← Общие книги

Общие книги · id 701

الإبداع في مضار الابتداع

علي محفوظ

Полный текст (446 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فقد ورد: "أفضل الأذكار لا إله إلَّا اللَّه، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير". ورأى آخرون من العلماء أن الذكر كما يكون بالجملة يكون بالاسم المفرد، قال العلامة البنانى في شرحه على صلاة ابن مشيش: أعلم أن ذكر الاسم المفرد المعظم مجردًا عن التركيب بجملة وهو قوله: (الله الله) ممَّا تداولته السادات الصوفية، واستعملوه بينهم إلى أن قال: وفى الصحيح: "لا تقوم الساعة حتى لا يبقى من يقوله: (اللَّه اللَّه) وهو شاهد في الجملة بذكر هذا الاسم وحده، لا سيما على رواية النصب، ولا نزاع في جواز التلفظ بالاسم الكريم وحده، فأى مانع أن يكرره الإنسان مرات كثيرة، وكونه لم ينقل عن السلف لا يقتضى منعه ولا كراهته، وكم أشياء لم تكن في عهد السلف مع أنها جائزة إلى أن قال: فلا ينبغى التوقف في ذلك، ولا التشغيب بإنكاره، وقال الشيخ أبو العباس المرسى ﵀: ليكن ذكرك: "الله"، فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة، فبساطه العلم وثمرته النور، وليس النور مقصودًا لذاته، بل لما يقع به من الكشف والعيان، فينبغى الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه لجميع ما في (لا إله إلَّا الله) من العقائد والعلوم والآداب والحقوق فإنه يأتى في (الله) وفى (هو) ما لا يأتى في غيرهما من الأذكار. انتهى. وقال الشيخ زروق: ولهذا اختاره المشايخ ورجحوه على سائر الأذكار وجعلوا له خلوات ووصلوا به إلى أعلى المقامات والولايات وإن كان فيهم من اختار في الابتداء (لا إله إلَّا الله) وفى الانتهاء (الله الله)، وقال ابن حجر في "الفتاوى الحديثية": ذكر (لا إله إلَّا الله) أفضل من ذكر الجلالة مطلقًا بلسان أهل الظاهر. وأما أهل الباطن فالحال عندهم يختلف باختلاف حال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها يحتاج إلى النفى والإثبات حتى يستولى عليه سلطان الذكر، فإذا استولى عليه فالأولى له لزوم الإثبات أعنى (الله الله) وبهذا يتبين أن الذكر بالاسم المفرد لا مانع منه شرعًا، إذ لم يرد نهى عنه من الشارع يفيد كراهته أو تحريمه.

стр. 317

الشُّبَه التى يَتمَسَّك بهَا الَّذِين يُحرِّفُون الذِّكر وردها قالوا: يجوز الذِّكر بجميع الأسماء بـ (ايل، ولاها) ونسبوا ذلك للفقيه ابن حجر رحمه الله تعالى لورود الشرع بذلك؛ لأن ايل اسما الرحمن، ولاها اسم المحبوب. والجواب: أن نسبة هذا لابن حجر فرية ما فيها مرية، وكيف يقول مؤمن بصحة هذه النسبة له ﵀، وهو قد ألف كتابه المسمى: بكف الرعاع، عن محرمات اللهو والسماع، قصد به الرد على هؤلاء الجهلة الكذابين، وشنع عليهم في نسبتهم القول بجواز الرقص للعلامة العز بن عبد السلام. ثم يقال لهم: إن أردتم جميع الأسماء الواردة في الشرع كما يدل عليه التعليل بقولكم لورود الشرع إلى آخره، ورد أن الشرع لم يثبت فيه إطلاق (ايل ولاها) عليه تعالى لا بطريق صحيح ولا غيره، فقولهم: لأن ايل اسم الرحمن، ولاها اسم المحبوب ممنوع، ومن أين لهم ذلك ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) (على) أن كون "لاها" اسمًا لا يسوغ إطلاقه على الله سيحانه وتعالى، إلا على قول ضعيف، وهو جواز إطلاق ما دل على كمال ولم يوهم نقصًا (نعم) قيل: إن ايل في نحو جبرائيل بمعنى عبد، وهو غير صحيح كما قال أبو على السوسى: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله ايل، الثانى: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورًا. وإن أرادوا جميع الأسماء مطلقًا فالذى عليه المحققون أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز إطلاق اسم أو صفة عليه تعالى إلا إذا كان واردًا في القرآن أو الأحاديث الصحيحة. والمراد بالاسم ما دل على الذات إما وحدها كلفظ الجلالة، وإما مع الصفة كالرحمن والعالم والقادر، وبالصفة ما دل على معنى زائد على الذات فقط كلفظ القدرة والعلم. هذا مختار جمهور أهل السنة للاحتياط، واحترازًا عما يوهم باطلًا لعظم الخطر في ذلك. سلمنا أنهما من الأسماء على ما فيه، لكنه مخصوص بذكرهما مفردين بأن يقال: يا ايل ويا لاها، لا واقعين في كلمة التوحيد (كلا إيلاها إلَّا الله) فإن الواقع فيها محدود قطعًا، ولا بقول مسلم بأن ايل ولاها الواقعين

стр. 318

اسمان من أسماء الله تعالى لما يلزم عليه من الكفر بنفى وجود إيل وهو الله تعالى على زعمه، والتناقض في الكلمة المشرفة التى هى أفضل الكلام ومفتاح الإسلام، وغير ذلك من المفاسد، بل يخشى على فاعلها الكفر كما ذكره العلامة الأخضرى والعلامة الأمير والعارف الدردير وغيرهم من المحققين حيت قالوا: يحرم تقطيع أسماء الله تعالى، بل ربما يخشى على من حرفها وقطعها الكفر والعياذ بالله تعالى، وبينوا التحريف والتقطيع كما سبق، وقالوا أيضًا: يجوز الذكر بـ (هو ها وهى) والجواب: أنها دعوى لا دليل عليها، فإن ها وهى من الضمائر المؤنثة فلا يجوز الذكر بها إذ لم ترد لا في كتاب ولا سنة، وما وقع في كتب المخذولين لا يلتفت إليه. ويجوز الذكر بـ (هو) لأنَّه من أسماء الله المضمرة وقد ورد كتابًا وسنة. قالوا: يجوز الذكر بلفظ (أه) لما زود أنه الاسم الأعظم. ونقول لهم: لم يثبت من طريق صحيح أنه اسم من أسمائه تعالى، وقد علمت أن أسماءه تعالى توقيفية، فلا يجوز الذكر به. وما قيل في بعض الحواشى من أنه الاسم الأعظم لا سند له، وما يروى من أن النبي صلوات الله وسلامه عليه زار مريضًا كان يئن، وأن أصحابه ﵃ نهوه عن الأنين، وأنَّه ﵊ قال لهم: "دعوه يئن فإنه يذكر اسمًا من أسمائه تعالى" لم يرد في حديث صحيح ولا حسن كما قرره الثقات. وقد أفتى المرحوم الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر في هذه المسألة فقال رحمة الله عليه ما نصه: إن هذا اللفظ المسئول عنه (أه) بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقًا، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على التوجع، وليس من أسماء الذوات فضلًا عن أن يكون اسمًا من أسماء الله الحسنى التى أمرنا أن ندعوه بها، إلى أن قال ﵀: ولا يجوز لنا التعبد بشيء لم يرد الشرع بجواز التعبد به، وفى الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" إلخ ما قرره، رحمة الله عليه. وقالوا: يجوز الذكر بحرف واحد كما ورد في أوائل السور ككاف وهاء وياء وعين وص، ويجوز الذكر بأسماء الله طرًا.

стр. 319

ونقول لهم: هذا اختراع وابتداع إذ لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من السلف الصالح أنهم ذكروا بحرف واحد، وهم القدوة لنا في سائر أنواع العبادات، خصوصًا ذكر الله الذى هو أكبر، وقولهم كما ورد في أوائل السور تمثيل أو تنظير غير صحيح، إذ لم يرد في كتاب رلا سنة أن هذه الحروف أسماء لله تعالى. غاية ما في الباب أن بعض العلماء قال: إن كل حرف من هذه الحروف مقتطع من اسم من أسماء الله تعالى هو قول مغضوض عنه، ثم على تسليمه لا يكون المقتطع من الاسم اسمًا فلا يكون التكلم بالمقتطع ذكرًا لاسم الله تعالى، ونعوذ بالله من سوء التأويل، والجراءة على ذكر الله الجليل، والأعجب من هذا جعله دليلًا على ما ادعاه أو تمثيلًا لما افتراه. ويجوز الذكر بجميع أسماء الله تعالى المأخوذة من السنة ولو من غير شيخ عارف لكن به أكمل وأرجى لقطع العلائق الشيطانية، ولتجلى الأنوار الملكوتية، وليس عندنا لله أسماء ثابتة عن غير رسول الله ﷺ وأتباعه الآخذين عنه، إذ لا طريق إلى الله تعالى ومعرفة أسمائه إلا هو، وغيره الطريق الشيطان. وقالوا: يجوز الرقص حالة الذكر بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدى رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم، وكان رقصهم بالوثبات والوجد، ففى الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يسترنى بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالحراب والدرق في المسجد حتى أكون أنا التى أسأمه" وكان ذلك يوم عيد الفطر. ونقول لهم هذا قول باطل مناقض لقواعد الشرع الشريف لقوله ﷺ : "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وقائله كأنه ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، والاستدلال لفعل الحبشة في المسجد بحضرته ﷺ استدلال باطل لأن ذلك كان تمايلًا بالحراب للتدريب على استعمال السلاح كما شرعت المسابقة وكما أبيح التبختر في الحرب وإن كان ممنوعًا في غيره كما قال ﵊: "إنها لمشية يبغضها اللَّه إلا في هذا

стр. 320

المواطن" وأين هذا من الرقص الذى هو هز المعاطف والأكمام الذى لا يفعله إلا الفساق من العوام. قال في "المدخل": وأما الرقص التواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، وحاشا لله أن يقول هذا القول الشنيع حجة المسلمين وإمام العاملين الإمام ابن حجر أمطر الله على جدثه صبيب الرحمة والرضوان. انتهى. ونقل القرطبى عن الإمام الطرسوسى أنه سُئِلَ عن قوم في مكان يقرءون شيئًا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة، هل الحضور معهم حلال أولا؟ فأجاب: مذهب السادة الصوفية: أن هذا بطالة ضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامرى لام اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون، وهو -أي الرقص- دين الكفار وعباد العجل، وإنما كان مجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار، (فينبغى) للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا أن يعينهم عنى باطلهم. هذا مذهب مالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة وغيرهما من أئمة المسلمين. انتهى. وقال الإمام الكبير ابن قدامة جوابًا عن مثل هذا السؤال: إن فاعل هذا مخطئ ساقط المروءة، والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع غير مقبول القول، فإن هذا معصية ولعب ذمه الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكرهه أهل العلم وسموه بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمعاصيه، ولا يطاع بارتكاب مناهمه، ومَن وسيلته إلى الله سبحانه معصية كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب دينًا كان كمن سعى في الأرض بالفساد، ومن طلب الوصول إلى الله سبحانه من غير طريق رسول الله ﵌ وسنته فهو بعيد عن الوصول إلى المراد. انتهى. وتمسكوا أيضًا بحكايات كثيرة عن المشايخ ذكرها الإمام القشيرى

стр. 321

وغيره زاعمين أن هؤلاء المشايخ عرفت فضائلهم وصحت كراماتهم، فإطباقهم على حضور مجلس السماع والغناء وتواجدهم وركضهم ورقصهم دليل على إباحة ذلك. ونقول لهم: إننا لا ننفى جوازه إلا عند وجود نحو تثن أو تكسر، فمن أين أن أولئك المشايخ تثنوا أو تكسروا، (سلمنا) أنهم فعلوا ذلك فمن أين؟ أنهم لما يحصل لهم وجد أخرجهم عن حالة الاختيار إلى حالة الاضطرار؟ (على أنا) لا نسلم تلك الحكايات عن أولئك، فلعلها مما أدخله أهل الزندقة على أهل الإسلام كما كذبوا على رسول الله ﷺ بما لا يحصى. (سلمنا صحتها) وأنهم فعلوها اختيارًا، فالحجة فيما جاء عنه ﷺ وعن الأئمة بعده، وقد بينا أن ذلك لم يكن طريقهم ولا سبيلهم، وأن ذلك مما حدث بعدهم، فقد تناوله قوله ﷺ : "وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وظهور الكرامات لا يدل على العصمة، بل على قرب من ظهرت عليه في حال ظهورهما عليه مع جواز تلبسه بعد ذلك بكبيرة يتوب الله عليه منها، (ومن ثم) قيل للجنيد سيد الطائفة: أيعصى الولى؟ فقال: وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وقال ابن عبد السلام: أخطأ من زعم أن الولاية تنافى ارتكاب الصغائر، ففعلهم لذلك على فرض أنه باختيارهم وفيه تثن أو تكسر يكون صغيرة وهى لا تنافى الولاية. وما أحسن ما قاله الأستاذ الكبير إمام العارفين أبو على الروذبارى لما سُئِلَ عمن يسمع الملاهى ويقول هى حلال لأننى قد وصلت إلى درجة لا يؤثر فىِّ اختلاف الأحوال؟ فقال ﵁: نعم قد وصل ولكن إلى سقر. ومن قبائحهم التصفيق حالة الذكر فإنه خفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث لا يفعله إلا أرعن أو متصنع جاهل، يدل على جهالة فاعله. إن الشريعة لم ترد به لا فى كتاب ولا سنة ولا فعل ذلك أحد من الأنبياء ولامعتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعله السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء، وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال لقوله صلى الله تعالى عليه سلم: "إنما التصفيق للنساء". ومن بدعهم قراءة الفاتحة بنية كذا وبنية كذا، يفعلون ذلك عقب

стр. 322

الفراغ من الذكر، ومنهم من يقول للحاضرين: الفاتحة على هذه النية من غير بيان لما ينويه، فكل هذا لم يعرف عمن يقتدى به. ومن بدعهم وضع السبحة في العنق أو اليد بدون الذكر فهو، من فعل المرائين الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويعرفوا من طريق الوهم والتضليل، والطريق إلى الله هى متابعة رسول الله ﷺ ، وما سوى ذلك ضلال نعوذ بالله منه. (ومن قبائحهم) الضرب بالكأس أو الباز أو الغابة أو غير ذلك حال الذكر، فكل هذا حرام سواء حال الذكر أو غيره، وعند الذكر أشد حرمة. ومن بدعهم ما يصنعونه في الموالد المسمى عندهم بركبة الخليفة، وما يقع منهم حول الصارى من وقوفهم حلقة، ويقولون كلامًا بأصوات مرتفعة لا يعرفه إلا من سألهم عنه لعدم بيان حروفه ويسمونه (سلفية أو بنبا) أو غير ذلك، ثم يقف بعضهم في مقابلة بعض ويقولون: (يألله يألله) برفع أصواتهم مع صعود أيديهم وهبوطها، ثم يعودون للحالة الأولى وهكذا إلى ثلاث مرات، ثم بعد ذلك يدور بعضهم واضعين أيديهم على مناكب بعض، ويذكرون بأذكارهم المعلومة دائرين في وسط الحلقة يصافحون أهلها، وهكذا مرة بعد أخرى، ويسمونه بالسلام كما هو مشاهد منهما في نحو مولد سيدى أحمد البدرى، فكل هذا لا يخلو من محرم كما هو مشاهد عند ركعة الخليفة، وعلى فرض خلوها من المحرم فهى أمور مبتدعة وأحوال مخترعة ما أنزل الله بها من سلطان. وقد ثبت أن النبي ﷺ سمع المسلمين يدعون الله تعالى بصوت رفيع في غزوة خيبر فنهاهم عنه، فعن أبى موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ : "أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" متفق عليه، وفى رواية: "أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتهليل والتكبير إذا علوا عقبة أو ثنية"، والمراد بالقرب والمعية في الحديث لازمهما وهو العلم بمعنى أن علمه تعالى محيط بكل شيء فهو يسمع أقوال عباده ويرى أعمالهم ويطلع على أحوالهم، "اربعوا" بكسر الهمزة وفتح الموحدة: أي

стр. 323

ارفقوا على أنفسكم وأمسكوا عن الجهر، وإذا كان هذا حال رفع الصوت بالذكر وحده فما بالك به مع العبث بالأيدى، وسنة المصافحة إنما تكون للمتلاقين لا للحاضرين، والواجب تسمية ما ذكر خلفية لا سلفية، إذ السلف براء منها، فاعتمد هذا ولا تغتر بمن لم يبلغ أدنى مراتب القوم، ولم يشم للوصول رائحة فيتقول عليهم بما هم منه بريئون. وإليك ما كتبه الأستاذ الإمام قدس الله سره في التصوف وأهله، قال رحمة الله عليه ما ملخصه: قد اشتبه على بعض الباحثين في تاريخ الإسلام وما حدث فيه من البدع والعادات التى شوهت جماله السبب في سقوط المسلمين في الجهل فظنوا أن التصوف من أقوى الأسباب لوقوع المسلمين في الجهل بدينهم وبعدهم عن التوحيد الخالص الذى هو أس النجاة ومدار صحة الأعمال، وليس الأمر كما ظنوا، فنذكر لك الغرض منه عنى وجه الإجمال، وما آل إليه أمره بعد ذلك. ظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام فكان له شأن عظيم، وكان المقصود منه في أول الأمر تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس، وترويضها بأعمال الدين وجذبها إليه وجعله وجدانًا لها وتعريفها بحكمه وأسراره بالتدريج، وكان الفقهاء الذين وقفوا عند طواهر الأحكام المتعلقة بأعمال الجوارح والمعاملات ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين ويرمونهم بالزيغ والإلحاد، وكانت السلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إليهما، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل فقالوا: لابد فيمن يحب أن يكون منا أن يكون أولًا طالبًا فمريدًا فسالكًا، وبعد السلوك إما أن يصل وإما أن ينقطع، فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره زمنًا طويلًا ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة لا يقصد مجرد الوقوف على أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج شيئًا فشيئًا. ثم إنهم جعلوا للشيخ سلطة خاصة على مريديه حتى قالوا: يجب أن يكون المريد مع الشيخ كالميت بين يدى الغاسل؛ لأن الشيخ يعرف أمراضه النفسية وعلاجها، فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر

стр. 324

معالجته أو تتعذر، فلابد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة، وقالوا: إن الوصول إلى العرفان المطلق لا يكون إلا بهذا، ثم إنهم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم والعناية بزيارتها لتذكر سلوكهم ومجاهدتهم وأحوالهم ومشاهدتهم لأن التذكر من وسائل التأسى، والتأسى هو أقوم طرق التربية عند جميع الناس. فتبين من هذا الإجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا شريفًا وأنهم ما كانوا يريدون إلا الخير المحض لأن صحة القصد وحسن النية أساس طريقهم، ولكن تلك المقاصد الحسنة قد تغيرت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات يسمونها ذكرًا يتبرأ منه كل صوفى، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا أتلف عقائد البسطاء، فاعتقدوأ أن لهم سلطة غيبية فوق الأسباب التى ارتبطت بها المسيبات لحكمته تعالى ومشيئته، بها يديرون الكون ويتصرفون كما يشاءون، وأنهم قد تكفلوا بقضاء مطالب مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا، وهو اعتقاده مخالف لكتاب الله سنة رسوله ﷺ وسيرة السلف من الصحابة والتابعين والمجتهدين. وأقبح من هذا زعمهم أن الشريعة غير الحقيقة، فإذا ارتكب أحدهم ذنبًا فأنكر عليه منكر قالوا في الجانى: إنه من أهل الحقيقة فلا اعتراض عليه، وفى المنكر أنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه، كأنهم يعتقدون أن الله تعالى أنزل للناس دينين، وأنَّه يعاملهم معاملتين -حاشا لله- نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة ومرادهم يه أن في كلام الله تعالى ورسوله ﷺ ما يعلو أفهام العامة بما يشير إليه من دقائق الحكم والمعارف التى لا يعرفها إلا الراسخون في العلم، فحسب العامة من هذا الوقوف عند ظاهره، ومن آتاه الله بسطة في العلم ففهم منه شيئًا أعلى ممَّا تصل إليه أفهام العامة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ممن يجد ويجتهد للتزيد من العلم بالله وسننه في خلقه. فهذا ما يسمونه علم الحقيقة لا سواه وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها، ومن رزقه الله نصيبًا من هذا العلم كان أشد الناس خشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١). ولقد ساءت طريقة مدعى التصوف في هذا الزمان وصارت رسومهم بالأهواء والمعاصى أشبه، انظر إلى الاجتماعات التى يسمونها (الوالد)

стр. 325

وما يكون منهم فيها من نصب السرادقات وتقديم الخدمات، فقد جذبوا إليها الفقراء واستخفوا بها عقول الأغنياء، فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال لمساعدة الجمعيات التى قامت للدعوة إلى الله وهداية الناس أو معونة المرشدين الذين تصدوا لنشر العلم والفضيلة؛ ومحاربة البدع والرذيلة، أوإعانة منكوب أو إسعاف مصاب لضنوا به وبخلوا، ولا يرون أن ما يقع فيها من المنكرات مناف للتقرب إلى الله تعالى، كأن كرامة الشيخ الذى يحتفلون بمولده تبيح تلك المحظورات، وتجيز للناس التعاون على المنكرات. فالموالد اليوم أسواق الفسوق والفجور فيها خيام للبغاء، وحانات الخمور ومراقص يجتمع فيها الشبان لمشاهدة الراقصات المتبرجات المتهتكات الكاسيات العاريات، فيها أماكن أخرى لضروب من سئ الأعمال وساقط الأقوال يقصد بها إضحاك الحاضرين، فيها إسراف وتبذير للأموال وإضاعة للأوقات فيما لا فائدة منه ولا خير فيه. فانظر إلى أين وصل المسلمون ببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم ولا مراعاة شر، فلا عجب إذا عم فيهم الجهل واستحوذ عليهم الضعف وحرموا ما وعد الله المؤمنين من النصر؛ لأنهم انسلخوا من مجموع ما وصف الله به المؤمنين في نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ (١) الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (٢) إلى آخر السورة. ا. هـ. (وصفوة القول) أنه لا طريق لمعرفة الله تعالى المعبر عنها بالوصول إليه غير ما نزله من البينات والهدى، ما بينه سول الله صلوات الله وسلامه عليه من وسائل العبادة بقوله وفعله. إنما كان غرض الصوفية الصادقين فهم الكتاب والسنة مع التحقق بمعارفهما، والتخلق بآدابهما، وأخذ النفوس بالعمل بهما من غير تقليد لأهل الظاهر، ولا جمود على الظواهر. وقد اختلف في لفظ الصوفى إلى أي شيء ينسب فقيل: إنه مأخوذ من الصفة نسبة إلى أهل الصفة وهم جماعة من فقراء الصحابة كانوا يلازمون

стр. 326

صفة المسجد للانقطاع للعبادة وحفظ القرآن الكريم، وقواعد الصرف تأباه، وقيل: إنه مأخوذ من الصفاء وهو كسابقه، وأشهر الأقوال وأقربها إلى اللفظ أنه نسبة إلى الصوف لأن القوم كانوا يكثرون من لبسه والله أعلم. الفصْل التاسع في بِدَع الاعتقَادَات أعلم أن الاعتقادات على نوعين: (النوع الأول): الاعتقادات التى ذهب إليها الفرق الضالة التى أشار إليها الحديث، ولا كلام لنا فيه فإن الكتب الكلامية قد كفتنا مؤنته، على أن أغلبها قد أماته الله وانقرض المنتحلون لها، وكفى الله المؤمنين القتال، شأن الباطل أمام قوة الحق، إن الباطل كان زهوقًا. (النوع الثانى): العقائد السائرة بين الناس وقد يعتقدها بعض الخواص، وهذه ليس لها نسبة إلى طائفة معروفة، وهذا النوع هو الذى نريد إن شاء الله تعالى أن نوقفك على الأهم فيه، ثم نشرح لك حاله من الحسن والقبح معتمدين في ذلك على النصوص الشرعية والدلائل العقلية، وأقوال العلماء المرجوع إليهم فنقول: (منها): اعتقاد العوام أن جبريل ﵇ لم ينزل ولن ينزل بعد موت النبي ﷺ بناء على بعض آثار في ذلك دلت على أن جبريل ﵇ لما اجتمع بالنبي ﷺ اجتماعه الأخير ودعه وقال له: "لا أنزل الأرض بعدك" وهذا لا أصل له ويرده خبر الطبرانى: "ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ فإنى أخاف أن يتوفى وما يحضره جبريل ﵇" فإنه يدل على أن جبريل ﵇ ينزل إلى الأرض ويحضر موت كل مؤمن مات على طهارة. قاله ابن حجر الهيتمى. ونشأ من هذا الاعتقاد الفاسد ومن خبر باطل موضوع: "لا وحى بعدي" اعتقاد العامة أن لا وحى على الإطلاق بعد رسول الله ﷺ ، سئل ابن حجر: هل يوحى إلى عيسى ﵇؟ فقال: نعم يوحى إليه ﵇ وحي حقيقى كما في حديث مسلم وغيره عن النواس بن سمعان، وفى رواية صحيحة: "فبينما هو كذلك إذ أوحى اللَّه تعالى

стр. 327

يا عيسى إنى أخرجت عبادًا لي لا يد لأحد بقتالهم فحول عبادى إلى الطور" وذلك الوحى على لسان جبريل ﵇ إذ هو السفير بين الله تعالى وأنبيائه لا يعرف ذلك لغيره، وخبر لا وحى بعدى باطل. انتهى. يُشير العلَّامة ابن حجر إلى ما في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال فقال: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم"، وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إنى قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فأحرز عبادى إلى الطور، وبعث اللَّه يأجوج ومأجوج … " الحديث فإنه مطول. "لا يدان" بكسر النون تثنية يد معناه: لا قدرة ولا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد وما لي به يدان؛ لأن المباشرة والدفع إنما يكون باليد وكأن يديه معدومتان لعجزه عن دفعه (أحرز) ضمهم يقال: أحرزت الشئ إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. (أما اعتقاد) أن وحى التشريع وإنزال الأحكام الشرعية قد انقطع بموته ﵊ فصحيح، وعيسى ﵇ إنما يحكم عند نزوله بشريعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. (ومنها): اعتقاد الناس في ليلة القدر وأن فيها ساعة إجابة تفتح فيها أبواب السماء ولا يراها إلا الموعود بها، وأن من رآها وسأل الله تعالى شيئًا استجاب له مهما طلب، حتى لو عثر لسانه فدعا بما لا يريد كان ما نطق به حتمًا مقضيًّا. والصواب: أنها ليلة عبادة وخشوع وتذكر لنعمة الحق والدين، يتجلى الله تعالى فيها باللطف والإحسان على العاملين المخلصين من عباده، تتنزل الملائكة فيها بالألطاف الرحمات الإلهية لطالبيها والمتعرضين لها، قد جعلها الله سبحانه ليلة سلام وأمان خير وبركة من أولها حتى مطلع الفجر، يتقرب العبد فيها إلى مولاه الغنى الكريم والبر الرحيم بأنواع البر والإحسان إلى الضعفاء والبؤساء من خلقه وصالح الأعمال، وأن الشريعة الغراء تحث المؤمنين على إحيائها بالعبادة وأنواع القرب شكرًا لله تعالى على ما هداهم بهذا القرآن العظيم الذى ابتدأ الله سبحانه إنزاله فيهم في أثنائها، وأن جلالة هذه الليلة وشرفها بجلالة وشرف ما وقع فيها من إنزال هذا القرآن الكريم، وهو هدى للناس ورحمة، وفيه سعادتهم وفلاحهم في العاجل

стр. 328

والآجل. هذا ما ينبغى اعتقاده فيها وبالله تعالى التوفيق. (ومنها): اعتقاد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما أراد العروج ليلة الإسراء صعد على صخرة بيت المقدس وركب البراق فمالت الصخرة وارتفعت لتلحقه فأمسكتها الملائكة، ففى طرف منها أثر قدمه الشريف وفى الطرف الأخير أثر أصابع الملائكة ﵈، فهى واقفة في الهواء قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذى يمسك السماء أن تقع على الأرض ، وهذا من الأكاذيب المشهورة ولا أصل له في الدين. (ومنها): اعتقاد الطائفة الكشفية أن للروح جسدين: جسد من عالم الغيب لطيف لا دخل للعناصر فيه، وجسد من عالم الشهادة كثيف مركب من العناصر، وأن النبي ﷺ حين عرج به إلى السماء ألقى كل عنصر من عناصر الجسد العنصرى في كرته، فما وصل إلى فلك القمر حتى ألقى جميع العناصر، ولم يبق معه إلا الجسد اللطيف فرقى به حيث شاء الله تعالى. ثم لما رجع ﵊ رجع إليه ما ألقاه واجتمع فيه ما تفرق منه ولعمر الحق أنه حديث خرافة لا مستند له شرعًا ولا عقلًا، والذى عليه جمهور العلماء من السلف والخلف أن المعراج كالإسراء كان بالروح والبدن يقظة ولا استحالة في ذلك كما هو مقرر في محله. (ومنها): اعتقاد كثير من الناس أنه ﷺ كان يمسك السيف على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف وهذا جهل قبيح لأمرين: الأول: أن المحفوظ أنه ﷺ توكأ على العصا وعلى القوس. الثانى: أن الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلدفع كيد أهل الضلال واعتداء المشركين ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ (١) الآية، ومدينة النبي ﷺ التى كان يخطب فيها إنما فتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف. ومن بدع الاعتقادات الباطلة ما يذكره بعض القصاصين من أن الكعبة الشريفة نزلت من السماء في زمن آدم وأنَّه حج إليها فتعارف بحواء في عرفة بعد أن كانت قد ضلت عنه بعد هبوطها وأكدوا ذلك بتزوير قبر لها في

стр. 329

جدة وزعموا أن الكعبة نزنت مرة أخرى إلى الأرض بعد ارتفاعها بسبب الطوفان، وأنها حليت بالحجر الأسود، وأن هذا الحجر كان ياقوتة بيضاء، وقيل: زمردة من يواقيت الجنة أو زمردها، وأنها كانت مودعة في باطن جبل أبى قبيس فتمخص الجبل فولدها، وإن الحجر إنما أسود لملامسة النساء الحيض له، وقيل: لاستلام المذنبين إياه، وكل هذه الروايات التى ينشرها بعض القصاصين خرافات إسرائيلية بثها زنادقة اليهود في المسلمين ليشوهوا عليهم دينهم وينفروا أهل الكتاب منه. والحق في هذا المقام ما دل عليه قوله -جَلَّ ثَنَاؤُه-: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (١) فإنه ظاهر في أنهما هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية. وقد جزم الحافظ ابن كثير بأن إبراهيم ﵇ أول من بناه ولم يجئ خبر عن معصوم أنه كان مبنيًّا قبل الخليل، وأن شرف هذا البيت إنما هو بتسمية الله إياه بيته، وإضافته إليه في قوله -جَلَّ ثنَاؤُه-: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢) عهد إليه بالشئ: وصاه به، والمراد أن الله تعالى كلفهما أن يطهرا ذلك المكان الذى نسبه إليه وسماه بيته من جميع الرجس الحسى والمعنوى كالشرك وأصنامه، واللغو والرفث والتنازع لأنَّه جعله معبدًا يعبد فيه العبادة الصحيحة. وليس شرفه بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار، ولا بكونه من السماء، بل شرفه معنوي كما أن شرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم ولا في ملابسهم، وإنما هو لاصطفاء الله تعالى إياهم، وتخصيصهم بالنبوة التى هى أمر معنوى، وقد كالق أهل الدنيا أحسن زينة وأكثر نعمة منهم. وقد أفصح عن هذا المعنى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بقوله عند استلام الحجر الأسود: "أما والله إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله ﷺ قبلك ما قبلتك ثم دنا فقبله" متفق عليه، وما روى من مراجعة على لعمر في ذلك غير صحيح فلا يعول عليه. والحديث يرشدنا إلى أن الحجر الأسود لا مزية له في ذاته فهو كسائر الحجارة، وإنما استلامه أمر تعبدى كاستقبال

стр. 330

الكعبة وجعل التوجه إليها توجهًا إلى الله سبحانه الذى لا يحدده مكان ولا تخصه جهة من الجهات، ولا يقال: لماذا خص الحجر الأسود بالتقبيل؟ فإن كل مشعر من مشاعر الحج قد خص بمزية تثير شعورًا دينيًّا خاصًّا يليق به في نفس الحاج فلا يقال: لماذا كان الوقوف، والاجتماع، وتعارف آهل الآفاق مخصوصًا بعرفة دون غيرها من البقاع؟ ومن الاعتقادات التي راجت عند من لا يعرف من الدين إلا رسومه الظاهرة كسوة الكعبة الحريرية المزركشة، فإنها عند العامة في هذه الأزمنة من أعظم شعائر الدين، وإن حرم حضور احتفالها أو رؤيتها بعض علماء الأزهر كالعلامة الباجورى ﵀ وليس هذا التحريم لذاتها، فإنها مشروعة، بل لما في الاحتفال بها من البدع، وما يكون فيها من اختلاط الرجال بالنساء اختلاطًا لا تؤمن فيه الفتنة، وما عليه العوام من اعتقاد البركة فيها، بل وفى جملها الذى يقبل مقوده الأمراء والوزراء وكبار العلماء. وهكذا كل واحد يفهم الدين ويأخذ من كتب الأولين والآخرين ما يناسب استعداده ويقبله عقله ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١). وبدعة المحمل المعروف في مصر لا عهد للسلف الصالح به، وإنما هو شيء أحدثته الملكة عصمة الدين الملقبة بـ (شجرة الدر) زوجة الملك الصالح أيوب أحد ملوك الدولة الأيوبية التى أسسها صلاح الدين يوسف الأيوبى سنة ثمان وأربعين وسمتائة هلالية، الموافق خمسين ومائتين وألف ميلادية. ومن الاعتقادات الباطلة، أن الطفل قد يولد مختونًا، وقد يولد غير مختون، ثم يشاهد بعد أيام مختونًا، والعامة تعتقد أن الملائكة قد ختنته، والحقيقة أن ذلك شلل قد أصاب القلفة فتقلصت وبدت الحشفة وظهر الطفل على هيئة المختون، وليس من الختان في شيء، والقلفة: الجلدة التى تقطع في الختان وجمعها قلف مثل غرفة وغرف، والقلفة بفتحات مثلها والجمع قلف وقلفات كقصبة وقصب وقصبات. (ومنها): الاعتقاد بأن الجنة ليس فيها ندم ولا حزن أصلًا، قال في باب الفتوح: وليس كذلك، بل ورد أنهم إذا دخلوا الجنة وعرفوا ربهم معرفة زائدة على ما عرفوه في الدنيا زيادة لا تحصى ندموا عن آخرهم على ما قصروا

стр. 331

في حق ربهم وفى خدمته، والزناة إذا دخلوا الجنة وتجلى لهم الحق تعالى وانكشف لهم ما هم عليه من الخساسة والجهل بربهم وعلموا ما هو عليه من الجلالة والعظمة والكبرياء والقهر والغلبة وسعة الرحمة مع ذلك ندموا واستحيوا حتى يغشى عليهم مدة وعند ذلك يقود من عصمه الله من الزنا بعضهم لبعض: لقد خصنا ربنا في هذا الوقت بجميع نعمه فإذا أفاق أهل الغشية حصل لهم من القوة وكمال المعرفة شيء لا يكيف. وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها" أخرجه الطبراني والبيهقى، وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما قعد قوم مقعدًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة" أخرجه أحمد والترمذى وابن حيان والحاكم وصححه ومثله للبيهقى وابن أبى الدنيا عن عائشة ﵂، ذكره في"البدور السافرة" انتهى. ومن البدع السيئة أن يعتقد الناس الشخص لمجرد حسن الهيئة أو ظهور علائم الاستقامة عليه فيوقنوا بأنه من أهل الخير الذين لهم عند الله جانب عظيم، وبذلك يكون محبوبًا عند قومه ممدوحًا لديهم (وقد يكون) منشأ هذا الاعتقاد الفاسد تساهله في أمر الدين، فإن هذا لو كان من الخيار كما اعتقدوا لكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وحينئذ يبغضه قومه فيكون بغض القوا وذمهم له وهو مستقيم علامة أنه من الخيار. روى أن كعب الأحبار قال لأبي مسلم الخولانى: "كيف منزلتك عند قومك؟ قال: حسنة. قال كعب: إن التوراة لتقول غير ذلك. قال: وما تقول؟ قال: تقول: إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه. فقال: صدقت التوراة وكذب أبو مسلم" يعنى نفسه، وكان ابن عمر ﵄ يأتى العمال ثم قعد عنهم، فقيل له: لو أتيتهم فلعلهم يجدون في أنفسهم، فقال: أرهب إن تكلمت أن يروا أن الذى بى غير الذى بى وإن سكت رهيت أن آتم. والعمال: الولاة، ويجدون في أنفسهم: أي يجدون تأثيرًا لكلامك فيها؛ وعن عائشة ﵂، قال رسول الله ﷺ : "عذب اللَّه أهل قرية فيها ثمانية عشر

стр. 332

ألفًا عملهم عمل الأنبياء"، قالوا: يا رسول الله كيف؟ قال: "لم يكونوا يغضبون للَّه ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر"، وعن عروة عن أبيه قال: قال موسى ﵇: "يارب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذى يتسرع إلى هواى كما يتسرع النسر إلى هواه، والذى يَكْلَفُ بعبادى الصالحين كما يَكْلفُ الصبى بالثدى، والذى يغضب إذا أُتِيَتْ محارمي كما يغضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا" رواه الطبرانى في "الأوسط". يكلف: يتعلق، وكلف بكذا: أولع به وبابه طرب. ومن هذا علم أن من البدع السيئة الموجبة للوبال وهى أشبه بالاعتقادات الفاسدة محبة الناس لمن يسالمهم ويوافقهم، وبغض من يدلهم على عوراتهم ويرشدهم إلى سعادتهم، فعن حذيفة ﵁ قال: "يأتى على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم" ولقد صدق ﵁، فهذا حال الناس في هذا الزمان المفتون مع من يرشدهم وينصح لهم، وأوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون ﵇؟ "إنى مهلك من قومك أربعين ألفًا من خيارهم وستين ألفًا من شرارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبى وواكلوهم وشاربوهم" رواه ابن أبى الدنيا وأبو الشيخ عن إبراهيم ين عمر الصاغانى ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ (١). ومن بدعهم اعتقاد الشؤم أو الخير والسعادة في مثل المنازل والأزواج والدواب والضيف، فإذا حصل شيء من الخير أو الشر بمصادفة الأقدار عند حدوث شراء مسكن أو السكنى فيه أو عقد زواج أو شراء دابة أو قدوم ضيف زعموا أنه منها، وربما استأنسوا لذلك بما رواه البخارى من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "الشؤم في الدار والمرأة والفرس" وهو خطأ منهم، فقد ورد في بعض رواياته تفسير الشؤم والبركة في هذه الأمور (وخير ما فسرته بالوارد)، روى الطبرانى من حديث أسماء بنت عميس، قالت: يا رسول الله ما شؤم الدار؟ قال: "ضيق مساحتها وخبث جيرانها". قيل: فما سوء الدابة؟ قال:

стр. 333

"منعها ظهرها وسوء خلقها". قيل: فما سوء المرأة؟ قال: "عقم (١) رحمها وسوء خلقها"، وروى أحمد والحاكم والبيهقى وغيرهم من حديث عائشة رضى الله تعالى عنها: "إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها". قال عروة: "يعني الولادة وإسناده جيد، وفى الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: "اليمن والشؤم في المرأة والمسكن والفرس. فيمن المرأة: خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها، وشؤمها: غلاء مهرها وعسر نكاحها وسوء خلقها، ويمن السكن: سعته وحسن جوار أهله، وشؤمه: ضيقه وسوء جوار أهله، ويمن الفرس: ذله وحسن خلقه، وشؤمه: صعوبته" رواه غير واحد، وروى البخارى عن ابن عمر أيضًا أنه قال: ذكروا الشؤم عند النبي ﷺ فقال: "إن كان الشؤم في شيء ففى الدار والمرأة والفرس" فأفاد أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء، فإنها أقبل الأشياء له، لكن لا وجود له فيها أصلًا؛ لذا قال القاضى عياض ﵀: إن الحديث محمول على استثناء نقيض المقدم: أي لكنه لا شؤم. ومن هذا تعلم أن الشؤم في الحديث السابق وغيره محمول على الإرشاد منه صلوات الله وسلامه عليه، يعنى أن من كان له امرأة يكره صحبتها لسوء معاشرتها مثلًا، أو دار يكره سكناها لسوء جوارها مثلًا، أو فرس لا تعجبه لشراستها فليرح نفسه بمفارقة المرأة والانتقال من الدار وبيع الفرس حتى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة والألم: أي أن الحديث ليس على ظاهره، بل محمول على الكراهة التى منشؤها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم (بكعبها وبسببها)، فإنه جهل بمقام الألوهية، وقد أطلق الشارع الحكيم على من ينسب المطر إلى النوء وصف الكفر، فكيف بمن ينسب ما يقع من الخير أو الشر إلى نحو الدار والزوجة ممَّا ليس له فيه مدخل أصلًا، وإنما يكون ذلك بمصادفة القضاء والقدر، فتنفر النفس من ذلك أو تسر، فمن وقع له شيء يكرهه عند حصول واحد منها فلا يضره أن يتركه من غير أن

стр. 334

يعتقد نسبة الفعل إليه على أي وجه كان، فإلى اللّه وحده ترجع الأمور وهو وحده الفاعل المختار. وذهب بعضهم إلى أنه علمه الصلاة والسلام إنما حكاه عن معتقد الجاهلية وهو قول عائشة ﵂، وبعضهم إلى أنه على ظاهره إن هذه الأمور قد تكون سببًا للشؤم فيجريه الله تعالى عند وجودها بقدره، ولا محظور في اعتقاد أن المذكورات أمارات، وأن الفاعل هو الله تعالى وحده. وقد جرى على هذا الحافظ السيوطى، قال في "فتح المطلب المبرور": إن حديث التشاؤم بالمرأة والدار والفرس قد اختلف العلماء فيه، هل هو على ظاهره أو مؤول، والمختار أنه على ظاهره، رهو ظاهر قول مالك. انتهى. وقد علمت أن الحق خلاف ذلك، ولذا حمل الطيبى الحديث على الكراهة التى سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع كما ذكرنا. (فإن قيل) ورد في الحديث الصحيح عن أنس ﵁ قال: جاء رجل منا إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نزلنا دارًا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحولنا عنها إلى أخرى فقلَّتْ فيها أموالنا وقل فيها عددنا، فقال رسول الله ﷺ : "ارحلوا عنها وذروها وهى ذميمة" وهو صريح في الدار تكون سبب الخير والشر فيكون حديث التشاؤم على ظاهره لا تأويل فيه. (فالجواب) ذكر ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث أنه ﵊ إنما أمرهم بالتحول لأنهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش بما نالهم فيها، وقد جعل الله تعالى في غرائز الناس وتراكيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه، وإن كان لا سبب له فيه، وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به، وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لما يردهم به. انتهى ملخصًا. العَدْوَى والطِّيرَة والفَأْل في صحيح البخارى عن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم فرارك من الأسد".

стр. 335

العدوى: انتقال المرض من إنسان أو حيوان إلى آخر بالمخالطة به أو بشيء من آثاره، والطيرة: التشاؤم، والهامة بتخفيف الميم، كانت العرب تزعم أنها طائر يصيح على قبر القتيل قائلًا: اسقونى اسقونى حتى يؤخذ بثأره، وقيل: هى البومة إذا وقفت على دار أحدهم يرى أنها ناعية له نفسه أو بعض أهله. وصفر: هو الشهر المعروف، كانوا يتشاءمون بحلوله لما يتوهمون أن فيه تكثر الدواهى والبلايا والفتن، أي بعد انقضاء الأشهر الحرم ذى القعدة وذى الحجة والمحرم التى كانوا يأمنون فيها من الغارات، وكانوا إذا اضطروا إلى القتال في المحرم أحلوه وسموه صفرًا والذى بعده المحرم، وهو النسئ المذكور في القرآن، فصار صفر علامة على الشر عندهم فنسبوا الشؤم له. وقد أبطل الدين الحنيف كل هذه الأوهام على لسان رسوله الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وصحح عقائدهم وبين لهم أنه لا تأثير لغير الله، بل التأثير له تعالى وحده. فإن قال قائل: كيف توفق لنا بين قوله صلوات الله سلامه عليه في آخر هذا الحديث: "وفر من المجذوم فرارك من الأسد" وبين قوله في أوله: "لا عدوى"، وأكله مع المجذوم وقال: "ثقة بالله وتوكلًا عليه" أخرجه أبو داود والترمذى. فالجواب: أن المراد بنفى العدوى نفى أن شيئًا يعدى بطبعه ردًّا لما كانت تعتقده الجاهلية من أن الأمراض تؤثر بطبعها من غير إضافة إلى اللَّه تعالى فأبطل اعتقادهم ذلك؛ وأكل مع المجذوم ليبين لهما بفعله أن الله تعالى هو الذى يمرض ويشفى ويعافى، ونهاهم عن الدنو من المجذوم ليبين لهم أن هذا من الأسباب التى أجرى الله تعالى العادة بأنها تفضى إلى مسبباتها، ففى نهيه إثبات الأسباب وفى فعله إشارة إلى أنها لا تستقل بنفسها، بك الله تعالى إن شاء سلبها خواصها فلا تفيد شيئًا، وإن شاء رتب علمها أثرها. وانظر قوله صلوات الله وسلامه عليه لهذا الأعرابي الذى كان يزعم تأثير العدوى بنفسها، وكيف أبطل عليه اعتقاده وأسكته. روى البخارى من حديث أبى هريرة ﵁ أنه قال: قال أعرابى: يا رسول الله فما بال إبلى تكون في الرمل كأنها الظباء فيدخل بينها البعير الأجرب فيجربها؟

стр. 336

قال: "فمن أعدى الأول؟ " والمراد: أن الأول لم يجرب بالعدوى، بل بقضاء الله تعالى فكذا الثانى، فهو الذى ابتدأ ذلك في الثانى كما ابتدأه في الأول "كأنها الظباء": أي في النشاط والقوة والسلامة من الداء. وهذا جواب في غاية البلاغة والرشاقة، أي من أين جاء الجرب للأول الذى أعدى على زعمهم؟ فإن قالوا: من بعير آخر لزم التسلسل، أو من سبب آخر فليبينوه لنا، فإن قالوا: الذى فعله في الأول هو الذى فعله في الثانى ثبت المدَّعَى وهو أن الذى فعل جميع ذلك هو القادر الخالق الذى لا إله غيره ولا مؤثر سواه. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الطيرة شرك. الطيرة شرك. الطيرة شرك". قال ابن مسعود: وما منا إلَّا، ولكن الله يذهبه بالتوكل. رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، أي وما منا إلَّا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، ولكن الله يذهب ذلك عن قلب كل مؤمن يتوكل على الله ولا يثبت على ذلك ولا يعمل له، وإنما كانت شركًا لأنهم كانوا يعتقدون أنها تجلب نفعًا وتدفع ضرًّا إذا عمل بموجبها فكأنهم بذلك أشركوها مع الله تعالى. والطيرة: التشاؤم كما سبق، قال الأزهرى: وقيل: للشؤم طائر وطير وَطيرَة لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها والتطير ببارحها ونعيق غربانها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها فسموا الشؤم طائرًا أوطيرًا وطيرة لتشاؤمهم بها. اهـ. فكانوا يتشاءمون ويتطيرون في الجاهلية، ولا يزال التطير والتشاءم فاشيًا في الجاهلين من جميع الشعوب وهو من الخرافات التى يردها العقل وقد أبطنها دين الفطرة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). أخبر تعالى عن آل فرعون أنهم لغباوتهم وقساوة قلوبهم كانوا إذا جاءهم خصب وسعة قالوا: هذا لأجلنا ونحن مستحقوه، وإن يصبهم جدب وبلاء يتشاءمون بموسى ﵇ وقومه قائلين: ما أصابنا ذلك إلَّا من تحت رءوسهم، فرد الله عليهم بأن ما ينزل بهم بسيب شؤمهم عند الله، وهو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها هى التى

стр. 337

ساقت إليهم ما يسوءهم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما يصيبهم من شؤم أعمالهم. وقال تعالى حكاية عن قوم صالح ﵇: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (١) دعاهم إلى التوبة والطاعة رجاء أن يستقيم حالهم فردوا عليه بقولهم: تشاءمنا بك وبمن اتبعك من المؤمنين، إذ توالت علينا الشدائد، ووقع بيتا التفرق منذ اخترعتم دينكم ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ السبب الذى جاء منه الشر عند الله، وهو أعمالكم المكتوبة عليكم عنده ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تختبرون بتعاقب السراء والضراء لينكشف للناس أمركم وتقوم الحجة عليكم. وقال تعالى حكاية عن أصحاب القرية التى جاءها المرسلون ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ (٢) فقد جاءتهم الرسل، وادعوا الرسالة والوحى من الله تعالى فأنكروا عليهم الرسالة والوحى لفرط جهلهم، وزادوا في الجهالة والغباوة بقولهم في الرسل إنا تشاءمنا بكم وتوقعنا الشر من أجلكم، لئن لم تكفوا عن مقالتكم لنعذبنكم عذابًا موجعًا، فقالوا لهم: سبب الشؤم معكم وهو سوء عقيدتكم وقبح أعمالكم. ثم إن الله تعالى أعلم على لسان رسوله ﷺ أن طيرة العرب باطلة فقال: "لا طيرة ولا هامة" وكان صلوات الله ورسوله عليه يتفاءل ولا يتطير، وكيف يتطير ﷺ أو يبيحه لأمته والطيرة كانت شعار الجبناء من الجاهلية، وكانت تصدهم عن مقاصدهم، فنفى التشاؤم وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر، بل التأثير لله تعالى وحده. أما شجعان الجاهلية فكانوا لا يرون التطير شيئًا، ويمدحون من كذب له، قال شاعرهم يمدح رجلًا كان لا يعتقد الطيرة ولا يتشاءم بشيء: وليس بهياب إذا شد رحله … يقول: عدانى اليوم واق وحاتم ولكنه يمضى على ذاك مقدما … إذا صد عن تلك الهناة الختارم عدانى: جاوزنى، الواق: الصرد، الحاتم: الغراب الأسود؛ لأنَّه يحتم بالفراق عندهم، الختارم: الرجل المتطير.

стр. 338

وفى الحديث عن إسماعيل بن أمية عن عبد الرزاق عن النبي ﷺ : "ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق"، وفى حديث أبي هريرة ﵁ عن ابن على مرفوعًا: "إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا" وفى حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلَّا طيرك، ولا خير إلَّا خيرك، ولا إله غيرك" رواه البيهقي في "الشعب"، وقال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس ﵄ فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: "خير خير" فقال ابن عباس ﵄: "لا خير ولا شر". وممَّا جعل في غرائز الناس استحبابه والأنس به الفأل الصالح والاسم الحسن كأن يسمع المريض أو أهله (يا سالم أو يا سلامة) وطالب الحاجة (يا واجد أو مقضية) والمكروب (يا فرج) والخارج إلى القتال (يا نصر) والسامع لهذا يعتقد أنه لا يزيد ولا ينقص ولا يقدم ولا يؤخر، ولكنها فطرة الله التى فطر الناس عليها، فيحبون الخير ويرتاحون للبشرى؛ ولذا كان ﷺ يعجبه الاسم الحسن والفأل الحسن ويكره القبيح منها، ففى الحديث عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طيرة وخيرها الفأل" قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" رواه البخارى. وكان مذهب العرب في الفأل والطيرة واحدًا، فأثبت النبي ﷺ الفأل وأبطل الطيرة، ونفى أنها مؤثرة من دون الله تعالى؛ والفرق بينهما أن الأرواح الإنسانية أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية فالكلمة التى تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها، بخلاف حركة البهائم وطيران الطير، فإن أرواحها ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال والحوادث والله أعلم بأسرار ما خلق. ومن البدع أن من رزقه الله عقلًا وعلمًا يعتقد إذا رأى من أفاض الله عليه المال مع الجهل، وضعف العقل أنه أحق منه بإفاضة المال، فيقول في نفسه: كيف منعنى قوت يومى، وأنا العاقل الفاضل، وأفاض على

стр. 339

هذا نعيم الدنيا، وهو الجاهل الغافل، حتى يكاد يرى ذلك ظلمًا، وهذا المعنى اعتراض على الله في قسمة الحظوظ بين الخلق، ومن ذلك قول ابن الراوندي الملحد: كم عاقل عاقل ضاقت معيشته … وجاهل جاهل تلقاه مرزوقًا هذا الذى ترك الأوهام حائرة … وصير العالم النحرير زنديقا إلى غير ذلك من أمثاله، وكذلك المرأة الفقيرة الحسناء ترى الحلى والجواهر على الدميمة فتتعجب وتقول: يحرم مثل هذا الجمال من الحلى والجواهر، ويخصص بذلك قبيح الصورة، ومن هنا ربما يعتقد العاقل الفقير أن الجاهل الغنى أحسن حالًا منه، كما أن الجاهل الغنى كثيرًا ما يعتقد أنه أحسن حالًا من الفقير العاقل. هذه اعتقادات ثلاثة منشؤها الجهل والغرور، وكثيرًا ما يقع التبدع به خصوصًا بين طلاب العلم في هذه الأزمان المفتونة التى لم تقصد العلوم فيها لثمراتها التى وضعت لأجلها ولا لنوال رضوان الله من أجل هذه الثمرات، بل طلبًا لحطام الدنيا وعرضها الزائل، فلا جرم أن من تحصل منهم على العلم، وله ينل بغيته يرى نفسه خاسرًا قد ضاعت عليه حياته، ويرى الجاهل الغنى خيرًا منه، ولو قصد العلم لأنَّه كمال ذاتى له يتكمل به عقله الذى امتاز به على كل مخلوق سواه لَعَلِم أنه ربح ربحًا كاملًا؛ لأن قدر العلم عظيم عند الله، عظيم عند الناس، وهو أعظم مر قدر المال بك لا قدر للمال أصلًا إلا إذا كان معه علم. (قال الإمام الغزالى): والعجب أن العاقل الفقير ربما يرى الجاهل الغنى أحسن حالًا منه، ولو قيل له: هل تؤثر جهله وغناه عوضًا عن عقلك وفقرك لامتنع عنه. والمرأة الجميلة لو خيرت بين الجمال، وبين القبح مع الغنى لآثرت الجمال، وذلك يدل على أن نعمة الله عليهما أكبر، ومن هنا كانت نعم الله على المقربين من خلقه غالبًا بأمور يتكلمون يها في أنفسهم كالعلم وكمال العقل والشجاعة والنجدة والمروءة وحسن الخُلُق والخَلْق. أما التبدع بالاعتقاد الأول فخطأ من وجهين: (الأول): أن المنعم بالجميع هو اللَّه ﵎، لا يسأل عما يفعل، فإن فعله تعالى في غاية الحكمة والسداد ومن كان كذلك فلا يتوجه عليه سؤال أصلًا،

стр. 340

وقول الفقير العاقل: يا رب لم حرمتنى الدنيا وأعطيتها الجهال كقول من أعطاه الملك فرسًا ولم يعطه غلامًا فيقول: أيها الملك لم لا تعطنى غلامًا وأنا صاحب فرس؟ فيقول الملك: كنت لا تتعجب من هذا لو لم أعطك الفرس، فهب أنى ما أعطيتك فرسًا، أصارت نعمتى إليك وسيلة وحجة تطلب بها نعمة أخرى، فمنشأ ذلك الجهل بأن العبد وأعماله وأوصافه وجميع ما بيده كل ذلك من عند الله تعالى نعمة ابتدأه بها قبل الاستحقاق. (الوجه الثانى): أنه قضت حكمة الله وتدبيره نظام ملكه أن يكون فيهم الفقير والغنى وضعيف العقل وكامله والعالم والجاهل، فإن الإنسان مدنى بالطبع يحتاج إلى الزارع والصائغ والمحترف يالحرف الدنيئة كالحداد والقصار والخياط والحجام إلى الشيال والزبال، والحرف الرفيعة كالصائغ والناسج والتاجر، فالله خلق الخلق وكل ميسر لما خلق له، فحبب الفقير ضعيف العقل في الحرف الدنيئة يعشقها ويدعوه إلى الانقطاع لها حتى لا يرى سواها. والفقير الكامل العقل يحبب إليه الحرف الشريفة فيعشقها كذلك، وقوام الفريقين الأغنياء ينتفعان بغناهم وينفعونهم بحرفهم. وأما الجاهل الغنى فهو تكملة الأقسام وفتنة العالمين، فلولا العشق لفسد العالم، ولو بسط الله الرزق لعباده وكانوا جميعًا أغنياء عقلاء لبغوا في الأرض ﴿ … وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (١). فمن الغرور أن العاقل الفقير يرى نفسه غير مرزوق، بل هو أكثر رزقًا من الجاهل الغني كما قال الإمام علي ﵁ حين قيل له: ما بال العقلاء فقراء؟ فقال: "إن عقل الرجل محسوب عليه" ومن هنا قيل: ذكاء المرء محسوب عليه، ولا يدرى هذا المغرور أنه لو جمع له بين العقل والمال جميعًا لكان ذلك بالظلم أشبه في ظاهر الحال، إذ يقول الجاهل الفقير: يا رب لم جمعت له بين العقل والغنى وحرمتنى منهما فهلا جمعتهما لي أو رزقتنى أحدهما. والذى تسكن به نفس العيد ويسلم به من خطر الزلل في هذا المقام أن يوقن بأن الله جلت قدرته فاوت بين الناس في الحظوظ ومنافع الحياة كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (٢) بمقتضى

стр. 341

حكمته البالغة وعلمه بشئون خلقه، ولو كان السبب في هذا التفاوت جهد الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في الرزق من غيره فلما رأينا الأعقل أقل نصيبًا، وأن الأجهل الأخس أوفر حظًّا، علمنا أن ذلك بسبب قسمة العليم الحكيم كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) وهذا التفاوت غير قاصر على المال، بلى هو حاصل أيضًا في العقل والحمق والصحة والسقم والحسن والقيح والذكاء والبلادة والعز والذل ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ..... ﴾ (٢). وإذا قارن المرء بين ملك كثير المال عظيم الجاه لا يستطيع تناول الأطعمة الشهية والفواكه العطرة، ولا يقوى على ركوب الجياد، وإتيان النساء، وبين فقير صحيح المزاج قوى البنية كامل القوة، لا يجد ملء بطنه طعامًا، فذلك الملك وإن كان يفضل على هذا الفقير في المال والجاه إلا أن الفقير يفضل على ذلك الملك في الصحة والقوة، وهذا باب واسع إذا نظر فيه الإنسان عظم تعجبه منه، ولكن من علم أن ذلك تقدير العزيز العليم زال تعجبه وسكنت نفسه، والله تعالى الموفق والهادى إلى سواء السبيل. ومن البدع الاعتقادية أنك ترى بعض العامة يتجرون بالكشف عن المغيبات ويوهمون البسطاء من الرجال والنساء أنهم أولياء الله، وربما أخبروا ببعض ضمائر من يحضرون عندهم، فيقع الاعتقاد بأنهم من أرباب الأحوال ومن عباد الله المقربين، مع العلم بأنهم يأتون المنكر من اختلائهم بالأجنبيات وأكل أموال الناس بالباطل. ووجه الخطأ في ذلك أن الولاية لا تكون إلا لعباد الله المتقين، وأما إخبارهم بالضمائر فسببه أمران: (الأول): أن بعض النفوس يوجد فيها استعداد خاص تتمكن به من الاستطلاع على ما تكنه نفس أخرى، فيظن أنه من طريق الإلهام. (والثانى): أن الشياطين يوحون إليهم ما يأخذونه من شياطين من يحضرون عندهم، فقد روى ابن عباس ﵄: "أن وسواس الرجل يخبر وسواس الرجل فمن ثم يفشو … " الحديث، وجاء عن عمر رضى الله تعالى عنه، أنه حدثته نفسه بشيء، ولم يظهره لأحد فوجده مع الناس فقال:

стр. 342

خرج له بالخناس، ووقع لغيره مثل ذلك (كيف) وإنا نرى هذه الحالة تقع لكثير من الكفار والزنادقة كما هم معلوم؟ ومن هذه البدع أيضًا أنك ترى كثيرًا من الناس يصدقون بكثير من الحوادث المستقبلة مثل ما يتعلق بالحروب ومستقبل الأفراد والأمم والبلاد وتنشر هذه الأباطيل في النتائج برموز خفية تقبل التفسير والحمل على كل ما تحدثه الأيام وربما يصرح بعض أرباب النتائج ببعض الحوادث المستقبلة فيظهر خطؤه. ومن بدعهم التى يُمَوِّهون بها على البسطاء أنهم يعمدون إلى كثير من الأعيان وكبار الموظفين ويأخذون لهم الطالع ثم يذكرون بنتيجته في نتائجهم وبهذا يتمكنون من اصطياد العامة وأكل الأموال بالباطل، فترى الزارع والتاجر وكل ذى بال خطير يهرع إلى هؤلاء الدجالين، ويهب له من الخير ما يضن به في أداء الواجبات، ولا يليق هذا من عاقل ذى دين، فعن صفية بنت أبى عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" رواه مسلم، وفى الحديث المشهور: "من صدق كاهنًا أو عرافًا"، وفي بعض الروإيات: "أو منجمًا فقد كفر بما أنزل على محمد": أي فإن الله تعالى يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١). رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وعن عائشة رضى الله عنها قالت: سأل رسول الله ﷺ أناس عن الكهان، فقال: "ليسوا بشيء" فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا بشيء فيكون حقًّا! فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة" متفق عليه، وفى رواية للبخارى عن عائشة ﵂، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضى في السماء فيسترق الشيطان السمع فيسمعه فيوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم". "يخطفها" بفتح الطاء: ماضيه خطف كفهم "فيقرها" هو بفتح الياء وضم القاف والراء: أي يلقيها.

стр. 343

فهذه الأحاديث صريحة في النهى عن إتيان الكهان والمنجمين والعرافين وأصحاب الرمل والطوارق بالحصى ونحو ذلك. والكاهن: هو الذى يتعاطى الخبر عن الأمور المستقبلة ويَدَّعى معرفة الأسرار فيخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضها ويخطئ أكثرها قد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن يلقى إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله وحاله، وهذا يخصونه باسم العراف كالذي يدعى معرفة الشئ المسروق من الذى سرقه ومكان الضالة ونحوها. وعلم أن المنهى منه من علوم النجوم هو ما يدعيه أهلها من معرفة الحوادث المستقبلة كنزول المطر، وهبوب الريح، وتغير الأسعار، ورقى فلان، وسقوط فلان زاعمين، "أنهم يعلمون ذلك بسير الكواكب واقترانها وظهورها في بعض الأوقات، وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه سواه، فأما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذى يعرف به الزوال وجهة القبلة، وكم مضى صت الليل والنهار، وكم بقى فإنه غير داخل في النهى. أفاده الحافظ المنذري والله تعالى أعلم. (فائدة): طال نزاع العلماء في مسألة الغيب واستئثار الله به، فمنهم من يقول: المختص به تعالى معرفة كل غيب، وأما معرفة البعض فيجوز لغيره تعالى بنحو وحى أو إلهام أو تنجيم أو زجر أو خط (رمل) وهؤلاء يجعلون الاستثناء في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١) منقطعًا، فإن الاطلاع على جميع الغيب لم يقع لرسول ولا غيره لا إجمالًا ولا تفصيلًا. (وذهب بعضهم) إلى أن المختص به تعالى علم الغيب بلا واسطة، وغيره إذا عرفه فبالواسطة قال العلامة الألوسى ما ملخصه: ولعل الحق أن يقال: إن علم الغيب المنفى عن غيره -جَلَّ وَعَلَا- هو ما كان للشخص لذاته بلا واسطة في ثبوته له، وهذا ممَّا لا يعقل لأحد من أهل السموات والأرض، وما وقع للخواص ليس من هذا العلم المنفى في شيء ضرورة أنه من الواجد أفاضه عليهم بوجه من وجوه الإفاضة

стр. 344

فلا يقال: إنهم علموا الغيب، وإنما يقال: إنهم أطلعوا (بالبناء للمفعول) على الغيب أو نحو ذلك ممَّا يفيد الواسطة في ثبوت العلم له ويؤيد ما ذكر أنه لم يجئ في القرآن الكريم نسبة علم الغيب إلى غيره تعالى أصلًا، وجاء الإظهار على الغيب لمن ارتضى سبحانه من رسول. ثم إن علم غير الغيب من المحسوسات والمعقولات، وإن كان لا يثبت يشئ من الممكنات بلا واسطة في الثبوت إلا أنه في نسبته لشئ منها لم يعتبر إلا اتصافه به غير مقيد بنفى تلك الواسطة، لما أنه لم يرد حصر ذلك العلم به ونفيه عما سواه -جَلَّ وَعَلَا- بل صرح في مواضع أكثر من أن تحصى بنسبته إلى غيره سبحانه. ولو رود منه ما ورد في علم الغيب لا التزم فيه ما التزم فيه، فليس علم العقول بالحوادث المستقبلة على ما يزعم الفلاسفة من علم الغيب، بل هو (لو سلم) علم حصل لهم من الفياض المطلق -جَلَّ شَأنهُ- بطريق من الطرف التى تقتضيها الحكمة فلا يقال: إنهم عالمون بالغيب، كذا يقال في بعض المرتاضين من المسلمين الصوفية والكفرة (الجوكية) فإن كل ما يحصل لهم من ذلك إنما هو بطريق الفيض ومراتبه لا تحصى، والتأهل له قد يكون فطريًّا وقد يكون كسبيًّا، وطرق اكتسابه متشعبة لا تكاد تستقصى، وإفاضة ذلك على كفرة المرتاضين وإن أشبهت إفاضته على المؤمنين المتقين إلا أن بين الأمرين فرقًا عظيمًا عند المحققين، وقد ذكر بعض المتصوفة أنه ما من حق إلا وقد جعل له باطل يشبهه؛ لأن الدار دار فتنة وأكثر ما فيها محنة، ويلحق يعلم المرتاضين من الجوكية علم بعض المتصوفة المنسوبين إلى الإسلام المهملين أكثر واجباته المنهمكين في ارتكاب المحظورات فلا ينبغى اعتقاد أن ذلك كرامة، بل هو نقمة مفضية إلى حسرة وندامة. وأما علم النجوم بالحوادث الكونية حسبما يزعمه فليس من هذا القبيل؛ لأن تلك الحوادث التى يخبر بها ليست من الغيب بالمعنى الذى ذكرناه، إذ هى وإن كانت غائبة عنا إلا أنها علي زعمه ممَّا نصب الها قرينة من الأوضاع الفلكية والنسب النجومية وعلمه بدلالة القرائن التى يزعمها ناشئ من التجربة وما تقتضيه طبائع النجوم والبروج التي دل عليها بزعمه اختلاف الآثار في عالم الكون والفساد، فلا أرى العلم بها إلا كعلم

стр. 345

الطبيب الحاذق، وإطلاق علم الغيب على ذلك فيه ما فيه، وإن أبيت إلا تسمية ذلك غيبًا فالعلم به لكون بواسطة الأسباب لا يكون من علم الغيب المنفى عن غيره تعالى في شيء، وكذا كل علم بخفى حصاد بواسطة سبب من الأسياب كعلمنا بالله تعالى وصفاته العلية وبالجنة والنار ونحو ذلك. (وبالجملة) علم الغيب بلا واسطة كلا أو بعضًا مخصوص بالله لا يعلمه أحد من الخلق أصلًا. انتهى. وذهب بعضهم إلى أن المختص به تعالى علم الغيب بمعنى اليقين به، أما ظنه المحتمل للخطأ فلا، فالأولياء وإن كان قد ينكشف لهم بعض الأشياء لكن علمهم لا يكون يقينيًّا وإلهامهم لا يفيد إلا أمرًا ظنيًّا، ومثل هذا، بل دونه بمراحل علم النجومى نحوه بواسطة أمارات عندهم بنزول الغيث وذكورة الحمل أو أنوثته أو نحو ذلك، ولا يعد كافرًا من يدعى هذا العلم فإنه ظن عن أمر عادى، قال في "فتح البارى" عن القرطبى: من ادعى علم شيء من الخمس المذكورة في آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ … ﴾ (١) غير مسند إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان كاذبًا في دعواه، وأما ظنّ الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادى وليس ذلك بعلم. انتهى. (وصفوة القول) أن ما عند المنجم، والرمال، والذي يضرب بالحصى، ونحوهم ليس علمًا حقيقيًّا وإنما هو ظن وتخمين مبنى على أمارات عادية كثيرًا ما تتخلف ويظر كذبهم فيها، وقد أكذبهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم، ولعل النهى عن ذلك لغلبة الكذب في كلامهم، ولإيهامهم العامة أن عدم الغيب لا يختص به تعالى بوجه من وجوه الاختصاصات السابقة وهو ما ننكره على المنجمين ونحوهم، ولذا قال العلَّامة ابن حجر في فتاويه الحديثية: تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، كذا فعله لما فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله في غيبه، وما استأثر بمعرفته، ولم يطلع عليه إلا أنبياءه ورسله. انتهى باختصار، فاغتنم هذا التحرير احفظه فإنه نفيس. فإن قيل ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ أنه سأل النبي ﷺ عن الخط، فقال: "كان نبى من الأنبياء يخط

стр. 346

فمن وافق خطه عَلِمْ"، وفيه من حديث معاوية بن الحكم ﵁ قلت: ومنا رجال يخطون، قال: "كان نبى من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"، وأيضًا من المشهورات جفر الإمام على ﵁، كتب فيه كل ما يحتاج إليه من العلم وكل ما يكون إلى يوم القيامة. وأصل الجفر ما عظم واستكرش من أولاد الشاة، يقال: جفر واستجفر وتجفر: إذا انتفخ لحمه وأكل، وهذه الأسرار العلوية كتبت في جلده، والناس إلى اليوم تأخذ علم الحوادث منه، ومن عِلْم الخط الذى دل الحديث على إباحته. أجيب: بأن الحديث محمول على أنه علق الحل بالموافقة بخط ذلك النبي وهى غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، ولم يوجد فبقى النهى على حاله؛ لأنَّه علق الحل بشرط ولم يوجد، يدل على هذا التأويل ما ورد أن نبيًّا من الأنبياء كان أمره في الخط فمن وافق خطه خط علم النبي عَلِمْ. فلو لم يؤول لوجب لمن وافق خطه أن يعلم عين الغيبات التى كان يعلمها ذلك النبي وأمر بها في خطه من الأوامر والنواهى والتحليل والتحريم فيلزم مساواته له في النبوة. وأما الجفر فقال ابن قتيبة: إنه ممَّا ادعاه الروافض عَلَى عَلِيّ ﵁، وكل ضلالاتهم يدعون أن لها أصلًا في ذلك الجفر، قال بعض الشعراء: ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم … برئت إلى الرحمن ممن تجفرا برئت إلى الرحمن من كل رافض … بصير بباب الكفر في الدين أعورا وثبت عنه كرم الله وجهه أنه قال: ما عندنا شيء أسره النبي ﷺ إلينا إلا أن يؤتى الله تعالى عبدًا فهما في كتابه وليس هذا بالتعليم، فيه ود على الروافض حيث ادعوا أنه ﷺ أسر إليه بالخلافة وغيرها، روى الشعبي عن أبي جحيفة وهب ابن عبد الله السوائي قال: "سألت عليًّا ﵁، هل عندكم من رسول الله ﷺ علم غير القرآن؟ قال: والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا من رسول الله ﷺ غير القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وإن لا يقتل مسلما بكافر" رواه غير واحد، ولفظ البخارى عن أبى جحيفة قال: "قلت لعلى ﵁: هل عندكم

стр. 347

شيء من الوحى إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا لقتل مسلم بكافر"، والعقل: الدية. وعن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر النخعى إلى على ﵁ فقلنا: هل عهد إليك رسول الله ﷺ عهدًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا إلا ما كان في كتابى هذا. فأخرج كتابًا من قراب سيفه فإذا فيه: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم، لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" رواه النَّسَائِيّ. وعباد بضم أوله وتخفيف ثانيه: القيسى الضبعي، وإنما سألوه عن ذلك لأن الشيعة كانوا يزعمون أنه ﷺ خص أهل بيته لا سيما عليًّا بأسرار من علم الوحى لم يذكرها لغيره، وقد تبين أنهم في ذلك كاذبون. ومن البدع السيئة الاعتقاد بأن انتفاع الإنسان بالأشياء يكون بحسب الظن بها، حتى لو اعتقد فيما ليس بنافع المنفعة حصل له الانتفاع به؛ وكذا يكون مقدار الانتفاع على حسب هذا الظن، ونشأ لهم هذا الاعتقاد الفاسد من حديث موضوع هو (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه) وهذا الاعتقاد أصل الفساد، وقاعدة من قواعد الخمول والخذلان، وهو مع فساده عقلًا مبنى على هذا الحديث الباطل الذى اختلقه عباد الأصنام الذين حسنوا الظن بالأحجار فساقهم حسن ظنهم إلى دار البوار، ورسول الله ﷺ برئ من هذا الحديث وممن نسبه إليه، ولكن إذا حجب إنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول ﷺ جوَّز عقله مثل هذا كما جوزه عقل المشركين نعوذ بالله من الضلال. ومن البدع الضارة اعتقاد كثير من العوام أن غسل العين التى نزل بها الرمد الصديدى بالماء يضرها، وأن كثرة الصديد بها آية برئها في نضرهم، وهذا اعتقاد فاسد كثيرًا ما يؤدى إلى ضياع العين، والواجب في مثل هذا تطهير العين دائمًا من هذا الصديد بمحلول البوريك أو برمنجانات البوتاسيوم حرصًا على سلامتها، وللعامة أيضًا في كثير من الأمراض اعتقادات سيئة يجب تحذير منها، ومنهم من يعتقد الموت بدخول

стр. 348

المستشفيات أو الخيام التى تضربها وزارة الصحة في القرى التى ينزل بها وباء (الطاعون) ولو علموا مقدار حرص الأطباء فيها على حياة المرضى لأتوها ولو حبوًا، وأقبح من هذا أن منهم من يترك معالجة نفسه قائلًا: (الطبيب الله) وهذا لا يتفق مع مشروعية التداوى الذى لا ينافى التوكل على الله في شيء، ففى حديث البخارى "قال أنس: كُويت من ذات الجنب ورسول الله ﷺ حي وشهدنى أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد بن ثابت وأبو طلحة كوانى": أي باشر الكى بيده والبقية حاضرون "وكُويت"، بضم الكاف مبنيًّا للمفعول، والأحاديث في طلب التداوى كثيرة، نسأل الله تعالى دوام العافية. الفصل العاشر في بِدَع الضِّيَافَة والوَلَائِم الضِّيافَة من المعانى الكاملة، والأخلاق الفاضلة، وأثر كمال الإيمان، ففي الصحيحين عن أبى هريرة ﵁: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليصل رحمه" وإكرامه يكون بالبشر في وجهه، وإظهار السرور له، وطيب الحديث معه، وإجلاسه في صدر المجلس، وخدمته بنفسه، وإطعامه ثلاثة أيام بقدر وسعه، ثم موادعته بلطف، وفيهما أيضًا عن أبى شريح ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته" قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه" وأول من ضيف الضيفان إبراهيم الخليل ﵇، وكان يكنى أبا الضيفان، كان إذا أراد الأكل خرج ميلًا أو ميلين يلتمس من يأكل معه، فبصدق نيته دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا، فلا تنقضى ليلة إلا ويأكل عنده جماعة من بين ثلاثة إلى عشرة إلى مائة، وقال خَدَمة الموضع القائمون بنظافته وإيقاده: إنه لم يخل إلى الآن ليلة عن ضيف. أما الضيافة اليوم فقد أصبحت ثقيلة على النفوس من شؤم البدع السيئة التى أدخلت فيها وإهمال آدابها التى لو رعيناها حق رعالتها لأنتجت الضيافة محبة وائتلافًا بين الأمة. وبدع الضيافة كثيرة نذكر طرفًا منها لتقيس عليه ما لم نذكره:

стр. 349

فمن البدع السيئة في الضيافة الإبطاء بالطعام على الضيف، فإن التعجيل بالميسور من إكرام الضيف، وقد يكون جائعًا فيؤلمه الانتظار، وإذا حضر الأكثر وغاب واحد أو اثنان من الضيفان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضرين في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير، إلا أن يكون المتأخر فقيرًا أو ينكسر قلبه بذلك، وأحد المعنيين في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (١) أنهم أ كرموا بتعجيل الطعام إليهم دل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٢) أجيد نضجه، وقوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (٣). والروغان: الذهاب بسرعة، وقيل: في خفية، قال حاتم الأصم: "العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله ﷺ إطعام الضيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب رواه أبو نعيم في "الحلية". ومنها التكلف الذى أوقع الناس فيه حب الرياء والسمعة حتى خرجوا في مآدبهم عن الحد الذى يطيقونه، وربما استدانوا لذلك. قال بعض السلف في تفسير التكلف: أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت، بل تقصد عليه زيادة في الجودة والقيمة، وناهيك ما يكون في ولائم الأعراس من الإسراف الزائد، وصنع ألوان الأطعمة، فعن ابن عمر ﵄ قال: " نهينا عن التكلف " رواه البخارى، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا هلك المتنطعون " ثلاث مرات. رواه مسلم، والتنطع: التعمق والاستقصاء، والمراد المتكلفون فوق طاقتهم. وفى الحديث: " لا تكلفوا للضيف فتبغضوه " رواه البيهقي وغيره، وفى الحديث: " يا عائشة لا تتكلفى للضيف فتمليه، ولكن أطعميه ممِّا تأكلين " رواه أبو عبد الله الشيرازى، وروى الطبرانى وأحمد عن سلمان ﵁ أنه قال: لمن استضافه لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت لكم. وكان الفضيل بن عياض ﵀ يقول: "إنما تقاطع الناس بالتكلف، يدعو أحدهم أخاه فيتكلف فيقطعه عن الرجوع إليه" رواه أبو بكر بن أبى الدنيا، وقال سلمان الفارسى ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ ألا نتكلف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدم إليه ما حضرنا"

стр. 350

رواه الخرائطى، وروى عن أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: "أنهم كانوا يقدمون لإخوانهم ما حضر من الكسر اليابسة وحشف التمر ويقولون: لا ندرى أيهما أعظم وزرًا الذى يحتقر ما قدم إليه أو الذى يحتقر ما عنده أن يقدمه" رواه صاحب "القوت والعوارف". وقد كانت أيضًا ولائم النبي ﷺ والصحابة بعيدة عن التكلف، فعن أنس ﵁ "أن النبي ﷺ أولم على صفية بتمر وسويق" رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه، وعنه أيضًا قال: "ما أولم النبي ﷺ على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة" متفق عليه، وعن أنس أيضًا: "أن النبي ﷺ رأى على عبد الرحمن بن عوف آثر صفرة فقال: "ما هذا؟ " قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: "بارك اللَّه لك، أولم ولو بشاة" رواه البخارى ومسلم وغيرهما، ومنه يستفاد أن الوليمة تكون لعد الدخول بالمرأة، والتهنئة بالزواج، والصفرة نوع من الطيب، والنواة من الذهب تساوى خمسة دراهم من الفضة، وكانت وليمة النبي ﷺ حين زفافه بعائشة ﵂ قدحًا واحدًا من لبن، فعن أسماء بنت عميس قالت: كنت صاحبة عائشة ﵂ في الليلة التى هيأتها وأدخلتها على رسول الله ﷺ ومعى نسوة قالت: فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحًا من اللبن، ثم ناول عائشة ﵂ قالت: فاستحيت الجارية، قالت: فقلت: لا تردى يد رسول الله ﷺ ، خذى منه، قالت: فأخذته منه على حياء فشربت منه، ثم قال: " ناولى صواحبك " فقلن: لا نشتهيه، فقال: "لا تجمعن جوعًا وكذبًا" قال: فقلت: يا رسول الله إن قالت إحدانا لشئ تشتهيه: لا أشتهيه أيعد ذلك كذبًا؟ فقال: "إن الكذب ليكتب حتى تكتب الكذيبة كذيبة" رواه الطبرانى في الكبير وابن أبي الدنيا. ولَمَّا عقد رسول الله ﷺ على فاطمة ابنته كان الطعام الذى أحضر النبي ﷺ للحاضرين طبقًا من بسر، ففى الحديث أنه ﷺ قال: "إن اللَّه أمرنى أن أزوج فاطمة من على بن أبى طالب، فاشهدوا أنى قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضى بذلك

стр. 351

على" (١)، ثم دعا ﷺ يطبق من بسر، ثم قال: " انتهبوا فانتهبنا " رواه الطبرانى في "الكبير" عن ابن مسعود ورجاله ثقات. والانتهاب: أخذ الجماعة الشئ على غير اعتدال، ومنه يستفاد أن الدعوة لهذا العقد كانت منه ﷺ خاصة، ولذا استقل بإحضار الطعام، فصار ذلك سنة في عقد الزواج إلى اليوم، كما استفيد منه أن السنة عدم التكلف، كما أن السنة في وليمة العرس والدعاء إليها أن يستقل بها الزوج مع عدم التكلف فيها أيضًا، ففى الحديث أن النبي ﷺ قال لما أجاب علي في خطبته فاطمة ﵄: "يا علي لابد للعرس من وليمة". قال سعد: عندى كبش وجمع له رهط من الأنصار آصعًا من ذرة، وكان في وليمته أيضًا شعير وتمر وحيس، هذا كل ما حوته وليمة سيدة نساء العالمين، وابنة خير البرايا أجمعين. وكانوا يرون أنها أفضل وليمة في زمانهم، فعن أسماء قالت: لقد أولم عَلِىّ عَلَى فاطمة فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته. وللناس اليوم في ولائم العقود والأعراس بدع وعادات كثيرة زينها لهم شيطان الهوى (وخير أمور الدين ما كان سنة، وشر الأمور المحدثات البدائع) وكيف لا يكون ذلك من قبائح البدع وقد جرَّت هذه التكلفات إلى كثير من الشرور، وأوقعت الزوجين وأهليهما في الشدة بعد الرخاء والضيق بعد السعة، وهذا ما دعا عمر رضى الله عنه إلى النهى عن التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب خشية أن يعتاده الناس فيدعوهم إلى هذه التكلفات المقوتة، فقد روى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبى سفيان يأكل ألوان الأطعمة، فقال عمر لمولى له: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمنى، فلما حضر عشاؤه أعلمه فأتاه عمر فسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقرب عشاءه فجاء بثريد لحم فأكل عمر معه منها، ثم قرب شواء فبسط يزيد يده، وكف عمر يده ثم قال: يا يزيد بن أبى سفيان أطعام بعد طعام!؟، والذى نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم.

стр. 352

خشى عمر ﵁ نظرًا لمكانة يزيد أن يقتدى به عامة الناس وخاصتهم، فينقادون لشهواتهم ويتنافسون في طيبات الأطعمة ويقعون في التكلف المنهى عنه، وإلا فأصل التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب مباح كما تقدم. ولو وقف الابتداع عند التوسع بالمآكل في الولائم لهان الخطب، ولكن الداهية العظمى التوسع فيما يمكن الاستغناء عنه من صرف الأموال للمطربين، والمضحكين، والراقصات والمغنيات، وغير ذلك من أنواع الفساد، فإن صرف المال في مثل ذلك وبال منكر (مثل): حرق الثوب أو تمزيقه وهدم البناء من غير غرض وإلقاء المال في البحر من غير موجب. (فائدة): وأما الإسراف فإن كان صرفًا للمال في أنواع الفساد فحرام مطلقًا وإن كان في جنس المباحات لكن مع المبالغة فحرام إن كان يتضرر هو أو عائلته بذلك، فمثل هذا يجب منعه والضرب على يده قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (١) منقطعًا عن المقاصد والمطالب بما جلبته على نفسك من الفقر والفاقة حتى أصبحت صفر اليدين، نزلت في رجل بالمدينة قسم جميع أمواله ولم يبق شيئًا لعياله فطولب بالنفقة فلما يقدر على شيء وقال تعالى: ﴿ … وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢) فقد نعى على التبذير وأهله بجعلهم من إخوان الشياطين، والمراد المماثلة التامة في عمل الشر، أو أنهم قرناؤهم في كفران أنعم الله التى أنعمها عليهم، فبدلًا من أن يشكروه عليها بامتثال أمره في شأنها وضعوها في غير مواضعها، فانقلبت عليهم نقمًا وكانوا في العذاب مع الشياطين ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ كثير الكفران عظيم التمرد عن الحق؛ لأنَّه مع كفره لا يفعل إلا الشر ولا يدعو إلا إليه، ولا يوسوس إلا بما لا خير فيه، وفي الحديث المرفوع: "مِنْ فِقْهِك رِفْقُك في معيشتك "، وأخرج البيهقي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة" ومعناه: أن العيشة تقوم على ركنين: الكسب والاقتصاد في الإنفاق فإذا انعدم الاقتصاد انهدمت المعيشة بسقوط أحد ركنيها فإن لم يتضرر بذلك كأن كان كثير المال فهو إسراف مكروه.

стр. 353

ومن العادات السيئة في الضيافة: تهاون الناس بأمور دينهم فيستعملون أوانى الذهب والفضة وقد اتسهت هذا الخرق وأصبح من السهل المألوف المستحسن، وواجب المضيف الابتعاد عن هذا كما أن واجب الضيف الابتعاد عن استعمال هذه الأوانى، بل ومن الجلوس في محل هذا المنكر، وإلا كان الكل آثمًا، ولا يرخص الجلوس مشاهدة هذه المنكرات، فيجب عليه التغيير فإن لم يقدر فليرحل، فلو كان في الضائفين من يتختم بالذهب لا يجوز الأكل معه ولا مجالسته. ومن منكرات الولائم أنها لا تخلو عن أولئك البعداء التعساء الذين اتخذوا المزاح حرفة لهم لإضحاك الحاضرين فإنه منكر لا يجوز حضوره وإقراره، قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا" رواه ابن أبى الدنيا من حديث أبى هريرة ﵁ بإسناد حسن، لاسيما أن مزاحهم لا يخلو عن الفحش والكذب المحرم والاستهزاء بالناس، فإن لم يشتمل على ذلك فهو محرم من أجل اتخاذه حرفة، فيجب إنكاره فإن لم يقدر على الإنكار حرم حضوره. ومن العادات غير الحسنة في الضيافة تكليف الضيف الانتقال إلى موضع مخصوص لتناول الطعام، وهذا من آثار الترف الكبرياء، يرون أن تناول الطعام لا يخلو عن امتهان وتقدير فلا يليق أن يكون بمحل المفرشات، وفاتهم أن الأدب الشرعى الذى فيه كرامة الضيف أن يجلس في موضع ثم يقرب الطعام إليه ويحمل إلى حضرته لا أن يوضع الطعام في ناحية والضيف في أخرى ثم يؤمر بالتقرب إليه، انظر إلى ما وقع من إبراهيم ﵇ مع ضيفه حيث حكى الله عنه في مقام امتداحه أنه قرب إليهم العجل لا أنه قربهم إليه. من العادات التى دخلت على الناس من الترف والكبرياء أن صاحب الضيافة يأنف من خدمة ضيفه بنفسه، ويزعم أن هذا امتهان لا يليق إلا أن يباشره خادمه، وترى الضيف يحجر على صاحب الضيافة أن يقوم ببعض خدماته إعزازًا له وإكرامًا، وربما تراجموا بينهما بالأيمان، وفاتهم أن الأدب الشرعى ألا يأنف ذو الضيافة من خدمة ضيفه، وألا يصده

стр. 354

الضيف عن مكارم الأخلاق، فعن على بن الحسين: من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أجونا الخليل إبراهيم ﵇ بنفسه وأهله حيث قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ (١) دل على خدمته بنفسه فإنه لم يقل فأمر لهم، بل هو الذى ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف، فهذا أدب خليل الرحمن وأبى الأنبياء وإمام الحنفاء الذى اتخذه الله خليلًا وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وهو شيخ الأنبياء كما سماه النبي ﷺ بذلك، فإنه ﵊ لا دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته وصورة ابنه إسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام فقال: "قاتلهم اللَّه لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام". ومن الأدب الذى اشتمل عليه ضيافة الخليل ﵇ أنه لم يستأذن ضيفه في إحضار الطعام، بل راغ إلى أهله، أي ذهب في اختفاء بحيث لم يشعر الضيف إلا وقد جئ إليهم بالطعام، والناس اليوم لغلبة الشح عليهم واستثقالهم أمر الضيافة قلما يحضرون الطعام إلا بعد الاستئذان، ويودون في أنفسهم حين الاستئذان ألا يأذن ويعتذر، وربما غلبه الحياء من طلب الطعام فيشق على نفسه. (ومن الأدب) بعد إحضار الطعام أن يتلطف صاحب الضيافة ويدعو بنفسه الضيف إلى تناول الطعام بنحو (تفضل علينا تكرم علينا بتناول الطعام) كما قال الخليل ﵇: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، فإنه عرض وتلطف في القول بخلاف (كلوا مدوا أيديكم). ومن البدع غير الحسنة توديع الضيف داخل المنزل أنفة وكبرًا، والسنة أن يرافقه إلى باب المنزل ثم يودعه، وينبغى للضيف ألا يمنع المضيف من ذلك ويقسم عليه، فعن ابن عباس ﵄: "من السنة إذا دعوت أحدًا إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج "، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار " رواه ابن ماجه وغيره، عن الشعبى ﵀: من تمام زيارة الزائر أن تمشى معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه، وعن ابن عباس ﵄: " من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له " وكان يأخذ بركاب زيد بن ثابت ﵁ فقال:

стр. 355

" أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء". ومن العادات السيئة الشبع من طعام الضيافة وغيرها، فقد نهى الله عنه في كتابه الحكيم قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) ولما في الشبع من المضار التى لا تخفى على بصير، وفى الحديث: " ما ملأ آدمى وعاءًا شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يفعل فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسِه " رواه الترمذى وقال: حسن، ورواه بلفظ آخر: "ما ملأ ابن آدم وعاءًا شرًّا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" بحسب: كافيه أو يكفيه والباء زائدة. وكان ملء البطن شرًّا لما فيه من المضار الدينية، والدنيوية، والبدنية فإنه يورث البلادة، ويعوق الذهن عن التفكير الصحيح، ويدعو إلى الكسل والنوم الكثير، زمن كثر نومه ضعف جسمه، وأضاع وقته الذى هو رأس ماله في هذه الحياة العمدية وخسر كثيرًا من مصالحه الدينية والدنيوية، قال لقمان لابنه: يا بنى إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، بخلاف الإقلال من الطعام والشراب فإنه يورث صفاء القلب، وقوة العزيمة، ونفوذ البصيرة، ونشاط الجسم، وفى ذلك ربح عظيم. وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى المقدار المناسب من الطعام والشراب هو ما يقيم الحياة، ويحفظ الصحة، ويمكن الإنسان من الانتفاع بنفسه والقيام بوظائف الحياة، وهو أن يجعل للطعام والشراب ثلثى المعدة، ويترك الثلث خاليًا ليتمكن من النفس بسهولة، ذلك أن البطن إذا امتلأت ضغطت على الحجاب الحاجز فضغط على الرئتين فضاقت مجارى التنفس الذى هو ضرورى لإصلاح الدم الفاسد وتحويله إلى دم صالح تقوم عليه حياة الإنسان، وفى الحديث دليل على ذم الشبع والإفراط في تناول الغذاء، وفيه أيضًا الحث على الاقتصاد في تناول الطعام والشراب وهو ما يطلبه الطب، ويقوم به نظام الأعمال، وتتوفر به للإنسان مصالحه الدينية والدنيوية، فالدين والعلم أخوان،
следующие страницы →