Полный текст (21 562 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فِي شعر امْرِئ الْقَيْس وَغَيره، قَالَه شَيخنَا، وَزَاد فِي الأَصْل بعد هَذَا: لَم تَزْهُ أَيدي الأغصانِ فِي أكمامِ الزَّهر بالامتداد دونهَا، إِلَّا ضَرَبَتْ عَلَيْهَا الرياحُ فكادَت تَقصِفُ مُتونَها، وَلم يَدَعْ مِسْكيَّ نَوْرِ الخِلاف يَجْنُبها طِيبُ الشمائلِ، إِلَّا ومَزَّقت فَرْوَته على ذُرَى الأعواد ترمِيه باصفرار الأنامل، إِلَى آخر مَا قَالَ (وللهِ) يُؤْتِي بهَا عِنْد إِرَادَة التفخيم والتهويل، وَإِظْهَار الْعَجز عَن الْقيام بِوَاجِب من يذكر فيضيفه الْمُتَكَلّم إِلَى الله تَعَالَى، وَمن ثَمَّ قَالُوا لمن يَستغربون مِنْهُ نَادِرَة: لله دَرُّه، وَللَّه فلانٌ، وَمن ذَلِك أنشدنا الأديب الماهر الْمُحَقق حُسَيْن بن عبد الشكُور الطائفيُّ بهَا:
(لله قومٌ كِرَامٌ ... مَا فِيهِمُ مَنْ جَفَانِي)
(عَادوا وعَادُوا وعَادُوا ... عَلى اخْتِلاف المَعاني)
(صُبَابةٌ) بِالضَّمِّ الْبَقِيَّة من كل شَيْء، كَمَا يَأْتِي فِي مادّته، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَللَّه صُيَّابة، بِضَم وَتَشْديد مثناة تحتية وَبعد الْألف مُوَحدَة (من الخُلفاء) جمع خَليفَة وَهُوَ السُّلْطَان الْأَعْظَم (الحُنَفَاء) جمع حنيفَة وَالْمرَاد بِهِ الْكَامِل الإسلامِ، الناسك المائل إِلَى الدّين (و) عِصَابَة من (الْمُلُوك العُظماء) أَي ذَوِي العظمة والفخامة اللائقة بهم، وَفِيه الِالْتِزَام (الَّذين تَقلَّبوا فِي أعطاف الفَضْل) والكمال وتخوّلوا فِيهَا (وأَعْجَبوا بالمنطِق الفَصْل) الفصيح الَّذِي يَفْصل الْمعَانِي بَعْضهَا من بعض، أَو الْفَصْل بِمَعْنى الْحق، أَو هُوَ مصدر بِمَعْنى الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول، وَفِيه جناس تصحيفي (وتَفكَّهوا) أَي تنعَّموا (بثِمار الْأَدَب الغضّ) أَي الناعم الطري (وأُولِعوا) أَي أغروا (بأبكار الْمعَانِي) أَي الْمعَانِي المبتكرة (وَلَع) أَي إغراءَ (المُفتَرع المفتَضّ) وَكِلَاهُمَا من افترع البِكر وافتضَّها أَي أَزَال بَكَارَتهَا بِالْجِمَاعِ، وَبَين تفكَّهوا وتقلّبوا، وأعجبوا وأولعوا مُقَابلَة، وَفِي التقلب والتفكه وَالثِّمَار والأبكار مجازات (شَمِل القومَ)
стр. 107
أَي أهل اللُّغَة، وشملهم: عمَّهم (اصطناعُهُم) أَي معروفهم وإحسانهم وصنيعهم (وطَرِبت) أَي فرحت ونشطت وارتاحت (لِكَلِمهم) أَي الْقَوْم جمع كَلَام (الغُرِّ) بِالضَّمِّ جمع غُرَّةٍ، أَي الْوَاضِحَة البيِّنة، وَفِي نُسْخَة الأَصْل وطربت للأناشيد (أسماعُهُم) أَي آذان الْخُلَفَاء (بل أَنْعشَ) أَي رفع وأقال (الجُدودَ) جمع جَدّ هُوَ الْحَظ وَالْبخْت (العَواثِرَ) جمع عاثر وعثر كضرب وَنصر وَعلم وكرم إِذا كبا وسَقط وعثر جَدُّه: تعس، كَمَا سَيَأْتِي (إلطافهم) بِالْكَسْرِ أَي ملاطفتهم ورفقهم، وقرأت فِي مُعجم ياقوت لعَمْرو ابْن الْحَارِث بن مُضاض الجرهمي قَوْله من قصيدة طَوِيلَة:
(بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا ... صُرُوفُ اللَّيالِي والجُدُودُ العَوَاثِرُ)
(واهتزَّت) أَي فرحت وسُرَّت (لاكتساء حُلَل) جمع حُلّة، ثَوبانِ يَحُلُّ أحدُهما فَوق الآخر (الحَمْدِ) أَي الثَّنَاء الْجَمِيل (أعطافُهم) جمع عِطْف بِالْكَسْرِ، هُوَ الْجَانِب، وَالْمرَاد بهَا ذاتهم، وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام والاستعارة المكنية (رَاموا تخليدَ الذِّكر) أَي إبقاءَه على وجْه الدَّوَام (بالإنعام) أَي الْإِحْسَان (على الْأَعْلَام) أَي عُلَمَاء الْأَدَب واللغة الْمشَار إِلَيْهِم، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: راموا تخليد الذّكر بِوَاسِطَة الْكَلَام (وَأَرَادُوا أَن يعيشوا بعُمُرٍ ثانٍ) والعمر مُدة بقاءِ الْإِنْسَان وَغَيره من الْحَيَوَانَات (بعد مُشَارَفة) أَي مقارَبة (الحِمام) بِالْكَسْرِ الْمَوْت، إِشَارَة إِلَى أَن من دَامَ ذِكْرُه لم ينتقص عمرُه، أنْشد أَبُو الْحجَّاج الْقُضَاعِي لِابْنِ السَّيِّد:
(أخُو العِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ... وأَوصالهُ تَحْتَ التُّرابِ رَمِيمُ)
(وَذُو الجَهْل مَيْتٌ وهْوَ يَمْشِي علَى الثَّرَى ... يُعدُّ مِنَ الأحْياءِ وَهْوَ عَدِيمُ)
وَأنْشد شَيخنَا لأبي نَصرٍ الميكاليّ، وَهُوَ فِي الْيَتِيمَة:
(وَإذَا الكَرِيمُ مَضَى وَولَّى عُمْرُهُ ... كَفَلَ الثَّنَاءُ لَهُ بِعُمْرٍ ثَانِ)
стр. 108
(طواهم الدهرُ) أَي أفناهم وصيَّرهم كالثَّوْب الَّذِي يُطوَى بعد نَشْرِه (فَلم يبْق لأعلامِ العلومِ) ، الأوَّل جمع عَلَم بِالْفَتْح، وَالثَّانِي جمع عِلْم بِالْكَسْرِ (رافِع) أَي مُعْلِى (ولاعن حرِيمها) أَي أَعلام الْعُلُوم، والحريم فِي الأَصْل: مَا حَوْل الشَّيْء من الْحُقُوق وَالْمَنَافِع، وَمِنْه حَرِيمُ الدّارِ، وَبِه سُمِّيَ حَرِيم دارِ الخِلافة، كَمَا سَيَأْتِي (الَّذِي هَتَكَتْه) أَي شَقَّت سِتْرَه، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: انتهكته (اللَّيَالِي) أَي دوائرها ونوائبها (مُدافِع) أَي محامٍ وناصرٌ، وَفِي الْفَقْرَة الِالْتِزَام وَالْمجَاز الْعقلِيّ، أَو الِاسْتِعَارَة المكنية وجناس الِاشْتِقَاق، والمكنية فِي تَشْبِيه الْحَرِيم بِشَيْء لَهُ سِتارة، والترشيح فِي إِثْبَات الهتك لَهُ (بل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: بلَى (زَعَم الشامِتون بِالْعلمِ) جمع شامت من شَمِت بِهِ إِذا فَرح بمصيبة نزلَتْ بِهِ، وَالْمرَاد بالزعْمِ القولُ المظنون أَو الْكَذِب، وَتَأْتِي مباحثه (و) الشامتون ب (طُلَاّبِه) أَي الْعلم، جمع طَالب (والقائلون) أَي الزاعمون (بِدَوْلَة الجهلِ و) كَذَا (أحزابِه) أَي أنصاره ومعاونيه أَو جماعته (أَن الزَّمَان بمثلهم) أَي أَعْلَام الْعُلُوم الْمَاضِي ذِكْرُهم أَي الْخُلَفَاء، وَلَفْظَة الْمثل زَائِدَة، أَي بهم (لَا يَجُود) أَي لَا يُعْطِي (وأنّ وقْتاً قد مضى [بهم] ) وَفِي نُسْخَة الأَصْل وَأَن زَمنا مضى أَي ذهب وانقضى (لَا يَعود) أَي لَا يرجع، لِأَنَّهُ محَال عقليّ، وَقيل: عاديّ، كرجوع الشَّبَاب عِنْد السُّبكي. وَفِي عكس هَذَا قَالَ الشَّاعِر:
(حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِهِ ... إنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَعَقِيمُ)
وَفِي الْكَلَام اسْتِعَارَة ومجاز عَقْلِي والتزام بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاو الرَّوِيّ فَإِنَّهَا غير وَاجِبَة كَمَا قرّر فِي مَحَله (فرَدَّ عَلَيْهِم) أَي على الشامتين والقائلين أَي رَجَعَ (الدهْر مُراغِماً) أَي ملاصقاً بالرُّغام أَي التُّرَاب، وَفِي نُسْخَة الأَصْل مُرْغِماً (أُنوفَهم) وَهُوَ كِنَايَة عَن كَمَال الإهانة (وتبيَّن) أَي ظهر (الْأَمر) أَي الشان (بالضّدّ) أَي بِخِلَاف مَا زعموه، أَو
стр. 109
أَن تبين متعدّ، وَالْأَمر مَنْصُوب على المفعولية، وفاعله ضمير الدَّهْر، بِدَلِيل قَوْله (جالباً حُتوفَهم) جمع حَتْف، هُوَ الْهَلَاك، وَفِي الْفَقْرَة الْمجَاز والترصيع والالتزام (فطلَع) وَفِي نُسْخَة الأَصْل وطلع (صُبْح النُّجْع) بِالضَّمِّ أَي الظَّفَر والفَوْز (مِن آفَاق) أَي جِهَات (حُسْنِ الِاتِّفَاق) وبديعه (وتباشرَت) أَي سُرَّت (أَرْبَاب) أَصْحَاب (تِلْكَ السِّلَع) بِالْكَسْرِ جمع سِلْعة وَهِي البضاعة (بِنَفَاق) بالفَتح رَوَجَان الْبيُوع (الْأَسْوَاق) أَي قِيَامهَا وعمارَتها، وَفِيه نوع من صناعَة الترصيع وَغَيره من مجازات واستعارات (وناهَضَ) أَي قاوم (مُلوكَ الْعدْل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل الْعَهْد (لتنفيذ) أَي إِمْضَاء وإجراء (الْأَحْكَام، مالكُ) بِالرَّفْع فَاعل ناهض (رِقّ الْعُلُوم) أَي المستولي عَلَيْهَا كاستيلاء الْمَالِك على الرقّ (ورِبْقَة الْكَلَام) ، وَفِي نُسْخَة الأَصْل " وربقة الْأَنَام " وَهِي حَبْل فِيهِ عِدَّة عُرًى تُتَّخذ لضبط البَهْمِ، وَهِي صغَار الغَنَمِ، وَفِيه اسْتِعَارَة وجناس اشتقاق وَحسن التَّخَلُّص لذكر الممدوح، وَهَذِه الْفقر من قَوْله " لم تَزل ترفع غِرِّيدة بانها " إِلَى هنَا، كلهَا عبَارَة شرف إيوَان الْبَيَان المسلُوف ذِكْرُها، وَإِيَّاهَا أَعنِي بنسخة الأَصْل فَاعْلَم ذَلِك (بُرْهان) أَي حجَّة (الأساطينِ الأعْلامِ) جمع علم (سُلطان سلاطين الْإِسْلَام) وَيجوز أَن يُرَاد بالأعلام السادات فَإِنَّهُم أساطين الدّين المتين، وَفِيهِمَا ترصيع بديع وجناس حسن والتزام (غُرَّة وجْهِ اللَّيَالِي، قمرً بَراقع) جمع برقع تقدّم ذكره (الترافُع والتعالي) تفَاعل من الرِّفعة وَمن العُلُوّ، وَفِيه جناس التَّصْحِيف والتحريف، وَفِي نُسْخَة الأَصْل: فِي مدح ولدَيّ صَاحب الدِّيوَان غُرَّتَي وجْهِ اللَّيَالِي، وقَمرَيْ سماءِ الْمَعَالِي (عاقِد أَلْوِية) جمع لِوَاء (فُنون الْعلم كُلِّها) توكيد للفنون، وَفِيه مُبَالغَة واستعارة مكنيّة وتصريحية (شاهِر سُيوف العدلِ ردَّ الغِرارَ) بِالْكَسْرِ النّوم (إِلَى الأجفان) جمع جَفْن الْعين، وَيُطلق على غِمد السَّيْف (بِسَلِّها) أَي تِلْكَ السيوف، وَفِيه إِشَارَة إِلَى الْأمان
стр. 110
والدَّعة والراحة الَّتِي ينشأُ عَنْهَا النّوم، يَعْنِي إشهار سيوف الْعدْل كَانَ سَببا فِي ذَلِك، وَفِيه التَّأْكِيد وَالْإِيهَام والمقابلة والاستعارة (مُقَلِّد أعناقِ البرايا) أَي الْخلق (بالتحقيق) أَي التثبيت (طَوْقَ امتنانِه) أَي إحسانه وإفضاله، وَفِيه الْمُبَالغَة والاستعارة (مُقَرِّط) أَي محلِّي (آذانِ اللَّيَالِي) أسماعها أَي جَاعل آذان اللَّيَالِي مُقَرَّطَةً مُشَنَّفةً مُحلَاّةً (على مَا بَلَغَ) أَي وصل إِلَى جَمِيع (المَسامِع) جمع مِسْمع كمنبر: الأُذن، أَي شاع وذاع حَتَّى وصل إِلَى جَمِيع الأسماع (شُنُوفَ) أَي حُلَى (بَيانِه) وَفِيه الِاسْتِعَارَة ومراعاة النظير (مُمهِّد الدّين) أَي مُسهِّله ومُوطِّئه (ومُؤَيِّده) ومُقوِّيه فِي قِيَامه بأُموره وَمَا يصلحه، وَفِيهِمَا تلميح إِلَى ألقاب جَدّ الممدوح الْملك المُؤَيَّد ممهِّد الدّين دَاوُد بن عليّ، كَمَا سَيَأْتِي (مُسَدِّد المُلْكِ) من السَّداد، بِالْفَتْح، هُوَ الصَّوَاب فِي القَوْل والفِعل، أَي مقوّمه ومُنَظِّم مَا اختلَّ مِنْهُ (ومُشَيِّده) أَي رافعه، وَسَيَأْتِي فِي مَادَّته مَا يتَعَلَّق بِهِ، وَفِي الفقرتين الترصيع والالتزام وَالْمُبَالغَة.
(١)
(مولى مُلوك الأَرْض من فِي وَجْهه ... مِقْبَاسُ نُورٍ أَيُّما مِقْبَاسِ)
(٢)
(بَدْرٌ مُحَيَّا وَجْهِهِ الأَسنَى لنَا ... مُغْنٍ عَنِ القمَرَيْن والنِّبراسِ)
(٣)
(مِن أُسْرَة شَرُفَتْ وَجَلَّتْ فاعْتَلَتْ ... عَنْ أَنْ يُقَاسَ عَلاؤُها بِقياسِ)
(٤)
(رَوَوُا الخِلافة كابِراً عَنْ كابِرٍ ... بِصَحِيح إسْنَادِ بِلا إلْبَاسِ)
(٥)
(فَرَوى عَلِيٌّ عَنْ رَسُولٍ مِثلَ مَا ... يَرْوِيه يوسفُ عَنْ عُمَرْ ذِي البَاسِ)
(٦)
(وَرَواه دَاوُودٌ صَحِيحاً عَنْ عُمَرْ ... وروى عَليٌّ عَنْهُ للجُلَاّسِ)
(٧)
(ورَوَاه عَبَّاسٌ كَذَلِك عَنْ عَلِي ... ورَوَاهُ إسماعيلُ عَنْ عَبَّاسِ)
(مولَى) أَي سيّد (مُلوكِ الأَرْض) ومالكهم بسطوته ومآثره (مَنْ فِي وَجْهِه مِقبَاسُ نورٍ) أَي شُعْلَة من نور تلمع فِي وَجه الممدوح (أَيُّما مِقباسِ) أيْ مِقْباس وأيُّ مقباس، أَي مقباس
стр. 111
عَظِيم، وَفِي ذكره النُّور الاحتراس وَدفع الْإِيهَام، لِأَن المقباس هُوَ شعلة نَار (بَدْرٌ مُحيّا) كثُرَيَّا أَي حُرّ (وَجْهه الْأَسْنَى) أَي الأَضْوأ أَو الأَرفع (لنا مُغْنٍ) أَي كافٍ (عَن القمرَيْنِ) أَي الشَّمْس وَالْقَمَر تَغْلِيبًا كالنَّيِّرَيْنِ (و) عَن (النِّبْراسِ) بِالْكَسْرِ الْمِصْبَاح، وَفِيه الْمُبَالغَة (مِن أُسْرَةٍ) بِالضَّمِّ أَي رَهْطٍ (شَرُفَت) أَي علا مجدهم (وجَلَّت فاعْتَلَت) أَي ارْتَفَعت (عَنْ أَن يُقَاس) مَبْنِيّ للْمَجْهُول (عَلاؤُها) بِالْفَتْح مَمْدُود (بِقياس) وَفِيه جناس الِاشْتِقَاق ومراعاة النظير (رَوَوُا الخِلافَةَ) أَي أسندوها مُعَنْعَنةً من غير انْقِطَاع، كَمَا يُنْقَلُ الحَدِيث ويُحْمَل عَن أَصْحَابه (كابِرًا) حَال من فَاعل رووا أَي عَظِيما (عَن كابرٍ) أَي عَن عظيمٍ (بِصحيح إسنادٍ) غير مُعَلّلٍ وَلَا شَاذٍّ (بِلَا إلْباسِ) أَي بِلَا إِشْكَال وتدليس، وَفِيه التورية بِالْإِشَارَةِ إِلَى اصْطِلَاح المحدِّثين بِذكر الرِّوَاية والإسناد وَالصَّحِيح والإلباس والإتيان بِعَنْ، وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَول أبي سعيد الرُّسْتميّ فِي الصاحِب بن عَبَّاد، كَمَا أنشدنيه غيرُ وَاحِد:
(وَرِثَ الوِزَارةَ كابِرًا عَن كَابٍ ر ... مَوْصُولَةَ الإسنادِ بالإسنادِ)
(فروى عَن العبّاس عَبَّادٌ وِزارَته ... وإسماعيلُ عَن عَبَّادٌ)
وَمن هُنَا أَخذ المُصَنّف فَقَالَ (فَرَوى عَلِيٌّ) شرع فِي بَيَان رجال السَّنَد، وَأَرَادَ بِهِ الْأَمِير شمس الدّين علِيًّا أوّل من ملك من هَذَا الْبَيْت وَهُوَ قد أَخذ الْخلَافَة (عَن) وَالِده (رَسُولٍ) وَيُقَال إِن اسْمه مُحَمَّد بن هَارُون بن أبي الْفَتْح بن يُوحى بن أبي الْفَتْح الجفنيّ الغَسَّانيّ، من نَسْلِ جَبلةَ بن الأَيْهم بن جَبلة بن الْحَارِث بن أبي جَبَلة الغسَّانيّ، وَهُوَ أوّل من عَهِد إِلَيْهِ بالنيابة الخليفةُ المستعصم بِاللَّه العباسيّ أَبُو مُحَمَّد عبد الله، كَمَا قَالَه الْملك الْأَشْرَف النسابة عُمر بن يُوسُف ابْن عمر بن عَليّ بن رَسُول عمّ وَالِد الممدوح، فِي رِسَالَة لَهُ سَمَّاها تُحفة الأحباب فِي علم الْأَنْسَاب. قَالَ وأعقب الْأَمِير شمس الدّين عليّ أَرْبَعَة: بدر الدّين الْحسن، وَالْملك الْمَنْصُور
стр. 112
أَبَا بكر، وَالْملك الْمَنْصُور عُمر، والأمير شرف الدّين مُحَمَّدًا. وأولد الْأَمِير بدر الدّين الْحسن من الرِّجَال اثنينِ. أَسد الدّين مُحَمَّدًا وفخر الدّين أَبَا بكر، وَأَوْلَاد أَسد الدّين الذُّكْرَانُ: جلال الدّين عليّ، وشمس الدّين أَحْمد، وفخر الدّين أَبُو بكر، وَشرف الدّين مُوسَى، وَبدر الدّين حسن، وجلال الدّين حُسَيْن، وَصَلَاح الدّين عبد الرَّحْمَن، ولفخر الدّين ولدٌ واحدٌ، وَهُوَ غياث الدّين مُحَمَّد (مِثلَ مَا يرويهِ) الْملك المظفر (يُوسفُ عَن) وَالِده الْملك الْمَنْصُور (عُمَرْ) بن عليّ بن رَسول، وسكَّنَ راءَه ضَرُورَة (ذِي الباسِ) أَي الهيبة والسطوة، وَفِيه مَعَ الإلباس فِي الْبَيْت الَّذِي قبله نوع من الجِناس. وأعقب الْملك المظفر ثَلَاثَة عشر: الْأَمِير مُغيث الدّين أَحْمد، وَالْملك الْأَشْرَف عمر مؤلف الْكتاب الَّذِي نقلنا هَذَا النّسَب مِنْهُ، وَعمر الْكَامِل، وَمُحَمّد وَأَبُو بكر، دَرجا، والظافر لَيْث الْإِسْلَام عليّ، وأساس الدّين عِيسَى هُوَ الْملك، والواثق إِبْرَاهِيم، والمسعود حسن، وَيُونُس، وَالْحُسَيْن، وَالْملك الْمُؤَيد دَاوُد، وَالْملك الْمَنْصُور أَيُّوب، وَأما إخْوَة الْملك المظفر فاثنان: الْملك المفضَّل أَبُو بكر، وَالْملك الفائز أَحْمد، وَأما أَوْلَاد الْملك الْأَشْرَف عمر فستة: مُحَمَّد، وَحسن، وَعِيسَى، وَأَبُو بكر، وَأحمد، وَدَاوُد. ولمحمد: حَسن وَأَيوب، وَإِسْمَاعِيل. وَلأبي بكر: مُحَمَّد وَهَارُون (ورَوَاه) الْملك الْمُؤَيد ممهد الدّين (دَاوُودٌ) بن يُوسُف كَذَا رَأَيْته فِي تُحفة الْأَنْسَاب، وَنقل شَيخنَا عَن الدُّرَر الكامنة أَن لقبه هزبر الدّين، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر: كَانَ محبًّا للعلوم متفقّهاً فِيهَا، بحث فِي التَّنْبِيه، وَحفظ مُقَدّمَة ابْن بابشاذ فِي النَّحْو، وكفاية المتحفّظ فِي اللُّغَة، وَسمع الطبريَّ وَغَيره، واشتملت خِزانة كتبه على مائَة الف مجلّد، وَكَانَ من جملَة اعتنائه أَنه أُهديَ إِلَيْهِ كتاب الأغاني بخطّ ياقوت، فأَعطى فِيهَا مِائَتي دِينَار مصريّة، وأنشأَ بتَعزّ القصورَ الْعَظِيمَة، وَكَانَ استقرارُه فِي الْملك بعد مُعارَضات من أَخِيه الْملك الْأَشْرَف وَغَيره، أَقَامَ فِي المملكة خمْسا وَعشْرين سنة، وَتُوفِّي سنة ٧٢١ قَالَه اليافعي
стр. 113
(صَحيحاً عَن) جده الْملك الْمَنْصُور (عُمَرْ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يلِ الْخلَافَة بعد وَالِده، وَإِنَّمَا وَليهَا بعد أَخِيه الْملك الْأَشْرَف وَغَيره، وَقَوله صَحِيحا يُشِير إِلَى ذَلِك، وَفِيه تَلميحٌ لطيفٌ. وأعقب الْملك المؤيدُ داؤوُد، علَى مَا قَالَه الْملك الْأَشْرَف خَمْسَة: عُمَر، وضرغام الدّين حسن، وقطب الدّين عِيسَى، وَأحمد، وَيُونُس. قلت: وَلم يذكر الْمُجَاهِد عليًّا، لتأَخُّر وِلَادَته عَن التَّأْلِيف، وَفِيه الْبَيْت والعَدَد والخلافة، وَقد تقدّم ذِكْرُ المسعود، وَله ولد اسْمه أَسد الْإِسْلَام مُحَمَّد، وَكَذَلِكَ الْمَنْصُور أَيُّوب لَهُ أَحْمد وَإِدْرِيس، وَكَذَلِكَ المفضّل، وَله عمر، وَكَذَلِكَ الفائز وَله يُوسُف وَعلي وَإِسْمَاعِيل وَرَسُول (ورَوَى) الْملك الْمُجَاهِد (عَليٌّ عَنهُ) أَي عَن وَالِده دَاوُد (للجُلَاّس) ولي السلطنة بعد أَبِيه فِي ذِي الْحجَّة سنة ٧٣١ وثار عَلَيْهِ ابنُ عَمه الظَّاهِر بن مَنْصُور، فغلبه، وَاسْتولى أَبوهُ الْمَنْصُور وَقبض على الْمُجَاهِد، ثمَّ مَاتَ فَقَامَ الظَّاهِر، وَجَرت بَينه وَبَين الْمُجَاهِد حُروبٌ، وَاسْتقر الظَّاهِر بالبلاد، واستقرت تعزّ بيد الْمُجَاهِد، فَخرج من الْحصار، ثمَّ كَاتب المجاهدُ الناصرَ صاحبَ مصر. فَأرْسل لَهُ عسكراً، وَجَرت لَهُم قِصصٌ طَوِيلَة، إِلَى أَن آل الْأَمر للمجاهد، وَاسْتولى على الْبِلَاد كلهَا، وَحج سنة ٧٤٣ وَلما رَجَعَ وجد ولَدَه قد غلب على المملكة ولُقِّب بالمؤيد، فحاربه إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله، ثمَّ حجّ سنة ٧٥١ وقدّم محمله على محمل المصريّين، وَوَقع بَينهم الحروب، وأُسِر المجاهدُ وحُمل إِلَى الْقَاهِرَة، وأكرمه السُّلْطَان النَّاصِر وحلّ قَيده، وخلع عَلَيْهِ، وجهزه إِلَى بِلَاده، ثمَّ أُعيد إِلَى مصر أَسِيرًا وحُبس فِي الكَرك، ثمَّ أُطلِق وأُعيد إِلَى بِلَاده على طَرِيق عَيْذَاب، وَاسْتقر فِي مَمْلَكَته إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمادى الأُولى سنة ٧٦٧ وَذكر اليافعي فِي تَارِيخه أَن للمجاهد نظماً ونثرًا وديوانَ شعرٍ وَمَعْرِفَة بِعلم الْفلك والنجوم والرّمْل وَبَعض الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة من فقه وَغَيره (ورَوَاه) الْملك الْأَفْضَل (عَبَّاسٌ) صَاحب زبيد وتعزّ، ولي سنة ٧٦٤ وَأقَام فِي إِزَالَة المتغلِّبين
стр. 114
من بني ميكال، إِلَى أَن استبدّ بالمملكة، وَكَانَ يحب الْفضل والفُضلاء، وألَّف كِتاباً وسماهُ نزهة الْعُيُون، وَله مدرسة بتعزّ، وأُخرى بِمَكَّة، توفّي فِي شعْبَان سنة ٧٧ ﴿كَذَلِك عَن) وَالِده (عَلى) السَّابِق ذِكرُه (ورَوَاه) الممدوح الْملك الْأَشْرَف ممهد الدّين (إسماعيلُ عَن) وَالِده (عَبَّاس) ولي السلطنة بعد أَبِيه فَأَقَامَ فِيهَا خمْسا وَعشْرين سنة، وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره طائشاً، ثمَّ توقَّر وأَقبل على الْعلم وَالْعُلَمَاء وأحبّ جمعَ الكُتب، وَكَانَ يُكْرِم الغُرباء، ويبالغ فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِم، امتدحتُه لما قدِمْت بلدَه، فأثابني، أحسنَ الله جزاءه. مَاتَ فِي ربيع الأول سنة ٨٠٣ بِمَدِينَة تعز، وَدفن بمدرسته الَّتِي أنشأَها بهَا وَلم يكمل الْخمسين. هَذَا كَلَام الْحَافِظ ابْن حجر، نَقله عَنهُ شَيخنَا. قلت: وَكَانَت رِحلة الْحَافِظ إِلَى زبيد سنة ثَمَانمِائَة. وألّف لَهُ المؤلّف عدَّة تآليف باسمه وَكَانَ قد تزوّج بابنته، وَهُوَ الَّذِي ولاّه قضاءَ الْأَقْضِيَة بِالْيمن، وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ (تَهُبُّ) بِالضَّمِّ على غير قِيَاس كَمَا قَالَه الشَّيْخ ابْن مَالك (بِهِ) أَي الممدوح وَالْبَاء سَبَبِيَّة وَفِي نُسْخَة الأَصْل عِنْد مدح ولدَيْ صاحبِ الدِّيوَان السعيد مَا نَصه: يَهُبُّ بهما (علَى رِياض) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: روض (المُنَى) جمع مُنْيَة بِالضَّمِّ، وَهِي مَا يتمنّاه الْإِنْسَان وتتوجَّه إِلَيْهِ إِرَادَته (رِيحَا) تَثْنِيَة ريح مُضَاف إِلَى المتعاطفين وهما (جنُوب وشَمَال) إِضَافَة العامّ إِلَى الخاصّ، وَفِيه تَشْبِيه الْمَعْقُول بالمحسوس والاستعارة وَشبه التفويف (وتَقِيل) أَي تُقِيم، وَقد يُقَيَّدُ بِطول النَّهَار، كالبيْتُوتَة بطُول اللَّيْل (بمكانه) أَي الممدوح. وَفِي نُسْخَة الأَصْل: ويَقِيل بمكانهما (جنَّتان) تَثْنِيَة جَنَّة بِالْفَتْح (عَن يَمِين وشِمال) الجهتان المعروفتان، وَفِي الفقرتين الجِناس التَّام إِن قُرِئ الشمَال فيهمَا بِالْفَتْح فَقَط أَو الْكسر فَقَط، لِأَنَّهُمَا لُغَتَانِ فِي كلّ من الرّيح والجِهة، وَإِن ضبطت الْجِهَة بِالْكَسْرِ وَالرِّيح بِالْفَتْح على مَا هُوَ الْأَفْصَح فالجناس محرَّف، والاقتباس ظَاهر، قَالَه شَيخنَا (وتَشتمِل) وَفِي نُسْخَة الأَصْل: يشْتَمل، أَي يلتفّ
стр. 115
(على مَناكِبِ) جمع مَنكِب كمجلس، وَهُوَ رَأس العضُد والكَتِف، لِأَنَّهُ يعْتَمد عَلَيْهِ (الْآفَاق أَرْدِيَةُ) جمع رِدَاء، مَا يُرتَدَى بِهِ (عَواطِفِه) جمع عَاطِفة، وَهِي الخَصلَة الَّتِي تَحمل الْإِنْسَان على الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة كالرَّحِم وَنَحْوهَا (وتَسِيل طِلَاعَ) بِالْكَسْرِ أَي ملءَ (الأرضِ) وَفِي التوشيح: طِلاعُ كلِّ شيءٍ: مِلْؤُه (للإرْفَاق) بِالْكَسْرِ مصدر أرفَقَ بِهِ إِذا نَفعه وَأَعْطَاهُ وتلطَّف بِهِ، وَهَذِه اللَّفْظَة سَقَطت من نُسْخَة الأَصْل، وَنَصهَا بعد الأَرْض (أَوْدِيةُ) جَمع وَادٍ (عَوارِفِه) جمع عارفة وَهِي الْمَعْرُوف والعِطيَّة، وَفِي الفقرتين اسْتِعَارَة مكنية، وتخييلية وترشيح والترصيع والجناس اللَّاحِق (وتَشمَلُ) أَي تعُمُّ (رأْفتُه البلادَ والعِباد، وتَضْرِبُ دُون المِحَنِ) بِالْكَسْرِ جمع مِحْنَة وَهِي البَليَّة والمُصِيبة أَي يُحَال دونهَا (والأضدادِ) جمع ضِدّ بِالْكَسْرِ، هُوَ الْمُخَالف والعَدُوُّ (الجُنَنَ) جمع جُنَّة بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيد وَهِي الوِقاية (والأسْدَاد) وَنَصّ عبارَة الأَصْل: وَيضْرب دون المحن الأسْداد، جمع سُدّ بِالضَّمِّ وَهُوَ الحاجز، يَعْنِي أَن هَذَا الممدوح لعلّو هِمته وَكَمَال رأْفته يحول بَين متعلقاته وَبَين المحن والبلايا والأضداد والأعداء بأنواع الْمَوَانِع والحجب الَّتِي تحفظهم من الْآفَات، وَفِيه الترصيع والالتزام، وَمن قَوْله تهب إِلَى هُنَا كلهَا عبارَة شرف إيوَان الْبَيَان الْمُتَقَدّم ذِكرُها (وَلم يَسَعِ البليغَ) مفعول مُقَدَّم وفاعله (سِوَى سُكُوتِ الحُوتِ بمُلتَطِمِ) صِيغَة اسْم فَاعل من التطمت الأمواج إِذا ضرب بَعْضهَا بَعْضًا (تَيَّار) كشدّادٍ مَوْج (بِحارِ فوائدِهِ) يَعْنِي أَن البليغ غرق فِي تيّار بَحر عطاياه المتلاطمة الأمواج، فَلَا يَسعهُ إِلَّا السُّكُوت، كالحوت الَّذِي امْتَلَأَ فوه بِالْمَاءِ فَلَا يَسْتَطِيع كلَاما لامتلاء فِيهِ (وَلم تَرْتَمِ) افتعال من الرمْي (جَوَاري الزُّهْرِ) أَرَادَ بهَا النُّجُوم الزاهرة من الجَوارِي الكُنَّس (فِي) مُتَعَلق بترتم (البحرِ الأخضرِ) الْعَظِيم (إلاّ لِتُضَاهِيَ) أَي تشابه وتشاكل (فرائدَ) أَي شذور (قَلائِدِهِ) وَالْمعْنَى أَن الْجَوَارِي الكنس الزاهرة لم
стр. 116
ترتم فِي الْبَحْر الْعَظِيم أَي فِي وَسطه مُقَابلَة للأُفق إِلَّا طلبا مِنْهَا أَن تكون مشابهة للفرائد الَّتِي ينظمها فِي قلائد عطاياه، وَفِيه الترصيع والالتزام وَالْمُبَالغَة وَغَيرهَا (بَحْرٌ) أَي هُوَ بَحر أَي كالبحر، فَهُوَ تَشْبِيه بليغ عِنْد الْجُمْهُور، واستعارة عِنْد السكَّاكي، قَالَه شَيخنَا (عَلى عُذُوبةِ) أَي حلاوة (مائِه) وَفِيه احتراس، لأَنهم قرروا أَن الْجَوَاهِر إِنَّمَا تستخرج من الْبَحْر الْملح (تَملأُ السَّفائنَ) مفعول مقدم وَالْفَاعِل (جَواهِرُه) جمع جَوْهَرَة وَهِي كل حجر يسْتَخْرج مِنْهُ شَيْء ينْتَفع بِهِ، وَكثر اسْتِعْمَاله فِي اللُّؤْلُؤ خاصّةً، وَفِيه مُرَاعَاة النظير (وتُزْهَى) مَجْهُولا أَي تَفْخَر (بالجوَارِي المُنشَآتِ) أَرَادَ بهَا القصائد والأمداح تعبر عَنْهَا كَمَا تعبر عَن الْأَبْكَار يُؤَيّدهُ (مِن بَنَاتِ الخاطرِ) لِأَنَّهَا تتولد وتتكوّن من الخواطر (زَوَاخِرُه) أَي مواد عطاياه الَّتِي هِيَ كالبحر (بَرٌّ) أَي هُوَ برٌّ أوردهُ على جِهَة التورية وَالْإِيهَام بِمَا يُقَابل الْبَحْر لذكره فِي مُقَابلَته (سالَ) أَي جرى، وَفِيه إِيهَام لطيف (طِلاعَ الأرضِ) أَي مِلأها (أَوْدِيَةُ جُودِهِ) أَي جوده الْجَارِي كالأَوْدِيَة (وَلم يَرْضَ) أَي الْبر الَّذِي سَالَ جوده (للمُجْتَدِي) أَي السَّائِل (نَهْرا) بِفَتْح فَسُكُون أَي منعا وزجراً وطرداً، امتثالاً لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأما السَّائِل فَلَا تنهر﴾ (وطَامِي) أَي ممتلئ (عُبَابِ) بِالضَّمِّ مُعظم السَّيْل، وَسَيَأْتِي (الكَرَم) أَي الْجُود (يُجَارِي) أَي يبارِي (نَدَاهُ) عطاؤُه (الرَّافِدَيْنِ) تَثْنِيَة رافِد، وهما دِجْلة والفُرات (وبَهْرا) بِفَتْح فَسُكُون أَي ويَبْهرهما بَهْرًا، أَي يغلبهما. وَجعل قَاضِي كجرات الرافدين جمع رافد، وَهُوَ غلط، وَيجوز أَن يُقَال إِن بهرًا مَعْنَاهُ تعساً وقُبحاً، يُقَال بَهْرًا لَهُ، ردًّا لما يُتَوَهَّمُ بِالسُّكُوتِ من أَنَّهُمَا يَقدِرانِ على المجاراة، لِأَنَّهَا تكون من الطَّرفَيْنِ، فتدارك ذَلِك الْإِيهَام، يَعْنِي أَن نداه يجارِي الرافدينِ أَي دجلة والفرات، وَيُقَال لَهما بَهْرًا لَكمَا، أَي تعساً، كَيفَ تقدران على المجاراة، قَالَه شَيخنَا، وَفِيه الجناس
стр. 117
الْمُصحف (خِضَمٌّ) بِكَسْر فَفتح فتشديد أَي هُوَ، خِضمّ، وَهُوَ السّيد الحَمول الكثيرُ العطاءِ، كَمَا سَيَأْتِي (لَا يبلُغ كُنْهَهُ) بِالضَّمِّ أَي حَقيقته (المتعَمِّق) أَي المتنطِّع والمتكلِّف (عَوْض) من الظروف المستعملة فِي الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، خلاف قطّ، أَي لَا يصل البليغ إِلَى إِدْرَاك حَقِيقَته أبدا، وَفِيه مُبَالغَة (وَلَا يُعطَى) مبنيًّا للْمَجْهُول (الماهرُ) الحاذق بالسِّباحة (أَمَانَهُ) ثَانِي مفعولي يعْطى (مِن الغَرَقِ) محرّكة هُوَ الغيبوبة فِي المَاء (إِن اتَّفَقَ لَهُ) من غير قصد (فِي لُجَّتِه) أَي أعظم مَائه (خَوْض) هُوَ الدُّخُول فِيهِ، وَفِيه الِالْتِزَام والجناس اللَّاحِق (مُحِيطٌ) أَي هُوَ بَحر مُحِيط جَامع غير مُحْتَاج، وَمَعَ ذَلِك (تَنْصَبُّ) فيهِ وتنحدر (إِلَيْهِ الجَدَاوِلُ) الْأَنْهَار الصغار (فَلَا يَرُدُّ ثِمادَهَا) بِالْكَسْرِ جمع ثَمَدِ محركةً، أَي قليلها الَّذِي جاءَت بِهِ، وَلَا يَدْفَعهُ، بل يقبله قَبُولاً حسنا، كَمَا تقبلُ البحارُ مَا ينحدر إِلَيْهَا من السُّيول والأنهار، وَلَا تدفع شَيْئا (وتغتَرِفُ) أَي تَأْخُذ الغُرْفة بعد الغُرْفة (من جُمَّتِه) بِالضَّمِّ فالتشديد أَي معظمه (السُّحُبُ) بِالضَّمِّ جمع سَحابة (فَتَملأُ مَزَادَها) أَي قِرَبَهَا، وَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ وَالِاخْتِلَاف (فأَتحَفْتُ) أَي تلطَّفْت وأوصلت (مجلِسَه العالي) هُوَ ذَاتُه، كَقَوْلِهِم: الجنابُ العالي والمقامُ الرفيع (بِهَذَا الكِتابِ) يَعْنِي الْقَامُوس (الَّذِي سَمَا) أَي علا (إِلَى السما لمَّا تَسَامَى) يَعْنِي أَن كِتَابه تَسامَى بأوصافه البديعة إِلَى أَن وصل السماءَ، أَي بلغ الْغَايَة الَّتِي لَا يجاوزها أحدٌ، فَهُوَ فِي غَايَة العُلوِّ. ثمَّ اعتذر للمدوح فَقَالَ (وأنَا فِي حَمْلِه) أَي الكِتاب [ (إِلَى حَضرَته) ] وَإِن دُعِيَ) وسمى ولقب (بالقاموس) وَهُوَ مُعظم الْبَحْر، كَمَا سبق (كحامل القَطْرِ إِلَى الدَّأْمَاء) من أَسمَاء الْبَحْر، أَي فَلَا صنيعةَ وَلَا مِنَّةَ لمن يحمل القَطْرَ إِلَى الْبَحْر، وَفِيه تلميح لطيف إِلَى مَا أنشدَناه الأديبُ عمر بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن صَلَاح الدّين الْأنْصَارِيّ:
(كَالبحْرِ يُمْطِرُه السَّحَابُ ومَالَهُ ... فَضْلٌ عَلَيْهِ لأنَّه مِنْ مَائِهِ)
стр. 118
(والمُهْدِي) أَي وكالمقدِّم (إِلَى خُضَارَةَ) بِالضَّمِّ اسْم عَلَمٍ على الْبَحْر، مُنع من الصرفَ للتأْنيث والعلمِيَّة (أقَلَّ مَا يكون من أنداءِ المَاء) جمع نَدًى، وَهُوَ الطَّلُّ يكون على أَطْرَاف أوراق الشّجر صباحاً، وَهُوَ مُبَالغَة فِي حَقارَة هَذِه الهديَّة وَإِن عظمت بِالنِّسْبَةِ إِلَى المهدَى لَهُ. وَفِي القوافي الِالْتِزَام وَالْمُبَالغَة (وَهَا أَنا أقولُ) قَالَ شَيخنَا الْمَعْرُوف بَين أهل الْعَرَبيَّة أَن هَا الْمَوْضُوعَة للتّنْبِيه لَا تدخل على ضمير الرّفْع الْمُنْفَصِل الْوَاقِع مُبْتَدأ إِلَّا إِذا أخبر عَنهُ باسم إِشَارَة، نَحْو ﴿هَا أَنْتُم أولاء﴾ ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ فَأَما إِذا كَانَ الْخَبَر غير إِشَارَة فَلَا، وَقد ارْتَكَبهُ المُصَنّف غافلاً عَن شَرطه، وَالْعجب أَنه اشْترط ذَلِك فِي آخر كِتَابه لما تكلّم على " هَا " وارتكبه هَا هُنَا، وَكَأَنَّهُ قلد فِي ذَلِك شَيْخه العلَاّمة جمال الدّين بن هِشام، فَإِنَّهُ فِي مُغني اللبيب ذكرهَا ومعانيها واستعمالها، على مَا حَقَّقَهُ النحويون، وعَدَل عَن ذَلِك فاستعملها فِي كَلَامه فِي الْخطْبَة مثل المُصَنّف فَقَالَ: وَهَا أَنا بائح بِمَا أَسرَرْته، انْتهى (إِن احتَملَه مني) أَي حمله وَقَبله (اعْتناءً) أَي اهتماماً بشأْنه أَو قَبِلَه حَالَة كَونه مُعتنياً بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، مَعَ حقارته بِالنِّسْبَةِ لما عِنْده من الذَّخَائِر العِظام، وَفِي التَّعْبِير بِالِاحْتِمَالِ إيماءٌ إِلَى كَمَال حلمه (فالزَّبَدُ) محرّكةً: مَا يَعْلُو الْبَحْر وَغَيره من الرغوة (وَإِن ذَهَب جُفاءً) بِالضَّمِّ، يُقَال جَفَأَ الْوَادي وأَجفَأَ إِذا أَلقى غُثاءَه (يَركَبُ) يعلى (غَاربَ) كَاهِل (البَحْر) أَي ثَبَجه (اعتلاءً) مفعول مُطلق أَو حَال من الْفَاعِل أَي حَالَة كَونه معتلياً (ومَا أَخَاف على الفُلْكِ) أَي السَّفِينَة (انكفاءً) انقلاباً (وَقد هَبَّتْ) تَحرَّكت ومَرَّت (رياحُ عِنايته) اهتمامه وتوجُّهه (كَمَا اشتَهت السُّفُنُ) أَي اشتاقت وتوجَّهت ريحًا (رُخَاء) بِالضَّمِّ، وَهِي الليِّنة الطيِّبة، عبَّر عَن كِتَابه بالفلك، لما فِيهِ من بضائع الْعُلُوم، وقدَّمه هديَّةً لهَذَا الممدوح، وعبرَّ بالانكفاء عَن الردّ وَعدم القَبُول، وَالْمرَاد أَنه لَا يخَاف على هَدِيَّته أَن تنْقَلب إِلَيْهِ، لكَمَال حلم المهدَى لَهُ، وَهُوَ الممدوح، فَهُوَ بحرٌ،
стр. 119
والسفنُ الَّتِي تجْرِي فِيهِ لَا يحصل لَهَا انكفاءٌ وَلَا انقلابٌ، لِأَن رِيحه طيِّبة رِخْوَة، لَا تهبُّ إلاّ على: وَفْق السفن، فَلَا تخالفها، لعدم وجدان الزعازع والرياح الْعَاصِفَة فِي هَذَا الْبَحْر، وَفِيه الجناس اللَّاحِق، فِي اعتناء واعتلاء، والالتزام فِي جفَاء وانكفاء. واستعارة الرّكُوب وَالْغَارِب للفلك، وهبوب الرِّيَاح للعناية، والتلميح للاقتباس فِي ذهب جُفاء إِلَى قَول المتَنَبِّي.
(تَجْري الرِّياحُ بمَا لَا تَشْتَهي السُّفُنُ ... )
ثمَّ احتار وَبَالغ فِي هَيْبَة الْمُخَاطب وجلالته، كَأَنَّهُ لم يَتَّضِح لَهُ الطَّرِيق، وَلم يهتد لوجه الْعذر، فاستفهَم عَنهُ فَقَالَ (وَبِمَ) أَي بِأَيّ شيءٍ (أعتَذِرُ) أَرشدوني (مِن حَمْلِ الدُّرِّ مِن أَرْضِ الْجبَال) وَهِي الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بعراق الْعَجم، وَهِي مَا بَين أصفهان إِلَى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرميسين والري وَمَا بَين ذَلِك من الْبِلَاد والكُوَر (إِلَى عُمَان) كغُراب كُورة على سَاحل الْيمن، تشْتَمل على بلدان، أَي إِن الدرَّ كثيرٌ فِي عُمَان المعبّر بِهِ عَن الممدوح، وَقَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجبَال المعبَّر بِهِ عَن المُهدِي، وَهُوَ نَظِير قَوْلهم: كجالِب التَّمْر إِلَى هَجَر، قَالَ شَيخنَا: يَعْنِي أَن الهديّة شأْنُها أَن تكون أَمرًا غَرِيبا لَدَى المُهدَى إِلَيْهِ، وَمن يُهِدي الدرَّ إِلَى عُمان، وَالتَّمْر إِلَى يَثْرِب وَنَحْو ذَلِك، يَأْتِي بِالْأَمر المبتَذَل الْكثير الَّذِي لَا عِبْرَة بِهِ فِي ذَلِك الْموضع (وَأَرَى البحرَ) الْجُمْلَة حَالية (يَذهَبُ ماءُ وَجْهِهِ) أَي يضمحلّ، وَهُوَ كِنَايَة عَن التجرُّد عَن الْحيَاء، وقِدمًا قيل.
(وَلَا خَيْرَ فِي وَجْهٍ إذَا قَلَّ مَاؤُه ... )
(لَو حَملَ) هُوَ أَي الْبَحْر (بِرَسْمِ الخِدْمة) وَقصد الْعُبُودِيَّة (إِلَيْهِ) أَي الممدوح أشرف مَا يفتخر بِهِ وَهُوَ (الجُمَان) بِالضَّمِّ هُوَ اللُّؤْلُؤ الصافي، أَي كَانَ ذَلِك قَلِيلا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لقلَّة حيائه وَذَهَاب رونق مَاء وَجهه (وفُؤاد البحرِ يَضطَرِبُ) أَي يتحرَّك ويَتموَّج ويَتلاطم (كاسْمِه رَجَّافاً) أَي بِاعْتِبَار
стр. 120
وَصفه، وَقد أطلقت الْعَرَب هَذَا اللَّفْظ عَلَيْهِ، فَصَارَ علَماً عَلَيْهِ، وَهُوَ حَال من فَاعل يضطرب (لَو أَتحَفَه) أَي الْبَحْر الممدوح (المرْجَان) هُوَ كبار اللُّؤْلُؤ أَو صغاره، على اخْتِلَاف فِيهِ (أَو أنفَذَ) أَي الْبَحْر أَي أمضى وأوصل (إِلَى البحرَيْن) مَوضِع بَين الْبَصْرَة وعُمَان، مَشْهُور بوجدان الْجَوَاهِر فِيهِ، وَقد أبدع غَايَة الإبداع بقوله (أعنِي يَدَيْه) الفائقتين (الجواهِرَ الثِّمان) مَنْصُوب على المفعولية، أَي وَلَو أتحف الْجَوَاهِر المثمنة الغالية، وَفِي الْأَوليين مَعَ الْأَخِيرَة الِالْتِزَام، وَفِي الثَّانِيَة الِاسْتِعَارَة التصريحية أَو التخييلية، بِحَسب إِعْمَال الصَّنْعَة فِي تَشْبِيه الْبَحْر بِرَجُل يقوم برسم الْخدمَة، فَيذْهب مَاء وَجهه على أَي وَجه استعملته، وَفِي الثَّالِثَة التوْرِية فِي الرجَّاف، وَفِي الرَّابِعَة الِاسْتِخْدَام ولطافة التورية (لَا زالتْ حضرَتُه) أطلقوها على كل كَبِير يحضر عِنْده النَّاس فَقَالُوا: الحضرة الْعَالِيَة تَأمر بِكَذَا، كَمَا قَالُوا: الْمقَام السَّامِي، والجناب العالي (الَّتِي هِيَ جَزيرةُ بحرِ الجُودِ) والجزيرة بقْعَة ينحسر عَنْهَا المَاء وينجزر وَيرجع إِلَى خلف (منْ خالداتِ الجزائر) أَي من الْبَاقِيَات إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، لما فِيهَا من النَّفْع بصاحبها وَفِيه التورية العجيبة بالجزائر الخالدات، وَهِي جزائر السعادات، يذكرهَا المنجمون فِي كتبهمْ، وَيَأْتِي ذكرهَا فِي مادّتها (و) لَا زلت (مَقرَّ أُناس يُقابِلون) أَي يواجهون أَو يعارضون (الخَرَزَ) محركةً هُوَ الْحجر الَّذِي ينظم كَاللُّؤْلُؤِ (المحمولَ إِلَيْهَا) أَي الحضرة (بأَنفَسِ الْجَوَاهِر) أَي الْبَالِغَة فِي النفاسة، وَهُوَ دُعَاء لَهُ بِالْبَقَاءِ على جِهةِ الخلود، وَأَنه يَخلُف من يقوم مَقامه فِي حَضرته، فَلَا تزَال مقرًّا للموصوفين بِمَا ذُكر، وَفِي الْكَلَام مُبَالغَة وتورية (وَيرْحَم الله عبدا قَالَ آمينا) ضمن الدُّعَاء كَلَامه، لكَمَال الاعتناء باستجابته، وَالرَّغْبَة فِي حُصُول ثَمَرَته، لِأَن كل من سمع هَذَا الدُّعَاء فَإِنَّهُ يَأْتِي بالتأمين رَغْبَة فِي الرَّحْمَة، فَيحصل الْمَطْلُوب، قَالَ شَيخنَا: وَهُوَ شطر من شعر رَوَاهُ صَاحب الحماسة
стр. 121
البصرية لمَجْنُون بني عَامر، واسْمه قيس ابْن مُعاذ الْمَعْرُوف بالملوّح، وأوّله:
(يَا رَبِّ لَا تَسْلُبنّي حُبَّها أبدا ... ويَرْحَمُ اللهُ عَبْدًا قَالَ آمينَا)
وَله قصَّة رَأَيْتهَا فِي الدِّيوَان الْمَنْسُوب إِلَيْهِ.
قَالَ شَيخنَا: وَهَذَا آخر الزِّيَادَة الَّتِي أهملها الْبَدْر الْقَرَافِيّ والمحب ابْن الشّحْنَة، لِأَنَّهَا لم تثبت فِي أصولهم من قَوْله: " وَهَذِه اللُّغَة الشَّرِيفَة " إِلَى هُنَا. قَالَ: وَكَأن المُصَنّف زَادهَا فِي الْقَامُوس بعد أَن استقرَّ بِالْيمن وأزمع إهداءه لسلطان الْيمن الْملك الْأَشْرَف، فقد قيل: إِنَّه صنَّفه بمكّة المشرَّفة، فَلَمَّا رأى إكرام الْأَشْرَف لَهُ زَاد ذِكْرَه فِي الدّيباجة، وَأثبت اسْمه فِيهِ، لمَسِيس الْحَاجة، وَقصد بذلك ترغيبَه فِي الْعلم وَأَهله، أَو مَا يقرب من ذَلِك من الْمَقَاصِد الْحَسَنَة إِن شاءَ الله تَعَالَى، وَيُؤَيّد هَذَا الظَّاهِر أَن هَذَا الْكَلَام ساقِطٌ فِي كثير من النّسخ الْقَدِيمَة.
قلت: وَالَّذِي سمعناه من أَفْوَاه مَشَايِخنَا اليَمنيّين أَن الْمجد سوّد الْقَامُوس فِي زَبيد بالجامع الْمَنْسُوب لبني المِزجاجي، وهم قَبيلَة شيْخنا سيّدي عبد الْخَالِق، متع الله بحياته، وَفِيه خَلوَةٌ تواترَ عِنْدهم أَنه جلس فِيهَا لتسويد الْكتاب، وَهَذَا مَشْهُور عِنْدهم، وَأَن التبييض إِنَّمَا حصَل فِي مَكَّة المشرّفة، فَلِذَا ترى النّسخ الزَّبِيديّة غالبها محشُوّة بالزيادات الطبية وَغَيرهَا والمكية خَالِيَة عَنْهَا (وكتابي هَذَا) أَي الْقَامُوس (بِحَمْد الله [تَعَالَى] ) مصحوباً أَو ملتبساً، جاءَ بِهِ تبركاً وقياماً بِبَعْض الْوَاجِب على نعْمَة إِتْمَامه على هَذَا الْوَجْه الْجَامِع (صَريحُ) أَي خَالص ومحض (ألْفَىْ) تَثْنِيَة ألف (مُصَنَّف) على صِيغَة الْمَفْعُول أَي مؤلف
стр. 122
فِي اللُّغَة (من الْكتب الفاخِرَة) الجيّدة أَي زِيَادَة على مَا ذُكِر من العُباب والمحكم والصحاح من مؤلّفات سائرِ الْفُنُون، كالفقه والْحَدِيث والأُصول والمنطق وَالْبَيَان وَالْعرُوض والطب وَالشعر ومعاجم الروَاة والبلدان والأمصار والقرى والمياه وَالْجِبَال والأمكنة وَأَسْمَاء الرِّجَال والقصص وَالسير، وَمن لُغَة الْعَجم، وَمن الاصطلاحات وَغير ذَلِك، فَفِيهِ تفخيم لشأن هَذَا الْكتاب، وتعظيم لأَمره وسَعَته فِي الْجمع والإحاطة (ونَتيج) بِفَتْح النُّون وَكسر التَّاء الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة، هَكَذَا فِي النّسخ الَّتِي بِأَيْدِينَا، كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ النتيجة أَي حَاصِل وثَمرَة (ألفَيْ) بالتثنية أَيْضا (قَلَمَّس) محركة مَعَ تَشْدِيد الْمِيم أَرَادَ بِهِ الْبَحْر (من العيَالم) جمع عَيْلَم كصَيْقَل، هُوَ الْبَحْر (الزاخِرة) الممتلئة الفائضة، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن تِلْكَ الْكتب الَّتِي مادّة كِتَابه مِنْهَا لَيست من المختصرات، بل كل وَاحِد مِنْهَا بَحر من الْبحار الزاخرة، وَفِي نُسْخَة: سَنِيح بِالسِّين الْمُهْملَة وَكسر النُّون وَفِي آخِره حاء، أَي جَوْهَر ألفى كتاب أَي مختارها وخالصها، وَقد أورد الْقَرَافِيّ هُنَا كلَاما، وتكلَّف فِي بَيَان بعض النّسخ تفقّهاً، لَا نقلا من كتاب، وَلَا سَمَاعا من ثِقة، وَقد كفانا شيخُنا رَحمَه الله تَعَالَى مُؤْنَة الردّ عَلَيْهِ، فراجع الشَّرْح إِن شِئْت، وَفِي الْفَقْرَة زِيَادَة على الْمجَاز الْتِزَام مَا لَا يلْزم (واللهَ) الْعَظِيم (أَسأَلُ) لَا غيرَه (أَن يُثِيبَني) أَي يعطيني (بِهِ) أَي الْكتاب أَي بِسَبَبِهِ (جَميلَ الذِّكر فِي الدُّنيا) وَهُوَ الثَّنَاء بالجميل، وَقد حصل، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ فسَّره بَعضهم بالثناء الْحسن، قَالَ ابْن دُرَيْد:
(وإنَّما الْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ ... فَكُنْ حَدِيثاً حَسَناً لِمَنْ وَعَى)
وَإِنَّمَا رجا شكر الْعباد لِأَنَّهُ تقرَّر أَن ألسِنة الخلْق أَقْلَام الْحق، وَلقَوْله
" مَنْ أَثنَيْتُم عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ " وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ شكر الْعباد
стр. 123
لحظّ نَفسه، ولتكون لَهُ مَكانةٌ عندهَم إِذْ مثل هَذَا يطْلب الدُّعَاء للتنصُّل مِنْهُ والتجرّد عَنهُ (وجَزيلَ الأجْر فِي الآخِرة) هُوَ الْفَوْز بِالْجنَّةِ أَو التنعم بِالنّظرِ إِلَى الْوَجْه الْكَرِيم وَحُصُول الرضْوَان، وَقد حصل الثَّنَاء فِي الدُّنْيَا، كَمَا فَازَ بِطَلَبِهِ فِي الْآخِرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَفِيه الِالْتِزَام مَعَ الَّتِي قبلهَا والترصيع فِي أغلبها (ضارِعاً) متذلِّلاً (إِلَى مَن ينظر) أَي يتَأَمَّل (مِنْ عَالِمٍ فِي عَمَلي) هَذَا (أَن يَستُرَ عِثَارِي) أَرَادَ بِهِ الْوُقُوع فِي الْخَطَأ (وَزَللِي) محرّكة عطف تَفْسِير لما قبله (ويَسُدَّ) بِالضَّمِّ أَي يصلح (بِسَدادِ) بِالْفَتْح أَي استقامة (فَضْلِه خَلَلي) محرّكة، وَهُوَ الوهن فِي الْأَمر، والتفرّق فِي الرَّأْي، وأمرٌ مختلٌّ أَي ضَعِيف، وَإِنَّمَا خصَّ العالِم بذلك لِأَنَّهُ الَّذِي يميِّز الزلَل، وَيسْتر الخلَل، وَأما الْجَاهِل فَلَا عِبرة بِهِ وَلَا بنظرِه، بل وَلَا نَظر لِبَصرِه، وَلذَا قيل: إِن المُرَاد بِالنّظرِ هُوَ التفكُّر والتأمُّل، لَا مُطلق الإمرار، ولزيادته وكثرته عدَّاه بفي الظَّرْفِيَّة، وصيَّر الْعَمَل مظروفاً لَهُ، قَالَه شَيخنَا. ثمَّ إِن كَلَامه هَذَا خرج مَخرَج الِاعْتِذَار عَمَّا وَقع لَهُ فِي هَذَا الْمِضْمَار، فقد قيل: من صَنَّف فقد استهْدَف نَفْسَه. وَقل المؤتمن الساجِي: كَانَ الْخَطِيب يَقُول: من صَنَّف فقد جعل عَقْلَة على طَبَقٍ يَعرِضُه على النَّاس. وَفِيه الجناس المحرَّف بَين " مِنْ " الجارة البيانية و " مَنْ " الموصولة المبينة بهَا، والمقلوب فِي عَالم وَعمل، والاشتقاق فِي يسدّ وبسداد، والتزام مَا لَا يلْزم، وَفِي الفقرتين الْأَخِيرَتَيْنِ الجناس اللَّاحِق والمقابلة المعنوية للستر والعثار، والزلل والسداد والخلل (و) بعد أَن ينظر فِيهِ مَعَ التَّأَمُّل والمراجعة عَلَيْهِ أَن (يُصْلِحَ مَا طَغَى) أَي تجَاوز القدْرَ المُرَاد (بِهِ القلمُ) ونسبته إِلَيْهِ من الْمجَاز العقليّ، فَالْمُرَاد بالإصلاح إِزَالَة مَا فسد فِي الْكتاب، بالتنبيه عَلَيْهِ وإظهاره، مَعَ إِيضَاح الْعذر للْمُصَنف من غير إِظْهَار شناعةٍ وَلَا حطٍّ من منصبه، وَلَا إزراءٍ بمقامه وَكَون الأولى فِي ذَلِك
стр. 124
إصْلَاح عبارَة بغَيْرهَا أَو إبْقَاء كَلَام المُصَنّف والتنبيه على مَا وَقع فِيهِ فِي الْحَاشِيَة إِذْ لَعَلَّ الْخَطَأ فِي الْإِصْلَاح، وَفِي ذَلِك قيل:
(وكَمْ مِنْ عائبٍ قَوْلاً صَحِيحاً ... وآفتُه مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ)
(وَزَاغَ عَنهُ) أَي مَال أَو كَلَّ (البَصَرُ وقَصَرَ) كقَعَدَ (عَنهُ الفَهْمُ) أَي عجز عَن إِدْرَاك الْمَطْلُوب فَلم ينله، والفَهْم: تصوُّر الْمَعْنى من اللَّفْظ أَو سرعَة انْتِقَال النَّفس من الأُمور الخارجية لغَيْرهَا (وغَفَلَ عَنهُ الخاطِر) أَي تَركه إهمالاً وسهوًا وإعراضاً عَنهُ، والغفلة: غيبوبةُ الشيءِ عَن بَال الْإِنْسَان وَعدم تذكُّره وَسَيَأْتِي، والخاطر: الهاجس وَمَا يخْطر فِي قلب الْإِنْسَان من خير وَشر (فالإنسانُ) وَفِي نُسْخَة الْبَدْر الْقَرَافِيّ: فَإِن الْإِنْسَان، أَي من حَيْثُ هُوَ (مَحلُّ النِّسْيَان) أَي مَظنَّة لوقوعِه وصُدور الْغَفْلَة مِنْهُ، وَلَو تحرَّى مَا عَسى، وَلذَلِك ورد عَنهُ
" رُفع عَنْ أُمَّتي الخطأُ والنِّسْيان " وَلذَا قيل:
(وَمَا سُمِّي الإنْسانُ إلَاّ لِنَسْيِهِ ... وَمَا القَلْبُ إِلَّا أنَّه يَتَقَلَّبُ)
وَلذَلِك اعتنى الْأَئِمَّة بالتقييد لِمَا حَفِظوا وسمعوا، ومثَّلوا الحِكمَة كالصَّيْد والضالَّة، وربْطُها: تَقْييدُها، ثمَّ أَقَامَ على كَلَامه حُجَّة فَقَالَ: (وَإِن أوَّل ناسٍ) أَي أوّل من اتّصف بِالنِّسْيَانِ والغفلة عَمَّا كَانَ هُوَ (أَوَّلُ النَّاس) خلقه الله تَعَالَى وَهُوَ سيّدنا آدم ﵊، فَلَا يلام غَيره على النسْيَان (وعَلَى الله) لَا على غَيره جلّ شَأْنه (التُّكْلَان) بِالضَّمِّ مصدر، وتاؤه عَن وَاو، لِأَنَّهُ منَ التَّوَكُّل، وَهُوَ إِظْهَار الْعَجز والاعتماد على الْغَيْر، وَالْمعْنَى لَا اعْتِمَاد وَلَا افتقار إلاّ إِلَى الله ، وَهُوَ الْغَنِيّ الْمُطلق، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وَلَا ربَّ غيرُه، وَلَا خير إلَاّ خَيْرُه، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم
стр. 125
(بَاب الْهمزَة)
البَابُ لُغةً: الفُرْجَةُ الَّتِي يُدْخَل مِنْها إِلى الدَّارِ، ويُطْلَق على مَا يُسَدُّ بِهِ ويُغْلَقُ، من خَشَبٍ ونحوهِ.
وَاصْطِلَاحا: اسمٌ لطائفةٍ من المسائلِ مُشترِكَةِ فِي حُكْمٍ، وَقد يُعبَّرُ عَنْهَا بالكتابِ وبالفَصْلِ، وَقد يَجمعُ بَين هَذِه الثلاثةِ.
(فصل الْهمزَة)
ويُعبَّر عَنْهَا بالأَلف المَهموزةِ، لأَنها لَا تَقومُ بِنفْسِها وَلَا صُورَةَ لَهَا، فلِذَا تُكْتَبُ مَعَ الضَّمةِ واواً، وَمَعَ الكَسرةِ يَاء، وَمَعَ الفتحةِ أَلفِاً.
أبأ
: ( ﴿الأَبَاءَةُ، كَعَبَاءَةٍ: القَصَبَةُ) ، أَو هُو أَجَمَةُ الحَلْفَاءِ والقَصَبِ خاصَّةً، كَذَا قَالَه ابنُ بَرِّيَ، (ج﴾ أَبَاءٌ) بالفتْحِ والمَدِّ.
وقرأَتُ فِي مُشْكِل القرآنِ لابنِ قُتَيْبَةَ، فِي بابِ الاستعارةِ، قَولَ الهُذَلِيِّ، وَهُوَ أَبو المُثَلَّمِ:
وأَكحُلْكَ بِالصَّابِ أَوْ بِالجَلَا
فَفَتِّحْ لِكُحْلِكَ أَوْ أَغْمِضِ
وَأَسْعُطْكَ فِي الأَنْفِ مَاءَ الأَبَا
ءِ مِمَّا يُتَمَّلُ بِالمِخْوَضِ
قَالَ:! الأَبَاءُ: القَصَبُ، وماؤُه شَرّ الْمِيَاه، وَيُقَال: الأَبَاءُ هُنَا: الماءُ الَّذِي يَبولُ فِيهِ الأَرْوَى فيشرَبُ مِنْهُ العَنْزُ فيَمْرَضُ، وسيأْتي فِي المعتل إِن شاءَ الله تَعَالَى، (هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِه) أَي فِي الْهمزَة، (كَمَا حَكَاهُ) الإِمامُ أَبو الفَتْحِ (ابنُ جِنِّى) وارتضاه فِي كِتَابه سِّر الصِّناعة، نقلا (عَن) إِمام اللغةِ (سيِبَوَيْهِ) . وَقَالَ ابنُ بَرِّيَ: وربّما ذُكِرَ هَذَا الحَرْفُ فِي المُعتَلِّ، وَلَيْسَ بمذْهَب سِيبويهِ، (لَا) فِي بَاب (المُعْتَلّ) يائِيًّا أَو واويًّ، على اختلافٍ فِيهِ (كَمَا تَوهَّمه الجَوهِريُّ) الإِمامُ أَبو نصرٍ (وغيرُه) ، يَعْنِي صاحِبَ العَيْنِ.
وقرأْتُ فِي كتابِ المُعْجَم لِعُبَيدِ اللَّه ياقُوتٍ
стр. 126
مَا نَصُّهُ: فأَمّا ﴿أَباءَةٌ فذَهَبَ أَبو بكر مُحمَّدُ بنُ السَّرِيِّ، فِيمَا حدَّثني بِهِ أَبو عَلِيَ عَنهُ، إِلى أَنها مِن ذَواتِ الباءِ، من أَبَيْتُ، فأَصْلُها عندَه أَبَايَةٌ، ثمَّ عُمِلَ فِيهَا مَا عُمِل فِي عَبَايَةٍ وصَلَاية وعَظايَةٍ، حَتَّى صِرْنَ عَباءَةً وصَلاءَةً وعَظاءَةً، فِي قَوْلِ من هَمَز، ومَن لم يَهْمِز أَخرجهُنَّ على أُصولِهِنّ، وَهُوَ القياسُ القَوِيُّ، وإِنما حَمَل أَبا بكرٍ على هَذَا الاعتقادِ فِي أَباءَةٍ أَنَّها مِن أَبَيْتُ، وَذَلِكَ أَن﴾ الأَبَاءَةَ هِيَ الأَجَمَةُ، وَهِي القَصَبَةُ، والجمْعُ بَينهَا وَبَين أَبَيْتُ أَنَّ الأَجمَةَ مُمتنِعةٌ، بِمَا يَنْبُتُ فِيهَا مِن القَصَبِ وغيرِهِ، من السُّلوكِ والتَّطَرُّقِ، وخالفَتْ بذلك حُكْمَ البَرَاحِ والبَرَازِ، وَهُوَ النَّقِيُّ من الأَرضِ، فكأَنَّها أَبَتْ وامتنَعَتْ عَلَى سالِكِها، فمِن هُنَا حَمَلَها أَبو بكرٍ على أَبَيْتُ، وسيأْتي المَزِيدُ لذَلِك فِي أَشَى.
( ﴿وأَبَأْتُه بِسَهْمٍ: رَمَيْتُه بِهِ) ، فالهمزةُ فِيهِ أَصلِيَّة، بخلافِ أَثأْ تُه، كَمَا سيأْتي.
أتأ
: (﴾ أَتْأَةُ) بالمُثنَّاةِ الفَوْقِيّة (كَحَمْزَةَ) ، أَوردهُ ابْن بَرِّيَ فِي الحَوَاشي: اسمُ (امرَأَة مِنْ) بني (بَكْرِ بنِ وَائِل) بن قاسِط بن هِنْب بن أَفْصَى بن عبدِ القَيْس، وَهِي (أُمُّ قَيْسِ بن ضِرارٍ) قَاتل المِقْدامِ، وحَكاهُ أَبو عَلِيَ فِي التَّذْكِرة، عَن مُحمَّدِ بن حبيب، وَأَنشَد يَاقُوتٌ فِي أَجَأَ لِجَرير:
أَتَبِيتُ لَيْلَكَ يَا ابْنَ أَتْأَةَ نَائِماً
وَبَنُو أُمَامَةَ عنْكَ غَيْرُ نِيامِ
وَتَرَى القِتَالَ مَعَ الكِرَامِ مُحَرَّماً
وَتَرَى الزِّنَاءَ عَلَيْكَ غَيْرَ حَرَامِ
(وَ) ﴿أَتْأَةُ: (جَبَلٌ) .
أثأ
: (﴾ الأُثْئِيَّةُ كَالأُثْفيَّةِ) بالضمّ، وَاحِد ﴿الأَثَائِي (الجَماعةُ) ، يُقَال: جاءَ فلانٌ فِي أُثْئِيَّةٍ، أَي جَماعةٍ مِن قَوْمِه.
(﴾ وأَثَأْتُه بِسَهْمٍ) إِثاءَةً، كَقِرَاءَةٍ:
стр. 127
(رَمَيْتُه بِهِ) ، وَهُوَ من بَاب مَنَعَ، صَرَّح بِهِ ابنُ القَطَّاعِ وابنُ القُوطِيَّةِ.
وَعَن الأَصمَعِيّ: ﴿أَثَيْتُه بِسَهْمٍ: رميتُه بِهِ، وَهُوَ حرف غَرِيبٌ (هُنَا) ، أَي فِي مَهموزِ الفاءِ واللامِ (ذَكَره أَبو عُبَيْد) اللُّغوِيُّ، وروى عَنهُ الإِمامُ ابنُ حبِيبٍ، وَنَقله ابنُ بَرِّي فِي حواشِي الصّحاحِ، وتَبِعه المُؤَلّف، (و) ذَكَره الإِمام رضِيُّ الدِّين أَبو الفَضائِلِ حسنُ بنُ عليِّ بن حَيْدَر العُمَرِيُّ القُرَشِيّ (الصَّغَانِيُّ) ، وَيُقَال: الصَّاغَانِيُّ (فِي ث وأَ) أَي مَهموز اللامِ ومُعتلّ العَيْنِ، وَكِلَاهُمَا لَهُ وَجْهٌ، فعَلَى رَأْيِ أَبي عُبَيْدٍ فِعْلُه كَمَنع، وعَلى رَأْيِ الصاغانيِّ كَأَقَام، مَزِيدٌ (وَوَهِمَ الجَوْهَرِيُّ) حَيْثُ لم يَذكُرْه فِي إِحدى المادَّتينِ (فذَكره فِي ثأْثأْ) ، وَقد تَبِع الخليلَ فِي ذَلِك.
(و) جاءَ قولُهم: (أَصبَح) الرجلُ (﴾ مُؤْتَثِئاً) من ﴿ائْتَثَأَ، افْتَعَل مِن أَثَأَ، نَقله ابْن بَرِّيَ فِي الْحَوَاشِي، عَن الأَصمعيِّ، والأَكثرونَ على أَنه مُعتَلٌّ بالياءِ، (أَي لَا يَشْتهِي الطَّعَامَ) ، وَعَزاهُ ابنُ منظورٍ للشَّيبانِيِّ.
أجأ
: (﴾ أَجَأٌ) مُحرَّكةً مَهموزٌ مقصورٌ: (جَبَلٌ لِطَيِّىءٍ) القبيلةِ المشهورةِ، والنسبةُ إِليه! أَجَئيٌّ، بِوَزْنِ أَجَعِيَ، وَهُوَ عَلَمٌ مُرتَجَلٌ، أَو اسمُ رَجلٍ سُمِّيَ بِهِ الجَبَلُ، وَيجوز أَن يكون مَنقولاً.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَجَأٌ وسَلْمَى: جَبَلانِ عَن يَسارِ سَمِيرَاءَ وَقد رأَيتُهما شَاهِقانِ.
وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ السَّكُونِيُّ: أَجأٌ: أَحَدُ جَبَلَيْ طَيِّىءٍ، وَهُوَ غَرْبِيُّ فَيْدٍ إِلى أَقصَى أَجإٍ، وإِلى القَريتَيْنِ مِن ناحِيةِ الشامِ، وَبَين المدينةِ والجَبلْينِ على غَيْرِ الجَادَّة ثلاثُ مَرَاحِلَ، وَبَين الجَبَلَيْنِة وَتَيْمَاءِ جِبالٌ ذُكِرتْ فِي مَواضِعِها، وَبَين
стр. 128
كلِّ جَبلينِ يومٌ، وَبَين الجَبلينِ وَفَدَكَ ليلةٌ، وَبَينهمَا وَبَين خَيْبَرَ خَمْسُ ليالٍ. وَقَالَ أَبو العِرْماس: حَدّثني أَبو مُحَمَّد أَن أَجأَ سُمِّي برجلٍ كَانَ يُقال لَهُ أَجأُ بنُ عبدِ الحَيِّ، وسُمِّي سَلْمى بامرأَةٍ كَانَ يُقَال لَهَا سَلْمى، فسُمِّيت هَذِه الْجبَال بأَسمائهم، وَقيل فِيهِ غير ذَلِك.
(وبزِنَتِهِ) ، هَكَذَا فِي غَالب النّسخ الَّتِي رأَيناها وتداولَتْ عَلَيْهَا الأَيْدِي، أَي بوَزْن جَبَلٍ، وَلم يُفَسِّروه بأَكثرَ من ذَلِك، وَفِي أَخرى: ومُزَيْنَةَ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ شَيخنَا، واعتَرضَ على المُصنِّف بأَنَّه لم يذْكُرْ أَحدٌ من أَهلِ التاريخِ والأَخبارِ أَنَّ هَذَا الجبلَ لمُزينةَ قَدِيما وَلَا حَدِيثا، وإِنما هُوَ لطيِّىءٍ وأَولادِهِ ومَن نزل عِنْدهم.
قلت: وَهَذَا الَّذِي اعتَرَضَ بِهِ مُسلَّمٌ غيرُ منازَعٍ فِيهِ، وَالَّذِي يَظهر من سِياقِ عبارةِ المصنِّفِ على مَا اصطلَحَ عَلَيْهِ هُوَ مَا قدمْنَاهُ، على مَا فِي النُّسخِ الْمَشْهُورَة، أَي وَهُوَ على وَزْنِه، وكأَنه أَشارَ بِهِ إِلى ضَبْطِه، وَهُوَ اصطلاحٌ لَهُ، ويدلُّ لذَلِك مَا سيأْتي لَهُ فِي ق ب ل مَا نَصُّه: وقَبَلٌ: جَبَلٌ، وبزِنَتِهِ، قُرْبَ دُومَةِ الجَنْدَلِ. وَكَذَا قولُه فِي كتن: والمُكْتَئِنُّ ضدُّ المُطمَئِنِّ، وَبِزِنَته. وَقَالَ المَناوِي فِي شَرحه: وَبَرِّيَّةٌ. وفسَّره بالصَّحْراءِ، وَهُوَ غَريبٌ، وَقد تَصحَّفَ عَلَيْهِ، فتأَمَّلْ.
(و) ﴿أَجأُ: (ة بِمصْر) من إقليم الدَّقَهْلِيَّةِ، تُضاف إِلَيْهَا تَلْبَنْت، وأَخرى تُضاف إِلى بَيْلُوق. كَذَا فِي قوانين ابنِ الجَيعَان، (ويُؤَنَّث فيهمَا) ، أَي فِي الجَبَل والقَرْية أَما فِي القَرْية فمُسلَّم، وأَما فِي الجَبل فإِن التَّذْكِير والصَّرْفَ أَصوبُ، لأَنه جبلٌ مُذكّر، وسُمِّيَ باسم رجلٍ، وَهُوَ مُذَكّر.
وَقد وَرد ذِكرُه فِي أَشعارهم، فدمنها قَول عارِقٍ الطائيِّ:
وَمِنْ﴾ أَجَإٍ حَوْلِي رِعَانٌ كَأَنَّهَا
قَبَائِلُ خَيْلٍ مِنْ كُمَيْتٍ ومنْ وَرْدِ
وَقَالَ العَيْزَارُ بنُ الأَخْنَس الطائيُّ، وَكَانَ خارِجِيًّا:
تَحَمَّلْنَ مِنْ سَلْمَى فَوَجَّهْنَ بِالضُّحَى
إِلَى أَجَإٍ يَقْطَعْنَ بِيداً مَهَاوِيَا
стр. 129
وَقَالَ زَيْدُ بنُ مُهَلْهِلٍ الطائيُّ:
جَلَبْنَ الخَيْلَ مِنْ أَجَإٍ وَسَلْمَى
تَخُبُّ تَرَائِعاً خَبَبَ الرِّكَابِ
وَقَالَ لَبِيدٌ، يصف كَتِيبةَ النُّعانِ:
كَأَرْكَان سَلْمَى إِذْ بَدَتْ أَوْ كَأَنَّهَا
ذُرَى أَجَا إِذْ لَاحَ فِيهِ مُوَاسِلُ
ومُوَاسِلٌ: قُنَّةٌ فِي أَجإٍ، وَقد جاءَ مَقْصُورا غير مهموزٍ، أَنشد قاسِمُ بنُ ثابتٍ لبَعض الأَعرابِ:
إِلى نَضَدٍ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ كَأَنّهُمْ
هِضَابُ ﴿أَجاً أَرْكَانُهُ لَمْ تُقَصَّفِ
وَقَالَ العَجَّاجُ:
فَإِنْ تَصِرْ لَيْلَى بِسَلْمَى وَأَجَا
وأَمّا قولُ امرىء القَيْسِ:
أَبَتْ أَجَأٌ أَنْ تُسْلِمَ العَامَ جَارَهَا
فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لَهَا مِنْ مُقَاتِلِ
فالمُراد: أَبَتْ قَبائلُ أَجَإٍ، أَو سُكَّانُ أَجإٍ، أَو مَا أَشبهه، فحذفَ المُضافَ وأَقام المضافَ إِليه مُقامَه، يَدلُّ على ذَلِك عَجُزُ البيتِ، وَهُوَ قولُه:
فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لَهَا مِنْ مُقَاتِلِ
والجَبلُ نفسُه لَا يُقاتِلُ.
قَالَ النَّسَّابةُ الأَخْبارِيُّ عُبيدُ اللَّهِ ياقُوتٌ ﵀: ووقَفْتُ على جَامِعِ شِعْرِ امرىءِ القيْسِ وَقد نَصَّ (الأَصْمعيُّ) على هَذَا أَنَّ أَجَأً مَوْضِعٌ، وَهُوَ أَحَدُ جَبلَيْ طَيِّىءٍ، والآخرُ سَلْمَى، وإِنما أَراد أَهْلَ أَجإٍ، كقولا لله : ﴿وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (يُوسُف: ٨٢) يُريد أَهْلَ القَريةِ، هَذَا لفظُه بِعَيْنِه، ثمَّ وَقَفتُ على نُسخةِ أُخرى من جَامع شِعْره قيل فِيهَا:
أَرى أَجأً لم يُسْلِمِ العَامَ جَارَهُ
ثمَّ قَالَ: المَعْنَى: أَصْحَابُ الجَبَل لَنْ يُسْلِموا جَارَهم.
(و) ﴾ أَجَأَ الرجُلُ (كَجَعَلَ) : فَرَّ و (هَرَبَ) ، حَكَاه ثَعلبٌ عَن ابنِ الأَعرابيِّ، يُقَال: إِن اسْم الجَبلِ مَنقولٌ مِنْهُ.
(و) ! الأَجاءَةُ (كَسَحابةٍ: ع لِبَدْرِ بنِ عِقالٍ، فِيهِ بُيُوتٌ) مِن مَتْنِ الجَبلِ (وَمَنازِلُ) فِي أَعلاه، عَن نَصْرٍ، كَذَا فِي المُعجمِ.
قلت: وَهُوَ أَبو الفَتْحِ نَصْرُ بن عبد الرحمان الإِسكندَرِيُّ النَّحْوِيُّ.
стр. 130
أزأ
: ( ﴿أَزَأَ الغَنَمَ، كَمَنعَ) أَهمله الجوهريُّ: (أَشْبَعَها) فِي مَرْعاها.
(و) ﴾ أَزَأَ (عَن الحاجةِ: جَبُنَ. ونَكَص) أَي تَأَخَّرَ وقَهْقَر على عَقِبه، قَالَه الفَرَّاءُ.
أشأ
: ( ﴿الأَشاءُ، كَسَحابٍ) ، كَذَا صَدَّر بِهِ القاضِي فِي المَشارِق، وأَبو عَلِيَ فِي المَمدود، والجوهريُّ والصاغانيُّ وغيرُهم، وضَبطه ابنُ التِّلِمْسَانِيِّ، وتَبِعَه الخَفَاجِي وَهُوَ مخالفٌ للرِّواية: (صِغارُ النَّخْلِ) ، كَذَا قَالَه القَزَّازُ فِي جَامع اللُّغَة، وَقيل: النَّخْلُ عامَّةً: نَقله ابْن سِيدَه فِي المُحكم، والواحدة بهاءٍ، (قَالَ) الإِمام أَبو القاسمِ عليُّ بنُ جعفرِ بن عليَ السعديُّ (ابنُ القَطَّاعِ) إِن (هَمزَتَه أَصْلِيَّةٌ) وَذَلِكَ (عِنْد سِيبَوَيْهِ) . وَقَالَ نصرُ بن حمَّاد: همزَة﴾ الأَشاءَة منقلِبة عَن الياءِ، لأَن تصغيرها ﴿أُشَيٌّ، وَلَو كَانَت مَهْمُوزَة لَكَانَ تَصغيرها أُشَيْئاً.
قلت: وقدْ رَدَّه ابْن جِنِّى وأَعظَمه وَقَالَ: لَيْسَ فِي الْكَلَام كلمةٌ فاؤُها ولامها همزتانِ، وَلَا عَيْنُها ولامُها همزتان، بل قد جاءَت أَسماءُ محصورةٌ، فَوَقَعت الْهمزَة مِنْهَا فَاء ولاماً، وَهِي آءَةٌ وأَجاءَة (فَهَذَا) أَي المهموز (مَوضِعُه) أَي مَوضِع ذِكره (لَا كَمَا تَوهَّمه الجوهريّ) ، والقَزَّاز صَرَّح بأَنه واوِيٌّ ويائيٌّ، وَفِي الْمُحكم أَنه يائِيٌّ، والمصنِّف فِي ردِّه على الجوهريِّ تابعٌ لِابْنِ جِنِّي، كَمَا عرفت، وَفِي المعجم نقلا عَن أبي بكرٍ مُحَمَّد بن السَّرِيِّ: فأَما مَا ذهب إِليه سِيبويهِ من أَن أَلاءَة﴾ وأَشاءَة مِمَّا لامه همزةٌ، فَالْقَوْل عِنْدِي أَنه عَدَل بهما (عَن) أَن يَكُونَا مِنَ الياءِ، كعَباءَة وصَلَاءَة وعَظاءَة، لأَنه وجدَهم يَقُولُونَ: عَبَاءَة وعَبَايَة، وصَلَاءَة وصَلَايَة، وعَظاءَة وعَظَاية، فيهنّ، على أَنها بَدلٌ من الياءِ الَّتِي ظَهرت فيهنَّ لاماً، ولمَّا لم يَسمعهم يَقُولُونَ أَشايَة وَلَا أَلَايَة، ورفضوا فيهمَا الياءَ البتَّةَ، دلَّه ذَلِك على
стр. 131
أَن الْهمزَة فيهمَا لامٌ أَصلِيَّة غير مُنْقلبة عَن وَاو وَلَا ياءٍ، وَلَو كَانَت الهمزةُ فيهمَا بدَلاً لكانوا خُلَقَاءَ ايْنَ يُظْهِروا مَا هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ ليستدِلُّوا بهَا عَلَيْهَا، كَمَا فعلوا ذَلِك فِي عَباءَة وأُخْتَيْهَا، وَلَيْسَ فِي أَلاءَةٍ وأَشاءَة من الاشتقاقِ من الياءِ مَا فِي أَباءَةٍ، من كَونهَا فِي معنى أَبَيْتُ، فَلهَذَا جَازَ لأَبي بكرٍ أَن يَزعم أَن هَمزتَها من الياءِ، وإِن لم يَنطِقوا فِيهَا بالياءِ، انْتهى.
وَمن سَجَعَاتِ الأَساس: لَيْسَ الإِبلُ كالشَّاءِ، وَلَا العِيدَانُ ﴿كالأَشَاءِ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
﴾ الأَشاءَة: مَوضِع، قَالَ ياقوت: أَظنه باليَمامةِ أَو ببطنِ الرُّمَّة، قَالَ زِياد بن مُنْقِذٍ العَدَوِيُّ:
عَنِ الأَشاءَة هَلْ زَالَتْ مَخَارِمُهَا
أَمْ هَلْ تَغَيَّرَ مِنْ أَرَامِهَا إِرَمُ
﴿وأُشَيْءٌ، بالضمّ مُصغَّراً مهموزاً، قَالَ أَبو عُبيدِ السَّكونيُّ: من أَراد اليمامةَ من النِّبَاجِ صَار إِلى القريتينِ، ثمَّ خرج مِنْهَا إِلى﴾ أُشَيءٍ، وَهُوَ لعَدِيِّ بن الرِّباب، وَقيل (هُوَ) للأَحْمَالِ من بَلْعدَوِيَّة. وَقَالَ غَيره: أُشَىْءٌ: موضِع بالوَشْمِ، والوشمُ: وادٍ باليَمامة فِيهِ نَخلٌ، وَهُوَ تَصْغِير الأَشَاءِ، وَهُوَ صِغارُ النخلِ، الْوَاحِدَة ﴿أَشاءَةٌ.
وَقد ذكرهَا المصَنِّفُ فِي المعتلِّ، وَالصَّوَاب ذِكرُه هُنَا، فإِن الإِمام ابْن جِنّي قَالَ: قد يجوز عِنْدِي فِي أُشَيْءٍ هَذَا أَن يكون من لفظ أَشاءَة، فاؤه وَلَامُه همزتانِ، وعينُه شِينٌ، فَيكون بناؤُه من أشأ وإِذا كَانَ كَذَلِك احتملَ أَن يكون مُكبَّره فَعَالاً، كأَنه﴾ أَشَاءٌ أَحد أَمثلةِ (الأَسماءِ) الثُّلاثِيّة العَشرةِ، غير أَنه حُقِّر فَصَارَ تَصغيره! أُشَيْئاً، كأُشَيْعٍ ثمَّ خُفّفت همزتُه بأَن أُبدلت يَاء وأُدغمت فِيهَا ياءُ التحقير، فَصَارَ
стр. 132
أُشَيّ، كَقَوْلِك فِي تَحقير كَمْءٍ معت خَفِيف الهَمزةِ كُمَيّ، وَقد يجوز أَيضاً أَن يكون أُشَيّ تَحقيرَ أَشْأَي، أَفْعَل من شَأَوْتُ، أَو شَأَيْتُ، حُقِّر فصارَ أُشَيْءٌ كأُعَيْم، ثمَّ خُفّفت همزته فأُبدِلَت يَاء وأُدغمت ياءُ التحقير فِيهَا كَقَوْلِك فيت خيف تَحقير أَرْؤُس أُرَيِّس فاجتمعت مَعَك ثلاثُ ياءَاتٍ، وياءُ التحقير، وَالَّتِي بعْدهَا بَدَلا من الْهمزَة، ولامُ الْفِعْل، فَصَارَت إِلى أُشَيَ ... وَقد يجوز أَن أُشَيَ أَيضاً أَن يكون تحقير ﴿أَشْأَي (وَهُوَ فَعْلَى) كأَرْطى، من لفظ أَشاء، حُقِّر كأُرَيْط، فَصَارَ أُشَيْئاً، أُبدلت همزته للتَّخْفِيف يَاء، فَصَارَ﴾ أُشَيًّا. واصرِفْه فِي هَذَا البتَّةَ كَمَا يُصرَف أُرَيْط معرفَة ونَكِرَةً، وَلَا تَحذِف هُنَا يَاء كَمَا لم تَحْذِفْها فِيمَا قَبْلُ، لأَن الطريقتين واحدةٌ، كَذَا فِي المعجم.
أكأ
: ( ﴿أَكَأَ كمَنعع: استَوْثَقَ مِن غَرِبمِهِ بالشُّهودِ) . ثبتَتْ هَذِه الْمَادَّة فِي أَكثر النّسخ المصححة وَسَقَطت فِي الْبَعْض، وَقَوله:
(أَبو زَيْدٍ: أَكَأَ﴾ إِكَاءَةً) إِلى آخرهَا، هَكَذَا وُجد فِي بعض النّسخ، وَالصَّوَاب أَن محلَّه فصلُ الكافِ من هَذَا الْبَاب، لأَن وزن أَكاء إِكاءَةً (كإِجابةٍ وإِكاءً) كَإِقَامٍ، فَعرف أَن الهمزةَ الأُ ولى زائدةٌ للتعدية والنقْلِ، كهمزة الأُولى وأَجابَ، وَقد ذكره المصنِّفُ هُنَاكَ على الأَصل، وَهُوَ الصحيحُ، وَيُقَال هُوَ كَكَتب كِتَابَةً وكِتاباً، فَحِينَئِذٍ محلُّه هُنَا (: إِذا أَرادَ أَمْراً ففاجَأْتَهُ) أَي جِئته مُفاجأَةً (على تَئِفَّةِ ذَلِك) أَي حِينه ووقتِه، وَفِي بعض النّسخ: على تَفِيئَةِ ذَلِك (فَهَابَكَ) ، أَي خافَك (ورَجع عَنهُ) ، أَي عَن الأَمر الَّذِي أَرادَه.
أَلأَ
: (! الأَلَاءُ، كالعَلَاءِ) يُمَدُّ (ويُقْصَرُ) ، وَقد سُمِع بِهما (: شَجَرٌ) ورَقُه وَحَمْلُه دِبَاغٌ، وَهُوَ حَسَنُ المَنظرِ (مُرُّ) الطّعمِ،
стр. 133
لَا يزَال أَخضرَ شتاءً وصيفاً، واحدته ﴿أَلاءَةٌ، بِوَزْن أَلَاعَةٍ، قَالَ ابْن عَنَمةَ يرثِي بِسْطَامَ بنَ قَيْسٍ:
فَخَرَّ عَلَى﴾ الأَلَاءَةِ لَمْ يُوَسَّدْ
كَأَنَّ جَنِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ
وَمن سجعات الأَساس: طَعْمُ الآلاءَ أَحْلَى مِن المَنّ، وَهُوَ أَمَرُّ مِنَ الأَلَاءِ عِنْد المَنّ.
وَفِي (لِسَان الْعَرَب) : قَالَ أَبو زيد: هِيَ شجرةٌ تُشبِه الآسَ لَا تتغَيَّرُ فِي القَيْظِ، وَلها ثَمرةٌ تشبه سُنْبُلَ الذُّرَة، وَمَنْبِتها الرملُ والأَوْديةُ. قَالَ: والسَّلامَانُ نَحْو الأَلاءِ غير أَنها أَصغرُ مِنْهَا، تُتَّخذ مِنْهَا المَسَاوِيك، وثَمرتُها مثلُ ثَمرتِها، ومَنبتها الأَوْدِيةُ والصَّحَارى.
(وأَدِيمٌ ﴿مَأْلُوءٌ) بالهمزِ من غير إِدغام (: دُبِغَ بِهِ. وذكَره الجوهريُّ فِي المعتلِّ وَهَماً) ، وَالْمُصَنّف بِنَفسِهِ أَعادَه المُعْتَلّ أَيضاً فَقَالَ: الأَلاءُ كَسَحابٍ ويُقْصَر: شجرٌ مُرٌّ دائمُ الخُضرةِ، واحدته أَلَاءَةٌ. وسِقَاءٌ مَأْلوءٌ﴾ ومَأْلِيٌّ: دُبِغَ بِهِ. فَلْيُنْظَرْ ذَلِك، وَذكره ابنُ القُوطِيَّة وثعْلَبٌ فِي المعتلِّ أَيضاً، فَكيف يَنْسُب الوَهَم إِلى الجوهريِّ؟ وسيأْتي الكلامُ عَلَيْهِ فِي مَحلّه إِن شاءَ الله تَعَالَى.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
أَرضٌ ﴿مَأْلَاةٌ: كَثِيرَة الأَلَاءِ.
﴾ وأَلَاءَاتٌ بِوَزْن فَعَالات، كأَنه جمع أَلَاءَة، كسحَابةٍ: مَوْضِعٌ جاءَ ذِكْرُه فِي الشِّعرِ، عَن نَصْرٍ، كَذَا فِي المُعْجم. قلت: وَالشعر هُوَ:
الجَوْفُ خَيْرٌ لَك مِنْ أَغْوَاطِ
ومنْ! أَلَاءَاتِ ومِنْ أَراطِ
стр. 134
أوأ
: ( ﴿آءٌ كَعَاعٍ) ، بعينين بَينهمَا أَلف منقلبةٌ عَن تحتيّة أَو وَاو مُهْملَة، لَا مَعنى لَهَا فِي الْكَلَام، وإِنما يُؤْتى بِمِثْلِهَا فِي الأَوزان، لأَن الشُّهْرَة مُعتبرةٌ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَام اسمٌ وقعتْ فِيهِ أَلفٌ بَين هَمزتينِ إِلا هَذَا، قَالَه كُراع فِي اللِّسَان (. ثَمَرُ شَجَرٍ) ، وَهُوَ من مَرَاتع النَّعام. وتأْسيس بنائِها من تأْليفِ واوٍ بَيْنَ همزتينِ، قَالَ زُهير بن أَبي سُلْمَى:
كَأَنَّ الرَّحْلَ مِنْهَا فَوْقَ صَعْلٍ
مِنَ الظِّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ
أَصَكَّ مُصَلَّمِ الأُذُنَيْنِ أَجْنَا
لَهُ بِالسِّيِّ تَنُّومٌ﴾ وآءُ
(لَا شَجَرٌ) ، وَوَهِمَ الجوهريُّ وَقَالَ أَبو عَمْرو: وَمن الشَّجر الدِّفلَى ﴿والآءُ، بِوَزْن العَاعِ. وَقَالَ اللَّيْثُ:﴾ الآءُ شجرٌ لَهُ ثَمَرٌ تأْكُله النَّعَام، وَقَالَ ابنُ بَرِّيَ: الصحيحُ عِنْد أَهل اللُّغَة أَنَّ الآءَ ثَمَرُ السَّرْحِ. وَقَالَ أَبو زيد: هُوَ عِنَبٌ أَبيضُ يَأْكلُه الناسُ ويتَّخِذُون مِنْهُ رِيًّا. وعُذْر من سَمَّاه بالشجرِ أَنهم قد يُسَمُّون الشجرَ باسمِ ثَمرهِ، فَيَقُول أَحدُهم: فِي بُستاني السَّفرْجَلُ والتُّفَّاح. وَهُوَ يُرِيد الأَشجار، فيُعِّبر بالثَّمرة عَن الشَّجَرة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً﴾ وَزَيْتُوناً (عبس: ٢٧ ٢٩) (واحدَتُه بهاءٍ) ، وَقد جاءَ فِي الحَدِيث: (جَرِيرٌ بَيْنَ نَخْلَة وضَالَة وَسِدْرَةٍ ﴿وآءَة) . وتَصغيره﴾ أُوَيْأَةٌ. (و) لَو بَنيْت مِنْهَا فِعْلاً لقُلْتَ: (أُوتُ الأَديِمَ) بالضَّم إِذا (دَبَغْته بِهِ) أَي ﴿بالآءِ (والأَصلُ أُؤُتُ) بهمزتين، فأُبدلَت الثَّانِيَة واواً، لانضمامِ مَا قبلهَا (فَهُوَ﴾ مُؤُوءٌ) كمَعُوع (والأَصلَ مَأْوُوءٌ) بِفَتْح الميمِ وسُكون الْهمزَة وضَمّ الْوَاو، وَبعد واوِ مَفعولٍ هَمزةٌ أُخرى هِيَ لامُ الكلمةِ، ثمَّ نُقِلت حَركةُ الْوَاو الَّتِي هِيَ عَينُ الكلمةِ إِلى الْهمزَة الَّتِي هِيَ فاؤُها، فَالتقى ساكنان: الواوُ الَّتِي هِيَ عَيْن الكلمةِ المنقولُ عَنْهَا الحركةُ، وواوُ مَفعولٍ، فحُذِف أَحدُهما، الأَوَّلُ أَو الثَّانِي، على الخلافِ الْمَشْهُور، فَقيل: مَؤُوءٌ، كَمَقُول، وَقَالَ ابْن بَرّيّ: والدليلُ على أَنّ أَصْلَ هَذِه الأَلِفِ الَّتِي بَين الهمزتين واوٌ قولُهم فِي تصغيرِ آءَة: أُوَيْأَةٌ.
стр. 135
(وحِكايةُ أَصواتٍ) وَفِي نسخةٍ: صَوْتٍ، بالإِفراد، أَي استعملته العربُ حِكَايةً لصوت، كَمَا استعْملتْه اسْما للشجر، قَالَ الشَّاعِر:
فِي جَحْفَلٍ لَجِبٍ جَمَ صَوَاهِلُهُ
بِاللَّيْلِ يُسْمَع فِي حَافَاتِه آءُ
(وزَجْرٌ للإِبل) ، فَهُوَ اسمُ صوتٍ أَيضاً، أَو اسمُ فِعْلٍ، ذكره ابنُ سِيدَه فِي المُحكم.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
﴿الآءُ، بِوَزْن العَاعِ: صِيَاحُ الأَمِيرِ بالغُلَامِ، عَن أَبي عمروٍ.
وأَرض﴾ مَآءَةٌ: تُنْبِتُ الآءَ. وَلَيْسَ بِثَبتِ.
أيأ
: ( ﴿الأَيْئَةُ) بهمزتين بَينهمَا تَحتِيَّة (كالهَيْئَةِ لَفْظاً ومَعْنى) ، حكاهُ الكِسائِيُّ عَن بعض الْعَرَب، كَذَا نَقله الصاغانيُّ.
قلت: وَالْمَشْهُور عِنْد أَهلِ التصريف أَنَّ هَذِه الهمزةَ الأُولى أُبدِلت من الهاءِ، لأَنه كثيرٌ فِي كَلَامهم، فعلى هَذَا لَا تكون أَصلاً، وَقيل: إِنها لُثْغَة، وَلِهَذَا أَهملها الجوهريُّ وابنُ منظورٍ، وهُمَا هُمَا.
(فصل الباءِ) الموَحَّدَة)
بأبأ
: قَالَ اللَّيثُ بن مُظَفَّر:﴾ البَأْبَأَةُ: قولُ الإِنسان لصَاحبه: بِأَبِي أَنْتَ، وَمَعْنَاهُ: أَفْدِيك بِأَبِي، فيُشْتَقُّ من ذَلِك فعل فَيُقَال:
( ﴿بَأْبَأَهُ) ﴾ بَأْبَأَةً (و) ﴿بَأْبَأَ (بِهِ) إِذا (قَالَ لَهُ: بِأَبِي أَنتَ) ، قَالَ ابنُ جِنِّي: إِذا قلتَ: بِأَبِي أَنت، فالباءُ فِي أَوَّل الاسمِ حَرْفُ جرَ، بِمَنْزِلَة اللَّام فِي قَوْلك: للَّهِ أَنتَ، فإِذا اشتققْت مِنْهُ فِعْلاً اشتقاقاً صَوْتيًّا اسْتَحَالَ ذَلِك التقديرُ، فَقلت:﴾ بَأْبَأْتُ ﴿بِئْباءً، وَقد أَكثرْتُ من البَأْبَأَةِ. فالباءُ الآنَ فِي لفظِ الأَصْلِ، وإِن كَانَ قد عُلِم أَنَّها فِيمَا اشتُقَّتْ مِنْهُ زائدةٌ للجَرِّ، وعَلى هَذَا مِنْهَا:﴾ البِأَبُ، فَصَارَ فِعْلاً من بَابِ سَلِسَ وقَلِقَ، قَالَ:
стр. 136
(يَا) بِأَبِي أَنْتَ وَيَا فَوْقَ البِأَبْ.
﴿فالبِأَبُ الآنَ بزِنة الضِّلَع والعِنَبِ. انْتهى. وَقَالَ الراجِز:
وصَاحِبٍ ذِي غَمْرَةٍ دَاجَيْتُهُ
﴾ بَأْبَأْتُهُ وَإِنْ أَبَي فَدَّيْتُهُ
حَتَّى أَتَي الحَيَّ وَمَا آذَيْتُه
قَالَ: ومنِ العَرَبِ من يَقُول: (وَا) بِأَبَا أَنتَ، جعلوها كلمة مبنيَّةً على هَذَا التأْسيسِ. قَالَ أَبو مَنصورٍ: هَذَا كَقَوْلِه: يَا وَيْلَتَا، مَعْنَاهُ: يَا وَيْلَتِي، فقُلِبت الياءُ أَلفاً، وَكَذَلِكَ يَا أَبَتَا، مَعْنَاهُ يَا أَبَتِي، وَمن قَالَ: يَا بِيَبَا، حَوَّلَ الهمزَة يَاء، والأَصل يَا بِأَبَا، مَعْنَاهُ يَا بِأَبِي.
﴿وَبَأْبَأْتُه، أَيضاً،﴾ وَبَأْبَأْتُ بِهِ: قلت لَهُ: بَابَا. وَقَالُوا: بَأْبَأْ الصبيَّ أَبوه إِذا قَالَ لَهُ بَابَا. (و) بَأْبَأَه (الصَّبِيُّ) إِذا (قَالَ) لَهُ: (بَابَا) . وَقَالَ الفَرَّاءُ: بَأْبأْتُ الصبيَّ بِئْبَاءً إِذا قلْت لَهُ: بِأَبِي. وَقَالَ ابْن جَنِّي: سأَلْتُ عَلِيَ فَقلت لَهُ: بَأْبأْتُ الصبيَّ بَأْبَأَةً إِذا قلت لَهُ: بَابَا، فَمَا مِثال البَأْبَأَةِ عنْدك الآنَ؟ أَتَزِنُها على لَفْظِها فِي الأَصل فتقولِ: مِثالُها البَقْبَقَة، مثل الصَّلْصَلَة (والقَلْقَلة) فَقَالَ: بل أَزِنها على مَا صَارتْ إِليه، وأَترك مَا كانتْ قبلُ عَلَيْهِ، فأَقول: الفَعْلَلَة. قَالَ: وَهُوَ كَمَا ذَكَر، وَعَلِيهِ انعقادُ هَذَا الْبَاب.
( ﴿والبُؤْبُؤُ كَهُدْهُدِ) ، وَفِي نُسْخَة، كالهُدهد، قَالُوا: لَا نَظِير لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب إِلَاّ جُؤْجُؤ ودُؤْدُؤ ولُؤْلُؤ، لَا خَامِس لَهَا، وَزَاد المصنّف: ضُؤْضُؤ، وَحكى ابْن دِحْيَة فِي التَّنْوِير سُؤْسُؤ (: الأَصْلُ) ، كَمَا فِي الصِّحَاح، وَقيل: الأَصلُ الكريمُ أَو الخَسِيس، وَقَالَ شَمِر:﴾ بُؤْبُؤُ الرجلِ: أَصلُه. وأَنشد ابنُ خَالَوَيه لجرير:
فِي بُؤْبُؤِ المَجْدِ وبُحبُوحِ الكَرَمْ
وأَما أَبو عَليَ القالِي فأَنشده:
فِي ضِئْضِيِء الْمجد! وبُؤْبُوءِ الكَرَمْ
стр. 137
وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يَصحّ مَا ذكره من أَنه على مِثال سُرْسُور، بِمَعْنَاهُ، قَالَ: وكأَنهما لُغتان. (و) البُؤْبؤُ (: السَّيِّدُ الظَّرِيفُ) الخفيفُ. والأُثْنى بِهاءٍ، نَقله ابنُ خالوَيه. وأَنشد قَول الرَّاجز فِي صِفة امرأَةٍ.
قَدْ فَاقَتِ ﴿البُؤْبُؤَ وَالبُؤَيْبِيَهْ
وَالجِلْدُ مِنْهَا غِرْقِيءُ القُوَيْقِيَهْ
(و) البُؤْبؤُ (: رَأْسُ المُكْحُلَةِ) ، وسيأْتي فِي يُؤْيُؤ أَنه مصحَّف مِنْهُ.
(و) البُؤْبؤُ (: بَدَنُ الجَرَادَةِ) بِلَا رَأْسٍ وَلَا قوائمَ.
(وإِنْسَانُ العَيْنِ) ، وَفِي (التَّهْذِيب) : عَيْنُ العَيْنِ. وَهُوَ أَعزُّ عليَّ من بُؤْبُؤِ عَيْني.
(و) البُؤْبُؤُ (: وَسَطُ الشيءِ) ، كالبُحْبُوحِ.
(وَكَسُرْسُورٍ ودَحْدَاح) الأَخير من المُحكم (: العَالِمُ) المُعَلِّم.
(﴾ وَتَبَأْبَأَ) ﴿تَبَأْبُؤاً (: عَدَا) ، نَقله أَبو عُبيد عَن الأُمويِّ.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
بَأْبَأَ الرجلُ: أَسرَع، نَقله الصَّغانيُّ عَن الأَحمر.
﴾ والبَأْبَاءُ: زَجْرُ السِّنَّوْرِ. قَالَه الصَّغانيُّ.
بتأ
و بثأ: ( ﴿بَتَأَ بِالمكان كَمَنع) بَتْأً (: أَقامَ، كَبَثَأَ) بالمُثلثة. والفصيح: بَتَابَتْواً وسيأْتي فِي المعتلّ. والمثلّثة لُغةٌ أَو لُثْغة، وَفِي الجمهرة أَنه لَيْسَ بثبت.
بثأ
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ فِي المثلَّثة:
﴾ البَثَاءُ، مَمدوداً: موضعٌ فِي دِيَارِ بني سُلَيم، وأَنشد المُفَضَّل:
بِنَفْسِي مَاءُ عَبْشَمْسِ بنِ سَعْدِ
غَدَاةَ ﴿بَثَاءَ إِذْ عَرَفُوا اليَقِينَا
وأَورده الجوهريّ فِي المعتلّ. قَالَ ابْن برّيّ: وَهَذَا مَوْضِعه.﴾ بثأ
بَدَأَ
: ( ﴿بَدَأَ بِهِ كَمَنَع) ﴾ يَبْدَأُ ﴿بَدْءاً (:﴾ ابتَدَأَ) هما بِمَعْنى وَاحِد. (و) بَدَأَ (الشَّيْءَ:
стр. 138
فَعَلَه ﴿ابتِدَاءً) أَي قَدَّمه فِي الفِعل، (﴾ كَأَبْدَأَهُ) رُباعيًّا، ( ﴿وابتَدَأَهُ) كَذَلِك، (و) بَدَأَ (مِنْ أَرْضِهِ) لأُخْرَى (: خَرَجَ) .
(و) بَدَأَ (اللَّهُ الخَلْقَ: خَلَقَهُمْ) وأَوْجَدَهم، وَفِي التَّنزيل: ﴿١. ٠١٠ ١٠ الله يبدؤا الْخلق﴾ (يُونُس: ٣٤) (﴾ كَأَبْدَأَ) هُمْ، ﴿وأَبْدَأَ من أَرضٍ (فيهمَا) ، أَي فِي الْفِعْلَيْنِ، قَالَ أَبو زَيْدِ:﴾ أَبْدَأْتُ من أَرضٍ إِلى أُخرى إِذا خَرَجْت مِنْهَا.
قلت: واسْمه تَعَالَى المُبْدِىءُ. فِي النِّهَايَة: هُوَ الَّذِي أَنشأَ الأَشياءَ واختَرعَها ابْتِدَاء مِن غيرِ سابقِ مِثالٍ.
(و) يُقَال: (لَك ﴿البَدْءُ﴾ والبَدْأَةُ ﴿والبَدَاءَةُ) ، الأَخير بالمدِّ، والثَّلاثةُ بالفَتح، على الأَصل (ويُضَمَّانِ) ، أَي الثَّانِي وَالثَّالِث، وَحكي الأَصمعيُّ الضمَّ أَيضاً فِي الأَول، واستدرك المُطرزيّ:﴾ البدَاءَة كَكِتابَةِ وكقُلامَةٍ، أَورده ابْن بَرّيَ، والبداهَةُ، على البَدَلِ، وَزَاد أَبو زيد: ﴿بُدَّاءَة كتُفَّاحة، وَزَاد ابنُ مَنْظُور: البِدَاءَة بِالْكَسْرِ مهموزاً، وأَما﴾ البِدَايَةُ، بِالْكَسْرِ والتحتيَّة بدلَ الْهمزَة. فَقَالَ المطرزيُّ: لُغةٌ عامِّيَّة، وعدَّها ابْن بَرّيَ من الأَغلاط، وَلَكِن قَالَ ابنُ القَطَّاع: هِيَ لغةٌ أَنصاريّة، ﴿بَدَأْتُ بالشيءِ﴾ وبَديِتُ بِهِ: قَدَّمته: وأَنشد قولَ ابنِ رَوَاحَة:
باسمِ الإِلاهِ وَبِهِ ﴿بَدِينَا
وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شَقِينَا
ويأْتي للْمُصَنف﴾ بديت فِي المعتل، (و) لَك ( ﴿البَدِيئَةُ) كَسِفينة، (أَي لَك أَن﴾ تَبْدَأَ) قبلَ غيرِك فِي الرَّمْيِ وغيرِه.
( ﴿والبَدِيئَةُ: البَدِيهَةُ) على البدَلِ، (﴾ كالبَدَاءَة) والبَدَاهة، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَفْجَؤُكَ، وَفُلَان ذُو ﴿بَدأَة جَيّدة، أَي بديهة حَسنة، يُورِد الأَشياءَ بسابقِ ذهنه. وَجمع البَدِيئة﴾ البَدَايَا، كبريئة وَبَرَايا، حَكَاهُ بعضُ اللغوِيِّين.
стр. 139
(و) البَدْءُ ﴿والبَدِيءُ: الأَوَّلُ، وَمِنْه قَوْلهم (افْعَلْهُ﴾ بَدْءًا وَأَوَّلَ ﴿بَدْءٍ) عَن ثَعْلَب، (﴾ - وَبَاديىَ ﴿بدْءٍ) على فَعْل، (وَبَادِىَ) بِفَتْح الْيَاء فيهمَا (﴾ - بَدِيٍّ) كغنى، الثَّلَاثَة من المُضافاتِ، ( ﴿- وبادِي) بِسُكُون الياءِ، كياء مَعْدِيكَرِب، وَهُوَ اسْم فاعلٍ من بَدِيَ كَبَقيَ لُغةٌ أَنصاريّة، كَمَا تقدم (بَدْأَةَ) بِالْبِنَاءِ على الْفَتْح (وبدْأَةَ ذِي بَدْءٍ، وَبَدْأَةَ﴾ وبَدَاءَ) (ذِي ﴿- بَدي) على فعل (وَبادِيَ) بِفَتْح الْيَاء (﴾ بَدِىءٍ ككتف ﴿- وبَدِىءَ ذِي﴾ - بَدِيءٍ) كأَمير فيهمَا، ( ﴿وبادِىءَ) بِفَتْح الْهمزَة (بَدْءٍ) على فَعْلِ (وبَادِيءَ) بِفَتْح الْهمزَة، وَفِي بعض النّسخ بِسُكُون الياءِ (﴾ بَدَاءٍ) كَسماءٍ، ( ﴿وَبَدَا بَدْءٍ﴾ وبَدْأَةَ بَدَأَةَ) بِالْبِنَاءِ على الْفَتْح، (وبَادِي) بِسُكُون الْيَاء فِي موضِع النصب، هَكَذَا يتكلَّمون بِهِ (! بَدٍ) كَشَجٍ، (وَبَادِي) بِسُكُون الْيَاء (بَدَاءٍ) كسَماءٍ، وجَمْعُ بَدٍ مَعَ بَادِي تأْكيدٌ، كجمعه مَعَ بَدَا، وَهَكَذَا بَاقِي المُركَّبات البِنائيّة، وَمَا عَداهَا من المُضافات، والنُّسخُ فِي هَذَا الْموضع فِي اختلافٍ شديدٍ ومُصادمَة بعضُها مَعَ بعضٍ، فَلْيَكُن الناظِرُ على حَذرٍ مِنْهَا، وعَلى مَا ذَكرناه من الضَّبْطِ الاعتمادُ إِن شاءَ الله تَعَالَى (أَي أَوَّلَ شيءٍ) ، كَذَا فِي نُسخةٍ صحيحةٍ، وَفِي (اللِّسَان) : أَي أَوَّلَ أَوّلَ، وَفِي نسخةٍ أُخرى:
стр. 140
أَي أَوَّلَ كلِّ شيءٍ، وَهَذَا صَرِيح فِي نَصبهِ على الظرفيَّة، ومُخالِفٌ لما قَالُوهُ: إِنه منصوبٌ على الْحَال من الْمَفْعُول، أَي ﴿مَبْدُوءًا بِهِ قبلَ كُلِّ شيءٍ، قَالَ شَيخنَا: ويصحّ جعلُه حَالا من الْفَاعِل أَيضاً، أَي افعَلْه حالةَ كونِك﴾ بادِئاً، أَي مُبتدِئاً.
(و) يُقَال (رَجَع) . يحْتَمل أَن يكون مُتعدِّياً فَيكون (عَوْدَه) مَنْصُوبًا (على ﴿بَدْئِه، و) كَذَا عوداً على بَدْءٍ. وفَعلَه (فِي عَوْدِه﴾ وبَدْئِه، وَفِي عَوْدَتِه ﴿وبَدْأَتِه، وَعَوْداً وَبَدْءًا، أَي) رَجع (فِي الطَّريق الَّذِي جاءَ مِنْهُ) . وَفِي الحَدِيث (أَن النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمنَفَل فِي﴾ البَدْأَةِ الرُّبُع، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُث) ، أَراد ﴿بالبَدْأَةِ ابتداءَ سَفَرِ الغَزْوِ، وبالرَّجْعَةِ القُفُولَ مِنْهُ. وَفِي حَدِيث عليَ ﵁: لقد سَمِعْتُه يَقُول: (ليَضْرِبُنصكُمْ على الدِّينِ عَوْداً كَما ضَرَبْتُموهُم عَلَيْهِ بَدْءًا) أَي أَوَّلاً، يَعْنِي العَجَم والمَوَالِيَ.
(و) فلَان (مَا﴾ يُبدِىء وَمَا يُعِيد) أَي (مَا يَتَكَلَّم ببادِئِهِ وَلَا عائِدَةٍ) . وَفِي الأَساس أَي لَا حِيلةَ لَهُ، ﴿وبادِئَةُ الكلامِ: مَا يُورِدُه ابْتِدَاء، وعائِدتُه: مَا يَعُودُ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدُ. وَقَالَ الزجَّاجُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُبْدِىء الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ (سبأ: ٤٩) مَا فِي موضِعِ نَصْب أَيْ أَيَّ شيءٍ يُبْدِىءُ الباطلُ وَأَيَّ شَيء يُعِيدُ:
(﴾ والبِدْءُ: السَّيِّدُ) الأَوَّلُ فِي السِّيادة، والثُّنْيَانُ: الَّذِي يَلِيه فِي السُّودَدِ، قَالَ أَوْسُ بن مَغْرَاءَ السَّعْدِيُّ:
ثُنْيَانُنَا إِنْ أَتَاهُمْ كَانَ ﴿بَدْأَهُمْ
﴾ وَبَدْؤُهُمْ إِنْ أَتَانَا كَانَ ثُنْيَانَا
(و) ﴿البَدْءُ (: الشابُّ العاقلُ) المُستجادُ الرأَيِ،﴾ والبَدْءُ: المَفْضِلُ، والعَظْمُ بِمَا عَلَيْهِ من اللحْمِ، (و) قيل: هُوَ (النَّصِيبُ) أَو خَيْرُ نَصيبٍ (من الجَزُورِ، ﴿كالبَدْأَةِ) ، هَكَذَا بِالْهَمْز على الصَّوَاب، يُقَال: أَهْدَى لَهُ﴾ بَدْأَةَ الجَزورِ، أَي خَيْرَ الأَنصباءِ، وَقَالَ النَّمِرُ بنُ تَوْلَب:
стр. 141
فَمَنَحْتُ ﴿بَدْأَتَهَا رَقِيباً حَانِحاً
والنَّارُ تَلْفَحُ وَجْهَهَا بِأُوَارِهَا
والبَدُّ، والبِدُّ، والبُدَّةُ، والبِدَّةُ، والبِدَادُ، كالبَدْءِ، ويأْتي هَؤُلَاءِ الخمسةُ فِي حرف الدَّال إِن شاءَ الله تَعَالَى، (ج﴾ أَبْدَاءٌ) كجَفْنٍ وأَجْفانٍ، على غيرِ قِياسٍ ( ﴿وبُدُوءٌ) كفُلُوسٍ وجُفُونٍ، على القِياس، وَلَكِن لمّا كَانَ استعمالُ الأَوَّلِ أَكثرَ قدَّمه. وَقَالَ طَرَفَةُ بنُ العَبْد:
وَهُمُ أَيْسَارُ لُقْمَانَ إِذَا
أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْدَاءَ الجُزُرْ
وَهِي عَشرة: وَرِكَاها، وفَخِذَاها، وسَاقاها، وَكَتِفَاها، وعَضُدَاها، وهما أَلأَمُ الجَزُورِ لكَثْرةِ العُروقِ.
(و) ﴾ - البَدِيءُ (كالبَديِع: المَخْلُوقُ) فعيلٌ بِمَعْنى مَفعول، ﴿- والبَدِيءُ: العجيب (والأَمْرُ المُبْدَعُ) ، وَفِي نُسْخَة: البَدِيع، أَي الغَرِيب، لكَونه لم يكُنْ على مِثالٍ سابقٍ، قَالَ عَبِيدُ بنُ الأَبرص:
فَلا﴾ بَديءٌ وَلَا عَجِيبُ
وَقَالَ غَيره:
عَجِبَتْ جَارَتِي لِشَيْبٍ عَلَانِي
عَمْرَكِ اللَّهَ هَلْ رَأَيْتِ ﴿بَدِيئَا
وَقد﴾ أَبْدَأَ الرجلُ، إِذا أَتى بِهِ.
(و) ﴿- البَدِيءُ﴾ والبَدْءُ: (البِئرُ الإِسلامِيَّةُ) ، هِيَ الَّتِي حُفِرَتْ فِي الإِسلام حَدِيثَة، لَيست بِعَادِيَّة، وتُرِك فِيهَا الهمزُ فِي أَكثرِ كلامِهم، وَذَلِكَ أَن يَحْفِرَ بِئراً فِي الأَرض المَواتِ الَّتِي لَا رَبَّ لَهَا. وَفِي حديثِ ابْن المُسَيِّب: (فِي حَرِيمِ البَدِىءِ خَمْسَةٌ وعِشرُون ذِراعاً) والقَلِيب: البِئرُ العَادِيَّةُ القَدِيمة الَّتِي لَا يُعْلَم لَهَا رَبٌّ وَلَا حافِرٌ. وَقَالَ أَبو عُبَيْدَة: يُقَال للرَّكِيَّةِ:! - بَدِيءٌ وَبَدِيعٌ إِذا حَفَرْتَها أَنت، فإِن أَصبْتَها قد حُفِرت قبلَكَ فَهِيَ خَفِيَّة، قَالَ: وزَمْزَمُ خَفِيَّةٌ، لأَنها لإِسماعيلَ عَلَيْهِ
стр. 142
السلامُ فاندفَنَتْ، وأَنشد:
فَصَبَّحَتْ قَبْلَ أَذَانِ الفُرْقَانْ
تَعْصِبُ أَعْقَارَ حِيَاضِ البُودَانْ
قَالَ: ﴿البُودَانُ: القُلْبَانُ، وَهِي الرَّكَايَا، واحِدُها بَدِىءٌ، قَالَ: وَهَذَا مَقْلُوبٌ، والأَصلُ البُدْيَانُ.
(و) ﴾ - البَدِيءُ: السَّيِّدُ (الأَوَّلُ، كالبَدْء) بالفَتح، كَمَا تقدم، أَو الأَوَّلُ، كَمَا هُوَ ظاهرُ الْعبارَة، وَفِي بعض النّسخ: كالبَدْأَةِ، بِالْهَاءِ.
( ﴿وبُدِىءَ) الرجلُ (بالضَّمِّ) ، أَي بِالْبِنَاءِ للمَجهول (﴾ بَدْءًا: جُدِرَ) ، أَصابَه الجُدَرِيُّ، (أَو حُصِبَ بالحَصْبَة) ، وَهِي كالجُدَرِيِّ قَالَ الكُمَيْت:
فَكَأَنَّمَا ﴿بُدِئَتْ ظَوَاهِرُ جِلْدِهِ
مِمَّا يُصَافِحُ مِنْ لَهِيبِ سُهَامِهَا
كَذَا أَنشده الجوهريُّ لَهُ، وَقَالَ الصاغانيُّ: وَلَيْسَ للكُميت على هَذَا الرّوِيِّ شَيءٌ. وَقَالَ اللِّحيانِيُّ: بُدِىءَ لرجلُ﴾ يُبْدَأُ بَدْءًا: خَرَج بِهِ بَثْرٌ شِبْهُ الجُدَرِيِّ. ورَجُلُ ﴿مَبْدُوءٌ: خَرَج بِهِ ذَلِك، وَفِي حديثِ عائشَةَ ﵂: (فِي اليومِ الَّذِي بُدِىءَ فِيه رَسولُ اللَّه ﷺ ، قَالَ ابْن الأَثير: يُقَال: مَتَى﴾ بُدِىءَ فُلانٌ؟ أَي مَتَى مَرِض، يُسْأَلُ بِهِ عَن الحَيِّ والمَيتِ.
( ﴿وبَدَّاءٌ، كَكَتَّانٍ: اسْم جَمَاعةٍ) ، مِنْهُم﴾ بَدَّاء بنُ الحارِث بن مُعاوية، من بني ثَوْرٍ قَبِيلة من كِنْدَة. وَفِي بَجِيلَةَ بَدَّاءُ بنُ فِتْيَانِ بن ثَعْلَبَة بنِ مُعاويَة بن زَيدِ بن الغَوْثِ، وَفِي مُرَادٍ بَدَّاءُ بنُ عامرِ بن عَوْثَبَانَ بنِ زَاهرِ بن مُرَادٍ، قَالَه ابنُ حبيب، وَقَالَ ابنُ السيرافيِّ: بَدَّاءٌ فَعَّالٌ من البَدْءِ مَصروفٌ.
(! والبُدْأَة بالضمِّ: نَبْتٌ) قَالَ أَبو حنيفَة: هِيَ هَنَةٌ سَوْداءُ كأَنَّها كَمْءٌ وَلَا يُنْتَفَع بِها.
(و) حُكيَ اللّحيانيُّ قولَهم فِي الحِكايةِ: (كَانَ ذلِكَ) الأَمْرُ (فِي بدْأَتِنَا، مُثلَّثَةُ الباءِ) فَتْحاً وضَمًّا
стр. 143
وكَسْراً، مَعَ القَصْرِ والمَدِّ (وَفِي ﴿بَدَأَتِنَا مُحَرَّكَةً) ، قَالَ الأَزهريُّ: وَلَا أَدري كَيفَ ذَلِك، (وَفِي﴾ مُبْدَئِنَا) بِالضَّمِّ ( ﴿وَمَبْدَئِنَا) بِالْفَتْح (﴾ وَمَبْدَاتِنَا) بِالْفَتْح من غير همزَة، كَذَا هُوَ فِي نُسختنا، وَفِي بعضٍ بِالْهَمْز، أَي فِي أَول حَالِنَا ونَشْأَتِنا، (كَذَا فِي) كتاب (الباهِرِ لابنِ عُدَيْسٍ) وَقد حَكَاهُ اللِّحيانيُّ فِي (النوادِر) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
﴿بادِىءُ الرَأْيِ: أَوَّلُه﴾ وابتداؤُه، وَعند أَهلِ التحقيقِ من الأَوائل: مَا أُدرِكَ قبلَ إِمعان النَّظَرِ، يُقَال فعلته فِي بادىءِ الرأْيِ. وَقَالَ اللحيانيُّ: أَنت بادِيءَ الرأْيِ ﴿ومُبْتَدَأَهُ تُريد ظُلْمَنَا، أَي أَنتَ فِي أَوَّل الرأْي تُريد ظُلْمَنَا. وَرُوِيَ أَيضاً بغيرِ همزٍ، وَمَعْنَاهُ أَنت فِيمَا بَدَا من الرأْيِ وظَهَر، وسيأْتي فِي المعتلِّ. وقرأَ أَبو عمروٍ وحْدَه (﴾ بَادِىءَ الرَّأْيِ) بِالْهَمْز، وسائرُ القُرَّاء بغَيْرهَا، وإِليه ذهب الفَرَّاءُ وابنُ الأَنبارِيّ يُريد قراءَةَ أَبي عمرٍ و، وسيأْتي بعضُ تَفْصِيله فِي المعتلّ إِن شاءَ الله تَعَالَى.
﴿وأَبْدَأَ الرجلُ كِنايَة عَن النَّجْوِ، وَالِاسْم﴾ البَدَاءُ، ممدودٌ.
﴿وأَبدَأَ الصَبِيُّ: خَرجَتْ أَسنانُه بعدَ سُقوطِها.
﴾ والابتداءُ فِي العَروض: اسمٌ لكلِّ جُزْءٍ يَعْتَلُّ فِي أَوَّل البيتِ بِعِلَّةٍ لَا يَكون فِي شيءٍ من حَشْوِ البيتِ، كالخَرْم فِي الطَّويلِ والوافرِ والهَزَجِ والمُتقارِب، فإِن هَذِه كلَّها يُسَمَّى كلُّ واحدٍ من أَجزائها إِذا اعتلَّ: ﴿ابْتِدَاء، وَذَلِكَ لأَن فَعولن تُحذف مِنْهُ الفاءُ فِي﴾ الابتداءِ، وَلَا تُحذف الْفَاء من فَعولن فِي حَشْوِ الْبَيْت البتَّةَ، وَكَذَلِكَ أَوَّل مُفاعلتن وأَول مَفاعيلن يُحذفان فِي أَوَّل البيتِ، وَلَا يُسمّى مُستفعِلن من البَسيط وَمَا أَشبهَه مِمَّا عِلَّتُه كَعِلَّةِ أَجزاءِ حَشْوه ابْتِدَاء، وَزعم الأَخفشُ أَن الخليلَ جعلَ فاعلاتُنْ فِي أَوَّل المَدِيد ابْتِدَاء. (قَالَ: وَلم يَدْرِ الأَخفَش لم جَعَل فاعلاتن ابْتِدَاء)
стр. 144
وَهِي تكون فَعِلاتن وفاعلاتن، كَمَا تكون أَجزاءُ الحَشْوِ، وذَهب على الأَخفشِ أَنَّ الخَلِيل جعَل فاعلاتنْ ليسَتْ كالحشْوِ، لأَن أَلفها تَسقط أَبداً بِلا معاقبةٍ، وكلُّ مَا جازَ فِي جُزئه الأَوَّلِ مَا لَا يَجوزُ فِي حَشْوه فاسمُه الابتداءُ، وإِنما سُمِّي مَا وقَع فِي الجُزءِ ابْتِدَاء لابتدائك الإِعلال، كَذَا فِي (اللِّسَان) .
بذأ
: ( ﴿بَذَأَه، كمَنَعه: رَأَي مِنْهُ حَالا كَرِهَهَا) وَقد بَذَأَه﴾ يَبْذَؤُهُ: ازداره (واحتَقَره) وَلم يَقْبلْه، وَلم تُعجِبه مَرْآتُه (و) سأَلْتُه عَنهُ ﴿فَبَذَأَه، أَي (ذَمَّهُ) ، قَالَ أَبو زيدٍ: يُقَال﴾ بَذَأَتْه عَيني ﴿بَذْءًا إِذا طَرَأَ لَك وعندك الشيءُ ثمَّ لم تَرَه كَذَلِك، فإِذا رأَيتَه كَمَا وُصِفَ لَك قلت: مَا﴾ تَبْذَؤُه العَيْنُ (و) ﴿بَذَأَ (الأَرضَ: ذَمَّ مَرْعَاها) ، وَكَذَلِكَ المَوْضِعَ إِذا لم تَحْمَدْه.
(و) ﴾ - البَذِيءُ (كَبَدِيعٍ: الرجُلُ الفاحِشُ) اللسانِ، (وَقد) ﴿- بُذِىَ كَعُنِي إِذا عِيبَ وازدُرِيَ و (بَذُؤَ) كَكَرُم أَو كَكَتَب كَمَا هُوَ مُقتضَى إِطلاقه، وَهِي لغةٌ مرجوحةٌ (ويُثَلَّثُ) ، أَي تُحرَّكُ عَينُ فِعله، لأَنها المقصودةُ بالضبْطِ بالحركاتِ الثلاثِ، بَذأَ كمَنَعَ وكَفَرِحَ مُضارِعهما بالفَتْح، وككَرُم مضارعه بالضمَ قِيَاسا وبالفَتْحِ، وَفِي المِصباح: إِنما يُقَال بَذَأَ كمنَع فِي المهموز، والكَسْرُ والضمُّ إِنما هما فِي المُعتَلِّ اللَّام (﴾ بَذَاءً) كسحاب ( ﴿وَبَذَاءَةً) ككَرامة، مَصدرٌ للمضموم على القِياسِ وسيأْتي فِي المُعتلِّ، وَفِي بعض النّسخ﴾ بَذْأَةً على وَزْنِ رَحْمَةٍ، وَفِي أُخرى: بَذَاءً كَسَماءٍ.
(و) ﴿بذَأَ (المكانُ) : صَار (لَا مَرْعَى فِيهِ) فَهُوَ مُجدِبٌ.
(﴾ والمُباذَأَةُ) مفاعلةٌ من ﴿بَذَأَ: (المُفاحَشَةُ) ، وَفِي بعض النّسخ بِغَيْر همز، (﴾ كالبِذَاءِ) بالكسرِ. وَجوز بعضُهم الْفَتْح.
стр. 145
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
﴿باذَأْتُ الرجُلَ إِذا خاصَمْته،﴾ وباذَأَهُ ﴿فَبَذَأَهُ،﴾ وأَبذأْت: جِئْت ﴿بالبِذَاءِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذا عَظُمَت الخِلْقَة فإِنما بِهِ﴾ بِذَاءٌ ونِجَاءٌ.
وَمن الْمجَاز: وُصِفَتْ لي أَرضُ كَذَا فأَبصَرْتُها ﴿فبَذَأَتْها عَيْني، أَي ازدَرتْهَا فأَبصَرْتُها فبَذَأَتْها عَيْني، أَي ازدَرتْهَا.
برأَ
: (﴾ برَأَ اللَّهُ الخَلقَ، كجَعَلَ) ﴿يَبْرَأُ بِالْفَتْح فيهمَا، لمكانِ حرف الخلقِ فِي اللَّام، على الْقيَاس، وَلِهَذَا لَو قَالَ كمَنعَ بدَل جَعَل كَانَ أَوْلَى (﴾ بَرْءًا) كمَنْعٍ، حكان ابْن الأَنباريِّ فِي الزَّاهِر ( ﴿وبُروءًا) كقُعودٍ، حَكَاهُ اللّحيانيُّ فِي (نوادره) وأَبو زيدٍ فِي كتاب الْهَمْز: (خَلَقَهم) على غيرِ مثالٍ، وَمِنْه﴾ البارِىءُ فِي أَسمائه تَعَالَى، قَالَ فِي (النِّهَايَة) هُوَ الَّذِي خلق الخَلْقَ لَا عَن مِثالٍ. وَقَالَ البيضاوِيُ: أَصلُ تَركيب ﴿البَرْءِ لخُلوص الشيءِ من غيرِه، إِما على سَبِيل التفَصِّي، كَبَرَأَ المَرِيض من مَرَضه والمَدْيُون من دَيْنه، أَو الإِنشاء﴾ كبَرأَ اللَّهُ آدمَ من الطين، انْتهى. ﴿والبَرْءُ: أَخَصُّ من الْخلق، وللأَوَّل اختصاصٌ بِخَلْق الْحَيَوَان، وقلَّما يُستعمَل فِي غَيره، كبَرأَ اللَّهُ النَّسَمَة وخَلَق السَمواتِ والأَرض.
(و) ﴾ بَرأَ (المَرِيضُ) مُثَلَّثاً، والفتحُ أَفصحُ، قَالَه ابنُ القطَّاع فِي الأَفعال، وَتَبعهُ المُزَنِيُّ، وَعَلِيهِ مَشى المُصنِّف، وَهِي لُغة أَهلِ الحِجاز، والكَسْرُ لُغة بني تَميمٍ، قَالَه اليزيديُّ واللحيانيُّ فِي نوادِرِهما ( ﴿يَبْرَأُ) بِالْفَتْح أَيضاً على الْقيَاس (و) ﴾ بَرَأَ كنَصَر ( ﴿يَبْرُؤُ) كينْصُر، كَذَا هُوَ مَضبوطٌ فِي الأُصول الصحيحةِ، نقلَه غيرُ وَاحِد من الأَئمة، قَالَ الزجَّاج: وَقد ردُّوا ذَلِك، قَالَ: وَلم يجيءْ فِيمَا لامُه همزَة فَعَلْتُ أَفْعُل، وَقد استقصى العلماءُ باللغةِ هَذَا فَلم يَجدوا إِلَّا فِي هَذَا الحَرْفِ. قلت: وَكَذَلِكَ برَا يَبْرُو، كدَعَا يدْعُو، وصَرَّحوا أَنها لغةٌ قَبيحة (بُرْءًا بِالضَّمِّ) فِي لُغة الْحجاز وَتَمِيم، حَكَاهُ القَزّازُ وابنُ الأَنباريّ (وُبرُوءًا) القَزّازُ وابنُ الأَنباريّ (﴾ وبرُوءًا) كقُعود، ( ﴿وَبَرُؤ كَكَرُم) ﴾ يَبرُؤُ بالضمّ فيهمَا، حَكَاهَا القزَّاز فِي الْجَامِع وابنُ سَيّده فِي
следующие страницы →