Полный текст (4 693 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.
стр. 4551
رَجعتْ وفودهمُ بتَيْمٍ بَعْدَمَا
خَرَزُوا المَبانِي فِي بَنِي زَدْهَامِ
قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: فِي قَوْلهم: المِعزى تُبْهي وَلَا تُبني، أَي لَا تُعْطِي من الثلّة مَا يُبْنى مِنْهَا بَيْتٌ.
قَالَ: وأبنيت فلَانا بَيْتا، أَي أَعْطيته مَا يَبْني بَيْتا.
وروى شَمِر أَن مُخنّثاً قَالَ لعبد الله بن أبي أُمية: إِن فتح الله عَلَيْكُم الطَّائِف فَلَا تُفْلتنّ مِنْك باديةَ بنت غَيْلان، فَإِنَّهَا إِذا جَلست تَبَنَّت، وَإِذا تكلّمت تَغَنَّتْ، وَإِذا اضطجعت تَمنَّت، وَبَين رِجْلَيْهَا مِثل الْإِنَاء المُكْفأ.
قَالَ شَمر: سمعتُ ابْن الأعرابيّ يَقُول فِي قَوْله: (إِذا قعدت تَبَنَّت) ، أَي: فرَّجت بَين رِجْلَيها.
قلت: كَأَنَّهُ يَجعل ذَلِك من (المَبْناة) ، وَهِي القُبة من الأَدم، إِذا ضُربت ومُدَّت الأَطناب فانفرجت.
وَكَذَلِكَ هَذِه إِذا قَعَدت تَربَّعت وفرّجت رِجْلَيها.
وَقَوله (بَين رِجْليها مثل الْإِنَاء المُكْفأ) ، يَعْنِي: ضِخَم رَكَبها ونُهوده كَأَنَّهُ إِنَاء مَكْبُوب.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال بنى لَحْمَ فلانٍ طعامُه، يَبْنيه بِناءً، إِذا عَظُم من الْأكل؛ وأَنْشد:
بَنَى السَّوِيقُ لَحْمَها واللَّتُّ
كَمَا بَنَى بُخْتَ العِراق القَتُّ
قلت: وَجَائِز أَن يكون معنى قَول المخنّث (إِنَّهَا إِذا قَعدت تَبَنّت) من قَوْلهم. بَنى لحمَ فلانٍ طعامُه، إِذا سَمّنه وعَظَّمه.
وَكَانَ الرجل إِذا جَمع إِلَيْهِ أَهله ضَرب عَلَيْهَا بَيْتاً، وَلذَلِك قيل: بَنى فلانٌ على أَهْله.
بَين بون: يُقال: بَان الحقّ يَبين بَيَاناً؛ فَهُوَ بائِن.
وَأَبَان يُبين إبانة؛ فَهُوَ مُبين، بِمَعْنَاهُ؛ وَمِنْه قولُه تَعَالَى: ﴿﴾ (الزخرف: ١، ٢) .
وَقيل: ﴿حم ﷺ
١٧٦٤ - وَالْكِتَابِ﴾ هُوَ مُبين كُلّ مَا يُحتاج إِلَيْهِ.
وَقَالَ الزجّاج فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ .
يُقال: بَان الشيءُ وَأَبَان، بِمَعْنى وَاحِد.
قَالَ: وَيُقَال: بَان الشيءُ، وأَبَنْتُه.
فَمَعْنَى (مُبين) مبيِّن، أَي إِنَّه مُبين خَيره وبركته، ومُبين الْحق من الْبَاطِل، والحلال من الْحَرَام، ومُبين أَن نُبوة النبيّ ﷺ حقّ، ومُبين قصَص الْأَنْبِيَاء.
قلت: وَيكون (المُستبين) أَيْضا، بِمَعْنى (المُبين) .
يُقال: بَان الشَّيْء، وبَيّن، وَأَبَان،
стр. 4552
واسْتبان، بِمَعْنى وَاحِد؛ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ءَايَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ (النُّور: ٣٤) بِكَسْر الْيَاء وتشديدها، بِمَعْنى: مُتَبَيِّنات.
وَمن قَرَأَ (مُبَيَّنات) بِفَتْح الْيَاء، فَالْمَعْنى: إِن الله بَيَّنها.
وَمن أَمْثَال الْعَرَب: قد بَيَّن الصُّبح لذِي عَينين، أَي تَبيَّن.
وَقَالَ الزجّاج فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿) الْقُرْءَانَ خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ (الرحمان: ٣، ٤) .
قيل: إِنَّه عَنى ب (الْإِنْسَان) هَاهُنَا: النبيّ ﷺ علّمه البَيان، أَي: علّمه القُرآن الَّذِي فِيهِ بيانُ كلّ شَيْء.
وَقيل: الْإِنْسَان، هَاهُنَا: آدم ﵇.
وَيجوز فِي اللُّغَة أَن يكون (الْإِنْسَان) اسْما لجنس النَّاس جَمِيعًا، وَيكون على هَذَا الْمَعْنى: علّمه الْبَيَان، جعله مُمَيّزا حَتَّى انْفَصل الْإِنْسَان ببَيانه وتَمييزه من جَمِيع الْحَيَوَان.
قلت: و (الاستبانة) يَكون وَاقعا.
يُقَال: استبنتُ الشَّيْء، إِذا تأمّلته حَتَّى تبَيَّن لَك: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ ((وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الَاْيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الْأَنْعَام: ٥٥) ، الْمَعْنى: ولتستبين أَنْت يَا مُحَمَّد سَبِيل الْمُجْرمين، أَي لتزداد استبانة؛ وَإِذا بَان سَبيل الْمُجْرمين فقد بَان سَبِيل الْمُؤمنِينَ مِنْهُم.
وَأكْثر القُرّاء قرءوا ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ .
والاستبانة، حِينَئِذٍ، تَكون غير وَاقع.
وَيُقَال: تبيّنت الْأَمر، أَي: تأملته وتوسّمته؛ وَقد تبيّن الْأَمر، يكون لَازِما وواقعاً.
وَكَذَلِكَ: بَيَّنته فَبَيَّن، أَي تَبيَّن، لَازم ومُتعدّ.
وَقَوله جلّ وعزّ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ (النَّحْل: ٨٩) ، أَي: بُيِّن لَك فِيهِ كُلّ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ أَنْت وأمّتك من أَمر الدِّين.
وَهَذَا من اللّفظ العامّ الَّذِي أُرِيد بِهِ الْخَاص.
وَالْعرب تَقول: بَيَّنت الشيءَ تَبْييناً وتِبْياناً، بِكَسْر التَّاء.
و (تِفعال) بِكَسْر التَّاء يكون اسْما فِي أَكثر كَلَام العَرب.
فَأَما الْمصدر فَإِنَّهُ يَجِيء على (تَفعال) ، بِفَتْح التَّاء، مثل: التَّكذاب، والتَّصْداق، وَمَا أشبهه.
وَجَاء فِي المصادر حرفان نادران، وهما تِلْقاء الشَّيْء، والتِّبيان، وَلَا يُقاس عَلَيْهِمَا.
والبَيْن، فِي كَلَام الْعَرَب، جَاءَ على وَجْهين مُتضادَّين:
стр. 4553
يكون (البَين) بِمَعْنى: الفِراق؛ وَيكون بِمَعْنى: الوَصْل.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الْأَنْعَام: ٩٤) .
قَرَأَ نَافِع وحَفص، عَن عَاصِم وَالْكسَائِيّ: (بَيْنَكم) ، نَصْباً.
وَقَرَأَ ابنُ كثير وَأَبُو عَمْرو، وَابْن عَامر وَحَمْزَة (بَيْنُكم) رفعا.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: لَقد تَقَطَّع بَيْنُكم، أَي وَصْلُكم.
وَمن قَرَأَ (بَينكم) فَإِن أَبَا الْعَبَّاس رَوى عَن ابْن الْأَعرَابِي أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ: تَقَطَّع الَّذِي كَانَ بَيْنكُم.
وَقَالَ الزجّاج: من فتح فالمَعنى: لقد تَقطع مَا كُنْتُم فِيهِ من الشَّركة بَيْنكم.
ورُوي عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ: (لقد تقطّع مَا بَيْنكم) .
وَاعْتمد الفَرّاء وغيرُه من النَّحْوِيين قِراءة ابْن مَسْعُود، لمن قَرَأَ (بَيْنَكم) .
وَكَانَ أَبُو حَاتِم يُنكر هَذِه الْقِرَاءَة وَيَقُول: من قَرَأَ (بينَكم) لم يَجُز إِلَّا بموصول، كَقَوْلِك: مَا بَينكم.
قَالَ: وَلَا يجوز حَذف الْمَوْصُول وبقَاء الصِّلَة، وَلَا يُجِيز العربُ: إنّ قَامَ زيدٌ، بِمَعْنى: إنّ الَّذِي قَامَ زيد.
قلت: أجَاز الفَراء، وَأَبُو إِسْحَاق النحويّ النَّصْب، وهما أعلم بالنَّحو من أبي حَاتِم.
وَالْوَجْه فِي ذَلِك أَن الله خَاطب بِمَا أَنزل فِي كِتَابه قوما مُشْرِكين، فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (الْأَنْعَام: ٩٤) .
أَرَادَ: لقد تقطع الشِّرك بَيْنكُم، فأضمر (الشّرك) لِمَا جَرى من ذكْر الشُّركاء، فافْهمه.
وَيُقَال: بَين الرَّجُلين بَيْن بَعيد، وبَوْنٌ بَعيد.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ (الْكَهْف: ٥٢) .
فإنّ الزّجاج قَالَ: مَعْنَاهُ: جعلنَا بَينهم من الْعَذَاب مَا يُوبقهم، أَي يُهلكهم.
وَقَالَ الْفراء: مَعْنَاهُ: جعلنَا بَينهم، أَي: تواصُلَهم فِي الدُّنيا مَوْبِقاً لَهُم يَوْم الْقِيَامَة، أَي: هلكاً. وَتَكون (بَين) صفة بِمَعْنى: وسط، وخِلال.
وَيُقَال: بَانَتْ يَد النَّاقة عَن جنبها تبِين بُيوناً.
وَبَان الخليطُ يَبين بَيْناً وبَينُونة؛ قَالَ الطّرْماح:
أآذَن الثاوي بِبَيْنُونة
أَخْبرنِي المُنذري، عَن أبي الْهَيْثَم، أَنه
стр. 4554
قَالَ: الْكَوَاكِب البابانيات، هِيَ الَّتِي لَا تَنزل بهَا شَمس وَلَا قَمر، إِنَّمَا يُهْتَدى بهَا فِي البَر وَالْبَحْر، وَهِي شآميّة، ومهبُّ الشمَال مِنْهَا، أوّلها القُطب، هُوَ كَوْكَب لَا يَزُول، والجَدي والفَرْقدان، وَهُوَ بَيْن القُطب، وَفِيه بَنات نَعش الصُّغرى.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: سَمِعت الْمبرد يَقُول: إِذا كَانَ الِاسْم الَّذِي يَجِيء بعد (بَينا) اسْما حقيقيّاً رفعتَه بِالِابْتِدَاءِ. وَإِن كَانَ اسْما مَصْدريًّا خَفضته، وَتَكون (بَينا) فِي هَذِه الْحَال بِمَعْنى (بَين) .
قَالَ: فَسَأَلت أَحْمد بن يحيى عَنهُ أُعْلمه، فَقَالَ: هَذَا الدّر، إلاّ أَن من الفُصحاء مَن يرفع الِاسْم الَّذِي بعد (بَينا) وَإِن كَانَ مصدريًّا، فيُلحقه بِالِاسْمِ الْحَقِيقِيّ؛ وَأنْشد بَيت الْخَلِيل بن أَحْمد:
بَيْنا غِنَى بيتٍ وبَهْجتِه
ذَهَب الغِنى وتَقَوَّض البَيْتُ
وَجَائِز: وبَهْجتُه.
قَالَ: وَأما (بَيْنَمَا) فالاسم الَّذِي بعده مَرْفُوع، وَكَذَلِكَ المَصْدَر.
وَقَالَ اللَّيْث: البَيِّن من الرِّجَال: الفَصيح.
والبَيان: الفَصاحة.
كَلَام بَيِّن: فَصيح.
وَقَالَ النبيّ ﷺ (أَلا إِن التَّبْيين من الله والعَجلة من الشَّيطان فتَبَيَّنوا) .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: قَالَ الْكسَائي وَغَيره: التَّبْيين: التثّبت فِي الْأَمر والتأنّي فِيهِ.
وقُرىء قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ (النِّسَاء: ٩٤) .
وقرىء: (فتثبَّتوا) ، والمعنيان مُتقاربان.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سَجدة الحُجُرات ﴿ءَامَنُو ﷺ
١٧٦٤ - اْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ﴾ (الحجرات: ٦) ، و (تَثَبَّتوا) ، قُرىء بِالْوَجْهَيْنِ أَيْضا.
شَمِر، قَالَ ابْن شُميل: البَيِّن من الرِّجال: السَّمْح اللِّسان، الفصيح الظَّريف، العالي الْقَلِيل الرَّتَج.
وَقوم أَبيناء؛ وَأنْشد شَمر:
قد يَنْطِقُ الشِّعْرَ الغَبِيُّ ويَلْتَئِي
على البَيِّن السَّفّاك وَهُوَ خَطِيبُ
قَوْله: يلتئي، أَي: يُبطىء، من (اللأي) ، وَهُوَ الإبطاء.
ورُوي عَن النبيّ ﷺ أَنه قَالَ: (إِن من البَيان لَسِحْراً) .
قَالَ أَبُو عُبيد: الْبَيَان، هُوَ: الْفَهم وذكاء القَلب مَعَ اللَّسَن.
قَالَ: وَمَعْنَاهُ: أَنه يَبلغ من بَيَان ذِي الفَصاحة أَنه يَمدح الْإِنْسَان فيُصدَّق فِيهِ حَتَّى يَصْرِف القُلوب إِلَى قَوْله وحُبّه، ثمَّ يَذُمّه فيصدَّق فِيهِ حَتَّى يصرف الْقُلُوب إِلَى قَوْله
стр. 4555
وبُغضه، فَكَأَنَّهُ سَحر السامعين بذلك، وَهُوَ وَجه قَوْله: (إِن من الْبَيَان لسِحْراً) .
وعَدن أَبْين: اسْم قَرْيَة على سِيف الْبَحْر ناحِية الْيمن.
ابْن السّكيتُ: البَيْن: الفِراق.
والبِبُن: القِطْعة من الأَرْض قدر مَدّ البَصر؛ وَأنْشد لِابْنِ مُقْبل:
مِن سَرْوِ حِمْير أبوالُ البِغال بِهِ
أنّى تَسَدَّيْتَ وَهْناً ذَلِك البِينا
وَقَالَ أَبُو مَالك: البِين: الفَصل بَين الأَرضين، يكون الْمَكَان حَزناً وبقُربه رمل وَبَينهمَا شَيْء لَيْسَ بَحزن وَلَا سهل.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: البِينُ: النَّاحِيَة.
والبِين: قَدر مدّ البَصر مِن الطَّريق.
وَقَالَ الباهليّ: وفَصْل بَيْن كل أَرْضَين يُقال لَهُ: بِين.
وَعَن النبيّ ﷺ أَنه قَالَ: (الحَياء والعِيّ شُعْبتان من الْإِيمَان، والبَذاء والبَيان شُعْبتان من النِّفاق) .
وَقَالَ غَيره فِي قَوْله:
يَا رِيحَ بَيْنُونة لَا تَذْمِينا
جئْتِ بأَلْوان المُصَفَّرِينا
بَيْنونة: موضعٌ بَين عُمان والبَحرين، وَبِيء.
وَقَالَ أَبُو مَالك: بِئْرٌ بَيُونٌ، وَهِي الَّتِي لَا يُصيبها رشاؤها، وَذَلِكَ لِأَن جِراب البِئر مُسْتقيم.
وَقَالَ غَيره: البَيُون: البِئر الواسعة الرَّأْس الضَّيقة الْأَسْفَل؛ وَأنْشد:
إنّك لَو دَعَوْتني ودُوني
زَوْرَاءُ ذاتُ مَنْزع بَيُونِ
لقلتُ لَبَّيهْ لِمن يَدْعُوني
فَجَعلهَا: زَوْراء، وَهِي الَّتِي فِي جرابها عَوَج. والمَنْزع: الْموضع الَّذِي يَصْعد فِيهِ الدَّلْو إِذا نُزع من الْبِئْر، فَذَلِك الْهَوَاء هُوَ المَنزع.
وَقَالَ بَعضهم: بِئْرٌ بَيُون، وَهِي الَّتِي يُبين المُسْتقى الحَبْلَ فِي جِرابها لعَوَجٍ فِي جُولها؛ قَالَ جرير يصف خَيْلاً وصَهيلها:
يَشْنِفْن للنَّظر البَعيد كأنّما
إرنانُها ببَوائِن الأشْطَانِ
أَرَادَ: كَأَنَّهَا تَصهل فِي بِئْر دَحُول، وَذَاكَ أغْلظ لِصَهيلها.
أَبُو زيد، يُقَال: طلب فلَان البائِنَة إِلَى أبَوَيْه، وَذَلِكَ إِذا طلب إِلَيْهِمَا أَن يُبِيناه بمالٍ، فَيكون لَهُ على حِدَةٍ.
قَالَ: وَلَا تكون البائنة إلاّ من الْوَالِدين، أَو أَحدهمَا.
وَقد أَبانه أَبَوَاهُ إبانةً.
حَتَّى بَان هُوَ بذلك، يَبينُ بيوناً.
стр. 4556
حدّثنا عبد الله بن عُروة، عَن يُوسُف، عَن جَرير، عَن مُغيرة، عَن الشَّعبي: قَالَ: سمعتُ النُّعمان بن بَشِير يَقُول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ وطَلَبَتْ عَمْرةُ إِلَى بَشِير بن سَعد أَن يُنْحِلَنِي نَخْلاً من مَاله، وَأَن يَنْطَلِق بِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فيُشْهده، فَقَالَ: (هَل لَك مَعَه وَلَدٌ غَيره؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَهَل أَبَنْت كُلَّ واحدٍ مِنْهُم بِمثل الَّذِي أَبَنْت هَذَا؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فإنّي لَا أَشْهد على هَذَا، هَذَا جَوْرٌ، أَشْهِد على هَذَا غَيْرِي، اعْدلوا بَين أَوْلَادكُم فِي النَّخْل كَمَا تحبّون أَن يَعْدِلوا بَيْنكم فِي البِرّ واللّطف) .
قَوْله: هَل أَبَنْت كُلّ وَاحِد؟ أَي: هَل أَعْطَيْت كُلَّ وَاحِد مَالا تُبينه بِهِ، أَي: تُفْرده.
وَالِاسْم: البائنة.
ابْن شُميل: يُقال لِلْجَارِيَةِ إِذا تزوَّجت: قد بانَت.
وهُنّ قد بِنّ، إِذا تزوَّجن.
وبَيَّن فلانٌ بِنْته، وأبانها، إِذا زوَّجها وَصَارَت إِلَى زَوْجها.
أَبُو العبَّاس، عَن ابْن الأعرابيّ: البَوْنة: البِنْت الصَّغِيرة.
والبَوْنَة: الفَصِيلة.
والبَوْنَة: الفِرَاق.
وَمن أَمْثَال الْعَرَب: اسْتُ الْبَائِن أعرف؛ وَقيل: أَعْلم.
أَي: من وَلِي أمرا ومارَسَه فَهُوَ أعلم بِهِ ممّن لم يُمَارِسْه.
والبائن: الَّذِي يَقوم على يَمين النَّاقة إِذا حَلَبها. والجميع: البُيَّن.
والبائن والمُسْتَعلي، هما الحالبان اللّذان يَحْلُبان النَّاقة، أحَدُهما حالِبٌ وَالْآخر مُحْلِب. والمُعِين هُوَ المُحْلِب.
والبائن، عَن يَمِين النَّاقة يمسك العُلْبة. والمُسْتَعلي: الَّذِي عَن شمالها، وَهُوَ الحالب.
يرفع البائنُ العُلْبة إِلَيْهِ؛ قَالَ الكُميت:
يُبَشِّر مُسْتَعْلِياً بائنٌ
من الحالبَيْن بأنْ لَا غِرَارَا
أبن: اللَّيْث: يُقال: فلانٌ يُؤْبَن بخَيْرِ وبِشَرَ، أَي: يُزَنّ بِهِ. فَهُوَ مَأبُون.
قَالَ: والأُبنة: عُقدة فِي العَصَا. وَجَمعهَا: أُبَن.
ويُقال: لَيْسَ فِي حَسَب فلانٍ أُبْنَة؛ كَقَوْلِك: لَيْسَ فِيهِ وَصْمة.
عَمْرو، عَن أَبِيه: يُقَال: فلانٌ يُؤْبَن بخَيْر، ويُؤْبن بشَرّ.
فَإِذا قلت: يُؤْبن، مجرَّداً، فَهُوَ فِي الشرّ لَا غَيْر.
وَفِي حَدِيث ابْن أبي هَالة فِي صفة مجْلِس النبيّ ﷺ مجلسُه مجْلِس عِلْم وحياء لَا
стр. 4557
تُرْفع فِيهِ الْأَصْوَات، وَلَا تُؤبن فِيهِ الحُرم، أَي لَا تُذكر فِيهِ النّساء، ويُصان مَجْلِسُه عَن الرَّفَث وَمَا يَقْبح نَشْرُه.
ورُوي عَن النّبي ﷺ أَنه نهى عَن الشِّعر إِذا أُبِنَت فِيهِ النِّساء.
قَالَ شَمر: أبَنْت الرجُلَ بِكَذَا وَكَذَا، إِذا أزْنَنْته بِهِ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أبَنْت الرّجل آبِنه، وآبنُه، إِذا رَمَيته بقبيح وقذفْته بسُوء.
قَالَ: وَمعنى (لَا تؤبن فِيهِ الحُرم) ، أَي: لَا تُرمى بسُوء وَلَا تُعاب، وَلَا يُذكر مِنْهَا القَبِيحُ وَمَا لَا يَنْبغي مِمَّا يُسْتَحْيا مِنْهُ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الأَبِن، غير مَمْدُود الْألف، على (فَعِل) من الطَّعام والشَّراب: الغَلِيظ الثَّخِين.
والأُبنة: العَيب فِي الحَسب والعُود.
وَقَول رُؤبة:
وامْدَح بِلَالًا غَيْر مَا مُؤَبَّنِ
قَالَ ابْن الأعرابيّ: مُؤَبَّن: مَعِيب.
وَخَالفهُ غَيره.
وَقيل للمَجْبُوس: مَأْبون، لِأَنَّهُ يُزَنّ بالعَيْب القَبيح.
وكأنّ أَصله من (أُبْنة) الْعَصَا، لِأَنَّهَا عَيْبٌ فِيهَا.
أَبُو عبيد، عَن أبي عَمْرو: أَبّنْت الرَّجُل تَأْبيناً، إِذا مَدَحْتَه بعد مَوته؛ وَقَالَ مُتمِّم ابْن نُوَيْرة:
لَعَمْرِي وَمَا دَهْرِي بتأْبِين هالِكٍ
وَلَا جَزَعاً ممّا أَصَاب فأَوْجَعَا
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: التّأبين: اقتفاء الْأَثر؛ قَالَ أَوْس:
يَقُول لَهُ الرّاؤُون هذاكَ راكبٌ
يُؤَبِّن شَخْصاً فَوق عَلياء واقِفُ
يَصِف العَيْرَ.
وَقيل لمادح المَيت: مؤبِّن، لاتّباعه آثَار فِعاله وصَنائعه.
وَقَالَ شَمر: التَّأبين: الثَّنَاء على الرّجل فِي المَوت والحياة.
وإبّان الشَّيْء: وقته.
يُقَال: أَتَانَا فلَان إبّان الرُّطب، وإبّان اخْتراف الثِّمَار، وإبّان الحَرّ أَو الْبرد، أَي أَتَانَا فِي ذَلِك الْوَقْت.
وَقَالَ ذُو الرُّمّة يَصِف عَيْراً وسَحِيلَه:
تُغنِّيه من بَين الصَّبيّين أُبْنةٌ
نَهُومٌ إِذا مَا ارْتدّ فِيهَا سَحِيلُها
تُغنِّيه، يَعْنِي (العَيْر) بَين الصّبّيين، وهما طرفا اللَّحْى. والأُبْنة: العُقْدة، وعَنى بهَا هَاهُنَا: الغَلْصَمة. والنَّهُوم: الَّذِي يَنْخِط، أَي يَزفر؛ يُقَال: نَهَم ونَأم فِيهَا فِي الأبْنة. والسَّحِيل: الصَّوت.
وأَبَانَان: جبلان فِي الْبَادِيَة، ذكرهمَا مُهْلهل؛ وَقَالَ:
стр. 4558
لَو بأبَانَيْن جَاءَ يَخْطُبها
رُمِّل مَا أنْف خاطبٍ بِدَمِ
وأَبَان: اسمٌ.
مَا يعرف بالابن وَالْبِنْت
ابْن الْأَعرَابِي:
ابْن الطِّين: آدم ﵇.
وَابْن مَلاط: العَضُد.
وَابْن مُخدِّش: رَأس الكَتِف؛ وَيُقَال: إِنَّه النُّغْض أَيْضا.
وَابْن النَّعَامة: عَظْم السّاق.
وَابْن النَّعامة: عِرْق فِي الرِّجْل.
وَابْن النَّعامة: مَحَجَّة الطّريق.
وَابْن النّعامة: الفرسُ الفارِه.
وَابْن النَّعامة: الساقي الَّذِي يكون على رَأس البِئر.
ويُقال للرَّجُل الْعَالم هُوَ:
ابْن بَجْدتها، وَابْن بُعْثُطها، وَابْن سُرْسُورها، وَابْن ثَراها، وَابْن مَدِينتها، وَابْن زَوْمَلتها، أَي العالِم بهَا.
وَابْن الفَأرة: الدِّرْص.
وَابْن السِّنَّور: الدِّرص أَيْضا.
وَابْن النَّاقة: البابُوس. ذكره ابْن أَحْمر فِي شِعْره.
وَابْن الخَلّة: ابْن مَخاض.
وَابْن عِرْس: السُّرْعُوب.
وَابْن الجرَادة: السِّرْو.
وَابْن اللَّيْل: اللِّصّ.
وَابْن الطَّريق: اللِّصّ أَيْضا.
وَابْن غَبْراء: اللِّصّ أَيْضا.
وَقيل فِي قَول طَرفة:
رأيتُ بني غَبْراء لَا يُنْكرُونني
إنّ بني غبراء اسمٌ للصَّعاليك الَّذين لَا مالَ لَهُم، سُمُّوا: بَني غَبْراء، للزُوقهم بغَبْراء الأَرض، وَهُوَ تُرابها.
أَرَادَ أَنه مَشهور عِنْد الفُقراء والأغْنياء.
وَقيل: بَنو غَبراء: هم الرُّفْقة يَتَناهدون فِي السَّفَر.
وَابْن إلَاهة، وأَلَاهة: ضَوء الشَّمْس، وَهُوَ الضِّحّ.
وَابْن المُزْنة: الْهلَال؛ وَمِنْه قَوْله:
رأيْتُ ابْنَ مُزْنَتها جانِحَا
وَابْن الكَرَوان: اللَّيْل.
وَابْن الحُبَارى: النَّهار.
وَابْن تُمَّرة: طَائِر. وَيُقَال: التُّمرَّة.
وَابْن الأَرْض: الغَدير.
وَابْن طامِر: البُرْغُوث.
وَابْن طامِر: الخَسيس من النَّاس.
وَابْن هَيَّان، وَابْن بَيّان، وَابْن هَيّ، وَابْن بَيّ، كُلّه الخَسِيس من النَّاس.
стр. 4559
وَابْن النّخلة: الدُّجى.
وَابْن اليَحْنة: السَّوْط. واليَحْنة: النَّخلة الطَّويلة.
وَابْن الْأسد: الشَّيْع، والحَفْص.
وَابْن القِردْ: الحَوْدَل، والرُّبَّاح.
وَابْن البَرَاء: أول يَوْم من الشّهر.
وَابْن المازِن: النَّمْل.
وَابْن الغُراب: البُجّ.
وَابْن الفوالي: الجانّ. يَعْنِي: الحيّة.
وَابْن القاويّة: فَرخ الحمَام.
وَابْن الفاسِيَاء: القَرَنْبي.
وَابْن الحَرام: السَّلا.
وَابْن الكَرْم: القِطْف.
وَابْن المَسَرَّة: غُصن الرَّيْحان.
وَابْن جَلَا: السّيِّد.
وَابْن دَأْية: الغُراب.
وَابْن أَوْبر: الكَمْأة.
وَابْن قِتْرة: الحيّة.
وَابْن ذُكاء: الصُّبْح.
وَابْن فَرْتَنى، وَابْن تُرْنَى: ابْن البَغِيّة.
وَابْن أَحْذَار: الرَّجُل الحَذِر.
وَابْن أَقْوال: الرَّجُل الكثيرُ الكَلام.
وَابْن الفَلاة: الحِرْباء.
وَابْن الطَّوْد: الحَجر.
وَابْن حَجِير: اللَّيْل الَّتِي لَا يُرى فِيهَا الهِلال.
وَابْن آوى: سَبُعٌ.
وَابْن مَخاض، وَابْن لَبُون: من أَوْلَاد الْإِبِل.
ويُقال للسِّقاء: ابْن الأَدِيم.
فَإِذا كَانَ أكبر، فَهُوَ: ابْن أديمَين، وَابْن ثَلَاثَة آدِمة.
وَأَخْبرنِي المنذريّ، عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: يُقَال: هَذَا ابنُك، ويُزاد فِيهِ الْمِيم فَيُقَال: هَذَا ابْنُمك. فَإِذا زيدت فِيه الْمِيم أُعرب من مكانَيْن، فَقيل: هَذَا ابْنُمُك، فضُمَّت النُّون وَالْمِيم، وأعرب بضَم النُّون وَضم الْمِيم؛ ومررت بابْنِمِك وأريت ابْنَمَك، تُتْبع النُّون الْمِيم فِي الْإِعْرَاب، وَالْألف مَكْسُورَة على كل حَال.
وَمِنْهُم من يُعربه مِن مكانٍ وَاحِد، فيُعرب الْمِيم لِأَنَّهَا صَارَت آخر الِاسْم، ويدع النُّون مَفْتُوحَة على كل حَال، فَيَقُول: هَذَا ابْنَمُك، وَهَذَا ابْنَمُ زيد، ومررت بابْنَم زيد، وَرَأَيْت ابنَم زيد؛ وأَنْشد:
وَلَدْنا بني العَنْقاء وابْني مُحرِّق
فأَكرِمْ بِنَا حَالا وأَكرم بِنَا ابْنَما
وَزِيَادَة الْمِيم فِيهِ كَمَا زادوها فِي: شَدْقم،
стр. 4560
وزُرْقم، وشَجْعم، لنوعٍ من الحيّات.
ويُقال فِيمَا يعرف ببنات:
بَنات الدَّم: بَنَات أَحْمر.
وَبَنَات المُسْنَد: صُروفُ الدَّهْر.
وبَنات مِعًى: البَعَر.
وبَنات اللَّبن: مَا صَغُر مِنْهَا.
وَبَنَات النَّقَا: هِيَ الحُلْكة، تُشَبَّه بِهن بَنان العَذَارى؛ قَالَ ذُو الرُّمة:
بَنات النّقَا تَخْفَى مِراراً وتَظْهرُ
وَبَنَات مَخْرٍ، وبناتُ بَخْرٍ: سحائب يَأْتِين قُبُل الصَّيف مُنْتَصبات.
وَبَنَات غَير: الكَذِب.
وَبَنَات بِئس: الدَّواهي؛ وَكَذَلِكَ: بَنَات طَبق، وَبَنَات بَرح، وَبَنَات أَوْدَك.
وَابْنَة الجَبْل: الصَّدَى.
وَبَنَات أعْنق: النِّسَاء، وَيُقَال: خيل نُسِبت إِلَى فَحل يُقَال لَهُ: أَعْنق.
وَبَنَات صَهَّال: الخَيْل.
وبَنات شَحّاج: البِغال.
وَبَنَات الأخْدِريّ: الأُتْن.
وَبَنَات نَعش: من الْكَوَاكِب الشّماليَّة.
وَبَنَات الأَرْض: الْأَنْهَار الصَّغِيرَة.
وَبَنَات المنَى: اللَّيل.
وَبَنَات الصَّدْر: الهُموم.
وَبَنَات المِثال: النِّساء. والمِثال: الفِرَاش.
وَبَنَات طَارق: بَنات المُلوك.
وبَنات الدَّوّ: حَمير الوَحْش.
وَهِي بَنَات صَعْدة أَيْضا.
وَبَنَات عُرْجون: الشَّماريخ.
وَبَنَات عُرْهون: الفُطْر.
(بَاب النُّون وَالْمِيم)
ن م (وَا يء)
نمى، نوم، نيم، منى، مأن، يمن، ينم، ونم، أَمن، نأم، منأ، أنم، منا، مين، إِنَّمَا.
أنم: اللَّيْث: الأَنام: مَا على ظَهر الأَرْض من جَميع الخَلْق.
قَالَ: وَيجوز فِي الشّعْر: الأَنِيم.
وَقَالَ المُفّسرون فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿للهالْمِيزَانَ وَالَاْرْضَ وَضَعَهَا لِلَاْنَامِ﴾ (الرحمان: ١٠) هم: الجِنّ وَالْإِنْس.
والدّليل على مَا قَالُوا أَن الله تَعالى قَالَ بعقب ذِكره (الْأَنَام) إِلَى قَوْله: ﴿الْعَصْفِ﴾ (الرحمان: ١٢) : ﴿وَالرَّيْحَانُ فَبِأَىِّءَالا ﷺ
١٧٦٤ - ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمان: ١٣) وَلم يَجْرِ للجنّ ذِكْرٌ قبل ذَلِك، إِنَّمَا ذَكر الجانّ بعده، فَقَالَ: ﴿) (تُكَذِّبَانِ خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ
стр. 4561
كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ﴾ (الرحمان: ١٤، ١٥) الْآيَة.
والجنّ وَالْإِنْس، هما الثَّقَلان.
وَقيل: جَازَ مُخاطبة الثَّقَلين قبل ذِكرهما مَعًا، لِأَنَّهُمَا ذُكرا بعقب الْخطاب؛ كَمَا قَالَ المثقَّب العبديّ:
فَمَا أَدري إِذا يَمَّمتُ أَرْضاً
أُريد الخَيْرَ أيّهما يَلِيني
أالخير الَّذِي أَنا أَبْتَغيه
أم الشّر الَّذِي هُوَ يَبْتَغِيني
فَقَالَ: أَيهمَا، وَلم يَجر للشرّ ذِكر إِلَّا بعد تَمام الْبَيْت.
نأم: أَبُو زيد: نأم الأَسدُ يَنْئِم نَئِيماً، وزأر يَزْأر زَئِيراً.
والنَّئِيم، أَهْون من الزَّئِير.
ابْن السِّكيت: يُقَال: أَسْكت نَامَته، مَهْمُوزَة مخّففة الْمِيم، وَهُوَ من النّئِيم، وَهُوَ الصوَّت الضَّعيف.
وَيُقَال: نامّته بالتَّشديد، فَيجْعَل من المضاعف، وَهُوَ مَا يَنمّ عَلَيْهِ من حَركته.
وَيُقَال: نأم البُوم أَيْضا؛ وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
إلاّ نَئِيم البُوم والضُّوَعا
مأن: أَبُو زيد: مأنْتُ الرَّجُلَ أمْأَنُه مَأْناً، إِذا أصَبت مأنَته، وَهُوَ مَا بَين سُرّته وعانَته وشُرْسُوفه.
وَيُقَال: مَا مَأَنْت مَأْنه، وَلَا شأنْت شأنَه، وَلَا انْتبلت نَبْله، أَي مَا انْتَبَهت لَهُ وَلَا احتفلت بِهِ.
وَقَالَ الْفراء: أَتَانِي هَذَا الأَمْرُ وَمَا شأنت شَأْنه، وَلَا مأنت مأنه، أَي لم أُعْمل فِيهِ.
وَقَالَ مرّة أُخْرَى: أَي مَا عَلِمت عِلْمه.
قَالَ: ومثلُه: مَا رَبأت رَبْأه.
أَخْبرنِي المُنذريّ، عَن ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي، يُقَال: مَا شأنت شَأْنه، وَلَا مَأَلت مأْله، وَلَا هُؤْت هَوْأَه، وَلَا ربأت ربأه، وَلَا نَبَلْت نَبْله، وَلَا مَأنت مَأْنه، أَي مَا شَعرت بِهِ.
قَالَ: والمأنة: أَسْفَل السُّرة.
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: سَمِعت أعرابيًّا من بني سُليم يَقُول: مَا مأنت مَأْنه، أَي مَا عَلِمتُ عِلْمه. وَهُوَ بِمَأْنه، أَي بِعلْمه.
وَقَالَ شَمر، قَالَ الفرّاء: أَتَانِي وَمَا مَأنت مَأْنه، أَي: من غير أَن تهيّأت، وَلَا أَعْددت، وَلَا عملت فِيهِ.
ونحوَ ذَلِك قلت.
شَمر، عَن ابْن الْأَعرَابِي: أَنه أَنشده قولَ المَرّار:
فتهامَسوا شَيْئاً فَقَالُوا عَرِّسوا
مِن غير تَمْئِنَةٍ لغير مُعرَّسِ
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: تَمْئنة: تهيئة وَلَا فِكْر وَلَا نَظر.
стр. 4562
وَقد ذهب أَبُو عُبيد ب (التمَّئنة) فِي بَيت المّرار إِلَى (المَئِنّة) الَّتِي فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود.
وَقد ذكرته فِيمَا تقدم وبيّنت وَجه الصَّوَاب فِيهِ.
أَبُو عبيد، عَن الْكسَائي: مأنت القومَ، من: المَؤُونة.
وَمن تَرك الْهَمْز قَالَ: مُنْتهم أَمُونهم.
قلت: وَهَذَا يدل على أَن (المؤونة) فِي الأَصْل مَهْموزة.
وَقيل: المَؤونة (فَعُولة) من: مُنْته أمُونَه مَوْناً، وهُمزت (مؤونة) لانْضمام واوها، وَهَذَا حسن.
وَقَالَ اللَّيْث: المائِنة: اسْم مَا يُموَّن، أَي يُتكلَّف، من (المؤونة) .
قَالَ: ومأنة الصَّدر: لحْمَة سَمِينة أَسْفَل الصَّدر كَأَنَّهَا لَحمةٌ فَضْلٌ.
وَكَذَلِكَ: مأنة الطِّفْطِفة.
قَالَ شَمر: قَالَ ابْن الأَعرابي: المأنة: مَا بَين السُّرّة والعَانة.
ويُجمع: مأنات، ومُؤُن: وأَنشد:
يُشَبَّهن السَّفِين وهُنّ بُخْتٌ
عِراضاتُ الأَباهِر والمُؤُن
أَبُو عبيد، عَن أبي زيد: المأنة: الطِّفْطِفة؛ وأَنْشَد:
إِذا مَا كُنْتِ مُهْدِيةً فأَهْدِي
من المَأنات أَو قِطَع السَّنَامِ
منأ: أَبُو عُبيد وَغَيره: المَنيئة، على (فعيلة) : الجِلْدُ أوّل مَا يُدْبغ، ثمَّ يكون أَفِيقاً، ثمَّ يكون أَدِيماً.
ومنأتُه: وافقتُه، مِثَال (فعلته) .
وَقَالَ الأصمعيّ والكسائيّ: المَنيئة: المَدْبَغَة.
ابْن السِّكيت، عَن الأصمعيّ: المَنيئة الجِلْدُ مَا كَانَ فِي الدِّباغ.
وبَعثت امْرَأَة من العَرب بِنْتاً لَهَا إِلَى جارتها، فَقَالَت: تَقول لَك أُمّي: أَعْطِنِي نَفْساً أَو نَفْسين أَمْعَس بِهِ مَنيئتي فإنِّي أَفِدَة.
وأَنْشد ابْن السِّكيت:
إِذا أَنْت باكَرْتَ المَنيئَة باكَرَتْ
مَداكاً لَهَا من زَعْفرانٍ وإئمِدَا
أَمن: قَالَ اللِّحيانيّ: أمِن فلانٌ يَأْمن أَمْناً، وأَمَناً، وأَمَاناً، وأَمَنَةً.
فَهُوَ آمِن؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ (الْأَنْفَال: ١١) .
نصب (أَمَنة) لِأَنَّهُ مَفْعول لَهُ، كَقَوْلِك: فعلت ذَلِك حَذَر الشَّرّ.
قَالَ ذَلِك الزجّاج.
وَقَالَ اللّحياني: رجل أُمَنَة، للَّذي يأمنه
стр. 4563
الناسُ وَلَا يَخافون غائلَته.
وَيُقَال: رَجل أَمَنة، بِالْفَتْح، للَّذي يصدِّق بكُل مَا يَسمع وَلَا يكذِّب بِشَيْء.
ورُجل أَمَنةً أَيْضا: إِذا كَانَ يَطمئن إِلَى كُل أحد.
قَالَ: وَسمعت أَبَا زِيَاد يَقُول: أَنْت فِي أَمْن من ذَاك، أَي: فِي أَمَان.
وَيُقَال: آمن فلانٌ العدوَّ إِيمَانًا. فأَمِنَ يَأْمَن. والعدوّ مُؤْمَن.
قَالَ: وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر المَدِنّي ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ (النِّسَاء: ٩٤) أَي: لَا نُؤْمنُك.
قَالَ: وَيُقَال: مَا كَانَ فلَان أمِيناً.
وَلَقَد أمُن يَأْمُن أَمانةً.
وإنّه لرجلٌ أُمّانٌ، أَي: لَهُ دِينٌ؛ وأَنْشد أَبُو عُبَيد:
وَلَقَد شَهِدْت التاجرَ الأُمَّ
انَ مَوْرُوداً شَرابُه
قَالَ اللِّحياني: رجُلٌ أَمِنٌ وأَمِينٌ: بِمَعْنى وَاحِد، وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: ﴿سِينِينَ وَهَاذَا الْبَلَدِ﴾ (التِّين: ٣) ، وتأويله: الآمِن؛ وأَنْشد:
أَلم تَعْلمي يَا أَسْمَ وَيْحك أنّني
حَلَفْتُ يَميناً لَا أخُون يَميني
يُرِيد: آمِنِي.
قَالَ شَمر: قَالَ أَبُو نصر فِي قَوْله: (التَّاجِر الأُمَّان) ، هُوَ الأمِين.
وَقَالَ بَعضهم: الأُمّان: الَّذِي لَا يكْتب، لِأَنَّهُ أُمِّيّ.
وَقَالَ بَعضهم: الأُمّان: الزرّاع.
وَأنْشد ابْن السِّكيت:
شَرِبْت من أَمْن دَوَاء المَشْي
يُدْعَى المَشُوَّ طَعْمُه كالشرْيِ
وقرأت فِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : أَعْطَيْت فلَانا مِن أَمْن مَالِي، وَلم يفسّر.
قلت: كَأَن مَعْنَاهُ: من خَالص مَالِي، وَمن خَالص دوَاء الْمَشْي؛ قَالَ الحُوَيْدرة:
ونَقِي بآمِنِ مالِنا أَحْسَابَنا
ونُجِرّ فِي الهيَجا الرِّمَاحَ ونَدَّعِي
قلت: ونَقِي بآمِن مالنا، أَي: بخالص مالِنا.
اللَّيْث: نَاقَة أَمُون: وَهِي الأَمينة الوَثيقة.
قَالَ: وَهَذَا (فعول) جَاءَ فِي مَوضِع (مفعول) ، كَمَا يُقَال: نَاقَة عَضُوب وحَلُوب.
وَقَالَ الزجّاج فِي قَول القارىء بعد الْفَرَاغ من قِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب (آمين) : فِيه لُغتان: تَقول الْعَرَب: أَمِين: بقصر الْألف. وآمين: بِالْمدِّ؛ وأَنشد فِي لُغة مَن قَصر:
تباعَد مِنِّي فُطْحُلٌ إِذْ سألتُه
أَمِين فَزَاد اللَّهُ مَا بَيْننَا بُعْدَا
وأَنشد فِي لُغَة مَن مَدّ (آمين) :
стр. 4564
يَا ربّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أَبَداً
ويَرْحَم اللَّه عَبْداً قَالَ آمِينَا
قَالَ: ومعناهما: اللَّهُمَّ استجب، وهما موضوعان فِي مَوضِع اسْم الاستجابة، كَمَا أَن (صَهْ) موضوعٌ مَوضِع (سُكوتاً) .
قَالَ: وحقّهما من الْإِعْرَاب الْوَقْف، لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَة الْأَصْوَات، إِذْ كَانَا غير مشتقّين من فعل، إِلَّا أَن النُّون فُتحت لالتقاء الساكنين، وَلم تكسر النُّون لثقل الكَسرة بعد الْيَاء، كَمَا فتحُوا: أَيْن، وَكَيف.
قلت: يُروى عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: أَمِين: اسْم من أَسمَاء الله.
وَلَيْسَ يَصِحّ مَا قَالَ عِند أهل اللُّغَة أَنه بِمَنْزِلَة: يَا الله، وأضمر: استجب لي، وَلَو كَانَ كَمَا قَالَ لَرُفع إِذا أُجري وَلم يكن مَنْصُوبًا.
وحَدثني المُنذري، عَن أبي بكر الخطابيّ، عَن مُحَمَّد بن يُوسُف العضيضي، عَن المؤمل بن عبد الرحمان، عَن أبي أُمية، عَن سعيد المَقْبري، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن النبيّ ﷺ أَنه قَالَ: آمين: خاتَمُ ربّ الْعَالمين على عباده الْمُؤمنِينَ.
قَالَ أَبُو بكر: فِي تَفْسِير قَوْله: (آمين خَاتم رب الْعَالمين) : مَعْنَاهُ: أنّه طَابع الله على عباده، لِأَنَّهُ يدْفع بِهِ عَنْهُم الْآفَات والبلايا، فَكَانَ كخاتم الْكتاب الَّذِي يَصُونه وَيمْنَع من إفساده، وَإِظْهَار مَا فِيهِ لمن يكره علمه بِهِ، ووقوفه على مَا فِيهِ.
ورُوي حديثٌ آخر عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: آمين: دَرَجَة فِي الجّنة.)
قَالَ أَبُو بكر: مَعْنَاهُ: أَنه حرف يَكْتسب بِهِ قائلُه دَرَجَة فِي الجنّة.
قَالَ: وَكَانَ الْحسن إِذا سُئل عَن تَفْسِير (آمين) قَالَ: هُوَ: اللَّهُمَّ اسْتَجب.
وَقيل: معنى (آمين) : كَذَلِك تكون.
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن الحرّاني، عَن ابْن السّكيت، قَالَ: الأَمِين: المؤتمن؛ وأَنْشد:
حَلَفت يَمِينا لَا أخُون أَمِيني
أَي: الَّذِي يَأْتمنني.
قَالَ: وَسمعت أَحْمد بن يحيى يَقُول: إِذا دَعَوْت قلت: آمين، بقصر الْألف، وَإِن شِئْت طَوّلت.
وَقَالَ: وَهُوَ إِيجَاب، رب افْعل.
ورُوي من عدَّة طُرق أَن (الْأمين) اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى.
وَأما (الْإِيمَان) فَهُوَ مصدر: آمن يُؤمن إِيمَانًا؛ فَهُوَ مُؤمن.
وَاتفقَ أهل الْعلم من اللُّغويين وَغَيرهم أَن (الْإِيمَان) مَعْنَاهُ: التَّصْديق؛ وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿خَبِيرٌ قَالَتِ الَاْعْرَابُءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَاكِن قُولُو ﷺ
١٧٦٤ - اْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِْيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤) .
стр. 4565
وَهَذَا مَوضِع يَحتاج النَّاس إِلَى تفهّمه، وَأَيْنَ يَنْفصل المُؤمن من المُسلم، وَأَيْنَ يستويان؟
فالإسلام إِظْهَار الخُضوع والقَبول لما أَتَى بِهِ النبيّ ﷺ وَبِه يُحقَن الدَّم، فَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك الْإِظْهَار اعْتِقَاد وتصديقٌ بِالْقَلْبِ فَذَلِك الْإِيمَان، الَّذِي يُقال للموصوف بِهِ: هُوَ مُؤمن مُسلم، وَهُوَ الْمُؤمن بِاللَّه وَرَسُوله، غير مرتاب وَلَا شَاك، وَهُوَ الَّذِي يَرى أَن أَدَاء الْفَرَائِض واجبٌ عَلَيْهِ، وَأَن الْجِهَاد بِنَفسِهِ وَمَاله واجبٌ عَلَيْهِ، لَا يدْخلهُ فِي ذَلِك رَيب، فَهُوَ الْمُؤمن وَهُوَ المُسلم حقًّا؛ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ (رَّحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَائِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥) أَي: أُولَئِكَ الَّذين قَالُوا إنّا مُؤْمنون، فهم الصادقون.
فَأَما من أظهر قبُول الشَّريعة واستسلم لدفع الْمَكْرُوه، فَهُوَ فِي الظَّاهِر مُسْلم وباطنُه غَير مصدِّق، فَذَلِك الَّذِي يَقُول: أَسلمت، لِأَن الْإِيمَان لَا بدّ من أَن يكون صَاحبه لَا صدِّيقاً، لِأَن قَوْلك: آمَنت بِاللَّه، أَو قَالَ قَائِل: آمَنت بِكَذَا وَكَذَا، فَمَعْنَاه: صَدّقت، فَأخْرج الله تَعَالَى هَؤُلَاءِ من الْإِيمَان، فَقَالَ: ﴿أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الاِْيمَانُ فِى﴾ (الحجرات: ١٤) ، أَي: لم تصدِّقوا إِنَّمَا أَسْلمتم تعوُّذاً من الْقَتْل.
فالمؤمن مُبطن من التَّصديق مثل مَا يُظهر، والمُسلم التامّ الْإِسْلَام مُظْهرٌ الطَّاعَة مُؤمن بهَا، وَالْمُسلم الَّذِي أظهر الْإِسْلَام تعوُّذاً غيرُ مُؤمن فِي الْحَقِيقَة، إِلَّا أنّ حُكمه فِي الظَّاهِر حُكْم المُسلمين.
وَقَالَ الله تَعَالَى حِكَايَة عَن إخْوَة يُوسُف لأبيهم: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (يُوسُف: ١٧) . لم يخْتَلف أهل التَّفْسِير أَن مَعْنَاهُ: وَمَا أَنْت بمصدِّق لنا.
وَالْأَصْل فِي الْإِيمَان الدُّخول فِي صِدْق الْأَمَانَة الَّتِي ائتمنه الله عَلَيْهَا، فَإِذا اعْتقد التَّصديق بِقَلْبِه كَمَا صدَّق بِلِسَانِهِ، فقد أدّى الْأَمَانَة وَهُوَ مُؤمن، وَمن لم يعْتَقد التَّصْدِيق بِقَلْبِه فَهُوَ غير مؤدَ للأمانة الَّتِي ائتمنه الله عَلَيْهَا وَهُوَ مُنافق.
وَمن زعم أَن الْإِيمَان هُوَ إِظْهَار القَوْل دون التَّصْدِيق بالقَلب، فَإِنَّهُ لَا يَخلو مِن وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن يكون منافقاً يَنْضح عَن الْمُنَافِقين تأييداً لَهُم.
أَو يكون جَاهِلا لَا يَعلم مَا يَقوله وَمَا يُقال لَهُ، أَخرجه الْجَهْل واللَّجاج إِلَى عِناد الْحق وتَرك قَبُول الصَّوَاب.
أعاذنا الله من هَذِه الصّفة وَجَعَلنَا مِمَّن عَلم فاسْتعمل مَا عَلِم، أَو جهل فتعلّم مِمَّن علم، وسلّمنا من آفَات أهل الزَّيغ والبدع. وحَسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
стр. 4566
وَفِي قَول الله تَعَالَى: ﴿ (رَّحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَائِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات: ١٥) مَا يبيّن لَك أَن (الْمُؤمن) هُوَ المُتضمن لهَذِهِ الصّفة، وَأَن من لم يتضمّن هَذِه الصّفة فَلَيْسَ بمؤُمن، لِأَن (إِنَّمَا) فِي كَلَام الْعَرَب تَجِيء لتثبيت شَيْء وَنفي مَا خَالفه. وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
وَقَالَ النَّضر: قَالُوا للخليل: مَا الْإِيمَان؟ فَقَالَ: الطُّمَأنينة.
قَالَ: وَقَالُوا للخليل: تَقول: أَنا مُؤمن؟ قَالَ: لَا أقوله. وَهَذَا تَزْكِيَة.
وَالْمُؤمن: من أَسمَاء الله تَعَالَى، الَّذِي وَحَّد نَفْسه بقوله: ﴿وَإِلَاهُكُمْ إِلَاهٌ وَاحِدٌ﴾ (الْبَقَرَة: ١٦٣) وَبِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَاهَ إِلَاّ هُوَ﴾ (آل عمرَان: ١٨) .
وَقيل: الْمُؤمن فِي صفة الله: الَّذِي آمن الخَلْق من ظُلمه.
وَقيل: الْمُؤمن: الَّذِي آمن أولياءَه عذابَه.
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وَقيل: المُؤمن: الَّذِي يصدق عبادَه مَا وَعدهم.
وكُلّ هَذِه الصِّفات لله تَعَالَى، لِأَنَّهُ صَدَّق بقوله مَا دَعَا إِلَيْهِ عبادَه من تَوحيد، وَلِأَنَّهُ آمَن الخَلْق من ظلمه، وَمَا وعدنا من الْبَعْث، وَالْجنَّة لمن آمن بِهِ، وَالنَّار لمن كفر بِهِ، فَإِنَّهُ مُصدِّق وَعده لَا شريك لَهُ.
وَيُقَال: استأمنني فلَان.
فآمَنته أُومنه إِيمَانًا.
وقُرىء فِي سَجدة بَراءة: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (التَّوْبَة: ١٢) .
فَمن قَرَأَ بِكَسْر الْألف، فَمَعْنَاه: إِنَّهُم إِذا أجارُوا وآمَنُوا المُسلمين لم يَفُوا وغَدَروا. وَالْإِيمَان، هَاهُنَا: الْإِجَارَة وَالْأَمَانَة.
حَدثنَا السَّعْدِيّ، حَدثنا البكائي، حَدثنَا عبد الله، عَن أبي هِلَال، عَن قَتَادَة، عَن أنس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا إِيمَان لمن لَا أَمَانَة لَهُ، وَلَا دين لمن لَا عَهْد لَهُ) .
وَيُقَال: أمّن الإِمَام والدّاعي تَأْمِيناً، إِذا قَالَ بعد الْفَرَاغ من أم الْكتاب: آمِين.
وَأما قَول الله تَعَالَى: ﴿فَوْزاً عَظِيماً إِنَّا عَرَضْنَا الَاْمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٢) فقد رُوي عَن ابْن عبَّاس وسَعيد بن جُبير، أَنَّهُمَا قَالَا: الْأَمَانَة، هَاهُنَا: الْفَرَائِض الَّتِي افترضها الله على عِباده.
وَقَالَ ابْن عمر: عُرضت على آدم الطَّاعَة والمَعْصية، وعُرِّف ثَوَاب الطَّاعَة وعقاب المَعْصية.
وَالَّذِي عِنْدِي فِيهِ: أَن الْأَمَانَة، هَاهُنَا: النِّية الَّتِي يَعْتقدها الْإِنْسَان، لِأَن الله ائتمنه عَلَيْهَا وَلم يُظهر عَلَيْهَا أحدا من خَلقه، فَمن أَضْمر من التّوحيد والتصديق مثل مَا أظهر، فقد أدّى الْأَمَانَة، وَمن أَضْمر
стр. 4567
التَّكْذِيب وَهُوَ مصدِّق باللّسان فِي الظَّاهِر، فقد حمل الْأَمَانَة وَلم يؤدّها، وكُل من خَان فِيمَا اؤتمن عَلَيْهِ فَهُوَ حَامِل.
وَالْإِنْسَان فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٢) ، هُوَ: الْكَافِر الشاكّ الَّذِي لَا يُصدِّق، وَهُوَ الظلوم الجهول، يدلّك على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿ظَلُوماً جَهُولاً لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (الْأَحْزَاب: ٧٣) .
اللحياني: يُقَال: مَا آمن أَن يَجد صحابةً، إِيمَانًا، أَي: مَا وثق.
وَالْإِيمَان، عِنْده: الثِّقَة.
ابْن الْأَنْبَارِي: رجل مُؤمن: مصدِّق بِاللَّه ورُسُله.
وَآمَنت بالشَّيْء، إِذا صدّقت بِهِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (التَّوْبَة: ٦١) . وأَنشد:
وَمن قَبْل آمنَّا وَقد كَانَ قَوْمُنا
يُصلُّون للأوثان قبلُ محمَّدا
مَعْنَاهُ: وَمن قبل آمنّا مُحَمَّدًا، أَي: صدّقناه.
قَالَ: وَالْمُسلم: المُخلص لله الْعِبَادَة.
نمى: روينَا عَن النبيّ ﷺ أَنه قَالَ: (لَيْسَ بالكاذب من أَصلح بَين النَّاس، فَقَالَ خيرا ونَمَى خَيْراً) .
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: يُقَال: نَميت حَدِيث فلَان إِلَى فلانٍ، أَنْميه، إِذا بلّغته على وَجه الْإِصْلَاح وَطلب الْخَيْر.
قَالَ: وَمعنى قَوْله: ونمى خيرا، أَي أَبلغ خيرا ورَفع خيرا.
وكُل شَيْء رَفَعْته، فقد نَمَيْته؛ وَمِنْه قولُ النَّابِغَة الذُّبياني:
وانْمِ القَتُود على عَيْرانةٍ أُجُدِ
قَالَ: وَلِهَذَا قيل: نَمَى الخِضابُ فِي الْيَد والشَّعر، إِنَّمَا هُوَ ارْتَفع وَعلا وَزَاد، فَهُوَ يَنْمي.
وَزعم بعض النَّاس أَن (يَنْمُو) لُغَة.
قَالَ الْأَصْمَعِي: وأمّا التَّنْمية، فَمن قَوْلك: نَمَّيت الحَدِيث أُنَمِّيه تَنْميةً، بِأَن يُبَلِّغ هَذَا عَن هَذَا على وَجه الْإِفْسَاد والنَّميمة.
وَهَذِه مذمومة، والأُولى مَحمودة.
وَالْعرب تفرّق بَين (نميت) مُخَفّفَة، وَبَين (نميت) مشدّدة، بِمَا وصفت، وَلَا اخْتِلَاف بَين أهل اللُّغَة فِيه.
وَيُقَال: انتْمَى فلانٌ إِلَى فلَان، إِذا ارْتَفع إِلَيْهِ فِي النّسَب.
ونماه جَدُّه، إِذا رَفع إِلَيْهِ نسبه؛ وَمِنْه قَوْله:
نَماني إِلَى العَلْياء كُلُّ سَمْيَدع
стр. 4568
وكُلّ ارْتِفَاع: انْتماء.
يُقَال: انْتَمَى فلانٌ فَوق الوسادة؛ وَمِنْه قولُ الجَعْدي:
إِذا انْتَميا فَوق الفِراش عَلَاهما
تضوُّعُ رَيّا رِيحِ مِسْكٍ وعنَبْرِ
ابْن الْأَعرَابِي: عَن المفضّل، قَالَ: يُقَال للكَرمة: إِنَّهَا لكثيرة النّوامي، وَهِي الأَغْصَان. واحدتها: نامية.
وَإِذا كَانَت الكرمة كَثِيرَة النوامي، فَهِيَ: عاطِبَة.
وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: إِن رجلا أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أرمي الصّيْد فأُصْمِي وأُنْمِي.
فَقَالَ: كُلْ مَا أَصْمَيت ودَع مَا أَنْمَيْت.
والإصماء: أَن يَرْميه فيَقتله على المكَان بِعَيْنِه قبل أَن يَغِيب عَنهُ. والإنماء: أَن يرميه فيَغيب عَن عين الرّامي وَيَمُوت وَهُوَ لَا يرَاهُ، فيجده مَيتا، وَلَا يجوز أكله لِأَنَّهُ لَا يؤمَن أَن يكون قَتله غيرُ سَهمه الَّذِي رَمَاه بِهِ.
يُقَال: أَنْميت الرّميّةَ.
فَإِن أردْت أَن تجْعَل الْفِعْل للرّمِيّة، قلت: قد نَمَت تَنْمى، أَي: غَابَتْ وَارْتَفَعت إِلَى حَيْثُ لَا يَرَاهَا الرّامي.
قلت: قَالَ امْرُؤ القَيس:
فَهو لَا تَنْمِي رَمِيّته
مَا لَهُ لَا عُدّ مِن نَفَرِهْ
وَقَالَ اللَّيْث: نَمَيْت فلَانا فِي النّسَب، أَي رَفَعْته.
فانتمى فِي نَسَبه.
وتنمّى الشيءُ تَنمِّياً، إِذا ارْتَفع؛ قَالَ القُطَامِيّ:
فأَصْبح سَيْل ذَلِك قدت تنَمّى
إِلَى مَن كَانَ مَنْزِله يَفَاعَا
قَالَ: والأشياء كلّها على وَجه الأَرْض: نامٍ وصامت.
فالنامِي: مثل: النَّبَات وَالشَّجر وَنَحْوه.
والصامت: كالحجر والجَبل وَنَحْوه.
والنّامية من الْإِبِل: السَّمينة.
يُقال: نَمَت الناقةُ، إِذا سَمِنت.
سَلمة، عَن الفرّاء، قَالَ: النامية: الخَلْق؛ وَمِنْه الحَدِيث: (لَا تُمثِّلوا بنامية الله) ، أَي بخَلْقه.
وَقَالَ غيرُه: يُقَال: أَنْميتُ لفُلَان، وأَمْدَيت لَهُ، وأمْضيت لَهُ، وَتَفْسِير هَذَا: تَرْكه فِي قَلِيل الْخَطَأ حَتَّى يبلغ بِهِ أقصاه، فيُعاقب فِي مَوضِع لَا يكون لصَاحب الْخَطَأ فِيهِ عُذْر.
أَبُو عُبيد، عَن الأصمعيّ: النُّمِّيّ: الفَلس، بالرّومية؛ وَقَالَ النَّابِغَة الذُّبْيَاني:
стр. 4569
وقارَفَتْ وَهْي لم تَجْرَبْ وباعَ لَهَا
مِن الفَصَافِص بالنُّمِّيّ سِفْسِيرُ
وَقَالَ شَمر: النُّمِّي: فُلوسٌ مِن رَصَاص.
وَقَالَ بَعضهم: مَا كَانَ من الدَّراهم فِيهِ رَصاص أَو نُحاس، فَهُوَ نُمِّي.
وَكَانَت بالحِيرة على عَهد النُّعمان بن المُنذر.
ونُمِّيّ الرَّجُل: نُحاسه وطَبْعه؛ قَالَ أَبُو وَجْزة:
وَلَوْلَا غَيره لَكَشَفْتُ عَنهُ
وَعَن نُمِّيِّه الطَّبع اللَّعِين
نوم: يُقال: نَام الرَّجُلُ يَنَام نَوْماً. فَهُوَ نَائِم، إِذا رَقَد.
ونامت الشَّاة وغيرُها من الْحَيَوَان، إِذا ماتَت.
وَفِي حَدِيث عَليّ: إِنَّه حثّ على قتال الْخَوَارِج فَقَالَ: إِذا رأيتُموهم فأَنيموهم، أَي: اقْتُلوهم.
قَالَ الْفراء: النائمة: المَيتة.
والنامية: الجُثّة.
أَبُو عبيد، عَن أبي زيد: نَامَتْ السُّوق وحَمُقت، إِذا كَسَدت.
وَقَالَ غَيره: نَام الثَّوْب والفَرْوُ، إِذا أَخْلَق.
والمَنامة: القَطِيفة.
والمَنام: مصدر: يَنام نَوماً ومَناماً.
وَجمع (النَّائِم) : نِيام، ونُوّام، ونُوَّم، وَرجل نَوْمٌ، وَقوم نَوْمٌ، وَامْرَأَة نَوْمٌ، ورَجُلٌ نَوْمانُ: كثير النَّوْم، ورَجُلٌ نُوَمةٌ: ينَام كثيرا، ورَجُلٌ نُوَمة، إِذا كَانَ خامِل الذِّكْر.
وَفِي الحَدِيث: إنّما يَنْجُو من شَرّ ذَلِك الزَّمان كُلُّ مُؤمن نُوَمة، أُولَئِكَ مَصابِيح العُلماء.
قَالَ أَبُو عُبيد: النُّوَمة: الخامِلُ الذِّكْر الغامِض فِي النّاس، الَّذِي لَا يَعْرف الشَّرَّ وَلَا أَهْلَه.
اللَّيث: رجل نَوِيمٌ ونُوَمَة، أَي: مُغَفَّل.
وَيُقَال: اسْتَنام فلانٌ إِلَى فلَان، إِذا أَنِس بِهِ واطمأَنّ إِلَيْهِ، فَهُوَ مُسْتَنِيم إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعضهم: يُقَال: نامَ إِلَيْهِ، بِهَذَا المَعْنى.
وأقرأني المُنذريّ، عَن ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي أنّه أَنشده:
فَقلت تَعَلَّم أنّني غيرُ نَائِم
إِلَى مُسْتَقِلَ بالخيانة أَنْيبَا
قَالَ: غير نَائِم، أَي: غير واثق بِهِ. والأَنْيب: الغَليظ الناب، يُخَاطب ذِئْباً.
وَقَالَ غَيره: استنام الرَّجُلُ، بِمَعْنى: تناوم شَهْوةً للنَّوم؛ وأَنْشد:
إِذا اسْتنام راعه النَّجِيّ
قَالَ شَمِر: رُوي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لعَلي: مَا النُّوَمة؟ فَقَالَ: الَّذِي يَسْكُن فِي
стр. 4570
الفِتْنة فَلَا يَبْدو مِنْهُ شَيْء.
قَالَ: وَقَالَ ابْن الْمُبَارك: هُوَ الغافل عَن الشَّرّ.
وَقيل: هُوَ الْعَاجِز عَن الأُمور.
وَقيل: هُوَ الخامل الذّكر الغامِض فِي النَّاس.
قَالَ شَمِر: وكُلّ شَيْء سَكن، فقد نَام.
وَمَا نَامَتْ السّماءُ اللَّيْلَة مَطراً.
واسْتَنام أَيْضا، إِذا سَكن؛ قَالَ العجّاج:
إِذا اسْتنام راعه النَّجِيّ
ونام المَاء، إِذا دَامَ وَقَامَ.
ومنامه، حَيْثُ يَقُوم.
نيم: عَمْرو، عَن أبِيه: النِّيم: النّعْمة التامّة.
والنِّيم: ضَرْبٌ من العِضاه؛ قَالَ الهُذليّ:
ثمَّ يَنُوش إِذا أَدَّ النَّهارُ لَهُ
بعد التّرقُّب من نِيمٍ وَمن كَتَمِ
والنِّيم والكَتَم: شجرتان من العِضَاه.
أَبُو عُبيد: عَن أبي الْحسن الْأَعرَابِي، قَالَ: النِّيم: الفَرْو.
والنِّيم أَيْضا: الدَّرَج الَّذِي فِي الرِّمال إِذا جرت عَلَيْهِ الرّيح؛ وأَنشد لذِي الرُّمّة:
حتّى انْجلى اللَّيْلُ عنّا فِي مُلَمَّعةٍ
مِثْل الأَدِيم لَهَا مِن هَبْوَةٍ نِيمُ
وَيُقَال: أَخذه نُوَام، وَهُوَ مثل السّبات يكون من داءٍ بِهِ.
أَبُو نصر: النِّيم: الفَرْو القَصِير إِلَى الصَّدْر.
قيل لَهُ: نِيم، أَي: نِصف فرو، بِالْفَارِسِيَّةِ، قَالَ رُؤبة:
وَقد أرَى ذَاك فَلَنْ يَدومَا
يُكْسَيْن من لِينِ الشَّبَابِ نِيمَا
وفُسِّر أَنه الفَرْو.
وَقيل: النِّيم: فَرْوٌ يُسَوَّى من جُلود الأرانب، وَهُوَ غالي الثَّمن.
ويُقال: فلانٌ نِيمِي، إِذا كنت تَأْنس بِهِ وتَسْكُن إِلَيْهِ.
وَقَالَ اللَّيْث: فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ (الْأَنْفَال: ٤٣) . أَي: فِي عَيْنك.
وَقَالَ الزجّاج: رُوي عَن الْحسن أَن مَعْنَاهَا: فِي عَيْنك الَّتِي تَنام بهَا.
قَالَ: وَكثير من أهل النَّحْو ذَهَبُوا إِلَى هَذَا.
وَمَعْنَاهُ عِنْدهم: إِذْ يُريكهم الله فِي مَوضع مَنامك، أَي: فِي عَيْنك، ثمَّ حذف
стр. 4571
(الْموضع) وَأقَام (الْمَنَام) مُقامَه.
وَهَذَا مَذْهَبٌ حَسَنٌ. وَلَكِن قد جَاءَ فِي التَّفْسِير أنّ النبيّ ﷺ رَآهُمْ فِي النَّوم قَلِيلا، وقَصّ الرُّؤيا على أَصحابه، فَقَالُوا: صدقت رُؤْياك يَا رَسُول الله.
قَالَ: وَهَذَا المَذهب أَسْوغ فِي العَرَبيّة، لِأَنَّهُ قد جَاءَ: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى ﷺ
١٧٦٤ - أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِى ﷺ
١٧٦٤ - أَعْيُنِهِمْ﴾ (الْأَنْفَال: ٤٤) فدلّ هَذَا على أنّ هَذِه رُؤية الالتقاء وأنّ تِلْكَ رُؤْية النَّوم.
ابْن الْأَعرَابِي: نَام الرجل، إِذا تَواضع لله.
يمن: اللَّيْث: اليُمْن، نَظِير (البَرَكة) .
يُقَال يَمُن الرَّجُلُ، فَهُوَ مَيْمُون.
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن أبي الْهَيْثَم أَنه قَالَ: روى سَعيد بن جُبير، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي ﴿ك ﷺ
١٧٦٤ - هيع ﷺ
١٧٦٤ - ص ﷺ
١٧٦٤ -﴾ (مَرْيَم: ١) هُوَ: كافٍ هادٍ يَمينٌ عزيزٌ صادقٌ.
قَالَ أَبُو الْهَيْثَم: فَجعل قولَه (كَاف) أول اسْم الله (كافٍ) ، وَجعل (الْهَاء) أول اسْمه (هاد) ، وَجعل (الْيَاء) أول اسْمه يَمِين، من قَوْلك: يَمَن اللَّهُ الإنْسَانَ يَيْمُنه يَمْناً ويُمْناً، فَهُوَ مَيْمون.
قَالَ: فاليمين واليامن، يكونَانِ بِمَعْنى وَاحِد، كالقدير والقادر؛ وَأنْشد قولَ رؤبة:
بَيْتَك فِي اليامن بَيْت الأيْمَن
فَجعل اسْم الْيَمين مشتقاً من (الْيمن) ، وَالله أعلم.
قَالَ: وَجعل (الْعين) : عَزِيزًا، و (الصَّاد) : صَادِقا.
قلت: واليَمين، فِي كَلَام الْعَرَب، على وُجُوه:
يُقَال لليد اليُمنى: يَمين.
وَالْيَمِين: الْقُوَّة؛ وَمِنْه قولُ الشّماخ:
رأيتُ عَرابَة الأَوْسِيّ يَسْمُو
إِلَى الخَيْرات مُنْقَطع القَرِين
إِذا مَا رايةٌ رُفِعت لِمَجْدٍ
تلّقاها عرابةُ باليَمينِ
أَي: بالقُوة.
وَقَالَ: بِمَنْزِلَة حَسَنة.
وَيُقَال: قَدِم فلانٌ على أَيْمن اليَمِين، يَعْني: اليُمْن.
قَالَ: وَقَوله (تلّقاها عرابة بِالْيَمِينِ) ، أَرَادَ: باليُمْن.
وَقيل: أَرَادَ: باليَد اليُمْنى.
وَقيل: أَرَادَ: بالقُوة والحقّ.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَسَآءَلُونَ قَالُو ﷺ
١٧٦٤ - اْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ﴾ (الصافات: ٢٨) .
قَالَ الزجّاج: هَذَا قَول الكُفَّار الَّذين أضلّوهم، أَي: كُنْتُم تَخْدعوننا بأقوى الْأَسْبَاب، فكنتم تأتوننا من قِبل الدِّين فتُروننا أنّ الدّين وَالْحق مَا تُضلوننا بِهِ.
стр. 4572
وَكَذَلِكَ قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾ (الْأَعْرَاف: ١٧) : مِن قِبَل دِينهم.
وَقَالَ بَعضهم: لآتِينّهم من بَين أَيْديهم، أَي: لأُغْوينهم حَتَّى يكذّبوا بِمَا تقدّم من أُمور الأُمم السَّابِقَة، وَمن خَلفهم، حَتَّى يكذبوا بِأَمْر البَعث، وَعَن أَيْمَانهم وَعَن شمائلهم، أَي: لأُضّلنهم فِيمَا يعلمُونَ لأَمْر الكَسب، حَتَّى يُقال فِيهِ: ذَلِك بِمَا كسبت يداك، وَإِن كَانَت اليَدان لم تَجْنيا شَيْئا، لِأَن اليدَين الأَصْل فِي التصرّف، مثلا لجَمِيع مَا عُمِل بِغَيْرِهِمَا.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً﴾ (الصافات: ٩٣) ، فَفِيهِ أقاويل:
أَحدهمَا: بيَمينه، وَقيل: بالقُوّة.
وَقيل: وبيَمينه الَّتِي حَلف حِين قَالَ: ﴿ (وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٥٧) .
قَالَ اليزيدي: ويَمَنْت أَصْحَابِي: أَدْخلْتُ عَلَيْهِم اليُمن.
وَأَنا أيْمنهم يُمْناً ويُمْنَةً.
وشَأمتُ أَصْحَابِي: أَدْخلتُ عَلَيْهِم الشُّؤْمَ.
وَأَنا أَشْأَمهم شُؤْماً، وشَئِمت عَلَيْهِم، وَأَنا مَشْؤوم عَلَيْهِم.
قَالَ: وشأمتهم: أخذت على شَمائلهم.
ويَسرتهم: أخذت على يَسارهم، يَسْراً.
وَفِي حَدِيث عُمر حِين ذكر مَا كَانَ فِيهِ من القَشَف والقِلّة فِي جاهليَّته وأنّه وأُخْتاً لَهُ خَرَجا يَرْعيان ناضِحاً لَهما، وأنّ أُمّهما زَوَّدَتْها بِيُمَيْنَتَيْها من الهَبيد كُلّ يَوْم.
قَالَ أَبُو عُبيد: وَجه الْكَلَام: بيُمَيِّنَيْها بِالتَّشْدِيدِ؛ لِأَنَّهُ تَصغير (يَمِين) ، لَكِن قَالَ: يُمَيْنَيْها، على تَصْغِير التّرخيم.
وَإِنَّمَا قَالَ: يُمَيْنَيها، وَلم يقل: يَديها، وَلَا كَفَّيها، لِأَنَّهُ لم يُرد أَنَّهَا جَمعت كَفَّيها ثمَّ أعطتهما بِجَمِيعِ الكفّين، وَلكنه إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا أَعطت كُلّ وَاحِد كفًّا وَاحِدًا بِيَمينها، فهاتان يَمِينان.
وَقَالَ شمر: قَالَ غير أبي عُبيد: إِنَّمَا هُوَ يُمَيِّنَيْها.
قَالَ: وَهَكَذَا سمعتُ من يَزيد بن هَارُون.
قَالَ شَمر: وَالَّذِي أختاره بعد هَذَا: يُمَيْنَتَيْهَا، لِأَن (المينة) إِنَّمَا هِيَ فِعل: أَعطى يَمْنةً ويَسْرةً.
قَالَ: وسمعتُ من لَقيت من غَطَفان يتكلّمون فَيَقُولُونَ: إِذا أَهْوَيت بيَمينك مَبْسوطةً إِلَى طَعَام أَو غَيره فأعْطيت بهَا مَا حَملته مَبْسوطة فَإنَّك تَقول: أَعطاه يَمْنةً من الطَّعام؛ فَإِن أعطَاهُ بهَا مَقْبوضةً قَالَ: أعطَاهُ قَبْضةً من الطَّعَام؛ وَإِن حَثَى لَهُ بِيَدِهِ، فَهِيَ الحَثْيَة، والْحَفْنَة.
قلت: وَالصَّوَاب عِنْدِي مَا رَواه أَبُو عُبيد: يُمَيْنَتَيْها.
стр. 4573
وَهُوَ صَحِيح كَمَا رَوى، وَهُوَ تَصْغِير (يَمْنَتَيْها) أَرَادَ: أَنَّهَا أَعْطَتْ كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا بِيَمينها يمنةً، فصغّر (اليمنة) : يُمَيْنة، ثمَّ ثناها فَقَالَ: يُمَيْنتين.
وَهَذَا أحسن الْوُجُوه مَعَ السّماع.
وَفِي حَدِيث عُروة بن الزّبير أَنه قَالَ: لَيْمُنُك لَئِن كنت ابْتليت لقد عافَيْت، وَلَئِن كُنت أَخَذْت لقد أَبْقَيت.
قَالَ أَبُو عُبيد: قَوْله لَيْمُنُك، وأيْمُنُك، إِنَّمَا هِيَ يَمين، وَهِي كَقَوْلِهِم: يَمِين الله، كَانَ يحلفُونَ بهَا.
قَالَ امْرُؤ القَيس:
فقلتُ يَمينُ اللَّه أَبْرح قاعِداً
وَلَو ضَرَبُوا رأسِي لَدَيْك وأَوْصالِي
فَحلف بِيَمِين الله.
ثمَّ تجمع (الْيَمين) أَيْمناً؛ كَمَا قَالَ زُهير:
فتُجْمع أيمُنٌ منّا ومِنكم
بمُقْسَمة تَمُور بهَا الدِّمَاءُ
ثمَّ يحلفُونَ بأَيْمن الله فَيَقُولُونَ: وأيمن الله أفعل كَذَا وَكَذَا، وأَيْمُنك يَا رب، إِذا خَاطب ربَّه.
فعلى هَذَا قَالَ عُروة: لَيْمُنُك.
هَذَا هُوَ الأَصْل فِي (أَيمن الله) ثمَّ كثر فِي كَلَامهم وخفّ على ألسنتهم حَتَّى حَذفوا النُّون كَمَا حذفوها من (لم يكن) ، فَقَالُوا: (لم يَك) ، وَكَذَلِكَ قَالُوا: أَيم الله.
وفيهَا لُغَات سواهَا.
قلت: أحسن أَبُو عبيد فِي جَمِيع مَا قَالَ، إِلَّا أَنه لم يُفَسّر قَوْله: (أيْمُنُك) ، لم ضُمّت النُّون.
قَالَ: والعلّة فِيهَا كالعلّة فِي قَوْلهم: لعمرك، كَأَنَّهُ أُضمر فِيهَا يَمينٌ ثَان، فَقيل: وأَيْمُنك فلأَيمنكَ عَظِيمة، وَكَذَلِكَ: لَعَمْرك فَلَعَمْرك عَظِيم.
قَالَ: قَالَ ذَلِك الْفراء والأحمر.
وَقَالَ أَحْمد بن يحيى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا ﷺ
١٧٦٤ - إِلَاهَ إِلَاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ (النِّسَاء: ٨٧) كَأَنَّهُ قَالَ: وَالله الَّذِي لَا إلاه إِلَّا هُوَ ليجمعنَّكم.
وَقَالَ غَيره: الْعَرَب تَقول: أيم الله، وهيم الله.
الأَصْل: أَيمن الله، وقَلبت الْهمزَة هَاء، فَقيل: هَيم الله.
وَرُبمَا اكتفوا بِالْمِيم وحَذفوا سَائِر الْحُرُوف، فَقَالُوا: مُ الله ليفعلنّ كَذَا.
وَهِي لُغَات كلّها، وَالْأَصْل: يَمِين الله، وأَيْمن الله.
وَقَالَ بَعضهم: قيل للحلف: يَمِين، باسم: يَمِين الْيَد، وَكَانُوا يَبْسطون أَيْمَانهم إِذا حَلفوا، أَو تحالفوا وتعاقدوا وتبايعوا، وَلذَلِك قَالَ عُمر لأبي بكر: ابْسُط يدك أبَايعْك.
قلت: وَهَذَا صَحِيح، وَإِن صَحَّ أَن (يَمِينا)
стр. 4574
من أَسمَاء الله، كَمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس، فَهُوَ الْحلف بِاللَّه.
غير أَنِّي لم أسمع (يَمِينا) فِي أَسمَاء الله إِلَّا مَا رَوَاهُ عَطاء بن السَّائِب، عَن ابْن جُبير، عَنهُ، وَالله أعلم.
وَالْعرب تَقول: أَخذ فلَان يَمِينا وَأخذ يساراً، وَأخذ يَمْنة وأَخذ يَسْرة.
وَأَصْحَاب الميمنة فِي كتاب الله: أَصْحَاب اليَمين.
وتَيامن فلَان: أَخذ ذاتَ الْيَمين.
وتياسر: أَخذ ذَات اليَسار.
الحرّاني، عَن ابْن السّكيت، يُقَال: يامِن بِأَصْحَابِك، وشائِم بهم، أَي: خُذ بهم يَمِينا وَشمَالًا.
وَلَا يُقَال، تيامن بهم، وَلَا تَياسر بهم.
ويُقال: تيامن القومُ وأَيْمَنُوا، إِذا أَتَوا اليَمن.
ابْن الأنباريّ: العامّة تغلط فِي معنى (تيامن) فتظن أَنه أَخذ عَن يَمينه، وَلَيْسَ كَذَلِك مَعْنَاهُ عِنْد الْعَرَب، إِنَّمَا يَقُولُونَ: تيامَن، إِذا أَخذ نَاحيَة الْيمن، وتشاءم، إِذا أَخذ نَاحيَة الشَّام، ويامن، إِذا أَخذ عَن يَمِينه، وشاءم، إِذا أَخذ عَن شِمَاله.
قَالَ النبيّ ﷺ (إِذا نَشأت بَحْرِيّةً ثمَّ تشاءَمت فَتلك عَيْنٌ غُدَيْقَة) .
أَرَادَ: إِذا ابتدأت السّحابة من نَاحيَة البَحر ثمَّ أخذت نَاحيَة الشّام.
وَيُقَال: أشأم الرَّجُل وأيمن، إِذا أَراد الْيَمين
قَالَ: ويامن وأيمن أَيْضا، إِذا أَرَادَ اليمَنَ.
وَيُقَال: لناحية اليَمن: يَمين، ويَمَن.
وَإِذا نَسبو إِلَى (الْيَمين) قَالُوا: يَمينيّ.
وَإِذا نسبوا إِلَى (الْيمن) قَالُوا: يَمانٍ.
قَالَ: واليُمْنة، واليَمنة: ضربٌ من بُرود الْيَمين.
وَقيل لناحية الْيمن: يَمَنٌ، لِأَنَّهَا تلِي يَمِين الكَعبة.
كَمَا قيل لناحية الشَّام: شام، لِأَنَّهَا عَن شِمال الْكَعْبَة.
وَقَالَ النبيّ ﷺ وَهُوَ مُقبل من تَبوك: (الْإِيمَان يَمانٍ والْحِكْمة يمانِية) .
قَالَ أَبُو عُبيد: إِنَّمَا قَالَ ذَلِك لأَن الْإِيمَان بَدا من مَكَّة، لِأَنَّهَا مولد النَّبِي ﷺ ومبعثه، ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة.
وَيُقَال: إِن مَكَّة من أرضِ تهَامَة، وتهامة من أَرض الْيمن، وَلِهَذَا سُمّي مَا ولي مَكَّة من أَرض الْيَمين واتصل بهَا: التهائم.
فمكة على هَذَا التَّفْسِير يَمَانِية، فَقَالَ: الْإِيمَان يمانٍ، على هَذَا.
وَفِيه وَجه آخر: أنّ النبيّ ﷺ عَنى بِهَذَا القَوْل الأَنصار، لأَنهم يَمانُون، وهم نَصروا الْإِيمَان، فنُسب الْإِيمَان إِلَيْهِم.
стр. 4575
وَهُوَ أحسن الوُجوه عِنْدِي.
قَالَ: وَمِمَّا يُبيِّن ذَلِك حديثُ النبيّ ﷺ أَنه قَالَ لمّا وَفد عَلَيْهِ وَفْدُ الْيمن: (أَتَاكُم أهلُ اليَمن، هم أَلْين قلوباً وأرَق أَفْئِدَة، الْإِيمَان يَمانٍ وَالْحكمَة يمانِية) .
وَقَوْلهمْ: رَجُل يمانٍ، مَنْسُوب إِلَى (اليَمن) .
كَانَ فِي الأَصْل، يمنيّ، فزادوا ألفا قبل النُّون، وحذفوا يَاء النِّسْبة.
وتهامة، كَانَت فِي الأَصْل تَهَمة، فزادوا ألفا، فَقَالُوا تهَام.
وَهَذَا قَول الْخَلِيل وسيبويه.
وَيُقَال: فلانٌ يُتَيمّن بِرَأْيهِ، أَي يُتبرَّك بِهِ.
والتَّيَمُّن: المَوت.
يُقَال: تَيمَّن فلانٌ تَيَمُّناً، إِذا مَاتَ.
وَالْأَصْل فِيهِ أَنه يُوَسَّد يمينَه إِذا ماتَ فِي قَبره؛ وَقَالَ الجعديّ:
إِذا مَا رَأَيْت الْمَرْء عَلْبَى وجِلْدَه
كضَرْحٍ قديمٍ فالتيمُّن أَرْوَحُ
عَلْبى: اشتدّ عِلباؤُه وامتدّ. والضَّرْح: الجِلْد.
وَجمع (الميمون) : ميامِين، وَقد يَمنَه الله يُمناً، فَهُوَ مَيْمُون.
وَالله اليامن، وَجمع الميمنة: مَيامن.
ينم: اليَنَمة: عُشْبة.
وَالْعرب تَقول: قَالَت اليَنَمة: أَنا اليَنَمه، أَغْبُق الصَّبِيّ بعد العَتَمه، وأكُبّ الثُّمال فَوق الأَكَمه.
اليَنَمة: عُشْبة إِذا رَعَتها الماشيةُ كَثُرت رَغْوة أَلْبَانهَا فِي قِلّة.
مأن: أَبُو سعيد: يُقَال: امْأن مَأْنك، أَي: اعْمل مَا تُحْسن.
وَيُقَال: أَنا أمأنه، أَي: أحْسنه.
وَكَذَلِكَ: أشْأَنْ شَأَنك؛ وأَنْشد:
إِذا مَا عَلِمْتُ الأَمْر أقْرَرْتُ عِلْمَه
وَلَا أَدَّعي مَا لَسْتُ أَمْأَنُه جَهْلَا
كفى بامْرىءٍ يَوْمًا يَقُول بعِلْمه
ويَسْكُت عمّا لَيْسَ يَعْلَمه فَضْلَا
مين: المَيْن: الكَذِب، يُقال: مان يَمين مَيْناً، فَهُوَ مائن، أَي كَاذِب.
وَفُلَان مُتماين الوُدّ، إِذا كَانَ غير صَادِق الخُلّة؛ وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
رُوَيْدَ عَلِيًّا جُدَّ مَا ثَدْي أُمِّهم
إِلَيْنَا وَلَكِن وُدّهم مُتمايِنُ
ويروى: مُتَيامن، أَي: مائل إِلَى اليَمن.
ويُقال: مان فلانٌ أهلَه يَمُونهم مَوْناً، إِذا عالهم.
стр. 4576
ومِين فلانٌ يُمَان، فَهُوَ مَمُون.
ابْن الْأَعرَابِي: مان، إِذا شَقّ الأرْض للزَّرع.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: المانُ: السِّكة الَّتِي يُحرث بهَا.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: التموُّن: كَثْرَة النَّفقة على العِيال.
والتَّومُّن: كَثْرَة الأَولاد.
وَقَالَ الفَرّاء: المِيناء: جَوْهر الزُّجَاج الَّذِي يُعمل الزّجاج مِنْهُ، مَمْدُود.
والمينا: الْموضع الَّذِي تُرْفأ إِلَيْهِ السُّفن، يُمد ويُقصر، وَالْقصر فِيهِ أَكثر؛ وأنْشد فِي المَدّ:
فَلَمَّا اسْتقلت مِ المَناخ جِمالُها
وأَشْرَفْن بالأَحْمال قُلْتُ سَفِينُ
تأطَّرن بالمِيناء ثمَّ جَزَعْنه
وَقد لَحّ من أَحمالهنَّ شُحُونُ
وَقَالَ الْفراء: والمينى، مَقْصُور، الْموضع الَّذِي تُرفأ إِلَيْهِ السفن، يكْتب بِالْيَاءِ.
منى: والمَنَا: بِفَتْح الْمِيم مَقْصُور: الَّذِي يُوزن بِهِ، يُكتب بالأَلف، ويثنى، فَيُقَال: مَنَوان.
قَالَه ابْن السّكيت.
قَالَ: وَيُقَال: هُوَ مِنّي بمَنَى مِيل، أَي بقَدْرِ ميل.
وَحكى الْفراء: دَاري بِمَنَى دَاره، أَي بحِذائها.
قَالَ: والمَنَى، بِالْيَاءِ: القَدَر.
وَقد مَنَى الله لَك مَا يَسُرّك، أَي قَدّر الله لَك مَا يَسُرّك؛ قَالَ صَخر الغَيّ:
لعَمْرو أَبِي عَمْرو لقد سَاقه المَنَى
إِلَى جَدَثٍ يُوزَى لَهُ بالأَهاضِبِ
أَي، سَاقه القَدَر.
وَقد مَنَى اللَّهُ لَك المَوت يَمْنيه؛ وأَنْشد:
وَلَا تقولَنْ لشيءٍ سَوف أَفْعَله
حَتَّى تُلاقِيَ مَا يَمْنِي لَك المَانِي
أَي: مَا يقُدِّر لَك الْقَادِر.
وَقَالَ الآخر:
مَنَتْ لَك أَن تُلاقِيَني المَنَايَا
أُحادَ أُحادَ فِي الشَّهر الحَلالِ
أَي: قدرت لَك الأقْدار.
ابْن الْأَنْبَارِي: أَخْبرنِي ثَعلب، عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: قَالَ الشَّرقي بن القُطامي:
المَنايا: الأَحداث. والحِمامُ: الأَجَل. والحَتْف: القَدَر. والمَنون: الزَّمان.
اللَّيْث: المَنا: الْمَوْت. وَكَذَلِكَ: المَنِيّة.
اللِّحياني: مَناه الله بحُبها يمنيه ويَمْنوه،
стр. 4577
أَي: ابتلاه بحُبها، مَنْياً ومَنْواً.
قَالَ الرُّؤَاسي وَأَبُو زيد: يُقَال: هُوَ مَناً، ومَنوان، وأَمْناء، للمِكيال الَّذِي يَكيلون بِهِ السَّمْن وَغَيره.
وَقد يكون من الْحَدِيد أَوْزَاناً.
وَبَنُو تَميم يَقُولُونَ: هُوَ: مَنٌّ، ومنَّان، وأَمْنان.
اللَّيْث: مِنى، مَقْصُور: مَوضِع مَعْرُوف بِمَكَّة.
سُمّيت (مِنى) لما يُمْنى بهَا من الدَّم، أَي: يُرَاق.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ﴾ (الْقِيَامَة: ٣٧) .
قَالَ أُبو عُبيد: قَالَ أَبُو عَمْرو: المَنِي، مُشدَّد.
يُقَال: مَنَّى الرَّجُل وأَمْنَى، من المَنِيّ، بِمَعْنى.
وَرُوِيَ أَبُو الْعَبَّاس، عَن ابْن الْأَعرَابِي: مَنَى الله الشَّيْء: قَدّره. وَبِه سُميت (مِنَى) .
وَقَالَ ابْن شُميل: سُمِّي: مِنى، لِأَن الكَبْش مُنِي بِهِ، أَي: ذُبِح.
وَقَالَ ابْن عُيينة: أُخذ من (المنايا) .
وَأما (المُنى) بِضَم الْمِيم، فَجمع: المُنْية، وَهُوَ مَا يَتَمَّنى الرَّجُل. والأُمْنِيّة: أُفُعولة. وَجَمعهَا، الأمانِيّ.
وَقَالَ اللّيث: ربّما طُرحت الْألف فَقيل: مُنْية، على (فُعلة) .
وَجَمعهَا: مُنى.
وَيُقَال: أُمْنية، على: أفْعُولة.
وَيجمع أمانيّ، مُشَدّدَة الْيَاء، وأمانٍ، مخفّفة، كَمَا يُقال: أثافٍ وأثافيّ، وأضاحٍ وأضاحيّ، لجمع الأُثفية والأُضحيّة.
أَبُو عبيد، عَن الْأَصْمَعِي: يُقَال للناقة أول مَا تُضرب: هِيَ فِي مُنْيتها، وَذَلِكَ مَا لم يَعلموا أَبِهَا حَمْلٌ أم لَا؟
ومُنْية البِكْر: الَّتِي لم تحمل قبل ذَلِك عشر لَيَال.
ومُنية الثِّنْي، وَهُوَ الْبَطن الثَّانِي خمس عشرَة لَيْلَة.
قيل: وَهِي مُنتهى الأيّام، فَإِذا مَضت عُرف ألاقحٌ هِيَ أم غير لاقح؟
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: البِكْر من الْإِبِل تُسْتَمْنى بعد أَربع عشرَة وَإِحْدَى وَعشْرين، والمُسِنّة بعد سَبْعَة أيّام.
قَالَ: والاستمناء أَن يَأْتِي صاحبُها فيَضرب بِيَدِهِ على صَلاها، ويَنْقُر بهَا، فَإِن اكتارَتْ بذَنبها أَو عقدت رَأسهَا وجَمعت بَين قُطْريها عُلِم أنّها لاقح.
وَقَالَ فِي قَول الشَّاعِر:
стр. 4578
قَامَت تُريك لَقَاحاً بعد سابعةٍ
والعَيْنُ شاحبةٌ والقَلْب مَسْتُورُ
قَالَ: مَستور، إِذا لقحت ذهب نشاطُها.
كأنّها بصَلاها وَهِي عاقدةٌ
كَوْرُ خِمارٍ على عَذْراء مَعْجُورُ
وَقَالَ شَمر، قَالَ ابْن شُميل: تُمْتَنَى القِلاص لِسَبع خطأ، إِنَّمَا هُوَ: تَمْتتى القِلاصُ، لَا يجوز أَن يُقال: امْتَنيت الناقةَ أَمْتنيها، فَهِيَ مُمْتَناة.
قَالَ: وقُرىء على نُصير وَأَنا حَاضر، يُقَال: أَمْنَت الناقةُ، فَهِيَ تُمْني إمْناءً، فَهِيَ مُمْنية ومُمْنٍ، وامْتَنَت، فَهِيَ مُمْتنية، إِذا كَانَت فِي مُنْيتها، على أنْ الفِعل لَهَا دُون راعيها؛ وأنشدنا فِي ذَلِك لذِي الرّمة:
نَتُوجِ وَلم تُقْرف لِمَا يُمْتَنى لَهُ
إِذا نُتِجت ماتتْ وحَيَّ سَلِيلُها
فَرَوَاهُ هُوَ وَغَيره من الرُّواة: لما يُمْتنى، بِالْيَاءِ، وَلَو كَانَ كَمَا رَوى شَمر لكَانَتْ الرِّوَايَة: لما تَمْتني لَهُ.
وَقَوله: لم تُقْرف: لم تُدَان لما يُمْتنى لَهُ، أَي: لم تحمل الْحمل الَّذِي يُمْتنى لَهُ.
وَأنْشد نُصير لذِي الرّمة أَيْضا:
وحتّى اسْتبان الفَحلُ بعد امتْنائها
من الصَّيْف مَا اللَّاتِي لَقِحْن وحُولها
أَي: بعد امتنائها هِيَ.
وَقَالَ ابْن السّكيت: قَالَ الْفراء: مُنيْة النَّاقة، ومِنية النَّاقة: الْأَيَّام الَّتِي يُسْتَبرأ فِيهَا لَقاحها من حيَالها.
وَيُقَال: الناقاة فِي مُنْيَتها.
وَقَالَ أَبُو عُبيدة: المُنْية: اضْطِرَاب المَاء وامِّخاضه فِي الرَّحم قبل أَن يتغيّر فَيصير مَشِيجاً.
وَقَوله: لم تُقْرف لما يُمْتنى لَهُ: يصف البَيضة أَنَّهَا لم تُقْرف، أَي لم تجامع لما يُمتْنى لَهُ فيُحتاج إِلَى معرفَة مُنيتها.
ابْن السّكيت: قَالَ يُونُس: يُقَال: امتنى الْقَوْم، إِذا نزلُوا منى.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: أمنى القومُ، إِذا نزلُوا مِنى.
عَمْرو، عَن أَبِيه، قَالَ: المُماناة: قِلّة الغَيرة على الحُرَم. والمُماناة: المداراة. والمماناة: الِانْتِظَار. والمُماناة: المُعاقبة فِي الرّكوب. والمُماناة: الْمُكَافَأَة.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال للدّيوث: المُماذل، والمُماني، والمُماذي.
وَقَالَ ابْن السّكيت: أَنْشدني أَبُو عَمْرو:
صُلْبٍ عَصاه للمطيّ مِنْهَمِ
لَيْسَ يُمَانِي عُقَبَ التَّجَسُّمِ
قَالَ: وَيُقَال: قد مانيتك مذ الْيَوْم، أَي انْتَظَرْتُك.
والمُماناة: المُطاولة؛ قَالَ غَيلان بن حُرَيث:
стр. 4579
فَإِن لَا يَكن فِيهَا هُرَارٌ فإنني
بِسلَ يُمانِيها إِلَى الحَوْل خائِفُ
وَأنْشد أَيْضا:
وجُبْتُ لمَّاعاً بَعِيد البَوْنِ
مِن أَجْلها بِفِتْيةٍ مَا نَوْنِي
أَي: عاقبوني.
وَقَالَ أَبُو سعيد: المِناوة، والقِناوة: المُجازاة.
يُقَال: لأَمْنُونّك مِنَاوَتك، ولأَقْنُونَّك قِنَاوَتك.
وَقَالَ أَبُو العبّاس أَحْمد بن يحيى: التَّمنِّي: حديثُ النّفس بِمَا يكون وَبِمَا لَا يكون.
قَالَ: والتمنِّي: السُّؤال للربّ فِي الْحَوَائِج، وَفِي الحَدِيث: (إِذا تمنَّى أحدُكم فَلْيَسْتكثر فَإِنَّمَا يسْأَل ربَّه) .
قَالَ أَبُو بكر: تمنّيت الشَّيْء، أَي: قدّرته وأحببتُ أَن يَصير إليّ، من (المَنا) وَهُوَ (القَدَر) . وتَمنّى: إِذا تَلا القُرآن. وتمنَّى: كذب ووَضع حَدِيثا لَا أَصْل لَهُ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ دَأب، وَهُوَ يحدّث: هَذَا شَيْء رَوَيْته أم شَيْء تَمنَّيْته؟
مَعْنَاهُ: افتعلته واخْتلقته وَلَا أصْل لَهُ.
قَالَ: والتمنِّي: التِّلَاوَة: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى ﷺ
١٧٦٤ - أُمْنِيَّتِهِ﴾ (الْحَج: ٥٢) ، أَي: فِي تِلَاوَته مَا لَيس فِيهِ.
قَالَ: والتمنّي: الكَذِب.
يَقُول الرجل: وَالله مَا تمنَّيت هَذَا الْكَلَام وَلَا اخْتَلْقته.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَاّ أَمَانِىَّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧٨) .
قَالَ أَبُو إِسْحَاق: قَالُوا فِيهِ قولَين:
قيل: مَعْنَاهُ: لَا يَعْلمون الْكتاب إِلَّا تِلَاوَة.
وَقد قيل: إِلَّا أمانِي، أَي: إلاّ أكاذيب.
وَالْعرب تَقول: أَنْت إِنَّمَا تَمْتَني هَذَا القولَ، أَي: تَخْتَلقه.
قَالَ: وَيجوز أَن يكون (أماني) نُسب إِلَى أَن الْقَائِل إِذا قَالَ مَا لَا يَعلمه فَكَأَنَّهُ إِنَّمَا يتمنّاه، وَهَذَا اسْتعْمل فِي كَلَام النَّاس، فَيَقُولُونَ للَّذي يَقُول مَا لَا حَقِيقَة لَهُ وَهُوَ يُحِبهُ، هَذَا مُنى، وَهَذِه أمْنية.
قلت: والتلاوة سُمِّيت: أُمنية، لأنّ تالي الْقُرْآن إِذا مرّ بِآيَة رَحْمَة تمنّاها، وَإِذا مرّ بِآيَة عَذَاب تمنّى أَن يُوقّاه.
مَناة: اسْم صَنم كَانَ لأهل الجاهليّة؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿للهوَالْعُزَّى وَمَنَواةَ الثَّالِثَةَ الاُْخْرَى﴾ (النَّجْم: ٢٠) .
وَقيل فِي قَول لَبِيد:
دَرس المَنَا بمَتالِع فأَبَان
إنّه أَرَادَ (بالمَنَا) : الْمنَازل، فرَخّمها؛ كَمَا
стр. 4580
قَالَ العجّاج:
قواطناً مكّة من وُرْق الحِمَا
أَرَادَ: الْحمام.
وَيُقَال: مُنِي ببلّية، أَي: ابْتُلي بهَا، كَأَنَّمَا قُدِّرت لَهُ وقُدِّر لَهَا.
وَيُقَال: مَنيت الرجل، ومَنَوْته، أَي اخْتبرته.
ونم: أَبُو عُبيد: وَنَم الذّبابُ، وذَقَط؛ وأَنْشد:
لقد وَنَم الذُّبابُ عَلَيْهِ حتَّى
كأنّ وَنِيمه نُقَط المِدَادِ
إِنَّمَا: قَالَ النَّحويون: (إِنَّمَا) أَصْلهَا: مَا، مَنعت (إنّ) من العَمل.
وَمعنى (إِنَّمَا) إثباتٌ لما يُذكر بعْدهَا ونَفْيٌ لما سواهُ؛ كَقَوْلِه:
وَإِنَّمَا ... ... .
يُدافع عَن أَحْسابهم أَنا أَو مِثْلي
الْمَعْنى: مَا يُدافع عَن أَحسابهم إلَاّ أَنا، أَو من هُوَ مِثْلي.
стр. 4581
بَاب اللفيف من حرف النُّون
ناء، نأى، أَنى، آن، وَأَن، نوى، أون، نانا، إِن، أَيْن، أَيَّانَ، الْآن، إيوَان، أَوَان، نون، وين، ونا.
ناء: ناء، بِوَزْن (ناع) .
قَالَ أَبُو زيد: يُقَال: نُؤْت بالحِمْل، وَأَنا أَنوء بِهِ نَوءًا، إِذا نهضتَ بِهِ مُثْقَلاً.
وَيُقَال: أَناءَنِي الحِمل، أَي: نُؤْت بِهِ.
وناء النجمُ يَنُوء نوءًا، إِذا سَقَط.
وَفِي الحَدِيث: (ثَلَاث من أَمر الجاهليّة: الطَّعن فِي الأَنْساب، والنِّياحة، والأَنْواء) .
قَالَ أَبُو عبيد: الأنواء، ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نجماً مَعْرُوفَة الْمطَالع فِي أَزمنة السَّنة كلهَا من الصَّيف والشتاء وَالربيع والخريف، يسْقط مِنْهَا فِي كُل ثلاثَ عشرَة لَيْلَة نجمٌ فِي الْمغرب مَعَ طُلوع الْفجْر ويَطلع آخر يُقَابله فِي المَشرق من سَاعَته، وَكِلَاهُمَا مَعْلُوم مسمًّى.
وانقضاء هَذِه الثَّمَانِية وَالْعِشْرين كلّها مَعَ انْقِضَاء السّنة، ثمَّ يرجع الْأَمر إِلَى النَّجْم الأول مَعَ اسْتِئْنَاف السّنة المُقبلة.
وَكَانَت الْعَرَب فِي الجاهليّة إِذا سقط مِنْهَا نجم وطلع آخر قَالُوا: لَا بُدَّ من أَن يكون عِنْد ذَلِك مطر أَو ريَاح، فينسُبون كل غيث يكون عِنْد ذَلِك النَّجْم، فَيَقُولُونَ: مُطرنا بنَوْء الثريّا والدَّبَران والسِّمَاك.
فَهَذِهِ الأنواء، وَاحِدهَا: نَوْء.
قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّي نَوْءاً، لِأَنَّهُ إِذا سقط السَّاقِط مِنْهَا بالمَغرب ناء الطالعُ بالمَشرق، ينُوء نوءًا، أَي: نَهض وطَلع، وَذَلِكَ النُّهوض هُوَ النَّوْء، فسُمِّي النجمُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ كُلّ ناهض بثَقل وإبطاء، فإِنه يَنُوء عِنْد نُهوضه.
وَقد يكون (النَّوء) : السُّقوط.
قَالَ: وَلم أسمع أَن (النَّوء) السُّقوط، إِلَّا فِي هَذَا الْموضع؛ قَالَ ذُو الرُّمّة:
تَنوء بأُخْراها فَلأياً قِيامُها
وتَمْشي الهُوَيْنَى عَن قَريبٍ فَتَبْهَرُ
قَالَ شمر: هَذِه الثَّمَانِية وَالْعشْرُونَ، الَّتِي أَرَادَ أَبُو عبيد، هِيَ منَازِل الْقَمَر، وَهِي معروفةٌ عِنْد الْعَرَب وَغَيرهم من الفُرس وَالروم والهند، لم يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ.
قَالَ: وَقد رَأَيْتهَا بالهنديّة والرُّومية والفارسية مُتَرجمة.
стр. 4582
قَالَ: وَهِي بالعربيّة فِيمَا أَخْبرنِي بِهِ ابْن الأعرابيّ: الشَّرطان، والبَطِين، والنَّجْم، والدَّبَران، والهَقْعة، والهَنْعة، والذِّرَاع، والنَّثْرة، والطَّرْف، والجَبْهة، والخراتان، والصَّرْفة، والعَوّاء، والسِّماك، والغَفْر، والزُّبَانى، والإكْليل، والقَلْب، والشَّوْلة، والنَّعائم، والبَلْدة، وسَعْد الذَّابح، وسَعْد بُلَع، وسَعْد السُّعود، وسَعْد الأَخْبية، وفَرْغَ الدَّلْو المُقَدَّم، وَفرغ الدَّلْو المؤخَّر والحُوت.
قَالَ: وَلَا تَسْتَنىء العربُ بهَا كُلها، إِنَّمَا تذكر بالأنواء بَعْضها، وَهِي مَعْرُوفَة فِي أشعارهم وكَلامهم.
وَكَانَ ابْن الْأَعرَابِي يَقُول: لَا يكون نوء حَتَّى يكون مَعَه مَطر، وَإِلَّا فَلَا نَوْء.
قَالَ: وجَمع (النوء) أنواء، ونُوآن، مثل: نُوعان؛ قَالَ ابْن أَحْمَر:
الفاضلُ الْعَادِل الْهَادِي نقِيبته
والمسْتناء إِذا مَا يَقْحط المَطَرُ
المُستناء: الَّذِي يُطْلب نَوْءُه.
قلت: مَعْنَاهُ: الَّذِي يُطْلب رِفْدُه.
ابْن هانىء، عَن أبي زيد: أول الْمَطَر الوسمّي؛ وأنواؤه: العَرْقوتان المُؤخَّرتان.
قلت: هما الفَرْغ المؤخّر.
ثمَّ الشَّرط، ثمَّ الثُّريّا، ثمَّ الشَّتَويّ، وأنواؤه: الجَوزاء، ثمَّ الذِّراعان ونَثْرتهما، ثمَّ الجَبْهة، وَهِي آخر الشَّتويّ وَأول الدفئي والصَّيْفيّ، ثمَّ الصيفي، وأنواؤه السماكان، الأول الأعزل وَالْآخر الرَّقيب.
وَمَا بَين السّماكين صَيْف، وَهُوَ نَحْو من أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ثمَّ الْحَمِيم، وَهُوَ نَحْو من عشْرين لَيْلَة عِنْد طُلوع الدَّبران، وَهُوَ بَين الصَّيف والخريف، وَلَيْسَ لَهُ نَوْء. ثمَّ الخريفي، وأَنواؤه: النَّسْران؛ ثمَّ الْأَخْضَر، ثمَّ عَرْقوتا الدَّلْو الأُوليان.
قلت: وهما: الفَرغ المُقدَّم.
قَالَ: وكل مَطر من الوسميّ إِلَى الدَّفئيّ رَبيع.
أَبُو عبيد: سُئل ابْن عَبَّاس عَن رجل جعل أمرَ امْرَأَته بِيَدِهَا، فَقَالَت لَهُ: أَنت طالقٌ ثَلَاثًا. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: خَطَّأ الله نَوْءَها أَلا طَلّقت نَفسهَا ثَلَاثًا.
أَي: أخطأها المَطُر.
وَمن قَالَ: خَطَّ الله نوءها، جعله من (الخَطِيطة) .
قَالَ أَبُو سعيد: معنى (النوء) النُّهوض، لَا نَوْء المَطر.
والنَّوء: نُهوض الرّجل إِلَى كل شَيْء يَطْلُبهُ، أَرَادَ: خَطّأ الله مَنْهضها ونَوْءها إِلَى كُلّ مَا تَنْويه، كَمَا تَقول: لَا سَدّد الله فلَانا لما يَطْلُب.
وَهِي امْرَأَة قَالَ لَهَا زوجُها: طلّقي نَفسك.
فَقَالَت لَهُ: طلَّقْتُك، فَلم ير ذَلِك شَيْئاً،
стр. 4583
وَلَو عَقَلت لقالت: طَلقت نَفسِي.
وَقَالَ الزجّاج فِي بعض أَماليه: وَذكر قَول النبيّ ﷺ (من قَالَ: سُقينا بالنَّجم فقد آمن بالنَّجم وكَفر بِاللَّه، وَمن قَالَ سَقانا الله فقد آمَن بِاللَّه وكَفر بالنَّجم) .
قَالَ: وَمعنى: مُطرنا بِنَوْء كَذَا، أَي: مُطرنا بطُلوع نَجم وسُقوط آخر.
والنوء، على الْحَقِيقَة سُقوط نجم فِي الْمغرب وطُلوع آخر فِي الْمشرق.
فالسّاقطة فِي الْمغرب هِيَ الأَنْواء، والطالعة فِي الْمشرق هِيَ البوارح.
قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: النوء، ارْتِفَاع نجم من الْمشرق وسُقوط نَظِيره فِي الْمغرب، وَهُوَ نَظير القَوْل الأول.
فَإِذا قَالَ الْقَائِل: مُطرنا بِنَوْء الثُّريّا، فَإِنَّمَا تَأْوِيله: أَنه ارْتَفع نجم من المَشرق وسَقط نَظِيره فِي الْمغرب، أَي: مُطرنا بِمَا ناء بِهِ هَذَا النَّجْمُ.
قَالَ: وَإِنَّمَا غَلَّظ النبيُّ ﷺ فِيهَا، لِأَن الْعَرَب كَانَت تزْعم أَن ذَلِك الْمَطَر الَّذِي جَاءَ بسُقُوط نجم هُوَ فِعل النَّجْم، وَلَا يجعلونه سُقْيا من الله، وَإِن وَافق سُقوطَ ذَلِك النَّجْم، يجْعَلُونَ النُّجوم هِيَ الفاعلة، لِأَن فِي الحَدِيث دَلِيلا على هَذَا، وَهُوَ قَوْله: (من قَالَ سُقينا بالنَّجم فقد آمن بِالنَّجْمِ وكَفر بِاللَّه) .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: وَأما من قَالَ: مُطرنا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا، وَلم يُرد ذَلِك الْمَعْنى، وَمرَاده: أَنا مُطِرْنَا فِي هَذَا الْوَقْت، وَلم يَقْصد إِلَى فعل النَّجم، فَذَلِك وَالله أعلم جَائِز، كَمَا جَاءَ عَن عمر أَنه اسْتَسْقى بالمُصَلَّى ثمَّ نَادَى العبّاسَ: كم بَقي من نوء الثريّا؟ فَقَالَ: إِن العُلماء بهَا يَزْعمُونَ أَنَّهَا تعترض فِي الأُفق سَبعاً بعد وُقُوعهَا، فوَاللَّه مَا مَضَت تِلْكَ السَّبع حَتَّى غِيث النَّاس.
فَإِنَّمَا أَرَادَ: كم بَقِي من الْوَقْت الَّذِي جَرت بِهِ العادةُ أنّه إِذا تمّ أَتَى الله بالمَطر.
قَالَ: ورُوي عَن عَليّ ﵁، عَن النبيّ ﷺ أَنه قَالَ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الْوَاقِعَة: ٨٢) . قَالَ: تَقولُونَ: مُطرنا بِنَوْء كَذَا وَكَذَا.
قلت (مَعْنَاهُ) : وتجعلون شُكر رزقكم الَّذِي يَرزقكموه الله التَّكذيب أَنه من عِنْد الرَّزَّاق، وتجعلون الرزق من عِنْد غير الله، وَذَلِكَ كفر؛ وأمّا من جعل الرِّزق من عِنْد الله جلَّ وعزّ، وَجعل النَّجم وقتا وقّته الله تَعَالَى للغَيْث، وَلم يَجْعَل الغَيث الرَّزَّاق، رَجَوْت أَلا يكون مكذّباً، وَالله أعلم.
стр. 4584
وَهُوَ معنى مَا قَالَه أَبُو إِسحاق وَغَيره من ذَوي التَّمييز.
وَقَالَ أَبُو زيد: هَذِه الأنواء فِي غَيْبوبة هَذِه النُّجُوم.
وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (الْقَصَص: ٧٦) .
قَالَ: نَوْؤها بالعُصبة: أَن تُثقلهم.
وَالْمعْنَى: أَن مفاتحه تُنيء العُصبة، أَي: تُميلهم من ثِقلها.
فَإِذا أدخلت (الْبَاء) قلت: تنوء بهم، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿آتُونِى ﷺ
١٧٦٤ - أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ (الْكَهْف: ٩٦) .
وَالْمعْنَى: آتوني بقِطْر أُفْرِغْ عَلَيْهِ.
فَإِذا حذفت (الْبَاء) زِدْت على الْفِعْل ألفا فِي أوّله.
قَالَ الْفراء: وَقد قَالَ رَجُلٌ من أَهل العربيّة: مَا إنّ العُصبة لَتَنوء بمَفاتحه، فحوّل الفِعْل إِلَى (المفاتح) ؛ كَمَا قَالَ الراجز:
إنّ سِراجاً لكريمٌ مَفْخَرُهْ
تَحْلَى بِهِ العَيْنُ إِذا مَا تَجْهَرُهْ
وَهُوَ الَّذِي يَحْلَى بِالْعينِ، فَإِن كَانَ سُمع (آتوا) بِهَذَا، فَهُوَ وَجْه، وإلاّ فَإِن الرَّجُلَ جَهِلَ المَعنى؛ وَقد أنْشدني بعضُ الْعَرَب:
حتّى إِذا مَا التأمت مواصِلُهْ
وناء فِي شِقّ الشِّمالِ كاهِلُهْ
يَعْنِي: الرَّامِي لمّا أَخذ الْقوس ونَزع مالَ عَلَيْهَا.
قَالَ: ونرى أَن قَول الْعَرَب: مَا ساءك وناءك، من ذَلِك، إِلَّا أَنه أَلْقى الْألف، لِأَنَّهُ مُتْبَعٌ ل (سَاءَك) ؛ كَمَا قَالَت الْعَرَب: أكلت طَعَاما فهنأَني ومَرَأني.
مَعْنَاهُ، إِذا أُفرد: أَمْرأني، فَحذف مِنْهُ الْألف لما أُتْبِع مَا لَيْسَ فِيهِ الْألف، وَمَعْنَاهُ: مَا ساءك وأناءك.
قلت: وَأرى الفَرّاء عَنَى بالرَّجُل الَّذِي قَالَ إِنَّه من أهل العربّية: أَبَا الْحسن الْأَخْفَش.
قلت وأصل (النوء) المَيْل فِي شِقّ.
وَقيل: لمن نَهَضَ بِحمْلِهِ: ناء بِهِ، لِأَنَّهُ إِذا نَهض بِهِ وَهُوَ ثَقيل أناء الناهضَ، أَي: أماله.
وَكَذَلِكَ النَّجم، إِذا سَقَط، مائلٌ نَحْو مَغيبه الَّذِي يَغيب فِيهِ.
وَقَول ذِي الرّمّة فِي وَصف الْجَارِيَة:
تنوء بأُخراها
الْبَيْت مَعْنَاهُ: أَن أُخراها، وَهُوَ عَجيزتها، تُنيئها إِلَى الأرضِ لضخمها وَكَثْرَة لَحْمها فِي أردافها. وَهَذَا تَحْويل للفِعْل أَيْضا.
أَبُو زيد: يُقَال: ناء اللَّحم يَنيء نَيْئاً. وأنأتُه أَنا إناءةً، إِذا لم تُنْضجه. وَكَذَلِكَ: نَهىءَ اللَّحْمُ.
стр. 4585
وَهُوَ لحمٌ بَيِّن النُّهوء والنُّيُوء، بِوَزْن (النُّيُوع) .
قلت: وَالْعرب تَقول: لحمٌ نِيّ، فيحذفون الْهمزَة، وَأَصله الهَمز.
وَالْعرب تَقول للبَّن الْمَحْض: نِيءٌ.
فَإِذا حَمُض فَهُوَ نَضيج؛ وأَنْشد الأَصمعيّ:
إِذا مَا شَئتُ باكَرني غُلامٌ
بِزقَ فِيهِ نِيءٌ أَو نَضِيجُ
قَالَ: أَرَادَ (بالنِّيء) : خمرًا لم تَمْسَسْها النارُ، وب (النَّضيج) : المَطْبوخ.
وَقَالَ شَمر: النِّيء من اللَّبن: ساعةَ يُحْلب قبل أَن يُجْعل فِي السِّقاء.
قَالَه ابْن الأعرابيّ.
قَالَ شَمر: وناء اللحمُ يَنُوء نَوْءاً ونِيًّا، لم يَهْمز (نيًّا) .
فَإِذا قَالُوا: النَّي، بِفَتْح النُّون، فَهُوَ الشَّحْم دون اللَّحم.
وأمّا النُّؤْي، بِوَزْن النّعْي، فَهُوَ الحاجز حَول الخَيْمة. وَجَمعهَا: أَنْآء.
ويُقال: إنْء نُؤْيك، كَقَوْلِك: انْع نُعيك، إِذا أَمرته أَن يُسوِّي حول خبائه نُؤْياً مُطِيفاً بِهِ، كالطَّوْف يَصرف عَنهُ ماءَ الْمَطَر.
والنُّهيْر: الَّذِي دون النُّؤْي، هُوَ: الأتيّ.
وَمن تَرك الْهَمْز قَالَ: نَ نُؤْيَك. وللاثنين: نَيَا نُؤْيَكما. وللجماعة: نَوْا نُؤْيَكم.
وأمّا: نأى يَنْأى، بِوَزْن: نَعَى يَنْعى، فَمَعْناه: بَعُد. وَقد: أنأيته إنئاء، إِذا أَبْعدته. والنَّأْيُ: البُعْد.
وَيُقَال للرَّجل إِذا تكبّر وأَعْرض بوَجْهه: نَأَى بِجَانِبه.
وَمَعْنَاهُ: أَنه أَنأى جانبَه من وَراء، أَي: نحّاه.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٨٣) ، أَي: أنأى جانِبَه عَن خالقه مُتغانياً عَنهُ مُعْرِضاً عَن عِبادته ودُعائه.
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن المبرّد، أَنه أَنْشده:
أعاذلَ إِن يُصْبِح صَدَاي بِقَفْرةٍ
بَعِيداً نآنِي زائِرِي وقَرِيِبي
قَوْله: نآنِي، فِيهِ وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَنه بِمَعْنى: أَبعدني، كَقَوْلِك: زِدْته فَزَاد، ونَقَصْته فنقص.
وَالْوَجْه الثَّانِي فِي (نآني) بِمَعْنى: نَأى عنَّي.
وَقد قَالَ اللَّيْث: يُقال: نأيت الدمع عَن خدّي بإصبعي نَأْياً؛ وأَنْشد:
إِذا مَا الْتقينا سالَ مِن عَبَراتِنا
стр. 4586
شآبِيبُ يُنْأَى سَيْلُها بالأَصابِعِ
قَالَ: والانتياء، بِوَزْن (الابتغاء) ، افتعال من (النأي) .
ويُجمع نُؤْي الخِباء: نُوًى، على فُعَل.
وَقد آنتأيت نُؤْياً.
والمُنْتأى: مَوْضِعه؛ قَالَ الطّرمّاح:
مُنتأى كالقَرْوِ رَهْنَ انْثلامِ
وَمن قَالَ: النُّؤْي: الأتيّ الَّذِي هُوَ دُون الحاجز، فقد أَخطَأ؛ قَالَ النَّابِغَة:
ونُؤْيٌ كجِذْم الحَوْضِ أَثْلم خاشِعُ
وَإِنَّمَا يَنْثلم الحاجز الأتِيّ.
وَكَذَلِكَ قَوْله:
وسَفْع على آسٍ ونُؤْي مُعَثْلَب
والمُعَثْلب: المَهْدوم، وَلَا يَنْهدم إِلَّا مَا كَانَ شاخصاً.
وَالْعرب تَقول: نأى فلانٌ يَنْأَى، إِذا بَعُد، وناء عنِّي، بِوَزْن (بَاعَ) ، على القَلْب.
وَمثله: رَآنِي فلَان، بِوَزْن (رعاني) ، وراءني، بِوَزْن (راعني) .
وَمِنْهُم من يُميل أَوله فَيَقُول: نأى وَرَأى.
ابْن السِّكيت: يُقَال، ناوأت الرَّجُل مَناوأةً ونِوَاءً، إِذا عادَيْته.
وَأَصله الْهَمْز، لِأَنَّهُ من: ناء إِلَيْك، ونُؤْت إِلَيْهِ، أَي: نَهَضَ إِلَيْك، ونَهضت إِلَيْهِ؛ وأَنشد غَيره:
إِذا أَنْت ناوأت الرِّجالَ فَلم تَنُؤْ
بقَرْنَيْن غَرَّتْك القُرونُ الكَوامِلُ
وَلَا يَسْتَوي قَرْنُ النِّطَاح الَّذِي بِهِ
تَنُوء وقَرْنٌ كلّما نُؤْت مائِلُ
والنِّواء والمُناوأة: المُعاداة.
وَفِي الحَدِيث فِي الْخَيل: ورجُلٌ رَبطها فَخْراً ورِياءً ونِواءً لأهل الْإِسْلَام، أَي: مُعاداةً لَهُم.
نأنأ: رُوي عَن أبي بكر الصّديق أَنه قَالَ: طُوبَى لمن مَاتَ فِي النَّأنأَة.
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: هِيَ النأنأة، مَهْمُوزَة، وَمَعْنَاهَا: أوّل الْإِسْلَام.
إِنَّمَا سُمّي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ قَبل أَن يَقْوى الْإِسْلَام وَيكثر أَهله وناصرُه، فَهُوَ عِنْد النَّاس ضَعيف، وأصل (النأنأة) الضَّعْف.
ورَجل نَأنأٌ: ضَعِيف؛ قَالَ امْرُؤ القَيس:
لَعَمْرك مَا سَعْدٌ بخُلّة آثِم
وَلَا نَأنإٍ عِنْد الحِفاظ وَلَا حَصِرْ
قَالَ أَبُو عبيد: وَمن ذَلِك قولُ عليّ ﵁ لسُلَيمان بن صُرَد، وَكَانَ تخلّف عَنهُ يومَ الْجمل ثمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ عليّ ﵁: تَنَأنأَت وتَراخَيْت فَكيف رَأَيْت صُنْع الله؟
قَوْله (تنأنأت) ، يُرِيد: ضَعُفت
стр. 4587
واسْتَرْخَيْت.
وَقَالَ الأُموي: نأنأت الرجلَ نأنأة، إِذا نهَنهْتَه عَمَّا يُريد وكَففته، كَأَنَّهُ يُرِيد: إِنِّي حَملته على أَن ضَعف عَمَّا أَرَادَ وتراخى.
وَقَالَ اللِّحيانيّ: رَجلٌ نَأنأ، ونأنَاء، بالمدِّ وَالْقصر.
وَقَالَ الْكسَائي: ناءَيت عَنْك الشَّرَّ، على (فاعلت) ، أَي: دافعت؛ وأَنْشد:
وَأَطْفَأت نيرانَ الحروب وَقد عَلَتْ
وناءَيْتُ عَنْهُم حَرْبَهم فتقرَّبوا
قَالَ: والنَّأي، لُغَة فِي: نُؤْي الدَّار.
وَكَذَلِكَ: النِّئي.
ويُجمع (النُّؤي) نُؤْيَاناً، بِوَزْن (نُعْيَاناً) ، وأَنْآء.
آن يؤون: ثَعْلَب، عَن ابْن الأعرابيّ: آن يَؤُون أَوْناً، إِذا استراح؛ وأَنْشد:
غَيَّر يَا بِنْتَ الحُلَيْس لَوْنِي
مَرُّ اللَّيالِي واخْتِلافُ الجَوْنِ
وسَفَرٌ كَانَ قَلِيلَ الأوْنِ
أَبُو عُبيد، عَن أبي زيد: أُنْتُ أَؤُون أَوْناً، وَهِي الرَّفاهيَة والدَّعَة.
وَهُوَ رَجُلٌ أئِن، مثل (قَاعد) ، أَي: وادِع.
ابْن السِّكيت: بَيْننا وَبَين مَكَّة عَشْر ليالٍ آئِنات، أَي: وادِعات.
ويُقال: أُن على نَفسك، أَي: ارْفُق بهَا فِي السَّير.
وَتقول لَهُ أَيْضا إِذا طاش: أُن على نَفسك، أَي: اتَّدِعْ.
وَيُقَال: أَوِّن على قَدْرك، أَي: اتَّئد على نَحْوِك.
وَقد أَوَّن تَأْوِيناً.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقال للعِدْلين يُعْكمَان: الأَوْنان.
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: شَرِب حَتَّى أَوَّنَ، وحَتَّى عَدَّن، وَحَتَّى كأنّه طِرَافٌ؛ قَالَ رُؤْبة:
سِرًّا وَقد أَوَّن تَأوِينَ العُقُقْ
وصف أُتناً وَرَدت المَاء فشَربت حَتَّى امْتَلَأت خَواصرُها، فَصَارَ المَاء مثل الأَوْنين إِذا عُدِلا على الدابّة.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: التَّأوُّن: امتلاء البَطن.
والتَّوؤن: ضَعْف البَدن والرأي، أَي ذَلِك كَانَ.
قلت: التّوؤّن: مَأْخُوذ من قَوْلهم: رجل وَأنٌ، وَهُوَ الأَحْمق.
رَوَاهُ أَبُو عُبيد، عَن الْفراء، عَن ابْن السّكيت.
يُقَال: أَوِّنوا فِي سَيركم، أَي: اقْتَصِدوا.
стр. 4588
من (الأَوْن) وَهُوَ: الرِّفْق.
وَقد أوّنت، أَي: اقْتصدت.
وَيُقَال: رِبْعٌ آئنٌ خَيْرٌ من عَبَ حَصْحاص.
قلت: الوَأْبة، بِالْبَاء: مُقاربة الخَلْق.
والوأنة، بالنُّون: الحمقاء.
ابْن السِّكيت: امْرَأَة وَأْنة، إِذا كَانَت مُقاربة الخَلْق.
وَقَالَ اللّيث: الوأنةُ؛ سَواء فِيهِ الرَّجُل وَالْمَرْأَة، يَعْني: المُقْتدر الخَلْق.
والإوان: شبه أَزَج غير مَسدود الوَجْه.
والإيوان، لُغَة؛ وَأنْشد:
إيوَان كِسْرى ذِي القِرَى والرَّيحان
وَجَمَاعَة (الإوَان) أُوُن، مثل: خِوان وخُوُن.
وَجَمَاعَة (الإيوان) : أواوين، وإيوانات؛ وأَنْشد:
شَطَّت نَوَى مَن أَهْلُه بالإيوان
قَالَ: وَجَمَاعَة إيوَان اللِّجام: إيوانات.
وَقَالَ غَيره: الإوان: من أعمدة الخِبَاء.
قَالَ: وكل شَيْء عَمدت بِهِ شَيْئا فَهُوَ: إوَان؛ قَالَ الرّاعي يَذْكر امْرأة:
تَبِيت ورِجْلاها إوانان لاسْتها
عَصَاها اسْتُها حَتَّى يكلّ قَعودُها
أَي: رِجْلاها سَندان لاستها تَعْتمد عَلَيْهِمَا. وَقَوله: عَصاها استُها، أَي: تُحرّك استها على البَعير.
اللَّيْث: الأَوان: الحَين وَالزَّمَان.
تَقول: جَاءَ أوانُ الْبرد؛ قَالَ العجّاج:
هَذَا أَوَان الجِدّ إِذْ جَدّ عُمَرْ
وَجمع، الأوان: آونة.
ابْن السِّكيت، عَن الْكسَائي، قَالَ: قَالَ ابْن جَامع: هَذَا إوان ذَلِك.
وَالْكَلَام: أَوَان ذَلِك، بِالْفَتْح.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: أتَيْتُه آئنة بعد آئنة، بِمَعْنى: آونة.
الْآن: سَلمَة، عَن الْفراء، قَالَ: الْآن، حرف بُني على الْألف وَاللَّام، وَلم يُخْلعا مِنْهُ وتُرك على مَذْهَب الصِّفة، لِأَنَّهُ صفة فِي الْمَعْنى واللَّفظ، كَمَا رَأَيْتهمْ فَعلوا ب (الَّذِي) و (اللَّذين) فتركوهما على مَذهب الأداة، وَالْألف وَاللَّام لَهما غير مُفَارقَة؛ وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فإنّ الألاء يعلمونك مِنْهُم
فَأدْخل الْألف وَاللَّام على (أَولا) .
ثمَّ تَركهَا مخفوضةً فِي مَوضِع النصب، كَمَا كَانَت قبل أَن تدْخلهَا الْألف وَاللَّام؛ وَمثله قَوْله:
стр. 4589
وإنّي حُبِسْت اليومَ والأَمْسِ قَبْلَه
ببابك حتّى كَادَت الشمسُ تَغْرُبُ
فَأدْخل الْألف وَاللَّام على (أمس) ثمَّ تَركه مخفوضاً على جِهَة (الأُلاء) ، وَمثله قَوْله:
وجُنَّ الخازِ بازِ بِهِ جُنُونا
فَمثل (الْآن) بِأَنَّهَا كَانَت مَنْصُوبَة قبل أَن تدخل عَلَيْهَا الْألف وَاللَّام، ثمَّ أدخلتهما فَلم يُغيِّراها.
قَالَ: وأصل (الْآن) إِنَّمَا كَانَ (أَوَان) فَحذف مِنْهُ الْألف، وغيّرت واوها إِلَى الْألف، كَمَا قَالُوا فِي (الراح) : الرِّياح؛ وأَنْشد أَبُو القَمقام:
كَأَن مَكَاكِيّ الجِواء غُدَيَّة
نَشَاوى تساقَوْا بالرِّياح المُفَلْفَل
فَجعل (الرِّياح) و (الأوان) مرّة على جِهَة (فَعَل) ، وَمرَّة على جِهَة (فعَال) كَمَا قَالُوا: زَمَن، وزَمَان.
قَالُوا: وَإِن شِئْت جعلت (الْآن) أَصْلهَا من قَوْلك: آن لَك أَن تفعل، أدخلت عَلَيْهَا الْألف وَاللَّام، ثمَّ تركتهَا على مَذْهَب (فَعَل) فَأَتَاهَا النصب من نَصْب (فَعل) ، وَهُوَ وَجه جَيد.
كَمَا قَالُوا: نَهى رَسُول الله ﷺ عَن قِيل وَقَالَ، فَكَانَت كالاسمين، وهما مَنْصوبتان.
وَلَو خَفَضْتهما، على أَنَّهُمَا أُخرجتا من نِيّة الفِعل إِلَى نيّة الْأَسْمَاء، كَانَ صَوَابا.
وَسمعت الْعَرَب يَقُولُونَ: من شُبَّ إِلَى دُبَّ، وبعضٌ: مِن شُبَ إِلَى دُبَ.
وَمَعْنَاهُ: فَعل مذ كَانَ صَغِيرا إِلَى أَن دَبّ كَبِيرا.
وَقَالَ الْخَلِيل: الْآن، مبنيّ على الْفَتْح، تَقول: نَحن من الآنَ نَصيرُ إِلَيْك.
فنفتح (الْآن) لِأَن الْألف وَاللَّام إِنَّمَا يَدْخُلان لعْهدٍ، و (الْآن) لم تَعْهده قبل هَذَا الْوَقْت، فَدخلت الْألف وَاللَّام للْإِشَارَة إِلَى الْوَقْت، وَالْمعْنَى: نَحن من هَذَا الْوَقْت نَفْعل. فَلَمَّا تضمّنت معنى هَذَا وَجَب أَن تكون مَوقوفة، ففُتحت لالتقاء الساكنين، وهما الْألف وَالنُّون.
قلت: وَأنكر الزّجاج مَا قَالَ الفَراء أَن (الْآن) إِنَّمَا كَانَ فِي الأَصْل (آن) ، وَأَن الْألف وَاللَّام دخلت على جِهَة الْحِكَايَة.
وَقَالَ: مَا كَانَ على جِهَة الْحِكَايَة، نَحْو قَوْلك (قَامَ) إِذا سمّيت بِهِ شَيْئا، فَجَعَلته مبنيًّا على الْفَتْح، لم تدخله الْألف وَاللَّام.
ثمَّ ذكر قَول الْخَلِيل (الْآن) مبنيّ على الْفَتْح، وذَهب إِلَيْهِ، وَهُوَ قولُ سِيبويه.
وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله : ﴿الئَانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧١) فِيهِ ثَلَاث لُغَات:
قَالُوا: الْآن، بِالْهَمْزَةِ وَاللَّام سَاكِنة.
وَقَالُوا: أَلان، متحركة اللَّام بِغَيْر همز، وتُفْصل، قَالُوا: مِن لَان.
стр. 4590
ولغة ثَالِثَة: قَالُوا: لانَ جِئْت بِالْحَقِّ.
قَالَ: والآن: مَنْصُوبَة النُّون، فِي جَمِيع الْحَالَات، وَإِن كَانَ قبلهَا حرف خافض، كَقَوْلِك: مِن الآنَ.
وَذكر ابْن الْأَنْبَارِي (الْآن) فَقَالَ: وانتصاب (الْآن) بالمُضمر، وعلامةُ النصب فِيهِ فتحُ النُّون، وَأَصله: (الأوان) فأُسْقطت الْألف الَّتِي بعد الْوَاو، وَجعلت الْوَاو ألفا، لانفتاح مَا قَبلها.
قَالَ: وَقيل: أَصله: آن لَك أَن تفعل، فسمّى الْوَقْت بالفِعل الْمَاضِي، وَترك آخِره على الفَتْح.
قَالَ: وَيُقَال على هَذَا الْجَواب: أَنا لَا أُكَلِّمك من الآنَ يَا هَذَا، وعَلى الْجَواب الأول: من الْآن؛ وَأنْشد لأبي صَخْر:
كأنّهما مِلآنِ لم يَتغيَّرا
وَقد مَرَّ للدارَيْن من بَعدنَا عَصْر
وَقَالَ ابْن شُميل: هَذَا أَوَان الآنَ تَعلم، وَمَا جِئْت إِلَّا أوانَ الآنَ، أَي: مَا جِئْت إِلَّا الآنَ، بَنصب (الْآن) فيهمَا.
وَسَأَلَ رجلٌ ابْن عمر عَن عُثمان، قَالَ: أَنْشدك الله هَل تعلم أنّه فَرَّ يَوْم أُحد، وَغَابَ عَن بَدْر وَعَن بَيعة الرّضوان؛ فَقَالَ ابْن عمر: أمّا فرَاره يَوْم أُحد فَإِن الله يَقُول: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (آل عمرَان: ١٥٥) ، وأمّا غَيبته عَن بَدر، فَإِنَّهُ كَانَت عِنْده بِنت رَسُول الله ﷺ وَكَانَت مَرِيضَة، وَذكر عُذْره فِي ذَلِك ثمَّ قَالَ: اذْهَبْ بِهَذِهِ تلآن مَعك.
قَالَ أَبُو عُبيد: قَالَ الأُموي: قَوْله (تلآن) يُرِيد: الْآن، وَهِي لُغَة مَعْرُوفَة، يَزيدون التّاء فِي (الْآن) ، وَفِي (حِين) ، ويحذفون الْهمزَة الأولى، فَيُقَال: (تَلأن) ، و (تِحين) .
قَالَ: وأنْشد لأبي وَجْزة:
العاطفُون تَحينَ مَا من عاطِفٍ
والمُطْعمون زَمان مَا مِن مُطْعِمِ
وَقَالَ آخر:
وصَلّينا كَمَا زَعَمت تَلَانا
قَالَ: وَكَانَ الْكسَائي والأحمر وَغَيرهمَا يَذْهبون إِلَى أَن الرِّواية: العاطفونه، فَيَقُولُونَ: جعل الْهَاء صلَة، وَهُوَ فِي وسط الْكَلَام، وَهَذَا لَيْسَ يُوجد إلَاّ على السَّكْت.
قَالَ: فحدّثت بِهِ الأُمويّ فأَنْكره.
قَالَ أَبُو عُبيد: وَهُوَ عِنْدِي على مَا قَالَ الأُمويّ، وَلَا حُجّة لمن احْتج بِالْكتاب فِي قَوْله: ﴿فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ﴾ (ص: ٣) لِأَن التَّاء مُنْفصلة من (حِين) ، لأَنهم كتبُوا مثلهَا مُنْفَصِلا أَيْضا ممّا لَا يَنْبَغِي أَن يفصل كَقَوْلِه: ﴿ياوَيْلَتَنَا مَا لِهَاذَا الْكِتَابِ﴾ (الْكَهْف: ٤٩) والّلام مُنْفصلة من (هَذَا) .
قلت: والنَّحْويون على أَن التَّاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَادَواْ وَّلَاتَ﴾ (ص: ٣) فِي الأَصْل
следующие страницы →