على" (١)، ثم دعا ﷺ يطبق من بسر، ثم قال: " انتهبوا فانتهبنا " رواه الطبرانى في "الكبير" عن ابن مسعود ورجاله ثقات. والانتهاب: أخذ الجماعة الشئ على غير اعتدال، ومنه يستفاد أن الدعوة لهذا العقد كانت منه ﷺ خاصة، ولذا استقل بإحضار الطعام، فصار ذلك سنة في عقد الزواج إلى اليوم، كما استفيد منه أن السنة عدم التكلف، كما أن السنة في وليمة العرس والدعاء إليها أن يستقل بها الزوج مع عدم التكلف فيها أيضًا، ففى الحديث أن النبي ﷺ قال لما أجاب علي في خطبته فاطمة ﵄: "يا علي لابد للعرس من وليمة". قال سعد: عندى كبش وجمع له رهط من الأنصار آصعًا من ذرة، وكان
في وليمته أيضًا شعير وتمر وحيس، هذا كل ما حوته وليمة سيدة نساء العالمين، وابنة خير البرايا أجمعين. وكانوا يرون أنها أفضل وليمة في زمانهم، فعن أسماء قالت: لقد أولم عَلِىّ عَلَى فاطمة فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته.
وللناس اليوم في ولائم العقود والأعراس بدع وعادات كثيرة زينها لهم شيطان الهوى (وخير أمور الدين ما كان سنة، وشر الأمور المحدثات البدائع) وكيف لا يكون ذلك من قبائح البدع وقد جرَّت هذه التكلفات إلى كثير من الشرور، وأوقعت الزوجين وأهليهما في الشدة بعد الرخاء والضيق بعد السعة، وهذا ما دعا عمر رضى الله عنه إلى النهى عن التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب خشية أن يعتاده الناس فيدعوهم إلى هذه التكلفات المقوتة، فقد روى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبى سفيان يأكل ألوان الأطعمة، فقال عمر لمولى له: إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمنى، فلما حضر عشاؤه أعلمه فأتاه عمر فسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقرب عشاءه فجاء بثريد لحم فأكل عمر معه منها، ثم قرب شواء فبسط يزيد يده، وكف عمر يده ثم قال: يا يزيد بن أبى سفيان أطعام بعد طعام!؟، والذى نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم.
стр. 352
خشى عمر ﵁ نظرًا لمكانة يزيد أن يقتدى به عامة الناس وخاصتهم، فينقادون لشهواتهم ويتنافسون في طيبات الأطعمة ويقعون في التكلف المنهى عنه، وإلا فأصل التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب مباح كما تقدم.
ولو وقف الابتداع عند التوسع بالمآكل في الولائم لهان الخطب، ولكن الداهية العظمى التوسع فيما يمكن الاستغناء عنه من صرف الأموال للمطربين، والمضحكين، والراقصات والمغنيات، وغير ذلك من أنواع الفساد، فإن صرف المال في مثل ذلك وبال منكر (مثل): حرق الثوب أو تمزيقه وهدم البناء من غير غرض وإلقاء المال في البحر من غير موجب.
(فائدة): وأما الإسراف فإن كان صرفًا للمال في أنواع الفساد فحرام مطلقًا وإن كان في جنس المباحات لكن مع المبالغة فحرام إن كان يتضرر هو أو عائلته بذلك، فمثل هذا يجب منعه والضرب على يده قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا
كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (١) منقطعًا عن المقاصد والمطالب بما جلبته على نفسك من الفقر والفاقة حتى أصبحت صفر اليدين، نزلت في رجل بالمدينة قسم جميع أمواله ولم يبق شيئًا لعياله فطولب بالنفقة فلما يقدر على شيء وقال تعالى: ﴿ … وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (٢) فقد نعى على التبذير وأهله بجعلهم من إخوان الشياطين، والمراد المماثلة التامة في عمل الشر، أو أنهم قرناؤهم في كفران أنعم الله التى أنعمها عليهم، فبدلًا من أن يشكروه عليها بامتثال أمره في شأنها وضعوها في غير مواضعها، فانقلبت عليهم نقمًا وكانوا في العذاب مع الشياطين ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ كثير الكفران عظيم التمرد عن الحق؛ لأنَّه مع كفره لا يفعل إلا الشر ولا يدعو إلا إليه، ولا يوسوس إلا بما لا خير فيه، وفي الحديث المرفوع: "مِنْ فِقْهِك رِفْقُك في معيشتك "، وأخرج البيهقي عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة" ومعناه: أن العيشة تقوم على ركنين: الكسب والاقتصاد في الإنفاق فإذا انعدم الاقتصاد انهدمت المعيشة بسقوط أحد ركنيها فإن لم يتضرر بذلك كأن كان كثير المال فهو إسراف مكروه.
стр. 353
ومن العادات السيئة في الضيافة: تهاون الناس بأمور دينهم فيستعملون أوانى الذهب والفضة وقد اتسهت هذا الخرق وأصبح من السهل المألوف المستحسن، وواجب المضيف الابتعاد عن هذا كما أن واجب الضيف الابتعاد عن استعمال هذه الأوانى، بل ومن الجلوس في محل هذا المنكر، وإلا كان الكل آثمًا، ولا يرخص الجلوس مشاهدة هذه المنكرات، فيجب عليه التغيير فإن لم يقدر فليرحل، فلو كان في الضائفين من يتختم بالذهب لا يجوز الأكل معه ولا مجالسته.
ومن منكرات الولائم أنها لا تخلو عن أولئك البعداء التعساء الذين اتخذوا المزاح حرفة لهم لإضحاك الحاضرين فإنه منكر لا يجوز حضوره وإقراره، قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا" رواه ابن أبى الدنيا من حديث أبى هريرة ﵁ بإسناد حسن، لاسيما أن مزاحهم لا يخلو عن الفحش والكذب المحرم والاستهزاء بالناس، فإن لم يشتمل
على ذلك فهو محرم من أجل اتخاذه حرفة، فيجب إنكاره فإن لم يقدر على الإنكار حرم حضوره.
ومن العادات غير الحسنة في الضيافة تكليف الضيف الانتقال إلى موضع مخصوص لتناول الطعام، وهذا من آثار الترف الكبرياء، يرون أن تناول الطعام لا يخلو عن امتهان وتقدير فلا يليق أن يكون بمحل المفرشات، وفاتهم أن الأدب الشرعى الذى فيه كرامة الضيف أن يجلس في موضع ثم يقرب الطعام إليه ويحمل إلى حضرته لا أن يوضع الطعام في ناحية والضيف في أخرى ثم يؤمر بالتقرب إليه، انظر إلى ما وقع من إبراهيم ﵇ مع ضيفه حيث حكى الله عنه في مقام امتداحه أنه قرب إليهم العجل لا أنه قربهم إليه.
من العادات التى دخلت على الناس من الترف والكبرياء أن صاحب الضيافة يأنف من خدمة ضيفه بنفسه، ويزعم أن هذا امتهان لا يليق إلا أن يباشره خادمه، وترى الضيف يحجر على صاحب الضيافة أن يقوم ببعض خدماته إعزازًا له وإكرامًا، وربما تراجموا بينهما بالأيمان، وفاتهم أن الأدب الشرعى ألا يأنف ذو الضيافة من خدمة ضيفه، وألا يصده
стр. 354
الضيف عن مكارم الأخلاق، فعن على بن الحسين: من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أجونا الخليل إبراهيم ﵇ بنفسه وأهله حيث قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ (١) دل على خدمته بنفسه فإنه لم يقل فأمر لهم، بل هو الذى ذهب وجاء به بنفسه ولم يبعثه مع خادمه، وهذا أبلغ في إكرام الضيف، فهذا أدب خليل الرحمن وأبى الأنبياء وإمام الحنفاء الذى اتخذه الله خليلًا وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وهو شيخ الأنبياء كما سماه النبي ﷺ بذلك، فإنه ﵊ لا دخل الكعبة وجد المشركين قد صوروا فيها صورته وصورة ابنه إسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام فقال: "قاتلهم اللَّه لقد علموا أن شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام".
ومن الأدب الذى اشتمل عليه ضيافة الخليل ﵇ أنه لم يستأذن ضيفه في إحضار الطعام، بل راغ إلى أهله، أي ذهب في اختفاء بحيث لم يشعر الضيف
إلا وقد جئ إليهم بالطعام، والناس اليوم لغلبة الشح عليهم واستثقالهم أمر الضيافة قلما يحضرون الطعام إلا بعد الاستئذان، ويودون في أنفسهم حين الاستئذان ألا يأذن ويعتذر، وربما غلبه الحياء من طلب الطعام فيشق على نفسه.
(ومن الأدب) بعد إحضار الطعام أن يتلطف صاحب الضيافة ويدعو بنفسه الضيف إلى تناول الطعام بنحو (تفضل علينا تكرم علينا بتناول الطعام) كما قال الخليل ﵇: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، فإنه عرض وتلطف في القول بخلاف (كلوا مدوا أيديكم).
ومن البدع غير الحسنة توديع الضيف داخل المنزل أنفة وكبرًا، والسنة أن يرافقه إلى باب المنزل ثم يودعه، وينبغى للضيف ألا يمنع المضيف من ذلك ويقسم عليه، فعن ابن عباس ﵄: "من السنة إذا دعوت أحدًا إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج "، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار " رواه ابن ماجه وغيره، عن الشعبى ﵀: من تمام زيارة الزائر أن تمشى معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه، وعن ابن عباس ﵄: " من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له " وكان يأخذ بركاب زيد بن ثابت ﵁ فقال:
стр. 355
" أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنا هكذا نصنع بالعلماء".
ومن العادات السيئة الشبع من طعام الضيافة وغيرها، فقد نهى الله عنه في كتابه الحكيم قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) ولما في الشبع من المضار التى لا تخفى على بصير، وفى الحديث: " ما ملأ آدمى وعاءًا شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يفعل فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسِه " رواه الترمذى وقال: حسن، ورواه بلفظ آخر: "ما ملأ ابن آدم وعاءًا شرًّا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" بحسب: كافيه أو يكفيه والباء زائدة. وكان ملء البطن شرًّا لما فيه من المضار الدينية، والدنيوية، والبدنية فإنه يورث البلادة، ويعوق الذهن عن التفكير الصحيح، ويدعو إلى الكسل والنوم
الكثير، زمن كثر نومه ضعف جسمه، وأضاع وقته الذى هو رأس ماله في هذه الحياة العمدية وخسر كثيرًا من مصالحه الدينية والدنيوية، قال لقمان لابنه: يا بنى إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، بخلاف الإقلال من الطعام والشراب فإنه يورث صفاء القلب، وقوة العزيمة، ونفوذ البصيرة، ونشاط الجسم، وفى ذلك ربح عظيم.
وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى المقدار المناسب من الطعام والشراب هو ما يقيم الحياة، ويحفظ الصحة، ويمكن الإنسان من الانتفاع بنفسه والقيام بوظائف الحياة، وهو أن يجعل للطعام والشراب ثلثى المعدة، ويترك الثلث خاليًا ليتمكن من النفس بسهولة، ذلك أن البطن إذا امتلأت ضغطت على الحجاب الحاجز فضغط على الرئتين فضاقت مجارى التنفس الذى هو ضرورى لإصلاح الدم الفاسد وتحويله إلى دم صالح تقوم عليه حياة الإنسان، وفى الحديث دليل على ذم الشبع والإفراط في تناول الغذاء، وفيه أيضًا الحث على الاقتصاد في تناول الطعام والشراب وهو ما يطلبه الطب، ويقوم به نظام الأعمال، وتتوفر به للإنسان مصالحه الدينية والدنيوية، فالدين والعلم أخوان،
стр. 356
والجهل هو الذى يفرق بينهما، وقالت عائشة لرضى الله عنها: " أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم فضعفت قلوبهم وجمحت شهواتهم " رواه البخارى في كتاب الضعفاء، وهو صريح في أن الشبع بدعة محدثة، وسمن من باب طرب، وجمح بابه خضع.
(ومن العادات السيئة) انفراد كل من الحاضرين بآنية يأكل فيها ولا يجتمعون في الأكل من إناء واحد، وهذه العادة القبيحة انتشرت بين الأغنياء اليوم وسرت إليهم من تقليد الأجانب، وقد جاءت الشريعة بخلافها، فعن عمر ﵁ مرفوعًا: "كلوا جميعًا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة" رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد حسن، وفى الحديث: "خير الطعام ما كثرت عليه الأيدى" رواه ابن حبان، والناس اليوم يرون أن أهنأ طعام وألطفه ما قلت عليه الأيدى؛ فلهذا حرموا بركة الاجتماع على الطعام، فعن وحشى بن حرب ﵁: أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: " فلعلكم تفترقون على طعامكم" قالوا: نعم، قال: " فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم اللَّه يبارك
لكم فيه" رواه أبو داود بإسناد حسن، فانظر كيف حسن الشيطان للمترفين أن يستقذر كل واحد أخاه فلا يتناول الطعام معه من إناء واحد ويوهمه أنه ربما كان به داء معه لو شاركه يصيبه.
(وجملة القول) أن السنة تكثير الأيدى على الضعاء لو من أهله وخادمه فإن اجتماع الأنفاس وعظم الجمع من الأسباب التى نصبها الله سبحانه مفضية لفيض الرحمة ونزول غيث النعمة، وأن لاجتماع الأيدى على الطعام الواحد مزايا لا يستهان بها.
(منها): أنه مظهر من مظاهر الأنس والاتحاد، وأن هذه الأيدى المتعددة كأنها يد واحدة، ولذا ترى العامة إذا أرادوا الصفاء والوئام وتناسى الأحقاد والضغائن يتناولون الطعام من إناء واحد ليكون هذا شبه عقد مبايعة بينهم على الإخاء والصفاء، وألا يخون أحدهم صاحبه، حتى لو أخل أحدهم بحق الآخر ينعى عليه قائلًا: نحن أكلنا جميعًا (عيشًا وملحًا) حتى شرار اللصوص والفسقة لا يخونون من أكلوا عيشه، بل إذا اتفق
стр. 357
لأحد أنه تناول الطعام مع آخر في إناء واحد، ورأى منه ما لا يحب يعيره بعدم قيامه بحق العيش والملح.
(ومنها): أن الاجتماع على الطعاء مظهر عظيم من مظاهر الإنسانية، ولذلك ترى غير الإنسان من البهائم والطيور مثلًا قلما يتفق مع آخر حين تناول الطعام، بك يقع بينهما التنازع حرصًا على الانفراد بالمأكول فيكون اجتماع الأيدى مع هذا مظهرًا من مظاهر القناعة وعدم الحرص وكمال العقل.
(ومنها): تعويد النفس على احترام الغير، وتنزيل الناس منازلهم، وعلى رحمة المتبوع والرؤساء برعاياهم، فإن السنة أن لا يبتدئ الطعام ومعه من يستحق أن يبتدئه لكبر سن أو زيادة فضل.
(ومنها): تعويد النفس على حب المساواة وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وحملها على الابتعاد عن الظلم، فإن السنة أن يرفق كل واحد بأخيه فلا يقصد أن يأكل زيادة على ما يأكله، فإن ذلك منهى عنه إن لم يكن موافقًا لرضا رفيقه مهما كان الطعام مشتركًا، فإن لكل منهما حقًّا لا يتعداه فلا يأكل لقمتين أو تمرتين دفعة واحدة فإن في ذلك إجحافًا بالرفقاء إلا إذا علم رضا الجميع (وهيهات أن يكون) خصوصًا إذا كان الطعام شهيًّا.
فعن جبلة بن سحيم قال: " أصابنا عام سنة مع ابن الزبير فرزقنا تمرًا، وكان عبد الله بن عمر يمر بنا ونحن نأكل فيقول: لا تقارنوا فإن النبي ﷺ نهى عن القران ثم يقول: إلا أن يستأذن الرجل أخاه " متفق عليه، عام سنة: أي عام قحط وجدب.
(ومنها): أن في هذا الاجتماع تذكيرًا للمطلوب أول الأكل من البسملة وآخره من الحمدلة فقد ينسيه الشيطان ذلك فيذكره أخوه أو يقوم مقامه.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذ أكل أحدكم فليذكر اسم اللَّه تعالى فإن نسى أن يذكر اللَّه تعالى في أوله فليقل: بسم اللَّه أوله وآخره" رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، فبمثل هذه الأسرار يتغيظ الشيطان إذا رأى هذه المظاهر فيفر ويتباعد عن الاجتماع، فهنالك تقع البركة في الطعام، عرف ذلك الشيطان فأخذ يكيد للناس فقتى لهم مواطن البركات وبدلها لهم ببدع وخيمة،
стр. 358
ومن كان على بصيرة بمحاسن الشريعة الغراء لا يغيب عنه مكامن السوء التى يكيد بها الشيطان لعباد الله تعالى، وبالله التوفيق.
الفصل الحادي عشر في بِدَع العَاشَرَة والعَادَات
تقدم لك في تعريف البدعة ما يفيد الخلاف في الابتداع في العادات، وتقدم أيضًا في الوجه السادس من الفصل الثالث في تقسيم البدعة اختلاف الأنظار في الابتداع في العاديات، وأن المختار عند البعض إمكانه ووقوعه وتقدم تحقيق القول في ذلك، وهنا نذكر لك شيئًا ممَّا حدث في المعاشرة العادات فنقول:
اعلم أن المعاشرة خاصة وعامة، ولكل منهما حقوق وآداب إذا حافظ الناس عليها عاشوا في صفاء ورخاء، وإن أهملوها وقعوا في كدر وبلاء، وإذا علمت هذه الحقوق والآداب انكشف لك أن الناس اليوم قد أهملوا أمرها واشتروا الضلالة بالهدى، فساءت حالهم في معاشرتهم ومعاملاتهم، وأصبح من يحافظ على شيء من حقوق العاشرة وآدابها في نظر الجمهور مبتدعًا متنطعًا في أموره متشددًا في دينه نعوذ بالله من قلب الحقائق.
فمن هذه العادات تهاون الناس بحقوق الصحية والأخوة، مثل المواساة بالمال والقيام بقضاء الحوائج، وقد كان في السلف الصالح من يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم، ويتردد إليهم، ويمونهم من ماله فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب أخيه يقول: هل لكم ملح؟ هل لكم حاجة؟ وكان يقوم بها من حيث لا يعرفه أخوه عاملين بقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) مقتدين بسنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فعن ابمت عمر ﵄ أن رسول لله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة" متفق عليه، وروى "أنه جاء رجل إلى أبى هريرة ﵁ وقال: إنى أريد أن أواخيك في الله، فقال: أتدرى ما حق الإخاء؟ قال: عرفنى،
стр. 359
قال:
ألا تكون أحق بدينارك ودرهمك منى، قال: لم أصل إلى هذه المنزلة بعد قال: فاذهب عني ".
وممَّا أساءوا به الصحبة إفشاء الأسرار وذكر عيوب الإخوان وعدم العفو عن الزلات والهفوات التى قلما يسلم إنسان منها، فهذا ليس من الوفاء والإخلاص في شيء، فعن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" متفق عليه، زاد في رواية لمسلم: " وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ". والأسرار أمانة وإفشاؤها خيانة.
ومن العادات السيئة في المعاشرة محبة الناس مجالسة الأمراء، ومخالطة الأغنياء وكراهتهم مودة المساكين الخاشعين لجلال الله تعالى حتى صار غالب الناس يسترذل الفقراء وينفر لرؤيتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١) إسرافًا.
وعن أبى هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " إنه ليأتى الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة " متفق عليه، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : " رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللَّه لأبره " رواه مسلم وكان ﵊ يقول: " اللهم أحينى مسكينًا وأمتنى مسكينًا واحشرنى في زمرة المساكين " رواه الترمذى في الزهد من جامعه والبيهقى في " الشعب "، وكان سليمان ﵇ في ملكه إذا دخل المسجد فرأى مسكينًا جلس إليه وقال: مسكين جالس مسكينًا.
ومن البدع تهاون الناس بحقوق العلماء والصلحاء الذين لهم قدم في الدين، فقد جاءت السنة الشريفة بتوقير العلماء وتكريم الأتقياء، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵄ قال: وال رسول الله ﷺ : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا" رواه أبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح، وفى رواية أبي داود: " حق كبيرنا "، وعن عائشة ﵂ قالت: " أمرنا رسول الله -صلى الله عليه
стр. 360
وسلم- أن ننزل الناس منازلهم " ذكره الحاكم وقال: حديث صحيح، وذكره
مسلم في أول صحيحه تعليقًا، وعن أبى سعيد سمرة بن جندب ﵁ قال: "لقد كنت على عهد رسول الله ﷺ غلامًا فكنت أحفظ عنه فما يمنعنى من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن منى" متقق عليه، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أكرم شاب شيخًا لسنه إلا قيض اللَّه له من يكرمه عند سنه " رواه الترمذى وقال: حديث غريب، والغرابة لا تنافى الصحة عند علماء الحديث، وعن ابن عمر ﵄ قال: " قبلنا يد النبي ﷺ "، وعن كعب بن مالك قال: " لما نزلت توبتى أتيت النبي ﷺ فقبلت يده "، وروى الحاكم من حديث بريدة وقال: صحيح الإسناد "أن أعرابيًّا قال: يا سول الله ائذن لي فأقبل رأسك ورجليك، فأذن له ففعل"، ولما دخل عمر الشام تلقاه النالم وعظماء أهل الأرض فقال عمر: أين أخى؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه نزل فاعتنقه وقبل أبو عبيدة يده رضى الله عنهما وعن الصحابة: القرابة أجمعين، وسبق أن ابن عباس ﵄ أخذ بركاب زيد بن ثابت، وأخذ عمر أيضًا بركاب زيد المذكور وقال: هكذا فافعلوا بعلمائكم، وأصحاب زيد قيام ينظرون.
ومن العادات السيئة في المعاشرة تهاون الناس بالتحية الشرعية (السلام) يمر الرجل بأخيه فيحييه من بعد بنحو (نهارك سعيد) أو يشير كل منهما بيده نحو رأسه ساكتًا، وكثيرًا ما يكون مع ذلك انحناء الرأس، وربما وصل إلى حد الركوع وأقبح من ذلك عادة أخرى وهى ترك التسنيم عند لقاء المسلم إلا إذا كان بينهما معرفة، وتركه أيضًا إذا دخل الإنسان منزله على أهله أو منزل غيره، وكذا تركه إذا مر بصبيان، فكل ذلك خلاف السنة، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١) خيريته فتعملون به و ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: تستأذنوا فيقول الواحد: السلام عليكم أأدخل؟ كما ورد في حديث، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (٢) كثيرة الخير يثاب عليها وقال تعالى:
стр. 361
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١) بأن تقولوا له: (عليك السلام، ورحمة الله، أو تقولوا له كما قال: أي الواجب
أحدهما الأول أفضل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله تعالى عنهما أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" متفق عليه، رعن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لما خلق اللَّه آدم ﵊ قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللَّه فزادوه ورحمة اللَّه " متفق عليه، وفى حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" رواه مسلم، وعن أنس رضى الله عنه: خدمت النبي ﷺ ثمانى حجج فقال لي: " يا أنس أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيته من أمتى تكثر حسناتك، وإذا دخلت منزلك فسلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك " وللترمذى وصححه: " إذا دخلت على أهل بيتك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك "، وروى البيهقي: " إذا دخلتم بيتًا فسلموا على أهله، فإذا خرجتم فأودعوا أهله بالسلام "، وهذا أعم من أن يكون بيته أو بيت غيره.
ومنه يؤخذ بدعة ترك التسليم أيضًا عند مفارقة منزله وأنَّه خلاف السنة كترك المصافحة وبشاشة الوجه عند اللقاء، فإن ذلك مستحب لكن لا مع الانحناء، فعن أبى الخطاب قتادة قال: قلت لأنس: "أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم" رواه البخاري، وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا" رواه أبو داود وهو صريح في طلب المصافحة عند اللقاء لا عقب الصلاة في المسجد، وعن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحنى له؟ قال: " لا ". قال: أفيلتزمه ويقبله؟
стр. 362
قال: " لا". قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: " نعم" رواه الترمذى وقال: حديث حسن، وعن أبى ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " لا تحتقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق " رواه مسلم. وعلى الجملة فتمام التحية بالمصافحة عند اللقاء، ولذا قال الحسن: المصافحة تزيد في الود، وعن أنس ﵁
قال: مر علينا النبي ﷺ ونحن نلعب فقال: "السلام عليكم يا صبيان"، وروى فعل ذلك عن كثير من الصحابة ﵃ أجمعين. ﷺ
ومن خلاف السنة في المعاشرة عدم الاهتمام بعيادة المرضى وتشييع الميت والصلاة عليه، وحضور دفنه، الدعاء له بعد دفنه عند قبره من إخوانه المسلمين، والسنة العناية بأمرها، فعن البراء بن عازب ﵄ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعى، وإفشاء السلام" متفق عليه.
ولعيادة المريض آداب أغفلها الناس اليوم، منها أن تكون بعد ثلاث، وأن تكون الجلسة عنده خفيفة إلا إذا كان يأنس به، وإظهار الرقة للمريض والدعاء له بالعافية، وألا يتطلع إلى ما في موضعه من أمتعة المنزل، ولا يرفع بصره إلى جانب الموضع، فإن هذا قد يكدر خاطر المريض، وألا يأكل ولا يشرب عنده، إلا كان ذلك حظه من العيادة، وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأَل" رواه أبو داود، قال النووى: قال الشافعى ﵀: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن وإن ختموا القرآن كله كان حسنًا. انتهى.
ومن خلاف السنة في المعاشرة عدم الاهتمام بأمر المسلمين عند نزول الشدائد بهم بنحو حريق أو حرب، فترى الكثير من الناس مع علمه بتلك الشدائد التى نزلت بإخوانه هادئ البال غير حزين مما أصاب إخوانه لا يهمه إلا أن يكون الشر بعيدًا عنه، ويقبض يده عن مساعدتهم وهو قادر عليها ويراها ثقيلة إذا دعى إليها.
(كما أن من العادات السيئة):
стр. 363
عدم العناية بإدخال السرور على أخيه، بل ربما يؤلمه أن يرى أخاه في هناء، فترى كثيرًا من أرباب المناصب الرفيعة القادرين على منافع العباد وقضاء حوائجهم يتألمون من التجاء ذوى الضرورات إليهم، وربما لا يسعون في قضائها إلا لفائدة تعود عليهما، أما سعيهم في حاجة الناس لمحض وجه الله فلا. روى الطبرانى في "الأوسط" من حديث حذيفة ﵁: " من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمس ناصحًا للَّه ورسوله ولكتابه ولإمامه وأئمة المسلمين فليس منهم "، وفى حديث أبى هريرة: " واللَّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " رواه مسلم.
ومن العادات السيئة في المعاشرة الترفع عند تناول الطعاء عن مشاركة الزوجة أو المملوك أو الخادم، بل يترك الخادم واقفًا ينظر إليه. كل ذلك خلاف السنة، فإن السنة جاءت بتكثير الأيدى على الطعام، والرفق بالمملوك والخادم، قد كان النبي ﷺ يأكل مع خادمه ويزوره في بيته جبرًا لخاطره وخاطر أهله.
(ومنها): احتقار الناس والسخرية بهم ولا يدرى الإنسان لعل من يهزأ به خير منه وإن كان فاسقًا، فقد يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (١)، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" رواه مسلم.
ومن البدع السيئة أوراق اليانصيب وهى تلك الأوراق التى جرت بعض الجمعيات على توزيعها على الأمة بثمن معين لكل ورقة، على أن يكون جزء من ثمن البيع من تلك الأوراق للجمعية والجزء الآخر للنمر الرابحة، وقد كانت الجمعيات تصدر ما شاءت من هذه الأوراق حتى كثرت أضرارها فنظمتها الحكومة أخيرًا تنظيمًا قلل من أضرارها، والقصد الأصلى من هذا العمل هو الصرف على بعض الأعمال الخيرية كتعليم أبناء الفقراء والإنفاق على البائسين وإقامة دور العلاج ولكن توسع الناس فيها حتى صارت تعمل في كثير من الشئون وهى -مهما نظمت ومهما كان القصد منها- نوع من أنواع الميسر (القمار) وهو حرام؛
стр. 364
لأن طريقة اليانصيب عند التأمل البسيط تكاد تتفق والطريقة التى كان يفعلها العرب في الجاهلية بالأقداح.
وهى أنه كانت لهم أقداح هى الأزلام، والأقلام الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس (ككتف) والمسبل، والمعلى، والنافس، والمنيح، والسفيح، والوغد، يجعلون لكل واحد منها نصيبًا معلومًا من جزور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين، ولا يجعلون لثلاثة منها نصيبًا، ثم يضعون الأقداح في الربابة وهى خريطة، ويضعونها على يد عدل منهم، ثم يهزها ويدخل يده فيخرج باسم رجل قِدْحًا منها، فمن خرج له قِدْحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم
به، ومن خرج له قدح ممَّا لا نصيب له لم يأخذ شيئًا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يشترك فيه.
وقد نعى الله عليهم هذا نهى عنه وإن كان فيه نفع، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا … ﴾ (١) والميسر: القمار من اليسر بمعنى السهولة، والإثم: الضرر والمفسدة، ومنافع الخمر لدى الناس أهمها أنها مورد كبير للثروة، ومن منافع الميسر مواساة الفقراء كما علمت من عادة العرب، ومنها سرور الرابح، وصيرورته غنيًّا من غير تعب وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢). والأنصاب: حجارة كانت العرب تعبدها وتذبح عليها، والأزلام: أقداح، أي قطع رقيقة من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية لأجل التفاؤل أو التشاؤم، وأما الرجس: فهو المستقذر حسًّا أو معنى.
فأنت ترى أن الله تعالى حرم اليسر لأنَّه أخذ مال الغير بيسر وسهولة من غير كد ولا عناء لما في ذلك من الإضرار بصاحب المال، وما ينجم عنه من خصومات ومنازعات، وقد تؤدى إلى سفك الدماء، ولم يعتبر -جَلَّ شأْنهُ- ما في بعض طرق الميسر من نفع؛ لأن القاعدة التى يقرها الشرع
стр. 365
ويقبلها العقل هى الموازنة في كل أمر بين النفع والضرر فما كان ضرره أكثر من نفعه حرم، والميسر ومن هذا القبيل.
وأراق اليانصيب ميسر اشتمل على منفعة ومضرة، وضرره عند التأمل أكثر من نفعه، وقد يكون في بعض صوره من شر أنواع القمار إذا دخله غش، وكثيرًا ما يكون ذلك، ونفع الفقراء ميسور وغير متوقف على هذه الطريقة الخبيثة، إذ في استطاعة ذوى اليسار من الشعب مديد المساعدة للبؤساء من غير مقامرة، بل نفس الشعب يسهل عليه الاكتتاب، ودفع ثمن تلك الأوراق من غير حاجة إلى المخاطرة
بالمال، وهذا يجعل الدفع لوجه الله دون قصد الربح من وراء ذلك، وهى طريقة الإحسان. أما شراء الأوراق الحاصل اليوم فليس من باب البر والإحسان؛ لأن الباعث عليه هو الربح، وهذا يبعده عن كل أنواع البر، على أن المسلمين في غنى عن هذه الطرق الخبيثة جميعها إذا عملوا بدينهم وأدوا زكاة الأموال التى من مصارفها البؤساء والفقراء.
وخلاصة القول أن عمل اليانصيب هو من عمل الميسر الذى حرمه الله ورسوله ﷺ ، فلا يجوز شراء هذه الأوراق ولا بيعها، والربح الناشئ عنها ربح خبيث لا يحل لصاحبه الانتفاع به وأن ترخيص وزارة الداخلية به لا ينقله من الحرمة إلى الحل في نظر الشريعة ولا ينجى المتعاملين به من العقوبة يوم لا ينفع مال ولا بنون، وحسب الجمعيات الخيرية أن تقوم بما تستطيع من أعمال البر من غير أن تتعرض أعضاؤها لغضب الله في سبيل جمع الأموال من هذا الوجه المحرم شرعًا إذ أنه نصب واحتيال مقرر بالقوانين الوضعية وليس من البر في شيء والله الهادى إلى سواء السبيل.
ومن البدع السيئة في المعاشرة والعادات تساهل المسلمين في مخالطتهم للأجانب حتى استحسنوا كل ما هم عليه من ملبس ومأكل، وتشبهوا بهم في مراسمهم وعاداتهما وعدوا ذلك من دواعى التقدم، ونسوا أن الدين الحنيف هو دين الفطرة والسماحة ودين الرقي الصحيح وسبيل العمران، ولو وقفوا على مآثر سلفنا من وراء تمسكهم بدينهم لوجدوا ما هو خير ممَّا يعجبون به، ولو كان للسلف أدنى عناية بهذه الزخارف التى ظهرت على
стр. 366
يد الغربيين لحازوا بها قصب السبق، ولكنهم رأوا أن السعادة في الدنيا والآخرة إنما هى في الاهتمام بأمر الدين.
أما الدنيا فجعل أمرها يرجع إلى شهوة حيوانية، فصرفوا عنان همتهم إلى ما تسمو به مداركهم وعقولهم وهو ما به امتاز الإنسان عن الحمار والفرس.
والحمد لله قد بلغوا بقوة العزيمة والإيمان الصحيح الغاية المقصودة حتى ذلت لهم رقاب الجبابرة ودانت لهم مقاليد الفراعنة، ولم يلههم عن القيام بواجبهم اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد، ولكن خلف من بعدهم خلف أضاعوا آثارهم وجهلوا حسناتهم، وعموا بهذه الأباطيل عن رؤية محاسنهم ومحاسن دينهم الذى ارتضاه لعباده الله الذى يعلم السر وأخفى.
فمما نشأ من مخالطة المسلمين للأجانب تلك البدعة الممقوتة وهى تقليدهم لهم في الأخلاق والعادات زاعمين أن في ذلك الرقى كل الرقى، ولو أنصفوا الحقيقة لعلموا أنه لا سبيل إلى الرقى والتقدم سوى الأخلاق الحسنة؛ والعلم الصحيح مصحوبًا بالعمل النافع المبنى على الحكمة والروية، ولكنها الشهوات تغلبت على العقول، وحب التقليد الأعمى استولى على المشاعر، حتى فتنوا باعتناق عادات الأجانب، ومنشأ ذلك ما يرونه من قوة الأجنبى وضعفهم، وتلك سنة الله تعالى في كل أمة أهملت أمر دينها ومالت إلى الملاذ والشهوات حتى ضعفت فاستكانت، ولقد كثر في هذا الزمان المفتون زمان التجديد (على ما يزعمون) خوض الناس في هذه المسائل الثلاث:
أولًا: لبس القبعة.
ثانيًا: تزويج المسلمة بغير المسلم.
ثالثًا: تسوية الذكر بالأنثى في الميراث، وأن بعض اللادينيين يرى أن ذلك لا بأس به، بل يعده حسنًا.
فإلى من يعنيهم أمر الحق ويهمهم شأن دينهم القويم الذى هو على الحقيقة سبيل الفلاح ومعراج الرقى الصحيح نوجه هذه النصائح لنكون قد أدينا الأمانة وخرجنا من تبعة الكتمان.
حكم لبس القبعة في الإسلام: قد كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يكره لأمته موافقة الكفار في عاداتهم وأزيائهما لا في أمورهم الدينية فقط.
стр. 367
فقد كان وهو بالمدينة يأمر بمخالفة أهل الكتاب (اليهود والنصارى) كما أمر بصبغ الشيب لأنهم لم يكونوا يصبغون، ففى الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ". أمر بالصبغ مخالفة لهم إذ كان تركه إذ ذاك من شعارهم، وهو يقتضى أن يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع، والمأمور به صبغ الشعر بغير السواد، أما هو فلا إلا في الجهاد كما تقدم، وروى أحمد وابن ماجه والطبرانى عن أبى أمامة رضى الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال ﷺ : " تسرولوا وأْتزروا وخالفوا أهل الكتاب ": أي فأمر صلوات الله وسلامه عليه بالجمع بين الأمرين ولم يأمر بترك السراويل ألبتة لمخالفتهم.
إذ الغرض أن يكون للمسلمين مشخصات من العادات خاصة بهما، ولا يكونوا مقلدين؛ لأن الاستقلال في العادات وغيرها ممَّا يعد من مميزات الأمم التى تعرف بها، يزيد استقلال الأمة قوة ورسوخًا في مقوماتها الملية كالدين، واللغة، الآداب ما يسمونه (الثقافة القومية) ولذا كان عمر ﵁ يوصى قواده الفاتحين لبلاد الأعاجم وعماله فيها بالمحافظة على عادات العرب وزيها وينهاهم عن التشبه بالأعاجم، وفى الحديث: " ليس منا من تشبه بغيرنا " ذكره الحافظ ابن حجر الذى كان يسمى أمير المؤمنين في الحديث نقلًا عن الحافظ الترمذى، ويا ويل من تبرأ منه الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، وقال صلوات الله وسلامه عليه: "من تشبه بقوم فهو منهم" حديث حسن رواه ابن رسلان وأبو داود عن ابن عمر والطبراني في "الأوسط" عن حذيفة، وهو صريح في أن من تشبه من المسلمين بغيره في لبسه الخاص به فهو على طريقته اعتقادًا أو عملًا.
فمن لبس القبعة ميلًا إلى دينهم أو استخفافًا بدينه فهو كافر بإجماع المسلمين، ومن لبسها تشبهًا فإن اقترن بها ما هو من شعائر دينهم كدخول كنيسة فهو كافر أيضًا، وإن لم يقترن بها ذلك فهو آثم، قال الحافظ
стр. 368
ابن تيمية محقق الحنابلة في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" بعد أن حقق أن هذا الحديث ثابت جيد الإسناد ما نصه: هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضى تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضى كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى: ﴿ … وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ … ﴾ (١) وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أنه قال: " من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة ". انتهى.
وجملة الكلام أن هذه الأحاديث الثلاثة يكفى كل واحد منها وحده لإثبات المقصود هو حرمة موافقة المسلمين لغيرهم فيما هو من خصائصهم، ولا ريب أن منها لبس القبعة، قد آفاد الحافظ ابن تيمية أن الأمة مجمعة على النهى عن الموافقة المذكورة فارجع إليه إن شئت، وإليك نصوص المذاهب الأربعة لتعلم أن الأئمة الأربعة ﵄ متفقون على تحريم لبس القبعة ويطمئن قلبك ويزداد يقينك
في ذلك. في معين المفتى من كتب الحنفية ما نصه: من تشبه بالكفار عمدًا أو تزيَّا بزي النصارى، أو تزنر بزنارهم، أو تقلنس بقلنسوة المجوس يكفر. انتهى. وقيده أبو السعود والحموي رحمهما الله تعالى بأنه محمول على ما إذا أراد الاستخفاف بالإسلام، أما إذا لم يقصد ذلك فهو آثم فقط.
وقال العلامة ابن حجر الهيتمى الشافعى في كتابه "الإعلام بقواطع الإسلام" ما نصه: وحيث لبس زى الكفار سواء دخل دار الحرب أم لا بنية الرضا بدينهم، أو الميل إليه أو تهاونًا كفر. انتهى.
وفى فتاوى الشهاب الرملى الشافعى سُئِل عن التزيى بزى الكفار: هل هو ردة أو لا فيحرم فقط؟ فأجاب: بأن الراجح أنه ليس بردة، بل يأثم العامد العالم بتحريمه. انتهى. وهو محمول على لبسه بغير نية الرضا، أما إذا لبسه بنية الرضا أو الميل إلى دينهم، أو تهاونًا بالإسلام فإنه يكفر.
وفى مختصر الشيخ خليل وشرحه للشيخ عبد الباقى المالكيين في باب الردة: كفر المسلم بصريح كقوله العزير ابن الله، أو لفظ يقتضيه كقوله الله جسم متحيز أو فعل يتضمنه، ثم ذكر من أمثلة الفعل شد الزُّنَّار ونحوه ممَّا يختص بالكفار كلبس برنيطة نصرانى، وطرطور يهودى إن سعى
стр. 369
بذلك للكنيسة ونحوها. انتهى.
قال البناني المالكي: ومحل كلام المصنف إن فعل ذلك محبة في الزى وميلًا لأهله وأما إن فعله بغير ذلك فهو حرام إلا أنه لا ينتهى للكفر.
وفى "الانتصار" من كتب الحنابلة ما نصه: من تزيَّا بزى الكفار من لبس غيار أو شد زنار، أو تعليق صليب بصدره حرم، وميل كلام بعضهم إلى الكفر.
هذه نصوص علماء المذاهب الأربعة المعمول بها، وقد عرفت أنها مجمعة على تحريم لبس القبعة عند عدم الميل إلى دين أصحابها، وعدم قصد الاستخفاف بدين الإسلام، وعلى الكفر عند ذلك فكيف يسوغ لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر استباحة لبسها بعد ما تبين له الرشد من الغى وظهر له الحق من الباطل تمسكًا بشبه هى ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ … ﴾ (١).
من ذا الذى يا قوم لا يعد من السفه ترك زيه القومى إلى زى قوم قد يفضى حبنا لتقليدهم إلى ذهاب قوميتنا، وفناء شخصيتنا في شخصيتهم، شأن الضعيف الذى يسارع في هوى القوى، تلك الشخصية التي تطلب السن الكونية المحافظة عليها احترامها حفظًا لكيان الأمم والشعوب، وقد أشار إلى احترامها الشارع الحكيم بقوله فيما رواه أبو داود: " فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس "، وقوله ﷺ : "قصوا الشارب وأعفوا اللحى وخالفوا سنة اليهود" إلى غير ذلك، والقومية إنما تكون بالدين الذى جعل المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها إخوة وألف بين العربى والعجمى بتعاليمه الحقة؛ ولهذا الدين حقوق وآداب تزول بزوال تلك الشخصية، فلابد من احترامها والعمل بها حفظًا لتلك القومية، وإن من أسباب الزوال مشابهة الزى للزى فإن فيه تغييرًا للقلب وقد ورد: "إذا شابه الزى الزى فقد طابق القلب القلب" وأى ضرر فوت ضرر إفساد العقيدة: أضف إلى ذلك فوت أداء حق الإسلام من ابتداء السلام ورده، وفوت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين إذا وجد ميتًا بمكان لا يعرفه فيه أحد، لاشتباه حاله بسبب ذلك الزى إلى غير ذلك من المفاسد.
стр. 370
أما ما يزعمونه من أن في ذلك الزى دفعًا لاحتقار الغربيين لنا، فجوابه ظاهر، وهو أن الزى لا يدفع احتقارًا ولا يرد عارًا مع فساد الخلق، وتأخر العلم، والقعود وعدم النهوض بالصنائع والأعمال الاقتصادية والخلقية، وفوق ذلك ما هنالك من الحزازات الدينية التى هى في الحقيقة سبب حملتهم علينا وبغضهم لنا وهم لا يرضون عنا إلا إذا اعتنقنا عقيدتهم، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (١) فإن رأيتم أيها المسلمون أن تسلكوا سبيل الخير فدعوا عنكم حكما الخيال وصافحوا تعاليم الدين ففيها كل الخير والفلاح، وبها ارتقى الإسلام في الصدر الأول أيام دوله العاملة به.
ولقد كانوا محل إعجاب العالم ومهبط احترام الأمم وأرباب الفتوحات والشوكة والرقى العلمى والخلقى والاجتماعى، وكان الأجانب في غاية التأخر والانحطاط، والقبعة على رؤوسهم، وحسب الناظر أن يتصفح التاريخ فهو أعدل شاهد.
وفقكم الله للخير وهداكم للرشاد.
(حكم نكاح غير المسلم للمسلمة): المسلمون جميعًا على تحريم نكاح الكافر للمسلمة ولم يبيحوا ذلك في عصر من العصور، وحجتهم فيه كتاب الله تعالى وتشريعه المبنى على بالغ الحكم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ … ﴾ (٢). المعنى: ولأمة مؤمنة مع ما فيها من خساسة الرق وقلة الخطر خير ممن اتصفت بالشرك مع ما لها من شرف الحرية ورفعة الشأن ولو أعجبتكم لجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها.
وجه الدلالة من هذا النظم الكريم أن الشرك جاء في لسان الشرع مرادًا به الكفر مطلقًا كما في آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) فإن جميع طوائف الكفار من وثنيين وأهل كتاب لا يغفر لهم كفرهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤) وجاء مرادًا به كفر الوثنيين وهو أن يجعل لله ندًّا كما في قوله ﷺ حينما سئل عن الشرك: "أن تجعل للَّه نِدًّا وهو خلقك" وعليه جاء قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٥)، وقوله تعالى:
стр. 371
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (١) والمراد منه هنا المعنى الأول العام؛ فالمشرك والمشركة الكافر والكافرة مطلقًا بدليل المقابلة في قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ (٢) ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (٣)، ويؤيده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ … ﴾ (٤) فإن الكفار فيه عام لما عدا المؤمنين، وعلى هذا فالذى أفادته الآية شيئان: تحريم المشركة (الكافرة مطلقًا) على المسلم وتحريم المسلمة على الكافر
مطلقًا. (أما) العموم في الثانى فهو مراد إجماعًا لم يدخله تخصيص لعدم وجود مخصص، وللتنصيص على هذا العموم في قوله تعالى: ﴿ … فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ … ﴾ الآية، ولقوله ﵊: "تزوجوا نساء أهل الكتاب ولا تزوجوهم نساءكم" رواه جابر بن عبد الله رضى الله عنه.
(وأما) العموم في الأول فمخصص بآية: ﴿ … وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ … ﴾ (٥) المحصنات: الحرائر أو العفائف؛ لأنها أفادت جواز نكاح المسلم الكتابية، وإنما حرم تعالى نكاح الكتابية أولًا ثم أباحه ثانيًا مراعاة للمصلحة فما الحالتين.
أما التحريم أولًا فلمصلحة المؤمنات المهاجرات لقلة الرجال وكثرتهن ابتداء فحرمت غير المسلمة على المسلم كما ورد فيما أخرجه ابن جرير: "نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام ".
وأما الإباحة ثانيًا فلمراعاة مصلحة الرجال لكثرتهم في هذا الحال، فأنت ترى أن الله تعالى قد شرع ما فيه الخير في الحالتين.
وأما حكمة عدم تخصيص العموم في الثانى فدفع المفسدة لأن في إباحة المؤمنة للكافر مفاسد لا تحصى، وذلك أن الحكمة الإلهية اقتضت جعل الرجال قوامين على النساء بسببين: وهبى، وهو الفضل في العقل والدين وسائر المواهب، وكسبى، وهو الإنفاق من الأموال، وبهذا خص الرجل بمهام الأمور كالنبوة والرسالة والإمامة صغرى وكبرى، وإقامة الشعائر كالأذان والخطة والجمعة، وكالشهادة في كبريات القضايا، ومن توابع
стр. 372
القيام أن للرجل حق التأديب ومنع زوجته من الخروج، وعليها طاعته وامتثال أمره، وناهيك في وجوب طاعة المرأة للرجل قوله ﷺ : "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة ﵁ وقال: حسن صحيح.
فإذا كانت المسلمة تحت الكافر كانت مكلفة بطاعته مأمورة بامتثال أمره وفى
هذه ولاية وسلطان له عليها والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١)، وحسبك ما في سلطان الوالاية مما يفسد حالها من وجهة الاعتقاد والأخلاق؛ لأن المرأة ميالة إلى إرضاء زرجها مسارعة في هواه، فقد يستميلها إلى دينه ويستعين على ذلك بسلطانه وقبضه على خزائن الإنفاق عليها، وإذا خرجت عن دينها سقطت عند الله واستحقت عذابه، أضف إلى ذلك الجناية على عقيدة النسل والذرية، وإلىٍ هذا الإشارة بقوله تعالى في آخر الآية التى معنا: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ … ﴾ (٢).
فاقتضت الحكمة تحريم المسلمة على الكافر مطلقًا، وهذه المفاسد غير موجودة في إباحة الكتابية للمسلم، بل هناك ضدها؛ لأنَّه الذى يجرها إلى دينه وهو الذى يهيمن على ذريته ويتولى أمرهم؛ لأنَّه صاحب الولاية عليهم دونها هذا هو حكم الله في موضوع زواج الكافر بالمسلمة، وعليه انعقد الإجماع وعلم من الدين بالضرورة، فمنكره كافر، وعلى ولاة الأمور ومن بيدهم سلطان التأديب أن ينزلوا به النكال تفاديًا من الوقوع في الإثم إن أقر على إنكاره نسأل الله الهداية والتوفيق إنه سميع قريب.
(التوريث في الإسلام): استحدث الناس في الجاهلية على فترة من الرسل عقائد وعادات ومعاملات، فكان منها ما تأباه الفطر السليمة، وتستهجنه العقول الصحيحة كالشرك بالله وعبادة الأوثان ووأد البنات، ومنها أنواع من المعاملات وعقود البياعات والمناكحات والطلاق والمواريث، استنوها لأنفسهم وأخذوا بها، ولهم ما يعد من حميد السجايا وكريم الأخلاق كالصدق والوفاء، وحفظ الذمار وإكرام الجار، وحسن المعاشرة .. وغير ذلك من فضائل الشيم، فبعث الله رسوله ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فما كان من سنة راشدة أبقاه وأقره
стр. 373
وأكمله كما قال ﵊: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه أحمد والحاكم والبيهقى من حديث أبى هريرة ﵁، وما كان بعيدًا عن منهج الحق نائيًا عن الرشد نهى عنه وأمر بتركه؛ ولذلك جاءت الشريعة بالدعوة إلى التوحيد، وترك عبادة الأوثان، ووأد البنات، وتحريم السائبة، والوصيلة، والحامى، وما كانوا يتقربون به زلفى إلى الأوثان.
وما كان من هذه المعاملات غير صالح للبقاء ولا كفيل بمصلحة الأمة على ممر الأيام نسخ بأحكام أخرى تتضمن المصلحة الدائمة في كل زمان ومكان إلى يوم الدين، ومن ذلك نظام التوريث، فقد كانوا في الجاهلية وصدر الإسلام يتوارثون بأسباب عديدة كالدعوة والتبنى والحلف والمعاقدة والهجرة والمؤاخاة وكانوا يورثون الذكور المقاتلة دون الإناث ودون الصغار، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿ … وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ … ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ … ﴾ (٤) الآية.
فنسخ التوارث بالسبب والنسب، على ما كانوا عليه في الجاهلية واستقر التواوث في الإسلام على هادا النظام المحكم الذى نص الله تعالى عليه في كتابه العزيز وبينه رسول الله ﷺ وأجمعت الأمة عليه في جميع العصور، وقد روى عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما أنه قال: " مرضت فعادنى رسول الله ﷺ وأبو بكر وهما ماشيان فأتياني وقد أغمى على فتوضأ رسول الله ﷺ فصب على وضوءه فأفقت فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالى؟ كيف أقضى في مالى؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث" رواه البخارى ومسلم وهى قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ … ﴾، وعنه أنه قال: جاءت امرأة من الأنصار ببنتين لها فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أُحد، ولم يدع لهما عمهما مالًا
стр. 374
إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله، فوالله لا تنكحان أبدًا إلا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ : "يقضى الله في ذلك" فنزلت آية النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ … ﴾ الآية، وقال ﷺ : " ادع لي المرأة وصاحبها "، فقال لعمهما: "أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن
وما بقى فلك ". راجع "أحكام" القرآن لأبي بكر الجصاص وغيره من كتب السنة والتفسير.
وقد أجمعت الأمة على أن هذه الآية محكمهّ غير منسوخة، وأنها مثبتة لحظ الذكر والأنثى من الميراث وتفضيله عليها في الإرث، والحكمة في ذلك ظاهرة كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ … ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٢) فإن الرجل هو العنصر الأقوى والعامل الأقدر في المجتمع الإنسانى، وهو المنوط بالدفاع والرعاية، وهو القائم بشئون نفسه وعياله وزوجه في الحياة من نفقة وغيرها، والمرأة لا قدرة لها على جميع ذلك، ولا حاجة بها إلى ما يحتاج إليه الرجل من المال، بل نفقتها واجبة عليه. قد تأخذ مالًا بالإرث من زوجها، فوجب أن يفضلها الرجل في الميراث كما قضى الله تعالى به حيث راعى جانب كل منهما بقدر الحاجة والمصلحة.
فليس لأحد بعد هذا أن يستظهر على هذا الدين الحنيف ويقرر نظامًا آخر للتوريث بين الذكر والأنثى غير هذا النظام المحكم، فإن سولت له نفسه ذلك فهو كفر صراح إن جحد النصوص الواردة فيه، إثم عظيم إن كان من غير استحلال لما ابتدعه يستحق عليه شديد العقاب وأليم العذاب، وواجب على جماعة المسلمين أن يمنعوه عن هذه الغواية، ويشددوا النكير عليه حتى لا يجد إلى هدم الشريعة ونقض الأحكام والانفصام من عروة الإسلام سبيلًا يسلكه، وبالله تعالى التوفيق والهداية.
وقد نشأ من هذه المخالطة المشئومة أيضًا أن فريقًا من دعاة التمدن وزعماء الترقى يدعو إلى توسيع نطاق المرأة المسلمة حتى تكون على منهج المرأة الأوربية في السفور والتبرج والرقص في البارات، زاعمين أن الشريعة الإسلامية لا تأبى ذلك، وهكذا يوحى الشيطان إلى قلوب أوليائه كل ما يكيد به إلى دين الله، ولكن هيهات أن ينالوا بغيتهم
стр. 375
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، (١) ذلك حذر عمر ﵁ أن يجاور المسمَّوْن أهل
الذمة، وأمر أن يكونوا بمعزل في موضع معلوم منحازين عن المسلمين لا يشاركونهم فيه، وكذلك هم لا يشاركون المسلمين في بقية البلد.
ونشأ منهم أيضًا أن كثيرًا من نساء الأغنياء في مصر يذهبن إلى الحلاق ليحلق لهن رءوسهن، ويلبسن عليها طاقية مخصوصة، يفعلن ذلك تقليدًا للأجنبيات استحسانًا لعادتهن في هذا مع أن الله جلت حكمته جعل شعر الرأس زينة للمرأة وجمالًا، وكلما كان طويلًا غزيرًا كان أكثر زينة وجمالًا لها، فانظر كيف فتنوأ بهذا التقليد الأعمى حتى استقبحوا زينة الله تعالى لهم، واستحسنوا قبائح الأجانب مع ما في ذلك من تشويه الخلقة، وكشف عورتها للحلاق الأجنبى فعلى المرشدين أن يشددوا النكير على ذلك، عسى أن يثوب المتفرنجون إلى رشدهم ويغاروا على الحرمات.
* * *
لماذَا أحجم الشُّبان عَنِ الزَّوَاج الشَّرعِيّ ؟
يقول دعاة السفور: إن الحجاب سبب انتشار العزوبة وإعراض الشبان عن الزواج، يقولون ذلك رجمًا بالغيب وجهلًا بآداب الدين الحنيف، وكان عليهم لو أرادوا الإنصاف أن يتبينوا قبل أن يقولوا، ويرجعوا إلى هدى الدين قبل أن يضلوا، إنهم لو أمعنوا النظر لعلموا أن إعراض الشبان عن الزواج يرجع إلى سببين:
الأول مادى: وهو يتناول أمرين:
(أحدهما): ما درج عليه أهل مصر في هذا الزمان من تلك العادة الثقيلة والبدعة السيئة، وهى التغالى في المهور إلى حد يعوق الكثيرين من الشبان عن التوجه إلى طلب الزواج، وهم في شدة الاحتياج إليه.
(وثانيهما): كثرة النفقات، والإسراف في الكماليات، والخروج فيها عن الحد المعقول.
والسبب الثانى أدبى: وهو يرجع إلى خروج البنات متبرجات متهتكات، واختلاط الرجال بالنساء في بيوت التجارة وأماكن اللهو والفسوق، مع سوء التربية وفساد الأخلاق، فانعدمت ثقة الشبان بعفاف الفتيات؛
стр. 376
لهذين السببين أحجم
الشبان عن الزواج الشرعى والحلال الطيب مخافة الارتباك والتورط في المعيشة والوفوع فيما لا تحمد عقباه، (والسعيد من بغيره اتعظ، والشقى من وعظ به غيره) وأقبلوا على الحرام الخبيث وعرضوا أنفسهم للأذى والأمراض الخبيثة كالزهري والسيلان والسل الرئوى، فمنهم من تنحط به الإنسانية فيكتفى ببيوت البغاء، ومنهم من يعمل على مخادنة بعض الفتيات الساقطات يلهو بها سرًّا، ومنهم من يترفع عن الدنايا ويربأ بنفسه أن يكون أخا الحيوان أو يخشى الوقوع في مخاطرة الدعارة، فيرغب في الزواج الشرعى ولكنه يتأنى في الأمر، ويتمهل حتى يختار لنفسه فتاة مصونة عفيفة، وقد ينتهى به الأمر إلى أن يفضل العزوبة خشية الوقوع في فتاة شقية ذات أخدان.
ولقد جاءتنا مصيبة التبرج والخلاعة واختلاط النساء بالرجال من تقليد المرأة الشرقية للمرأة الغربية واستحسان عاداتها والافتتان بزينتها والسير وراءها من غير عقل ولا روية، وذا يحتاج إلى نفقات كثيرة ترهق كاهل الأزواج هتوقع في وهدة الإسراف والتبذير الذى مآله الذل والاستعباد والإفلاس والخراب.
ولو أن أولى الأمر منا منعوا تبرج النساء واختلاطهن بالرجال، وقاموا على حراسة العفاف ظاهرًا وباطنًا، ولو أن الأمة كذلك أقلعت عن تقليد الأجانب في عاداتهم السيئة، وقنع ولى الفتاة بما يقدر عليه الزوج من المهر ما دام حسن الأخلاق مهذب النفس، وابتعد كل من أهل العروسين عن الإسراف في الجهاز، وإقامة الأفراح، لو كان هذا لأقبل الشبان على الزواج آمنين غير خائفين، فتنحل أزمة الزواج وتقل دواعى الفسوق والفجور، وتسلم الأمة من شر العاطلات من الفتيات وذل الدَّيْن والاستعباد.
ما كان لخصوم الحجاب وأنصار السفور من دعاة التجديد المفتونين بزخارف المدنية الغربية الكاذبة، ما كان لهم أن يعملوا على ترويج ذلك الباطل المقبوح، وأن تحذر المرأة المصرية حذو المرأة الغربية، فللغربية أن تخرج متبرجة سافرة متهتكة، وأن تخالط الرجال، ولا لوم عليها في كل ما تفعل، فليس لها دين قويم يحرم عليها ذلك، أما المصرية المسلمة
стр. 377
فدينها الرسمى يحرم عليها أن تخرج متبرجة ويمنعها أن تخالط الرجال الأجانب، ودينها الحنيف قد أرجب الحجاب صونًا للأعراض ومحافظة على الآداب والأنساب ودرءًا للفتن وراحة للأُسر وطمأنينة للنفوس،
وسلامة للقلوب من الأضغان والأحقاد، شرعه الله ليكون سدًّا منيعًا بين الأشرار وما يبتغون، والفساق وما توسوس لهم به الشياطين، شرعه الحكيم العليم لاحترام المرأة، وإنقاذ الأمة من فوضى الأخلاق، وانحطاط الآداب، ما كان لدعاة التجديد، لو كانوا مسلمين عقلاء أن يلفتوا نظر المرأة الشرقية إلى تلك القاذورات المنتنة والعادات الجاهلية وهم يعلمون أن عقلاء الغرب قد أدركوا ضرر كثير من عاداتهم وأحسوا بخطر السفور واختلاط النساء بالرجال فنبهوا شعوبهم ليقلعوا عنها.
ولو أن هؤلاء حيث أصيبوا بمرض التقليد الأعمى عملوا على تقليد الأجانب فيما يرقى الأمة ويرفعها من وهدة التأخر ويسير بها إلى ذروة العز والكرامة لكنا لهم عضدًا وساعدًا، فإن التنافس في نيل المعالى مطلوب، وجميل لا قبيح، أما العمل على تشجيع التقليد الأعمى فيما قد أصبح ضرره محسوسًا وملموسًا فلسنا نقرهم عليه، فإن الساكت على الجريمة شريك الجانى، واستحسان القبيح من أفحش العيوب وأكبر السيئات، والله الهادى إلى سواء السبيل.
ومن هذه العادات ولوع الناس بالشراء من الأجنبى يفضلونه على أبناء الوطن وهو لا يتحفظ من النجاسة في مثل المأكولات، قال في "المدخل": وينبغى له أن يتحفظ من شراء المائعات وما أشبهها ممن هذا حاله؛ لأن النصارى يتدينون بأن النجاسة إنما هى دم الحيض فقط، وما عداه طاهر على زعمهم فتجد أحدهم يبول في دكانه ويتناول المائع وغيره بيده ولا يطهرها، وكذا الجبن وغيره ممَّا يكثر مباشرته له، فالشراء منهم على هذا مكروه، فإن فعل لا يأكل حتى يغسل ما اشتراه إن أمكن، وأيضًا يكره لأن في الشراء منهم منفعة لهم والمسلمون أحق بالنفع منهما لأن المسلم مأمور بإعانة أخيه المسلم مهما أمكنه، وعن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أهل البلد ينهاهم عن أن يكون اليهود والنصارى في أسواقهم صيارفة وجزارين، أو في شيء من
стр. 378
أعمال المسلمين، وأمر أن يخرجوا من أسواق المسلمين. قال مالك: وأرى للولاة أن يفعلوا في ذلك مثل عمر رضى الله عنه. انتهى. ملخصًا.
ومن العادات السيئهّ ما يقع في الحمام من الرجال والنساء فينبغى للرجل أن لا يأذن لزوجته في دخول الحمام لما اشتمل عليه في هذا الزمان من المفاسد، فقد خرقن إجماع الأمة بدخولهن الحمام باديات العورات، وإن قدر أن امرأة منهن
سترت سرتها إلى ركبتها عبن ذلك عليها وأسمعنها من الكلام ما لا ينبغى حتى تزيل السترة عنها، ثم ينضاف على ذلك محرم آخر وهو رؤية اليهودية والنصرانية لبدن الحرة المسلمة وهو لا يجوز، فكيف يأذن أحد لأهله في دخولها إلا إذا كانت خلوة لا ترى المرأة فيها ولا يدخل عليها أحد، والأسلم الغسل بالبيت فإنه ستر حصين وسد لباب الذريعة إلى المفاسد، إذ الواحدة منهن إذا أرادت الحمام أخذت أفخر ثيابها وأنفس حليها لتتزين وتتحلى بعد الغسل حتى تراها غيرها فتقع بذلك المفاخرة والمباهاة، ومن رأت ذلك منهن تطالب زوجها بمثل ذلك وقد لا يكون ذا قدرة عليه، فتنشأ المفاسد التى قد تكون سببًا للفراق أو الإقامة على شنآن بينهما.
وليحذر الرجل أيضًا من دخول الحمام للعلة السابقة فإن بعضهم إذا استقر فيه نزع السترة وبقى مكشوف العورة، وكذلك إذا خرج إلى المسلخ ألقى ما عليه وبقى مكشوفًا حتى يتنشف، ومعلوم أنه لا يجوز أن يجتمع مستور العورة مع مكشوفها تحت سقف واحد، فإذا علم أو ظن من يريد دخوله شيئًا من هذه المفاسد حرم عليه الدخول وإن توهمه كره وإلا فهو مباح.
وينبغى أن يتعمد أوقات الخلوة وقلة الناس وأن يستر عورته ويطرح بصره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور، وأن يغير ما رأى من منكر برفق، وإن دلكه أحد لا يمكنه من عورته فلا يليق بذوى الدين والمروءة أن يسلموا أنفسهم (للمكيساتى) بمرأى من الناس فإنه محظور شرعًا تخجل منه الإنسانية وتأباه المروءة، وأن يصب الماء على قدر الحاجة، ويتذكر به عذاب جهنم.
стр. 379
(ومن سيئ العادات): إضاعة الناس الأوقات الفاضلة واشتغالهم بالبطالة كما يكون منهم في ليالى شهر رمضان، فإنهم يلهون فيها بالسمر، وكله غيبة ونميمة، وقد كان السلف رضوان الله عليهم إذا دخل عليهم ذلك الشهر تناكر بعضهم من بعض حتى إذا فرغوا اجتمعوا وأقبل بعضهم على بعض.
فعن بعضهم أنه كان يقول إذا دخل رمضان: ما على أحد إلا أنا يقول: الليلة ليلة القدر، فإذا جاءت ليلة أخرى قال: الليلة ليلة القدر.
وكان ابن عون إذا جاء شهر رمضان جاء برمل فألقاه في المسجد ثم يقول لبنيه: ما تبتغون بعد شهر رمضان، وكان لا ينام، وكانوا ﵃ يشغلون
ليالى رمضان بالقيام فكان القارئ يقرأ بالمئتين حتى كانوا يعتمدون على العصى من صود القيام.
وعن الحسن ﵁ أن عمر بن الخطاب أمر أُبى بن كعب رضى الله عنهما فأمهم في رمضان فكانوا ينامون ربع الليل ويقومون ربعيه وينصرفون بربع لسحورهم وحوائجهم، وهكذا كان ﷺ : "إذا دخل رمضان أيقظ أهله وجد وشد المئزر" متفق عليه.
فانظر إلى سنة رسول الله ﷺ وسنة سلف الأمة كيف كانوا يتعرضون لنفحات الرحمن في أوقات الرضوان فيجدون في عبادة الله ويكثرون من قراءة القرآن ومن استماعه، ولكن في الصلاة التى هى أفضل القربات لا على الوجه المبتدع اليوم من قراءته بألحان وعلى طريق الغناء، ومع التشاغل عن سماعه وشرب الدخان وكثرة اللغط وإجلاس القارئ في مكان مبتذل.
وعن عبس الغفارى ﵁ أنه تمنى الموت، فقال له ابن أخيه: لم تتمنى الموت وقد قال رسول الله ﷺ : " لا تتمنوا الموت فإنه يقطع العمل ولا يرد الرجل فيستعيب "؟ قال: إنى أخاف أن يدركنى ست سمعت رسول الله ﷺ يذكرهن: " الجور في الحكم، والتهاون بالدماء، وإمارة السفهاء، وقطيعة الرحم، كثرة الشرط، والرجل يتخذ القرآن مزامير يغنى القوم، والقوم يقدمون الرجل ليس بخيرهم ولا بأفقههم فيغنيهم بالقرآن " رواه غير وأحد من طرق بألفاظ مختلفة وقد
стр. 380
سبق الكلام على التغنى به وأنَّه مكروه مبتدع وقد يكون حرامًا.
وأما حديث البخارى عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه: " ما أذن الله (١) لشئ كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن يجهر به "، وحديث: " زينوا القرآن بأصواتكم "، وحديث: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن "، فقالت طائفة من العلماء: معناها تحسين قراءته وترنمه به ورفع صوته بها كما سبق ذلك في بدع المساجد.
والمروى عنه ﷺ وعن الصحابة ﵃ عند استماع القرآن إنما هو فيض الدموع واقشعرار الجلود، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢): أي قرآنًا يشبه بعضه بعضًا في النظم وغيره مثنى فيه الوعد والوعيد وغيرهما ترتعد عند ذكر وعيده جلود الذين يخافون ربهم، ثم تلين جلودهم وتطمئن قلوبهم عند ذكر وعده، فهكذا يكون تأثير القرآن الحكيم في الأرواح والحية: وقرأ ابن مسعود على النبي ﷺ النساء فلما بلغ إلى قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣) قال: "حسبك" فالتفت إليه وإذا عيناه تذرقان. متفق عليه، نسأله تعالى التوفيق للصواب.
(ومن سيئ العادات): عدم المبالاة بحضور الأمكنة التى لا تخلو عن شيء من المنكرات كأماكن اللهو والقهاوى العمومية وكالجلوس في الطرقات التى لا تخلو عن فعل المنكرات أو رؤية العورات.
وتفصيل الحكم في ذلك أن من قصد الحضور في محل فيه منكر يقينًا أو ظنًّا غالبًا، أو قصد البقاء في ذلك المحل ولم يكن له حاجة فيه فهو آثم إلا أن دفع ذلك المنكر، فلا ينفى الإثم عنه حينئذ عجزه عن دفع المنكر وإن كرهه بقلبه، فقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند حسن عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقفن عند رجل يقتل مظلومًا فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم
стр. 381
يدفع عنه "، قال الإمام الغزالى: وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التى يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره، فإنه قال: اللعنة تنزل على من حضر، ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز، ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير.
وهذا يقتضى لزوم الهجر للخلق، فلهذا قال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما ساح السواح وخلوا دورهم وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا، حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس، ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم، ورأوا الفتن لم يأمنوا أن تعتريهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١).
هذا في زمانهم فكيف بزماننا وقد كثرت فيه المخازى والقبائح وقال ﷺ : "إياكم والجلوس على الطرقات" قالوا: ما لنا بد، إنما هى مجالسنا نتحدث فيها. قال: "فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها" قالوا: وما حق الطريق؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالعروف والنهى عن المنكر" رواه البخارى، وعنه ﷺ : "شر المجالس: الأسواق والطرق، وخير المجالس: المساجد، فإن، لم تجلس في المسجد فالزم بيتك" رواه البخارى.
فإن قصد محلًّا لا يغلب على الظن وقوع المنكر فيه ولكن يخشى وقوعه كان ذلك مكروهًا، فإن كان له حاجة في محل المنكر كدخول الحمام لحاجة أو جرى المنكر بين يديه اتفاقًا فلا إثم عليه حيث أنكره بقلبه إن لم يتمكن من دفعه، فعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حفر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنما حفرها" ومعناه كما قال الإمام الغزالى: أن يحضرها لحاجة أو يتفق جريان ذلك بين يديه، أما الحضور قصدًا فممنوع بدليل الحديث الأول، فانظر رعاك الله هذا مع ما عليه الناس اليوم من العكوف على مواضع المنكرات من غير حاجة خصوصًا وأن أكثرها
стр. 382
يديرها الأجانب ويغشاها من يجاهر بالفسوق، ومواضع أبناء الوطن أقل خطرًا منها.
ومن العادات السيئة: تأخير الزواج مع توفر الدواعى إليه، وهذا خلاف السنة، ففى الحديث: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " رواه البخارى وغيره، والباءة: المهر ونفقة الزوجة، وقال ﷺ لعكاف بن وداعة الهلالى: " ألك زوجة يا عكاف؟ " قال: لا. قال: "ولا جارية؟ " قال: لا. قال: " وأنت صحيح موسر" قال: نعم والحمد لله. قال: " فأنت إذًا من إخوان الشياطين، إما أن تكون من رهبان النصارى فأنت منهم، وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع وإن من سنتنا النكاح. شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم، ويحكم يا عكاف تزوج " قال: فقال عكاف: يا رسول الله إني لا أتزوج حتى تزوجنى من شئت قال: فقال ﷺ : "فقد زوجتك على اسم الله والبركة كريمة بنت كلثوم الحميرى" رواه أبو يعلى في مسنده من طريق بقية.
(ومنها): رغبتهم في نكاح المرأة لواحدة من هذه الخصال: لمالها، وقد
يكون وبالًا عليه، أو لشرف آبائها وأقاربها، وقد تعد ذلك فخرًا عليه، أو لجمالها الباهر الذى قد يكون شرًّا عليه، وليس منهم من يرغبها لدينها وأدبها، مع أن اللائق بذوى المروءات وأرباب الديانات أن يكون الدين مطمح نظرهم في كل شيء، خصوصًا فيما يدوم أمره ويعظم خطره، وبهذه الشهوة الكاذبة جلبوا على أنفسهم شرًّا مستطيرًا، فعن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وقال: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " (١) رواه البخارى: أي أن العادة جارية بأن الناس يرغبون في الزواج بواحدة من المذكورات، ولكن اللائق أن يكون الدين أولى بالاهتمام، فلذا اختاره ﷺ بآكد وجه وأبلغه، حيث عبر بالظفر الذى هو غاية
стр. 383
البغية ومنتهى الاختيار، وبالطلب الدال على تضمن المطلوب لنعمة عظيمة، وفائدة جليلة، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا تحققت ما فصلت لك فاظفر أيها المسترشد بذات الدين فإنها تكسبك منافع الدارين، " تربت يداك ": افتقرت، إن خالفت ما أمرتك به، وروى ابن ماجه حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: " لا تتزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن إن يرديهن، ولا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء ذات دين أفضل "، وقال ﷺ : " من تزوج امرأة لعزها لم يزده اللَّه إلا ذلا، ومن تزوجها لمالها لم يزده اللَّه إلا فقرًا، ومن تزوجها لحسبها لم يزده إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه " رواه الطبرانى في " الأوسط "، والمراد النهى عن مراعاة المال وغيره مجردًا عن الدين، فأما إذا وجد شيء منها معه أو كلها فذلك غاية السرور والسعادة (وعلى الجملة) فخير النساء من تسرك إذا نظرتها، وتطيعك إذا أمرتها، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وعرضها.
(ومنها): تحرجهم من رؤية الخاطب المخطوبة قبل العقد وفاتهم أن المستحب أن يراها حتى تطمئن نفسه قبل النكاح فيكون ذلك أعون على دوام الألفة بينهما كما ثبت في صحيح الحديث، فعن المغيرة ﵁: " أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ : "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " رواه الترمذى وحسنه. ويؤدم:
أي تدوم بينكما المودة والألفة. والسر في كون ذلك قبلى الخطبة أنه لو كان بعدها فلربما أعرض عنها فيؤذيها، والمنظور غير العورة المقررة في الصلاة، فينظر الرجل من الحرة الوجه والكفين؛ لأن الوجه يدل على الجمال والكفين على خصب البدن، فإن لم يتيسر نظره إليها بعث امرأة أمينة يثق بها تتأملها وتصفها له: لأنَّه ﷺ بعث أم سليم إلى امرأة وقال: " انظرى عرقوبيها وشمى عوارضها " رواه الحاكم وصححه. والعوارض: الأسنان التي في عرض الفم وهى ما بين الثنايا والأضراس، وذلك لاختبار النكهة، فإن لم تعجبه سكت ولا يقول: لا أريدها لأنَّه إيذاء.
فانظر كيف تركوا العمل بتعاليم الدين القويم وصموا آذأنهم عن
стр. 384
نصائح النبي الأمين ﷺ في مثل هذا، يزعمون أن رؤية الخاطب لها تنافى الغيرة والشهامة، وتخالف الآداب والكرامة، واستبدلوا بهذه السنة الجميلة تلك البدعة القبيحة (الصورة الشمسية) رأوا من الحسن الجميل أن تذهب (الكريمة) إلى المصور ليأخذ صورتها متهتكة بادية العورة -لتقدم تلك الصورة الوقحة إلى الخاطب المفتون- والله يعلم ما في هذه الصورة من التغرير والبعد عن الحقيقة، وانظر رعاك الله كيف سهل عليهم أن يراها ذلك المصور الأجنبى (النصرانى) على هذه الحالة الشنعاء، وصعب عليهم أن ينظر الخاطب (المسلم) منها إلى الوجه واليدين مرة إن كفت أو مرتين ليطمئن قلبه على رفيقة الحياة وموضع الغرس منه؛ وانظر كيف استبدلوا التهتك بالحشمة، والابتذال بالصيانة والبدعة بالسنة، والقبيح بالحسن .. ، وهكذا يكيد الشيطان لبنى الإنسان كلما رآهم على هدى وخير زين لهما الضلال والشر نعوذ بالله تعالى منه ومن حزبه، وبعد هذا كله فقد يحتال الخاطب على رؤية المخطوبة بواسطة بعض النساء ويتواعد معها على المقابلة في بعض التنزهات أو المحال التجارية، وهناك يراها وتراه، وتكشف له عن كل أسرارها وأسرار أبيها وتوقفه على أماكن الضعف منه ليأتيه من ناحيتها إن كان ممتنعًا من إعطائها له، وتتكرر هذه المقابلة حتى ينتهى الأمر بفشل أبيها ويأخذها رغم أنفه كما هو مشاهد.
ومن العادات الممقوتة: تساهل المسلمين في دخول بعضهم على بعض واختلاط الرجال بالنساء مع عدم الحجاب، وهى بدع محرمة بالكتاب والسنة قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا
حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١) تستأنسوا: تستأذنوا. أخرجه سعيد بن منصور عن ابن عباس رضى الله عنها. ﴿هُوَ﴾: أى الرجوع، ﴿أَزْكَى﴾: أطيب لكم وأطهر لما فيه من سلامة الصدور والبعد عن الريبة، فرعاية لحرمة النساء صونًا للأعراض، ومحافظة على حق المسلم في التمتع بما أباح الله له من الحرية في بيته حرم الله على كل مؤمن أن يدخل
стр. 385
بيتًا غير بيته قبل أن يستأذن أهله ويسلم عليهم فإن أذنوا له بالدخول دخل وإلا رجع.
وذلك أن كل إنسان له في مسكنه حالات خاصة قد لا يحب أن يطلع عليها أحد من الناس ولو كان ألصق الناس به وأقربهم إليه، فلو أبيح للطارق أن يقتحم البيت على أهله من غير استئذان لفاجأهم بما يكرهون ودهمهم بما يؤلمهم، وقد يطلع على ربة البيت وهى مكشوفة الرأس عارية بعض البدن، وفى ذلك زيادة على الفتنة له والإيذاء لصاحبه ما لا يخفى من العواقب السيئة والنتائج المحزنة؛ ولهذه الحكمة الجليلة بعينها حرمت الشريعة الغراء على الإنسان أن ينظر في بيت غيره قبل الاستئذان، حتى قال الإمام الشافعى ﵀: لو فقئت عينه في هذه الحالة فهى هدر، تمسكًا يحديث سهل بن سعد ﵁ قال: اطلع رجل من جحر -ثقب مستدير- في حجرة النبي ﷺ ومع النبي ﷺ مدرى يحك بها رأسه- بكسر الميم وسكون الدال وتنوين الراء- حديدة يسرح بها الشعر، وقال الجوهرى: شيء كالمسلة يكون مع الماشطة تصلح بها قرون النساء، فقال النبي ﷺ : "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به -أي المدرى وهو يذكر ويؤنث- في عينيك إنما جعل الاستئذان -أي شرع- من أجل البصر" لئلا يقع على عورة أهل البيت ويطلع على أحوالهم رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى، وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه " متفق عليه، رواه أبو داود إلا أنه قال: " ففقئوا عينه فقد هدرت ".
وفي رواية للنسائي أنه ﷺ قال: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاص "، وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله
ﷺ سئل عن الاستئذان في البيوت فقال: " من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فلا إذن له وقد عصى ربه " رواه الطبرانى ورواته ثقات.
فتحصل من هذا أن السر في إيجاب الاستئذان هو صيانة الأعراض والمحافظة على القلوب، وقد وردت السنة بلزوم تكراره ثلاث مرات حتى
стр. 386
يتمكن أهل البيت من إصلاح شئونهم وستر أمورهم، ففى الحديث الشريف عن النبي صلوات الله وسلامه عليه: " الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون وبالثانية يستصلحون وبالثالثة يأذنون أو يردون " أخرجه الطبرانى، وقال ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" رواه البخارى من طريق قتادة بنحوه، ولا تظن أن الاستئذان خاص بالأجانب دون الأقارب فإن الخطاب في الآية عام لجميع المؤمنين فيستوى فيه القريب والأجنبى ويلزم به الأب والابن والعم والخال.
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: استأذن على أمي، فقال: "نعم" فقال الرجل: إنها لا تجد من يخدمها غيرى أفأستأذن عليها؟ فقال ﷺ : " أتحب أن تراها عريانة؟ " قال: لا. قال: "فاستأذن" أخرجه مالك في "الموطأ" عن عطاء ابن يسار، وفى ذلك غاية الأدب والكمال.
وكذلك ألزم الله المملوك أن يستأذن على سيده والصبى الحر على مخدومه في أو قات ثلاثة هى مظنة لكشف العورات، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ … ﴾ (١).
وأباح الدخول بدونه فيما عداها للخادم مملوكًا أو صبيًّا، فإذا جاوز الطفل حد الطفولية وبلغ مبلغ الرجال لزمه الاستئذان على مخدومه في عموم الأوقات كسائر الأجانب، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ … ﴾ (٢) بهذه الآداب العالية أدب الله المؤمنين لتظل أعراضهم مصونة، وتبقى قلوبهم نقية من دنس الشهوات، سليمة من الضغائن والأحقاد.
وهذا هو السر في أن الشارع الحكيم أمر الرجال والنساء جميعًا بغض البصر والبعد عن مواطن الشكوك والريب، حيث كان النظر بريد الزنا ورائد الفتنة ورسول الفساد والفجور، حرم على النساء المسلمات أن يظهرن زينتهن أو يطلعن الرجال الأجانب على شيء من عوراتهن ومحاسنهن لما في ذلك من الفتنة وانتشار الفاحشة بين المسلمين ووقوعهم في مقت الله وغضبه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ
стр. 387
وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ … ﴾ (١) فأنت ترى في هذه الآية الحكيمة أن الله تعالى قد أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال.
وحرم على النساء كشف العورات وإظهار الزينات دَرْءًا للمفاسد والفتن وقطعًا لأطماع النفس الأمارة بالسوء، وحرصًا على سلامة القلوب من الأذى ليدوم الوفاق ويبقى التضامن.
وبهذا يظهر لك السر في أن الدين الإسلامى قد حرم على الرجل المسلم مس الأجنبية، كما حرم عليه مخالطتها والخلوة بها، الأن الفتنة في هذا أشد، والمفسدة به أعظم، والشر فيه أقرب. روى الطبراني بسند صحيح أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه قال: " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له "، وروى أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: " إياكم والخلوة بالنساء، والذى نفسى بيده ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما، ولأن يزحم رجلًا خنزير متلطخ بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكب امرأة لا تحل له " وهو صريح في منع الاحتكاك بالمرأة الأجنبية والخلوة بها: زحمته زحمًا من باب نفع: دفعته وزاحمته مزاحمة وزحامًا وأكثر ما يكون ذلك في مضيق.
فتبين لك من مجموع هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الدين القويم قد جعل بين المسلم وبين الفسوق سدًّا منيعًا من الآداب وحصنًا حصينًا من الأوامر والنواهى.
فهل تأدب المسلمون في هذا العصر المفتون بما أدبهم الله به؟ وهل ابتعدوا عما نهاهم الله عنه؟ وهل تحرزوا ممَّا حذرهم رسول الله ﷺ منه؟ وهل عنوا بتعليم نسائهم وبناتهم ما يخصهن من آداب الشرع وأحكام الدين؟ وهل باعدوا بينهم وبين الفجار والمفسدين؟ (كل ذلك لم يكن).
ولذا ترى الشر ينمو، والفساد ينتشر، والاختلاط بين الرجاد والنساء يزداد يومًا عن يوم، والجهل بدين الله يضرب أطنابه في الأسر الإسلامية
стр. 388
حتى أصبحنا ونحن في تدهور أخلاقى وانحلال اجتماعى ينذرنا بأسوأ العواقب وأفدح الخطوب.
انظر إلى بيوت الأغنياء تجدها قد زالت عن أكثرها الصبغة الإسلامية حلت محلها العادات الفرنجية التى لا تتفق مع أحكام الدين ومحاسن آدابة في شيء، ولا تلتئم مع العفاف والصيانة بحال من الأحوال.
ترى ربة القصر هناك تخالط خدمها وحشمها وتظهر أمامهم بما يأمرها الدين بستره عن الرجال من حليها وزينتها، (والسيد الكريم) يرى ذلك ولا ينكره ولا يغار له، كأن الخادم في نظره جماد لا يهز قلبه سحر الجمال، أو معصوم عن الخنا لا يفتنه النظر إلى ربات الحجال، ترى سائقى العربات والسيارات وهم يذهبون بالعقائل المخدرات للرياضة في مختلف الأماكن اليعيدة، وليس هذا إلا خلوة بالأجنبيات يعدها الشرع الشريف من كبائر المنكرات.
ثم انظر إلى بيوت المتوسطين والفقراء تجد المرأة فيها تخالط أقارب زوجها وأولاد أعمامها وأخوالها وأولاد جيرانها، وقد تظهر أمامهم في ثيابها الرقيقة أو القصيرة حاسرة عن رأسها كاشفة عن ذراعيها صدرها (كأنها ليست من جماعة المسلمين) وربما ظهرت بهذا النظر الفاضح للسقاء واللبان والطحان والفران ولباعة الفواكه والخضروات المتجولين في الأزقة والحارات، وكان حقًا عليها (لو أنها حافظت على آداب دينها) أن تحتجب عن هؤلاء وأمثالهما اتقاء للفتنة، وتباعدًا عن الفساد والشر، فإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم في العروق، وقبيح أن تكون نساء المسلمين على هذا الحال بعد أن أوجب الله عليهن في كتابه الكريم أن يسترن زينتهن عن أنظار الرجال جميعًا ما عدا أزواجهن والمحارم من أقاربهن ومن يأمن فتنته من أتباعهن ومماليكهن، قال تعالى: ﴿ … وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ
أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ … ﴾ (١).
وأقبح من ذلك أن يجترئ الرجال على انتهاك حرمات الله تعالى بالدخول
стр. 389
على النساء بعد أن ألزمهم الله يرعاية الحجاب الذى هو الضمان الوحيد للعفاف والطهارة خصوصًا في هذا الزمان الذى كثر فيه الفسوق والعصيان، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١)، وقال صلوات الله وسلامه عليه: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ فقال ﷺ : " الحمو الموت" متفق عليه، استفهم الأنصارى عن الحمو وهو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه، أيمنع من الدخول على النساء كما يمنع غيره من الأجانب الغرباء؟ فأجابه النبي ﷺ بأن دخول الحمو على الزوجة أشد بلاء وأعظم فتنة من دخول غره؛ لأنَّه قد يستخدم صلته بالزوج في تنفيذ مقاصده السيئة ومآربه الخبيثة، وأن مثله في فك روابط الزوجية وإفساد نظام الحياة المنزلية كمثل الموت في إبطال حركة الأجسام وتفريق أجزاء الأبدان، ولقد صدق رسول الله ﷺ ، فكم شاهدنا من بيوت قد خربت بعد عمرانها، وأُسَر قد اختلت بعد تماسك وحدتها وحسن نظامها، وكم رأينا من محبة وصفاء قد تحولا إلى عداوة وجفاء.
ولم يكن لذلك من سبب إلا اختلاط الأجانب وأقارب الأزواج بالزوجات، فهل آن للمسلمين أن يستبدلوا الشك باليقين ويتبصروا في عاقبة التساهل ويأخذوا بآداب الدين ويتخلقوا بأخلاقه؟
هل آن لهم أن يفيقوا من سكرتهم ويتنبهوا من غفلتهم فيعلموا أن فلاحهم موقوف على الرجوع إلى أحكام دينهم وعلى العمل بسنة نبيهم ﷺ ؟ هدانا الله جميعًا إلى سواء السبيل.
ومن العادات القبيحة في مصر أن تذهب نساء الفقراء بأبنائهن في شهر شعبان من كل سنة إلى عيادة الإمام الليث ﵀ لأجل ختان الأبناء مجانًا على يد
طبيب هذه العيادة وبعد إجراء عملية الختان تركب هؤلاء الأمهات عربة نقل ويرتكبن عليها أمورًا تخالف الدين وتنافى الآداب، كالرقص والزغاريد والضرب على الطبلة والتصفيق الحاد مع الغناء بكلمات ساقطة، يأتين كل ذلك جهارًا نهارًا في الشوارع والطرقات العمومية بلا خجل ولا حياء ذهابًا وإيابًا، ويذلك وأمثاله صرنا أضحوكة في نظر الأجانب،
стр. 390
فعلى المرشدين والخطباء إنكار مثل ذلك.
ومن عادات أهل القرى في الختان أن يضع الحلاق منديلًا كبيرًا مثلًا في عنق أم المطاهر ولا يفك خناقها إلا بعد أن يجمع عليها النقطة -النقود- التى ترضيه وهذا من بقايا الجاهلية.
ومن سيئ العادات الحلف بالطلاق، ذلك الأمر الخطير الذى يترتب عليه حل العقدة بين الزوجين وقطع الروابط بين الأسر.
شرع الله النكاح لمصالح العباد الدينية والدنيوية، وفى الطلاق إكمال لها، فالزوج قد لا يوافقه الزواج فيطلب الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى فمكن عباده من ذلك رحمة منه .
وفى جعله عددًا حكمة لطيفة لأن النفس كذوبة ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة أو الحاجة إلى تركها وتسوله، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر، فشرعه سبحانه ثلاثًا ليجرب الزوج نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضى العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، ثم إذا عادت نفسه إلى مثل الأولى وغلبته حتى عاد إلى طلاقها، نظر أيضًا فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب نفسه وصار على بينة من أمره، وبعد الثلاث تبلى الأعذار فحرمها عليه بعد انتهاء العدد قبل أن تتزوج آخر ليتأدب بما فيه غيظه وهو الزوج الثاني على ما هو عليه من جبلة الفحولة بحكمته ولطفه تعالى بعباده.
فهذا سبب مشروعية الطلاق وشئ من حكمته ومحاسنه، والناس اليوم قد خرجوا بالطلاق عن الحد المشروع وصار هينًا على نفوسهم.
فترى كثيرًا منهم لأقل سبب يطيش عقله ويوقع الطلاق على الزوجة غير مبال بحقوق المعاشرة، ولا بكون المرأة طاهرًا أو حائضًا، وربما طلقها ثلاثًا أو أكثر وهى من ذوات الحمل أو الأولاد منه، ثم إذا ثاب إلى رشده أسف لما وقع واحتال في ردها وعاشرها على غير ملة. نعوذ بالله من الضلال، وأحيانًا يلجأ إلى المحلل الصورى تحايلًا على القانون.
ومنهم من يجعله يمينًا يحمل به نفسه على فعل أمر أو يمنعها به من تعاطيه فإن هذا ليلا يتفق مع المشروعية، وما ذنب هذه المرأة المسكينة