فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس وتأخر وبعد، وقانا الله شره، ولا جعل له على قلوبنا دليلًا، ولا إلى أعمالنا سبيلًا، إن ربى لسميع الدعاء.
ومن البدع المكروهة في الصلاة رفع الصوت حيث يطلب الإسرار، كالجهر بالاستعاذة أو دعاء الافتتاح أو التسبيح في الركوع والسجود أو بالتشهد وكالجهر بالفاتحة والسورة في السرية، فإن ذلك لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا السلف الصالح، وهؤلاء قدوتنا إلى الله تعالى فإن لم نقتد بهم فبمن نقتدى؟
ومن البدع المكروهة قول المصلى عقب التسليمة الأولى: اللهم أدخلنا الجنة، وعقب الثانية: أسألك النجاة من النار. قال بعض الأئمة: فإن هذا لم يفعله النبي ﷺ ولا أحد من العلماء، وهو إحداث دعاء في الصلاة في غير محله يفصل بأحدهما بين التسليمتين ويصل بالآخر التسليمة الثانية، وليس لأحد فصل الصفة المشروعة بمثل هذا.
ومن البدع التَّركية تهاون الناس بسجود التلاوة عند سماع آية السجود وهى من السنن المؤكدة أو الواجبات التى يطلب قضاؤها كما هو مبسوط في الفروع.
ومن البدع المكروهة ختم الصلاة على الهيئة المعروفة من رفع الصوت به وفى المسجد والاجتماع له والمواظبة عليه حتى اعتقد العامة أنه من تمام الصلاة وأنَّه سنة لابد منها، مع أنه مستحب انفرادًا سرًّا، فهذه الهيئة محدثة لم تعهد عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن الصحابة، وقد اتخذها الناس شعارًا للصلوات المفروضة عقب الجماعة، وقد صرح كثير من الفقهاء بأن إحدات الشعار في الدين مكروه، ولذا قال الإمام ابن الصلاح بكراهة ما يفعله الناس بعد فراغهم من السعى بين الصفا والمروة من صلاة ركعتين على متسع المروة، وكيف يجوز رفع الصوت به والله تعالى يقول في كتابه الحكيم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١). والتضرع من الضراعة: وهى الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية بضم الخاء وكسرها: الإسرار به، فإنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء، وانتصابهما على الحال، أي ادعوه متضرعين بالدعاء مخفين له مسرين، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) في الدعاء بترك
стр. 282
ما أمروا به من التضرع والإخفاء، كما لا يحب الاعتداء في سائر الأشياء، والاعتداء تجاوز الحدود فيها، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين ولا يشملهم برحمته وإحسانه، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولًا أوليًّا، وحسبك في تعيين الإسرار بالدعاء اقترانه بالتضرع في هذه الآية الكريمة، فالإخلال به كالإخلال بالتضرع في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لا خفية فيه ولا إسرار ولا وقار.
والدعاء على هذه الهيئة أيضًا لم يكن من فعل رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا قوله ولا إقراره، روى البخارى من حديث أم سلمة ﵂: "أنه ﷺ كان يمكث إذا سلم يسيرًا". قال ابن شهاب: حتى ينصرف الناس فيما نرى، وفى مسلم عن عائشة ﵂: كان إذا سلم لم يقعد إلَّا مقدار ما يقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فيه من حديث ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من
صلاته (سلم منها) استغفر الله ثلاثًا وقال: "اللهم أنت السلام … " الحديث، وفى "الأذكار" للنووى قيل للأوزاعى - وهو أحد رواة هذا الحديث -: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله أستغفر الله، ومع هذا ترى كثيرًا من الناس يصرخون ويصيحون في الدعاء، وفى المساجد، حتى يشتد اللغط ويقع التهويش على المصلين والمسبوقين ويهتز الداعى مع الناس ولا يعلم أنه قد جمع بين بدعتين رفع الصوت بالدعاء وفى المسجد.
لا يقال قد تحصل للعوام حينئذ رقة في القلب لا تحصل مع خفض الصوت، ورعاية سمت الوقار واتباع السنة الثابتة بالآثار، (لأنا) نقول: إنها رقة تشبه الرقة التى تعرض للنساء والأطفال ليست ناشئة عن صميم القلب، إذ لوكانت كذلك لكانت عند اتباع السنة في الدعاء أوفى وأوفر وأزكى وأكثر.
فإن قيل: كيف تنكر على الناس رفع الصوت بختم الصلاة مع أن رفع الصوت بالذكر كان يفعل في زمن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد روى البخارى من حديث عمرو بن دينار أن أبا معبد مولى ابن عباس
стр. 283
أخبره أن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة (يسلمون منها) كان على عهد النبي ﷺ (قلنا) هذا الحديث محمول على أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم واظبوا على الجهر به، حكى هذا الإمام النووى ﵀ عن الإمام الشافعى ﵁ وكفى به حجة، والذى عليه جمهور العلماء أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر إلا عند الحاجة إلى التعليم، على أن هذا الحديث مشكوك فيه، فقد قال عمرو بن دينار: ذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا، وهى مسألة معروفة عند علماء الحديث وهى إنكار الأصل تحديث الفرع. راجع شراح البخارى إن شئت.
وغير خاف عليك أن ختم الصلاة على الحالة المعلومة من البدع الإضافية التى هى مثار الخلاف بين أنصار السنة والبدعة، فإنه مشروع باعتبار، غير مشروع باعتبار آخر، فإنك إذا نظرت إليه من جهة كونه قرآنًا وذكرًا ودعاء وجدته مشروعًا، وإذا نظرت إليه من ناحية ما عرض له من الهيئة برفع الصوت، واجتماع المستغفرين، وفى المسجد، والمواظبة عليه وجدته غير مشروع، فما أكثر التباس الباطل بالحق على كثير من الناس. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، إنك رب التوفيق والهداية يا رحمن.
ومن هنا يعلم كراهة ما أحدث في صلاة التراويح من قولهم عقب الركعتين الأوليين منها: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله، ونحو ذلك قبل الأخريين، وبعضهم يترضى عن الصحابة في عقب الأولى عن أبى بكر والثانية عن عمر والثالثة عن عثمان والرابعة عن على ﵃، وكل ذلك شرع لما لم يشرعه الله على لسان نبيه ﷺ .
ولا يقال: إنه لا بأس به حيث إنه صلاة وتسليم عليه ﷺ ، ومن حيث إنه ترض عن أصحابه لانعقاد الإجماع على سن الترضى عنهم والترحم على العلماء والصلحاء لما فيه من التنويه بعلو شأنهم والتنبيه على عظم مقامهم، ولكن الناس تفعله على أنه شعار لصلاة التراويح ويرون ذلك حسنًا، وهو من تلبيس الشيطان عليهم، وهو أيضًا بدعة إضافية.
стр. 284
وكيف يجرءون على استحسان هذا قد أنكر الاستحسان في الدين الإمام الشافعى ﵀ وقد بالغ في إنكاره حيث قال: من استحسن فقد شرع، ومعناه كما نقل عن الرويانى: أنه نصب من جهة نفسه شرعًا غير الشرع، وقال في "الرسالة": الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعًا، وهو محمول على الاستحسان بالهوى والشهوة من غير دليل شرعى كما تقدم. لهذا كان مكروهًا.
وأشد كراهة منه صلاة التراويح مع التخفيف المفرط فيها جهلًا من الأئمة وكسلًا من الناس، والانفراد في هذه الحالة أفضل من الجماعة، بل إن علم المأموم أن الإمام لا يتم بعض الأركان لم يصح اقتداؤه به أصلًا. ومن اعتبر صلاة التراويح اليوم بها حال تشريعها وأيام القرون الأولى يرى أن الناس قد ذهبوا بكل مزاياها، وعطلوا معظم شعائرها، وأحدثوا بدعًا سيئة لا يرضاها الله ولا رسوله ولا مسلم له على الشرع غيرة، فترى العوام فيها يشتركون جميعًا في الذكر والتسبيح بين كل ترويحتين، ويحدثون ضجة هائلة لا تجعل أثرًا للخشوع في القلوب نسأل الله الهداية بمنه وكرمه.
ومن البدع الفاشية في الناس احتفال المسلمين في المساجد بإحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة، والدعاء عقب صلاة المغرب، يقرءونه بأصوات مرتفعة بتلقين
الإمام، فإن إحياءها بذلك على الهيئة المعروفة لم يكن في عهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وإنما اشتهر عن خالد بن معدان ومكحول الشامى من التابعين أنهما كانا يجتهدان في العبادة ليلة النصف من شعبان، فاختلف الناس بعدهما في فضل هذه الليلة وإحيائها بالعبادة، فمنهم من أقره ومنهم من أنكره، والمقرون له فريقان: فريق ذهب إلى استحباب إحيائها جماعة في المسجد، ومنهم إسحاق بن راهويه، وفريق يكره الاجتماع لها في المسجد، ولا يكره للرجل إحياءها بالصلاة وحده، واختاره الأوزاعى إمام أهل الشام.
стр. 285
استند القائلون بإحياء هذه الليلة بالعبادة إلى أحاديث وردت في فضلها كحديث: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر لأكثر من شعر غنم بنى كلب" أخرجه الدارقطنى والإمام أحمد في مسنديهما، وحديث: "إن الله يطلع إلى عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين ويملى للكافرين ويدع أهل الحقد لحقدهم حتى يدعوه" رواه الدارقطنى في كتاب "السنن"، وحديث: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له؟ ألا من مسترزق فأرزقه؟ ألا من مبتلى فأعافيه؟ ألا كذا؟ ألا كذا حتى يطلع الفجر".
أما المنكرون لفضل هذه الليلة على غيرها فسندهم في ذلك أنه لم يثبت عندهم في فضلها حديث، فقد صرح علماء الحديث بضعف الحديثين الأولين، وقولهم: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال ليس على إطلاقه كما تقدم في الباب الأول عقب مبحث الاستحسان. والحديث الثالث رواه ابن ماجه وعبد الرزاق من أبى بكر بن عبد الله بن أبى سبرة، وقد قال فيه ابن معين والإمام أحمد: إنه يضع الحديث، نقل ذلك محشى "سنن ابن ماجه" عن "الزوائد"، ووافقه الذهبى في "الميزان" بالنسبة للإمام أحمد، وذكر عن ابن معين إنه قال: ليس حديثه بشيء، وقال النَّسَائِيّ: متروك.
(وجملة القول) أن كل الأحاديث الواردة في ليلة النصف من شعبان دائر أمرها بين الوضع والضعف وعدم الصحة، فقد نقل أبو شامة الشافعى عن القاضى
أبى بكر بن العربى أنه قال في كتاب "العارضة": "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوى سماعه"، وقال في كتاب "الأحكام": "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليه". هذه أقوال العلماء في فضل ليلة النصف من شعبان.
وأما الصلاة المخصوصة التى يفعلها بعض الناس في هذه الليلة، فقد ذكر حديثها في "الإحياء و"قوت القلوب"، ولكن قد صرح جماعة من الحفاظ بأنه موضوع. قال الحافظ ابن الجزرى في "الحصن": "وأما صلاة الرغائب
стр. 286
أول خميس من رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان وصلاة ليلة القدر من رمضان فلا تصح وسندها موضوع باطل)، وقال الحافظ العراقى: حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله ﷺ وكذب عليه، وقال الإمام النووى في كتاب "المجموع": الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهى اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، صلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب "قوت القلوب" و"إحياء علوم الدين"، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك، وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسى كتابًا نفيسًا في إبطالهما فأحسن فيه وأجاد. انتهى.
حكى الإمام الطرطوشى في أصل القيام ليلة النصف من شعبان عن أبى محمد المقدسى قال: لم يكن عندنا ببيت المقدس صلاة الرغائب هذه التى تصلى في رجب ولا صلاة شعبان، وأول ما حدثت عندنا (صلاة شعبان) في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا رجل في بيت المقدس من نابلس يعرف بابن أبى الحمراء وكان حسن التلاوة فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل ثم انضاف إليهما ثالث ورابع فما ختمها إلا وهو في جماعة كبيرة، ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد وانتشرت في المسجد الأقصى وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استمرت كأنها سنة إلى يومنا هذا، فقلت له: فرأيتك تصليها في جماعة، قال: نعم وأستغفر الله منها. وممن نص على كراهة صلاة الرغائب شيخ الإسلام ابن تيمية قال: هذه الصلاة لم
يفعلها النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه ولا التابعين ولا أئمة المسلمين، ولا رغب فيها النبي ﷺ ولا أحد من السلف ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها، والحديث المروى في ذلك عن النبي ﷺ كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك. ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة. انتهى.
أما صلاة رجب وتسمى صلاة الرغائب فقد روى عن رسول الله - صلى
стр. 287
الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من أحد يصوم أول خميس من رجب ثم يصلى بين العشاء والعتمة اثنتى عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ثلاث مرات، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ اثنتى عشرة مرة، والذى نفسى بيده لا يصلى أحد هذه الصلاة إلا غفر الله جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال وورق الأشجار ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجبوا النار".
وأما صلاة شعبان ويسمونها صلاة الخير، فقد روى عن الحسن أنه قال: حدثنى ثلاثون من أصحاب النبي ﷺ : "أن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله إليه سبعين نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة".
وقال العلامة أبو شامة في "الباعث": ومما أحدثه المبتدعون وخرجوا به عما رسمه الدين وجروا فيه على سنن المجوس واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا .. الوقود ليلة النصف من شعبان، ولم يصح فيها شيء عن رسول الله ﷺ ولا نطق بالصلاة فيها، والإيقاد، وما أحدثه إلا متلاعب بالشريعة المحمدية راغب في دين المجوسية، لأن النار معبودهم، وأول ما حدث ذلك في زمان البرامكة فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان، حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا كان ذلك إلى النار التى أوقدوها. انتهى.
وقال ابن العربى: أول من اتخذ البخور في المساجد بنو برمك يحيى بن خالد ومحمد بن خالد، ملَّكهما الوالى أمر الدين، فكان محمد بن خالد حاجبًا ويحيى وزيرًا ثم ابنه جعفر ين يحيى وكانوا باطنية، فأحيوا المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد وإنما تطيب بالخلوق وهو بالفتح نوع من الطيب.
قال بعض المؤرخين: إن البرامكة زينوا للرشيد وضع المجامر في الكعبة المشرفة
ليأنس المسلمون بوضع النار في أعظم معابدهم والنار معبود المجوس، والظاهر أن البرامكة كانوا من رؤساء جمعيات المجوس السرية التى تحاول هدم الإسلام وسلطة العرب وإعادة الملك للمجوس؛ وأنما قتك بهم هارون الرشيد لأنَّه وقف على دخائلهم.
والحاصل أن
стр. 288
إيقاد النار في المساجد لم يكن من عمل السلف الصالح ولا كانت مما تزين بها المساجد، ثم أحدث التزين بها حتى صارت من جملة ما يعظم به رمضان، واعتقد هذا العامة بسبب ترك الخواص الإنكار عليهم.
وأما الدعاء الذى تجتمع له الناس في المساجد هذه الليلة، فلما يثبت عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ولا عن أصحابه ولا عن السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أنهم اجتمعوا في المساجد من أجله في تلك الليلة، ونسبة هذا الدعاء إلى بعض الصحابة قد شك فيها الإمام أبو حيان وغيره من المحققين كالأستاذ الإمام شيخنا الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه. وأصل هذه البدعة ما نقل عن اليافعى أنه قال: إن أولى ما يدعى به في ليلة النصف من شعبان: اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه … إلخ. وعن بعض الصالحين أن أولى ما يدعى به فيها: إلهى بالتجلى الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المعظم … إلخ، فجمع الناس بينهما وروجته المطابع.
وربما شرطوا لقبول هذا الدعاء قراءة سورة يس وصلاة ركعتين قبله، يفعلون القراءة والصلاة والدعاء ثلاث مرات يصلون المرة الأولى بنية طول العمر، والمرة الثانية بنية دفع البلايا، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس، واعتقدوا أن هذا العمل من الشعائر الدينية، ومزايا هذه الليلة وخصائصها حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات والسنن، فتراهم يسارعون إلى المساجد قبيل الغروب من هذه الليلة، وفيهم تاركوا الصلاة معتقدين أنه يجبر كل تقصير سابق عليه وأنَّه يطيل العمر ويتشاءمون من فوته. لهذا ينبغى تركه وعدم الاهتمام به كما مر في بدع المواسم التى نسبوها إلى الشرع وليست منه.
نعم الدعاء إلى الله تعالى مطلوب في كل وقت ومكان لكن لا على هذا الوجه المخترع، فنتقرب إليه تعالى بما شرع ولا نتقرب إليه بالبدع، وما أحسن الدعاء وقت السحر، وقد نامت العيون وغابت النجوم وبقى الحى القيوم، يدعو المرء ربه فيه بحاجته، ويناجى مولاه بمطلوبه حاضر القلب خاشعًا ذليلًا، لا مقلدًا فيه
ولا حاكيًا لدعاء غيره، فإن ذلك يذهب برقة القلب وحضوره، ومحال أن يستجيب الرب لمن يدعوه وقلبه عند غيره.
واعلم أنه ليس من الحكمة التشنيع على الناس من أجل اجتماعهم في
стр. 289
هذه الليلة للدعاء مع حرصهم عليه واهتمامهم به، ولما في ذلك من إثارة الفتنة، بل الحكمة أن يسير المرشد في تغيير مثل هذه البدعة الإضافية برفق ولين، وينتهز فرصة هذا الاجتماع فيبين للناس فيها شيئًا من محاسن الدين الحنيف، ويدعوهم إلى مكارم الأخلاق كالصدق والوفاء والإخلاص والأمانة، ويشرح لهم ما في ذلك من سعادة الفرد والمجتمع، ويحذرهم ممَّا هم فيه من الرذائل والمعاصى كالكذب ونكث العهود وخلف الوعد والنفاق والخيانة والغش في المعاملة، مبينًا ما فيها من الشقاء والمضار.
ثم يذكر لهم فما هوادة ولين وجوه الابتداع فيما يعملون والخطأ فيما يعتقدون، مبينًا ما في هذا الدعاء من المخالفة لصريح القرآن الكريم، فإن الليلة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) هى ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روى عن عكرمة فقد أبعد النجعة (٢) فإن نص القرآن أنها في رمضان، وقال صاحب "القوت": وقد قيل هذه الليلة (ليلة النصف) هى التى قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وأنَّه ينسخ فيها أمر السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها من قابل والله أعلم، والصحيح من ذلك عندى أنه في ليلة القدر ويذلك سميت لأن التنزيل يشهد بذلك إذ في أول الآية ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ثم وصفها فقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ والقرآن إنما أنزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣). انتهى.
وقال أبو بكر بن العربى: جمهور العلماء على أنها ليلة القدر، ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق
القاطع: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٤) فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عبر عن وقتية الليل هنا فقال: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. انتهى: أي أن ابتداء نزوله على النبي ﷺ كان في رمضان في تلك الليلة المباركة التى سماها الله ليلة القدر.
стр. 290
وظاهر القرآن أيضًا أن الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم هى ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان، وظاهره أيضًا أن المحو والإثبات في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١) ليس المراد به محو الشقاوة والحرمان وإقتار الرزق وإثبات ضدها، وإنما المراد المحو والإثبات في الشرائع بالنسخ والتبديل، فإنه الذى يقتضيه سياق الكلام، وقد روى هذا البيهقي في "المدخل" وغيره عن ابن عباس وابن جرير عن قتادة، واختاره المحقق الألوسى وقال: إنه المناسب للمقام.
ثم يشير على الناس بدعاء من الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ والصحابة، ويرغبهم في الاستقلال به مع حضور القلب وخصوصًا في وقت السحر، وبذلك يسهل نقل الناس إلى السنة تدريجًا.
وإليك شيئًا من الأدعية المأثورة:
عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" رواه مسلم، وعن طارق بن أشيم ﵁ قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ﷺ الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: "اللهم اغفر لي وارحمنى واهدنى وعافنى وارزقنى"، وفى رواية له عن طارق أنه سمع النبي ﷺ وأتاه رجل فقال: يا رسول الله كيف أقول حين أسأل ربى؟ قال: قل: "اللهم أغفر لي وارحمنى وعافنى وارزقنى فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك"، وعن أبى هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أصلح لي دينى الذى هو عصمة أمرى وأصلح لي دنياى التى فيها معاشى وأصلح لي آخرتى التى فيها معادى واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر" رواه مسلم، وعن ابن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك
وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك" رواه مسلم إلى غير ذلك ممَّا في الصحيحين وغيرهما.
فيصح للمرشد أن يعلم الناس بعض هذه الأدعية، أو يدعو أمامهم بدعاء يجمع هذه الأدعية كلها وهم يؤمنون على دعائه، فذلك أقرب إلى
стр. 291
الإجابة وأدعى إلى حضور القلوب من الأدعية المجهولة الأصل، مع ما فيها من المخالفة لظاهر القرآن الحكيم، والله ولى التوفيق.
ومن البدع القبيحة تعدد الجماعة في مسجد واحد في آن واحد، فترى عند شروع الإمام الراتب في الفريضة عددًا من الأئمة منهم من يصلى بواحد، ومنهم من يصلى باثنين، ومنهم من يصدى بأربعة أو أكثر، ومنهم جملة أئمة في صف واحد، ومنهم المتقدم على الآخر، بل قد يكون بعض الأئمة في نفس الصف الأول الذى وراءه الإمام الراتب، فيقع الاختلاط في الصلاة وتلتبس الأئمة بعضها ببعض ويشوش بعضهم على بعض بالقراءة، ويشتبه الحال على المأموم وربما لم يميز إمامه من غيره، بل ربما اقتدى بمن هو مقتد بالإمام الراتب أو غيره، لما علمت أن الإمام غير الراتب قد يقف في خلال الصف الأول مثلًا مع من اقتدى بالإمام الراتب وذلك ممنوع لوجوه:
(منها): أنه مخالف لما كان علمه رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، إذ الإجماع على أنه لم يقع تعدد الجماعة في آن واحد في مسجد واحد في زمن النبي ﷺ ولا زمان أحد من أصحابه ولا زمان باقى السلف، فكان مردودًا.
(ومنها): أنه مناف لحكمة مشروعية الجماعة من ائتلاف القلوب وجمع الكلمة ورجاء حصول بركة بعض المؤمنين لبعض، ولذلك شرعت الجمعة وصلاة الخوف والعيدين والوقوف بعرفة، وفى صلاتهم على هذا الوجه تفريق لا جمع، وناهيك بصلاة الخوف بإمام واحد والوقت وقت ضرورة، فهو مردود.
(ومنها): أن فيه تشويش بعضهم على بعض بالقراءة وعلى المتعبدين غيرهم وهو حرام ولو على النائم.
(ومنها): أن فيه تخليطًا على المصلين واشتباه الأئمة بعضهم ببعض وبالمأمومين، فيقع الخلل في الصلاة فكان ممنوعًا بلا خلاف.
(ومنها): الإخلال بتسوية الصفوف، لما علمت أن البعض يتقدم على البعض
والبعض يقطع الصف على البعض، والبعض يترك فرجًا بينه وبين غيره، وكل ذلك خلاف السنة فيمنع.
(ومنها): أن فيه افتياتًا في حق الإمام الراتب، والإمام الشافعى ﵀ وأصحابه حثوا على حفظ حرمة الإمام الراتب في حال غيبته ولم يرخصوا لأحد في إقامة الجماعة في غيبته
стр. 292
إلا في أحوال خاصة كاليأس من حضوره أول الوقت، أو إذنه لغيره بالصلاة بالناس، كما ذكره الإمام النووى ﵀ في "شرح المهذب"، فالسنة الصلاة خلف الإمام الراتب جماعة واحدة، وخلاف ذلك بدعة، وللإمام الشافعى ﵀ في "الأم" ما هو صريح في ذلك فينبغى الوقوف عليه.
وقد سئل عن حكم هذه المسألة مع زيادة الإمام الكبير سيدى الشيخ محمد عليش رحمه الله تعالى بما ملخصه: ما قولكم في صلاة جماعتين فأكثر في محل واحد له راتب أو لا، ووقت واحد يقيمون الصلاة معًا أو متعاقبين أو يتقدم بعضهم بركعة أو أكثر، ويقرءون الفاتحة معًا أو يقرأ بعضهم الفاتحة والآخر السورة، ويسمع بعضهم قراءة بعض أو بعضهم يقرأ وبعضهم يركع وبعضهم يسجد والآخر يتشهد وبعضهم يهوى للركوع أو السجود مكبرًا وآخر يرفع من الركوع مستمعًا وتختلط صفوف المقتدين بهم فيجتمع في الصف الواحد إمامان فأكثر، ويلتبس على بعض المقتدين بهم صوت إمامهم بصوت إمام غيره، فهل هذا من البدع المجمع على منعها أو لا؟
فأجاب ﵀ بقوله: نعم هذا من البدع الشنيعة والمحدثات الفظيعة، أول ظهوره في القرن السادس ولم يكن في القرون التى قبله، وهو من المجمع على تحريمه كما نقله جماعة من الأئمة لمنافاته لغرض الشارع من مشروعية الجماعة الذى هو جمع قلوب المؤمنين وتأليفهم وعود بركة بعضهم على بعض، وله شرع الجمعة والعيد والوقوف بعرفة، ولتأديته للتخليط في الصلاة التى هى أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين والتلاعب بها، فهو مناف لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتمونى أصلى"، وقوله: "اتقوا الله في الصلاة" ثلاثًا، وقوله ﷺ : "أتموا الصفوف" ولمشروعية صلاة القسمة حال الجهاد بجماعة
واحدة ولم يشرع حالة تعدد الجماعة، فكيف حال السعة والاختيار، وقد أمر الله تعالى بهدم مسجد الضرار الذى اتخذ لتفريق المؤمنين، فكيف يأذن بتفريقهم وهم بمحل واحد
стр. 293
مجتمعين للصلاة؟ وقال ﷺ : "الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق من سمع منادى الله تعالى ينادى بالصلاة ويدعو إلى الفلاح فلا يجيبه"، وقال ﷺ : "حسب المؤمن من الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يثوب بالصلاة فلا يجيبه".
وإذا كان هذا حال سامع الأذان المتلاهى عنه فكيف حال سامع الإقامة المتصلة بالصلاة المتلاهى عنها وهو في المسجد؟ وكيف يمكن إجابة إقامتين فأكثر لو شرعتا في محل واحد ووقت واحد ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ (١)، ومن أبى ذر رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: "صل الصلاة لوقتها فإن أدركت الإمام يصلى بهم فصل معهم، فهى لك نافلة، وإلا فقد أحرزت صلاتك"، ومن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعلكم ستدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم للوقت الذى تعرفون ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة": أي نافلة، وعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: قال النبي ﷺ : "ستكون أمراء تشغلهم الأشياء يؤخرون الصلاة عن وقتها فاجعلوا صلاتكم معهم تطوعًا" فلم يأذن لهم في تعدد الجماعة ولا في التخلف عنها. فيجب على العلماء وأولى الأمر وجماعة المسلمين إنكارها. وجريان العادة بها من بعض العلماء والعوام لا يسوغها. انتهى.
وقد أفتى بمنع الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مترتبة بالمسجد الحرام جمع من العلماء كالإمام عبد الرحمن السعدى المالكى والإمام إسحاق الغسانى المالكى رحمهما الله، فذكر الأول أنه أفتى في سنة خمسين وخمسمائة بمنع الصلاة على هذا الوجه على مذاهب الأئمة الأربعة، ورد على من قال بجوازها وبالغ في الرد حيث قال: "قولهم: إن هذه الصلاة جائزة لا كراهة فيها خلاف الإجماع، فإن الأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز، وأن أقل أحوالها أن تكون مكروهة لأن الذى اختلف فيه العلماء إنما هو مسجد ليس له إمام راتب، أو له وأقيمت الصلاة فيه جماعة، ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة. فهذا موضع الخلاف".
стр. 294
فأما حضوو جماعتين أو أكثر في مسجد واحد، ثم تقام الصلاة فيتقدم الإمام
الراتب فيصلى وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم إلى ذلك، تاركون لإقامة الصلاة مع الإمام الراتب، متشاغلون بالنوافل، أو الحديث حتى تنقضى صلاة الأول ثم يقوم الذى يليه وتبقى الجماعة الأخرى على نحو ما ذكرنا ثم يصلون، أو تحضر الصلاة الواحدة كالمغرب، فيقيم كل إمام الصلاة جهرًا يسمعها الكافة ووجوههم مترائية، والمقتدون بهم مختلفون في الصفوف، ويسمع كل واحد من الأئمة قراءة الآخرين، ويركعون ويسجدون فيكون أحدهم في الركوع والآخر في الرفع منه والآخر في السجود، فالأمة مجمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأقل أحوالها أن تكون مكروهة.
فقول القائل: إنها لا كراهة فيها خرق لإجماع الصحابة والقرن الثانى والثالث والرابع والخامس والسادس إلى حين ظهور هذه البدعة، وقد منع الإمام أحمد رضى الله عنه من إقامة صلاة واحدة بجماعتين في المسجد الحرام الذى الكلام فيه ومسجد الرسول ﷺ (١).
وقد حكى لنا أن مذهب الإمام الشافعى ومالك وأبى حنيفة ﵃ منع إقامة صلاة بإمامين في مسجد واحد، فأما إقامة صلاة واحدة بإمامين راتبين على التناوب كما تقدم، فهذا ممَّا لم يقل به أحد، ولا يمكن أحدًا أن يحكى مثل هذا القول عن أحد من الفقهاء، لا فعلًا ولا قولًا، فكيف بإمامين يقيمان الصلاة في وقت واحد، يقول منهما: حى على الصلاة ويكبر كل واحد منهما وأهل القدوة بهما مختلطون ويسمع كل واحد منهما قراءة الآخر مع مخالفته لقول رسول الله ﷺ : "لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن"، ثم ذكر عن جماعة من علماء المالكية والحنفية أنهم أنكروا صلاة الأئمة الأربعة في الحرم على الصفة المعهودة وأن المنع من ذلك هو مذهب الإمام مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة. انتهى.
стр. 295
وسئل القاضى جمال الدين بن ظهيرة الشافعى رحمه الله تعالى عن إقامة الأئمة الأربعة لصلاة المغرب في وقت واحد؟
فأجاب: بأن ذلك من البدع الفظيعة والأمور الشنيعة التى لم تزل العلماء قديمًا وحديثًا ينكرونها ويردونها على مخترعها.
وبالجملة إن كثيرًا من كبار العلماء أنكروا تعدد الجماعة على الوجه المعروف على المذاهب الأربعة. والله الهادى إلى سواء السبيل.
ومن البدع قراءة القرآن جماعة المسماة عندهم (بالقراءة الليثية) وهى دائرة بين الحرمة والكراههّ، فقد أنكرها الضحاك وقال: ما رأيت ولا سمعت ولا أدركت أحدًا من الصحابة يفعلها، وقال ابن وهب: قلت لمالك رحمه الله تعالى: أرأريت القوم يجتمعون فيقرءون جميعًا سورة واحدة حتى يختموها؟ فأنكر ذلك وعابه وقال: ليس هكذا كان يصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل إلى الآخر يعرضه. انتهى.
وقد تؤدى هذه القراءة إلى تقطع الحروف والآيات لانقطاع نفس أحدهم فيتنفس فيجد أصحابه قد سبقوه فيترك بقية الآية أو الكلمة ويلحقهم فيما هم فيه فيشاركهم تارة في ابتداء الآية وتارة في أثنائها، وبذلك يقرأ القرآن على غير ترتيبه الذى أنزل عليه، وفيه ما فيه من التخليط في كتاب الله تعالى، فقد تختلط آية رحمة بآية عذاب، وآية أمر بآية نهى، وآية وعد بآية وعيد، إلى غير ذلك، أضف إلى هذا أنهم يتصنعون بحناجرهم أصواتًا مختلقة تقشعر منها جلود المؤمنين، وتطرب لها نفوس الغافلين، وكل ذلك حرام بإجماع المسلمين.
ومن البدع المحظورة التى تقع في العبادات عامة ونطقت الأحاديث ببدعيتها أن يفتخر المرء بدعوى العلم أو القرآن أو شيء من العبادات، وقد أخرج الطبرانى في كبيره بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قام بمكة من الليل وقال: "اللهم هل بلغت" ثلاث مرات، فقام عمر وكان أواهًا فقال: اللهم نعم وحرضت وجهدت ونصحت، ققال: "ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وتخاض البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن، يتعلمونه ويقرءونه ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا فمن الذى هو خير منا؟ فهل
стр. 296
في أولئك من خير؟ " قالوا: يا رسول الله ومن أولئك؟ قال: "أولئك منكم وأولئك هم وقود النار"، وأخرج أيضًا: "من قال: أنا عالم فهو جاهل". قال في "الزواجر": وعد هذا كبيرة لا يبعد من قياس كلامهم؛ لأنهم إذا عدوا إسبال الإزار ونحوه خيلاء كييرة فأولى أن يعدوا هذا لأنَّه أقبح وأفحش.
ومن البدع القبيحة العامة أيضًا استثقال الإنسان للتكاليف وتطلبه الراحة منها بأدائها، أو انتظاره في الصوم للغروب مع الضجر، ومن ذلك ما تسمعه كثيرًا من
العامة، بل والخاصة، يقول بعضهم: إذا حان وقت الصلاة قم بنا نصلى لنستريح منهما، وربما زاد على ذلك قوله: فإنها على الإنسان كالجبل.
فانظر رعاك الله إلى الفرق بين الحالين كان النبي ﷺ يجد فيها راحته ويقول: "جعلت قرة عينى في الصلاة" (١)، وكان أصحابه السلف الصالح رضوان الله عليهم يستريحون بالصلاة ويشتغلون بها عن غيرها ممَّا ليس في منزلتها، ونحن نطلب الإراحة منها لثقلها علينا، ولكن صدق الله العظيم ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٢). أخرج الطحاوى عن عبد الله بن محمد بن الحنفية قال: دخلت مع أبى على صهر لنا من الأنصار فحضرت الصلاة فقال: يا جارية ائتينى بوضوء لعلى أتوضأ فأستريح فكأنه رآنا أنكرنا ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "قم يا بلال فأرحنا بالصلاة".
فبين الأنصارى أنه يريد فأستريح بالصلاة لا منها كما توهم السامعون فأنكروا عليه ذلك، ومنه يؤخذ أن معتاد السلف ﵃ الاطمئنان للصلاة والارتياح بها لا كراهتها واستثقالها، وفوق ذلك كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة كما أرشده إلى ذلك مولاه فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ (٣) من كلمات الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء به وبك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٤).
стр. 297
والسر في ذلك أن الإنسان إذا اشتغل بهذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة وإن على القلب أمرها واستوى لديه فقدانها ووجدانها، فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم. رزقنا الله التمسك بكتابه والعمل على سنة نبيه ﷺ .
ومن البدع السيئة العامة تهاون الخاصة من العلماء وطلاب العلم في أمر السنن والمندوبات كالصلاة أول الوقت، وحضور الجماعات في المساجد، والحرص على
الصف الأول، وتسوية الصفوف، وأداء الرواتب، وصلاة الضحى والخسوف والكسوف، وكثيرًا ما تقام الجماعات بين يدى طلاب العلم وهم عنها معرضون، ويصلون في آخر الوقت فرادى، وناهيك ما يكون منهم من التهويش على الجماعات بالمذاكرة.
وكثيرًا ما يقع الخسوف والكسوف على مرأى ومسمع من العلماء ورجال الدين، ولا يبدون أدنى اهتمام بأمر الصلاة والدعاء، لا جماعة ولا فرادى، كأنهم فما أمن من هذه الأفزاع والمخاوف التى يخوف الله بها عباده، وكأنهم زعموا في أنفسهم أن لهم مكانة عند الله ومقامًا رفيعًا لا يؤثر فيه إهمال ما يأمرون به الناس، ولم يعلموا أن إضاعة السنة من علائم إهمال الفريضة، وأن ترك السنن مدعاة للوقوع في البدعة، ففى "الرسالة القشيرية" عن بعض العارفين: "لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن ولم يبل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدعة". انتهى.
ومن البدع السيئة ذرك التعاون على البر والتقوى، والنصيحة للمسلمين والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومن آثار هذه البدعة ترك الخلفاء والأمراء والحكام ومياسير المسلمين المواظبة على الجماعات في المساجد، حتى ابتذلوا أن يؤموا الناس في صلاتهم وأن يخطبوا لهم في الجمعة وغيرها، وكان هذا من دواعى تكاسل العامة في الدين، ومن أسباب دخول الوهن فيه، فإن في عظة أولياء الأمور للناس تأثيرًا عظيمًا والنفوس مجبولة على محبة الاقتداء بالكبراء، والعامة إذا رأت أولياء الأمور
стр. 298
والعظماء تواظب على العبادة هانت عليهم مشاق العبادة، وخطر لهم أنهم أحوج إلى المجازاة عوضًا عما فاتهم من حظوظ الدنيا.
وأيضًا بواعث امتثال الأمر والنهى صدورهما على لسان ولاة الأمور وأولى البأس، لا لهم من الهيبة في نفوس الأمة، وورد: "أن الله ليزع (١) بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن" والناس على دين ملوكهم كما قال ابن مسعود ﵁: "اثنان إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء". ومنزلة الأمير من الرعية بمنزلة الروح من الجسد، فإذا صفت الروح من الكدر سرت إلى الجوارح سليمة وسرت في جميع أجزاء الجسد، فأمن الجسد من الْغِيَر فاستقامت الجوارح والحواس وانتظم أمر الجسد، وإن تكدرت الروح أو فسد مزاجها فياويح الجسد! فتسرى إلى الحواس والجوارح كدرة وهى منحرفة عن الاعتدال، فيأخذ كل عضو وحاسة بقسطه من الفساد، فمرضت الجوارح وتعطلت فتعطل نظام الجسد وجر إلى الفساد والهلاك، وقد واظب ﷺ على إمامة الناس والخطبة لهم في الصلاة وغيرها، وكذا خلفاؤه وكثير من الأمراء بعدهم. ثم حدثت بدع كتأخير بعضهما الصلاة عن وقتها كما في حديث خيثمة عن عبد الله ﵁: "سيكون من بعدى أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فيحدثون البدعة"، قال عبد الله بن مسعود: فكيف أصنع إذا أدركتهم؟ قال: "تسألنى يا ابن أم عبد الله: كيف تصنع؟ لا طاعة لن عصى اللَّه": أي في معصيته لا مطلقًا، لوجوب إطاعة الأمراء وإن عصوا فيما ليس بمعصية، وقد سبق الكلام في هذا الحديث وأن هذا من تساهلهم وتشاغلهم بمصالح الرعية عن مراسم الدين فهى معصية ارتكبوها مع علمهم بتحريمها، وسماه بدعة محدثة لفعلهم إياها بحيث يقتدى بهم فيها كما هو الشأن في الأمراء، وفى "سنن أبى داود" من حديث عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : "إنها ستكون عليكم بعدى أمراء تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها، فصلوا الصلاة
стр. 299
لوقتها"، فقال رجل: يا رسول الله أصلى معهما. قال: "نعم إن شئت" أباح له الصلاة معهما لكن بعد أن يكون قد أداها في وقتها، فعن ابن مسعود ﵁ في بعض الروايات: فما تأمرنى إذا أدركنى ذلك يا رسول الله؟ قال: "صلى الصلاة لميقاتها واجعل صلاتك معهم سبحة" وهى بضم السين وسكون الوحدة وحاء مهملة الصلاة النافلة لأنها نفل كالتسبيحات، وكالتلحين في الأذان المعروف بالسلطانى (أذان الجوقة) في حضرة الأمراء والعلماء، ولا خلاف في أنه مذموم مكروه لما فيه من التلحين والتغنى وإخراج الكلمات فيه عن الأوضاع العربية كما سبق، وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك.
ومن البدع المذمومة التهاون بأمور الدين حتى أصبح الوسط مختلًا والمدرسة الاجتماعية اليوم تعلم النشء فنون الفساد، وضروب الضلال "ومن شب على شيء شاب عليه" فاستعصى الداء على المرشدين ش لم يفلحوا في تقويم المعوج من أخلاق الأمة وتطهيرها من درن الرذائل، حتى استولى عليهم اليأس من الإصلاح فأهملوا نصح الأمة وتعليمها أمر دينها، وانضم إلى ذلك تلك البدعة المشئومة (بدعة حرية
الأديان) فكانت من أكبر معاول الهدم لبناء هذا الدين الحنيف، فساء الحال وصار كل إنسان يرى كل مفعول جائزًا لا أدب يمنعه ولا دين يردعه، وتمكن أعداء الدين من تضليل العامة بإغوائهم لكل ما يستهوى قلوب البسطاء، فوضعوا لهم الشباك وأحكموها، والناس من كل حدب تنسل إليها، وهم يعلمون أنها ما نصبت إلا لاغتيالهم. ولكن عدم المبالاة بالدين جعلهم كالأنعام، بل هم أضل، ألا ترى طائفة المبشرين أحدثوا المستشفيات ودور التعليم وأحكموها فانهالت عليها العامة وضعفاء الدين، وهنالك الويل، هنالك تدرس تعاليم الإنجيل على المرضى والتلاميذ الأحداث، فتصادف منهم قلوبًا خالية من تعاليم الإسلام فتهوى إلى وبال يدوم وضلال لا هداية بعده، كل هذا وخاصة المسلمين يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر أن يسمعوا أنين الإسلام، ويتخاذلون فلا يأخذون بحجز العامة وهم يتهافتون على ذلك تهافت الفراش على النار.
стр. 300
(وصفوة القول) من أراد في هذا الزمن أن يستقيم على الطريق القويم يجد نفسه غريبًا بين أهل الوقت لكثرة ما أحدثوا، وما غلب على السنن الأصلية من البدع، وهذا الابتداع قديم طال عليه الأمد حتى تأصل في نفوس الناس لا يعالجه إلا الأطباء الماهرون، فعن أبى الدرداء ﵁ قال: لو خرج رسول الله ﷺ عليكم ما عرف شيئًا ممَّا كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الأوزاعى: فكيف لو كان اليوم ونحن نقول: لو خرج ﵊ في زماننا هذا ما عرف شيئًا حتى الصلاة، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ غير قولكم: "لا إله إلَّا الله". قلنا: بلى يا أبا حمزة، قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله ﷺ ؟. فالسعيد من تحلى بحلية السلف ودواعى الفساد تجذبه من كل جانب، والله الهادى إلى سواء السبيل.
ومن البدع السيئة في العبادة إهمال العامة والخاصة شئون من تحت رعايتهم من الأزواج والأولاد والخدم، فلا يعلمونهم أمر دينهم، ولا يحضونهم على العمل به، وغفلوا عن هذه المسئولية العظمى في قوله ﷺ : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام راع مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال
سيده ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته" متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، فترى الكثير من هؤلاء يتركون الصلاة والصيام، وإذا سألت الراعي عن ذلك يقول: كل لساني من النصيحة لهم.
وهذا (عجيب) فإن أحدًا من رعيته لا يجرؤ على مخالفته في شأن من شئونه لعلمهم أنهما لو أهملوا في مصالحه يدخلون تحت طائلة العقاب. وهذا يرشد إلى ضعف مكانة الدين في نفوسهم، فلو أنهم اهتموا به اهتمامهم بمصالحهم لهان عليهم أن يبعثوا رعيتهم المسئولين عنها على المحافظة على الدين، مثل بعثهم على امتثال أوامرهم ونواهيهم فيما يختص بمنافعهم الدنيوية.
(وعجيب) أيضًا أن بعض رجال الدين يعلم الناس أمور الدين ثم يضن على خاصته ومن تحت نظره، فتراهم في عماء من
стр. 301
دينهم لا يعرفون منه شيئًا وكانوا أحق بذلك "فإن الأقربين أولى بالمعروف".
وفي "المدخل" ومازال السلف رضوان الله عليهم على هذا المنهاج تجد أولادهم وعبيدهم وإماءهم في غالب أمرهم مشتركين في هذه الفضائل كلها، ألاترى إلى بنت سعيد بن المسيب ﵄ لما أن دخل بها زوجها وكان من طلبة والدها، فلما أصبح أخذ رداءه يريد الخروج فقالت له زوجته: إلى أين تريد؟ فقال: إلى مجلس سعيد أتعلَّم العلم، قالت له: اجلس أعلمك علم سعيد، وكذا ما روى عن الإمام مالك رضى اللَّه عنه حين كان يقرأ عليه "الموطأ" فإن لحن القارئ في حرف أو زاد أو نقص تدق ابنته الباب فيقول أبوها للقارئ: ارجع فالغلط معك فيرجع القارئ فيجد الغلط.
وحكى عن أشهب أنه كان في المدينة المنورة بأنوار رسول الله ﷺ فاشترى خضرة من جارية وكانوا لا يبيعون الخضرة إلا يالخبز، فقال لها: إذا كان عشية حين يأتينا الخبز فأتينا نعطك الثمن، فقالت: ذلك لا يجوز، فقال لها: ولم؟ فقالت: لأنَّه بيع طعام غير يد بيد، فسأل عن الجارية فقيل له: إنها جارية بنت مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وعلى هذا المنوال كان حالهم، فأين الحال من الحال، وقد عمت البلوى، فترى غالب النساء لا يعرفن من التكاليف الشرعية شيئًا، حتى اتسع الفساد، فصرن يقلدن نساء الإفرنج في الملابس تارة، وكشف شعورهن تارة أخرى، وهذا كله خسران مبين. وبالله تعالى التوفيق.
وصل نذكر لك في هذا الوصل شيئًا ممَّا تبدع به الناس في الصوم والحج، فمن بدع الصوم ما تفعله العامة من رفع الأيدى إلى الهلال عند رؤيته يستقبلونه بالدعاء قائلين: (هل هلالك، جل جلالك شهر مبارك) ونحو ذلك ممَّا لم يعرف عن الشرع، بل كان من عمل الجاهلية وضلالاتهم، والمعروف عنه ﷺ الدعاء يغير هذا من غير استقبال الهلال، فعن طلحة ين عبيد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربى وربك اللَّه، هلال رشد وخير" رواه الترمذى وقال: حديث حسن،
стр. 302
فما تأتى به العوام عند رؤية الهلال من هذا الدعاء والاستقبال ورفع الأيدى ومسح وجوههم بدعة مكروهة لم تعهد في زمن رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا السلف الصالح.
ومنها ما تفعله العوام وأرباب الطرق من الطواف في أول ليلة من رمضان في العواصم وبعض القرى (المسمى بالرؤية) فإنه لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه ولا أحد من السلف الصالح، هذا إلى ما اشتمل عليه ذلك الطواف من قراءة الأوراد والأذكار والصلوات مع اللغط والتشويش بضرب الطبول واستعمال آلات الملاهى، وزعقات النساء والأحداث وغير ذلك ممَّا هو مشاهد.
ومنها صوم يوم الشك بنية صوم رمضان وهو يدعة مكروهة إلا لمن وصله بما قبله أو وافق عادة له لقوله ﷺ : "لا يصام اليوم الذى يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعًا"، وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: "من صام اليوم الذى يشك فيه فقد عصى أبا القاسم" رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذى وذكره البخارى تعليقًا. ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال ليلته لنحو غيم، فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان، والحديث يدل على تحريم صومه وإليه ذهب الإمام الشافعى، واختلف الصحابة في ذلك منهم من قال بجواز صومه، ومنهم من منع منه وعده عصيانًا لأبي القاسم والأدلة مع المحرمين، والخلاف فيمن صامه بنية رمضان. وسر النهى: أن الحكم معلق بالرؤية فمن صامه فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، ولأنه تشبه بأهل الكتاب لأنهم زادوا في مدة صومهم.
(هذا) وللصوم سنن وآداب قد أغفل الناس كثيرًا منها تركنا الكلام عليها لشهرتها واستعداد المرشد.
وقد أحدث الناس في مناسك الحج أشياء قبيحة وتركوا سننًا صحيحة، فقد
ابتدع بعض الفجرة المحتالين في الكعبة المكرمة أمرين باطلين عظم ضررهما على العامة:
(أحدهما): ما يسمونه بالعروة الوثقى، عمدوا إلى موضع عال من جدار البيت المقابل لباب البيت وأوقعوا في قلوب العامة أن من ناله بيده فقد استمسك بالعروة الوثقى فأحوجوهم إلى أن يقاسوا بالوصول إليها شدة وعناء، ويركب بعضهم فوق بعض، وربما صعدت
стр. 303
الأنثى فوق الذكر ولامست الرجال ولامسوها، فلحقهم بذلك أنواع من الضرر دينًا ودنيا.
(والثانى): مسمار في وسط البيت سموه سرة الدنيا وحملوا العامة على أن يكشف أحدهم عن سرته وينبطح بها على ذلك الموضع حتى يكون واضعًا سرته على سرة الدنيا، قاتل الله واضع ذلك ومختلفه، وبلغنا إقلاع الناس اليوم عن هذين الأمرين بيقظة ولاة الأمور هناك.
ومن بدع الحج افتتان العامة بجبل عرفات في زماننا، وأخطأوا في أشياء من أمره:
(منها): أنهم اعتقدوا إن الجبل هو الأصل في الوقوف بعرفات فهم بذكره مشغوفون وعليه دون باقى بقاعها يحرصون، وذلك خطأ منهم فعرفات كلها موقف، وإنما أفضلها موقف رسول الله ﷺ عند الصخرات عن يسار الجبل على ما هو معروف في الفروع. وقد نشأ عن هذه البدعة تزاحم الناس في الوقوف على خصوص الجبل تزاحمًا أفضى بهم إلى ضرر كثير.
(ومنها): إيقاد النيران على الجبل ليلة عرفة واهتمامهم لذلك بحمل الشمع له من بلادهم، واختلاط الرجال بالنساء في ذلك صعودًا وهبوطًا بالشموع الكثيرة المشعلة وقد تزاحم المرأة الجميلة بيدها الشمع الموقد كاشفة عن وجهها بين الرجال الأجانب، وهى ضلالة شابهوا فيها أهل الشرك في مثل ذلك الموقف الجليل، وهى ضلالة فاحشة جمعت أنواعًا من القبائح، منها إضاعة المال في غير وجهه، ومنها إظهار شعائر المجوس، ومنها اختلاط الرجال بالنساء والشمع بينهم ووجوههم بارزة، وإنما أحدثوا ذلك من قريب لما انقرض أكابر العلماء العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
ومن البدع الذهاب إلى عرفات قبل دخول وقت الوقوف بانتصاف يوم عرفة فإن أكثرهما يرحلون في اليوم الثامن من مكة إلى عرفة رحلة واحدة وإنما سنة رسول
الله ﷺ السير في الثامن من مكة إلى منى والمبيت بها إلى يوم عرفة، وتأخير الحصول بعرفات إلى ما بعد زوال الشمس يوم عرفة كما هو مبين في محله.
(ومن البدع) وجهالة العامة التى أحدثوها بمسجد رسول الله ﷺ أكل التمر الصيحان في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر، يزعمون أن ذلك من
стр. 304
أفضل القربات.
(ومن البدع) قطعهما من شعورهم ورميها في القنديل الكبير القريب من التربة النبوية الشريفة، يزعمون أيضًا أن ذلك قربة عظيمة وبركة.
(ومن البدع) الطواف بالقبر الشريف فإنه لم يشرع قربة إلا بالبيت كما سبق، وحكى الإمام الحليمى عن بعض أهل العلم أنه نهى عن إلصاق البطن والظهر بجدار القبر الشريف ومسحه باليد، وذكر أن ذلك من البدع. وقد ماتت هذه البدع اليوم لغيرة العلماء وهمة الحكام هناك (ومن العامة) من إذا حج يقول: أقدس حجتى ويذهب فيزور بيت المقدس، ويرى أن ذلك من تمام الحج وهو غير صحيح، وزيارة بيت القدس مستحبة ولكنها مستقلة ولا تعلق للحج بها، روى أحمد في "المسند" أبو داود وابن ماجه عن ميمونة مولاة رسول الله ﷺ أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ قال: "أرض المحشر والمنشر، ائتوه وصلوا فيه فإن صلاة فيه بألف صلاة" وهو صريح فيما قلنا.
ومنهم من يزعم أن رسول الله ﷺ قال: "من زارني وزار أبى إبراهيم في عام ضمنت له على اللَّه الجنة" وهذا باطل لا يعرف في كتاب، وزيارة الخليل ﵇ مستحبة غير منكرة، وإنما المنكر ما رووه.
(وعلى الجملة) فالناس اليوم يرتكبون في الحج بدعًا كثيرة، منها ما هو محرم، ومنها الكروه يعرف ذلك بالوقوف على كتب المناسك ككتاب ابن الصلاح رضى الله عنه ففيها الكفاية.
الفصْل الثامن في بِدَع الطُّرق
نذكر لك في هذا المقام شيئًا على سبيل الإجمال من كلام القوم في أصل الضريق وأحوال أهله، لتقارن، بينه وبين ما عليه أرباب الطرق اليوم حتى تكون في الأمر على بصيرة.
اعلم أن الطريق هو السبيل الموصل لتهذيب النفوس وتطهيرها من أدران الرذائل، وتحليتها بأحاسن الفضائل، لغرض القرب من الله ﵎.
(والطرق كما قال الإمام الغزالى أربعة): الأول أن يجلس بين يدى شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات، ويحكمه في
стр. 305
نفسه، ويتبع إشارته في مجاهدتها، شأن التلميذ مع أستاذه، فيعرفه عيوب نفسه وطريق علاجها. (قال) وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده، كما عز مريد بهذه الصفة، ولو وجد أحدهما ربما لا يوجد الآخر.
وفى "الفتوحات" من صفات الشيخ الموصل إلى الله تعالى أن يكون أشعر قلبه الهيبة والسكينة، وعدم العلاقة الصارفة عن شهود الحق، وإذا ذكر الله تعالى واستولى عليه الذكر يغيب عن الأكوان فيه كل ناظر، وهو مع الحق تعالى في جميع حركاته وسكناته كثير الحياء، في قلبه التعظيم، يقدم حق الله تعالى على حظوظ نفسه، بطنه جائع (صائم)، يبكى بعينه ويضحك بقلبه، هو كالأرض يطؤه البر والفاجر، وكالسحاب يظل كل شئ، وكالمطر يسقى ما يحب، وما لا يحب لا يقضى وطره من شيء، وذلك ليدوم افتقاره إلى الله تعالى ذوقًا، شأنه الفقر والذل بين يدى الله تعالى، يفتح له في فراشه كما يفتح له في صلاته وإن اختلفت الواردات بحسب المواطن. ونقل الإمام الشعرانى عن شيخه الخواص رضى الله عنهما شرط الشيخ الصادق الذى يصح الأخذ عنه والنتاج على يديه أن يكون عنده علم يكشف به الحقائق والدقائق، فارقًا بين الحق والحقيقة، والوهم والخيال، يعلم ما جاز وما وجب وما استحال، عارفًا بالفرق بين إلقاء الملك والشيطان، والهمة واللمة، والنفث في الروع والإلهام وخطرات المريد ونزغاته، عالمًا بأمراض القلوب
والنفوس، وتطهير النجاسات النفسانية، وما يدخل من الظلمات على العوالم الروحانية، وهذا الشيخ قد عز وجوده في هذا الزمان، ثم قال: فقلت له: وما صفات المريد الصادق على وجه الاقتصاد؟ فقال: هى أربعة: الأولى صدقه في محبة الشيخ، والثانية امتثال أمره، والثالثة ترك الاعتراض عليه ولو بالباطن في ليل أو نهار أو غيبة أو حضور: أي لا يعيبه في مباح لا أنه إذا فعل منكرًا يسكت عنه لقول ﷺ : "من رأى وركم منكرًا فليغيره بيده … " الحديث، بخلاف ما يتوهمه بعض العامة من السكوت مطلقًا، الرابعة سلب الاختيار معه.
فكل مريد جمع هذه الصفات الأربع فقد صحت قابليته ونفذ فيه الحال ونجع فيه الدواء.
هذه كانت صفات أهل الطريق والمريدين من حين ظهور طرائق الصوفية
стр. 306
بعد المائتين من الهجرة، فقد كان الناس في القرون الثلاثة الفاضلة متعلقين بالحق تعالى باحثين عليه، إذا ناموا ناموا عليه، وإذا استيقظوا استيقظوا عليه، وإذا تحركوا تحركوا به، حتى إن من فتح الله بصيرته، ونظر إلى بواطنهم وجد عقولهم متعلقة بالله تعالى وبرسوله ﷺ باحثة عن مرضاتهما، فلهذا كثر فيهم الخير، وسطع في ذواتهم نور الحق تعالى، وظهر فيهم من العلم وبلوغ درجة الاجتهاد ما لا يكيف مع قلة الزمن، فكانت تربية النفوس بالطريقة التى أحدثها المشايخ غير محتاج إليها، وربما يلقى الشيخ مريده فيكلمه في أذنه فيقع الفتح للمريد بمجرد ذلك، لطهارة ذواتهم وصفاء عقولهم، وتشوفها إلى طريق الرشاد.
ثم لما بعد عهد النبوة وتوارى نورها، واختلفت أيضا الآراء وكدَّر شِرب العلم شِرب الأهوية، وتزعزعت أبنية المتقين، واضطربت عزائم الزاهدين وغلبت الجهالات، وكثرت العادات، وتزخرفت الدنيا وكثر خطابها، تفرد طائفة بأعمال صالحة وأحوال سنية، واغتنموا العزلة، واتخذوا لنفوسهم زوايا يجتمعون فيها تارة وينفردون أخرى أسوة بأهل الصفة، تاركين الانهماك في الأسباب، مجتهدين إلى رب الأرباب، فأثمر لهم صالح الأعمال سنى الأحوال، وتهيأ صفاء الفهوم لقبول العلوم، وصار لهم بعد اللسان لسان، وبعد العرفان عرفان، وبعد الإيمان إيمان (كما قال حارثة): أصبحت مؤمنًا حقًّا، لما كوشف بمرتبة في الإيمان غير ما عهد، فصار لهم بمقتضى ذلك علوم يعرفونها وإشارات يعهدونها، فحرروا لنفوسهم اصطلاحات كثيرة إلى معارف يعرفونها، وتعرب عن أحوال يجدونها. فأخذ ذلك
الخلف عن السلف حتى صار ذلك رسمًا مستقرًّا وخيرًا مستمرًّا في كل عصر وزمان.
(وعلى الجملة) فللقوم ﵃ آداب كثيرة للشيخ المربى والتلميذ، تعرض لذكرها جلهم في مؤلفاتهم، فمنها ما هو مأخوذ من الكتاب والسنة إما نصًّا صريحًا أو تلويحًا، منهأ ما أخذ بطريق الوجدان والذوق، فما كان منها موافقًا للكتاب المبين وللسنة النبوية قلنا به، وما لم يدل عليه نص ولا يعارض نصًّا فلنا الخيار في العمل به، وما عارض نصًّا من كتاب أو سنة رددناه على قائله.
стр. 307
هكذا كانت أحوال الأشياخ مع المريدين إلى أن تلاعبت الأهواء بقوم سهل عليهم ادعاء الولاية، ولما يجدوا شبكة يصطادون بها ضعفاء العقول سوى أنهم يتسمون بسمة أهل التربية والتهذيب، ضلوا وأضلوا، وأصبحوا وبالًا على الإسلام وأهله، يتخذهم أعداء الإسلام سبيلًا للكيد له وسلاحًا لخذلان أهله، ما أهون إيقاع الفرقة بين المسلمين عليهم!، وما أيسر تنفر العامة من علماء الدين منهم!، ملأوا الوجود من بدعهم السيئة، وشوهوا الشريعة بضلالاتهم الواضحة، وأطفأوا نور الحق بخزعبلاتهم الفاضحة، حتى أصبحوا معرة في الإسلام، وعلة هادمة لمناره، شأن الشيطان يدخل على الناس من طرق الخير فيجعلها سببًا لهلاكهم، ونحن نذكر لك شيئًا من هذه البدع السيئة التى صارت من مراسم هذه الطرق فنقول:
اعلم أن العمدة في تقرير هذه البدع إما مخالفة ما عرف عن سنة النبي ﷺ والقرون المشهود لهم بالخير، وإما عدم اتباع مارسمه سلف مشايخ الطريق من قوانين تربية النفوس وتهذيبها، وهما لم يخرجوا في وضع هذه القوانين عن الشريعة الغراء قيد شعرة كما سيتضح لك:
(فمن هذه البدع السيئة) أنك ترى أرباب الطرق في هذه الأزمان إذا جاءهم المريد فأول شيء يلقونه إليه من تعاليمهم إيقاع الفرقة بينه وبين إخوانه المؤمنين، يذم له مشايخ الطرق الآخرين حتى يبعثه على الاعتقاد بأن فضل الله لم يجد مناخًا سوى شيخه، ثم يذم له علماء الدين من أهل الظاهر حتى يعتقد أنهما لا يصلحون للاسترشاد، ولا يقبل منهما نصيحة، وهذا من أخص علامات المبتدعة. قال الإمام الشعرانى: وسمعت أخى سيدى الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى يقول من علامة المتشيخين بأنفسهم بالدعوى عدم صفاء قلوبهم لبعضهم بعضا لأن كل واحد منهم يعتقد في نفسه أنه هو الشيخ الحقيقى وأن أخاه هو المدعى للمشيخة بغير حق،
ويصدقه أصحابه على ذلك، وفى الآخرة يصلح الله بينهما ويكشف لكل واحد منهما أنه ليس بشيخ ولا شم للطريق رائحة. انتهى.
وسبب ذلك أن غالب من يتصدى في هذه الأيام للمشيخة قد أقبلوا بقلوبهم على الدنيا، وأحب كل واحد منهم الانفراد في وقته بالشهرة والسمعة بالعلم والصلاح، فأعدى عدرهم من كان عالمًا صالحًا، فهم
стр. 308
لظُلمة قلوبهم وخبث أرواحه لا يحبون أن يكون لغيرهم شهرة بخير، وهذا ليس من الإيمان في شيء كما في صحيح الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب للناس ما يحب لنفسه" متفق عليه من حديث أنس ﵁، قال: ولو أن هؤلاء كانوا فطموا عن رعونات أنفسهم وتهذبوا على يد شيخ عارف لأحبوا كل من أطاع الله وكرهوا كل من عصاه.
وبالجملة إذا رأيت فقيرًا يدعى الكمال وهو يكره فقيرًا كذلك يدعى الكمال فكلاهما كذاب على الطريق أو أحدهما في نفس الأمر، وقد كنت أسمع الناس وأنا صغير يقولون: لو لم يكن في اتباع طريق الفقراء من الخير إلا قول أحدهم إذا سئل عن أخيه حال غضبه عليه (ونعم من ذكرت) لكان في ذلك كفاية في الحث على اتباع طريقهم بخلاف غيرهم، فإنك إذا سألته عن أحد من إخوانه حال غضبه عليه يقوله: (بئس من ذكرت) فصار غالب الفقراء اليوم يقولون عن إخوانهم لمن رآه يمدحهم بئس من ذكرت، ويظهر التكدير على وجوههم والعبوسة. وقد بلغنا "أنه كان بين خالد بن الوليد وبين سعد بن أبى وقاص كلام، فلما ذكروا عنده ذلك الشخص بخير أخذ خالد يمدحه فقيل له في ذلك، فقال: إن الذى بينى وبينه وقع لم يبلغ إلى ديننا" أخرجه ابن أبى الدنيا يعنى أن يأثم بعضنا في بعض، فلم يسمع السوء في أخيه. انتهى.
والذى في "الإحياء" روى أنه كان بين خالد بن الوليد وبين سعد كلام فذكر رجل خالدًا بسوء عند سعد فقال سعد: مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا، يعنى أن يأثم بعضنا في بعض فلم يسمع السوء فكيف يجوز أن يقوله؟
ومن البدع السيئة أنهم يجوبون البلاد بتلاميذهم ويكلفون أهلها فوق طاقتهم والناس بحكم الرياء والسمعة أو التوريط، يتكلفون ذلك طائعين أو غير راضين، وربما تأثرت البسطاء بحسن هيئة هؤلاء فوقعوا في هذا التكلف وهم أحوج الناس
إلى ما ينفقون من أجلهم، هذا إلى ما يجره المتكلف على أهل بيته من المشاغل، فترى أهل المضيف يتسخطون من جراء العناء الذى ينالهم من كثرة العجن والطبخ الذى يكرههم عليه ذلك المضيف المفتون، وكثيرًا ما تكون النساء من ذوات الأولاد الرضع
стр. 309
فتشغل عنهم ويكثر الصياح والضجيج، والله أعلم بما في قلوبهم حينئذ نحو هؤلاء الثقلاء.
ذكر الإمام الشعرانى ﵀: أن كل طعام دخله التكلف فالأكل منه مذموم شرعًا لاسيما إن كان صاحبه لا يحلل ولا يحرم كغالب مشايخ البلاد، وكان سيدى على الخواص ﵀ يقول: طعام المتكلفين يورث الظلمة في القلب لأنَّه كطعام البخيل على حد سواء، لكونه يطعم الضيف وعنده ثقل من ذلك، وفى الحديث: "طعام البخيل داء" ولذا لا ينبغى تناول أطعمة العرس الواسعة فإن الغالب على صاحبه التكلف فيه بما ليس من عادته وفوق طاقته.
وكان سيدى إبراهيم المتبولى ﵀ يقول: كل فقير لا يقدره الله تعالى على أن يمد صاحب الطعام في البركة الخفية طول عامه فليس له أن يمد يده إلى طعامه، فإن أكل من غير إمداد ولا مكافأة فقد أكل بدينه ونقص مقامه بذلك.
وكان الخواص ﵁ يقول: لا ينبغى لفقير أن يمد يده لطعام إنسان إلا أن يشاركه في بلاء تلك السنة كلها أو يحمله عنه كله، وعاب على من تجول في البلاد ومعه جماعة بكثرة، وقال له: إن جميع أعمالك كل يوم لا تفى بثمن الطعام الذى تأكله بالمحاباة يوم القيامة، وكان من عادة المشايخ أنهم لا يذهبون إلى الطعام بدون دعوة وإذا دعوا ذهبوا وحدهم أو مع جماعة قليلة بشرط إعلام صاحب الطعام بهم وانشراح صدره وطيب خاطره بذلك وما درج السلف الصالح إلا على العفة وعدم الشهرة.
ومن هذا تعلم أن كل فقير ليس عنده حال يحمى به صاحب الطعام من البلاء أو يمده بالبركة في طعامه فأكله من ذلك الطعام قلة مروءة وعدم عفة وخروج عن طريق أهل الله الصالحين الذين يزعم أنه على طريقهم.
(فإيَّاك) يا أخى إذا نزلت بلاد الريف أن تأكل من طعام من لا تكافئه، كما عليه مشايخ الحرف والمتساهلون في دينهم وكرامتهم من رجال الدين، ينزل أحدهم مع جماعته على من عرف بالكرم يومًا أوأيامًا ثم يذهبون من غير مكافأة ولا إرشاد
إلى دين ولا دعوة إلى فضيلة، ولا عليهم إن
стр. 310
كان عن طيب نفس أو لا، أو من حلال أو حرام، وأقل ما فيه من الكراهة أن يطعم الشيخ خوف العتب عليه منه أو من جماعته الذين يأخذون من الحافى نعله، ويأخذون ما بأيدى الناس بسيف الحياء، وهم على الحقيقة عالة على كاهل الأمة.
ومن بدعهم احتيال بعضهم على من كان معهودًا لغيرهم في أن يكون معهودًا لهم ويترك شيخه الذى لا يعتقد غيره، فيوقعونه في النكد والهم وتشويش الخاطر خوفًا من تغير وغضب شيخه عليه، وكل ذلك فساد وتفريق بين جماعة المسلمين فهو حرام بلا شك، ولا غاية لهم فيه إلا قضاء شهواتهم الخبيثة وحظوظهم الفانية.
ومن بدعهم السيئة أنهم اتخذوا الطريق تجارة يجمعون بها حطام الدنيا:
(فعن) بشر الحافى أنه كان يقول: "والله ما كنا نظن أن نعيش إلى زمان صار علم الناس شبكة لهم يصطادون به الدنيا"، وكان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول: "من علامة إخلاص العالم في علمه أنه كلما ازداد علمًا ازداد في الدنيا زهدًا وقلت أمتعة داره"، ولما مرض الإمام النووى ﵀ مرضه الذى مات فيه ورجع من الشام إلى (نوى) بلده لم يجدوا له متاعًا يحملونه إلى أمه سوى العكاز والإبريق وترك كتبه ومؤلفاته كلها بالشام للفقراء والمساكين.
ومن بدعهم السيئة أن يجتهد الكثير منهم في أن يكون له بعد موته قبر يزار عليه قبة عظيمة، ويكون داخل مسجد، ويصنع له الحضرات وتقام الموالد، ويوصى يذلك ويقف له الأوقاف، وذا منكر في الشرع كما تقدم في بدع المقابر والأضرحة لأنَّه من باب الافتخار بالأعمال والمظاهر الكاذبة، والإنسان لا يدرى ما إليه مصيره.
قال الإمام الشعرانى ﵀: وقد أدركت نحوًا من مائتى شيخ ما رأيت أحدًا منهما اعتنى بشيء من ذلك وإنما المعتقدون هم الذين يصنعون له ذلك بعد موته تعظيمًا له وإكرامًا. وعن بعضهم: كم من ضريح يزار، وصاحبه في النار!
ومن بدعهم المحرمة أنهم خرجوا عن الذكر الشرعى إلى ذكر محرف يخالف الكتاب والسنة والإجماع على ما سيأتى بيانه، ويقولون: وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء وهم ساكتون، فإن الذكر
стр. 311
الشرعى هو الذى يوافق قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : " أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلَّا اللَّه" وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة. وكل ذكر خالف ذلك حرام بإجماع الأمة رمردود على فاعله. (كيف لا) وقد قال ﷺ : " أصحاب البدع كلاب النار"، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" متفق عليه، وفى رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهؤلاء قد أحدثوا في الدين ما ليس منه، وتعبدوا بما لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن صالح المؤمنين.
ولا ريب أن تحريف أسماء الله تعالى من أقبح البدع المحرمة إذ فيه إخراجها عن حقيقتها الواردة عن رسول الله ﷺ ، وتسميته تعالى بما لم يرد به نص صحيح عن رسول الله ﷺ فهو من الإلحاد المحرم بالإجماع، فقد قال الفخر الرازى وغيره من أكابر المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). إن من جملة الإلحاد أن تسميه تعالى بما لم يسم به نفسه كالسخى وأبى المكارم لعدم وروده وإن دل على كمال، فما بالك بالألفاظ التى شاع سماعها من غالب أرباب الطرق اليوم المشتملة على الفظاظة والكيفيات المنكرة فهم يتقربون إلى الله تعالى بالسيئات، فهى أحرى باسم الإلحاد والضلال، وقال العارف الصاوى في حاشيته على الجلالين: ويطلق الإلحاد على التسمية بما لم يرد، وهو بهذا المعنى حرام لأن أسماءه توقيفية، فيجوز أن يقال: يا جواد لا أن يقال: يا سخى، ويقال: يا عالم دون عاقل، وحكيم دون طبيب وهكذا، فمن خرج في ذكره عن الكتاب والسنة فقد أهلك نفسه ومن تبعه. انتهى.
وأما قولهم: وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء فهو لا يصدر إلا من جاهل لجواز أن هؤلاء الأشياخ جاهلون بأمر دينهم، أو أكابر استغرقوا في حب خالقهم حتى خرجوا بذلك عن حد التكليف؛ وعلى كلا الاحتمالين لا يصح الاقتداء بهم؛ لأنهم حينئذ لا يصلحون للوراثة ولا
стр. 312
يورث عن الأشياخ إلا ما يكون منهم حالة الصحو موافقًا للشريعة، والعارفون منهم لا يخرجون في أحوالهم عنها
قيد شعرة ما داموا في صحوهم، وقد تبرءوا ممن يخرج في حركاته وسكناته عن الكتاب والسنة.
كيف لا يتبرءون وقد تبرأ من ذلك الأئمة المجتهدون الذين وقفوا على حقيقة الأمور؟ فعن أيى حنيفة رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأى وعليكم بالسنة فمن خرج عنها ضل. وكان يقول: لا ينبغى لأحد أن يقول قولًا حتى يعلم أن شريعة رسول الله ﷺ تقبله. وقد تبرأ ممن يخرج عن الكتاب والسنة (وعن) الإمام الشافعى رحمه الله تعالى أنه كان يقول: إذا رأيتم كلامى يخالف كلام رسول الله ﷺ فاعملوا بكلام رسول الله ﷺ واضربوا بكلامي الحائط، وكان يقول: كل شيء خالف أمر رسول الله ﷺ سَقَطٌ ولا يقوم معه رأى ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقوله ﷺ ، فليس لأحد معه أمر ولا نهى. (وروى) عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه إذا سُئِل عن مسألة يقول: أَوَ لأحد كلام مع رسول الله ﷺ ؟ وكما صح عن الثلاثة صح عن الإمام مالك ﵀، روى ابن عبد البر أن ابن عيسى قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأى فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
وقال أبو يزيد البسطامى ﵀: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتقى في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة، وقال سيد الطائفة الجنيد: علمنا هذا (يعنى التصوف) مقيد بالكتاب والسنة، وقال الإمام الكبير أبو الحسن النورى قرين الجنيد: من رأيته يدعى مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقرين منه فإنه مبتدع؛ لأن من لم تشهد الشريعة لأفعاله وأقواله فهو مبتدع وإن جرت عليه أحوال خارقة العادة؛ لأن ذلك من جملة المكر له، وقال أبو القاسم النصراباذى الصوفى الكبير: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع. وسُئِلَ أبو على الحسن بن على الجوزجانى: كيف الطريق إلى الله؟ فقال:
стр. 313
الطرق إلى الله كثيرة وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه اتباع السنة قولًا وفعلًا وعزمًا وعقدًا ونية لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١) فقيل له: كيف الطريق إلى السنة؟ فقال:
مجانبة البدع واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام والتباعد عن مجالس الكلام وأهله ولزوم طريقة الاقتداء، وبذلك أُمر النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) إلى غير ذلك ممَّا هو مأثور عن أكابر الصوفية ممَّا يدل على أنهم بنوا طريقهم على أصول ثلاثة: الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه وأفعاله، وأكل الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وأنهم مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آداب الدين، متفقون على أن من خالف الكتاب والسنة وبنى أمره على غيرهما مفتر كذاب، هلك في نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله.
فتبين بهذا أن قول المحرفين للذكر هكذا وجدنا أشياخنا يذكرون لا يصح أن يكون دليلًا على الشريعة، بل ينادى عليهم بالسفه وعدم الروية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٣).
وأما قولهم: بحضرة العلماء وهم ساكتون، فهو باطل أيضًا لجواز أن يكون سكوت العلماء عن هؤلاء الجهلة لظنهم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يفيد عندهم، بل ذلك هو الظن في هداة الأمة الذين هم ورثة الأنبياء، ويجوز أن من حضرهم كان ممن تسموا باسم العلماء وليسوا منهم.
(وجملة القول) حجتهم داحضة، وكما يحرم الذكر بما لم يوافق الكتاب أو السنة أو الإجماع يحرم سماعه؛ لأن للسامع حكم المسموع، كما أن للناظر حكم المنظور، والساكت على الجريمة شريك الجانى؛ ولذا كان السامع للغيبة في الإثم كالناطق بها. نسأله تعالى السلامة.
بَيَان مَا هُوَ الذِّكْر الشَّرعِى
وأما الذِّكر الذى يحبه الله ورسوله ﷺ وأصفياء الأمة، ويؤجر عليه فاعله، فهو ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وضبطه الأئمة الذين يعول عليهم، فقد قال سيدى محمد المنير خليفة الإمام الحفنى في
стр. 314
"تحفة السالكين": وليحذر من اللحن في (لا إله إلَّا الله) لأنها من القرآن فيمد اللَّام على قدر الحاجة، ويحقق الهمزة المقصورة بعدها ولا يمدها أصلًا، ويفتح هاء (إله) فتحة خفيفة، ولا يفصل بين الهاء وبين (إلَّا الله)، وإيَّاك أن تتهاون في تحقيق همزة (إله)، فإنك إن لم تحققها قلبت ياء، وكذلك همزة (إلَّا)، وتسكن آخر لفظ الجلالة، ثم قال: ويحترز عن تمطيط الذكر والعجلة الشديدة لأنها تخرج الذكر عن حده، فاليزان أن لا يخرجوه عن حده الشرعى. انتهى. ونحوه للعلامة السنوسى والعلامة السجاعى وأبى البركات الدردير والإمام الشعرانى وغيرهم من السادة الأكابر وشنعوا جميعًا على من حرف الذكر على الطريقة الشرعية وحكموا بأنه لا ثواب له، بل واقع في الخسران والضلال البعيد.
قال المحقق الأمير في "نتائج الفكر": واعلم أن جميع كلمة التوحيد مرققة، فلا يفخم منها إلا لفظ الجلالة فقط، ومخارج حروفها قد انحصرت في أربعة: اللَّام والألف والهمزة والهاء، فمخرج اللَّام من طرف اللسان، ويوضع في أصل الثنايا العليا، ومخرج الألف من أصل الجوف خارجة من محض النفس، ومخرج الهمزة والهاء كلاهما من الحلق، غير أن الهمزة أشد من الهاء وأيبس. ونهى العلماء عن السكوت على لا إله لما فيه من إيهام التعطيل، بل يصله بالاستثناء الإثبات بقوله: ألَّا الله بسرعة.
ثم قال: وليحذر ممَّا يقر لبعضهم من تفخيم أداة النفى، وربما مال بألفها إلى جهة الشفتين فتصير كالواو، أو لجهة وسط اللسان وما فوقه فتصير كالياء، أو يبدل همزة إله ياء، أو يشبع الهمزة فتتولد منها ياء، أو يزيد في ألف إله على المد الطبيعى، أو يسكت هنا سكتة لطيفة، أو يشبع همزة إلَّا فتتولد منها ياء، أو يثبت ألفها فإنه لحن، بل يجب حذف الألف الأخيرة لالتقاء الساكنين، وهؤلاء الجهلة يثبتونها ويمدونها ويتفننون في مدها، وبعضهم يمد هاء إله ويولد من إشباعها ألفًا،
وبعضهم يثبت همزة الله ويمدها فتصير كالاستفهام، وكل ذلك مخالف لما نطق به رسول الله ﷺ وأمر به، وتارة يزعمون أنهم (انجذبوا) فيأكلون بعض حروف هذه الكلمة ويحرفونها، وربما لا تسمع منهم إلَّا أَصوتًا ساذجة أو شيئًا يشبه نهيق الحمار أو هدير الطائر.
стр. 315
ثم قال: نعم، المأخوذ عن حسه، الغائب عن نفسه، كل ما جرى على لسانه لا لوم عليه فيه، وإنما في هؤلاء الذين يتعمدون ذلك وهم لم يخرجوا عن حد التكليف وتطرأ لهم مواجيد نفسانية يتخيلونها واردات رحمانية. (كلا) والله ما كل واجد بمحمود، إلا إذا ورد على طريق الشرع المحدود، بخسوا أنفسهم في نطقهم بهذه الكلمة التى توضع في بطاقة صغيرة يوم القيامة في الميزان فترجح على سجلات كثيرة من السيئات، كل سجل منها مد البصر كما في الحديث، فيا ليت شعرى كيف توزن لهما، بل يخشى من تقطيع أسماء الله تعالى وتحريف أذكاره أنهما يذكرونها وهى تلعنهم. انتهى.
وفى خزانة "الأسرار الكبرى" ما نصه: وكذا بعض أهل الذكر يزيدون حروفًا كثيرة في كلمة التوحيد كأنهم يقولون بزيادة الياء بعد همزة لا إله، وبزيادة الألف بعد هاء إله مثالهما (لا إيلاها) وبزيادة الياء بعد همزة إلا، وبعد إلا بزيادة الألف مثالهما (إيلا الله) وكلها حرام بالإجماع في جميع الأوقات، فهما يذكرون الله تعالى ويعبدونه بالسيئات، فيصيرون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. انتهى.
وضبط باقى الأسماء لا يخفى على من رجع إلى كلام القوم فلا نطيل به. (فيجب) على كل ذاكر سواء كان (رفاعيًّا، أو أحمديّا، أو بيوميًّا، أو حفناويًّا، أو شاذليًّا، أو بكريًّا، أو عفيفيًّا، أو برهاميًّا) أو غير ذلك من الطرق أن لا يخرج عما ررد عن رسود الله ﷺ ووضحه أئمة المسلمين وإلا فلا يلومن إلا نفسه.
ومن بدعهم أنهم يذكرون بالحلق، ومعلوم أن مورد الذكر اللسان والحلق والشفتان، وبالحلق فقط صوت ساذج، وبالقلب فقط ليس أيضًا بذكر بالكسر، بل ذكر بالضم وليس الكلام فيه.
وقد اختلف في جواز الذكر بالاسم المفرد، فذهب كثير منهم إلى أنه لابد في الذكر من الجملة لأنها هى المفيدة، ولا يصح بالاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا لأنَّه
ليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به إيمان ولا كفر، ولا أمر ولا نهى، ولم يذكر ذلك أحد من السلف، ولا شرع ذلك رسول الله ﷺ ، والشريعة إنما ورد بها من الأذكار ما يفيد بنفسه
стр. 316
فقد ورد: "أفضل الأذكار لا إله إلَّا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
ورأى آخرون من العلماء أن الذكر كما يكون بالجملة يكون بالاسم المفرد، قال العلامة البنانى في شرحه على صلاة ابن مشيش: أعلم أن ذكر الاسم المفرد المعظم مجردًا عن التركيب بجملة وهو قوله: (الله الله) ممَّا تداولته السادات الصوفية، واستعملوه بينهم إلى أن قال: وفى الصحيح: "لا تقوم الساعة حتى لا يبقى من يقوله: (اللَّه اللَّه) وهو شاهد في الجملة بذكر هذا الاسم وحده، لا سيما على رواية النصب، ولا نزاع في جواز التلفظ بالاسم الكريم وحده، فأى مانع أن يكرره الإنسان مرات كثيرة، وكونه لم ينقل عن السلف لا يقتضى منعه ولا كراهته، وكم أشياء لم تكن في عهد السلف مع أنها جائزة إلى أن قال: فلا ينبغى التوقف في ذلك، ولا التشغيب بإنكاره، وقال الشيخ أبو العباس المرسى ﵀: ليكن ذكرك: "الله"، فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة، فبساطه العلم وثمرته النور، وليس النور مقصودًا لذاته، بل لما يقع به من الكشف والعيان، فينبغى الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه لجميع ما في (لا إله إلَّا الله) من العقائد والعلوم والآداب والحقوق فإنه يأتى في (الله) وفى (هو) ما لا يأتى في غيرهما من الأذكار. انتهى.
وقال الشيخ زروق: ولهذا اختاره المشايخ ورجحوه على سائر الأذكار وجعلوا
له خلوات ووصلوا به إلى أعلى المقامات والولايات وإن كان فيهم من اختار في
الابتداء (لا إله إلَّا الله) وفى الانتهاء (الله الله)، وقال ابن حجر في "الفتاوى
الحديثية": ذكر (لا إله إلَّا الله) أفضل من ذكر الجلالة مطلقًا بلسان أهل الظاهر. وأما أهل الباطن فالحال عندهم يختلف باختلاف حال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها يحتاج إلى النفى والإثبات حتى يستولى عليه سلطان الذكر، فإذا استولى عليه فالأولى له لزوم الإثبات أعنى (الله الله) وبهذا يتبين أن الذكر بالاسم المفرد لا مانع منه شرعًا، إذ لم يرد نهى عنه من الشارع يفيد كراهته أو تحريمه.
стр. 317
الشُّبَه التى يَتمَسَّك بهَا الَّذِين يُحرِّفُون الذِّكر وردها
قالوا: يجوز الذِّكر بجميع الأسماء بـ (ايل، ولاها) ونسبوا ذلك للفقيه ابن حجر رحمه الله تعالى لورود الشرع بذلك؛ لأن ايل اسما الرحمن، ولاها اسم المحبوب. والجواب: أن نسبة هذا لابن حجر فرية ما فيها مرية، وكيف يقول مؤمن بصحة هذه النسبة له ﵀، وهو قد ألف كتابه المسمى: بكف الرعاع، عن محرمات اللهو والسماع، قصد به الرد على هؤلاء الجهلة الكذابين، وشنع عليهم في نسبتهم القول بجواز الرقص للعلامة العز بن عبد السلام.
ثم يقال لهم: إن أردتم جميع الأسماء الواردة في الشرع كما يدل عليه التعليل بقولكم لورود الشرع إلى آخره، ورد أن الشرع لم يثبت فيه إطلاق (ايل ولاها) عليه تعالى لا بطريق صحيح ولا غيره، فقولهم: لأن ايل اسم الرحمن، ولاها اسم المحبوب ممنوع، ومن أين لهم ذلك ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) (على) أن كون "لاها" اسمًا لا يسوغ إطلاقه على الله سيحانه وتعالى، إلا على قول ضعيف، وهو جواز إطلاق ما دل على كمال ولم يوهم نقصًا (نعم) قيل: إن ايل في نحو جبرائيل بمعنى عبد، وهو غير صحيح كما قال أبو على السوسى: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله ايل، الثانى: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورًا.
وإن أرادوا جميع الأسماء مطلقًا فالذى عليه المحققون أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز إطلاق اسم أو صفة عليه تعالى إلا إذا كان واردًا في القرآن أو الأحاديث الصحيحة.
والمراد بالاسم ما دل على الذات إما وحدها كلفظ الجلالة، وإما مع الصفة كالرحمن والعالم والقادر، وبالصفة ما دل على معنى زائد على الذات فقط كلفظ القدرة والعلم. هذا مختار جمهور أهل السنة للاحتياط، واحترازًا عما يوهم باطلًا لعظم الخطر في ذلك.
سلمنا أنهما من الأسماء على ما فيه، لكنه مخصوص بذكرهما مفردين بأن
يقال: يا ايل ويا لاها، لا واقعين في كلمة التوحيد (كلا إيلاها إلَّا الله) فإن الواقع فيها محدود قطعًا، ولا بقول مسلم بأن ايل ولاها الواقعين
стр. 318
اسمان من أسماء الله تعالى لما يلزم عليه من الكفر بنفى وجود إيل وهو الله تعالى على زعمه، والتناقض في الكلمة المشرفة التى هى أفضل الكلام ومفتاح الإسلام، وغير ذلك من المفاسد، بل يخشى على فاعلها الكفر كما ذكره العلامة الأخضرى والعلامة الأمير والعارف الدردير وغيرهم من المحققين حيت قالوا: يحرم تقطيع أسماء الله تعالى، بل ربما يخشى على من حرفها وقطعها الكفر والعياذ بالله تعالى، وبينوا التحريف والتقطيع كما سبق، وقالوا أيضًا: يجوز الذكر بـ (هو ها وهى) والجواب: أنها دعوى لا دليل عليها، فإن ها وهى من الضمائر المؤنثة فلا يجوز الذكر بها إذ لم ترد لا في كتاب ولا سنة، وما وقع في كتب المخذولين لا يلتفت إليه.
ويجوز الذكر بـ (هو) لأنَّه من أسماء الله المضمرة وقد ورد كتابًا وسنة.
قالوا: يجوز الذكر بلفظ (أه) لما زود أنه الاسم الأعظم.
ونقول لهم: لم يثبت من طريق صحيح أنه اسم من أسمائه تعالى، وقد علمت أن أسماءه تعالى توقيفية، فلا يجوز الذكر به. وما قيل في بعض الحواشى من أنه الاسم الأعظم لا سند له، وما يروى من أن النبي صلوات الله وسلامه عليه زار مريضًا كان يئن، وأن أصحابه ﵃ نهوه عن الأنين، وأنَّه ﵊ قال لهم: "دعوه يئن فإنه يذكر اسمًا من أسمائه تعالى" لم يرد في حديث صحيح ولا حسن كما قرره الثقات. وقد أفتى المرحوم الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر في هذه المسألة فقال رحمة الله عليه ما نصه: إن هذا اللفظ المسئول عنه (أه) بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقًا، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على التوجع، وليس من أسماء الذوات فضلًا عن أن يكون اسمًا من أسماء الله الحسنى التى أمرنا أن ندعوه بها، إلى أن قال ﵀: ولا يجوز لنا التعبد بشيء لم يرد الشرع بجواز التعبد به، وفى الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" إلخ ما قرره، رحمة الله عليه.
وقالوا: يجوز الذكر بحرف واحد كما ورد في أوائل السور ككاف وهاء وياء وعين وص، ويجوز الذكر بأسماء الله طرًا.
стр. 319
ونقول لهم: هذا اختراع وابتداع إذ لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من السلف الصالح أنهم ذكروا بحرف واحد، وهم القدوة لنا في سائر أنواع العبادات، خصوصًا ذكر الله الذى هو أكبر، وقولهم كما ورد في أوائل السور تمثيل أو تنظير غير صحيح، إذ لم يرد في كتاب رلا سنة أن هذه الحروف أسماء لله تعالى.
غاية ما في الباب أن بعض العلماء قال: إن كل حرف من هذه الحروف مقتطع من اسم من أسماء الله تعالى هو قول مغضوض عنه، ثم على تسليمه لا يكون المقتطع من الاسم اسمًا فلا يكون التكلم بالمقتطع ذكرًا لاسم الله تعالى، ونعوذ بالله من سوء التأويل، والجراءة على ذكر الله الجليل، والأعجب من هذا جعله دليلًا على ما ادعاه أو تمثيلًا لما افتراه.
ويجوز الذكر بجميع أسماء الله تعالى المأخوذة من السنة ولو من غير شيخ عارف لكن به أكمل وأرجى لقطع العلائق الشيطانية، ولتجلى الأنوار الملكوتية، وليس عندنا لله أسماء ثابتة عن غير رسول الله ﷺ وأتباعه الآخذين عنه، إذ لا طريق إلى الله تعالى ومعرفة أسمائه إلا هو، وغيره الطريق الشيطان.
وقالوا: يجوز الرقص حالة الذكر بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدى رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم، وكان رقصهم بالوثبات والوجد، ففى الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يسترنى بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالحراب والدرق في المسجد حتى أكون أنا التى أسأمه" وكان ذلك يوم عيد الفطر.
ونقول لهم هذا قول باطل مناقض لقواعد الشرع الشريف لقوله ﷺ : "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وقائله كأنه ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، والاستدلال لفعل الحبشة في المسجد بحضرته ﷺ استدلال باطل لأن ذلك كان تمايلًا بالحراب للتدريب على استعمال السلاح كما شرعت المسابقة وكما أبيح التبختر في الحرب وإن كان ممنوعًا في غيره كما قال ﵊: "إنها لمشية يبغضها اللَّه إلا في هذا
стр. 320
المواطن" وأين هذا من الرقص الذى هو هز المعاطف والأكمام الذى لا يفعله إلا الفساق من العوام.
قال في "المدخل": وأما الرقص التواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين
الكفار وعباد العجل، وحاشا لله أن يقول هذا القول الشنيع حجة المسلمين وإمام العاملين الإمام ابن حجر أمطر الله على جدثه صبيب الرحمة والرضوان. انتهى.
ونقل القرطبى عن الإمام الطرسوسى أنه سُئِلَ عن قوم في مكان يقرءون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة، هل الحضور معهم حلال أولا؟
فأجاب: مذهب السادة الصوفية: أن هذا بطالة ضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لام اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون، وهو -أي الرقص- دين الكفار وعباد العجل، وإنما كان مجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار، (فينبغى) للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا أن يعينهم عنى باطلهم. هذا مذهب مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة وغيرهما من أئمة المسلمين. انتهى.
وقال الإمام الكبير ابن قدامة جوابًا عن مثل هذا السؤال: إن فاعل هذا مخطئ ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع غير مقبول القول، فإن هذا معصية ولعب ذمه الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكرهه أهل العلم وسموه بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمعاصيه، ولا يطاع بارتكاب مناهمه، ومَن وسيلته إلى الله سبحانه معصية كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب دينًا كان كمن سعى في الأرض بالفساد، ومن طلب الوصول إلى الله سبحانه من غير طريق رسول الله ﵌ وسنته فهو بعيد عن الوصول إلى المراد. انتهى.
وتمسكوا أيضًا بحكايات كثيرة عن المشايخ ذكرها الإمام القشيرى