Полный текст (4 693 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
شآبِيبُ يُنْأَى سَيْلُها بالأَصابِعِ
قَالَ: والانتياء، بِوَزْن (الابتغاء) ، افتعال من (النأي) .
ويُجمع نُؤْي الخِباء: نُوًى، على فُعَل.
وَقد آنتأيت نُؤْياً.
والمُنْتأى: مَوْضِعه؛ قَالَ الطّرمّاح:
مُنتأى كالقَرْوِ رَهْنَ انْثلامِ
وَمن قَالَ: النُّؤْي: الأتيّ الَّذِي هُوَ دُون الحاجز، فقد أَخطَأ؛ قَالَ النَّابِغَة:
ونُؤْيٌ كجِذْم الحَوْضِ أَثْلم خاشِعُ
وَإِنَّمَا يَنْثلم الحاجز الأتِيّ.
وَكَذَلِكَ قَوْله:
وسَفْع على آسٍ ونُؤْي مُعَثْلَب
والمُعَثْلب: المَهْدوم، وَلَا يَنْهدم إِلَّا مَا كَانَ شاخصاً.
وَالْعرب تَقول: نأى فلانٌ يَنْأَى، إِذا بَعُد، وناء عنِّي، بِوَزْن (بَاعَ) ، على القَلْب.
وَمثله: رَآنِي فلَان، بِوَزْن (رعاني) ، وراءني، بِوَزْن (راعني) .
وَمِنْهُم من يُميل أَوله فَيَقُول: نأى وَرَأى.
ابْن السِّكيت: يُقَال، ناوأت الرَّجُل مَناوأةً ونِوَاءً، إِذا عادَيْته.
وَأَصله الْهَمْز، لِأَنَّهُ من: ناء إِلَيْك، ونُؤْت إِلَيْهِ، أَي: نَهَضَ إِلَيْك، ونَهضت إِلَيْهِ؛ وأَنشد غَيره:
إِذا أَنْت ناوأت الرِّجالَ فَلم تَنُؤْ
بقَرْنَيْن غَرَّتْك القُرونُ الكَوامِلُ
وَلَا يَسْتَوي قَرْنُ النِّطَاح الَّذِي بِهِ
تَنُوء وقَرْنٌ كلّما نُؤْت مائِلُ
والنِّواء والمُناوأة: المُعاداة.
وَفِي الحَدِيث فِي الْخَيل: ورجُلٌ رَبطها فَخْراً ورِياءً ونِواءً لأهل الْإِسْلَام، أَي: مُعاداةً لَهُم.
نأنأ: رُوي عَن أبي بكر الصّديق أَنه قَالَ: طُوبَى لمن مَاتَ فِي النَّأنأَة.
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: هِيَ النأنأة، مَهْمُوزَة، وَمَعْنَاهَا: أوّل الْإِسْلَام.
إِنَّمَا سُمّي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ قَبل أَن يَقْوى الْإِسْلَام وَيكثر أَهله وناصرُه، فَهُوَ عِنْد النَّاس ضَعيف، وأصل (النأنأة) الضَّعْف.
ورَجل نَأنأٌ: ضَعِيف؛ قَالَ امْرُؤ القَيس:
لَعَمْرك مَا سَعْدٌ بخُلّة آثِم
وَلَا نَأنإٍ عِنْد الحِفاظ وَلَا حَصِرْ
قَالَ أَبُو عبيد: وَمن ذَلِك قولُ عليّ ﵁ لسُلَيمان بن صُرَد، وَكَانَ تخلّف عَنهُ يومَ الْجمل ثمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ عليّ ﵁: تَنَأنأَت وتَراخَيْت فَكيف رَأَيْت صُنْع الله؟
قَوْله (تنأنأت) ، يُرِيد: ضَعُفت
стр. 4587
واسْتَرْخَيْت.
وَقَالَ الأُموي: نأنأت الرجلَ نأنأة، إِذا نهَنهْتَه عَمَّا يُريد وكَففته، كَأَنَّهُ يُرِيد: إِنِّي حَملته على أَن ضَعف عَمَّا أَرَادَ وتراخى.
وَقَالَ اللِّحيانيّ: رَجلٌ نَأنأ، ونأنَاء، بالمدِّ وَالْقصر.
وَقَالَ الْكسَائي: ناءَيت عَنْك الشَّرَّ، على (فاعلت) ، أَي: دافعت؛ وأَنْشد:
وَأَطْفَأت نيرانَ الحروب وَقد عَلَتْ
وناءَيْتُ عَنْهُم حَرْبَهم فتقرَّبوا
قَالَ: والنَّأي، لُغَة فِي: نُؤْي الدَّار.
وَكَذَلِكَ: النِّئي.
ويُجمع (النُّؤي) نُؤْيَاناً، بِوَزْن (نُعْيَاناً) ، وأَنْآء.
آن يؤون: ثَعْلَب، عَن ابْن الأعرابيّ: آن يَؤُون أَوْناً، إِذا استراح؛ وأَنْشد:
غَيَّر يَا بِنْتَ الحُلَيْس لَوْنِي
مَرُّ اللَّيالِي واخْتِلافُ الجَوْنِ
وسَفَرٌ كَانَ قَلِيلَ الأوْنِ
أَبُو عُبيد، عَن أبي زيد: أُنْتُ أَؤُون أَوْناً، وَهِي الرَّفاهيَة والدَّعَة.
وَهُوَ رَجُلٌ أئِن، مثل (قَاعد) ، أَي: وادِع.
ابْن السِّكيت: بَيْننا وَبَين مَكَّة عَشْر ليالٍ آئِنات، أَي: وادِعات.
ويُقال: أُن على نَفسك، أَي: ارْفُق بهَا فِي السَّير.
وَتقول لَهُ أَيْضا إِذا طاش: أُن على نَفسك، أَي: اتَّدِعْ.
وَيُقَال: أَوِّن على قَدْرك، أَي: اتَّئد على نَحْوِك.
وَقد أَوَّن تَأْوِيناً.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقال للعِدْلين يُعْكمَان: الأَوْنان.
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: شَرِب حَتَّى أَوَّنَ، وحَتَّى عَدَّن، وَحَتَّى كأنّه طِرَافٌ؛ قَالَ رُؤْبة:
سِرًّا وَقد أَوَّن تَأوِينَ العُقُقْ
وصف أُتناً وَرَدت المَاء فشَربت حَتَّى امْتَلَأت خَواصرُها، فَصَارَ المَاء مثل الأَوْنين إِذا عُدِلا على الدابّة.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: التَّأوُّن: امتلاء البَطن.
والتَّوؤن: ضَعْف البَدن والرأي، أَي ذَلِك كَانَ.
قلت: التّوؤّن: مَأْخُوذ من قَوْلهم: رجل وَأنٌ، وَهُوَ الأَحْمق.
رَوَاهُ أَبُو عُبيد، عَن الْفراء، عَن ابْن السّكيت.
يُقَال: أَوِّنوا فِي سَيركم، أَي: اقْتَصِدوا.
стр. 4588
من (الأَوْن) وَهُوَ: الرِّفْق.
وَقد أوّنت، أَي: اقْتصدت.
وَيُقَال: رِبْعٌ آئنٌ خَيْرٌ من عَبَ حَصْحاص.
قلت: الوَأْبة، بِالْبَاء: مُقاربة الخَلْق.
والوأنة، بالنُّون: الحمقاء.
ابْن السِّكيت: امْرَأَة وَأْنة، إِذا كَانَت مُقاربة الخَلْق.
وَقَالَ اللّيث: الوأنةُ؛ سَواء فِيهِ الرَّجُل وَالْمَرْأَة، يَعْني: المُقْتدر الخَلْق.
والإوان: شبه أَزَج غير مَسدود الوَجْه.
والإيوان، لُغَة؛ وَأنْشد:
إيوَان كِسْرى ذِي القِرَى والرَّيحان
وَجَمَاعَة (الإوَان) أُوُن، مثل: خِوان وخُوُن.
وَجَمَاعَة (الإيوان) : أواوين، وإيوانات؛ وأَنْشد:
شَطَّت نَوَى مَن أَهْلُه بالإيوان
قَالَ: وَجَمَاعَة إيوَان اللِّجام: إيوانات.
وَقَالَ غَيره: الإوان: من أعمدة الخِبَاء.
قَالَ: وكل شَيْء عَمدت بِهِ شَيْئا فَهُوَ: إوَان؛ قَالَ الرّاعي يَذْكر امْرأة:
تَبِيت ورِجْلاها إوانان لاسْتها
عَصَاها اسْتُها حَتَّى يكلّ قَعودُها
أَي: رِجْلاها سَندان لاستها تَعْتمد عَلَيْهِمَا. وَقَوله: عَصاها استُها، أَي: تُحرّك استها على البَعير.
اللَّيْث: الأَوان: الحَين وَالزَّمَان.
تَقول: جَاءَ أوانُ الْبرد؛ قَالَ العجّاج:
هَذَا أَوَان الجِدّ إِذْ جَدّ عُمَرْ
وَجمع، الأوان: آونة.
ابْن السِّكيت، عَن الْكسَائي، قَالَ: قَالَ ابْن جَامع: هَذَا إوان ذَلِك.
وَالْكَلَام: أَوَان ذَلِك، بِالْفَتْح.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: أتَيْتُه آئنة بعد آئنة، بِمَعْنى: آونة.
الْآن: سَلمَة، عَن الْفراء، قَالَ: الْآن، حرف بُني على الْألف وَاللَّام، وَلم يُخْلعا مِنْهُ وتُرك على مَذْهَب الصِّفة، لِأَنَّهُ صفة فِي الْمَعْنى واللَّفظ، كَمَا رَأَيْتهمْ فَعلوا ب (الَّذِي) و (اللَّذين) فتركوهما على مَذهب الأداة، وَالْألف وَاللَّام لَهما غير مُفَارقَة؛ وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
فإنّ الألاء يعلمونك مِنْهُم
فَأدْخل الْألف وَاللَّام على (أَولا) .
ثمَّ تَركهَا مخفوضةً فِي مَوضِع النصب، كَمَا كَانَت قبل أَن تدْخلهَا الْألف وَاللَّام؛ وَمثله قَوْله:
стр. 4589
وإنّي حُبِسْت اليومَ والأَمْسِ قَبْلَه
ببابك حتّى كَادَت الشمسُ تَغْرُبُ
فَأدْخل الْألف وَاللَّام على (أمس) ثمَّ تَركه مخفوضاً على جِهَة (الأُلاء) ، وَمثله قَوْله:
وجُنَّ الخازِ بازِ بِهِ جُنُونا
فَمثل (الْآن) بِأَنَّهَا كَانَت مَنْصُوبَة قبل أَن تدخل عَلَيْهَا الْألف وَاللَّام، ثمَّ أدخلتهما فَلم يُغيِّراها.
قَالَ: وأصل (الْآن) إِنَّمَا كَانَ (أَوَان) فَحذف مِنْهُ الْألف، وغيّرت واوها إِلَى الْألف، كَمَا قَالُوا فِي (الراح) : الرِّياح؛ وأَنْشد أَبُو القَمقام:
كَأَن مَكَاكِيّ الجِواء غُدَيَّة
نَشَاوى تساقَوْا بالرِّياح المُفَلْفَل
فَجعل (الرِّياح) و (الأوان) مرّة على جِهَة (فَعَل) ، وَمرَّة على جِهَة (فعَال) كَمَا قَالُوا: زَمَن، وزَمَان.
قَالُوا: وَإِن شِئْت جعلت (الْآن) أَصْلهَا من قَوْلك: آن لَك أَن تفعل، أدخلت عَلَيْهَا الْألف وَاللَّام، ثمَّ تركتهَا على مَذْهَب (فَعَل) فَأَتَاهَا النصب من نَصْب (فَعل) ، وَهُوَ وَجه جَيد.
كَمَا قَالُوا: نَهى رَسُول الله ﷺ عَن قِيل وَقَالَ، فَكَانَت كالاسمين، وهما مَنْصوبتان.
وَلَو خَفَضْتهما، على أَنَّهُمَا أُخرجتا من نِيّة الفِعل إِلَى نيّة الْأَسْمَاء، كَانَ صَوَابا.
وَسمعت الْعَرَب يَقُولُونَ: من شُبَّ إِلَى دُبَّ، وبعضٌ: مِن شُبَ إِلَى دُبَ.
وَمَعْنَاهُ: فَعل مذ كَانَ صَغِيرا إِلَى أَن دَبّ كَبِيرا.
وَقَالَ الْخَلِيل: الْآن، مبنيّ على الْفَتْح، تَقول: نَحن من الآنَ نَصيرُ إِلَيْك.
فنفتح (الْآن) لِأَن الْألف وَاللَّام إِنَّمَا يَدْخُلان لعْهدٍ، و (الْآن) لم تَعْهده قبل هَذَا الْوَقْت، فَدخلت الْألف وَاللَّام للْإِشَارَة إِلَى الْوَقْت، وَالْمعْنَى: نَحن من هَذَا الْوَقْت نَفْعل. فَلَمَّا تضمّنت معنى هَذَا وَجَب أَن تكون مَوقوفة، ففُتحت لالتقاء الساكنين، وهما الْألف وَالنُّون.
قلت: وَأنكر الزّجاج مَا قَالَ الفَراء أَن (الْآن) إِنَّمَا كَانَ فِي الأَصْل (آن) ، وَأَن الْألف وَاللَّام دخلت على جِهَة الْحِكَايَة.
وَقَالَ: مَا كَانَ على جِهَة الْحِكَايَة، نَحْو قَوْلك (قَامَ) إِذا سمّيت بِهِ شَيْئا، فَجَعَلته مبنيًّا على الْفَتْح، لم تدخله الْألف وَاللَّام.
ثمَّ ذكر قَول الْخَلِيل (الْآن) مبنيّ على الْفَتْح، وذَهب إِلَيْهِ، وَهُوَ قولُ سِيبويه.
وَقَالَ الزّجاج فِي قَوْله : ﴿الئَانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ (الْبَقَرَة: ٧١) فِيهِ ثَلَاث لُغَات:
قَالُوا: الْآن، بِالْهَمْزَةِ وَاللَّام سَاكِنة.
وَقَالُوا: أَلان، متحركة اللَّام بِغَيْر همز، وتُفْصل، قَالُوا: مِن لَان.
стр. 4590
ولغة ثَالِثَة: قَالُوا: لانَ جِئْت بِالْحَقِّ.
قَالَ: والآن: مَنْصُوبَة النُّون، فِي جَمِيع الْحَالَات، وَإِن كَانَ قبلهَا حرف خافض، كَقَوْلِك: مِن الآنَ.
وَذكر ابْن الْأَنْبَارِي (الْآن) فَقَالَ: وانتصاب (الْآن) بالمُضمر، وعلامةُ النصب فِيهِ فتحُ النُّون، وَأَصله: (الأوان) فأُسْقطت الْألف الَّتِي بعد الْوَاو، وَجعلت الْوَاو ألفا، لانفتاح مَا قَبلها.
قَالَ: وَقيل: أَصله: آن لَك أَن تفعل، فسمّى الْوَقْت بالفِعل الْمَاضِي، وَترك آخِره على الفَتْح.
قَالَ: وَيُقَال على هَذَا الْجَواب: أَنا لَا أُكَلِّمك من الآنَ يَا هَذَا، وعَلى الْجَواب الأول: من الْآن؛ وَأنْشد لأبي صَخْر:
كأنّهما مِلآنِ لم يَتغيَّرا
وَقد مَرَّ للدارَيْن من بَعدنَا عَصْر
وَقَالَ ابْن شُميل: هَذَا أَوَان الآنَ تَعلم، وَمَا جِئْت إِلَّا أوانَ الآنَ، أَي: مَا جِئْت إِلَّا الآنَ، بَنصب (الْآن) فيهمَا.
وَسَأَلَ رجلٌ ابْن عمر عَن عُثمان، قَالَ: أَنْشدك الله هَل تعلم أنّه فَرَّ يَوْم أُحد، وَغَابَ عَن بَدْر وَعَن بَيعة الرّضوان؛ فَقَالَ ابْن عمر: أمّا فرَاره يَوْم أُحد فَإِن الله يَقُول: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ (آل عمرَان: ١٥٥) ، وأمّا غَيبته عَن بَدر، فَإِنَّهُ كَانَت عِنْده بِنت رَسُول الله ﷺ وَكَانَت مَرِيضَة، وَذكر عُذْره فِي ذَلِك ثمَّ قَالَ: اذْهَبْ بِهَذِهِ تلآن مَعك.
قَالَ أَبُو عُبيد: قَالَ الأُموي: قَوْله (تلآن) يُرِيد: الْآن، وَهِي لُغَة مَعْرُوفَة، يَزيدون التّاء فِي (الْآن) ، وَفِي (حِين) ، ويحذفون الْهمزَة الأولى، فَيُقَال: (تَلأن) ، و (تِحين) .
قَالَ: وأنْشد لأبي وَجْزة:
العاطفُون تَحينَ مَا من عاطِفٍ
والمُطْعمون زَمان مَا مِن مُطْعِمِ
وَقَالَ آخر:
وصَلّينا كَمَا زَعَمت تَلَانا
قَالَ: وَكَانَ الْكسَائي والأحمر وَغَيرهمَا يَذْهبون إِلَى أَن الرِّواية: العاطفونه، فَيَقُولُونَ: جعل الْهَاء صلَة، وَهُوَ فِي وسط الْكَلَام، وَهَذَا لَيْسَ يُوجد إلَاّ على السَّكْت.
قَالَ: فحدّثت بِهِ الأُمويّ فأَنْكره.
قَالَ أَبُو عُبيد: وَهُوَ عِنْدِي على مَا قَالَ الأُمويّ، وَلَا حُجّة لمن احْتج بِالْكتاب فِي قَوْله: ﴿فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ﴾ (ص: ٣) لِأَن التَّاء مُنْفصلة من (حِين) ، لأَنهم كتبُوا مثلهَا مُنْفَصِلا أَيْضا ممّا لَا يَنْبَغِي أَن يفصل كَقَوْلِه: ﴿ياوَيْلَتَنَا مَا لِهَاذَا الْكِتَابِ﴾ (الْكَهْف: ٤٩) والّلام مُنْفصلة من (هَذَا) .
قلت: والنَّحْويون على أَن التَّاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَادَواْ وَّلَاتَ﴾ (ص: ٣) فِي الأَصْل
стр. 4591
هَاء، وَإِنَّمَا هِيَ: وَلَاه، فَصَارَت تَاء للمُرور عَلَيْهَا، كالتاآت المُؤنَّثة.
وَقد ذكرت أقاويلهم فِي بَاب (لَا) من كتاب اللَّام، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
أَبُو زَيد: الْعَرَب تَقول: مَرَرْتُ بِزَيْد الْآن، تنقل اللَّام وتكسر الدَّال وتُدغم التَّنْوِين فِي اللاّم.
أَيَّانَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (النَّحْل: ٢١) أَي: لَا يعلمُونَ مَتى البَعْث؟
وَقَالَ الفرّاء: قَرَأَ أَبُو عَبد الرحمان السُّلمي (إيّان يُبْعثون) بِكَسْر الْألف، وَهِي لُغَة لسُلَيم.
قَالَ: وَقد سَمِعت الْعَرَب تَقول: مَتى إوان ذَاك؟ وَالْكَلَام: أَوَان.
قلت: وَلَا يجوز أَن تَقول: أَيَّانَ فعلت هَذَا؟ أَي: مَتى فعلت؟
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَاهُونَ يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (الذاريات: ١٢) لَا يكون إِلَّا استفهاماً عَن الْوَقْت الَّذِي لم يَجِىء.
أَيْن: اللَّيْث: أَيْن، وَقت من الأَمْكنة.
تَقول: أَيْن فلَان؟ فَيكون مُنْتصباً فِي الْحَالَات كلهَا، مالم تَدْخله الْألف وَاللَّام.
وَقَالَ الزّجاج: أَيْن، وَكَيف: حرفان يُستفهم بهما، وَكَانَ حقّهما مَوْقُوفين فحرِّكا لِاجْتِمَاع الساكنين، ونُصبا وَلم يُخْفضا من أجل الْيَاء، لِأَن الكسرة مَعَ الْيَاء تَثْقُل والفَتحة أخَفّ.
وَأَخْبرنِي المُنذريّ، عَن ثَعْلَب أَنه قَالَ: قَالَ الْأَخْفَش فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (طه: ٦٩) : فِي حرف ابْن مَسْعود: أَيْن أَتَى؟
قَالَ: وَتقول الْعَرَب: جئتُك من أَيْن لَا تَعلم.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أمّا مَا حُكي عَن الْعَرَب: جئْتُك من أَيْن لَا تعلم، فَإِنَّمَا هُوَ جَوَاب مَن لم يَفْهم فاستفهم، كَمَا يَقُول قَائِل: أَيْن المَاء والعُشب؟
أَبُو عبيد، عَن أبي زيد: الأين: الإعياء وَلَيْسَ لَهُ فِعْل.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: آن يئين أيْناً، من الإعياء، وَأنْشد:
إنّا ورَبِّ القُلُص الضَّوامِر
إنّا، أَي: أَعْيَيْنا.
اللَّيْث: الأين: الإعياء، وَلَا يُشتقّ مِنْهُ فِعل إلاّ فِي الشّعْر.
شَمر، عَن أبي خَيْرة؛ والحراني، عَن ابْن السِّكيت: الأَن والأَيم: الذّكر من الحيّات.
وَقَالَ ابْن شُميل: كُل حَيّة: أَيْم، ذكرا كَانَ أَو أُنْثى.
стр. 4592
وَرُبمَا شُدد فَقيل: أيّم؛ قَالَ الهُذلي:
باللَّيْل مَوْرِدَ أَيِّمٍ مُتَغَضّف
وَقَالَ العجاج:
وبَطْنَ أَيْم وقَواماً عُسْلُجاً
وَقَالَ أَبُو خَيرة: الأُيون، والأُيوم: جمَاعَة.
أَنى: قَالَ بَعضهم: أنَّى: أَدَاة، وَلها مَعنيان:
أَحدهمَا: أَن تكون بِمَعْنى: مَتى، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَاذَا﴾ (آل عمرَان: ١٦٥) أَي: مَتى هَذَا؟ وَكَيف هَذَا؟
وَتَكون (أنَّى) بِمَعْنى: من أَيْن؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن﴾ (سبأ: ٥٢) .
يَقُول: من أَيْن لَهُم ذَلِك.
وَقد جَمعهمَا الشَّاعِر تَأْكِيدًا فَقَالَ:
أَنّى ومِن أَيْن آبَك الطَّرَبُ
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَاذَا﴾ (آل عمرَان: ١٦٥) . يَحتمل الْوَجْهَيْنِ: قُلْتُمْ: من أَيْن هَذَا؟ وَيكون: قُلتم كَيفَ هَذَا؟
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَاذَا﴾ (آل عمرَان: ٣٧) أَي: من أَيْن لَك هَذَا.
وَقَالَ اللَّيْث: أَنى، مَعْنَاهَا: كَيفَ؟ وَمن أَيْن؟ من أَنَّى شِئْت؟ من أَين شِئْت؟
وَقَالَ فِي قَول عَلْقمة:
ومُطْعَمُ الغُنْمِ يَوْمَ الغُنْم مُطْعَمُه
أنَّى تَوجَّه والمَحْرومُ مَحْرُومُ
أَرَادَ: أَيْنَمَا توجَّه؟ وكيفما توجَّه؟
قَالَ ابْن الأنباريّ: وَقَرَأَ بَعضهم: ﴿ (طَعَامِهِ ط ﴿أَنَّا صَبَبْنَا﴾ (عبس: ٢٥) .
قَالَ: من قَرَأَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَة قَالَ: الْوَقْف على (طَعَامه) تامّ، وَمعنى: أنَّى: أَيْن؟
إِلَّا أنّ فِيهَا كِنَايَة عَن الوُجوه، وتأويلها: من أيّ وَجْه صَبَبْنا المَاء؛ وأَنْشد:
أنّى ومِن أَين آبَك الطَّرَبُ
وَقَول الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْءَانَآءِ الَّيْلِ﴾ (طه: ١٣٠) . قَالَ أهل اللُّغَة: آنَاء اللَّيْل: ساعاته. وَاحِدهَا: إنْيٌ، وإنًى.
فَمن قَالَ (إنيٌ) فَهُوَ مثل: نِحْي وأَنحاء.
وَمن قَالَ: إنًى، فَهُوَ مثل: مِعى وأَمْعاء؛ قَالَ الشَّاعِر:
بكُلّ إنْيٍ قَضَاه اللَّه يَنْتَعل
كَذَا رَوَاهُ ابْن الأنباريّ. وَقَالَ: وَاحِد: آنَاء اللَّيْل، على ثَلَاثَة أوجه: إنْي، بِسُكُون النُّون.
وإنى، بِكَسْر الْألف.
وأنًى: بِفَتْح الْألف.
وَقَوله:
فورَدَتْ قبل إنَى صحَابها
стр. 4593
يُروى: إنًى، وأَنًى. وَقَالَهُ الْأَصْمَعِي.
وَقَالَ الْأَخْفَش: وَاحِد (الآناء) إنْو.
وأَنشد ابْن الْأَعرَابِي فِي (الإنَى) :
أَتَمّت حَملها فِي نصف شَهْر
وحَمْل الْحَامِلَات إنى طَوِيلُ
قَالَ أَبُو بكر فِي قَوْلهم: تأنيت الرَّجل، أَي: انتظرته وتأخّرت فِي أمره وَلم أَعْجل.
وَيُقَال: إنّ خَير فلَان لِبَطيء أَنِيّ؛ قَالَ ابْن مُقْبل:
ثمَّ احتملْن أنِيًّا بعد تضْحية
مثل المخَارِيف من جَيْلان أَو هَجَر
قَالَ: وَرجل متأنَ، أَي متمكِّث متلبِّث، أنّيت، وآنَيت.
قَالَ ابْن الأنباريّ: الأنَى، من بُلُوغ الشَّيْء مُنتهاه، مَقْصور يكْتب بِالْيَاءِ.
وَقد أَنَى يَأنِي؛ وَقَالَ:
بِيَوْم أَنًى ولِكُلّ حامِلة تمَامُ
أَي: أَدْرك وبَلغ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ﴾ (الْأَحْزَاب: ٥٣) أَي: غير مُنْتظرين نُضْجَه وبُلوغه.
تَقول: أَنى يَأْنِي، إِذا نَضج.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ﴾ (الرحمان: ٤٤) . قيل: هُوَ الَّذِي انْتهى فِي الْحَرَارَة.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ (حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ﴾ (الغاشية: ٥) أَي: مُتناهية فِي شدّة الْحَرَارَة.
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمَصِيرُ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَءَامَنُو ﷺ
١٧٦٤ - اْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ﴾ (الْحَدِيد: ١٦) هُوَ من: أَنى يَأنِي، وَفِيه لُغات: يُقال: أنَى لَك يَأني، وآن لَك يَئين، ونال لَك، وأنال لَك أَن تفعل كَذَا، كُله بِمَعْنى وَاحِد، وأجودها: أَنَى لَك.
قَالَ الزجّاج: وَمَعْنَاهَا كلّها: حَان لَك يَحِين.
وَنَحْو ذَلِك قَالَ الفَرّاء فِي اللُّغَات الثَّلَاث.
اللَّيْث، يُقَال: أَنَى الشيءُ يَأني أُنِيًّا، إِذا تأخّر عَن وَقته؛ وَمِنْه قَوْله:
والزَّاد لَا آنٍ وَلَا قَفَارُ
أَي: لَا بطيء وَلَا جَشِبٍ غير مَأدُوم.
وَمن هَذَا يُقال: تأنَّى فلَان يتأنَّى، إِذا تمكّث وانْتَظر.
قَالَ: والأَنَى، من: الأَناة والتُّؤدة، قَالَ العجّاج، فَجعله الأَناء:
طَال الأناء وزَايَل الحقّ الأَشر
وَهِي: الأَناة.
ابْن السِّكيت: الإنى من السَّاعات، وَمن بُلوغ الشَّيْء مُنتهاه، مَقصور، يُكتب بِالْيَاءِ، ويُفتح فيمدّ؛ قَالَ الحُطيئة:
وآنَيْتُ العَشَاء إِلَى سُهَيْلٍ
أَو الشِّعرى فَطال بِي الأنَاءُ
روى أَبُو سَعيد بَيت الحُطيئة:
стр. 4594
وأنَّيْت العَشَاء إِلَى سُهَيل
بتَشْديد النّون.
قَالَ: وَيُقَال: أنَّيْت الطَّعامَ فِي النَّار، إِذا أَطَلْت مُكْثه.
وأنَّيْت فِي الشَّيْء، إِذا قَصّرت فِيهِ.
وَفِي الحَدِيث: إنّ النبيّ ﷺ قَالَ لرجُل جَاءَ يَوْم الْجُمُعَة يتخطَّى رِقَاب النَّاس: (رأيتُك آنَيْت وآذَيْت) .
قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأصمعيّ: آنيت، أَي أَخَّرت الْمَجِيء وأَبْطأت.
وَمِنْه قيل للمُتمكّث فِي الأُمور: مُتأَنَ.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: تأنّى، إِذا رَفق. وآنَيْت، وأَنَّيت، بِمَعْنى وَاحِد.
اللَّيْث: يُقَال: اسْتأنَيْتَ بفلان، أَي: لم أُعْجِلْه.
وَيُقَال: اسْتَأن فِي أَمْرك، أَي: لَا تعجل؛ وأَنْشد:
اسْتأن تَظْفر فِي أمورك كلّها
وَإِذا عَزَمْت على الهَوى فتوكَّلِ
والأَناة: التُّؤَدة.
أَبُو عُبيد، عَن الْأَصْمَعِي: الأَناة من النِّساء: الَّتِي فِيهَا فُتور عَن القِيام.
والوَهْنانة، نَحْوهَا.
اللَّيث: يُقال للْمَرْأَة المُباركة الحكيمة المُواتية: أَنَاة. وَالْجمع: أَنَوات.
قَالَ: وَقَالَ أهلُ الْكُوفَة: إِنَّمَا هِيَ الوَناة، من الضَّعْف، فهمزوا الْوَاو.
وَقَالَ أَبُو الدّقَيش: هِيَ المُباركة.
والإناء، مَمْدُود: وَاحِد: الْآنِية؛ مثل: رِدَاء وأَرْدية.
ثمَّ تجمع الْآنِية: الْأَوَانِي، على فواعل، جمع (فاعلة) .
وَيُقَال: لَا تُؤْن فُرْصَتك، أَي: لَا تؤخِّرها إِذا أَمْكَنَتْك.
وكل شَيْء أَخَّرته، فقد آنَيْته.
وَقيل: امْرَأَة أَنَاة، أَي رَزِينة لَا تَصْخب وَلَا تُفْحش؛ قَالَ الشَّاعِر:
أناةٌ كأنّ المِسْك تَحت ثِيَابهَا
ورِيحَ خُزَامَى الطَّلّ فِي دَمِثِ الرَّمْل
ونى يني: اللَّيْث: الوَنَى: الفَتْرة فِي الأعْمال والأمور والتَّوانِي.
تَقول: فلانٌ لَا يَني فِي أَمْره، أَي لَا يَفْتُر وَلَا يَعْجِز.
يُقَال: وَنَى يَنِي ونْياً، فَهُوَ وانٍ.
ويُقال: فلانٌ لَا يَنِي يَفْعل كَذَا وَكَذَا، بِمَعْنى: لَا يَزال؛ وأَنْشد:
فَمَا يَنُون إِذا طافُوا بحَجِّهمُ
يهتِّكُون لِبَيْت اللَّه أَسْتَارَا
وناقة وانيةٌ، إِذا أَعْيت؛ وأَنشد:
ووانيةٍ زَجَرْتُ على وَجَاهَا
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: قَالَ أَبُو العبَّاس: الوَنى: واحدته: ونِيّة، وَهِي اللّؤْلُؤة.
стр. 4595
قلت: وَاحِدَة (الوَنى) : وناة، لَا: وَنِيّة.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: الوَنِيّة: الدُّرّة؛ قَالَ أَوْس بن حَجَر:
فحطَّت كَمَا حَطَّت وَنِيّة تاجِرٍ
وَهَى نَظْمُها فارْفَضّ مِنْهَا الطَّوائِفُ
عَمْرو، عَن أَبِيه، هِيَ الوَنِيّة والوَناة، للدُّرّة.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: سُمِّيت: وَنِيّة، لثَقبها.
وَقَالَ غَيره: جَارِيَة وَنَاة، كَأَنَّهَا الدُّرّة.
والوَناة: الَّتِي فِيهَا فُتور لِنَعْمتها.
نوى: اللَّيْث: النَّوَى: التَّحوُّل مِن دارٍ إِلَى دارٍ غَيرهَا، كَمَا تَنْتوي الأعرابُ فِي بادِيَتها.
وانْتَوى القومُ، إِذا انتقلوا من بَلدٍ إِلَى بَلد.
والنِّيّة، والنَّوى، وَاحِد.
والعربُ تؤّنث: النَّوى، وأَنْشد:
عَدَتْه نِيَّةٌ عَنْهَا قَذُوفُ
قَالَ الطِّرمّاح:
آذَن النَّاوِي بِبَيْنُونة
ظَلْت مِنْهَا كصَرِيع المُدَام
النَّاوِي: الَّذِي أَزْمع على التحوّل. والنَّوى: البُعد. والنَّوى: النِّيَّة.
وَهِي: النِّيَة، مُخفَّفة، وَمَعْنَاهَا: القَصْد لبلد غير الْبَلَد الَّذِي أَنت فِيهِ مُقِيم.
وفلانٌ يَنْوي وَجه كَذَا، أَي يقْصده، من سَفر أَو عَمل.
والنَّوى: الوَجه الَّذِي يَقْصده.
وفلانٌ نَواك، وَنِيَّتك، ونَواتُك؛ قَالَ الشَّاعِر:
صَرَمَتْ أُمَيمةُ خُلَّتي وصِلَاتِي
ونَوتْ ولمّا تَنْتَوي كنَواتِي
ويُقال: لي فِي بني فلانٍ نَواة، ونِيّة، أَي حَاجَة.
وَقَالَ الفرّاء: نَواك اللَّهُ، بِمَعْنى: حَفِظك الله؛ وأَنْشد:
يَا عَمْرو أَحْسِن نَواكَ الله بالرَّشَد
واقْر السَّلامَ على الأَنقاء والثَّمَدِ
قَالَ: وَقَالَ أعرابيّ من بني سُليم لابْنٍ لَهُ سمّاه (إِبْرَاهِيم) : ناويتُ بِهِ إِبْرَاهِيم، أَي: قَصدْت قَصْده فتبرّكت باسمه.
وَفِي الحَدِيث: (نّية الرّجُل خيرٌ مِن عَمله) .
وَلَيْسَ هَذَا بمخالف لقَوْل النَّبِي ﷺ (من نَوى حَسَنةً فَلم يَعْملها كُتِبت لَهُ حَسنة، ومَن عَملهَا كُتبت لَهُ عَشْراً) .
وَالْمعْنَى فِي قَوْله: (نِية الْمُؤمن خيرٌ من عمله) : أَنه يَنْوي الْإِيمَان مَا بَقِي، ويَنْوي الْعَمَل لله بِطَاعَتِهِ مَا بَقِي، وَإِنَّمَا يخلّده الله جلّ وعزّ بِهَذِهِ النيّة لَا بِعَمَلِهِ أَلا ترى أَنه إِذا آمن ونَوى الثَّبَات على الْإِيمَان وأَداء
стр. 4596
الطَّاعَات مَا بَقي، وَلَو عَاشَ مائَة سنة يَعمل الطَّاعَات وَلَا نيّة لَهُ فِيهَا أَنه يعملها لله، فَهُوَ فِي النَّار.
والنّية: عَمل الْقلب، وَهِي تَنْفَع الناوي وَإِن لم يعْمل الْأَعْمَال، وأداؤها لَا يَنفعه دونهَا.
فَهَذَا معنى قَوْله: (نِيَّة الرجل خيرٌ من عمله) .
قَالَ أَبُو عُبيد: وَمن أَمْثَال الْعَرَب فِي الرَّجل يُعْرف بالصِّدْق يُضْطَرّ إِلَى الْكَذِب، قَوْلهم: عِندَ النّوى يَكْذبك الصَّادِقُ.
وَذكر قِصَّة العَبد الَّذِي خُوطر صاحبُه على كذبه.
والنَّوَى: هَاهُنَا: مَسِير الحيّ مُتحوِّلين من دارٍ إِلَى أُخرى.
وأَخبرني المُنذري، عَن الحرّاني، عَن ابْن السِّكيت، قَالَ: النِّية والنَّوى: الْوَجْه الَّذِي تُريده وتَنْويه.
قَالَ: ونَوِيّك: صاحبُك الَّذِي نِيّته نِيّتك؛ وأَنْشد:
وَقد عَلِمْت إذْ دُكين لي نَوِي
أنّ الشَّقِيّ يَنْتَحِي لَهُ الشَّقِي
قَالَ: وحَكى الفَرّاء: نَواه اللَّهُ، أَي: صَحِبه الله. وَيكون: حَفِظه الله.
قَالَ: ورجلٌ مَنْوِيٌّ، ونِيّةٌ مَنْوِيّة.
إِذا كَانَ يُصيب النُّجْعة المَحْمودَة.
وَفِي حَدِيث عَبد الرحمان بن عَوْف: أنّ النبيّ ﷺ رأى عَلَيْهِ وَضَراً من صُفرة فَقَالَ: مَهْيَم. فَقَالَ: تَزوَّجت امْرَأَة من الْأَنْصَار على نَواةٍ من ذهب. فَقَالَ: (أَوْلِمْ وَلَو بِشَاة) .
قَالَ أَبُو عبيد: قَوْله: على نواة؛ يَعْنِي: خَمْسَة دَرَاهِم، فسمَّى (نواة) ، كَمَا تُسمَّى الْأَرْبَعُونَ: أَوقيّة، وَالْعشْرُونَ نَشًّا.
وَقَالَ: حدّثني يحيى بن سعيد، عَن سُفيان، عَن مَنصور، عَن مُجَاهِد، قَالَ: الْأُوقِيَّة أَرْبَعُونَ، والنَّشّ عشرُون، والنَّواة خَمْسَة.
قلت: وَلَفظ حَدِيث عبد الرحمان يدُلّ على أنّه تَزوّج امْرَأَة على ذَهب قِيمَته خَمْسة دَرَاهِم، أَلا ترَاهُ قَالَ: على نواة من ذَهب.
وَرَوَاهُ جماعةٌ عَن حُميد، عَن أنس. وَلَا أَدري لِمَ أَنْكره أَبُو عُبيد؟
وَقَالَ إِسْحَاق: قلت لِأَحْمَد بن حَنبل: كم وَزْن نَواة من ذَهب؟ قَالَ: ثَلَاثَة دَراهم.
قَالَ: وَقَالَ لي إِسْحَاق: النواة: خَمْسَة دَرَاهِم.
وَقَالَ المُبرد فِي تَفسير (النواة) مثلَ قَول أبي عُبيد سَوَاء.
وَقَالَ: العربُ تَعْنِي بالنّواة خَمسة دَراهم.
قَالَ: وَأَصْحَاب الحَدِيث يَقُولون: على نَواة من ذَهب قِيمتُها خَمْسة دَرَاهِم، وَهُوَ
стр. 4597
خطأ وَغلط.
وَقَالَ غير وَاحِد: نَوَيْت النَّوى، وأَنْوَيته، وَذَلِكَ إِذا أكلت التَّمر وَجمعت نَوَاه.
اللَّيْث: نَوَّت البُسرة، وأَنْوَت، إِذا عَقَدت نَوَاتها. وَثَلَاث نَوَيات. والجميع: النَّوَى.
قَالَ: والنَّوَى: مَخْفِض الْجَارِيَة، وَهُوَ الَّذِي يَبْقى من بَظْرها إِذا قُطِع المُتْك.
وَقَالَت أعرابّية: مَا تَرَك النَّخْجُ لنا مِن نَوًى.
أَبُو عُبيد، عَن الْأَصْمَعِي: إِذا سَمِنت النَّاقة، فَهِيَ ناوِية.
وَقد نَوت تَنْوِي نَيًّا.
وهُن نُوقٌ نِوَاءٌ؛ قَالَ أَبُو النَّجم:
أَو كالمُكَسَّر لَا تَؤُوب جِيادُه
إلاّ غّوانِمَ وَهِي غَيْرُ نِوَاء
قَالَ أَبُو الدُّقَيش: النِّيّ، الِاسْم، وَهُوَ الشَّحْمُ.
والنَّيّ، هُوَ الفِعل.
يُقَال: نَوت النَّاقة نَيًّا، إِذا كثر نِيّها.
وَقَالَ اللَّيْث: النَّيّ، والنِّيّ.
وَقَالَ غَيره: النِّيّ: اللَّحْم، بِكَسْر النُّون.
والنَّيّ: الشَّحم.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: النَّوى: الْحَاجَات. والوَنى: ضَعْف البَدن. وأَنْوَى الرَّجُل، إِذا كثرت أَسْفارُه. وأَنوى، إِذا تبَاعد.
وأَنْوَى، ونَوَى، ونَوَّى، إِذا أَلْقى النَّوى.
وأَنْوى، ونَوَى، ونَوَّى، من النِّيّة.
وأَنْوى، ونَوى، ونَوَّى، فِي السَّفَر. وأَنْشد:
إنّك أَنت المَحْزون فِي أَثر الْ
حَيّ فَإِن تَنْوِينّهم تُقِم
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: قلت للمُفضَّل: مَا تَقول فِي هَذَا الْبَيْت؟ قَالَ: فِيهِ مَعنيان:
أَحدهمَا: يَقُول: قد نَوْوا فِراقَك فَإِن تَنْو كَمَا نَوَوْا تُقم فَلَا تَطْلُبهْم.
وَالثَّانِي: قد نَوَوْا السَّفَر، فَإِن تَنْو كَمَا نَوَوْا تُقِم صُدُور الْإِبِل فِي طَلبهم؛ كَمَا قَالَ الآخر:
أقِم لَهَا صُدورَها يَا بَسْبَسُ
وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: الوَنْوة: الاسترخاء فِي العَقل. والوَنى: الضَّعْف. والنَّنّ: الشَّعر الضَّعيف.
والوَنّ: الصَّنْج الَّذِي يُضْرب بالأصابع، وَهُوَ الونج، مشتقّ من كَلَام العَجم.
أَبُو عُبيد: وَنَيْت فِي الْأَمر: فَتَرت.
وأَوْنَيْت غَيْرِي.
وَفِي (نَوَادِر الْأَعْرَاب) : فلانٌ نَوِيّ الْقَوْم وناويهم، ومُنْتويهم، أَي صَاحب أَمرهم
стр. 4598
ورأيهم.
نون: قَالَ الله جلّ وعزّ: (ن والقلم وَمَا يسطرون﴾ (الْقَلَم: ١) .
قَالَ الْفراء: لَك أَن تُدغم النُّون وتُظهرها، وإظهارها أَعجب إليّ، لأنَّها هِجاء والهِجاء كالموقوف عَلَيْهِ وَإِن اتَّصَل.
وَمن أخفاها بناها على الاتِّصال.
وَقد قَرَأَ القُرَّاء بالوَجْهين جَمِيعًا.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق: جَاءَ فِي التَّفْسِير أَن (ن) الحُوت الَّذِي دُحِيت عَلَيْهِ سَبْع أَرَضين.
وَجَاء فِي التَّفْسِير، أَن (ن) : الدَّواة.
وَلم يجىء فِي التَّفْسِير كَمَا فُسرت حُرُوف الهجاء.
قلت: (ن والقلم) لَا يجوز فِيهِ غير الهجاء، أَلا ترى أَن كُتَّاب الْمُصحف كتبوه (ن) ، وَلَو أُرِيد بِهِ: الدواة والحوت، لكُتب: نون.
وَقَالَ ابْن الأنباريّ فِي بَاب إخفاء النّون وإظهارها: النّون، مَجهورة ذَات غُنّة، وَهِي تخفى مَعَ حُرُوف الْفَم خَاصَّة، وَتبين مَعَ حُرُوف الْحلق عَامَّة، وَإِنَّمَا خفيت مَعَ حُرُوف الْفَم لقربها مِنْهَا، وَبَانَتْ مَعَ حُرُوف الْحلق لبُعدها مِنْهَا.
وَكَانَ أَبُو عَمْرو يخفي النُّون عِنْد الْحُرُوف الَّتِي تُقاربها، وَذَلِكَ أَنَّهَا من حُروف الْفَم، كَقَوْلِك: من قَالَ؟ وَمن كَانَ؟ وَمن جَاءَ؟ قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ (الْأَنْعَام: ١٦٠) على الْإخْفَاء.
وَأما بَيَانهَا عِنْد حُرُوف الْحلق السّتة، فَإِن هَذِه السِّتَّة تَبَاعَدت من مَخرجها وَلم تكن مِن قَبيلتها وَلَا من حيِّزها، فَلم تخف فِيهَا كَمَا أَنَّهَا لم تُدْغم فِيهَا.
وكما أَن حُرُوف اللِّسَان لَا تُدغم فِي حُرُوف الحَلق لبُعدها مِنْهَا، وَإِنَّمَا أُخْفيت مَعَ حُرُوف الْفَم كَمَا أُدغمت اللَّام وَأَخَوَاتهَا، كَقَوْلِك: من أَجلك، من هُنَا، من خَافَ، من حرم زِينَة الله، من عليّ، من عَلَيْك.
قَالَ: وَمن الْعَرَب من يُجري الْغَيْن وَالْخَاء مجْرى الْقَاف وَالْكَاف فِي إخفاء النُّون مَعَهُمَا.
وَقد حَكَاهُ النَّضر عَن الْخَلِيل.
قَالَ: وَإِلَيْهِ ذهب سِيبويه.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿) تُكَذِّبَانِ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ (الرحمان: ٤٦) إِن شِئْت أَخفيت، وَإِن شِئْت أَبَنْت.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: النُّونة: الْكَلِمَة مِن الصَّواب.
والنُّونة: النُّقْبة الَّتِي تكون فِي ذَقَن الصّبيّ الصَّغير.
وَفِي حَدِيث عُثْمَان أَنه رأى صَبِيًّا مَلِيحاً فَقَالَ: وسِّموا نُونته، أَي: سَوِّدوها لِئَلَّا تُصيبه العَين.
стр. 4599
وَذُو النُّون: سيفٌ كَانَ لمَالِك بن زُهير، أخي قيس بن زُهَيْر، فَقتله حَمل بن بَدْر وَأخذ مِنْهُ سيفَه (ذَا النُّون) ، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الهَباءة قتل الْحَارِث بن زُهير حَمَل بن بدر وَأخذ مِنْهُ ذَا النُّون، وَفِيه يَقُول الْحَارِث:
ويُخبرهم مكانُ النُّون منِّي
وَمَا أُعطيتُه عَرَق الخِلَالِ
أَي: مَا أُعطيته مُكَافَأَة وَلَا مَودَّة، وَلَكِنِّي قتلت حَملاً وأخذتُه مِنْهُ قَسْراً.
وَقَول الله تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٨٧) هُوَ: يُونُس ﵇، سمّاه الله (ذَا النُّون) لِأَنَّهُ حَبسه فِي جَوف الْحُوت الَّذِي التقمه.
والنُّون: الحُوت.
وَيُقَال للسَّيف العَريض الْمَعْطُوف طَرَفي الظُّبة: ذُو النُّونَيْن؛ وَمِنْه قَوْله:
قَرَيْتُك فِي الشَّريط إِذا التَقَيْنَا
وَذُو النّونيْن يومَ الحَرْب زَيْني
والتَّنْوين: تَنْوِين الِاسْم إِذا أَجْرَيته.
أَن: قَالَ أَبُو زيد: أنّ الرّجُل يَئِن أَنِيناً، وأَنَت يَأنِت أَنِيتاً، ونَأَتَ يَنْئِت نَئِيتاً، بِمَعْنى وَاحِد.
اللَّيْث: رَجُلٌ أُنَنَة: كثير الْكَلَام والبَثّ والشُّكْوى. وَلَا يُشْتقّ مِنْهُ فِعْل.
وَمن (الأنين) يُقال: أنّ يَئِن أَنِيناً، وأَنًّا، وأَنَّةً.
وَإِذا أَمَرْت قُلت: إينَنْ، لِأَن الهمزتين إِذا الْتقتا فسَكنت الأخيرةُ اجْتمعوا على تَلْيِينها.
وَأما فِي الْأَمر الثَّانِي فإِنه إِذا سكنت الْهمزَة بَقي النُّون مَعَ الْهمزَة وَذَهَبت الْهمزَة الأولى.
وَيُقَال للْمَرْأَة: إنّي، كَمَا يُقال للرُّجل: اقْرِرْ، وللمرأة: قِرّي.
أَبُو العبّاس، عَن ابْن الْأَعرَابِي: أنَّ الماءَ يُؤنّه، إِذا صَبَّه.
وَفِي بعض أَخْبَار الْعَرَب: أُنّ مَاء ثمَّ أَغْلِه، أَي: صُبَّه وأَغْلِه.
ابْن السِّكيت: يُقال: مَا لَهُ حانّة وَلَا آنَّة، أَي مَا لَهُ نَاقَة وَلَا شَاة.
قَالَ: وَيُقَال: لَا أَفعلهُ بِمَا أنّ فِي السَّمَاء نَجْمٌ، أَي: مَا كَانَ فِي السَّمَاء نجم؛ وَمَا عَنّ فِي السَّمَاء نجم، أَي: مَا عَرض؛ وَبِمَا أنّ فِي الفُرات قَطرة، أَي: مَا كَانَ فِي الفُرات قَطْرَة.
وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود: إنّ طول الصَّلَاة وقِصَر الخُطْبة مَئِنّة من فِقْه الرَّجُل، أَي: بَيَان مِنْهُ.
قَالَ أَبُو زيد: إِنَّه لَمِئّنة أَن يَفعل ذَلِك، وَإِنَّهَا وإنهن لمِئَّنة أَن يَفْعَلُوا ذَلِك، بِمَعْنى: لخليق أَن يَفْعَلُوا ذَلِك: وأَنْشد:
ومَنزل من هَوَى جُمْلٍ نزلتُ بِهِ
مَئِنّة من مَراصيد المَئِنّاتِ
стр. 4600
بِهِ تجاوزتُ عَن أولى وكائِده
إنّي كَذَلِك رَكّاب الحَشِيّاتِ
أولى، حِكَايَة عَمْرو، عَن أَبِيه.
الأنّة والمَئِنة، والعَدْقة، والشَّوّزب، وَاحِد؛ وَقَالَ دُكَين:
يَسْقِي على دَرّاجة خَرُوس
مَعْصُوبة بَين رَكايا شُوسِ
مَئِنَّة مِنْ قَلَتِ النّفوسِ
يُقَال: مَكَان من هَلاك النُّفُوس. وَقَوله: مَكَان من هَلَاك النُّفُوس: تَفْسِير لِمئِنّة، ودلّ ذَلِك على أَنه بِمَنْزِلَة (مَظِنّة) والخَروس: البَكْرة الَّتِي لَيست بصافية الصَّوْت. والجَروس، بِالْجِيم: الَّتِي لَهَا صَوت.
وَقَالَ أَبو عبيد: قَالَ الْأَصْمَعِي: سَأَلَني شُعبة عَن (مَئِنّة) ، فَقلت: هُوَ كَقَوْلِك عَلامَة، وخليق.
قَالَ أَبُو زيد: هُوَ كَقَوْلِك: مَخْلقة، ومَجْدَرة.
وَقَالَ أَبُو عبيد: يَعني أَن هَذَا مِمَّا يُعْرف بِهِ فِقه الرجل ويُستدلّ بِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ: وكل شَيْء دلّك على شَيْء فَهُوَ مَئِنَّة لَهُ؛ وأَنشد للمَرّار:
فتَهامَسُوا سِرًّا فَقَالُوا عَرِّسُوا
من غَيْر تَمْئِنة لغير مُعَرَّسِ
قلت: الَّذِي رَوَاهُ أَبُو عُبيد، عَن الْأَصْمَعِي، وَأبي زيد، فِي تَفْسِير المَئِنّة، صَحِيح، وَأما احتجاجه بِرَأْيهِ بِبَيْت المَرّار فِي التَّمْئنة للمَئِنّة، فَهُوَ غَلط وسَهو؛ لِأَن الْمِيم فِي (التمئنة) أَصْلِيَّة، وَهِي فِي (مئنّة) مَفْعلة لَيست بأَصلية.
وَقد فسرت بَيت المَرّار فِي بَاب (مأن) .
وَأما (مئنة) فَإِن اللحياني قَالَ: هُوَ مَئِنّة أَن يفعل ذَلِك، ومَظِنَّة أَن يفعل ذَلِك، وأَنْشد:
إنّ اكْتحالا بالنَّقِيِّ الأَبْلج
ونَظَراً فِي الحاجِب المُزجَّجِ
مَئِنّة من الفَعال الأعْوج
فَكَانَ (مَئِنّة) عِنْد اللّحياني مُبدل الْهمزَة فِيهَا من الظَّاء فِي (المظنة) ، لِأَنَّهُ ذكر حروفاً تُعاقب فِيهَا الظَّاء الْهمزَة، مِنْهَا قَوْلهم: بَيت حَسن الأَهْرة والظَّهرة، وَقد أَفر وظَفر، أَي: وَثب.
إِن: قَالَ اللَّيْث: قَالَ الْخَلِيل: (إِن) الثَّقِيلَة تكون مَنْصُوبَة الْألف، وَتَكون مَكْسُورَة الْألف، وَهِي الَّتِي تَنْصب الْأَسْمَاء.
قَالَ: وَإِذا كَانَت مُبتدأة لَيْسَ قبلهَا شيءٌ يُعتمد عَلَيْهِ، أَو كَانَت مُستأنفة بعد كَلَام قديم ومَضى، أَو جَاءَت بعْدهَا لَام مُؤَكدَة يُعْتمد عَلَيْهَا، كُسرت الْألف، وَفِيمَا سوى ذَلِك تُنصب الْألف.
وَقَالَ الفرّاء فِي (أنّ) إِذا جَاءَت بعد القَوْل وَمَا تصرّف من القَوْل، وَكَانَت حِكَايَة لم يَقع عَلَيْهَا القولُ وَمَا تصرف مِنْهُ، فَهِيَ
стр. 4601
مَكْسُورَة، وَإِن كَانَت تَفْسيراً لِلْقَوْلِ نَصَبتها، وَذَلِكَ مثل قَول الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً﴾ (يُونُس: ٦٥) .
وَكَذَلِكَ المَعنى اسْتِئْنَاف، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن الْعِزَّة لله جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (النِّسَاء: ١٥٧) كسرتها، لِأَنَّهَا بعد القَوْل على الْحِكَايَة.
قَالَ: وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَاّ مَآ أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ (الْمَائِدَة: ١١٧) فَإنَّك فَتحت الْألف، لِأَنَّهَا مُفَسَّرة ل (مَا) ، و (مَا) قد وَقع عَلَيْهَا القولُ فنصبها، وموضعها نَصْب.
وَمثله فِي الْكَلَام: قد قلت لَك كلَاما حَسناً أنّ أَبَاك شريفٌ، وأنَّك عَاقل، فتحت (أنّ) لِأَنَّهَا فَسَّرت الْكَلَام، وَالْكَلَام مَنْصوب.
وَلَو أردْت تَكْرِير القَوْل عَلَيْهَا كَسَرْتها.
قَالَ: وَقد تكون (إنّ) بعد القَوْل مَفْتُوحَة، إِذا كَانَ القَوْل يُرافعها؛ من ذَلِك أَن تَقول: قولُ عبد الله مُذ الْيَوْم أنّ النَّاس خارجون، كَمَا تَقول: قولُك مُذ الْيَوْم كلامٌ لَا يُفْهم.
وَقَالَ اللَّيْث: إِذا وَقعت (إنّ) على الْأَسْمَاء والصِّفات فَهِيَ مُشدَّدة.
وَإِذا وَقعت على فعل أَو حرف لَا يتَمَكَّن فِي صِفة أَو تَصريف فخفِّفها، تَقول: بَلغنِي أَن قد كَانَ كَذَا وَكَذَا، تخفّف من أجل (كَانَ) ، لِأَنَّهَا فِعل، وَلَوْلَا قد لم تَحْسن على حَال من الفِعل حَتَّى تعتمد على (مَا) أَو على (الْهَاء) ، كَقَوْلِك: إِنَّمَا كَانَ زَيْدٌ غَائِبا، وَبَلغنِي أَنه كَانَ أَخُو بكر غنِيًّا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ بَلغنِي أَنه كَانَ كَذَا وَكَذَا، تشدِّدها إِذا اعتمدَتْ.
وَمن ذَلِك قَوْلك: إنْ رُبّ رجل، فتخفّف.
فَإِذا اعتمدَت قلت: إِنَّه رُبّ رجُل، شدَّدْت.
وَهِي مَعَ الصّفات مشدّدة: إنّ لَك، وإنّ فِيهَا، وإنّ بك، وأَشَباهها.
قَالَ: وللعرب لُغَتَانِ فِي (إنّ) الْمُشَدّدَة:
إِحْدَاهمَا التَّثقيل، وَالْأُخْرَى التَّخْفِيف.
فأمّا من خَفّف فَإِنَّهُ يَرفع بهَا.
إِلَّا أَن نَاسا من أهل الْحجاز يخفِّفون ويَنصبون على توُّهم الثَّقِيلَة.
وقرىء: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (هود: ١١١) خفَّفوا ونَصبوا.
وأنْشد الفَرّاء فِي تَخْفيفها مَعَ المُضْمر:
فَلَو أَنْك فِي يومِ الرَّخاء سأَلْتني
فِراقَك لم أَبْخل وَأَنت صَدِيقُ
وأنْشد القولَ الآخر:
стр. 4602
لقد عَلِم الضَّيْفُ والمُرْمِلون
إِذا اغْبرّ أفْقٌ وهَبّت شَمالا
بأنْك رَبيعٌ وغَيثٌ مَرِيعٌ
وقِدْماً هُناك تكون الثِّمالا
وَقَالَ أَبُو طَالب النّحوي، فِيمَا رَوى عَنهُ المُنذري، قَالَ: أهلُ الْبَصْرَة غير سِيبَوَيْهٍ وذَويه يَقُولُونَ: إنّ الْعَرَب تخفِّف (أَن) الشَّدِيدَة وتُعملها؛ وأَنشدوا:
ووَجْهٍ مُشْرق النَّحْر
كأنْ ثَدْيَيه حُقّانِ
أَرَادَ (كأنّ) فخفَّف وأَعمل.
وَقَالَ الفَرّاء: لم نسْمع الْعَرَب تُخفّف (أَن) وتُعملها إلاّ مَعَ المَكنّى، لِأَنَّهُ لَا يتبيّن فِيهِ إِعْرَاب، فأمّا فِي الظَّاهِر فَلَا.
وَلَكِن إِذا خفّفوها رَفَعوا
وأمّا من خَفف: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ فإِنهم نَصبوا ﴿أَخْلَدَهُ﴾ ب ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ ، كَأَنَّهُ قَالَ: (وَإِن ليوفينهم كُلا) .
قَالَ: وَلَو رُفعت (كل) لصَلح ذَلِك، تَقول: إنْ زيدٌ لقائم.
وَأما قَول الله تَعَالَى: (إِن هَذَانِ لساحران) (طه: ٦٣) فَإِن أَبَا إِسْحَاق النَّحوي اسْتَقصى مَا قَالَ فِيهِ النَّحويون، فحكيتُ كلامَه.
قَالَ: وَقَرَأَ المدنيون والكوفّيون، إلاّ عَاصِمًا: (إنّ هَذَانِ لساحران) .
ورَوى عَن عَاصِم أَنه قَرَأَ (إنْ هَذَانِ) بتَخْفِيف (إنْ) .
ورُوي عَن الْخَلِيل (إنْ هَذَا لساحران) .
قَالَ: وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: (إنّ هذَيْن لساحران) ، بتَشديد (أنّ) وَنصب (هذَيْن) قَالَ أبوإسحاق: والحجّة فِي (إنّ هَذَانِ لساحران) بِالتَّشْدِيدِ وَالرَّفْع، أَن أَبَا عُبيدة روى عَن أبي الخطّاب أَنه لُغة لِكنانة، يجْعَلُونَ ألف الِاثْنَيْنِ فِي الرّفْع وَالنّصب والخفض على لفظ وَاحِد، يَقُولُونَ: رَأَيْت الزيدان.
وروى أَهل الْكُوفَة وَالْكسَائِيّ والفَراء أَنَّهَا لُغة لبني الْحَارِث بن كَعْب.
قَالَ: وَقَالَ النحويّون القُدماء: هَاهُنَا هَاء مُضمرة، الْمَعْنى: إنّه هَذَانِ لساحران.
قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: (إِن) فِي معنى (نعم) ، الْمَعْنى: نعم هَذَانِ لساحران؛ وَأنْشد:
ويَقُلْن شَيْبٌ قد عَلا
كَ وَقد كَبِرْت فَقلت إنَهْ
وَقَالَ الْفراء فِي هَذَا: إِنَّهُم زادوا فِيهَا النُّون فِي التَّثْنِيَة، وتركوها على حَالهَا فِي الرّفْع وَالنّصب والجر، كَمَا فعلوا فِي (الَّذين) فَقَالُوا: الَّذين، فِي الرَّفع والنَّصب والجر.
فَهَذَا جَمِيع مَا قَالَ النحويّون فِي الْآيَة.
قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وأجودها عِنْدِي أَن، (أَن) وَقعت موقع (نعم) ، وَأَن اللَّام
стр. 4603
وَقعت موقعها، وَأَن الْمَعْنى: نعم هَذَانِ لَهما ساحران.
وَالَّذِي يَلِي هَذَا فِي الْجَوْدَة مَذْهب بني كنَانَة وبَلْحارث بن كَعْب.
فأمّا قِرَاءَة أبي عَمْرو فَلَا أُجيزها، لِأَنَّهَا خلاف المُصْحف.
قَالَ: وأَستحسن قِرَاءَة عَاصِم والخليل: (إنْ هَذَانِ لساحران) .
وَقَالَ غَيره: العربُ تجْعَل الْكَلَام مُخْتَصرا مَا بَعْدَه على (إنّه) ، وَالْمرَاد: إِنَّه لكذلك، وإنّه على مَا تَقول.
فَأَما (إِن) الْخَفِيفَة، فَإِن المنذريّ رَوى عَن ابْن اليَزيدي، عَن أبي زيد، أَنه قَالَ: (إِن) تقع فِي مَوضِع من الْقُرْآن مَوْضِعَ (مَا) ، ضَرْبُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (النِّسَاء: ١٥٩) ، مَعْنَاهُ: مَا من أهل الْكتاب.
وَمثله: ﴿لَاّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الْأَنْبِيَاء: ١٧) أَي: مَا كنّا فاعلين.
قَالَ: وتجيء (إِن) فِي مَوضِع (لقد) ، ضَرْبُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ (الْإِسْرَاء: ١٠٨) ، الْمَعْنى، لقد كَانَ من غير شكّ من الْقَوْم.
وَمثله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٣) ، ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ (الْإِسْرَاء: ٧٦) .
وتجيء (إِن) بِمَعْنى (إِذْ) ، ضَرْبُ قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوااْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٧٨) الْمَعْنى: إِذْ كُنْتُم مُؤمنين.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (النِّسَاء: ٥٩) مَعْنَاهُ: إِذْ كُنْتُم.
قَالَ: و (أَن) بِفَتْح الْألف وتَخفيف النُّون، قد تكون فِي مَوضِع (إِذْ) أَيْضا.
و (إِن) بَخْفض الْألف تكون مَوضِع (إِذا) ، من ذَلِك قولُه تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُو ﷺ
١٧٦٤ - اْءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ﴾ (التَّوْبَة: ٢٣) .
من خَفضها جعلهَا فِي مَوضِع (إِذا) .
ومَن فتحهَا جعلهَا فِي مَوضِع (إِذْ) .
ثَعْلَب، عَن ابْن الأعرابيّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْيُسْرَى فَذَكِّرْ إِن﴾ (الْأَعْلَى: ٩) .
قَالَ: (إِن) فِي معنى (قد) .
وَقَالَ أَبُو العبّاس، العربُ تَقول: إِن قَامَ زيد، بِمَعْنى قد قَامَ زيد.
وَقَالَ الْكسَائي: سمعتُهم يَقُولُونَهُ فظننته شرطا، فسألتهم فَقَالُوا: نُرِيد: قد قَامَ زيد، وَلَا نُرِيد: مَا قَامَ زيد.
وَقَالَ الْفراء: (إِن) الْخَفِيفَة أُمّ الْجَزاء، وَالْعرب تُجازي بحروف الِاسْتِفْهَام كُلّها وتجزم الْفِعْلَيْنِ: الشَّرْط وَالْجَزَاء، إِلَّا (الْألف) و (هَل) ، فَإِنَّهُمَا يَرفعان مَا يليهما.
стр. 4604
وَسُئِلَ ثَعلب: إِذا قَالَ الرّجل لامْرَأَته: إِن دخلت الدَّار، إِن كلمت أَخَاك، فَأَنت طَالِق، مَتى تَطْلُق؟ فَقَالَ: إِذا فعلتهما جَمِيعًا. قيل لَهُ: لِم؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قد جَاءَ بشَرطين. قيل لَهُ: فَإِن قَالَ لَهَا: أَنْت طَالِق إِن احمرّ البُسْر. فَقَالَ: هَذِه مسألةُ محَال، لأنّ البُسر لَا بُدّ من أَن يَحمرّ. قيل لَهُ: فَإِن قَالَ: أَنْت طَالِق إِذا احْمَرّ البُسر. قَالَ: هَذَا شَرط صَحِيح، تطلُق إِذا احمرّ البُسر.
وَقَالَ الشَّافِعِي: فِيمَا أثْبت لنا عَنهُ: إنْ قَالَ الرَّجُل لامْرَأَته: أنتِ طَالِق إِن لم أُطلِّقك، لم يَحْنث حَتَّى يُعلم أنّه لَا يُطلِّقها بِمَوْتِهِ أَو بموتها.
وَهُوَ قَول الكوفيّين.
وَلَو قَالَ: إِذا لم أطلّقك، وَمَتى مَا لم أُطلّقك، فَأَنت طَالِق، فَسكت مُدّة يُمكنهُ فِيهَا الطَّلَاق، طُلّقت.
أَنا: للْعَرَب فِي (أَنا) لُغات، وأجودها: أنّك إِذا وَقَفْت عَلَيْهَا قُلت: أنَا، بِوَزْن (عَنَا) .
وَإِذا مَضَيت عَلَيْهَا قلت: أَنَ فَعَلْت ذَاك، بِوَزْن: عَنَ فَعَلْت ذَاك.
تُحرِّك النُّون فِي الوَصل وَهِي سَاكِنة من مثله فِي الْأَسْمَاء غير المتمكِّنة، مثل: (من) و (كم) إِذا تَحرّك مَا قبلهَا.
وَمن الْعَرَب من يَقُول: أَنا فعلت ذَاك، فَيثبت الْألف فِي الْوَصْل وَلَا يُنوّن.
وَمِنْهُم من يسكّن النُّون، وَهِي قَليلَة، فَيَقُول: أنْ قُلت ذَاك.
وقُضاعة تَمُدّ الْألف الأُولى: آنَ قُلته؛ قَالَ عَدِيّ:
يَا لَيت شعري آنَ ذُو عَجّةٍ
مَتَى أرى شَرْباً حوالَي أَصِيصْ
وَقَالَ العُدَيل فِيمَن يُثبت الْألف:
أَنا عَدْل الطِّعان لمن بَغَانِي
أَنا العَدْل المُبيِّن فاعْرفونِي
و (أَنا) لَا تَثْنية لَهُ من لَفظه إِلَّا ب (نَحن) ، ويَصلح (نَحن) فِي التّثنية وَالْجمع.
فَإِن قيل: لمَ ثَنَّوا (أَنْت) فَقَالُوا: أَنْتُمَا، وَلم يثنوا (أَنا) .
قيل: لمَا لم تجز: أَنا وَأَنا، لرجُل آخر، لم يُثنّوا.
وَأما (أَنْت) فثنّوه (بأنتما) لِأَنَّك تُجيز أَن تقولَ لرجلٍ: أَنْت وَأَنت، لآخر مَعَه، فَلذَلِك ثُنِّي.
وَأما (إنّي) فتثنية (إِنَّا) ، وَكَانَ فِي الأَصْل: إنّنا، فكثرت النونات، فحذفت إِحْدَاهَا، وَقيل: إنّا.
وَقَوله : ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّآ﴾ (سبأ: ٢٤) . الْمَعْنى: إنّنا وَإِنَّكُمْ، فعطف (إيَّاكُمْ) على الِاسْم فِي قَوْله (إنّا) على النُّون وَالْألف، كَمَا تَقول: إِنِّي وإيّاك. مَعْنَاهُ: إنّي وإنّك، فافهمه؛ وَقَالَ:
стр. 4605
إنّا اقْتَسمنا خُطّتَيْنا بعدكم
فحملتُ بَرّة واحْتملت فجارِ
(إِنَّا) تَثْنِيَة (إِنِّي) فِي الْبَيْت.
نِينَوَى: اسْم قَرْيَة مَعْروفة تُتاخم كَرْبلاء.
وين: الوَيْنة: العِنَبة السَّوداء. وَجمعه: الوَيْن؛ وأَنْشد:
كَأَنَّهُ الوَيْن إِذْ يُجْنى الوَيْن
يَصف شَعْر امرأَة.
يين: قَالَ أَبُو عَمْرو: يَيَن: اسْم مَوضع.
النُّون: اللَّيْث: النُّون حرف فِيهِ نونان بَينهمَا وَاو، وَهِي مدّة.
وَلَو قيل فِي الشّعْر: نن، كَانَ صَوَابا.
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو (نون) جزما.
وَقَرَأَ أَبُو إِسْحَاق (نون) : جرًّا.
وَقَالَ الفَراء ﴿ن والقلم﴾ (الْقَلَم: ١) : لَك أَن تُدْغَم النُّون الْأَخِيرَة وتُظهرها، وإظهارها أعجب إليّ. لِأَنَّهَا هجاء، والهجاء كالموقوف عَلَيْهِ، وَإِن اتَّصل.
وَمن أخفاها بناها على الآتصال.
وَقد قَرَأَ القُرّاء بالوَجهْين جَمِيعًا.
وَكَانَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة يُبِينانها، وَبَعْضهمْ يتْرك الْبَيَان.
وَقَالَ النحويون: (النّون) تزاد فِي الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال.
أما فِي الْأَسْمَاء فَإِنَّهَا تزاد أَولا فِي: تفعل، إِذا سُمِّي بِهِ.
وتُزاد ثَانِيَة فِي: جُنْدب، وجَنْدل.
وتُزاد ثَالِثَة فِي: حَبَنطى، وسَرَندى، وَمَا أشْبهه.
وتُزاد رَابِعَة فِي: خَلْبن، وضَيْفن، وعَلْجن، ورَعْشن.
وتُزاد خَامِسَة فِي: مثل: عُثْمَان، وسُلطان.
وتُزاد سادسة فِي: زعفران، وكَيْذُبان.
وتُزاد سابعة فِي مثل: عُبَيْثران.
وتُزاد عَلامَة للصَّرف فِي كل اسْم منصرف.
وتُزاد فِي الْأَفْعَال ثَقيلَة وخَفِيفة.
وتُزاد فِي التّثنية وَالْجمع، وَفِي الْأَمر فِي جمَاعَة النِّساء.
حَدثنَا عبد الله، عَن حَمْزَة، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر والثَّوري، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي ظَبيان، أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أول مَا خَلق الله خَلق الْقَلَم فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: إِي رَبّ، وَمَا أكتب؟ فَقَالَ: الْقدر. قَالَ: فَكتب فِي ذَلِك الْيَوْم مَا هُوَ كَائِن إِلَى قيام السَّاعَة. ثمَّ خلق النُّون، ثمَّ بسط الأَرْض عَلَيْهَا فاضطربَ النُّون فمادت الأَرْض، فخلق الله الجِبال فأثْبتها بهَا. ثمَّ قَرَأَ ابْن عبّاس: ﴿ن والقلم وَمَا يسطرون﴾ (الْقَلَم: ١) .
стр. 4606
وبالإسْناد عَن الحَسن وقَتادة فِي قَوْله: ﴿﴾ (الْقَلَم: ١) قَالَا: الدَّواة والقَلم. وَمَا يَسْطُرون: مَا يَكْتبون.
قَالَ أَبُو تُراب: وأَنْشدني جماعةٌ من فُصحاء قيس وأَهل الصِّدْق مِنْهُم:
حاملةٌ دَلوك لَا مَحمولَهْ
مَلأى من المَاء كعَين النُّونَهْ
فَقلت لَهُم: رَوَاهَا الْأَصْمَعِي (كعين الموله) فَلم يَعْرفوها، وَقَالُوا: النونة: السّمكة.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: المُوله: العَنْكبوت.
стр. 4607
حرف الْفَاء
قَالَ ابْن المُظَفّر: قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: ذهبت العربيّة مَعَ الْحُرُوف الَّتِي مرت فَلم يَبْق للفاء إِلَّا اللّفيف وأحرف قَليلَة من المُعتل، وَهِي:
فُمّ، فَأم، فوم، فَمٌ
فمّ: وَمن المضاعف: ثُم وفُمّ، فِي النَّسَق.
يُقال: رَأَيْت عمرا فُمَّ زيدا، وثُمّ زيدا، بِمَعْنى وَاحِد.
وَقَالَ الفَرّاء: فُمّ وثُم، من حُروف النّسَق.
فَأم: أَبُو عُبيد، عَن أبي عَمْرو: الفِئام: وطاءٌ يكون للمَشاجِر.
وَجمعه: فُؤُم، على وزن فُعُم؛ قَالَ لَبِيد:
وأَرْبَد قارسُ الهَيْجَا إِذا مَا
تَقعَّرت المَشاجِرُ بالفِئَامِ
وَقَالَ غَيره: هَوْدجٌ مُفَأَّم، وُطِّىء بالفِئَام؛ وَأنْشد قولَ زُهَير:
على كُلِّ قَيْنيّ قَشِيب مُفَأَّمِ
وَرَوَاهُ غيرُه: قشيب مُفْأَّم.
والتَّفْئيم: تَوسيع الدَّلْو.
يُقال: أفأمت الدَّلْو، وأَفْعمته، إِذا مَلأْتَه.
ومَزَادةٌ مُفَأَّمة، إِذا وُسِّعت بِجلْد ثَالِث.
الحرّاني، عَن ابْن السِّكيت: عِنْد فلَان فِئامٌ من النَّاس، والعامة تَقول: فِيام، وهم الْجَمَاعَة؛ وَأنْشد غَيره:
فِئَامٌ يَنْهضُون إِلَى فِئَام
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: فأَمْت وصأمْت، إِذا رَوِيتَ من المَاء.
وروى ابْن الْفرج لِابْنِ الأعرابيّ فِي بَاب الصَّاد وَالْفَاء: فَئِبْت وصَئِبْت، إِذا رويتَ من المَاء.
قَالَ أَبُو عَمْرو: التفاؤم: أَن تملأ الْمَاشِيَة أَفواهَها من العُشب؛ وَأنْشد:
ظلَّت برَمْلٍ عالجٍ تَسَنَّمُهْ
فِي صِلِّيانٍ ونَصِيَ تَفْأمُهْ
وَقَالَ أَبُو تُرَاب: سمعتُ أَبَا السَّميدع يَقُول: فئِمت فِي الشَّراب وصَئِمت، إِذَا كَرعت فِيهِ نَفَساً.
قلت: وكأنّه من: فأمت الْإِنَاء، إِذا أَفْعمته ومَلأته.
стр. 4608
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: فَئِب وصَئِب، إِذا رَوِي من المَاء.
قلت: وَهِي كُلها لُغَات، الْقَاف وَالْفَاء وَالْمِيم.
فام: ابْن شُميل، يُقال: قَطعوا الشَّاة فُوماً فُوماً، أَي قِطَعاً قِطَعاً.
اللَّيْث: الفامِيّ: السُّكرىّ.
قلت: مَا أرَاهُ عَربيّاً مَحْضاً.
وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا﴾ (الْبَقَرَة: ٦١) .
قَالَ: الفُوم، فِيمَا يذكرُونَ: لغةٌ قديمَة، وَهِي الحِنْطة والخُبز، جَمِيعًا قد ذُكِرَا.
قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: سمعتُ الْعَرَب من أهل هَذِه اللُّغة يَقُولُونَ: فَوِّموا لنا، بالتَّشديد، يُريدون: اخْتبزوا لنا.
قَالَ: وَهِي فِي قِرَاءَة عبد الله (وثُومها) بالثاء.
وَكَأَنَّهُ أشبه الْمَعْنيين بالصّواب، لِأَنَّهُ مَعَ مَا يُشاكله من العَدس والبَصل.
وَالْعرب تُبدل الْفَاء ثاء فَيَقُولُونَ: جَدَف وجدث، للقَبْر؛ وَوَقع فِي عافور شّر، وعاثور شّر.
وَقَالَ الزجّاج: الفوم: الحِنْطة.
وَيُقَال: الحُبوب.
لَا اخْتِلَاف بَين أهل اللُّغة أنّ (الفوم) : الحِنطة، وَسَائِر الحُبوب الَّتِي تُختبز يَلْحقها اسمُ الفُوم.
قَالَ: وَمن قَالَ (الفوم) هَاهُنَا: الثُّوم، فَإِن هَذَا لَا يُعرف. ومُحال أَن يَطلب القومُ طَعَاما لَا بُرّ فِيهِ، وَهُوَ أَصْل الْغذَاء. وَهَذَا يَقطع هَذَا القَوْل.
وَقَالَ اللِّحياني: هُوَ الثُّوم والفُوم، للحِنْطة.
قلت: إِن كَانَ قَرَأَ ابْن مَسْعُود بالثاء فَمَعْنَاه: الفُوم، وَهُوَ الحِنْطة.
فَم: ابْن السّكيت: قَالَ الفرّاء: يُقال: هَذَا فمٌ، مَفْتُوح الْفَاء مخفف الْمِيم.
وَكَذَلِكَ فِي النَّصب والخَفض: رَأَيْت فَمَا، ومررت بِفَمٍ.
وَمِنْهُم من يَقُول: هَذَا فُمٌ، ومررت بفُم، وَرَأَيْت فُماً.
فيَضم الْفَاء فِي كل حَال، كَمَا يَفتحها فِي كل حَال.
وأمَّا تَشديد الْمِيم فَإِنَّهُ يَجوز فِي الشّعْر؛ كَمَا قَالَ:
يَا ليتها قد خَرَجت من فُمّه
وَلَو قَالَ: من فَمِّه، لجَاز.
قَالَ: وأمّا: فُو، وَفِي، وفا، فَإِنَّمَا يُقَال فِي الْإِضَافَة، إِلَّا أَن العجّاج قَالَ:
стр. 4609
خالط من سَلْمى خياشِيم وفا
قَالَ: وَرُبمَا قَالُوا ذَلِك فِي غير الْإِضَافَة، وَهُوَ قَلِيل.
اللَّيْث: أمّا: فو، وفا، وَفِي، فَإِن أصل بنائها (الفَوْه) حذفت الْهَاء من آخرهَا. وحُملت الْوَاو على الرّفْع والنَّصب والجرّ، فاجترت الْوَاو صُروفَ النَّحْو إِلَى نَفسهَا، فَصَارَت كَأَنَّهَا مدّة تَتبع الْفَاء.
وَإِنَّمَا يستحسنون هَذَا اللَّفْظ فِي الْإِضَافَة، أما إِذا لم تُضف فَإِن الْمِيم تُجعل عماداً للفاء، لِأَن الْيَاء وَالْوَاو وَالْألف يَسْقطن مَعَ التَّنوين، فكرهوا أَن يكون اسْم بِحرف مغلق، فعمِّدت الْفَاء بِالْمِيم، إِلَّا أَن الشَّاعِر قد يَضطر إِلَى إِفْرَاد ذَلِك بِلَا مِيم، فَيجوز فِي القافية؛ كَقَوْلِه:
خالط مِن سَلْمى خياشيمَ وفا
قلت: وممّا يَدُلّ على أَن الأَصْل فِي: فَم، وفو، وفا، وَفِي، (هَاء) حُذفت من آخرهَا: قولُهم للرّجُل الْكثير الْأكل: فَيِّهٌ، وَامْرَأَة فَيِّهةٌ.
ابْن السِّكيت: رَجُلٌ أَفْوه: عَظِيم الفَم طَوِيل الأسْنان.
وَكَذَلِكَ: مَحالَة فوهاء، إِذا طَالَتْ أسنانها الَّتِي يَجري الرِّشاء فِيهَا.
ورَجُلٌ مُفَوَّه، وفَيِّهٌ: حَسن الْكَلَام.
سلَمة، عَن الفَرّاء: أَلْقَيت على الْأَدِيم دَبْغةً، والدَّبْغة: أَن تُلْقِي عَلَيْهِ فَمَا مِن دباغ خَفِيفة، أَي: فَماً من دِبَاغ، أَي نَفْساً.
ودَبَغْتُه نَفْساً، ويُجمع: أنْفُساً، كأنْفُس النّاس، وَهِي المرّة.
أَخْبرنِي المُنْذري، عَن ثَعلب عَنهُ، قَالَ أَبُو زُبيد يصف شِبْلين:
ثمَّ اسْتفاها فَلم يَقْطع رَضَاعَهما
عَن التَّصَبُّب لَا شَعْبٌ وَلَا قَدْعُ
اسْتَفاها: اشتدّ أكلُها. والتَّصَبُّب: اكتساء اللَّحم للسِّمن بعد العِظام، والتَّحلُّم، مثله. والقَدْع: أَن تُدفَع عَن الْأَمر تُريده؛ يُقَال: قَدَعته فقُدع قَدْعاً.
ورَجُلٌ فَيّه: جَيِّد الْأكل. وَقد اسْتفاه. وَهِي مُسْتَفِيه.
قَالَ أَبُو عُبيد: قَالَ أَبُو زيد: من أمثالهم فِي الدُّعاء على الرَّجُل قولُهم: فاهَا لفيك؛ تُرِيدُ: فَا الدّاهية.
قَالَ: ومَعناه: الخَيبةُ لَك.
قَالَ أَبُو عُبيد: وَأَصله أَنه يُريد: جَعل الله بفيك الأرضَ.
وكما يُقَال: بفيك الأَرْض، يُقال: بفيك الأثلب والحَجر؛ وأَنْشد:
فَقلت لَهَا فاها لفيك فَإِنَّهَا
قلُوص امرىء قارِيك مَا أَنت حاذِرُهْ
وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: فاهَا لفيك، غير مُنوّن، إِنَّمَا يُرِيدُونَ: الدَّاهية، وَصَارَ بَدَلا من اللفّظ، بقوله: دَهاك الله، يدلّك على ذَلِك قَوْله:
стр. 4610
وداهية مِن دَواهي المَنو
ن يَرْهَبها الناسُ لَا فَالها
فَجعل للدّاهية: فَمَا.
وَقَالَ آخر:
لَئِن مالكٌ أَمْسى ذليلاً لطالما
سَعَى للَّتِي لَا فَالها غَيْر آئِبِ
أَرَادَ: لَا فَم لَهَا، أَي: للداهية.
وأنْشد شَمر للكُميت:
وَلَا أَقُول لذِي قُربَى وآصِرة
فاهَا لفِيك على حالٍ من العَطَبِ
وَقَالَ شَمر: قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: فاهاً بفيك، منوّنة، أَي: ألصق الله فَاك بِالْأَرْضِ.
قلت: وَقد مَرّ الْحَرْف مشبعاً فِي كتاب الْهَاء.
بَاب حُرُوف اللفيف من الْفَاء
فَاء فأى فأفأ فيف فوف فو فِي وفا آف أفّ.
فَاء: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٦) .
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿شَىْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ﴾ (النَّحْل: ٤٨) .
وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قَدِيرٌ مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الَاْغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآءَاتَاكُمُ﴾ (الْحَشْر: ٧) .
(فالفيء) فِي كتاب الله تَعَالَى على ثَلَاثَة معَان، مَرجعها إِلَى أصل وَاحِد، وَهُوَ الرُّجوع.
قَالَ تقدّس ذِكره فِي المُولين من نِسَائِهِم، ﴿فَإِن فَآءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وَذَلِكَ أَن الْمولي حَلف ألَا يطأَ امرأتَه، فَجعل الله لَهُ مُدّة أَرْبَعَة أشهر بعد إيلائه، فَإِن جَامعهَا هِيَ فِي الْأَرْبَعَة الْأَشْهر فقد فَاء، أَي: رَجَعَ عمّا حَلف عَلَيْهِ مِن ألاّ يُجامعها إِلَى جِماعها، وَعَلِيهِ لِحْنثه كفّارةُ يَمين، وَإِن لم يُجامعها حَتَّى تَنقضي أَرْبَعَة أشهر من يَوْم آلَى، فَإِن ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة أوقعوا عَلَيْهَا تطْليقةً، وجَعلوا عَزِيمَة الطَّلَاق انْقِضَاء أَرْبَعَة أشهر. وَخَالفهُم الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَغَيرهم من أهل العِلم، وَقَالُوا: إِذا آنقضت أَربعة أشهر وَلم يُجامعها وُقِّفَ المُولي، فإمّا أَن يَفيء، أَي يُجَامِعهَا ويكفِّر، وَإِمَّا أَن يُطلِّق.
فَهَذَا هُوَ الْفَيْء من الْإِيلَاء، وَهُوَ الرُّجوع إِلَى مَا حَلف عَلَيْهِ أَلا يَفعله.
وَأما قَول الله تَعَالَى: ﴿شَىْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ﴾ (النَّحْل: ٤٨) فإِنْ التَّفيّؤ، تفَاعل من (الْفَيْء) ، وَهُوَ الظل بالعشيّ.
وتَفّيؤ الظلال: رُجوعها بعد انتصاف النّهار، وانتعال الْأَشْيَاء ظِلالَها.
стр. 4611
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ، عَن أبي طَالب النَّحْوِيّ، أَنه قَالَ: التفيَّؤ لَا يكون إلاّ بالْعَشي، والظّل بِالْغَدَاةِ، وَهُوَ مَا لم تَنَلْه الشَّمْس.
والفيء بالعَشي: مَا انصرفت عَنهُ الشَّمس.
قَالَ: وَقد بَيَّنه الشَّاعِر فَقَالَ:
فَلَا الظِّلّ مِن بَرْد الضُّحَى تَسْتَطيعه
وَلَا الفَيء مِن بَرْد العَشِيّ تَذوقُ
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن الْحَرَّانِي، عَن ابْن السّكيت نحوَه.
قَالَ: وَجمع (الْفَيْء) : أفياء، وفُيوء؛ وَأنْشد:
لعمري لأَنْت الْبَيْت أُكْرِم أَهْلَه
وأقْعُد فِي أَفْيائه بالأَصائِلِ
قَالَ: والظل: مَا نَسخَتْه الشَّمْس.
والفيء: مَا نَسخ الشمسَ.
ابْن الْأَعرَابِي عَن المفضّل، يُقَال للقِطْعة من الطَّير: فَيْءٌ، وعَرِقة، وصَفّ.
وَأما قَول الله تَعَالَى: ﴿قَدِيرٌ مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الَاْغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآءَاتَاكُمُ﴾ (الْحَشْر: ٧) .
فَإِن (الْفَيْء) : مَا ردّ الله تَعَالَى على أَهل دِينه من أَموال مَن خَالف أَهل دينه بِلَا قِتال، إمّا بِأَن يُجْلَوا عَن أوطانهم ويُخَلّوها للمُسلمين، أَو يُصالحوا على جِزية يُؤَدّونها عَن رُؤوسهم، أَو مالٍ غير الْجِزْيَة يَفْتدون بِهِ من سَفك دِمَائِهِمْ.
فَهَذَا المَال، هُوَ (الْفَيْء) فِي كتاب الله.
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿الْفَاسِقِينَ وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (الْحَشْر: ٦) أَي: لم تُوجفوا عَلَيْهِ خيلاً وَلَا ركاباً.
نزلت فِي أَمْوَال بَني النّضير حِين نَقضوا العَهد وجَلَوْا عَن أوطانهم إِلَى الشَّام، فقسم رَسُول الله ﷺ أَمْوَالهم من النخيل وَغَيرهَا فِي الوُجوه الَّتِي أرَاهُ الله أَن يَقْسمها فِيهَا.
وقِسمة الْفَيْء غيرُ قِسمة الغَنيمة، الَّتِي أوْجف الله عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ والرِّكاب.
وَقد بَيّنت جماع ذَلِك فِيمَا مَرّ من الْكتاب.
وأصل (الْفَيْء) : الرُّجُوع، كَمَا أعلمتك، سُمّي هَذَا المَال: فَيْئا، لِأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الْمُسلمين من أَمْوَال الكُفّار عَفْواً بِلَا قتال.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي قِتال أهل البَغي ﴿تَبْغِى حَتَّى تَفِى ﷺ
١٧٦٤ - ءَ إِلَى أَمْرِ﴾ (الحجرات: ٩) أَي: تَرجع إِلَى الطَّاعَة.
وَيُقَال لنَوى التَّمر، إِذا كَانَ صُلْباً: ذُو فَيْئة، وَذَلِكَ أَنه تُعْلَفه الدّوابّ فتأكله، ثمَّ يَخرج من بُطونها كَمَا كَانَ نَدِيًّا؛ وَقَالَ عَلْقَمَة بن عَبدة يَصف فرسا:
سُلَاّءة كعَصا النَّهديّ غُلّ لَهَا
стр. 4612
ذُو فَيْئَة من نَوى قُرّان مَعْجُومُ
ويفسّر قَوْله: (غُلّ لَهَا ذُو فَيْئة) تفسيرَيْن:
أَحدهمَا: أَنه أَدخل جَوْفَها نَوى من نَوى نَخِيل قُرّان حَتَّى اشتدَ لَحْمُها.
وَالثَّانِي: أَنه خُلِق لَهَا فِي بَطن حوافرها نُسورٌ صِلابٌ كأنّها نوى قُرّان.
وَيُقَال: تفيأَت المرأةُ لزَوجهَا، إِذا تكسّرت لَهُ تدلُّلاً؛ وَمِنْه قَول الراجز:
تَفّيأَت ذَات الدَّلال والخَفْر
لعابسٍ جافي الدَّلالَ مُقْشَعِرّ
قَالَ النَّضر: الأَفَى: القِطَع من الْغَيْم، وَهِي الفِرَق يَجِئْن قِطَعاً كَمَا هِيَ.
قلت: الْوَاحِدَة: أَفَاة.
وَيُقَال: هَفاة، أَيْضا.
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: أفأتُ فلَانا على الأَمْر، إفاءةً، إِذا أَرَادَ أمرا فَعدلْتَه إِلَى أَمر غَيره.
وَقَالَ اللَّيْث: المَفْيؤة، وَهِي المَقْنؤة، من الْفَيْء.
وَقَالَ غَيره: يُقَال: مَقْنأة، ومقْنُؤة، للمكان الَّذِي لَا تَطْلُع عَلَيْهِ الشَّمس.
وَلم أَسمع (مفيؤة) بِالْفَاءِ، لغير اللَّيْث، وَهُوَ يُشبه الصَّواب.
أَبُو زيد: يُقَال: فِئت إِلَى الْأَمر فَيْئاً، إِذا رَجَعت إِلَيْهِ.
وأفأت على الْقَوْم فَيْئا، إِذا أخذت لَهُم سَلَب قوم آخَرين فجِئْتهم بِهِ.
وأفأت عَلَيْهِم فَيْئا، إِذا أخذت لَهُم فَيْئا أُخذ مِنْهُم.
وَقَالَ النَّضر: يُقال لِلْحَديدة إِذا كَلّت بعد حِدّتها: قد فاءَتْ.
فأى: أَبُو زيد: فَأَوْت رأسَ الرَّجُل، إِذا فَلَقتَه بالسَّيف.
وَكَذَلِكَ: فَأَيْته.
وَقَالَ أَبُو عُبيد: الفَأْوُ: مَا بَين الجَبَلْين؛ قَالَ ذُو الرُّمّة:
حَتَّى انْفأَى الفَأْوُ عَن أَعْناقها سَحَرا
قَوْله: انْفأَى، أَي: انْكَشَفَ. والفَأو، فِي بَيت ذِي الرُّمة: طَرِيق بَين قارَتين بِنَاحِيَة الدَّوّ بَينهمَا فَجٌّ واسِعٌ، يُقَال لَهُ: فأو الرَّيّان؛ وَقد مَرَرْتُ بِهِ.
والفِئة، بِوَزْن (فِعَة) : الفِرْقة من النّاس.
مَأْخُوذَة من: فأيت رَأسه، أَي: شَققته.
وَكَانَت فِي الأَصْل فِئْوة، بِوَزْن (فِعْلة) فنُقص.
وَجمع (الفئة) : فِئُون، وفِئَات.
اللَّيْث: يُقال فأوت رَأسه، وفأَيْته، وَهُوَ ضَرْبك قِحْفَه حتّى يَنْفرج عَن الدِّماغ.
والانْفِياء: الانفْراج.
стр. 4613
قَالَ: وَمِنْه اشتُق اسْم (الفِئة) ، وهم طَائِفَة من النَّاس.
فأفأ: اللَّيْث: الفَأْفأة، فِي الْكَلَام كأنّ الْفَاء تَغْلب على اللِّسان.
تَقول: فَأْفأ فلانٌ فِي كَلَامه، فَأْفأةً.
ورَجُلٌ فَأْفاء، وَامْرَأَة فَأفاءة.
وَقَالَ المبرّد: الفَأْفأة: التَّرْديد فِي (الْفَاء) .
اللّحيانيّ، يُقال: رَجُلٌ فأْفأ وفَأْفَاء، يُمدّ ويُقْصر.
فيف: اللَّيْث: الفَيْف: المَفازة الَّتِي لَا مَاء فِيهَا، مَعَ الاسْتواء والسَّعة.
وَإِذا أُنِّثت، فَهِيَ: الفَيْفاء.
وَجَمعهَا: الفَيافي.
وَجمع (الفيف) : فُيوف، وأَفْياف.
قلت: وبالدَّهناء مَوضعٌ يُقَال لَهُ: فَيْف الرِّيح.
قَالَ شَمر: وَقَالَ المؤرِّج: الفَيْف من الأَرْض: مُختلَف الرِّياح؛ وأَنشد لِعَمْرو ابْن مَعْد يكرب:
أَخْبر المُخْبِرُ عَنْكُم أنّكم
يومَ فَيْف الرِّيح أُبْتُمْ بالفَلَج
ويُقال: فيف الرّيح: موضعٌ مَعْرُوف؛ قَالَ ذُو الرّمة:
والرَّكْب يعْلُو بهم صُهْبٌ يَمانِيةٌ
فَيْفاً عَلَيْهِ لِذيل الرِّيح نِمْنِيمُ
وَقَالَ غَيره: الفيفاء: الصَّحرَاء المَلْساء؛ وَجَمعهَا: الفَيافي.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: كُلّ طَرِيق بَين جَبَلين: فَيْفٌ؛ وأَنْشد:
مَهِيلُ أَفْيافٍ لَهَا فُيوف
وَقَالَ ذُو الرُّمّة:
ومُغْبَرّة الأَفياف مَسْحولة الحَصَا
دَيامِيمها مَوْصُولة بالصَّفاصِفِ
وَقَالَ أَبُو خَيْرة: الفَيْفاء: البعيدةُ من المَاء.
وَقَالَ شمر: والقَول فِي (الفَيْف) (والفيفاء) مَا ذكره المُؤرّج من مُخْتَلف الرِّياح.
فوف: اللَّيْث: الأفواف: ضربٌ من عُصْب البُرود.
يُقال: بُرْدٌ أفواف، وبُرْد مُفَوّف.
قَالَ: والفَوْف، مصدر: الفُوفة.
يُقَال: مَا فافَ عنِّي بخَيْرٍ وَلَا زَنْجَر.
وَذَلِكَ أَن تسْأَل رجلا فَيَقُول بظُفر إبهامه على ظُفر سبّابته: وَلَا مثل ذَا.
وَالِاسْم مِنْهُ: الفُوفة.
وأمّا (الزَّنجرة) فَمَا يأخُذ بَطْنُ الظُّفر من طرف الثَّنية إِذا أخذْتها بِهِ.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: الفُوفة: القِشْرة الرَّقيقة تكون على النَّواة.
قَالَ: وَهِي القِطْمير أَيْضا.
قَالَ: والفُوف ثيابٌ رِقاقٌ من ثِياب اليَمن
стр. 4614
مُوشّاة.
ونحوَ ذَلِك حكى شَمِرٌ عَنهُ.
وَعَن أبي حَاتِم: الفُوف، بِضَم الْفَاء، وبُرد مُفَوَّف.
قلت: وروى أصحابُ أبي عُبيد عَنهُ، عَن الْفراء: الفُوف: البَياض الَّذِي يكون فِي أظفار الأَحْداث.
وَمِنْه قيل: بُرْدٌ مُفَوَّف.
وَقَالَ شَمر: هُوَ الفُوف، بالضّم.
قَالَ: وَسَأَلت ابْن الْأَعرَابِي عَن (الفُوف) فَلم يعرفهُ؛ وأَنشد:
وَأَنت لَا تُغْنين عني فُوفَا
فو: اللَّيْث: الفُوَّة: عُروق تُسْتَخرج من الأَرْض تُصْبغ بهَا الثِّيَاب.
يُقَال لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ: رُوبِين.
ولفظها على تَقْدِير: خُوّة، وقُوّة.
وَلَو وَصفت بهَا أَرضًا لَا يُزرع فِيهَا غيرُه، قلت: أرضٌ مَفْواة، من المَفَاوِي.
وثَوْبٌ مُفَوَّى، لِأَن الْهَاء الَّتِي فِي (الفُوَّة) لَيست بأصليّة، بل هِيَ هَاء التَّأْنِيث.
فِي: اللَّيْث: (فِي) حرفٌ من حُروف الصِّفَات.
وَقَالَ غَيره: (فِي) تَأتي بِمَعْنى (وسط) ، وَتَأْتِي بِمَعْنى (دَاخل) ، كَقَوْلِك: عبدُ الله فِي الدَّار، أَي: دَاخل الدَّار، ووَسط الدَّار.
وتجيء (فِي) بِمَعْنى، على، قَالَ الله جلّ وعزّ ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (طه: ٧١) .
الْمَعْنى: على جُذوع النّخل.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿طِبَاقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ (نوح: ١٦) ، أَي: مَعَهُنَّ.
وَقَالَ ابْن السِّكيت: جَاءَت (فِي) بِمَعْنى: (مَعَ) ؛ قَالَ الجَعْديّ:
ولَوْحُ ذراعَيْن فِي بِرْكةٍ
إِلَى جُؤْجُؤٍ رَهِلِ المَنْكِبِ
وَقَالَ أَبُو النَّجْم:
يَدْفع عَنْهَا الجُوعَ كُلَّ مَدْفَع
خَمْسون بُسْطاً فِي خَلايا أَرْبَعِ
أَرَادَ: مَعَ خلايا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَول عَنْترة:
بَطَلٌ كأنّ ثِيابه فِي سَرْحَةٍ
يُحْذَى نِعَالَ السِّبْت لَيْسَ بِتَوْأَمِ
قَالَ: مَعْنَاهُ: كَأَن ثِيَابه على سَرحةٍ.
وَقَالَ الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ﴾ (الشورى: ١١) أَي: يكثركم بِهِ؛ وَأنْشد:
وأَرْغبُ فِيهَا عَن عُبَيدٍ ورَهْطه
وَلَكِن بهَا عَن سِنْبِسٍ لستُ أَرْغَبُ
أَي: أَرغب بهَا.
وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن بُورِكَ مَن فِى النَّارِ
стр. 4615
وَمَنْ﴾ (النَّمْل: ٨) أَي: بُورِكَ مَن على النَّار، وَهُوَ الله جَلّ وعَزّ.
وفا: اللَّيْث: يُقال: وَفَا يَفِي وَفَاءً؛ فَهُوَ وافٍ.
ووَفى رِيشُ الْجنَاح، فَهُوَ وافٍ. وكل شَيْء بَلغ تَمام الْكَمَال، فقد وَفَى وتَمّ.
وَكَذَلِكَ: دِرْهم وافٍ، يَعني: أَنه دِرْهم يَزِن مِثْقالاً. وكَيْلٌ وافٍ.
وَقَالَ شَمر: بَلغنِي عَن ابْن عُيينة، قَالَ: الوافِي: دِرْهمٌ ودانِقَان.
وَقَالَ غَيره: هُوَ الَّذِي وفَى مِثْقالاً.
ورَجُلٌ وَفِيٌّ: ذُو وَفاء.
قَالَ أَبُو بكر: قَوْلهم: لَزِم الوَفاء: معنى (الْوَفَاء) فِي اللُّغَة: الخُلق الشَّريف العالي الرَّفيع من قَوْلهم: وَفى الشَّعَرُ فَهُوَ وافٍ، إِذا زَاد.
قَالَ ذَلِك أَبُو العبّاس.
قَالَ: وَوَفَيْت لَهُ بالعهد أَفِي، ووافَيْت أُوافِي.
وارْضَ من الْوَفَاء باللَّفاء، أَي: بِدُونِ الْحق؛ وأَنْشد:
وَلَا حَظِّي اللَّفاء وَلَا الخَسِيس
والمُوافاة: أَن تُوافي إنْساناً فِي المِيعاد.
تَقول: وافَيْتُه.
ويُقال: أَوْفيته حَقَّه، ووفَّيته أَجْره.
وأوْفَيْت على شَرف مِن الأَرْض، إِذا أشْرَفْت عَلَيْهِ. فَأَنا مُوفٍ.
والميفاة: الْموضع الَّذِي يُوفِي فَوْقه الْبَازِي، لإيناس الطَّير أَو غَيره.
وَإنَّهُ لَمِيفاء على الْأَشْرَاف، إِذا لم يَزل يُوفي على شرف؛ قَالَ رُؤبة:
أبلغ مِيفاء رُؤس فوره
والوفاة: المَنِيّة. وتُوفي فلَان. وتوفّاه الله، إِذا قَبض نَفْسه.
وَقَالَ غَيره: تَوَفِّي الْمَيِّت، بِمَعْنى: اسْتيفاء مُدَّته الَّتِي كُتبت من عَدد أَيّامه وشُهُوره وأعوامه فِي الدّنيا.
ويُقال: تَوَفَّيْت المالَ مِنْهُ، واسْتوْفيته، إِذا أَخَذته كُلّه.
وتَوفَّيْت عَدد الْقَوْم، إِذا عَدَدْتَهم كلهم؛ وأَنْشد أَبُو عُبيدة لِمَنظور الوَبْريّ:
إنّ بني الأَدْرم لَيسوا من أَحد
وَلَا تَوفّاهم قُريْشٌ فِي العَدَدْ
أَي: لَا تجعلهم قريشٌ تَمام عَددهمْ، وَلَا تستوفي بهم عَدَدَهم.
وَمن هَذَا قولُ الله جلّ وعزّ: ﴿بِوَكِيلٍ اللَّهُ يَتَوَفَّى الَاْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى﴾ (الزمر: ٤٢) أَي: يَسْتَوْفِي مُدد آجالهم فِي الدُّنْيا.
وَقيل: يَستوفي تمامَ عَدَدِهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
وأمّا تَوَفِّي النَّائِم، فَهُوَ اسْتيفاء وَقت عَقله وتمييزه إِلَى أَن نَام.
стр. 4616
وَقَالَ الزجّاج فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السَّجْدَة: ١١) هُوَ من: تَوْفية العَدَد.
تَأْوِيله: أَن يَقْبض أَرواحكم أَجْمَعِينَ فَلَا ينقُص وَاحِد منْكم.
كَمَا تَقول: قد اسْتوفيت من فلَان، وتوفَّيت مِنْهُ مَا لي عَلَيْهِ. تَأْوِيله: لم يَبْق عَلَيْهِ شَيْء.
أَبُو عُبيد، عَن الْكسَائي وَأبي عُبيدة: وَفَيت بالعهد، وَأَوْفيت بِهِ، سَوَاء.
وَقَالَ شَمر: يُقال: وَفَى، وأَوْفَى.
من قَالَ (وَفَى) فَإِنَّهُ يَقُول: تَمّ، كَقَوْلِك: وَفَى لنا فلانٌ، أَي: تَمّ لنا قولُه وَلم يَغْدر.
ووَفَى هَذَا الطَّعَام قَفِيزاً، أَي: تمّ قَفِيزا؛ وَقَالَ الحُطيئة:
وَفى كَيْل لَا نِيبٍ وَلَا بَكَرات
أَي: تَمَّ.
ثمَّ قَالَ: وَمن قَالَ: (أوفى) فَمَعْنَاه: أوفاني حقَّه، أَي: أتَمَّه وَلم يَنْقُص مِنْهُ شَيْئا.
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم فِيمَا رَدّ على شَمر: الَّذِي قَالَ شَمر فِي (وفى) و (أوفى) باطلٌ لَا معنى لَهُ، إِنَّمَا يُقال: أوفيت بالعهد، ووَفَيت بالعهد.
وكل شَيْء فِي كتاب الله تَعَالَى من هَذَا فَهُوَ بِالْألف؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ (الْمَائِدَة: ١) و ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ﴾ (الْإِسْرَاء: ٣٤) .
ويُقال: وَفى الكيلُ، ووَفَى الشيءُ، أَي: تَمّ.
وأوْفَيته أَنا: أَتْمَمْتُه؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَوْفُواْ الْكَيْلَ﴾ (الشُّعَرَاء: ١٨١) .
قَالَ: ويُرْوى عَن النبيّ ﷺ أَنه قَالَ: (إِنَّكُم وَفَيتم سَبْعين أُمّةً أَنْتُم خَيرها وأَكْرمها على الله) ، أَي تمت العِدّة سَبعين أُمّة بكم.
قَالَ: وَأما قَوْلهم: وفى لي فلانٌ بِمَا ضَمِن لي.
فَهَذَا من بَاب: أوفيت لَهُ بِكَذَا وَكَذَا، ووَفَّيت لَهُ بِكَذَا؛ قَالَ الأَعْشى:
وقبلك مَا أَوْفى الرُّقَادُ بجارَةٍ
وَقَالَ الفَرّاء فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى﴾ (النَّجْم: ٣٧) ، أَي: بلّغ.
يُرِيد: بلّغ أَن لَيْست تَزر وازرةٌ وِزْرَ أُخرى، أَي: لَا تحمل الوازرة ذَنْب غَيرهَا.
وَقَالَ الزّجاج: وفّى إِبْرَاهِيم مَا أُمِر بِهِ، وَمَا امْتحن بِهِ من ذَبح وَلَده، فعزم على ذَلِك حَتَّى فَداه الله بِذبح عَظِيم، وامْتُحن بالصَّبر على عَذاب قَومه، وأُمر بالاختتان فاخْتَتن.
قيل: وَفَّى، وَهِي أبلغ من (وَفى) ، لِأَن الَّذِي امتحن بِهِ من أعظم المِحَن.
стр. 4617
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: الوفي: الَّذِي يَأْخُذ الحقّ ويُعْطي الْحق.
قَالَ: المِيفَى: طَبَق التَّنُّور.
وَقَالَ رَجُلٌ من العَرب لطّباخه: خَلِّب مِيفَاك حَتَّى يَنْضَج الرَّوْدَق.
قَالَ: خَلِّب، أَي: طَبِّق. والرَّوْدَق: الشِّواء.
وَقَالَ أَبُو الخطّاب: الْبَيْت الَّذِي يُطبخ فِيهِ الآجُر يُقَال لَهُ: المِيفَى.
قَالَ ذَلِك ابْن شُمَيل.
وَأما (المُوافاة) الَّتِي يَكتبها كتّاب دواوين الخَراج فِي حِسابهم، فَهِيَ عِنْدِي مَأْخُوذَة من قَوْلك: أَوْفيته حقَّه.
وَقد جَاءَ (فاعلت) بِمَعْنى: أفْعلت، وفَعَّلت، فِي حُرُوف بِمَعْنى وَاحِد.
يُقال: جَارِيَة مُناعمة ومُنعَّمة.
وضاعفت الشَّيْء، وأضعفته، وضَعَّفته، بِمَعْنى.
وتعاهدت الشَّيْء وتعهّدته.
وباعدته، وبَعّدته، وأبْعدته.
وقارَبْت الصبيَّ، وقَرَّبته.
وَهُوَ يُعاطيني الشَّيْء، ويُعْطيني.
قَالَ بِشْر بن أبي خازم:
كَأَن الأتْحميّة قَامَ فِيهَا
لِحُسْن دَلَالها رَشَأٌ مُوافِي
قَالَ الباهليّ: مُوافٍ، مثل (مفاجىء) ؛ وأَنشد:
وكأنما وافاك يَوْم لَقيتَها
مِن وحْش وَجْرة عاقِدٌ مُتَرَبِّب
وَقيل: موافٍ: قد وافى جسمُه جسم أمّه.
صَار مثلَها.
آف: اللَّيْث: الآفة: عَرض مُفْسدٌ لما أَصاب من شَيْء.
وَيُقَال: آفةُ الظَّرف الصَّلَف، وَآفَة العِلْم النِّسْيان.
قَالَ: وَإِذا دَخلت الآفة على قَوم، قيل: قد إفُوا.
ويُقال فِي لُغة: إيفُوا.
ابْن بُزُرْج: إيف الطَّعام، فَهُوَ مَئيف، مثل: مَعيف.
قَالَ: وعِيه، فَهُوَ مَعُوه، ومَعيه، ومَعْهُوه.
قلت: وَقَول اللَّيْث (إفوا) الْألف مُمالة بَينهَا وَبَين الْفَاء سَاكن يُبَيِّنه اللّفظ لَا الخَطّ.
الْكسَائي: طَعام مَؤْوف، أَي: أصابتْه آفَة.
أُفٍّ: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٣) .
أَخْبرنِي المُنذري، عَن أبي طَالب، عَن أَبِيه، عَن الفرّاء، قَالَ: فِي (أفّ) سِتّ لُغات: يُقال: أُفَّ لَك، وأُفًّا لَك؛ وأُفِّ لَك، وأُفَ لَك؛ وأفُّ لَك، وأفٌّ لَك.
وَزَاد غَيره: أفَّة وإفَّة.
стр. 4618
قَالَ الفّراء: وَلَا تقل فِي (أفّة) إِلَّا الرّفع والنَّصب.
قَالَ الفّراء: فَأَما الْقِرَاءَة فقُرىء: أُفِّ، بِالْكَسْرِ بِغَيْر تَنْوِين، وأُفَ، بالتَّنْوين.
فَمن خَفَض ونّون ذَهب إِلَى أَنَّهَا صَوت لم يُعرف مَعْنَاهُ إِلَّا بالنُّطق بِهِ، فَخَفضوه كَمَا تُخفض الْأَصْوَات، ونَوَّنوه كَمَا قَالَت الْعَرَب: سَمِعت طاقٍ طاقٍ، لصوت الضَّرْب؛ وَيَقُولُونَ: سَمِعت تَغٍ تَغٍ، لصوت الضَّحك.
وَالَّذين لم يُنَوِّنوه وخَفَضوا قَالُوا: أُفِّ، على ثَلَاثَة أحرف، وَأكْثر الْأَصْوَات على حرفين، مثل صَهٍ، وتَغٍ، ومَهٍ، فَذَلِك الَّذِي يُخفض وينون، لأنّه متحرك الأول، ولسنا بمُضطرين إِلَى حَرَكَة الثَّانِي من الأدوات وأَشباهها، فخفض بالنُّون.
وشُبهت (أُف) بقَوْلهمْ: مُدّ، ورُدّ، إِذْ كَانَت على ثَلَاثَة أَحْرف.
قَالَ: والعربُ تَقول: جَعل فلانٌ يتأفّف من رِيح وَجَدها.
مَعْنَاهُ: يَقُول أُف أُف.
وحُكي عَن الْعَرَب: لَا تقولنَّ لَهُ أُفًّا وَلَا قُفًّا.
وَقَالَ ابْن الأنباريّ: من قَالَ أُفاً لَك، نَصَبه على مَذْهَب الدُّعاء، كَمَا يُقَال: ويلاً للْكَافِرِينَ.
وَمن قَالَ: أُفٌّ، رَفَعه بِاللَّامِ، كَمَا يُقَال: ويلٌ للْكَافِرِينَ.
وَمن قَالَ: أُفَ لَك، خَفضه على التَّشْبِيه بالأصوات، كَمَا يُقَال: صَهٍ ومَهٍ.
وَمن قَالَ: أُفيِّ لَك، أَضَافَهُ إِلَى نَفْسه.
وَمن قَالَ: أُفْ لَك، شَبّهه بالأدوات، ب (من) ، و (كم) ، و (بل) ، و (هَل) .
وَقَالَ أَبُو طَالب: أُفٌّ لَك وتُفٌّ؛ وأُمَّةٌ وتُفَّةٌ.
وَقَالَ الأصعمي: الأُفّ وسخ الْأذن؛ والتُّفّ: وسخ الأَظْفار.
يُقال ذَلِك عِنْد استقذار الشّيء، ثمَّ كثُر حَتَّى استعملوه فِي كل مَا يتأذّون بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ غَيره: أُف، مَعْنَاهُ: قلّة، وتُف، إتباع، مَأْخُوذ من (الأَفف) ، وَهُوَ الشَّيْء الْقَلِيل.
أَبُو الْهَيْثَم بخطّه لِابْنِ بُزُرْج، يُقَال: كَانَ فلَان أُفوفة، وَهُوَ الَّذِي لَا يَزال يَقُول لبَعض أمره: أُف لَك، فَذَلِك الأُفوفة.
قَالَ القُتيبي، فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ (الْإِسْرَاء: ٢٣) أَي: لَا تَسْتَثْقل شَيْئا من أَمرهمَا وتضيق صَدرا بِهِ، وَلَا تُغلظ لَهما.
قَالَ: وَالنَّاس يَقُولُونَ لما يكْرهُونَ ويَسْتَثقلون: أُفّ لَهُ.
وأصل هَذَا نَفْخك للشَّيْء يَسْقط عَلَيْك من تُرَاب أَو رماد، وللمكان تُريد إمَاطَة
стр. 4619
الأَذى عَنهُ، فقيلت لكل مُسْتَثقل.
وَقَالَ الزجّاج: مَعنى (أفّ) النَّتن.
وَمعنى الْآيَة: لَا تَقُل لَهما مَا فِيهِ أَدنى تَبرُّم إِذا كبرا وأسَنَّا، بل تَولَّ خِدْمتهما.
ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: الأففُ: الضَّجر.
أَبُو عبيد، عَن أبي عَمْرو: اليأفوف، واليَهْفوف: الْحَدِيد القَلب من الرِّجال.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: واليأفوف: العَيِي الخَوّار؛ وأَنْشد لِلرَّاعِي:
مُغَمَّر العَيْش يَأفُوفٌ شَمائِلُه
يأبَى المودّة لَا يُعْطي وَلَا يَصِل
قَوْله: مُغَمَّر العَيش، أَي: لَا يكَاد يُصيب من الْعَيْش إِلَّا قَلِيلا، أُخذ مِن (الْغمر) .
وَقيل: هُوَ المُغفّل عَن كُلِّ عَيْش.
وَيُقَال: جِئْت على إفّان ذَاك، وعَلى تَئِفّة ذَاك، وعَلى أَفَف ذَاك، وعَلى تَئِفَة ذَاك، كل ذَلِك قُيِّدَ.
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: أَتَانِي على إفّان ذَاك، وأفَّان ذَاك، وأَفَف ذَاك، وعِدّان ذَاك، وتَئفّة ذَاك، وتَئِفَته، بِمَعْنى وَاحِد.
(آخر حرف الْفَاء)
стр. 4620
حرف الْبَاء
ابْن المُظفر، قَالَ أَبُو عبد الرحمان: قد مَضت العربيّة مَعَ سَائِر الحُروف، فَلم يبْق للباء مضاعف، وَلَا صَحِيح وَلَا معتل وَلَا رُباعي، وَبَقِي مِنْهُ اللَّفيف وأحرف من المعتل مُعربة، مثل: البوم، ولميبة، وَهِي فارسيّة؛ وبَمَّ العُود، ويَبَنْبَم، مَوضِع.
البوم: قلت: أما (البوم) ، فَهُوَ الذّكر من الْهَام، وَهُوَ عربيّ.
يُقال: بُوم بَوّام باللَّيل، إِذا كَانَ يَصِيح.
يبنبم: وَذكر حُميد بن ثَوْر (يَبَنْبَم) :
إِذا شِئت غَنَّتْني بأجْزاع بِيشةٍ
أَو النّخل مِن تَثْليث أَو من يَبَنْبَمَا
بِمَ: و (بَمّ) : مَدِينَة بكرَمان، ذكرهَا الطِّرمّاح فَقَالَ:
ألَيْلَتنا فِي بَمّ كَرْمان أَصْبِحي
وَأما (بِمَ) العُود، الَّذِي يُضْرب بِهِ، فَهُوَ أحَد أوتاره، وَلَيْسَ بعربيّ.
بَاب اللفيف من حرف الْبَاء
بب بِي بَاء بأى بو بَاب بيا أَب آب ابى واب وبا.
بب: روى زَيد بن أَسلم، عَن أَبِيه، عَن عمر، أَنه قَالَ: لَئِن عِشْت إِلَى قَابل لأُلْحقنّ آخر النّاس بأولهم حَتَّى يَكُونُوا بَبَّاناً وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو عُبيد: قَالَ عبد الرحمان بن مَهْدِيّ: يَعْني: شَيْئا وَاحِدًا.
قَالَ أَبُو عُبيد: وَذَاكَ الَّذِي أَرَادَ. وَلَا أَحسب الْكَلِمَة عربيّة، وَلم أسمعها فِي غير هَذَا الحَدِيث.
وَقَالَ أَبُو سعيد الضَّرير: لَا نَعرِف (بَبّاناً) فِي كَلَام الْعَرَب؛ وَالصَّحِيح عندنَا: بَيَّاناً وَاحِدًا.
قَالَ: وأصل هَذِه الْكَلِمَة أَن الْعَرَب تَقول إِذا ذكرت مَن لَا يُعرف: هَذَا هيّان بن بيّان، كَمَا يُقال: طامِر بن طامِر.
قَالَ: فالمَعنى: لأُسوّينّ بَينهم فِي العَطاء، فَلَا أُفضِّل أحدا على أحد.
قلت: بَبّاء، بباءين، حرف رَوَاهُ هِشَام بن سعد وَأَبُو مَعْشر، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه: سَمِعت عمر.
وَمثل هَؤُلَاءِ الرُّواة لَا يُخطئون فيُصحِّفوا، و (بَبّان) وَإِن لم يكن عربيًّا مَحضاً فَهُوَ
стр. 4621
صَحِيح بِهَذَا المَعنى.
وَقَالَ اللَّيْث: ببّان، على تَقْدِير (فَعْلان) ، ويُقال على تَقْدِير (فَعّال) ، وَالنُّون أَصْلِيَّة، وَلَا يُصرف مِنْهُ فِعْل.
قَالَ: وَهُوَ و (البأج) فِي معنى وَاحِد.
قلت: وَكَانَ رَأْي عُمر فِي أعطية النَّاس التَّفْضِيل على السَّوابق، وَكَانَ رَأْي أبي بكر التَّسْوية، ثمَّ رَجع عمر إِلَى رَأْي أبي بكر، وَالْأَصْل فِي رُجُوعه هَذَا الحَدِيث.
سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْحَاق السَّعدي يَقُول ذَلِك.
قلت: وبَبَّان، كَأَنَّهَا لُغَة يَمانية.
اللَّيْث: بَبَّة، يُوصف بِهِ الأَحمق.
وَكَانَ رَجُلٌ من قُريش يُقَال لَهُ: بَبَّة، وَكَانَ فِي صِغَره كثير اللَّحْم، فَلذَلِك سُمِّي: بَبّة.
ورَوى أَبُو الْعَبَّاس، عَن ابْن الأعرابيّ، قَالَ: البَبّ: الغُلام السائِل، وَهُوَ السَّمِين.
وروى عَمْرو، عَن أَبِيه، يُقال: تببّب، إِذا سَمِن.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: يُقال للشابّ المُمتلىء البَدن نَعْمة وشَباباً: بَبّة؛ وأَنشد لامْرَأَة تُرقِّص ابْنهَا:
لأنْكِحَنَّ بَبَّهْ
جَارِيَة خِدَبَّهْ
مُكْرَمة مُحَبّهْ
تَجُبّ أَهْلَ الكَعْبَهْ
بِي أَبُو العبّاس، عَن ابْن الْأَعرَابِي: قَالَ: البَيّ: الخَسِيس من الرِّجال.
وَكَذَلِكَ، ابْن بَيّان، وَابْن هَيّان، كُله الخَسِيس من النَّاس وَنَحْو ذَلِك.
قَالَ اللَّيْث فِي كِتَابه: هَيّ بن بيّ، وهَيّان بن بيّان.
قَالَ: ويُقال: إِن (هَيّ بن بَيّ) من ولد آدم، ذَهب فِي الأَرْض كَمَا تَفَرَّق سائرُ ولد آدم، فَلم يُحَسَّ مِنْهُ عَيْنٌ وَلَا أثرٌ وفُقد.
أَخبرني المُنذريّ، عَن أبي طَالب، أَنه قَالَ فِي قَوْلهم: حَيّاك الله وبَيّاك.
قَالَ: قَالَ الأصمعيّ: معنى (بَيّاك) : أضْحَكك.
وَذكر أَبُو عُبيد أَن آدم لما قُتل ابنُه مَكث مائَة سنةٍ لَا يضْحك، فَقيل لَهُ: حَيّاك الله وبَيّاك؛ فَقَالَ: وَمَا بَيَّاك؟ فَقَالَ: أَضحكك.
رَوَاهُ بِإِسْنَاد لَهُ عَن سَعيد بن جُبَير.
قَالَ أَبُو طَالب: وَقَالَ الآخر فِي (بياك) :
стр. 4622
مَعْنَاهُ: بَوّأك مَنْزلاً، فَقَالَ: (بيَّاك) لازدواج الْكَلَام.
قَالَ: وَقَالَ ابْن الأعرابيّ: بَيَّاك: قَصدك بالتحيَّة؛ وأَنْشد:
لما تَبَيَّيْنَا أخَا تَمِيم
أعْطى عَطاء اللَّحِز اللَّئِيم
وَقَالَ آخر:
باتت تَبَيَّا حَوْضَها عُكُوفَا
مِثْل الصُّفوف لاقت الصُّفُوفَا
أَي: تعتمد حَوْضَها.
وَقَالَ أَبُو مَالك: بَيَّاك: قَرَّبك؛ وأَنْشد:
بَيّا لَهُم إِذْ نزلُوا الطَّعاما
الكِبْدَ والمَلْحَاءَ والسَّنَامَا
ويُقال: بَيَّيْت الشَّيْء وبَيّنته، إِذا أَوْضحته.
والتّبْيِيُ: التَّبْيِين من قُرب.
بَاء: اللَّيْث: الْبَاءَة والمَباءة: منزل الْقَوْم حيثُ يَتَبّوءون من قِبَل وادٍ أَو سَنَد جَبَلٍ.
ويُقال: كُلّ مَنْزل يَنْزله الْقَوْم؛ قَالَ طرفَة:
طيِّبو الْبَاءَة سَهْلٌ وَلَهُم
سُبُلٌ إِن شِئْتَ فِي وَحْش وَعِر
قَالَ: والمَباءة أَيْضا: مَعْطن الْقَوْم لِلْإِبِلِ حَيْثُ تُناخ فِي المَوارد.
يُقَال: أبأنا الْإِبِل إباءة، أَي أَنَخْنَا بعضَها إِلَى بعض؛ وَأنْشد:
حَلِيفان بَينهمَا مِيرةٌ
يُبِيآن فِي عَطَنٍ ضَيِّقِ
أَبُو عبيد، عَن الْأَصْمَعِي: المَباءة: المَنزل.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم، عَنهُ: يُقَال: تبوّأ فلَان منزلا، إِذا اتَّخذه.
وبَوَّأْته مَنْزِلاً.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد: أبأت القَوْمَ مَنْزِلاً.
وأبأت الإبلَ، فَأَنا أُبيئها إباءةً، إِذا رَدَدْتها إِلَى المَباءَة، وَهِي المَراحُ الَّذِي تَبيت فِيهِ.
وَقَالَ الفَرّاء فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ﴾ (العنكبوت: ٥٨) .
يُقال: بَوّأته منزلا، وأَثْوَيته منزلا، سَوَاء، مَعْنَاهُمَا: أنزلته.
وَقَالَ الْأَخْفَش: أبأت بِالْمَكَانِ: أَقَمْت بِهِ.
وبَوّأك بَيْتاً: اتّخذت لَك بَيْتاً.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ (يُونُس: ٨٧) أَي: اتَّخِذَا.
أَبُو زَيد: أبأت الْقَوْم مَنزلاً، وبَوَّأتهم منزلا، تَبْوِيئاً، إِذا نَزلت بهم إِلَى سَنَد جَبل أَو قِبَل نَهْر.
قَالَ: وَالِاسْم: المَباءة، وَهُوَ المَنزل.
شَمِر، عَن الْفراء، يُقَال: تَبَوّأ فلَان منزلا، إِذا نَظر إِلَى أَسْفَل مَا يُرَى وأشَدِّه
стр. 4623
اسْتِوَاء وأَمْكنه لِمَبيته فاتَّخذه.
قَالَ شَمر: وَقد قَالُوا: تَبَوّأ: هيّأ وأَصلح.
وتَبَوَّأ: نَزل وَأقَام.
قَالَ: والمعنيان قريبان.
وَفِي حَدِيث النبيّ ﷺ (مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فَلْيَتَزوَّج، ومَن لم يَسْتطع فَعَلَيهِ بالصَّوْم فإِنه لَهُ وجَاء) .
أَرَادَ ب (الْبَاءَة) : النِّكَاح والتَّزْويج.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: يُقال: فلانٌ حريصٌ على الْبَاءَة، أَي: على النِّكاح؛ وأَنْشد:
يُعْرِس أَبْكاراً بهَا وعُنّسَا
أكرمُ عِرْسٍ باءَةً إِذْ أَعْرَسَا
قلت: ويُقال: للجماع نَفسه: باءة.
وَالْأَصْل فِي (الْبَاءَة) : الْمنزل، ثمَّ قيل لِعَقْد التّزويج: باءة، لأنّ من تزوج امْرَأَة بَوَّأها مَنْزِلاً.
سَلمة، عَن الفرّاء: الْبَاءَة: النِّكاح، وَالْهَاء فِيهِ زَائِدَة.
وَالنَّاس يَقُولُونَ: الباه.
أَبُو العبّاس، عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: الْبَاء، والباءة، والباه: مقولاتٌ كُلّها.
ابْن الْأَنْبَارِي: الْبَاء: النِّكاح.
يُقال: فلانٌ حريصٌ على الْبَاء، والباءة، والباه، بِالْهَاءِ وَالْقصر، أَي: على النِّكاح.
والباءة: الْوَاحِدَة. وَالْبَاء: الْجمع.
قَالَ: وتُجمع (الْبَاءَة) على (الباآت) ؛ وأَنْشد:
يأيّها الرّاكبُ ذُو الثَّبات
إِن كنت تَبْغي صاحبَ الباآتِ
فاعْمِد إِلَى هاتيكم الأبيات
وَقَالَ أَبُو زيد: يُقَال: بَاء فلانٌ بِبِيئة سَوْء، أَي: بِحَال سَوْء.
ويُقال: فِي أَرض فلَان فلاةٌ تُبِيء فِي فلاة، أَي: تذْهب.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ (الْبَقَرَة: ٩٠) .
قَالَ: باءُوا، فِي اللُّغَة: احْتَملوا.
يُقال: بُؤت بِهَذَا الذَّنْب، أَي: احْتَملتُه.
وَقيل: باءوا بِغَضب، أَي: بإثم اسْتَحّقوا بِهِ النَّار، على إِثْم تقدّم اسْتَحقّوا بِهِ أَيْضا النَّار.
وَقيل: باءوا: رجعُوا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: بَاء بإثمه، ويبُوء بِهِ بَوْءاً، إِذا أَقَرَّ بِهِ.
قَالَ: وباء فلانٌ بفلانٍ، إِذا كَانَ كُفْئاً لَهُ يُقْتل بِهِ، وَمِنْه قَول المُهلهل لِابْنِ الْحَارِث بن عَبَّاد حِين قَتله: بُؤ بِشسْع نَعْل كُلَيب.
مَعْنَاهُ: كن كُفْئاً لِشِسْع نَعْله لَا لِدَمه.
قَالَ الزجّاج: معنى: بَاء بذَنبه: احْتمله، وَصَارَ المُذْنب مَأْوَى الذَّنْب.
стр. 4624
وبَوّأته منزلا، أَي: جعلته: ذَا مَنْزل.
وَقَالَ أَبُو زيد: بُؤْتُ بالذَّنْب أبُوء بِهِ بَوْءًا، إِذا اعْتَرَفْتَ بِهِ.
وباءَ الرجُل بِصَاحِبِهِ، إِذا قُتل بِهِ.
قَالَ صَخْر الغَيّ يَمْدح سَيْفاً لَهُ:
وصارِمٍ أُخْلِصَتْ خَشِيبتُه
أَبيض مَهْوٍ فِي مَتْنة رُبَدُ
الخَشِيبة: الطَّبع الأول قبل أَن يُصْقل ويُهيّأ.
فَلَوْتُ عَنهُ سُيوف أَرْ
يَحَ حتَّى باءَ كَفِّي وَلم أَكد أجِدُ
فلوت: انْتَفيت. أَرْيح، من الْيمن. بَاء كَفِّي، أَي: صَار كفِّي لَهُ مباءَةً، أَي: مرجعاً.
قَالَ أَبُو بكر: قَالَ أَبُو العبّاس، قَالَ أَبُو عُبيدة: يُقال: الْقَوْم بَواء، أَي سَوَاء.
وَيُقَال: مَا فلانٌ لفلانٍ بِبَواء، أَي: مَا هُوَ بكفء.
وَقَالَ الْأَخْفَش: يُقال بَاء فلَان بفلانٍ، إِذا قُتل بِهِ وَصَارَ دَمُه بِدَمه. والبَواءُ: السَّواء. يُقَال: القومُ على بَوَاء.
وقَسم المَال بَينهم على بَوَاء، أَي: على سَواء.
وأبأتُ فلانَاً بفلانٍ: قَتَلْتُه بِهِ.
وَفِي الحَدِيث أَنه كَانَ بَين حَيَّين من الْعَرَب قِتالٌ، وَكَانَ لأحد الحَيّين طَوْلٌ على الآخرين، فَقَالُوا: لَا نَرْضى حَتَّى يُقتل بالعَبد منّا الحُرّ مِنْهُم، وبالمرأة الرّجُل. فأَمرهم النبيّ ﷺ أَن يَتباءَوا.
قَالَ أَبُو عُبيد: هَكَذَا رُوي لنا: يتباءوا، بِوَزْن (يتباعوا) .
وَالصَّوَاب: عندنَا يَتَبَاوَءُوا، بِوَزْن (يتباوعوا) مثل: يتقاولوا، من (القَول) .
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ: (الْجِرَاحَات بَوَاء) ، يَعْنِي: أَنَّهَا مُتساوية فِي القِصاص، وَأَنه لَا يُقْتص للمجروح إلاّ من جارحه الْجَانِي عَلَيْهِ، وَلَا يُؤْخَذ إِلَّا مثل جراحته سَوَاء، وَذَلِكَ: البَواء؛ وَقَالَت ليلى الأخيلية فِي مقتل تَوْبَة بن الحُمَيِّر:
فإِن تَكن القَتْلى بَوَاءً فإِنّكم
فَتى مَا قتلتُم آلَ عَوْفِ بن عامِرِ
قَالَ: وأنْشدني الْأَحْمَر لرجُل قَتل قَاتل أَخِيه:
فقلتُ لَهُ بُؤ بامرىءٍ لَسْتَ مِثْلَه
وَإِن كنتَ قُنْعاناً لمن يَطلبُ الدَّمَا
يَقُول: أَنْت وَإِن كنت فِي حَسَبك مَقْنعاً لكُل مَنْ طَلبك بثأْرٍ فلستَ مِثلَ أَخِي.
وَإِذا أَقَّص السُّلطانُ رجلا برجُل، قيل: أباء فلَانا بفلان؛ قَالَ طُفَيل الغَنَوي:
стр. 4625
أباء بقَتْلانَا من القومِ ضعْفَهم
وَمَا لَا يُعَدّ من أَسِيرٍ مُكَلَّبِ
قَالَ أَبُو عُبيد: قَالَ الْأَحْمَر: فإِن قَتله السّلطانُ بقَود، قيل: قد أقاد السَّلطانُ فلَانا، وأَقَصَّه، وأَباءه، وأَصْبره.
وَقد أبأتة أُبيئه إباءةً.
وَقَالَ ابْن السِّكيت فِي قَول زُهير بن أبي سُلْمَى:
فَلم أَرَ مَعْشراً أَسَرُوا هَدِيًّا
وَلم أَرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَباءُ
قَالَ: الهَدِيّ: ذُو الحُرمة. وَقَوله: يُستباء، أَي: يُتَبوّأ، تُتَّخذ امْرَأَته أَهْلاً.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيباني: يُسْتباء، من (البَواء) ، يُرِيد: (القَوَد) ، وَذَلِكَ أَنه أَتاهم يُريد أَن يَسْتجير بهم فَأَخَذُوهُ وقتلوه بِرَجُل مِنْهُم.
اللَّيْث: يُقَال: بَوّأت الرُّمح نَحْو الْفَارِس، إِذا سَدَّدته قَصْده وقابَلْته بِهِ.
ويُقال: هم بَوَاء فِي هَذَا الْأَمر، أَي: أكْفاء ونُظَراء.
وَقَالَ أَبُو الدُّقيش: كلّمناهم فأَجابوا عَن بَواء وَاحِد، أَي: أَجابُوا كُلّهم جَوَابا وَاحِدًا؛ وَأنْشد للتَّغلبيّ:
أَلا تَنْتَهِي عنّا مُلوكٌ وتَتَّقي
مَحارِمَنا لَا يُبْأه الدَّم بالدَّم
ويُروى: لَا يَبْؤؤ الدَّم بالدّمِ، أَي: حِذارَ أَن تَبوء دِمَاؤُهُمْ بدماء من قَتَلُوهُ.
بو: اللَّيْث: البَوّ، غير مَهْمُوز: جِلد حُوار يُحْشى تبْناً تُظْأر عَلَيْهِ نَاقَة فَترْأمه.
قَالَ: والرَّمَاد: بَوّ الأثافِيّ.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: البَوي: الرَّجُل الأَحْمق.
وب: الوَبّ: التهَّيؤ للحملة فِي الحَرْب.
يُقَال: هَبّ، ووَبّ، إِذا تهيّأ للحَمْلة.
قلت: الأَصْل فِيهِ: أَب، فقُلبت الْهمزَة واواً.
أَب: وَقَالَ أَبُو عُبيدة: أَبَبْت أؤبّ أَبًّا، إِذا عَزمت على المَسير وتَهيّأت؛ قَالَ الأعْشى:
صَرَمْتُ وَلم أَصْرِمْكمُ وكصارِمٍ
أخٌ قد طَوى كَشحاً وأَبَّ لِيَذْهَبا
وَأَخْبرنِي المُنذري، عَن ثَعْلَب، عَن ابْن الْأَعرَابِي، قَالَ: يُقال للظِّباء: إِن أَصَابَت المَاء فَلَا عَباب، وَإِن لم تُصب المَاء فَلَا أَباب، أَي: لم تأتَبّ لَهُ وَلم تَتهيَّأ لِطَلبه.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ (عبس: ٣١) . قَالَ الفَرّاء: الأبّ: مَا تَأْكُله الأَنْعام.
وَقَالَ الزجّاج: الأبّ: جَمِيع الْكلأ الَّذِي تَعتلفه الْمَاشِيَة.
وَقَالَ عَطاء: كل شَيْء يَنْبت على وَجه الأَرْض، فَهُوَ الأبّ.
следующие страницы →