى فيسيرون بها على نظام محكم، وربما جئ بطائفة من الجند أو بقوم لهم زى خاص
يحملون المجامر والآباريق (القماقم) أو بجماعة يسكنون التكايا من الأكراد والجراكسة، وربما جاءوا بآلات الملاهى تضرب لهم أمام الجنازة بألحان الحزن، فانظر إلى غرض الشارع من تشييع الجنازة وهو الاتعاظ والاعتبار بالموت
стр. 220
فقد كان متحركًا فسكن، ومتصرفًا فأصبح مكفوف اليد ومطلقًا فأمسى سجينًا وفى جماعة فبات وحيدًا، وإن تدبر ذلك يؤدى إلى اتباع الشرع ونبذ المفاخر والإسراف ظهريًّا، فينتفع المشيعون وينتفع بهم الميت بالشفاعة له.
عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عودوا المريض واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة" رواه أحمد والبزار وابن حبان في صحيحه، وأنى هذا مع ارتكاب هذه المنكرات.
(ومنها) تزيين النعش بأفخر الثياب بحسب حال الميت من ذكورة وأنوثة وكبر وصغر وحرفة فيضعون عليه علائم الحرير وساعات الذهب وأنواع الرياحين والوسامات والنياشين إن كان من أهلها وحلى المرأة وطربوش الرجل وكل هذا ليس من السنة ولم يؤثر عن السلف الصالح شيء منه مع ما فيه من إضاعة المال وإظهار الجزع أو الرياء.
ومن البدع السيئة الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك، وكل هذا مكروه للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله وعليها عمل السلف رضوان الله عليهم ولا يقال: إنه بدعة مستحسنة لأن محل استحسان البدعة إذا لم تكن مصادرة لفعل المصطفى ﷺ فضلًا عن كون الاستحسان لا يكون إلا أهل الحل والعقد الذين لا يقدمون على ذلك إلا بعد إذن النبي ﵊ لهم صريحًا كما نص عليه الإمام الشعرانى وغيره من المحققين، وأين هم؟
فالصواب عدم رفع الصوت بشيء وترك كل ما خالف سنة النبي ﷺ اتباعًا لفعل الرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح إذ الخير كله في الاتباع وكل الشر في الابتداع، قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) فقد جعل العلامة على محبة العبد لمولاه اتباع الرسول ﷺ . أخرج ابن أبي حاتم أن الحسن البصرى
стр. 221
-رضى اللّه عنه- قال:
كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقًا من عمل فأنزل هذه الآية.
فمن ادعى محبة الله تعالى ولم يتبع هدى الرسول ﷺ فهو كذاب، وكتاب الله تعالى يكذبه، وقال تعالى: ﴿ … وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وسبيل المؤمنين هو: الكتاب والسنة، وقال ﷺ : "ليس منا من عمل بسنة غيرنا"، وقال ﷺ : "إن الله تعالى يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة" رواه الطبرانى في "الكبير" عن زيد بن أرقم ﵁، كان رسول الله ﷺ يكره أن تتبع الجنازة بنياحة أو مجمرة أو راية، ولكراهة النبي ﷺ لرفع الصوت مع الجنازة ولو بذكر وقراءة القرآن شنعت الصحابة -رضى اللّه عنهم- على من رفع صوته بقوله: استغفروا للميت حيث قالوا: لا غفر الله لك، مع أنه لفظ قليل دال على طلب الدعاء من الحاضرين للميت المحتاج إليه، فما بالك باللغط الواقع الآن.
وقال في "المدخل" ما ملخصه: العجب من أهل الميت يأتون بجماعة يسمونهم بالفقراء يذكرون أمام الجنازة وهو من الحدث في الدين ومخالف لسنة سيد المرسلين وأصحابه والسلف الصالح، يجب منعه على من له قدرة مع الزجر والأدب، ويزيد بعضهم زعقات النساء من خلفهما وكشف الوجوه واللطم على الخدود وما أشبه ذلك، وكله ضد ما كانت عليه جنائز السلف، لأن جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع حتى إن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهما لكثرة حزن الجميع وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكر فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون، حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع له عنده فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعى شيئًا كما قال الحسن البصرى -رضى اللّه عنه-: "ميتُ غدٍ يشيع ميتَ اليوم" وانظر إلى قول ابن مسعود ﵁ لمن قال في الجنازة: استغفروا لأخيكم -يعنى الميت- فقال له: لا غفر الله لك. فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من
стр. 222
رفع الصوت بمثل هذا اللفظ، فما بالك بما يفعله غالب أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو ما تقدم!؟. اهـ.
وقال الإمام النووى رحمه اللّه تعالى: الصواب ما كان عليه السلف من
السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما لأنَّه أسكن للخاطر وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، هذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه (فقد قال) الفضيل بن عياض -رضى اللّه عنه-. الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، وقد روينا في "سنن البيهقي" ما يقتضى ما قلته (وأما) ما يفعله الجهلة من القراء بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب "آداب القراء". انتهى، ونحوه لشيخ الإسلام في "روض".
وقال الرملى في "شرح المنهاج": ويكره ارتفاع الأصوات في سير الجنازة لما رواه البيهقي: أن الصحابة رضى اللّه تعالى عنهم كرهوا رفع الصوات عند الجنائز والقتال والذكر، وكره جماعة قول المنادى مع الجنازة: استغفروا اللّه له فقد سمع ابن عمر ﵄ رجلًا يقول ذلك، فقال: لا غفر اللّه لك.
والصواب كما في "المجموع"، ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، بل يشتغل بالتفكير في الموت وما بعده وفناء الدنيا وأن هذا آخرها، وما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام يجب إنكاره. انتهى، ومثل هذا للعلامة ابن حجر في "شرح المنهاج".
وقال في الفتاوى الهندية ما ملخصه: وعلى متبعى الجنازة الصمت ويكره لهم تحريمًا رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن، فإن أراد أن يذكر اللّه يذكره في نفسه. انتهى ومثله في سائر كتب السادة الحنفية.
وقال في "دليل الطالب" وشرحه للسادة الحنبلية: ويكره رفع الصوت والصيحة معها وعند رفعها، يعني الجنازة ولو بالذكر والقرآن، ويسن لمتبعها أن يكون متخشعًا متفكرًا في مآله متعظًا بالموت وبما يصير إليه الميت، وقول القائل مع الجنازة: استغفروا اللّه ونحوه بدعة عند الإمام
стр. 223
أحمد وكرهه وحرمه أبو حفص (ويحرم) ويكره أن يتبعها مع منكر وهو عاجز عن إزالته.
(وجملة القول) أن السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار، وبهذا كان عمل الصحابة فمن بعدهم، وأن اتباعهم سنة، ومخالفتهم بدعة، وقد قال الإمام مالك -رضى اللّه عنه-: "لن يأتى آخر هذه الأمة بأهدى ممَّا كان عليه أولها".
هذا هو الذى ينبغى التعويل عليه حيث كان بإجماع المذاهب الأربعة ولا معتبر بمن يقول بندبية إو وجوب رفع الصوت بالذكر أو القراءة أمام الجنازة معللًا ذلك بأمور:
(الأول): أول صار شعارًا للموتى وفى تركه ازدراء بالميت وتعريض العرض للكلام فيه.
(الثانى): أن في الاشتغال بالذكر ونحوه ترك التكلم واللغط بأمور الدنيا.
(الثالث): أن فيه مخالفة اليهود والنصارى في جنائزهم حيث اعتادوا السكوت فيها.
فكل هذه الوجوه باطلة لا تسوغ مخالفة السنة، فإن عادة الأغنياء وذوى الحيثيات اليوم السكوت في جنائزههم حتى صار هذا من شعائرهم وليس فيه ازدراء ولا تعريض العرض للطعن عليه، والواقع الآن أن المشتغل بالذكر جهرًا طائفة مخصوصة يؤتى بها لهذا الغرض، وبقية المشيعين لا يشتغلون به ويتكلمون بأمور الدنيا، فلم يكن الإتيان به مدعاة لترك اللغط بأمور الدنيا، والمعروف في جنائز اليهود والنصارى عدم السكوت، فإن لهم أناشيد يرتلونها من البيت إلى الكنائس (وأيضًا) يكفينا في مخالفة جنائزهم حمل جنائزنا على الأعناق دونهم، وهم يحملون الصلبان وبساط الرحمة وصحب الورد الكبيرة وغير ذلك ممَّا به التمييز بين جنائز المسلمين وجنائزهم.
وقد نشأ عن هذه البدعة كثير من المنكرات، منها الإتيان برجل حسن الصوت يغنى لهم أمام الجنازة وصارت مهنة لطائفة من جهلة الفساق لهم أصوات منكرة يحرفون الكلم عن مواضعه وحوله جماعة لهم زى مستبشع فإنه ليس هناك غرض صحيح في اشتراك هذه الطائفة المبتذلة المرذولة في تشييع الجنائز سوى مخالفة السنة وإضرار الورثة بأجورهم، ولو أعطيت لهم الصدقات بدوق تكليفهم السعى لكان غاية في الحسن،
стр. 224
وكذا يكره الذكر عليها حال وضعها عند القبر قبل الدفن كما يقع من أرباب الطرق، فإن السنة حفر القبر قبل وصول الجنازة لتدفن كما حضرت. وبعد الدفن لا بأس بأن يطلب الاستغفار للميت، ففى "سنن أبى داود": كان النبي ﵊ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل".
ومن البدع المذمومة ذبح الخرفان عند خروج الجنازة تحت عتبة الباب، ومنهم من يذبح الجاموس عند وصول الجنازة إلى المقبرة قبل دفنها ويفرق اللحم على من حضر، ويقع عند ذلك الازدحام وربما مزق بعض الفقراء ثياب بعض.
قال في المدخل ما ملخصه: وليحذر من هذه البدعة التى يفعلها بعضهم وهى ذبح الذبائح وتفريق اللحم مع الخبز عند القبر ويقع بذلك مزاحمة وضرب، ويأخذ ذلك من لا يستحقه، ويحرمه المستحق في الغالب، وذلك مخالف للسنة من جوه:
(الأول): أن ذلك من فعل الجاهلية لما روى أبو داود عن أنس -رضى اللّه تعالى عنه- عن النبي -صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم- أنه قال: "لا عقر في الإسلام" والعقر: الذبح عند القبر.
(الثانى): ما فيه من الرياء والسمعة والمباهاة والفخر؛ لأن السنة في أفعال
القرب الإسرار بها دون الجهر فهو أسلم، والمشى بالذبيحة أمام أجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء والسمعة، ولو تصدق بذلك في البيت سرًّا لكان عملًا صالحًا لو سلم من البدعة بأن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنَّه لم يكن من فعل من مضى والخير كله في اتباعه. اهـ.
(فائدة): كثيرًا ما يتساءل الناس عن السبب في خفة الجنازة وثقلها، والجواب: أن اللّه تعالى يكرم من شاء بما شاء، وأنَّه تعالى قد أكرم سعد بن معاذ الأنصارى بعد موته شهيدًا من جرح أصابه في غزوة الخندق، فقد روى أنه كان رجلًا بادنًا، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من الصحابة: واللّه إن كان لبادنًا وما حملنا من جنازة أخف منه، فبلغ ذلك رسول اللّه ﷺ فقال: "إن له حملة غيركم والذى نفسى بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش"، وأخرج الترمذى من حديث أنس -رضى اللّه عنه- قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ،
стр. 225
قال المنافقون: ما أخف جنازته وذلك لحكمه في بنى قريظة (١). فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن الملائكة كانت تحمله" حديث صحيح غريب، والغرابة لا تنافى الصحة كما قرره علماء الفن، وله شواهد تزيده صحة، فقد أخرج النَّسَائِيّ عن ابن عمر -رضى اللّه عنهما- أن رسول اللّه ﷺ قال: "هذا الذى تحرك له
العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه"، وأخرج ابن عبد البر عن عبد اللّه بن أبى بكر -رضى اللّه عنه- قال: "مات سعد ين معاذ من جرح أصابه يوم الخندق شهيدًا، قال: فبلغنى أن جبريل ﵇ نزل في جنازته معتجرًا بعمامة من استبرق وقال: يا نبى اللّه من هذا الذى فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فخرج رسول اللّه ﷺ سريعًا يجر ثوبه فوجد سعدًا قد قبض"، وفى الصحيحين عن جابر بن عبد اللّه الأنصارى -رضى اللّه عنه- قال: سمعت النبي -صلى اللّه تعالى عليه وسلم- يقول: "اهتز العرش لموت سعد ابن معاذ"، وروى في غير الصحيحين من كتب السنة بروايات كثيرة وقد صرح الحافظ ابن عبد البر بأنه متواتر.
"اهتز العرش لموته": أي فرحًا بقدوم روحه، وخلق اللّه تعالى فيه تمييزًا إذ لا مانع من ذلك، أو المراد اهتز أهل العرش وهم حملته، ويؤيده حديث الحاكم: "أن جبريل ﵇ قال: من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واستبشرت به أهلها؟ "، أو المراد باهتزازه ارتياحه لروحه واستبشاره بصعودها لكرامته كما يقال: فلان يهتز للمكارم ليس مرادهم اضطراب جسمه وتحركه وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها، أو هو كناية عن تعظيم شأن وفاته. والعرب تنسب الشئ المعظم إلى أعظم الأشياء فتقول: أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت له القيامة.
وممَّا تقدم يستفاد أن اللّه تعالى يكرم بعض المتقين بتخفيف ثقل جنازتهم على حامليها، وقد يكون من إكرامهم الإسراع بهم إلى ما أعد لهم من أنواع النعيم المقيم، وما عدا هذا لا نعرف له أصلًا في كتب السنة واللّه تعالى أعلم. هذا في الجنائز.
стр. 226
وأما بدع المآتم، فمعلوم أن كل مجتمع للحزن على الميت فيه النساء لا يخلو عن المحظورات شرعًا من الندب والنياحة ولطم الخدود والتهتك يكشف العورات وإضاعة الكثير من الأموال إلى غير ذلك ممَّا عمت به البلوى حتى استعصى الداء وعز الدواء.
(وأما اجتماع الرجال في المآتم) لداعية الحزن على الميت، فمعلوم أيضًا ما يستلزمه هذا الاجتماع عادة من النفقات الطائلة لغرض المباهاة والرياء بإعداد
محل الاجتماع وإحضار البسط والكراسى المذهبة ونحوها، ولا شك في حرمة ذلك لما فيه من إضاعة المال لغير غرض صحيح ولا يفيد الميت شيئًا ويعود بالخسارة على أهله هذا إذا لم يكن في الورثة قاصر فما بالك إذا كان فيهم قاصر، وقد يتكلفون ذلك بالقرض بطريق الربا نعوذ باللّه من سخطه، وأن ما يقع بعد الدفن من عمل المأتم ليلة أو ثلاثًا مثلًا لا نزاع في أنه بدعة، ولم يثبت عن الشارع ولا عن السلف أنهم جلسوا بقصد أن تذهب الناس إلى تعزيتهم، وكانت سنته ﷺ أن يدفن الرجل من أصحابه وينصرف كل إلى مصالحه. هذه كانت سنته وهذه كانت طريقته واللّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (١) فلنتأس به فيما ترك كما تتأسى به فيما فعل.
والجمهور على كراهة ذلك لأنَّه يجدد الحزن ويكلف المعزَّى. قال الإمام الأذرعى: الحق أن الجلوس للتعزية على الوجه المتعارف في زماننا مكروه أو حرام. ا هـ.
وقال الإمام النووى في "شرح المهذب": وأما الجلوس للتعزية فنص الإمام الشافعى وسائر الأصحاب على كراهته، ونقله الغزالى وآخرون عن نص الإمام الشافعى قالوا: يعنى بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغى أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها، صرح به المحاملى ونقله عن الإمام الشافعى فإنه قال في "الأم": وأكره المآتم وهى الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر. ا هـ.
وعند السادة الحنفية يكره الجلوس في المسجد للمصيبة ثلاثة أيام
стр. 227
أو أقل، وفى غير المسجد يرخص للرجال والترك أولى ومعلوم أن الكراهة إذا أطلقت عندهم كانت تحريمية.
قال في "فتح القدير": ويجوز الجلوس للمصيبة ثلاثة أيام وهو خلاف الأولى ويكره في المسجد، وتستحب التعزية للرجال والنساء اللاتى لا يفتن لقوله ﷺ : "من عزى أخاه بمصيبة كساه اللَّه من حلل الكرامة يوم القيامة" رواه ابن ماجه، وقوله ﷺ : "من عزى مصابًا فله مثل أجره" رواه أيضًا ابن ماجه، وقوله ﷺ :
"من عزى ثكلى كسى بردين في الجنة". ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت لأنَّه شرع في السرور لا في الشرور وهى بدعة مستقبحة.
وفى "زاد المعاد" ما نصه: وكان من هديه ﷺ تعزية أهل الميت ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء لا عند القبر ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة، وكان من هديه السكون والرضا لقضاء اللّه والحمد لله والاسترجاع، وكان من هديه أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعامًا يرسلونه إليهم وهذا من أعضم مكارم الأخلاق.
وقالت السادة الحنبلية: ويسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث إليهم ثلاث ليال لحديث: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا فقد أتاهم ما يشغلهم" رواه أبو داود الترمذى وحسنه؛ لأنَّه بر ومعروف ينبغى أن يلح عليهم في الأكل لأن الحزن يمنعهم من ذلك فيضعفون، ولا يصلح الطعام لمن يجتمع عند أهل الميت، بل يكره لأنَّه إعانة على مكروه وهو الاجتماع عندهم. قال الإمام أحمد: هو من فعل الجاهلية وأنكره شديدًا. وللإمام أحمد وغيره وإسناده ثقات عن جرير بن عبد اللّه قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة". وكذا يكره فعل أهل الميت ذلك الطعام للناس يجتمعون عندهم لما مر، وكره جلوس التعزية بأن يجلس المصاب بمكان ليعزى أو يجلس المعزى عند المصاب بعدها؛ لأنَّه استدامة للحزن. انتهى ملخصًا من "المنتهى" وشرحه.
ومذهب الإمام مالك ﵁ أشد احتياطًا من غيره إذ هو مبنى
стр. 228
على سد الذرائع والحيل، وإذا كان في الورثة قاصر حرم تناول الطعام والقهوة بالإجماع.
وعلى الجملة: فما يعمله الناس اليوم من اتخاذ الأطعمة للمعزين والنفقات التى تنفق في ليالى المأتم، وما يتبعها مثل ليالى الجمع والأربعين كله من البدع المذمومة المخالفة لما كان عليه رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه والسلف الصالح من بعده، وكثيرًا ما تكون سببًا في الفقر المدقع، فإن أهل الميت يتكلفون صنع الأطعمة الفاخرة التى لم يعتادوا أكلها، ولو أدى ذلك إلى الاستدانة، أو ضياع مال القاصر، وأعجب من هذا كله أنهم يعملون ذلك زاعمين أن ذلك صدقة يصل ثوابها إلى الميت، مع أنك لا تجد هذه الأطعمة غالبًا إلا في بطون الأغنياء. أما الفقراء والمحتاجون فيلحفون في الطلب، ويلحون في المسألة فيكون نصيبهم الحرمان، وإن أعطوا شيئًا فمن الفضل والبقية، وكذلك عمل الصمدية أو الجلالة،
لم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، وقد سبق هذا في أمثلة البدعة الإضافية مفصلًا في صفحة (٦٠) ويدل إضاعة المال في عمل هذه البدع التى لا يقرها شر ولا يقبلها عقل يجب على الورثة أن يعنوا بقضاء دين الميت الذى في ذمته للناس فهم مسئولون بعده عن ديونه في الدنيا ويوم القيامة وقد شدد الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه في الاستدانة وعدم قضاء الديون قبل الموت ونفر منها أبلغ تنفير، فعن سلمة بن الأكوع -رضى اللّه عنه- قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ إذ أتى بجنازة فقالوا: صل عليها، فقال: "هل عليه دين؟ " قالوا: لا. قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتى بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول اللّه صل عليها، قال: "هل عليه دين؟ " قيل: نعم. قال: "فهل ترك شيئًا؟ " قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها. لعله صلوات اللّه وسلامه عليه علم أنها تفى بدينه. ثم أتى بالثالثة فقالوا: صل عليها. قال: "هل ترك شيئًا؟ " قالوا: لا. قال: "فهل عليه دين؟ " قالوا: ثلاثة دنانير. قال: "صلوا على صاحبكم". قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول اللّه وَعَلَىَّ دَيْنه. فصلى عليه رواه البخارى ومسلم، وهذا تحذير بالغ.
стр. 229
وممَّا لا شك فيه أن الزيادة على الثلاث بدعة سيئة فإن النبي ﷺ قد جعل نهاية الحزن ثلاثة أيام من حين الموت، فعن زينب بنت أبى سلمة قالت: دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين تُوفِّى أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت: واللّه ما لي بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول اللّه ﷺ على المنبر يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش -رضى اللّه عنها- حين تُوفِّى أخوها فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: أما واللّه ما لي بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول اللّه ﷺ يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلات إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" رواه البخارى ومسلم وغيرهما. الخَلوق -بالفتح-: ضرب من الطيب، وأحدت المرأة: امتنعت عن الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها فهى محد، وكذا حدت تحد بضم الحاء وكسرها حدادًا بالكسر فهى حاد.
ولا ينبغى لأحد تعزية الذين استمروا في مأتمهم فوق الثلاث فإنها أيضًا نهاية
مدة التعزية وينبغى لأهل الميت أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم لما علمت من اتفاق المذاهب الأربعة في الجلوس لأجل المصيبة.
(وصفوة القول) أن المآتم اليوم لا تخلو عن المنكرات ومخالفة سنة النبي ﷺ ، وناهيك ما يكون من القراء في تلاوة القرآن وما يفعله المستمعون في المآتم من الخروج عن حد الأدب حال تلاوته من رفع أصوات الاستحسان أو الاشتغال عن استماعه أو شرب الدخان إلى غير ذلك ممَّا يحول بين المجلس ونزول الرحمة، نسأل الله السلامة والهداية.
* * *
стр. 230
النِّيَاحَة وما ينَال المَيِّت مِنهَا
جاء في الحديث الصحيح عن رسول اللّه ﷺ التصريح بتحريم النواح، وورد في الحديث: أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين: قميصًا من جرب، وقميصًا من قطران، فعن أبى مالك الأشعرى ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : "أربع في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" رواه مسلم وابن ماجه، وسره أن الأجرب سريع الألم لتقرح جلده، والقطران يقوى شعلة النار فيكون عذابها بالنار بسبب هذين القميصين أشد العذاب، وروى أبو داود وغيره عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: "لعن رسول اللّه ﷺ النائحة والمستمعة". والنواح: تارة يكون كبيرة، وتارة يكون صغيرة.
فالكبيرة ما يقتضى نسبة الرب إلى الجور في قضائه والتبرم بقدره، وأن موت هذا ليس مصلحة، بل مفسدة عظيمة، إذا ذكرت النائحة كلامًا يقرر ذلك في النفوس ويحمل السامعين على اعتقاده، بأن تقول لفظًا يقتضى فرط جماله وكماله وشجاعته وبراعته مثلًا، وتبالغ فيما كان يفعله من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم إلى غير ذلك من صفات الميت التى يقتضى مثلها ألَّا يموت، فإن بموته تنقطع هذه المصالح ويعز وجود مثله ويعظم التفجع عليه
وأن الحكمة كانت تقضى ببقائه لتكثر تلك المصالح في الأمة، فمتى كان لفظها متضمنًا شيئًا من ذلك ولم تكن قاصدة نسبة الجور إليه تعالى وأن ما وقع مفسدة عظيمة كان محرمًا، فإن قصدت ذلك كان كفرًا وهو الغالب فيما يقع من نائحات اليوم، فإن غالب نواحهن اعتراض على الله فيما وقع.
يدل على ذلك زيادة على ما تقدم ما في الصحيحين عن ابن مسعود -رضى الله عنه- أن رسول اللّه ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية": أي ليس من أهل
стр. 231
سنتنا وطريقتنا وليس المراد إخراجه من الدين، بل المبالغة في الزجر عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته: لست منك وولست منى: أي ما أنت على طريقتى، قال في الفتح: ويظهر لي أن هذا النفى يفسره التبرؤ الذى في حديث أبى موسى وأصل البراءة الانفصال من الشئ وكأنه ﷺ توعده بألا يدخله في شفاعته مثلًا اهـ. وفيهما أيضًا عن أبى موسى الأشعرى أنه قال: "أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ، إن رسول اللّه ﷺ برئ من الصالقة": أي الرافعة صوتها بالندب والنياحة.
"والحالقة": أي لرأسها عند المصيبة "والشاقة": أي لثوبها، قال ذلك أبو موسى حينما أغمى عليه في مرضه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت امرأته تصيح برنة. وأخرج مسلم: "اثنان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت". قال الإمام النووى في شرح مسلم: وهذا الحديث يدل على تغيط تحريم الطعن في النسب والنياحة.
وفى معنى الكفر أقوال أصحها: أنها من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، وروى البزار بسند رواته ثقات أن رسول اللّه ﷺ قال: "صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة"، عن أُسيد بن أبى أُسيد التابعى عن امرأة من المبايعات قالت: "كان فيما أخذ علينا رسول اللّه ﷺ في المعروف الذى أخذ علينا ألا نخمش وجهًا ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننشر شعرًا" رواه أبو داود. وخمشت المرأة وجهها بظفرها خمشًا: جرحت ظاهر البشرة من بابى ضرب ونصر، ثم أطلق الخمش على الأثر وجمع على خموش كفلس وفلوس.
فأنت ترى ما اشتملت عليه هذه الأحاديث الصحيحة من اللعن، وأن ذلك كفر، أي يؤدى إليه أو لمن استحل، وغير ذلك من أنواع الوعيد الشديد، ومنها
يظهر صحة ما قاله غير واحد من المحققين من أن تلك الأعمال كلها كبائر ويلحق بها ما في معناها. قال الإمام الأذرعى: الأحاديث الصحيحة تقتضى أن ذلك من كبائر الذنوب لأنَّه ﷺ تبرأ من فاعل ذلك قال: "ليس منا من لطم الخدود وشق
стр. 232
الجيوب … " الحديث، ثم قال: ويجب الجزم بأن من جمع بين النياحة وشق الجيب والصياح، مع العلم بالتحريم واستحضار النهى عنه والتشديدات فيه وتعمد ذلك خرج عن العدالة، لجمعه بين هذه القبائح وإيذاء الميت بذلك، كما نطقت به السنة انتهى. وقال الخادم: وأما النياحة وما بعدها فقضية الخير بالتوعد عليه أن يكون كبيرة. اهـ.
وجملة الكلام: أنه يحرم الندب وهو تعديد محاسن الميت كواجبلاه واعزاه، والنوح وهو رفع الصوت بالندب، ومثله الإفراط في رفعه بالبكاء وإن لم يكن معه ندب ولا نوح وضرب نحو الخد وشق نحو الجيب ونشر الشعر وحلقه، ونتفه، وتسويد الوجه وإلقاء الرماد على الرأس، والدعاء بالويل والثبور، وكل شيء فيه تغيير للزى كلبس ما لا يعتاد لبسه أصلًا أو على تلك الصفة، وكترك شيء من لباسه والخروج بدونه على خلاف العادة. وقد ابتلى كثير من الناس بتغيير الزى، وعدم حلق الشعر، مع ما تقرر من حرمته، بل كونه كبيرة وفسقًا قياسًا على تلك المذكورات وإن كانت أفحش من ذلك لأنهم عللوها بما يعم الكل وهو أن ذلك يشعر إشعارًا ظاهرًا بالسخط وعدم الرضا بالقضاء والعياذ بالله تعالى.
"والصغيرة": هى التى لا يشم منها الاعتراض على القضاء ولكنها تبعد السلوة عن أهل الميت وتبعث الأسى في نفوسهم فيؤدى ذلك إلى تعذيب نفوسهم وقلة صبرهم وشدة ضجرهم، وربما حملهم ذلك على شق الجيوب وضرب الخدود، وكل هذا ينهى عنه الشارع سواء كان في المسألتين مع النياحة بكاء أم لا (نعم) إذا انضم إليها البكاء كانت أشد تحريمًا، فإن في البكاء زيادة تعذيب للنفس.
(أما) البكاء السالم من كل ذلك فهو جائز قبل الموت وبعده لكن الأولى تركه بعده إن أمكن، إذ قد ثبت أن النبي ﷺ بكى قبله على ولده وغيره، ففى الحديث: أنه ﷺ عاد سعد بن عبادة ومعه جماعة هم: عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود ﵃ فبكى، فلما رأوه بكوا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن
يعذب بهذا أو يرحم" وأشار إلى
стр. 233
لسانه. متفق عليه، وفى الحديث أيضًا: أنه رفع إليه ﷺ ابن لبنته وهو في الموت ففاضت عيناه فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" متفق عليه، وروى البخارى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول اللّه ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أنت يا رسول الله؟ فقال: "يا ابن عوف إنها رحمة"، ثم أتبعها بأخرى، فقال: "أن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". ذرفت العين ذوفًا من باب ضرب دمعت، وذرف الدمع: سال، ورحمة: رقة القلب.
وثبت أيضًا أنه بكى بعده، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ تدفن ورسول الله ﷺ جالس عند القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان" رواه البخارى، وقد بين الواقدى وغيره في روايته أن البنت أم كلثوم، وقد رد البخارى قول من قال. إنها رقية بأنها ماتت ورسول الله ﷺ في بدر فلم يشهد دفنها، ومن ذلك كله أخذ العلماء أن دمع العين بلا بكاء لا كراهة فيه، بل هو مباح.
وبالنوح يعذب الميت، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر -رضى اللّه عنهما- أنه ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحى عليه": أي سواء كان الباكى من أهل الميت أم لا، فليس الحكم مختصًّا بأهله، وراه البخارى أيضًا بلفظ: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"، ولفظ الأهل فيه مخرج مخرج الغالب لأن المعروف أنه إنما يبكى على الميت أهله. ومطلق البكاء في الحديث محمول على ما كان بنوح لا مجرد دمع العين، فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة" متفق عليه، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه"، وفى رواية: "ما نيح عليه": أي مدة النوح عليه، متفق عليه، وفى صحيح البخارى
стр. 234
عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا: "إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه" فقيده ببعض البكاء فحمل على ما فيه نياحة جمعًا بين الأحاديث.
ويدل أيضًا على أنه ليس المراد مطلق البكاء: بكاء عمر بن الخطاب -رضى الله
عنه- بحضرة النبي ﷺ هو راوى الحديث، وكذا بكاء ابنه عبد الله بن عمر، ففى "مصنف ابن أبى شيبة" من حديث عائشة ﵂ قالت: "حضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر -تعنى سعد بن معاذ- فوالذى نفس محمد بيده إنى لأعرف بكاء عمر من بكاء أبى بكر، وإنى لفى حجرتى"، ورواه أحمد عنها أيضًا بلفظ: "أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر فوالذى نفسى بيده إنى لأعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتى".
وجه الاستدلال بهذا الحديث: تقرير النبي ﷺ لهما على البكاء وعدم إنكاره عليهما مع أنه قد حصل منهما زيادة على مجرد دمع العين، ولهذا فرقت عائشة بين بكاء أبى بكر وعمر وهى في حجرتها، وكان الواقع منهما ممَّا لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه، ولم يبلغ إلى المنهى عنه، ويؤيد ذلك ما حكاه الإمام النووى من إجماع العلماء على أن المراد بالبكاء الذى يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين؛ لأنَّه مباح كما سبق.
(وصفوة القول) أن الأحاديت التى تفيد أن الميت يعذب بمطلق البكاء محمولة على ما كان منه بصوت ونياحة جمعًا بينها وبين أحاديث النياحة.
فإن قيل: المكلف لا يعذب بفعل غيره، نقول: ذهب أكثر العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتها للعمومات القرآنية وإثباتها تعذيب من لا ذنب له على وجوه:
(منها): أن ذلك محمول على ما إذا أوصى أن يبكى عليه وهو تأويل الجمهور، قالوا: وقد كان ذلك من عادات العرب كما قال طرفة بن العيد:
إذا مت فابكينى بما أنا أهله … وشقى على الجيب يا أُم معبد
ولا يلزم من وقوع النياحة من أهل الميت امتثالًا له أن لا يعذب
стр. 235
لو لم يمتثلوا، بل يعذب بمجرد الإيصاء، فإن امتثلوه وناحوا عذب على الأمرين: الإيصاء لأنَّه فعله، النياحة لأنها بسببه.
(ومنها): أنه يعذب بذلك إذا كان سنته وطريقته وقد أقر أهله عليه في حياته وهو تأويل الإمام البخارى وطائفة معه. وحاصله: أن المرء إذا علم ما جاء في النهى عن النوح وعرف أن أهله من عادتهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه وهو إهماله واجب التعليم والزجر لا بفعل غيره بمجرده.
(ومنها): أن معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها فإنه يرق لهم، وذلك أن الأرواح تتألم من المؤلمات وتفرح باللذات فما البرزخ كما كانت في الدنيا، فالأوضاع البشرية لم تتغير وإنما كانت في مسكن فارقته فقط وبقيت على حالها في أوضاعها. ولما كان البكاء والعويل في حالة الحياة تتأذى به الأرواح وتنقبض كانت بعد الموت تتأذى به كذلك، كان عليها أو على غيرها، وهو عليها أشد نكاية لأنها هى المصابة حينئذ، وقد صح أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء وما نزل بهم من شدة ورخاء، وفقر واستغناء إلى غير ذلك ممَّا يتجدد لأهليهم، وأنهم يتألمون لألمهم ويسرون لفرحهم، روى الإمام أحمد والترمذى وابن منده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرًا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هدينا"، وفى رواية أبى داود: "وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك".
وإذا كان الأمر كذلك كانوا يتألمون بالبكاء عليهم من أهليهم ومن غيرهم والألم عذاب، فلذا قال ﷺ : "إن الميت ليعذب ببكاء الحى عليه". فليس يراد به عذاب الذنوب، بل معناه الألم الجبِلِّىِّ الذى إذا وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى لرفع درجات من نزل به، ومنه قوله ﷺ : "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى
стр. 236
يتركه يمشى على الأرض وما عليه خطيئة" رواه البخارى وأحمد والنسائى وابن ماجه من حديث سعد بن أبى وقاص.
ومعلوم أن الأولياء والصالحين يتألمون بالبلايا، وليس ذلك عذابًا بالمعنى الأول، بل الألم الجِبِلِّىِّ الذى يرونه رحمة منه تعالى، ولذا قال بعض السلف في شأن القرن الماضى إن كان أحدهم ليفرح بالبلايا كما يفرح أحدكم بالرخاء، والعذاب يستعاذ منه ولا يفرح به، وقال بعضهم: البلية إذا اقترنت بالصبر كانت نعمة. ذهب إلى هذا التأويل ابن جرير الطبرى واختاره القاضى عياض والعراقي وغيرهم من المحققين.
وقد استدلوا له بما أخرجه ابن أبى خيثمة وابن أبي شيبة والطبرانى وغيرهم من
حديث قَيْلة وفيه: "فوالذى نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكى فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم". قال الحافظـ هو حسن الإسناد، فيستعبر إليه صويحبه: أي فيبكى لأجل بكائه ويتألم له.
ويؤيده ما قال أبو هريرة ﵁: إن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم كما جاء ذلك في الأحاديث التى سبقت، ويدل له أيضًا ما في "الزواجر" أن عمر بن الخطاب ﵁ سمع صوت بكاء فدخل ومعه غيره فمال عليهم ضربًا حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خمارها وقال: اضرب فإنها نائحة ولا حرمة لها إنها لا تبكى لشجوكم إنها تهريق دموعها على أخذ دراهمكم، وإنها تؤذى موتاكم في قبورهم وأحياءكم في دورهم، إنها تنهى عن الصبر قد أمر الله به، وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه. فإنه يفيد أن تعذيب الميت إيذاؤه وأن إيذاءه من جنس إيذاء الحى، وظاهر أن إيلامهم بتذكير المصيبة وتجديد الأحزان.
ولا يخفى أن هذا التأويل يقضى بحمل البكاء في الحديث على عمومه ولا يختص بالندب وهو تعديد محاسن الميت ولا بالنياحة وهى رفع الصوت بالندب ضرورة أن الأرواح إذا لم تتغير عن أوضاعها فهى تتألم من كل ما يتألم منه الحى، والإنسان إذا رأى غيره يبكى يتألم له وإن لم يكن معه ندب أو نوح، بل كان مجرد دمع العين، وذلك مشكل بما
стр. 237
تقدم من أن مطلق البكاء في الأحاديث مفيد بما كان بنوح وأن على ذلك إجماع العلماء.
ومنها وهو أحسن الوجوه: أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة للميت بما يندبه به أهله أو النائحة كواعضداه، واناصراه، واكاسياه، فحينئذ يتوجه السؤال إلى هذا الميت على لسان بعض الملائكة فيقال له: أنت كما يقال: كنت كاسيًا ومطعمًا وناصرًا إلى غير ذلك. والغرض من هذا السؤال، توبيخ النائحين وتكذيبهم بأن من نسبتم له هذه الخصال يتبرأ منها ولا يسعه في هذا الموطن إلا هذه البراءة، وإلا نزل به الويل الشديد.
ولما كان عاقبة هذا السؤال إظهار حقارة المسئول عند من ينسب إليه هذه الخصال معتقدًا كماله وأن موته ما كان ينبغى، كان السؤال سؤال تهكم وتوبيخ، فلذا يتألم المسئول غاية الألم من نفس السؤال، فما بالك إذا انضم إليه شيء من التحقير والإهانة كما سيظهر لك، وهذا نظير ما يقع لعيسى ﵇ يوم القيامة
من السؤال: ﴿ .. أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ … ﴾ (١) فإن الغرض منه توبيخ الكفار وتبكيتهم يإقراره ﵇ بالعبودية وأمرهم بعبادة اللّه ، وأيضًا تثبيت الحجة على قومه، وإكذاب لهم في ادعائهم عليه ذلك، ومع هذا ينال عيسى ﵇ من الشدة: ما في بعض الآثار أنه ﵇ عند هذا السؤال ترتعد مفاصله ويقشعر جلده خيفة من ربه .
فأنت ترى أنه ﵇ مع أنه كان يأمر بعبادة الله وينهى عن عبادة غيره وجه إليه هذا السؤال وناله من الشدة ما ناله، كل هذا للمعنى الذى دعا للسؤال، فهكذا حال الميت في القبر ويوم القيامة كما دل عليه بعض الآثار، يوجه إليه هذا السؤال لمثل ذلك الغرض، وتناله مثل هذه الشدة، ولا يغنيه من هذا السؤال وصيته بعدم النوح عليه، بل متى وقع النوح توجه السؤال إليه.
يدل على هذا التأويل ما رواه أحمد من حديث أبى موسى مرفوعًا: "الميت يعذب ببكاء الحى إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه جلد الميت وقال: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسيها"، وأخرج معناه
стр. 238
الترمذى وابن ماجه وما رواه البخارى عن النعمان بن بشير ﵁ قال: "أغمى على عبد اللّه بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكى وتقول: واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي: كنت كذا، فلما مات لم تبك عليه"، ورواه الطبرانى وفيه: "فقال: يا رسول الله أغمى على فصاحت النساء واعزاه، واجبلاه، فقام ملك ومعه مرزبة فجعلها بين رجلى فقال: أنت كما تقوله؟ فقلت: لا ولو قلت: نعم ضرينى بها"، وروى أيضًا أن معاذًا -رضى اللّه عنه- وقع له نظير ذلك أنه قال: ما زال ملك شديد الانتهار كلما قلت: واكذا قال: أكذلك أنت؟ فأقول: لا". وروى الترمذى وقال: حسن. غريب: "ما من ميت يموت فيقول باكيهم: واجبلاه، واسنداه أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟ ". واللهز: الدفع بجميع اليد في الصدر أفاده في "الزواجر". فهذه الآثار ترشد إلى معنى التعذيب وأنَّه يعم كل ميت نيح عليه وإن لم يوص، بل لو أوصى بالترك، وقد علمت أن بعض الآثار صرح بأنه في القبر والبعض بأنه يوم القيامة فيستفاد وقوع السؤال فيهما والله أعلم.
(ومن المختلف فيه) تلقين الميت، ونحن نبين لك ما جاء فيه من الأحاديث والآثار وما يؤخذ منها من الأحكام، ثم أقوال الأئمة المجتهدين، لتكون على بصيرة فيه فنقول: عن معاذ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان آخر قوله: لا إله إلَّا الله دخل الجنة" رواه أحمد وأبو داود، وعن أبى سعيد -رضى اللّه عنه- عن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلَّا اللَّه" رواه أصحاب السنن ما عدا البخارى، ورواه ابن حبان عن أبى سعيد أيضًا بزيادة: "فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة يومًا من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك". قال الإمام النووى في شرح الحديث: "لقنوا موتاكم": أي من حضره الموت. والمراد ذكروه لا إله إلَّا اللّه لتكون آخر كلامه كما في الحديث: "فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنة". ومن هذه الروايات يؤخذ ندب التلقين، قال الإمام النووى: والأمر بهذا التلقين
стр. 239
أمر ندب وقد أجمع العلماء عليه، وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر، إلى آخر ما قال: وهذا كله في التلقين عند الاحتضار.
ويستحب أن يقول الذى يضعه في قبره: بسم اللّه وعلى ملة رسول اللّه، لقوله ﷺ : إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه" رواه أحمد وأبو داود عن عمر.
وأما التلقين بعد الدفن فقد ورد فيه أثر عن راشد بن سعد وحمزة بن حبيب وحكيم بن عمير من التابعين قالوا: "إذا سوى على الميت قبره وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل: لا إله إلَّا اللّه، أشهد أن لا إله إلَّا اللّه ثلاث مرات، يا فلان قل: ربى الله، ودينى الإسلام، ونبيى محمد ﷺ ثم ينصرف". وقد روى نحو هذا الأثر مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث أبى إمامة عند الطبرانى وعبد العزيز الحنبلى في "الشافى" وفيه زيادة.
ونقول: أما الأثر المذكور فقد سكت عن رواته بعض الحفاظ ولم يتكلم فيه بجرح أو تعديل وجزم ابن حزم بضعف راشد وهو أحد رواته. وأما الحديث المروى عن أبى أمامة فقد اختلف في سنده فقال بعضهم: إسناده صالح، وقال بعضهم: في إسناده جماعة لا نعرفهم. وقد نص على ضعفه الحافظ ابن حجر العسقلانى والحافظ العراقي والإمام ابن القيم حتى من كان يستحسن التلقين كابن الصلاح
والنووى. رقد سئل الإمام أحمد عن هذا التلقين الذى يفعل بعد الدفن؟ فقال: ما رأيت أحدًا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة.
ومن هذا تعلم أن التلقين يعد الدفن في دليله كلام وليس فيه حديث أو أثر خال من القدح في سنده بحسب ما رأينا، ومذهب الإمام مالك ﵀ الكراهة لأنَّه لم يثبت عن النبي ﷺ ، واستحبه الإمام الشافعى ﵀ عملًا بما روى فيه، ومذهب أبى حنيفة ﵀ أنه ليس مسنونًا ولا مكرهًا فلا يأمر به لا ينهى عنه لأنَّه أمر لم يثبت عن النبي ﷺ ولا ضرر في فعله فهو أمر لا خير فيه ولا شر.
(هذا): المستحب بلا شك بعد الدفن هو الدعاء للميت بالمغفرة والتثبيت عند السؤال لما روى أن رسول اللّه ﷺ كان يفعله ويأمر به،
стр. 240
روى أبو داود من حديث عثمان -رضى اللّه عنه- قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا اللَّه له التثبيت فإنه الآن يسأل".
(فائدة): قال العلماء: يتأكد على من ابتلى بمصيبة بميت أو في نفسه أو أهله أو ماله وإن خفت أن يكثر من قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اأْجرنى في مصيبتى وأخلف خيرًا لي منها" لخبر مسلم: أن من قال ذلك أجره اللّه وأخلف له خيرًا، ولأنه تعالى وعد من قال ذلك بأن عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأنهم هم المهتدون. صلوات: ثناء وتكريم، ورحمة: إحسان ولطف بهم عند المصيبة فلا يلحقهم جزع، ولا يستولى عليهم فزع، وأنهم هم المهتدون: أي إلى الصواب في القول والعمل. قال ابن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعطه غيرهم: إنا للّه وإنا إليه راجعون ولو أوتوه لقاله يعقوب ولم يقل: يا أسفى على يوسف، وأخرج الشيخان: أن بنتًا له ﷺ أرسلت إليه تخبره أن ابنها في الموت، فقال ﷺ للرسول: "ارجع إليها فأخبرها أن للَّه ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب"، ومنه يستفاد طلب الصبر على النوازل كلها والهموم والأسقام وسائر الأعراض. ومعنى أن للّه ما أخذ: أن العالم كله ملكه فلم يأخذ إلا ما هو له عندكم في معنى العارية، وله ما أعطى: أي ما وهبه لكم إذ لم يخرج عن ملكه فيفعل فيه ما يشاء، وكل شيء عنده بأجل مسمى، أي فلا يمكن تقديمه عليه ولا تأخيره عنه، فمن أعلم هذا أداه إلى أن يصبر ويحتسب.
ومن البدع التى يدور أمرها بين الحرمة والكراهة وغالبها أن تكون حرامًا (الرثاء) بتلك القصائد التى ينشدها الشعراء عند حضور الجنازة في المسجد قبل الصلاة عليها أو بعدها قبل رفعها، وكثيرًا ما تكون عقب دفن الميت في القبر.
فإن المعنى الذى لأجله حرمت النياحة على الميت حتى صارت به من الكبائر يتحقق في كثير من مراثى شعراء اليوء، فإنه لعدم وقوفهم عند حدود الدين أو جهلهم به ترى النابغين منهم ينهجون في مراثيهم نهج
стр. 241
الجاهلية والجاهلين، يندبون كما تندب النائحات فيسبون الدهر ويخطئون المنايا، وقد ورد في صحيح البخارى وغيره: النهى عن سب الدهر، فعن أبى هريرة -رضى اللّه عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : "قال اللَّه ﵎: يؤذينى ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدى الأمر أقلب الليل والنهار" ومعناه: أنا خالق الدهر المقدر لما يحدث، فإذا سب ابن آدم الدهر بمعنى الزمان من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلى لأنى فاعلها، وإنما الدهر زمان جعلته ظرفًا لمواقع الأمور.
ويذكرون أن الأمة خسرت بموت المرثى خسارة لا تعوض وأن الفضيلة قبرت معه، وأن العلم تيتم، ويعددون من المحاسن والنعوت ما هو كذب صراح وافتراء محض، كقولهم: كان بحر علم مجددًا للدين محييًا للسنة مميتًا للبدعة مرجعًا للمشكلات، وهم يعلمون أن الفقيد على العكس من ذلك، فترى المرثية مصدرة بإساءة الأدب مع اللَّه تعالى مختتمة بالكذب المحرم.
ولما تُوفِّى الخليفة ببغداد أيام الملك الصالح عمل الملك له عزاء جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته:
مات من كان بعض أجناده المو … ت ومن كان يختشيه القضاء
فأنكر عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه اللّه تعالى وأمر بتأديبه وحبسه وأقام بعد التعزير في الحبس زمانًا طويلًا، ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه، وأمره أن ينظم قصيدة يثنى فيها على اللّه تعالى كفارة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء بقوله: من كان بعض أجناده الموت؛ تعظيمًا لشأن هذا الميت، وأن مثله ما كان ينبغى أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتى الأيام بمثل هذا ونحو ذلك، وقوله: يختشيه القضاء: يشير إلى أن اللّه تعالى كان يخاف منه، وهذا كفر أو قريب منه. رحم الله الشيخ، فهكذا يكون الرجال وهكذا تكون
العلماء، وحسبك أن اللّه تعالى وصفهم بقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ (١) هى أودية الهجاء المحرم نحوه ممَّا لا يحل قوله.
والمراثى اليوم على فرض خلوها عن كل ما يوجب التحريم الذى منه الكذب فلا تخلو من الكراهة فإن فيها ترك سنة التعجيل بالدفن وفيها
стр. 242
أنها كثيرًا ما تقدم على الصلاة كأنها الأهم. ومن ذلك تأبين الميت ليلة الأربعين أو عند مرور كل سنة المسمى بالتذكار، بالأشعار والخطب المشتملة على الكذب والمبالغة في الوصف، فكل ذلك ممَّا يؤذى الموتى ويرجع فاعلوه بالغضب والوبال آثمين غير مأجورين، ولا سبيل إلى إزالة المنكرات والبدع الواقعة في المقابر والجنائز والمآتم إلا أن يقوم السادة العلماء وخطباء المساجد بضجة عظيمة في تقبيحها وتنفير الناس منها بالوعيد الشديد عليها، أو يوفق اللّه ولاة الأُمور إلى احترام الدين وتنفيذ حدوده بالضرب على أيدى الخارجين عنها من أفراد الأمة ولو باعتبار هذه المخازى من الجرائم والإخلال بالنظام العام وباللّه تعالى التوفيق واللّه تعالى أعلم.
ويكثر السؤال عن الروح بعد الموت (أين تكون؟) فنقول: يرى كثير من العلماء أن أرواح المؤمنين في الجنة شهداء أو غير شهداء إذا لم يحبسها عن الجنة كبيرة أو دين، وأن أرواح الكفار في النار، وهو مروى عن أبى هريرة وابن عمر -رضى اللّه عنهم- لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (١) روح: استراحة، وريحان: رزق حسن طيب، ذكره تعالى بعد ذكر خروجها من البدن في الآيات قبله وقسمها ثلاثة أقسام: مقربين في الجنة، وأصحاب اليمين سالمين من العذاب، ومكذبين لهم نزل من حميم وتصلية جحيم، كما قسمها عند البعث يوم القيامة إلى ثلاثة أقسام أول السورة في قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٢).
وقال بعض العلماء: إن أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أعلى عليين، وأرواح الشهداء في الجنة تسرح كيف تشاء، وأرواح عامة المؤمنين مطلقة ومحبوسة، فالمطلقة تكون في أفنية قبورها غالبًا وأحيانًا تكون في السماء، وفى الجنة وتزور أهلها وتسر لسرورهم وتحزن لحزنهم. والمحبوسة لا تفارق القبر حتى القيامة إلا إذا قضى ما عليها من التبعات كالدين، ومن نظر في كتب السنة
стр. 243
عرف أن للروح شأنًا آخر غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنة هى في السماء ولها اتصال بفناء القبر وبالبدن فيه، وهى أسرع انتقالًا، ولها بعد المفارقة لذة وألم، وأن الأرواح المنعمة مطلقة لا حجر عليها، وأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجنة، وفى عليين، ولكن ذلك لا يمنعها أن تكون في السماء الأولى أو الثانية كما في حديث المعراج، وكذلك أرواح الشهداء والصالحين من غيرهم حرة طليقة تكون عند القبر وتذهب حيث شاءت إلا لمانع من التبعات، والآثار في ذلك كله صحيحة، واللّه أعلم.
وكثيرًا ما يتساءل الناس: هل ما يعمله الإنسان من الصدقات وغيرها يصل إلى الموتى وينفعهم أو لا؟ فنقول: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صومًا أو صدقة أو غيرها، ولا خلاف في هذا بين العلماء، وإنما الخلاف في أنه ينجعل بالجعل ويصل إلى الغير أوْ لا، بل يلغو جعله ولا يصل إليه.
والعبادات أنواع: مالية محضة كالزكاة، وبدنية محضة كالصلاة والتلاوة والذكر والدعاء، ومركبة منهما كالحج، فالإمام مالك والإمام الشافعى -رضى اللّه عنهما- لا يقولان بوصول العبادات البدنية المحضة كالصلاة والتلاوة، بل غيرها كالصدقة والحج، والسادة الحنفية يقولون بوصول العبادات مطلقًا. وخالف في كل العبادات المعتزلة وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١) وسعى غيره ليس سعيه، وهى وإن كانت مسوقة إخبارًا عما في صحف إبراهيم وموسى ﵉ فحيث لم يتعقب بإنكار: كان شريعة لنا على ما عرف.
والجواب: أن الآية وإن كانت ظاهرة فيما قال المعتزلة لكن يحتمل أنها منسوخة أو مقيدة، وقد ثبت ما يوجب المصير إلى ذلك وهو ما في الصحيحين "أنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته" والملحة: بياض الشعر يشوبه شعرات سود، وفى "سنن ابن ماجه" من حديث عائشة وأبى هريرة
رضى اللّه عنهما: "أنه ﷺ كان إذا أراد أن يضحى يشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين فذبح أحدهما عن أمته ممن شهد للّه بالوحدانية وله بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وآل محمد" وموجوءين: خصيين، ورواه ابن
стр. 244
أبى شيبة عن جابر: أنه ﷺ أتى بكبشين أملحين عظيمين أقرنين موجوءين فأضجع أحدهما وقال: "بسم اللَّه واللَّه أكبر، اللهم عن محمد وآل محمد"، ثم أضجع الآخر وقال: "بسم اللَّه واللّه أكبر، اللهم عن محمد وأمته ممن شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ"، وكذا رواه إسحاق وأبو يعلى في مسنديهما، وبالجملة فقد روى هذا عن عدة من الصحابة وكثر مخرجوه، فلا يبعد أن يكون القدر المشترك -وهو أنه ضحى عن أمته- مشهورًا يجوز تقييد الكتاب به بما لم يجعله صاحبه.
أو ننظر إليه وإلى ما رواه الدارقطني: أن رجلًا سأله ﷺ فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له ﷺ : "إن من البر بعد الموت أن تصلى لهما مع صلاتك وتصوم لهما مع صيامك"، وإلى ما روى عن أنس -رضى اللّه عنه-: أنه سأله ﷺ ، فقال: يا رسول اللّه إنا نتصدق عن موتانا ونحج عنهم وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليهم؟ قال: "نعم إنه ليصل إليهم وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه" رواه أبو حفص الكبير العكبرى. فهذه الآثار وما قبلها، وما في السنة أيضًا من نحوها عن كثير قد تركناه خشية الإطالة، يبلغ القدر المشترك بين الكل -وهو أن من جعل شيئًا من الصالحات لغيره نفعه اللّه به- مبلغ التواتر.
وكذا ما جاء في الكتاب الحكيم من الأمر بالدعاء للوالدين في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١)، ومن الإخبار باستغفار الملائكة للمؤمنين قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣)، وساق عبارتهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤) قطعى في حصول الانتفاع بعمل الغير فيخالف ظاهر الآية التى استدلوا بها؛ لأن ظاهرها أنه لا ينفع استغفار أحد لأحد بوجه من الوجوه لأنَّه ليس من سعيه، فلا يكون له منه شيء، فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهرها على
стр. 245
صرافته فتتقيد بما لم يهبه العامل، وهو أولى من النسخ.
(أما أولًا): فلأنه أسهل إذ لم يبطل بعد الإرادة.
(وأما ثانيًا): فلأن الآية من قبيل الخبر ولا يجرى النسخ في الأخبار، وما يتوهم جوابًا من أنه تعالى أخبر في شريعة إبراهيم وموسى ﵉ ألا يجعل الثواب لغير العامل، ثم جعله لمن بعدههم من أهل شريعتنا، حقيقة مرجعه، إلى تقييد الإخبار لا إلى النسخ؛ لأن حقيقته أن يراد المعنى ثم ترفع إرادته، وهذا تخصيص بالإرادة بالنسبة إلى أهل تلك الشرائع، ولم يقع نسخ لهم، ولم يرد الإخبار أيضًا في حقنا ثم نسخ.
وأما جعل اللام في "للإنسان" بمعنى على فبعيد من ظاهرها، ومن سياق الآية أيضًا، فإنها وعظ للذى تولى وأعطى قليلًا وأكدى، وقد ثبت في ضمن الجواب عن قول المعتزلة الجواب عن قول الإمام مالك والإمام الشافعى -رضى اللّه عنهما- في العبادات البدنية بما في الآثار. ا هـ من "فتح القدير" بتصرف واللّه الموفق للصواب.
وفى "شرح الإحياء" ما ملخصه: اتفق أهل السنة على أن الأموات ينتفعون من سعى الأحياء بأمرين: أحدهما ما تسبب إليه الميت في حياته، كأن كان قدوة صالحة في عمل أو معلمًا له، فإنه ينتفع بعمل من أرشدهم بقوله أو فعله زيادة على انتفاعه بأصل ذلك القول أو الفعل، والثانى دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج. واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر، فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها والمشهور من مذهب الشافعى ومالك عدم وصولها، وذهب بعض أهل الكلام (المعتزلة) إلى عدم وصول شيء البتة لا الدعاء ولا غيره، وقوله مردود بالكتاب والسنة.
واستدلاله بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١) مدفوع بأنه لم ينف انتفاع الإنسان بسعى غيره وإنما نفى ملك غير سعيه. وأما سعى غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء بذله لغيره وإن شاء أبقاه لنفسه - وهو سبحانه لم يقل إنه لا ينتفع إلَّا بما سعى - ثم قراءة القرآن وإهداؤه له تطوعًا بغير أجرة يصل إليه. أما لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره فالوصية باطلة لأنَّه في معنى
стр. 246
الأجرة كذا في الاختيار، والعمل الآن على خلافه، فالأولى أن يوصى بنية التعلم والتعليم ليكون إعانة لأهل القرآن فيكون من جنس الصدقة عنه فيجوز، ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبى حنيفة ومالك وأحمد في رواية لأنَّه لم ترد به السنة. انتهى.
وعند الشافعى وأحمد في رواية أخرى أن القراءة مستحبة عند القبر خاصة لتحصل للميت بركة المجاورة كمجاورة دفن رجل صالح، ووافقهما القاضى عياض والإمام القرافى من المالكية.
ويتساءلون أيضًا عن نقل الميت من بلد إلى بلد أخرى قبل دفنه وبعده؟
والجواب: أن السنة دفن الميت في مقابر المكان الذى مات أو قتل فيه، وإن نقل قدر ميل أو ميلين فلا بأس لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه المسافة ويكره فيما زاد عن ذلك، فقد صح أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أمر بدفن قتلى أحد في مضاجعهم مع أن مقبرة المدينة على مقربة منها، ولذا دفنت الصحابة الذين فتحوا دمشق عند أبوابها، ونقل عن عائشة ﵂ أنها قالت حين زارت قبر أخيها عبد الرحمن كان مات بالشام وحمل منها: لو كان الأمر فيك إلى ما نقلتك ولدفنتك حيث مت.
وأما نقله بعد دفنه فلا يجوز لمدة طويلة ولا قصيرة إلا لحق آدمى، فيجوز نبشه، كما إذا دفن في أرض مغصوبة وأبى صاحب الأرض إبقاءه، أو دفن في أرض أخذت بعد دفنه بالشفعة لآخر، أما في غير هذه الأحوال فلا يجوز نبشه ولا نقل رفاته إلى مكان آخر، وكذا لم يحول كثير من الصحابة وقد دفنوا بأرض الحرب إذ لا عذر.
وأما نقل يعقوب ويوسف ﵉ من مصر إلى الشام ليكونا مع آبائهما الكرام فهو شرع من قبلنا ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعًا لنا، والسر في كراهة نقله
قبل الدفن أنه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه، وكفى بذلك كراهة مع ما فيه من تعريض الميت للإهانة والقذر، وفى نقل رفاته إيذاء وإهانة، وبالله تعالى التوفيق.
وكثيراً أيضًا يسأل الناس عن الخضر ﵇: هل هو نبى أو ولى؟ وهل هو حى أو لا؟
والجواب: أن جمهور العلماء على أنه نبى لا رسول، وأنَّه العبد الموصوف في
стр. 247
قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (١) وقيل: هو ولى وعليه الإمام القشيرى وجماعة، والمتصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين.
والخضر: لقبه وكنيته أبو العباس، واسمه بَلْيا بن ملكا، وكما اختلف في نبوته اختلف في حياته اليوم، فذهب جمع من المحققين إلى أنه ليس بحى اليوم، وسئل عنه الإمام البخارى وعن إلياس ﵉: هل هما حيان؟ فقال: كيف هذا وقد قال النبي ﷺ أي قبل وفاته بقليل -: "لا يبقى على رأس المئة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". والذى في صحيح مسلم عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته: "ما من نفس منفوسة يأتى عليها مئة سنة وهى يومئذ حية". منفوسة: مولودة، وسئل عن ذلك غيره من الأئمة فقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (٢)، وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتى إلى النبي ﷺ ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه، وقد قال يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (٣) فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين كان الخضر يومئذ؟ انتهى.
ونقل في "البحر" عن شرف الدين محمد بن أبى الفضل المرسى القول بموته أيضاً، ونقله ابن الجوزى عن على بن موسى الرضا ﵄، وحكى القاضى أبو يعلى موته عن بعض أصحاب محمد.
وكيف يعقل وجود الخضر ﵇ ولا يصلى مع رسول الله ﷺ الجمعة والجماعة، ولا يشهد معه الجهاد مع قوله صلوات الله عليه وسلامه عليه: "والذى
نفسى بيده لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعنى" رواه أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى
стр. 248
ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). إصرى: عهدى، وعند القوم من المعقول وجوه كثيرة على عدم حياته الآن.
(منها): أنه لو صح بقاء بشر من لدن آدم إلى قرب خراب الدنيا لحسن ذكر هذا الأمر العظيم في القرآن الكريم مرة على الأقل لأنَّه من آيات الربوبية في النوع الإنسانى لا سيما وقد ذكر تعمير عدو الله إبليس لعنه الله، فإذا ذكر يكون القرآن مشتملًا على ذكر معمر من الجن مبعد وذكر معمر من الإنس مقرب.
(ومنها): أن القول بحياة الخضر قول على الله تعالى بغير علم وهو حرام بنص القرآن.
أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأولى فلأن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن الكريم والسنة أو إجماع الأمة، وهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر ﵇؟ وهذه سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة فمتى أجمعوا على حياته؟
واتفقت السادة الصوفية قدس الله أسرارهم على أنه حى موجود بين أظهرنا واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة قال فيها الإمام ابن القيم: إن الأحاديث التى يذكر فيها الخضر ﵇ وحياته كلها كذب ولم يصح في حياته حديث واحد ومن ادعى الصحة فعليه البيان.
(وصفوة القول) أن الأحاديث الصحيحة والمقدمات الراجحة العقلية تساعد القائلين بوفاته، ولا موجب للعدول عن ظواهر تلك الأخبار إلا مراعاة ظواهر الحكايات المروية (والله أعلم بصحتها) عن بعض الصالحين وحسن الظن ببعض السادة الصوفية القائلين بوجوده إلى آخر الزمان، والله تعالى أعلم بغيبه.
الفصل الرابع في بِدَع المَوَالِد وَأَوَّل مَن أَحْدَثها
الموالد: هى الاجتماعات التى تقام لتكريم الماضين من الأنبياء والأولياء، والأصل فيها أن يتحرى الوقت الذى ولد فيه من يقصد بعمل المولد.
стр. 249
وقد يتوسع فيها حتى تتكرر في العام الواحد كما يعمل لسيدى أحمد البدوى ﵀ قيل: أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوى، ومولد الإمام على ﵁، ومولد السيدة فاطمة الزهراء ﵂، ومولد الحسن والحسين ﵄، ومولد الخليفة الحاضر. وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوى بمدينة اربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا وتوسع الناس فيها وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن.
ولا نزاع في أنها من البدع، إنما النزاع في حسنها وقبحها فالقائلون بالمنع بنوه:
(أولًا): على أنها لم يستحسنها السلف ولم يفعلوها، وما اشتملت عليه من الصدقات وجمع الناس للطعام لا يجعلها مشروعة، فإن إطعام الطعام إنما شرع في العيدين وأيام التشريق فإنه من السنن التى سنها رسول الله ﷺ للمسلمين كإعانة الفقراء بالإطعام في شهر رمضان فإنه من سنن الإسلام. وأما اتخاذ موسم غير هذه المواسم الشرعية فليس من السنة، وكذا ما اشتملت عليه من قراءة القرآن وحديث رسول الله ﷺ وغير ذلك فإنه وإن كان من أعظم القرب، وفيه البركة العظيمة، لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعى لا بنية المولد. ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب ومع ذلك لو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذمومًا.
(وثانيًا) ما تشتمل عليه هذه الموالد من المفاسد المحرمة والمكروهة، فمن المحرمة إضاعة الأموال بكثرة الوقود في المساجد والطرق وإيقاد الشموع والمصابيح في
الأضرحة وكل ما يرجع إلى الإسراف والتبذير، وفى الحديث: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" رواه مسلم.
(ومنها): انتهاك حرمة المساجد بتقذيرها وكثرة اللغط فيها ودخول الأطفال حفاة أو بالنعال فلا يكاد يتيسر لأحد إقامة الشعائر
стр. 250
في مسجد يعمل فيه مولد.
(ومنها): خروج النساء متبرجات مع اختلاطهن بالرجال إلى حد لا يؤمن معه وقوع الفاحشة، وناهيك ما يكون من البغايا وتطلبهن الفاحشة جهارًا.
(ومنها): استعمال الأغانى وآلات الطرب على الوجه المحرم بالإجماع، وغير ذلك ممَّا يفسد أخلاق الأمة ويبعث في نفوس الشبان روح العشق والميل إلى الفجور.
(ومنها): قراءة القرآن على غير الوجه المشروع فيرجعون فيه كترجيع الغناء غير مراعين فيه ما يجب له من الآداب، وفى وقت اللغط، والسنة في تلاوته أن تكون بحزن وخشوع، قال صلوات الله وسلامه عليه: "اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" رواه ابن ماجه من حديث سعد بن أبى وقاص بسند جيد، وبعض القراء يفتتح مجلس المولد بقراءة شيء من القرآن، ثم يشرع في قراءة قصة المولد النبوى قليلًا، ثم يأخذ في الغناء بقصائد الغزل، فترتفع أصوات السامعين بالاستحسان، وينقلب إلى مجلس لهو وعبث بكرامة المسجد، وكل ذلك مع ما فيه من تعريضه للإهانة وعدم الاحترام لكتاب الله تعالى ضد ما وصف الله به المؤمنين عند سماع كلامه حيث قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١).
وممَّا يشعر بالاستهانة والاستخفاف بكتاب الله تعالى وإن لم يقصد الفاعل ذلك شرب الدخان في مجلس القرآن الكريم خصوصًا إذا كان ممن يقرب منه حال القراءة، والتشويش عليه، والإعراض عنه، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢). والاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت، فإن ظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وهو قول الحسن البصرى وأهل الظاهر، تعظيمًا له واحترامًا، وبذلك يرجى الفوز بالرحمة.
قال العلامة الشبراوى في "شرح الورد" نقلًا عن شيخه السباعى: الذى ندين الله عليه حرمة شرب الدخان في مجلس القرآن، ولا وجه للقول بالكراهة، وإذا كان الحديث الدنيوى في مجلس القرآن منهيًّا عنه