الأجرة كذا في الاختيار، والعمل الآن على خلافه، فالأولى أن يوصى بنية التعلم والتعليم ليكون إعانة لأهل القرآن فيكون من جنس الصدقة عنه فيجوز، ثم القراءة عند القبور مكروهة عند أبى حنيفة ومالك وأحمد في رواية لأنَّه لم ترد به السنة. انتهى.
وعند الشافعى وأحمد في رواية أخرى أن القراءة مستحبة عند القبر خاصة لتحصل للميت بركة المجاورة كمجاورة دفن رجل صالح، ووافقهما القاضى عياض والإمام القرافى من المالكية.
ويتساءلون أيضًا عن نقل الميت من بلد إلى بلد أخرى قبل دفنه وبعده؟
والجواب: أن السنة دفن الميت في مقابر المكان الذى مات أو قتل فيه، وإن نقل قدر ميل أو ميلين فلا بأس لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه المسافة ويكره فيما زاد عن ذلك، فقد صح أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أمر بدفن قتلى أحد في مضاجعهم مع أن مقبرة المدينة على مقربة منها، ولذا دفنت الصحابة الذين فتحوا دمشق عند أبوابها، ونقل عن عائشة ﵂ أنها قالت حين زارت قبر أخيها عبد الرحمن كان مات بالشام وحمل منها: لو كان الأمر فيك إلى ما نقلتك ولدفنتك حيث مت.
وأما نقله بعد دفنه فلا يجوز لمدة طويلة ولا قصيرة إلا لحق آدمى، فيجوز نبشه، كما إذا دفن في أرض مغصوبة وأبى صاحب الأرض إبقاءه، أو دفن في أرض أخذت بعد دفنه بالشفعة لآخر، أما في غير هذه الأحوال فلا يجوز نبشه ولا نقل رفاته إلى مكان آخر، وكذا لم يحول كثير من الصحابة وقد دفنوا بأرض الحرب إذ لا عذر.
وأما نقل يعقوب ويوسف ﵉ من مصر إلى الشام ليكونا مع آبائهما الكرام فهو شرع من قبلنا ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعًا لنا، والسر في كراهة نقله
قبل الدفن أنه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه، وكفى بذلك كراهة مع ما فيه من تعريض الميت للإهانة والقذر، وفى نقل رفاته إيذاء وإهانة، وبالله تعالى التوفيق.
وكثيراً أيضًا يسأل الناس عن الخضر ﵇: هل هو نبى أو ولى؟ وهل هو حى أو لا؟
والجواب: أن جمهور العلماء على أنه نبى لا رسول، وأنَّه العبد الموصوف في
стр. 247
قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (١) وقيل: هو ولى وعليه الإمام القشيرى وجماعة، والمتصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين.
والخضر: لقبه وكنيته أبو العباس، واسمه بَلْيا بن ملكا، وكما اختلف في نبوته اختلف في حياته اليوم، فذهب جمع من المحققين إلى أنه ليس بحى اليوم، وسئل عنه الإمام البخارى وعن إلياس ﵉: هل هما حيان؟ فقال: كيف هذا وقد قال النبي ﷺ أي قبل وفاته بقليل -: "لا يبقى على رأس المئة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". والذى في صحيح مسلم عن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته: "ما من نفس منفوسة يأتى عليها مئة سنة وهى يومئذ حية". منفوسة: مولودة، وسئل عن ذلك غيره من الأئمة فقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (٢)، وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتى إلى النبي ﷺ ويجاهد بين يديه، ويتعلم منه، وقد قال يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (٣) فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين كان الخضر يومئذ؟ انتهى.
ونقل في "البحر" عن شرف الدين محمد بن أبى الفضل المرسى القول بموته أيضاً، ونقله ابن الجوزى عن على بن موسى الرضا ﵄، وحكى القاضى أبو يعلى موته عن بعض أصحاب محمد.
وكيف يعقل وجود الخضر ﵇ ولا يصلى مع رسول الله ﷺ الجمعة والجماعة، ولا يشهد معه الجهاد مع قوله صلوات الله عليه وسلامه عليه: "والذى
نفسى بيده لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعنى" رواه أحمد في مسنده من حديث جابر ﵁، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى
стр. 248
ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). إصرى: عهدى، وعند القوم من المعقول وجوه كثيرة على عدم حياته الآن.
(منها): أنه لو صح بقاء بشر من لدن آدم إلى قرب خراب الدنيا لحسن ذكر هذا الأمر العظيم في القرآن الكريم مرة على الأقل لأنَّه من آيات الربوبية في النوع الإنسانى لا سيما وقد ذكر تعمير عدو الله إبليس لعنه الله، فإذا ذكر يكون القرآن مشتملًا على ذكر معمر من الجن مبعد وذكر معمر من الإنس مقرب.
(ومنها): أن القول بحياة الخضر قول على الله تعالى بغير علم وهو حرام بنص القرآن.
أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأولى فلأن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن الكريم والسنة أو إجماع الأمة، وهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخضر ﵇؟ وهذه سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فأين فيها ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة فمتى أجمعوا على حياته؟
واتفقت السادة الصوفية قدس الله أسرارهم على أنه حى موجود بين أظهرنا واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة قال فيها الإمام ابن القيم: إن الأحاديث التى يذكر فيها الخضر ﵇ وحياته كلها كذب ولم يصح في حياته حديث واحد ومن ادعى الصحة فعليه البيان.
(وصفوة القول) أن الأحاديث الصحيحة والمقدمات الراجحة العقلية تساعد القائلين بوفاته، ولا موجب للعدول عن ظواهر تلك الأخبار إلا مراعاة ظواهر الحكايات المروية (والله أعلم بصحتها) عن بعض الصالحين وحسن الظن ببعض السادة الصوفية القائلين بوجوده إلى آخر الزمان، والله تعالى أعلم بغيبه.
الفصل الرابع في بِدَع المَوَالِد وَأَوَّل مَن أَحْدَثها
الموالد: هى الاجتماعات التى تقام لتكريم الماضين من الأنبياء والأولياء، والأصل فيها أن يتحرى الوقت الذى ولد فيه من يقصد بعمل المولد.
стр. 249
وقد يتوسع فيها حتى تتكرر في العام الواحد كما يعمل لسيدى أحمد البدوى ﵀ قيل: أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوى، ومولد الإمام على ﵁، ومولد السيدة فاطمة الزهراء ﵂، ومولد الحسن والحسين ﵄، ومولد الخليفة الحاضر. وبقيت هذه الموالد على رسومها إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش، ثم أعيدت في خلافة الآمر بأحكام الله في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بعدما كاد الناس ينسونها، وأول من أحدث المولد النبوى بمدينة اربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالموالد إلى يومنا هذا وتوسع الناس فيها وابتدعوا بكل ما تهواه أنفسهم وتوحيه إليهم شياطين الإنس والجن.
ولا نزاع في أنها من البدع، إنما النزاع في حسنها وقبحها فالقائلون بالمنع بنوه:
(أولًا): على أنها لم يستحسنها السلف ولم يفعلوها، وما اشتملت عليه من الصدقات وجمع الناس للطعام لا يجعلها مشروعة، فإن إطعام الطعام إنما شرع في العيدين وأيام التشريق فإنه من السنن التى سنها رسول الله ﷺ للمسلمين كإعانة الفقراء بالإطعام في شهر رمضان فإنه من سنن الإسلام. وأما اتخاذ موسم غير هذه المواسم الشرعية فليس من السنة، وكذا ما اشتملت عليه من قراءة القرآن وحديث رسول الله ﷺ وغير ذلك فإنه وإن كان من أعظم القرب، وفيه البركة العظيمة، لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعى لا بنية المولد. ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب ومع ذلك لو فعلها إنسان في غير الوقت المشروع لها لكان مذمومًا.
(وثانيًا) ما تشتمل عليه هذه الموالد من المفاسد المحرمة والمكروهة، فمن المحرمة إضاعة الأموال بكثرة الوقود في المساجد والطرق وإيقاد الشموع والمصابيح في
الأضرحة وكل ما يرجع إلى الإسراف والتبذير، وفى الحديث: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" رواه مسلم.
(ومنها): انتهاك حرمة المساجد بتقذيرها وكثرة اللغط فيها ودخول الأطفال حفاة أو بالنعال فلا يكاد يتيسر لأحد إقامة الشعائر
стр. 250
في مسجد يعمل فيه مولد.
(ومنها): خروج النساء متبرجات مع اختلاطهن بالرجال إلى حد لا يؤمن معه وقوع الفاحشة، وناهيك ما يكون من البغايا وتطلبهن الفاحشة جهارًا.
(ومنها): استعمال الأغانى وآلات الطرب على الوجه المحرم بالإجماع، وغير ذلك ممَّا يفسد أخلاق الأمة ويبعث في نفوس الشبان روح العشق والميل إلى الفجور.
(ومنها): قراءة القرآن على غير الوجه المشروع فيرجعون فيه كترجيع الغناء غير مراعين فيه ما يجب له من الآداب، وفى وقت اللغط، والسنة في تلاوته أن تكون بحزن وخشوع، قال صلوات الله وسلامه عليه: "اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" رواه ابن ماجه من حديث سعد بن أبى وقاص بسند جيد، وبعض القراء يفتتح مجلس المولد بقراءة شيء من القرآن، ثم يشرع في قراءة قصة المولد النبوى قليلًا، ثم يأخذ في الغناء بقصائد الغزل، فترتفع أصوات السامعين بالاستحسان، وينقلب إلى مجلس لهو وعبث بكرامة المسجد، وكل ذلك مع ما فيه من تعريضه للإهانة وعدم الاحترام لكتاب الله تعالى ضد ما وصف الله به المؤمنين عند سماع كلامه حيث قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١).
وممَّا يشعر بالاستهانة والاستخفاف بكتاب الله تعالى وإن لم يقصد الفاعل ذلك شرب الدخان في مجلس القرآن الكريم خصوصًا إذا كان ممن يقرب منه حال القراءة، والتشويش عليه، والإعراض عنه، لظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢). والاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت، فإن ظاهر هذه الآية الكريمة يقتضى وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها وهو قول الحسن البصرى وأهل الظاهر، تعظيمًا له واحترامًا، وبذلك يرجى الفوز بالرحمة.
قال العلامة الشبراوى في "شرح الورد" نقلًا عن شيخه السباعى: الذى ندين الله عليه حرمة شرب الدخان في مجلس القرآن، ولا وجه للقول بالكراهة، وإذا كان الحديث الدنيوى في مجلس القرآن منهيًّا عنه
стр. 251
فشرب الدخان في مجلسه أولى بالنهى لما فيه من الرائحة الكريهة وإن كان شاربوه لا يدركون ذلك للألف والعادة، كالذين تعودوا معالجة المواد البرازية لا يتألمون من رائحتها، وإذا كان العقلاء يرون من الآداب أن لا يشرب الدخان بحضرة ملوك الدنيا وأمرائها أفلا يرون ذلك مخلًّا بالآداب في وقت مناجاة ملك الملوك بقراءة القرآن!؟ وكم من شيء لا يمنع بغير حضرة الملوك ولكن يمنع بحضرتهم. فعلى فرض أن شرب الدخان مكروه في غير مجلس القرآن فهو في مجلس القرآن لإخلاله بالأدب في حضرة كلام ذى العظمة والجبروت محرم، ألا ترى أن كثيرًا من الأشياء مباح خارج الصلاة لكنه يحرم في أثنائها وإن لم يبطلها وما ذاك إلا لإخلاله بآداب الوقوف بين يدى الله تعالى. انتهى.
ولنضرب لذلك مثلًا يوضحه لك ويزيدك إيمانًا به: لو أن ملكًا أصدر قانونًا يتضمن شيئًا من مصالح الرعية كنظام الضرائب، ومناوبات الرى، وحفر الأنهار، وأمر عماله في الأقاليم أن يجمعوا العمد والمشايخ وأرباب المصالح في البلاد ويقرءوا عليهم هذا القانون ويشددوا عليهما في تنفيذه واحترامه، فاجتمعوا وقام فيهم عمال الملك يتلون عليهم هذا القانون كما أمروا، ففى أثناء تلاوته رأى أحد العمال رجلين يتكلمان أو أحدًا يشرب الدخان في مجلس الاجتماع ماذا يكون الحال؟ أليس يغضب التالى للقانون من ذلك إن لم يعاقب بالطرد، لما في ذلك من انتهاك حرمة القانون وتاليه.
فإذا كان هذا في قانون الملك المخلوق، فما بالك بقانون ملك الملوك الخالق القادر رب الأرباب ومالك العباد، وفيه من ضروب الصالح والفوائد ما يضمن لمن اهتدى بهديه سعادة الدنيا والآخرة.
(ومنها): تطلب الرياء والسمعة بما ينفق في سبيل المولد فترى الأغنياء يتنافسون في الليالى التى يحيونها بأسمائهم وكل يجتهد في أن تكون ليلته أحسن الليالى (ليقال).
(ومنها): إقامة حلقات للذكر المحرف في المساجد أيام المولد مع ارتفاع أصوات المنشدين مع التصفيق الحاد من رئيس الذاكرين (بل الراقصين)، وقد يضربون على
البازة أو السلامية أثناء الذكر، وفى المسجد،
стр. 252
وكل ذلك غير مشروع بإجماع العلماء، ولم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة والتابعين ولا عهد الأئمة الأربعة المجتهدين ﵃ أجمعين.
(ومن المكروهة): قراءة القرآن على قارعة الطريق وفى الحوانيت كما سبق لك.
(ومنها): التكلف الذى يقع منهم في الوفاء بشهواتهم.
(ومنها): الإفراط في السهر الذى يترتب عليه تضييع الصلوات وضرر الأبدان.
(ومنها): شد الرحال إلى البقاع النائية وإهمال المزارع والصنائع والبيوت حتى تصير عرضة للتلف وسطو اللصوص .. إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى على بصير تركناه خوف الإطالة.
(وأما القائلون بالجواز) وأن الموالد بدعة حسنة فقالوا: إن ما اشتمل منها على محرم أو مكروه فليس بحسن، بل حرام أو مكروه وإنما ندعى حسن ما اشتمل على خير فقط كإطعام الطعام وذكر الله وقراءة القرآن وتلاوة قصة مولده الشريف وقصائد مدحه ﵊، وكل ذلك مندوب إليه كما لا يخفى، وبهذا يسقط الدليل الثانى للقائلين بالمنع، ثم استدلوا على حسنها بدليلين:
الأول: عموم الأدلة الدالة على مندوبية قراءة القرآن وذكر الله تعالى وعلى حسن تعظيم النبي صلوات الله وسلامه عليه بالثناء عليه وإظهار شمائله وفضائله وتبيين معجزاته، وعلى رغبة الشارع في إطعام الفقراء والتصدق على المساكين مع العلم بأن مندوبية ما ذكر بناء على هذه الأدلة العامة لم تتقيد في نظر الشارع بأوقات أو أمكنة مخصوصة ولم يعتبر فيها قيود خاصة، ألا ترى مثل قوله صلوات الله وسلامه عليه: "لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلَّا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده" رواه مسلم، وروى أيضًا أنه ﷺ قال لقوم جلسوا يذكرون الله تعالى ويحمدونه على أن هداهم للإسلام: "أتانى جبريل ﵊ فأخبرنى أن الله تعالى يباهى بكم الملائكة". قال ابن حجر الفقيه: وفى الحديثين دليل واضح على فضل الاجتماع على الخير والجلوس له وأن الجالسين على خير كذلك يباهى الله بهم الملائكة وتنزل عليهم السكينة
стр. 253
وتغشاهم الرحمة ويذكرهم الله تعالى بالثناء عليهم بين الملائكة،
فأى فضائل أجل من هذه، فبدعة المولد وإن لم تنقل عن أحد من السلف الصالح أعنى القرون الثلاثة المشهود لها بالخير لكنها حسنة مندوبة لانطباق قواعد الندب وأدلته العامة عليها. اهـ.
ولعل الخلق لما رأوا بعد عهد الناس بالنبوة وكثرة اهتمامهم بأمر دنياهم استحسنوا عمل هذه الموالد مشتملة على تاريخ من تقام له وبيان أعماله وفضائله وكراماته ونشر ذلك على العامة والخاصة والشيوخ والأطفال على هذا الوجه المعروف المشتمل على إظهار الفرح والسرور بالأنبياء والأولياء، وفى هذا تنبيه لهم على التخلق بأخلاقهم والسير على طريقهم.
(وأما السلف) فلم تكن لهم حاجة إليه لقرب عهدهم بنور النبوة ومزيد عنايتهم بنشر نعوته ﵊ بين الناس فلهذا لم يزل أهل الإسلام يحتفلون في شهر مولده خصوصًا في ليلته بعمل المولد الشريف.
الدليل الثانى: ما في الصحيحين: "أن النبي ﵌ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى فيه موسى فنحن نصومه شكرًا لله تعالى فصامه ﷺ وأمر أصحابه بصيامه". فيستفاد من ذلك فعل الشكر لله تعالى، على ما من الله به في يوم معين من إسداء نعمة ودفع نقمة، ويعاد في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يكون بأنواع الطاعة وأعمال البر كالسجود والصيام والتلاوة والصدقة، وأى نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي ﷺ الذى هو نبى الرحمة في ذلك اليوم، وإجمالًا يستحب لنا إظهار الشكر له تعالى بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام وما إلى ذلك من أنواع البر وإظهار السرور. قال العلامة أبو شامة: إن من أحسن ما أحدث في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده ﷺ من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبته ﷺ وتعظيمه وجلالته في قلب فاعل ذلك وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذى أرسله رحمة للعاملين - صلى الله
стр. 254
عليه وسلم - اهـ. وبهذا يسقط الدليل الأول للقائلين بالمنع.
ونقول لهم: لكن بقى النظر في هذه الموالد التى تقام في هذه الأزمان ولا شبهة أنها لا تخلو عن المحرمات والمكروهات، وقد أصبحت مراتع للفسوق
والفجور، وأسواقًا تباع فيها الأعراض وتنتهك محارم الله تعالى، وتعطل فيها بيوت العبادة، فلا ريبة قى حرمتها، والمصلحة المقصودة منها لا تبيح هذه المحظورات التى فيها، ويمكن تأديتها من غير هذا الوجه.
(والقاعدة): أن درء المفاسد مقدم على جلب الصالح، وأن النبي ﷺ اكتفى من الخير بما تيسر، وفطم عن جميع أنواع الشر حيث قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" متفق عليه، فهو صريح في أن الشر وإن قل لا يرخص في شيء منه والخير يكتفى منه بما تيسر.
ولو لم يكن في الموالد الآن إلا اتخاذ قبور الأنبياء والأولياء عيدًا لكفى في المنع منها، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن أبى هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر ولا تجعلوا قبرى عيدًا وصلوا على أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم". وأخرج سعيد بن منصور عن سهيل بن أبى سهيل قال: رآنى الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب ﵁ عند القبر فنادانى وهو ببيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، فقلت: لا أريد، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ ، فقال: لذا دخلت المسجد؟ ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا بيتى عيدًا ولا بيوتكم مقابر وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم".
ومعنى اتخاذه عيدًا: أن يقصد بالتوجه إليه مرة بعد أخرى ويظهر عنده الفرح والسرور وتقع عنده العبادة وذبح الذبائح وإطعام الطعام على نحو ما كان يفعله أهل الجاهلية عند الأوثان، والنهى عن اتخاذ البيوت قبورًا في معنى الأمر بتحرى النافلة في البيوت حتى لا تكون بمنزلة القبور النهى عن تحرى العبادة عند القبور، وأشار بقوله: "فإن صلاتكم تبلغنى حيثما كنتم" إلى أن القرب من قبره والبعد عنه سواء فلا حاجة
стр. 255
بكم إلى اتخاذه عيدًا كما اتخذ المشركون من أهل الكتاب قبور أنبيائهم وصالحيهم عيدًا من أعيادهم التى كانوا عليها قبل الإسلام، وقد كان لهم أعياد زمانية ومكانية أبطلها الله تعالى بالإسلام وعوض عن أعيادهم الزمانية محمد الفطر والنحر وأيام منى، وعن المكانية الكعبة البيت الحرام وعرفات ومنى والمشاعر كما سبق ذلك في بدع المقابر والأضرحة.
قال ابن حجر في فتاويه: الموالد والأذكار التى تفعل عندنا أكثرها مشتمل على
خير كصدقة وذكر وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ ومدحه، وعلى شر بل شرور، ولو لم يكن فيها إلا رؤية النساء للرجال الأجانب لكفى، وبعضها ليس فيه شر لكنه قليل نادر، ولاشك أن القسم الأول ممنوع للقاعدة المشهورة المقررة: (إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) فمن علم وقوع شيء من الشر فيما يفعله من ذلك فهو عاص آثم، وبفرض أنه لو عمل في ذلك خير فربما خيره لا يساوى شره. ألا ترى أن الشارع ﷺ اكتفى من الخير بما تيسر وفطم عن جميع أنواع الشر حيث قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" فتأمله تعلم ما قررته من أن الشر وإن قل لا يرخص في شيء منه، والخير يكتفى منه بما تيسر.
(والقسم الثانى): سنة تشمله الأحاديث الواردة في الأذكار المخصوصة والعامة كقوله ﷺ : "لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله تعالى فيمن عنده" رواه مسلم، وروى أيضًا أنه ﷺ قال لقوم جلسوا يذكرون الله تعالى ويحمدونه على أن هداهم للإسلام: "أتانى جبريل ﵇ فأخبرنى أن الله تعالى يباهى بكم الملائكة" اهـ.
وبما ذكرنا يتبين لك أن الاختلاف بين الفريقين في حسن الموالد وقبحها ليس اختلافًا حقيقيًّا في موضوع واحد وإنما هو اختلاف اسمى تابع لاختلاف موضوع الحكم، فالقسم الذى يحكم عليه الفريق الأول بالذم لا يستحسنه الفريق الثانى، كما أن القسم الذى حكم فيه الفريق الثانى بالحسن لا يذمه الفريق الأول وبالله تعالى التوفيق.
* * *
стр. 256
الفصْل الخامس في مُنكرات الأفْرَاح
الكلام في الأفراح لا يخرج عنه في الموالد، وإذا وزنت أعمال الناس في الأفراح اليوم بميزان الشرع الشريف ظهر لك الحكم فيما ابتدعوا فيها، ولا يعزب عنك أن الأفراح اليوم قد حوت من البدع ضروبًا كثيرة، سواء كانت من اختصاصات الأفراد كالذى يعمل في الأعراس، عند قدوم الحاج، وعند حدوث نعمة أو دفع نقمة، أو كانت من اختصاصات الأمم والجماعات كالذى يصنع للملوك من عيده الجلوس والميلاد فإنك ترى الناس حتى العقلاء لا يقصدون منها إلا الرياء والافتخار، والبسطاء يضمون إلى ذلك خلع عذار الحياء، يرون أن بالأفراح يرتفع التكليف فيأتون بالألاعيب المخجلة والأساليب المعيبة.
فمن منكرات الأفراح أن يجتمع إخوان العريس قبل الزفاف بليلة ويؤتى بالأسطى المزين ليخضب بالحناء يديه ورجليه مع أنه حرام على الرجال إلا من عذر، وفى ليلة الزفاف يحميه بالماء مكشوف العورة أمام الإخوان الذين يصفقون حوله مع الغناء، وكذا تصنع القابلة بالعروس وذا كله من أعمال الجاهلية.
(ومنها): ما يكون وقت الزفاف من تبرج النساء واختلاطهن بالرجال.
(ومنها): اجتماع الأحداث يحملون الشموع وباقات الأزهار وينشدون الأناشيد، وكل ذلك منكر شرعًا لما فيه من إضاعة المال لغير غرض شرعى، وباجتماع الأحداث بثيابهم الفاخرة يعتادون الخلاعة وينشئون على سيئ الأخلاق.
(ومنها): التكلف في الأفراح فوق طاقتهم بإعداد المعدات وصنع ألوان الأطعمة وربما أضافوا إليها أنواع الخمر تطييبًا لنفوس المدعوين.
(ومنها): آلات اللهو والطرب غير المباح، وربما كان المغنى امرأة، والمسلم منهم إذا أحيا العرس بقراءة القرآن أو قصة المولد تقع قراءته على غير الوجه المشروع.
ومن البدع الضارة بدعة الإسراف في جهاز العروس والتغالى في مهرها، وقد انتشرت تلك البدعة في بلادنا اليوم فكانت عاقبتها خسرًا ووبالًا. ضرر بين، وفقر
حاضر، وخراب عاجل، وهم دائمًا يقولون
стр. 257
لابد للعروس أن تصحب جهازًا فيه من الحلى ما غلا ثمنه وخف حمله، ومن الثياب ما علت قيمته، ولان ملمسه، وتعددت أشكاله، وتنوعت أصنافه وأزياؤه، يشرع والد العروس في إعداد ذلك الجهاز حتى إذا نفد ما في يده مدها إلى المرابين واستدان بالربا الفاحش خوفًا من انتقاد النساء، فيستمر في الاستدانة ويستمر النساء في الطلب فما ينتهى من الجهاز إلا وقد أحاط الدين بماله إن كان ثريًّا، وتذهب العروس إلى بيت زوجها تفرح به ويفرح بها، وتأنس به ويأنس بها، وتترك والدها يقاسى هموم الدين ويذوق آلامه، ومعظم الجهاز قد فنى وتبدد وما بقى منه فقلما يستعمل.
ومن مضار ذلك الجهاز والتغالى فيه أن والد الفتاة يلزم الخاطب بالمهر الفادح ليستعين به والد الخطيبة على هذا الجهاز الثقيل، وكثيرًا ما يلجأ الخاطب أو أهله إلى الاستدانة من المرابين نعوذ بالله من سخطه، فيبتدئ هذا الخاطب حياته بالهم الدائم والشقاء الستمر، يقول لقمان لابنه: "يا بنى إياك والدين فإنه هم بالليل وذل بالنهار". لم هذا التفانى والتغالى في المهر ورسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول: "خير الصداق أيسره"؟ رواه أبو داود، أي أسهله على الخاطب، والخيرية بركة المرأة ففى الحديث: "أبركهن أيسرهن مؤنة"، وروى أحمد وغيره من حديث عائشة ﵂: "إن من يُمْن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها" فيستحب تخفيف المهر والرضا بما يطيقه الخاطب ويكره الغلو فيه، هذا إلى ما في التغالى في المهور من إحجام الشبان عن الزواج وفى ذلك ما فيه من الشر والفساد.
ويا ليت هذا الإنفاق كان في شيء نافع للعروسين، بل إن الجهاز في هذا الزمان أصبح من الأمور الصورية التى تتمتع بها الأنظار ولا ينتفع بها كثيرًا في مرافق الحياة، وقد أدرك ذلك يعض العقلاء فخففوا المهور، واقتصروا على النافع من الجهاز، بل على الضرورى منه، فعسى أن يكونوا قدوة حسنة لغيرهم فتحسن الحال وتحفظ الثروة من الضياع.
ومن منكرات الأفراح ما يكون في جماعة النساء اللائى يُدْعَيْنَ للعرس من الإسراف والتبذير: ثياب جديدة متنوعة الأزياء وحلى بديعة متغايرة
стр. 258
الأصناف
والأشكال، وأموال تدفع للمغنيات والراقصات والماشطات، ممَّا يفقرن به أزواجهن ويحملهم ما لا يطيقون، فلا يلبث أن ينقلب ذلك الفرح غمًّا على أقارب العروسين وعبئًا ثقيلًا على جيرانهم وأحبابهم، وناهيك بما يكسبنه من الأخلاق الرديئة والصفات الذميمة والألفاظ البذيئة التى تكون عادة في أمثال تلك الأفراح، ولقد أدرك هذا أيضًا بعض العقلاء وفطنوا لما فيه من الخطر على الأخلاق فأصبحوا يقتصرون على دعوة أهل العروسين وبعض أقاربهم وإعداد ما لابد منه ممَّا لا يحتاج إلى كثير من النفقات وبذلك حفظوا أموالهم من الضياع وأقاموا الدين وأحيوا سنة سيد المرسلين.
(ومنها): وهو من أشنع البدع وأقبح العادات فض البكارة بالأصبع فإنه مع مخالفته للسنة المحمدية كثيرًا ما يضر بالعروس ويسبب لها العقم ويورثها في الغالب داء الرهقان، وكل ذلك ضرر لا تخفى حرمته.
(ومنها): الطواف حول القرية بقميص العروس ملوثًا بدم البكارة، بل دم الجناية على هذا العضو الرقيق من ذلك الوحش الذى لا يراقب الله تعالى في هذه المسكينة في أحرج الأوقات، ولهم في طوافهم بالقميص وحين فض البكارة كلام تخجل منه الإنسانية، وقد ماتت هذه البدعة السيئة لدى الأغنياء والأوساط الراقية ولكنها باقية مقدسة في الفقراء والطبقات المنحطة وهى من بقايا الجاهلية.
(ومنها): صلاة العروس ركعتى التحية عندما يقدم على ارتكاب هذه الجناية، يفعلهما بين يديها وربما سجد بين شعبها كما تأمره القابلة. نعوذ بالله من الضلال.
(ومنها): تخصيص الدعوة إلى الوليمة بالأغنياء وطرد الفقراء وقد قال ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء" متفق عليه من حديث أبى هريرة ﵁.
(ومن بدع الأفراح) شراء تمثال غلام ضمن جهاز العروس يوضع على الباروه لتنظر إليه إذا حملت ليأتى ابنها على صورته وجميلًا مثله. وهذا جهل بالله وشئونه في خلقه، وهو تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
(ومن بدع الأفراح) ما يكون في يوم المحمل الشريف والاحتفال
стр. 259
بالكسوة، فإن في ذلك من المفاسد والمحرمات ما لا يخفى على أحد. فيجب على كل عاقل ذى دين غيور على الحرمات أن يمنع بتاتًا حيث لا يمكن الإتيان بهذه الرسوم خالية عن هذه المنكرات، ومن عجز عن تغيير المنكر وجب ابتعاده عنه وبالله تعالى التوفيق.
الفصل السادس في بِدَع الأعْيَاد والمَوَاسِم
أعلم أن لله تعالى نفحات يتعرض لها الموفقون من عباده، ويغفل عنها المخذولون، وأنَّه عزت قدرته، وجلت حكمته قد فضل بعض الأيام والليالى والأشهر على بعض حسبما اقتضته حكمته البالغة، ثم أرشد عباده إليها طالبًا منهم أن يجدوا في وجوه البر ويكثروا فيها من صالح الأعمال، عسى أن يمسهم شيء من رضوانه وإحسانه. والأعياد والمواسم هى تلك الأوقات الفاضلة التى رسمها الشارع لطلب القرب منه والقيام بشكره على ما تفضل به من جلائل النعم. والعيد ما يكثر عوائد الله فيه بالإحسان على عبيده، والمواسم معالم الخيرات ومظان التجارات التى بالغفلة عنها يفوت الربح العظيم، كما أن البضائع لا تروج إلا في مواسم خاصة، والله تعالى إذا أحب عبدًا شرح صدره للخير، واستعمله في هذه الأوقات الفاضلة في أفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب.
ولكن الشيطان لعنه الله قد آلى على نفسه أن يصد الناس عن سواء السبيل ويقعد لهم بكل صراط مستقيم ليحول بينهم وبين إحسان الله ورحمته ويقذف بهم في مهاوى الشقاء والحرمان، فزين لهم أن هذه الأوقات اعتبرت مجالًا للراحة واللعب وميدانًا للذات والشهوات، ورسم لهما فيها من ضروب الهوى والغواية ما استمال به قلوبهم، وصرفهم بذلك عن الهدى والرشد، ووضع لهم مكان كل سنة بدعة، حتى تعرضوا فيها لمقت الله وغضبه بدل رضوانه وإحسانه، مع أن الدين واضح، والحلال بين، والحرام بين، والسنة جلية نيرة، والبدعة خفية مظلمة فلا تكون السنة يومًا بدعة كما لا تكون البدعة يومًا سنة إلا إذا عميت البصائر وانصرفت النفوس عن هدى رسول الله ﷺ وسار كل وراء شهوته
стр. 260
وهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
فلاريب أن السير وراء الهوى يعمى باصرة القلب حتى لا يدرك للخير سبيلًا،
نعوذ بالله من الخذلان، عن سهل بن عبد الله التسترى (٢): "من أخذ مهنأه في هذه الأيام الخمسة لم ينل مهنأه في الآخرة". أراد العيدين والجمعة وعرفة ويوم عاشوراء، وعنه أيضًا: "أيام يرجى فيها الفضل من الله، فإذا اشتغلت فيها بهواك ومتعت فيها النفس بالشهوات فمتى ترجو الفضل والمزيد؟ "، وعن الإمام الشافعى ﵀: "بلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتى العيد، وليلة الجمعة"، وعنه ﷺ "من أحيا ليلة الفطر والأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" رواه الطبرانى في "الأوسط" و "الكبير". والإحياء يكون بالذكر والصلاة وغيرهما من الطاعات، وسنذكر لك شيئًا ممَّا شرعه الله في هذه الأعياد والمواسم وما زينه الشيطان فيها من البدع فتنة للناس فنقول:
(العيدان الأول والثانى: الفطر والأضحى) من الأعياد الشرعية الفطر والأضحى شرع الله إحياء ليلتيهما بالعبادة للحديث السابق، ولحديث أبى أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلتى العيدين محتسبًا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" رواه ابن ماجه ورواته ثقات، وجعل الجزاء حفظ القلوب من الموت يوم تموت القلوب وموتها يكون بشغفها بحب الدنيا أخذًا من حديث: "لا تدخلوا على هؤلاء الموتى"، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "الأغنياء"، وقيل: "الكفرة" لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٣): أي كافرًا فهديناه. وقد أغفل الناس هذه السنة وتشاغلوا في ليلتى العيد بالمبيت في المقابر أو بتدبير شهواتهم التى يأتونها أيام العيدين. وشرع الله - من غروب الشمس ليلتى العيد إلى الدخول في الصلاة - والتكبير مع رفع الصوت ندبًا في المنازل والأسواق والطرق ليلًا ونهارًا إظهارًا لشعار العيدين، وقد أهمل الناس هذه السنة حتى لو أتى
стр. 261
بها مسلم لعد مبتدعًا، وشرع الاغتسال للعيدين، كما شرع الذهاب إلى الصلاة من طريق والرجوع من أخرى، وأن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر ويتركه في الأضحى حتى يضحى، فهذه سن أيضًا أهملها الناس وقليل فاعلها وكأنه شاذ في نظرهم.
ومن العادات السيئة تهاون العامة بسماع الخطبتين، فترى أكثرهم يسارع
بالخروج من المسجد عقب فراغ الإمام من الصلاة، وبعضهم ينتظر الخطبة الأولى فقط، وكل ذلك ترك للسنة وفيه إعراض عن سماع الموعظة، وقد دعى إليها بدعاء الله ورسول الله ﷺ ، وكثيرًا ما يقع بقيام الناس حينئذ التهويش على الخطيب والمستمعين، وتقدم بسطه في بدع المساجد.
ومن البدع اشتغالهم عقب الصلاة بزيارة الأولياء أو القبور قبل الذهاب إلى أهليهم، ولقد كان رسول الله ﷺ يخرج مع الصحابة إلى الصحراء لصلاة العيد، وكان يذهب من طريق ويرجع من أخرى، ولم يثبت أنه زار قبرًا في ذهابه أو إيابه مع وقوع المقابر في طريقه، بل قال في عيد الأضحى: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر، من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا" متفق عليه، وهذا من تلبيس الشيطان، فإنه لا يأمر بترك سنة حتى يعوض لهم عنها شيئًا يخيل إليهم أنه قربة، فعوض لهم عن سرعة الأوبة إلى الأهل زيارة القبور، وزين لهم أن ذلك في هذا اليوم من البر وزيادة الود لهم، وفى زيارة القبور في غير هذا اليوم ما لا يعد من البدع والمحرمات، فكيف بها في هذا اليوم الذى أرسلت فيه الشهوات وانتهكت الحرمات؟
واختلف في التهنئة بالعيد والأشهر والأعوام، قيل: بدعة، وقيل: مباحة، لا سنة فيها ولا بدعة واختار الحافظ ابن حجر أنها مندوبة، فقد وردت في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، أخبار وآثار ضعيفة يعمل بمجموعها في مثل ذلك ومشروعية التعزية تدل على عموم التهنئة لما يحدث من نعمة أو يزول من نقمة.
ومن البدع التهاون بأمر الأضحية، فمنهم من يتركها ومن لم يتركها يأتى بها على غير الوجه المشروع فيها وهى أهم ما شرع في عيد الأضحى حتى قيل بوجوبها، فمنهم من يذبح يوم عرفة أو ليلة العيد أو فجر يوم
стр. 262
النحر أو عند طلوع الشمس وكل ذلك خلاف المشروع لما في الصحيحين: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر من فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء"، ومنهم من لا يراعى السن المجزئة فيها والصفات المعتبرة، ويأنفون من مباشرة الذبح، ومنهم من لا يحسنه وقد فعله النبي ﷺ ، وعند عدم المباشرة لا يوكل الغير، ويأنف من حضور الأضحية، والسنة إذا لم يباشرها أن يحضرها لأن النبي ﷺ قال لفاطمة ﵂:
"قومى إلى أضحيتك فاشهديها فإنه بأول قطرة من دمها يغفر لك ما سلف من ذنوبك" رواه البزار وابن حبان.
وعلى الجملة: من تتبع أحوال الناس في العيدين يعلم أنهم تبدعوا فيها كثيرًا، وتلاعبت بهم الأهواء حتى خرجوا بهما عن الحد المشروع فيهما، وجعلوهما أيام لعب، وأكثروا فيهما من المخازى والمنكرات وشرب الخمور وحضور الملاهى والعكوف على أماكن الفسوق والفجور.
ومن البدع تهافت الرجال والنساء فيهما على زيارة القبور، وتواطؤ الجميع على البيات فيها ويتكلفون لذلك ما لا يرضاه الشرع وينتهكون حرمات الله، وما ينال الموتى من الإيذاء فوق ما يصل إليهم، وأنى تصل إليهم رحمة من هؤلاء وإنما يتقبل الله من المتقين؟ وقد سبق بسط هذا في بدع المقابر والأضرحة وبالله تعالى التوفيق.
* * *
العِيد الثَّالث يَوم الجُمُعَة وَمَا أحَدَث فيه
من الأعياد التى اعتبرها الشارع ورغَّب الناس فيها يوم الجمعة، شرع لهم فيه أنواع العبادة من الذِّكْر وقراءَة القرآن والصلاة على النبي ﵌ والدعاء والاغتسال والسواك والطيب وإزالة الشعر والظفر ولبس أحسن الثياب والتبكير إلى المساجد، (فقد) أخرج ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﵌ قال: "إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمس مند، وعليكم بالسواك"، وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
стр. 263
"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه: خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" رواه مسلم، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تطلع الشمس على يوم أفضل من يوم الجمعة" رواه ابن حبان في صحيحه، وفيه أيضًا حديث تميم بن أوس: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم
الجمعة"، وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلى ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" رواه البخارى. وفى يوم الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئًا إلا أعطاه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، فعن أبى هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: "فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه. وأشار بيده يقللها" متفق عليه، وفى الحديث: "من مات يوم الجمعة وقى عذاب القبر"، وفى آخر: "ما من مسلم يموت ليلة الجمعة أو يومها إلا وقاه الله فتنة القبر" رواه الترمذى من حديث ابن عمرو بن العاص ﵄ وضعفه. وهذا قليل من كثير في فضل يوم الجمعة وخصائصها.
ثم إن الناس قد تعودوا فيه الراحة من أعمالهم وعطلوا فيه وظائفهم نظرًا إلى أنه يوم عيد للمسلمين، وهذا حسن لو أنهم قصدوا بذلك التفرغ لهذه الوظائف الشرعية، ولكن الشيطان لم يدع الناس حتى شغلهم بما يبعدهم عن الله تعالى وزين لهم إنه يوم لهو ولعب وفسق وفجور واسترواح النفس بكل ما تهواه فوقعوا في كثير من البدع وهكذا الشيطان يكيد لبنى الإنسان ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١).
(فمن البدع المكروهة) اجتماع كثير من العامة ليلة الجمعة في بعض المساجد أو المساكن يذكرون الله تعالى، وربما استغرقوا معظم الليل، وقد نهى الشارع عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى، ومثل القيام غيره ممَّا يتحقق يه إحياء الليلة، فقد أخرج مسلم عن أبى هريرة
стр. 264
رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" وهذا صريح في النهى، فإن غرض الشارع الاستعداد براحة الجسم في هذه الليلة إلى وظائف اليوم، وكثيرًا ما يؤدى ذلك إلى التكاسل عن صلاة الغداة. وأفحش من هذا ما اعتاده غالب الناس من السهر المفرط في هذه الليلة بالاشتغال باللهو واللعب والمزاح وترويح النفس بما تهواه
اعتمادًا منهم على أنه يوم بطالة وراحة فليسوا مكلفين بشيء من أعمالهم، وفاتهم أنه يوم شغل بالله يقوم العبد بوظائفه هى أولى بالاهتمام والعناية.
ومن البدع ما أعتاده بعض العامة أيضًا من إفراد يومها بصيام وهو بدعة مكروهة للحديت السابق، ولأنه اعتبر يوم عيد والعيد لا يصام مخالفة لليهود فإنهم يفردون يوم عيدهم بالصوم، فنهى عن التشبه بهم في ذلك، وأذن فيه إذا وصل بصيام قبله أو بعده، كما خولفوا في يوم عاشوراء بصيام يوم قبله أو بعده، والله تعالى أعلم بأسرار ما شرع.
ومن البدع المتعلقة بيوم الجمعة توهم كثير من العامة أنه إذا جاء فيه أحد العيدين كان شؤمًا على السلطان بموت أو غيره، وهذا لا أصل له، ولا تؤيده عادة معقولة، كيف وفى الحديث الشريف عن زيد بن أرقم قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ في يوم واحد فصلى العيد في أول النهار وقال: "يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان فمن أحب أن يشهد معنا الجمعة فليفعل، ومن أحب أن ينصرف فليفعل" رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده. فاليوم الذى يجتمع فيه للناس عيدان كيف يكون شؤمًا عليهم بشر يصل إلى سلطانهم!؟ وأى مناسبة بين اجتماع العيدين وضرر بعض عباد الله تعالى!؟
ومن البدع تهافت الناس على زيارة موتاهم يوم الجمعة؛ فإن فيها من المخازى والمنكرات ما يبرأ منه الدين وتتألم منه الإنسانية ويؤذى الموتى في قبورهم كما سبق في بدع المقابر والأضرحة. (نعم) تكون سنة إن خلت عن المحظورات، فقد أخرج الحكيم الترمذى في "نوادر الأصول" والطبرانى في "الأوسط" عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله
стр. 265
- ﷺ : "من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برًّا"، وعن محمد بن واسع قال: "بلغنى أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبله ويومًا بعده" رواه البيهقي في "الشعب". ومن هنا اعتاد بعض الناس زيارة موتاهم يوم الخميس (ولكن أنى تخلو عن المنكرات اليوم وقد ضجت منها الأرض والسموات!؟).
ومن المنكرات تخطى الرقاب يوم الجمعة مع استكمال الصفوف وخلوِّها من الفرج، فذلك منهى عنه حيث لا تقصير من القوم في تكميل الصفوف، عن عبد الله بن يسر ﵄ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة
والنبي ﷺ يخطب، فقال النبي ﷺ : "اجلس فقد آذيت" رواه أُبو داود والنسائى، زاد أحمد "وآنيت": تأخرت، وعن الأرقم بن أبى الأرقم ﵁ وكان من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: "إن الذى يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كجار قُصْبهُ في النار" رواه أحمد والطبرانى في "الكبير" "والقصب" بضم القاف وسكون الصاد المهملة واحد الأقصاب، وهى المعى كما في "القاموس" وغيره، وقد فرق الإمام النووى بين التخطى وبين التفريق بين الاثنين وجعل ابن قدامة في "المغنى" التخطى هو التفريق. قال العراقى: والظاهر الأول لأن التفريق يحصل بجلوس بينهما وإن لم يتخط.
ومنها المرور بين يدى المصلى عند فراغ الإمام من الصلاة، فهذا كالذى قبله كثيرًا يقع من العامة فينبغى تحذيرهم منه بذكر أحاديث الوعيد الواردة فيه:
فعن عبد الله بن الحارث الأنصارى قال: قال رسول الله ﷺ : "لو يعلم المار بين يدى المصلى ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه". قال الراوى: "لا أدرى، قال: أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين سنة" متفق عليه، يعنى لو علم المار مقدار الإثم الذى يلحقه من مروره بين يدى المصلى لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم. والحديث يدل على أن المرور بين يدى المصلى من الكبائر الموجبة للنار وظاهره عدم الفرق بين صلاة الفريضة والنافلة، وفيه إبهام ما على المار من الإثم زجرًا له.
стр. 266
منها قول بعض العامة عقب الفراغ من صلاة الجمعة مع رفع الصوت: (الفاتحة) لسيدى أحمد البدوى أو سيدى إبراهيم الدسوقى مثلًا، فهذا لا أصل له مع ما فيه من رفع الصوت في المسجد لغير حاجة شرعية.
ومن البدع إهمال الناس تطييب المسجد بنحو البخور يوم الجمعة وأنَّه سنة، ففى الحديث عنه ﷺ : "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم ورفع أصواتكم وسلاحكم وجمروها في كل جمعة" رواه ابن ماجه والطبرانى في "الكبير". "وجمروها": أي بخروها وزنًا ومعنى، وعن ابن عمر أن عمر ﵄: "أن عمر كان يجمر المسجد في كل جمعة". وبالله تعالى التوفيق.
* * *
الموسم الرَّابع يَوم عَاشُورَاء
السنة في هذا اليوم الصيام فحسب باتفاق العلماء، فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قدم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا؟ " قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. زاد مسلم في روايته: شكرًا لله تعالى فنحن نصومه. وعند البخارى في الهجرة: ونحن نصومه تعظيمًا له قال: "فأنا أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه متفق عليه. وليس صيامه ﷺ له تصديقًا لليهود بمجرد قولهم، بل كان يصومه مع قريش لما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: "كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية (١) وكان رسول الله ﷺ يصومه فلما قدم المدينة صامه" أي على عادته "وأمر بصيامه" في أول السنة الثانية، فإن قدومه بلا ريب كان في ربيع الأول. والأحقية باعتبار الاشتراك في الرسالة والأخوة في الدين والقرابة الظاهرة دونهم، ولأنه أطوع وأتبع للحق منهم ويستحب أيضًا صوم تاسوعاء لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع"، رواه مسلم. وممَّا جاء في الترغيب في صوم عاشوراء ما في مسلم
стр. 267
عن أبى قتادة ﵁: أن رسول الله ﷺ سئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: "يكفر السنة الماضية".
* * *
ما يَقَع مِنَ النَّاسِ في يوم عَاشُورَاء
ومع وضوح هذه السنة وصحة نسبتها إلى رسول الله ﷺ يقع من الناس في هذا اليوم كثير من البدع، منها ما لا أصل له، ومنها ما ينبنى على أحاديث موضوعة أو ضعيفة. (فمن ذلك) اعتبارهم له عيدًا كالأعياد المرسومة للمسلمين بالتوسعة واتخاذ الأطعمة الخاصة به، وهذا من تلبيس الشيطان على العامة، فقد ثبت أن يهود خيبر هم الذين اتخذوه عيدًا وكانت تصومه، روى مسلم من حديث أبى موسى ﵁ قال: "كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيدًا (١) ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم" بالشين المعجمة بلا همز وهى الهيئة الحسنة والجمال: أي يلبسونهم لباسهم الحسن الجميل، فأمرنا الشارع الحكيم بمخالفة يهود خيبر فيه بصوم يوم قبله أو بعده، قال الإمام الشافعى ﵀: أخبرنا سفيان أنه سمع عبد الله بن أبى زيد يقول: سمعت ابن عباس رضى الله عنهما يقول: "صوموا التاسع والعاشر ولا تشبهوا باليهود": أي في إفراد العاشر بالصوم، واتخاذه عيدًا، وفى رواية له عنه: "صوموا يوم، عاشوراء وخالفوا اليهود وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا". لذا قال في "الأم" "الإملاء": باستحباب صوم الثلاثة، ولم يشرع فيه توسعة في مطعم ولا غيره لهذه المخالفة، وحديث التوسعة لا أصل له كما سيأتى.
(ومن ذلك) الاغتسال والاكتحال، وما روى في الترغيب فيهما لم يصح عن رسول الله ﷺ كحديث ابن عباس رفعه: "من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبدًا" وهو موضوع وضعه قتلة الحسين ﵁، قال الإمام أحمد ﵀: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن رسول الله ﷺ فيه أثر وهو بدعة، وما روى من أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من اغتسل وتطهر يوم عاشوراء لم يمرض في سنته إلا مرض الموت" وضعه أيضًا قتلة الحسين ﵁.
стр. 268
(ومن ذلك) صلاة ركعات بهيئة مخصوصة ليلتها ويومها: ورواية أبى هريرة ﵁: "من صلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة ﴿الحمد لله﴾
مرة، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى وخمسين مرة غفر الله له ذنوب خمسين عامًا" لم تثبت صحتها. وإليك بيان منشأ هذه الأحداث إجمالًا وتفصيلًا:
لقد أحدث الشيطان الرجيم بسبب قتل الحسين ﵁ بدعتين:
(الأولى): الحزن والنوح واللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثى، وما إلى ذلك من سب السلف ولعنهم وإدخال البرئ مع المذنب، وقراءة أخبار مثيرة للعواطف مهيجة للفتن وكثير منها كذب. وكان قصد من سن هذه السنة السيئة في ذلك اليوم فتح باب الفتنة والتفريق بين الأمة، وهذا غير جائز بإجماع المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة وتجديد ذلك للمصائب القديمة من أفحش الذنوب وأكبر المحرمات.
(الثانية): بدعة السرور والفرح واتخاذ هذا اليوم عيدًا تلبس فيه ثياب الزينة ويوسع فيه على العيال، فكل هذا من البدع المكروهة.
والتوسعة وإن كانت مشروعة في الجملة لكن احتف بها ما يقرب من اعتقادها دينًا، فعلى الرشد أن يكون في بيان ذلك حكيمًا حتى لا يكون مثيرًا للفتنة.
وذلك أنه كان بالكوفة قوم من الشيعة يغلون في حب الحسين ﵁ وينتصرون له، رأسهم المختار بن عبيد الكذاب الرافضى الذى ادعى النبوة، وقوم من الناصبة يبغضون عليًّا وأولاده ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفى، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير" (والمبير: المسرف في إهلاك الناس يقال: بار الرجل يبور بورًا، فهو بائر هالك، وأبار غيره: أهلكه) فكان ذلك الشيعى هو الكذاب وهذا الناصبى هو المبير، فأحدث أولئك الحزن وهؤلاء السرور، ورووا: "أن من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته"، وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: لا أصل له، وليس له سند إلا ما رواه ابن عيينة عن ابن المنتشر وهو كوفى سمعه ورواه عمن لا يعرف. وممن قال إن حديث التوسعة موضوع الإمام ابن الجوزى عالم الآفاق وواعظ العراق، ورووا: "أن من اكتحل يوم
стр. 269
عاشوراء لم يرمد ذلك العام، وأن من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام" فصار قوم يستحبون في هذا اليوم الاغتسال والاكتحال والتوسعة على الأهل، وهذه كلها بدع أصلها من خصوم الحسين رضى الله عنه، كما أن بدعة الحزن وما إليه من أحبابه، والكل باطل وبدعة وضلالة.
قال العلامة ابن العز الحنفى: إنه لم يصح عن النبي ﷺ في يوم عاشوراء غير صومه، وإنما الروافض لما ابتدعوا المأتم وإظهار الحزن يوم عاشوراء لكون الحسين ﵁ قتل فيه ابتدع جهلة أهل السنة إظهار السرور واتخاذ الحبوب والأطعمة والاكتحال، ورووا أحاديث موضوعة في الاكتحال والتوسعة على العيال. وقد جزم الحافظ السخاوى في "المقاصد الحسنة" بوضع حديث الاكتحال وتبعه غيره منهما مثلًا على القارى في كتاب "الموضوعات" ونقل الحافظ السيوطى في "الدرر المنتثرة" عن الحاكم أنه منكر، وقال الجراحى في "كشف الخفاء ومزيل الإلباس"، قال الحاكم أيضاً: الاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن النبي ﷺ فيه أثر وهو بدعة. اهـ.
(وجملة القول) لم يستحب أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم شيئًا من ذلك لعدم الدليك الشرعى، بل المستحب يوم عاشوراء عند جميع العلماء هو صومه مع صوم يوم قبله كما عرفت.
(ومن بدع الناس في هذا اليوم) الشحذ على الأطفال باسم زكاة العشر رجاء أن يعيشوا وهو شائع في مصر، وبعض التجار وأرباب الأموال يزعم أن ذلك يكفى عما وجب عليه من زكاة الأموال، ولا يخفى أن ذلك كله وهم وجهل.
(ومنها): البخور الذى يطوف به على البيوت في مصر قوم من العاطلين الذين لاخلاق لهم فيرقون منه الأطفال مع كلمات ساقطهّ يقولونها بمحضر من أمهاتهم، يوهمونهن أن هذه الرقية وقاية لهم من العين وكل مكروه إلى السنة القابلة، وهذا أمر يحتاج إلى توقيف من صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه، ولم يثبت، فهو بدعة وضلالة.
ومن البدع السيئة في هذا الموسم طواف البنات في شوارع مصر بأطباق الحلوى ينادين عليها بقولهن: (ياسى على لوز) فهذه ضلالة ومعرة
стр. 270
تأباها المروءة والغيرة، فإن هؤلاء البنات قد بلغن حد الشهوة ويخرجن متبرجات متهتكات على صورة الخلاعة تعبث بهن الكهول والشبان في الشوارع وعلى قارعة الطرق، ولا يخفى ما في ذلك من الفتنة وفساد الأخلاق.
هذه هى المواسم الشرعية فانظر رعاك الله كم بدعة أحدثوا فيها! وكم سيئة ارتكبوها نعوذ بالله من الشيطان وحزبه، ونسأله تعالى السلامة من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
المواسم الَّتى نَسَبُوهَا للشَّرع وَلَيسَت مِنهُ
(منها): ليلة الثانى عشر من ربيع الأول يجتمع لها الناس في المساجد وغيرها فيهتكون حرمة بيوت الله تعالى، ويسرفون في الوقود فيها ويرفع القراء أصواتهم بقصائد الغناء التى تثير شهوة الشبان إلى الفسق والفجور، فتراهم عند ذلك يصيحون بأصوات منكرة ويحدثون في المساجد ضجة فظيعة، وقد لا يتعرضون في قصائدهم لشئ من خصائص رسول الله ﷺ وأخلاقه الكريمة وأعماله النافعة الجليلة، وفيهم من يشتغل بالذكر المحرف، وكل ذلك لم يأذن به الله ورسوله ﷺ ولم يعهد عن السلف الصالح فهو بدعة وضلالة كما سبق في بدع الموالد.
(ومنها): ليلة المعراج التى شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها، وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة كالاجتماع في المساجد، وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات مع الإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة وتلاوة قصة المعراج، وكان ذلك حسنًا لو كان ذكرًا وقراءة وتعليم علم، لكنهم يلعبون في دين الله، فالذاكر على ما عرفت، والقارئ على ما سمعت فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه، وما أحسن سير السلف فإنهم كانوا شديدى المداومة على ما كان عليه الرسول ﷺ لا يخرجون عن الثابت قيد شعره ويعتقدون الخروج عنه ضلالة لا سيما عصر الصحابة ومن بعدهم من أهل القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير رضى الله عنهم أجمعين.
стр. 271
(ومنها): ليلة النصف من شعبان على زعمهم، فإن السلف الصالح لم يكن لهم عادة بتخصيص يوم أوليلة بالعبادات إلا إذا ثبت ذلك عن النبي ﵊ وصحابته الكرام، فجاء بعدهما هؤلاء وعكسوا الحال كما جرى منهم في غيرها، فاجتمعوا عقب المغرب لصلاة وقراءة ودعاء تقلد فيه العامة إمام المسجد مع التحريف فيه ومع مخالفته لصريح القرآن الكريم، ومع بعد القلب من الخشية والخضوخ المطلوب حال الدعاء، يأتون ذلك زاعمين أنه من أعظم القربات وأكبر البركات حتى أنهم يتشاءمون من فوته، ولم يصح في ذلك شيء من رسول الله
ﷺ ، وحديث: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا" متكلم فيه كما سيأتى في ليلة النصف من شعبان (١). وأول من أحدث إيقاد النار والشموع وغيرها في هذا الموسم البرامكة فأدخلوا في دين الله ما أوهموا به العوام أنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النار وترويج دينهم فعليهم وزر ذلك.
(ومنها): ليلة القدر ولا شك أن إحياءها مستحب كسائر ليالى الشهر خصوصًا ليالى العشر الأواخر منه وقد صحت الأحاديث في ذلك، فعن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه. قام رمضان: أحيا لياليه بالعيادة، وعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" رواه البخارى، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر" رواه البخارى، وعن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله وأيقظ أهله وجد شد المئزر" متفق عليه. والمئزر: الإزار، وهو كناية عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة. ويجوز أن يكون كناية عن الأمرين، يقال: شددت لهذا الأمر مئزرى، أي تشمرت وتفرغت له، وعن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسايًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
стр. 272
وسميت ليلة القدر إما بمعنى ليلة التقدير؛ لأن الله تعالى ابتدأ فيها تقدير دينه وتحديد الخطة لنبيه ﷺ في دعوة الناس إلى ما ينقذهم ممَّا كانوا فيه، أو بمعنى العظمة والشرف من قولهم: فلان له قدر، أي شرف وعظمة لأن الله تعالى قد أعلى فيها منزلة نبيه ﷺ وشرفه وعظمه بالرسالة. وقد جاء بما فيه الإشارة، بل التصريح بأنها ليلة جليلة بجلالة ما حصل فيها من إنزال القرآن فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ (١): أي وما الذى يعلمك مبلغ شأنها ونباهة أمرها: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر﴾ (٢) كرر ذكرها ثلاث مرات، جاء أحدها بالاستفهام الدال على أن شرفها ليس ممَّا تسهل إحاطة العلم به، ثم قال: إنها خير من ألف شهر؛ لأنَّه
قد مضى على الأمم آلاف من الشهور وهم يتخبطون في ظلمات الضلال، فليلة يسطع فيها نور الهدى بالقرآن خير من ألف شهر من شهورهم الأولى، والعدد إلا مفهوم له، بل الغرض منه التكثير، وأن أقل عدد تفضله هو ألف شهر، والشريعة الغراء تحث المؤمنين على إحيائها بالعبادة شكرًا لله تعالى على ما هداهم بهذا الدين الذى ابتدأ الله سبحانه إفاضته فيهم في أثنائها، ولهم أن يعبدوا الله فيها أفرادًا وجماعات، ومن رجح عنده خبر في ليلة أحياها، ومن أراد أن يوافقها على التحقيق فعليه أن يشكر الله تعالى بالفراغ إليه بالعبادة في الشهر كله، وهذا هو السر في عدم تعيينها، وتشير إليه آية البقرة فإنها تجعل الشهر كله ظرفًا لنزول القرآن ليذكر المؤمنون نعمة الله عليهم فيه فهى ليلة خشوع وعبادة وتذكر لنعمة الحق والدين. أفاده الأستاذ الإمام.
ولكن النظر في تخصيصها بالإحياء من بين الليالى فإنه يوهم الناس أن ذلك مشروع وليس كذلك فإنه ﷺ حث على قيام ليالى رمضان كله وحث على التماس ليلة القدر في العشر الأواخر منه كما علمت، وهذا يفيد أن إحياء هذه الليلة بخصوصها وجعلها موسمًا لا أصل له فهو بدعة مضافة إلى إحيائها بغير ما رغب الشارع فيه، من إيقاد المنارات وغيرها وكثرة الوقود في المساجد إلى غير ذلك ممَّا لا فائدة فيه ولا غرض صحيح.
(خاتمة): في المواسم الأجنبية: ممَّا ابتلى به المسلمون وفشا بين العامة والخاصة مشاركة أهل الكتاب من اليهود والنصارى في كثير من مواسمهم،
стр. 273
كاستحسان كثير من عوائدهم. وقد كان ﷺ يكره موافقة أهل الكتاب في كل أحوالهم حتى قالت اليهود: إن محمدًا يريد أن لا يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، وقال: "من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أبودارد من حديث ابن عمر ﵄، وفى الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" صبغ من بابى نصر وقطع، والمراد أنهم كانوا لا يخضبون شعر اللحية والرأس الأبيض بصفرة أو حمرة مثلًا، فخالفوهم واختضبوا بأى لون ما عدا السواد فإنه مكروه إلا في الجهاد وقال: "لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخط ينزل عليهم" رواه البيهقي بإسناد صحيح من عمر رضى الله تعالى عنه. والرطانة بفتح الراء وكسرها:
الكلام بالأعجمية تقول: رطن له من باب كتب، وعن عمر ﵁ أيضًا أنه قال: "اجتنبوا أعداء الله في عيدهم" ".
فانظر هذا مع ما يقع من الناس اليوم من العناية بأعيادهم وعاداتهم، فتراههم يتركون أعمالهم من الصناعات والتجارات والاشتغال بالعلم في تلك المواسم ويتخذونها أيام فرح وراحة يوسعون فيها على أهليهم ويلبسون أجمل الثياب ويصبغون فيها البيض لأولادهم كما يصنع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فهذا وما شاكله مصداق قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن غيرهم" رواه البخارى عن أبى سعيد الخدرى ﵁.
وناهيك ما يكون من الناس من البدع والمنكرات والخروج عن حدود الدين والأدب في يوم شم النسيم وما أدراك ما شم النسيم، هو عادة ابتدعها أهل الأوثان لتقديس بعض الأيام تفاؤلًا به أو تزلفًا لما كانوا يعبدون من دون الله فعمرت آلافًا من السنين حتى عمت المشرقين واشترك فيها العظيم والحقير والصغير والكبير ويا ليتها كانت سنة محمودة فيكون لمستنها أجر من عمل بها، ولكنها ضلال في الآداب وفساد في الأخلاق.
стр. 274
شُرعت المواسم والاجتماعات لتكون واسطة التعارف والتآلف وتبادل المنافع وانتشار العلوم والمعارف، وما مشروعية الصلاة والحج والعيدين في الإسلام إلا لهذا الغرض؛ لأن فيها تجتمع الخلائق على اختلاف طبقاتها في صعيد واحد، يعظهم الواعظ، وينصحهم الناصح، فيشعر كل منهم برابطته مع أخيه وحاجته إلى حسن معاملته وبقاء مودته.
فهل هذا اليوم (يوم شم النسيم) في مجتمعاتنا الشرعية التى تعود علينا بالخير والرحمة؟ (كلا) وحسبك أن تنظر في الأمصار، بل القرى فترى في ذلك اليوم ما يزرى بالفضيلة ويخجل معه وجه الحياء من منكرات تخالف الدين وسوءات تجرح الذوق السليم وينقبض لها صدر الإنسانية.
الرياضة واستنشاق الهواء ومشاهدة الأزهار من ضرورات الحياة في كل آن لا في ذلك اليوم الذى تمتلئ فيه المزارع والخلوات بجماعات الفجار: وفاسدى الأخلاق فتسربت إلها المفاسد وعمتها الدنايا فصارت سوقًا للفسوق والعصيان
ومرتعًا لإراقة الحياء وهتك الحجاب (نعم) لا تمر بمزرعة أو طريق إلا وترى فيه ما يخجل كل شريف ويؤلم كل حى، فأجدر به أن يسمى يوم الشؤم والفجور.
ترى المركبات والسيارات تتكدس بجماعة عاطلين يموج بعضهم في بعض بين شيب وشبان، ونساء وولدان ينزحون إلى البساتين والأنهار، ترى السفن فوق الماء مملوءة بالشبان يفسقون بالنساء على ظهر الماء، يفرطون في تناول المسكرات وارتكاب المخازى، فاتبعوا خطوات الشيطان في السوء الفحشاء في البر والبحر، وأضاعوا ثمرة الاجتماع فكان شرًّا على شر ووبالًا على وبال.
تراهم ينطقون بما تصان الآذان عن سماعه ويخاطبون المارة كما يشاءون من قبيح الألفاظ وبذئ العبارات كأن هذا اليوم قد أبيحت لهم فيه جميع الخبائث وارتفع عنهم فيه حواجز التكليف ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١) (فعلى) من يريد السلامة في دينه وعرضه أن يحتجب في بيته في ذلك اليوم المشئوم، ويمنع عياله وأهله وكل من تحت ولايته عن الخروج فيه، حتى لا يشارك اليهود
стр. 275
والنصارى في مراسمهم، والفاسقين الفاجرين في أماكنهم، ويظفر بإحسان الله ورحمته.
* * *
الفصل السابع في البِدَع التى تَقع في العِبَادات
أعلم أن هذا النوع من البدع واسع الأرجاء لا يدخل تحت حصر فإن العبادات كثيرة الأنواع، والطريق الجامع لها المحيط بشعبها أحكام مسائل العبادات على الوجه المشروع، ثم الإحاطة على قدر الوسع بالمصالح والمفاسد المقصودة من تشريعها ليتميز الخبيث من الطيب، فعن ذى النون بن إبراهيم ﵀ أنه كان يقول: "من أعلام البصر بالدين معرفة الأصول لنسلم من البدع والخطأ، والأخذ بالأوثق من الفروع احتياطًا لنأمن".
ولا يعزب عنك أن الحكم على أمر بالابتداع فرع عن العلم بأنه خارج عن حدود المشروع بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، وأن ما يكون بدعة قبيحة هو ما احتوى على مفسدة حرام أو مكروه، وأن ما يقال فيه بدعة حسنة هو ما فيه مصلحة الحسن.
(وعلى الجملة) لا يصح الحكم على شيء بأنه بدعة إلا بعد معرفة أصله في الشرع الشريف وإلا كان رجمًا بالغيب وهو لا يليق خصوصًا برجال الدين، ثم إن البدع في العبادات منها ما يكون عامًا لا يختص بنوع منها، ومنها ما يختص، كالذى يقع في صلاة أو صوم أو حج أو دعاء أو ذكر أو قراءة على ما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى.
(فمن البدع) في الصلاة الجهر بالنية. قال في "المدخل" ما ملخصه: لا يجهر إمام ولا مأموم ولا فذ بالنية فإنه لم يرو أن النبي ﷺ ولا الخلفاء ولا الصحابة رضوان الله عليهم جهروا بها فكان بدعة.
وفما "زاد المعاد" ما نصه: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر ولم يقل شيئًا قبلها ولا يلفظ بالنية البتة، ولا قال: أصلى لله كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال: أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح
стр. 276
ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظ واحدة منها ألبتة، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة
الأربعة، وإنما غر بعض المتأخرين قول الإمام الشافعى ﵁ في الصلاة إنها ليست كالصيام ولا يدخل فيها أحد إلا بذكر، فظن أن الذكر تلفظ المصلى بالنية، وإنما أراد الشافعى ﵀ بالذكر تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعى أمرًا لم يفعله النبي ﷺ في صلاة واحدة ولا أحد من خلفائه وأصحابه، وهذا هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفًا واحدًا عنهم في ذلك قبلناه وقابلناه بالتسليم والقبول، ولا هدى أكمل من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقوه عن صاحب الشرع ﷺ ، وكان دأبه في إحرامه لفظة الله أكبر لا غيرها، ولم ينقل عنه أحد سواها. انتهى المقصود منه.
فالمطلوب شرعًا من المأموم والمنفرد أن يقتصر في التكبير على ما يسمع نفسه فقط والإمام يرفع به صوته بقدر ما يسمع المأمومين.
ويا ليت الأمر وقف عند الجهر بها، بل ترى كثيرًا منهم يشوشون بذلك ويكررون النية مرة بعد أخرى حتى تفوته الركعة وربما أدى تشويشه إلى عجز من بجواره عن إحضار النية فتفوته أيضًا الركعة ومعلوم أن التشويش حرام ولو على النائم، كيف لا وقد أضر بهذا الجهر المتعبدين، ورسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" رواه ابن ماجه وغيره. والضرر: إلحاق الأذى بالغير مطلقًا، والإضرار: إلحاقه به على وجه المقابلة بالمثل. فالضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه، وقال أيضًا: "ملعون من ضر مؤمنًا" رواه الترمذى.
ومن البدع السيئة الوسوسة فإنها شر أنواع البدع، لا تسلط الوسوسة إلا على من استحكم عليه الجهل واستولى عليه الخبل وصار لا تمييز له، وأما من كان على حقيقة العلم والعقل فإنه لا يخرج عن الاتباع ولا يميل إلى الابتداع، وأقبح المبتدعين الموسوسون، وهى من عمل الشيطان اللعين لا غاية له إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال والحيرة ونكد العيش وظلمة النفس وضجرها، ومن أصغى إلى الوسواس
стр. 277
لا يزال يزداد به حتى يخرجه إلى حيث السفه ويحول بينه وبين نور الإسلام وهو لا يشعر.
ومن غوائل الوسواس أن يخرج بالإنسان عن اتباع رسول ﷺ ، ويخيل إليه أن ما جاءت به السنة لا يكفى حتى يضم إليه غيره، فيرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﷺ أو اغتسل كاغتساله لم يطهر، فقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، والموسوس يرى أن هذا القدر لا يكفيه لغسل يديه،
وصح عنه أنه توضأ مرة مرة ولم يزد على ثلاث، وأخبر أن من زاد عليها فقد أساء وظلم. فالموسوس يتقرب إلى الله بما هو مسئ به متعد فيه لحدوده، ومضى على هذا السلف الصالح، فعن سعيد بن المسيب ﵁: "إنى لأستنجى من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلى"، وقال الإمام أحمد ﵁: "من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء".
* * *
بَيَان سَبَب بِدعَة الوسْوَاس مَعَ بَيَان بِطْلَانه
منشأ هذه البدعة تلبيس الشيطان على من ابتلى بها وتصويره المذموم عند الشارع يصورة الممدوح فخيل إليه أن الغلو والإسراف في الدين احتياط واجتهاد فيه، وأن الوسواس أخذ باليقين وطرح للشك عملًا بحديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، وحديث: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" وقد أمر ﵊ من شك في صلاته أن يبنى على اليقين، ووجد تمرة مسقوطة فقال: "لولا أنى أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها". فمن هنا يزعم الموسوس أن عمله هذا ليس فيه خروجًا عن الشريعة، وأن غيره تساهل في الدين مع أنه مهمل لدينه يدخل فيه بشك ويخرج منه به.
ولإبطال هذا التلبيس نقول هنا أمران:
(أحدهما): وهو الاحتياط في الدين والأخذ باليقين ممدوح شرعًا بما ذكر من الأحاديث.
(ثانيهما): مذموم شرعًا وهو الغلو في الدين وتعدى حدوده والإسراف فيه، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (١). الغلو: تجاوز الحد، والآية
стр. 278
نهى لهم عن الإفراط تارة، والتفريط أخرى، فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى ﵇ حتى جعلوه إلهًا، ومن التفريط غلو اليهود فيه ﵇ حتى جعلوه لغير رشدة (ابن زنا)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١)،
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢)، وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا. رواه مسلم. المتنطعون: المتعمقون المشددون في غير موضع التشديد. (وعن) أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا" رواه البخارى. سددوا: الزموا السداد، وهو التوسط من غير إفراط ولا تفريط، وقاربوا: أي إن لم تستطيعوا العمل بالأكمل فاعملوا ما يقرب منه.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الشك الذى يطلب عنده الاحتياط والأخذ باليقين ما يكون له أصل ينبنى عليه ومثار يدعو إليه، كأخبار من لا يقبل خبره، وكثياب من عادته مباشرة النجاسة، وكالصلاة خلف من عادته التساهل، وكصيد رميته فوقع في الماء أو اجتمع عليه كلب المسلم والكافر.
(وأما الوسوسة): فهى حديث النفس والشيطان وأخذ بالوهم، فيحكم بنجاسة الثوب من غير علامة تعارض الأصل (الطهارة)، فيغسل الثوب الجديد أو الذى اشتراه، فهو يتخيل ما لم يكن كائنًا ثم يحكم بحصوله ويسمى ذلك احتياطًا، فصار نظير من ارتكب محظورًا وسماه بغير اسمه كما يسمى الخمر شرابًا، والربا معاملة، فالاحتياط الذى ينفع صاحبه هو الاحتياط في موافقة السنة وترك مخالفتها.
ومن هذا القبيل حديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل، والحلال بالحرام، من غير دليل على أحد الجانبين، أوتتعارض الأمارتان عنده فلا يترجح في ظنه أحدهما فيشتبه عليه هذا بهذا، فأرشده النبي ﷺ إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلى. وأما التمرة التى ترك رسول الله ﷺ أكلها فذاك من باب اتقاء الشبهات وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام، فإن التمرة كانت قد وجدها في البيت وكان فيه نوعان
стр. 279
تمر الصدقة وتمر يقتات منه أهله، فلم يدر ﵊ كما أي النوعين مما فأمسك عن أكلها، وهذا الحديث أصل في الورع واتقاء الشبهات. (وأما أمره) لمن شك في صلاته بالبناء على اليقين فلأنه لا تبرأ ذمته بالشك.
(وصفوة القول) خير الأمر أوسطه، ودين الله الذى ارتضاه لعباده ما كان بين الإفراط والتفريط والغلو والتقصير، ومن تعود الاحتياط الممدوح تراه يحبه في كل
باب من أبواب العبادة، فلا يوقعها إلا على الوجه المتفق عليه ولا يجاوز فيها طريقة السلف. عن أبى الوفاء بن عقيل أن رجلًا قال له: أنغمس في الماء مرارًا كثيرة وأشك هل صح الغسل أم لا، فما ترى في ذلك؟ فقال له: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف؟ قال: لأن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبى حتى ييلغ" رواه أحمد والأربعة، ومن ينغمس في الماء مرارًا ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون، وقد ورد في الأثر بإفادة بدعة الوسواس في استعمال الماء فقال: "يجزئ من الوضوء مد، والغسل صاع، وسيأتى قوم يستقلون ذلك، فأولئك خلاف أهل سنتى، والآخذ بسنتى في حظيرة القدس متنزه أهل الجنة".
ومن مفاسد الوسوسة أن يشغل ذمته بالزائد على قدر حاجته إذا كان الماء مملوكًا لغيره كماء الحمام، فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، وهو عن ذلك مسئول في البرزخ ويوم القيامة. ومن ضروب الوسوسة ما يكون من الكثير منهم: يحرم بالصلاة ثم يسلم ويحرم، وهكذا فهو دائر بين حرامين؛ لأن الصلاة إن كانت قد صحت حرم الخروج منها، وإلا حرم عليه التسليم لأنَّه تلبس بعبادة فاسدة، وقبيح جدًّا ما يكون من الموسوسين عند تكبيرة الإحرام ترى الواحد منهم يزعج أعضاءه ويحرك رأسه ويرعش يديه وتنتفخ أوداجه ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو. نعوذ بالله من الخبال.
وهذا وأمثاله ممَّا جعله الشيطان شركًا لأهل الوسواس، يحبسهم عنده ويعذبهم فيه، ويوقعهم في طلب تصحيح الصلاة وليس من الصلاة في شيء، ولو أدرك النبي ﷺ هؤلاء الموسوسين لمقتهم، ولو
стр. 280
أدركهم عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه لضربهم، ولو أدركهم أحد من الصحابة أو التابعين لبدعهم وسخر منهم. وللإمام الغزال في التشنيع على أهل الوسوسة كلام طويل في كتابه "الكشف" فراجعه إن شئت، ومثله للإمام الشعرانى رحمة الله تعالى عليهما.
علاج الوسواس للخلاص من هذه البلية: يجب إشعار القلب أن الخير كله في اتباع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في قوله وفعله، شأن الشر كله في مخالفته وعدم التمسك بهديه، ويلاحظ أحوال السلف الصالح في متابعتهم لرسول الله ﷺ فيلزم نفسه بالاقتداء به والاهتداء بهديه، ويتبع سبيل هؤلاء المؤمنين ويسير سيرهم مع رسول الله ﷺ ، وإن كان بقى من التردد شيء بعد ذلك لا يلتفت إليه.
إن فعل ذلك لم يلبث أن يزول عند بعد زمان قليل إن شاء الله تعالى، كما جرب ذلك الموفقون، فقد جاء في الصحيحين: "أن من ابتلى بالوسوسة فليعتقد بالله وَلْيَنْتَهِ"، وجاء في طريق آخر: "أن من ابتلى بالوسوسة فليقل: آمنت بالله وبرسله".
فتأمل هداك الله هذا الدواء النافع الذى وصفه من لا ينطق عن الهوى لأمته، ولا شك أن من استحضر طرائق رسل الله سيما نبينا ﷺ وجد شريعة سهلة لا حرج فيها ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) ورأى طريقته قوية واضحة لا اعوجاج ولا خفاء فيها ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٢) وبذلك إن شاء الله تعالى يبرأ من هذه العلَّة.
ومن الدواء أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطانى، وأن إبليس هو الذى أورده عليه، فهو من تسويل الشيطان الذى يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وعداوته لبنى الإنسان بينة واضحة، فإذا اعتقد ذلك فليقاتله ليكون له ثواب المجاهدين فإنه يحارب أكبر عدو لله تعالى، ومتى ثبت في ميدان المجاهدة انهزم ذلك الرجيم وفر من بين يديه.
ومن الدواء ما وصفه أهل التربية وقالوا: إنه أنفع علاج في دفع الوسوسة، الإقبال على ذكر الله تعالى والإكثار منه، و (لا إله إلَّا الله) رأس الذكر،
стр. 281
فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس وتأخر وبعد، وقانا الله شره، ولا جعل له على قلوبنا دليلًا، ولا إلى أعمالنا سبيلًا، إن ربى لسميع الدعاء.
ومن البدع المكروهة في الصلاة رفع الصوت حيث يطلب الإسرار، كالجهر بالاستعاذة أو دعاء الافتتاح أو التسبيح في الركوع والسجود أو بالتشهد وكالجهر بالفاتحة والسورة في السرية، فإن ذلك لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا السلف الصالح، وهؤلاء قدوتنا إلى الله تعالى فإن لم نقتد بهم فبمن نقتدى؟
ومن البدع المكروهة قول المصلى عقب التسليمة الأولى: اللهم أدخلنا الجنة، وعقب الثانية: أسألك النجاة من النار. قال بعض الأئمة: فإن هذا لم يفعله النبي ﷺ ولا أحد من العلماء، وهو إحداث دعاء في الصلاة في غير محله يفصل بأحدهما بين التسليمتين ويصل بالآخر التسليمة الثانية، وليس لأحد فصل الصفة المشروعة بمثل هذا.
ومن البدع التَّركية تهاون الناس بسجود التلاوة عند سماع آية السجود وهى من السنن المؤكدة أو الواجبات التى يطلب قضاؤها كما هو مبسوط في الفروع.
ومن البدع المكروهة ختم الصلاة على الهيئة المعروفة من رفع الصوت به وفى المسجد والاجتماع له والمواظبة عليه حتى اعتقد العامة أنه من تمام الصلاة وأنَّه سنة لابد منها، مع أنه مستحب انفرادًا سرًّا، فهذه الهيئة محدثة لم تعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن الصحابة، وقد اتخذها الناس شعارًا للصلوات المفروضة عقب الجماعة، وقد صرح كثير من الفقهاء بأن إحدات الشعار في الدين مكروه، ولذا قال الإمام ابن الصلاح بكراهة ما يفعله الناس بعد فراغهم من السعى بين الصفا والمروة من صلاة ركعتين على متسع المروة، وكيف يجوز رفع الصوت به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١). والتضرع من الضراعة: وهى الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية بضم الخاء وكسرها: الإسرار به، فإنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وانتصابهما على الحال، أي ادعوه متضرعين بالدعاء مخفين له مسرين، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) في الدعاء بترك
стр. 282
ما أمروا به من التضرع والإخفاء، كما لا يحب الاعتداء في سائر الأشياء، والاعتداء تجاوز الحدود فيها، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين ولا يشملهم برحمته وإحسانه، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولًا أوليًّا، وحسبك في تعيين الإسرار بالدعاء اقترانه بالتضرع في هذه الآية الكريمة، فالإخلال به كالإخلال بالتضرع في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا إسرار ولا وقار.
والدعاء على هذه الهيئة أيضًا لم يكن من فعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا قوله ولا إقراره، روى البخارى من حديث أم سلمة ﵂: "أنه ﷺ كان يمكث إذا سلم يسيرًا". قال ابن شهاب: حتى ينصرف الناس فيما نرى، وفى مسلم عن عائشة ﵂: كان إذا سلم لم يقعد إلَّا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فيه من حديث ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من
صلاته (سلم منها) استغفر الله ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام … " الحديث، وفى "الأذكار" للنووى قيل للأوزاعى - وهو أحد رواة هذا الحديث -: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله أستغفر الله، ومع هذا ترى كثيرًا من الناس يصرخون ويصيحون في الدعاء، وفى المساجد، حتى يشتد اللغط ويقع التهويش على المصلين والمسبوقين ويهتز الداعى مع الناس ولا يعلم أنه قد جمع بين بدعتين رفع الصوت بالدعاء وفى المسجد.
لا يقال قد تحصل للعوام حينئذ رقة في القلب لا تحصل مع خفض الصوت، ورعاية سمت الوقار واتباع السنة الثابتة بالآثار، (لأنا) نقول: إنها رقة تشبه الرقة التى تعرض للنساء والأطفال ليست ناشئة عن صميم القلب، إذ لوكانت كذلك لكانت عند اتباع السنة في الدعاء أوفى وأوفر وأزكى وأكثر.
فإن قيل: كيف تنكر على الناس رفع الصوت بختم الصلاة مع أن رفع الصوت بالذكر كان يفعل في زمن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد روى البخارى من حديث عمرو بن دينار أن أبا معبد مولى ابن عباس
стр. 283
أخبره أن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة (يسلمون منها) كان على عهد النبي ﷺ (قلنا) هذا الحديث محمول على أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم واظبوا على الجهر به، حكى هذا الإمام النووى ﵀ عن الإمام الشافعى ﵁ وكفى به حجة، والذى عليه جمهور العلماء أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر إلا عند الحاجة إلى التعليم، على أن هذا الحديث مشكوك فيه، فقد قال عمرو بن دينار: ذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا، وهى مسألة معروفة عند علماء الحديث وهى إنكار الأصل تحديث الفرع. راجع شراح البخارى إن شئت.
وغير خاف عليك أن ختم الصلاة على الحالة المعلومة من البدع الإضافية التى هى مثار الخلاف بين أنصار السنة والبدعة، فإنه مشروع باعتبار، غير مشروع باعتبار آخر، فإنك إذا نظرت إليه من جهة كونه قرآنًا وذكرًا ودعاء وجدته مشروعًا، وإذا نظرت إليه من ناحية ما عرض له من الهيئة برفع الصوت، واجتماع المستغفرين، وفى المسجد، والمواظبة عليه وجدته غير مشروع، فما أكثر التباس الباطل بالحق على كثير من الناس. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، إنك رب التوفيق والهداية يا رحمن.
ومن هنا يعلم كراهة ما أحدث في صلاة التراويح من قولهم عقب الركعتين الأوليين منها: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله، ونحو ذلك قبل الأخريين، وبعضهم يترضى عن الصحابة في عقب الأولى عن أبى بكر والثانية عن عمر والثالثة عن عثمان والرابعة عن على ﵃، وكل ذلك شرع لما لم يشرعه الله على لسان نبيه ﷺ .
ولا يقال: إنه لا بأس به حيث إنه صلاة وتسليم عليه ﷺ ، ومن حيث إنه ترض عن أصحابه لانعقاد الإجماع على سن الترضى عنهم والترحم على العلماء والصلحاء لما فيه من التنويه بعلو شأنهم والتنبيه على عظم مقامهم، ولكن الناس تفعله على أنه شعار لصلاة التراويح ويرون ذلك حسنًا، وهو من تلبيس الشيطان عليهم، وهو أيضًا بدعة إضافية.
стр. 284
وكيف يجرءون على استحسان هذا قد أنكر الاستحسان في الدين الإمام الشافعى ﵀ وقد بالغ في إنكاره حيث قال: من استحسن فقد شرع، ومعناه كما نقل عن الرويانى: أنه نصب من جهة نفسه شرعًا غير الشرع، وقال في "الرسالة": الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا، وهو محمول على الاستحسان بالهوى والشهوة من غير دليل شرعى كما تقدم. لهذا كان مكروهًا.
وأشد كراهة منه صلاة التراويح مع التخفيف المفرط فيها جهلًا من الأئمة وكسلًا من الناس، والانفراد في هذه الحالة أفضل من الجماعة، بل إن علم المأموم أن الإمام لا يتم بعض الأركان لم يصح اقتداؤه به أصلًا. ومن اعتبر صلاة التراويح اليوم بها حال تشريعها وأيام القرون الأولى يرى أن الناس قد ذهبوا بكل مزاياها، وعطلوا معظم شعائرها، وأحدثوا بدعًا سيئة لا يرضاها الله ولا رسوله ولا مسلم له على الشرع غيرة، فترى العوام فيها يشتركون جميعًا في الذكر والتسبيح بين كل ترويحتين، ويحدثون ضجة هائلة لا تجعل أثرًا للخشوع في القلوب نسأل الله الهداية بمنه وكرمه.
ومن البدع الفاشية في الناس احتفال المسلمين في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة، والدعاء عقب صلاة المغرب، يقرءونه بأصوات مرتفعة بتلقين
الإمام، فإن إحياءها بذلك على الهيئة المعروفة لم يكن في عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإنما اشتهر عن خالد بن معدان ومكحول الشامى من التابعين أنهما كانا يجتهدان في العبادة ليلة النصف من شعبان، فاختلف الناس بعدهما في فضل هذه الليلة وإحيائها بالعبادة، فمنهم من أقره ومنهم من أنكره، والمقرون له فريقان: فريق ذهب إلى استحباب إحيائها جماعة في المسجد، ومنهم إسحاق بن راهويه، وفريق يكره الاجتماع لها في المسجد، ولا يكره للرجل إحياءها بالصلاة وحده، واختاره الأوزاعى إمام أهل الشام.
стр. 285
استند القائلون بإحياء هذه الليلة بالعبادة إلى أحاديث وردت في فضلها كحديث: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من شعر غنم بنى كلب" أخرجه الدارقطنى والإمام أحمد في مسنديهما، وحديث: "إن الله يطلع إلى عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويملى للكافرين ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه" رواه الدارقطنى في كتاب "السنن"، وحديث: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له؟ ألا من مسترزق فأرزقه؟ ألا من مبتلى فأعافيه؟ ألا كذا؟ ألا كذا حتى يطلع الفجر".
أما المنكرون لفضل هذه الليلة على غيرها فسندهم في ذلك أنه لم يثبت عندهم في فضلها حديث، فقد صرح علماء الحديث بضعف الحديثين الأولين، وقولهم: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال ليس على إطلاقه كما تقدم في الباب الأول عقب مبحث الاستحسان. والحديث الثالث رواه ابن ماجه وعبد الرزاق من أبى بكر بن عبد الله بن أبى سبرة، وقد قال فيه ابن معين والإمام أحمد: إنه يضع الحديث، نقل ذلك محشى "سنن ابن ماجه" عن "الزوائد"، ووافقه الذهبى في "الميزان" بالنسبة للإمام أحمد، وذكر عن ابن معين إنه قال: ليس حديثه بشيء، وقال النَّسَائِيّ: متروك.
(وجملة القول) أن كل الأحاديث الواردة في ليلة النصف من شعبان دائر أمرها بين الوضع والضعف وعدم الصحة، فقد نقل أبو شامة الشافعى عن القاضى
أبى بكر بن العربى أنه قال في كتاب "العارضة": "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوى سماعه"، وقال في كتاب "الأحكام": "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليه". هذه أقوال العلماء في فضل ليلة النصف من شعبان.
وأما الصلاة المخصوصة التى يفعلها بعض الناس في هذه الليلة، فقد ذكر حديثها في "الإحياء و"قوت القلوب"، ولكن قد صرح جماعة من الحفاظ بأنه موضوع. قال الحافظ ابن الجزرى في "الحصن": "وأما صلاة الرغائب