← Гариб и словари

Гариб и словари · id 7037

الكليات

أبو البقاء الكفوي

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حرم رَبِّي الْفَوَاحِش﴾ إِذْ لَيْسَ (إِنَّمَا) فِيهِ للحصر، والحصر فِي ﴿إِنَّمَا إِلَهكُم الله﴾ من أَمر خَارج، وَذَلِكَ أَنه سيق للرَّدّ على المخاطبين فِي اعْتِقَادهم إلهية غير الله وَالْجُمْهُور على أَن (أَنما) بِالْفَتْح لَا يُفِيد الْحصْر؛ وَالْفرع لَا يجب أَن يجْرِي على وتيرة الأَصْل فِي جَمِيع أَحْكَامه وَقيل: الْمَفْتُوحَة أصل الْمَكْسُورَة؛ وَقيل: كل مِنْهُمَا أصل بِرَأْسِهِ، وَأحسن مَا يسْتَعْمل (إِنَّمَا) فِي مَوَاضِع التَّعْرِيض نَحْو: ﴿إِنَّمَا يتَذَكَّر أولو الْأَلْبَاب﴾ إِن: بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد هِيَ فِي لُغَة الْعَرَب تفِيد التَّأْكِيد وَالْقُوَّة فِي الْوُجُود، وَلِهَذَا أطلقت الفلاسفة لفظ الإنية على وَاجِب الْوُجُود لذاته، لكَونه أكمل الموجودات فِي تَأْكِيد الْوُجُود وَفِي قُوَّة الْوُجُود، وَهَذَا لفظ مُحدث لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب (وَإِن) من الْحُرُوف الَّتِي شابهت الْفِعْل فِي عدد الْحُرُوف وَالْبناء على الْفَتْح وَلُزُوم الْأَسْمَاء وَإِعْطَاء مَعَانِيهَا والتعدي خَاصَّة فِي دُخُولهَا على اسْمَيْنِ، وَلذَلِك عملت عمله الفرعي، وَهُوَ نصب الْجُزْء الأول وَرفع الثَّانِي إِيذَانًا بِأَنَّهُ فرع فِي الْعَمَل دخيل فِيهِ وَهِي مَعَ (مَا) فِي حيزها جملَة وَلَا تعْمل فِي موضعهَا عوامل الْأَسْمَاء والمفتوحة مَعَ (مَا) فِي حيزها مُفْرد وتعمل فِي موضعهَا عوامل الْأَسْمَاء، وَإِنَّمَا اخْتصّت الْمَفْتُوحَة فِي مَوضِع الْمُفْرد لِأَنَّهَا مَصْدَرِيَّة فَجرى مجْرى (أَن) الْخَفِيفَة وَقد تنصب الْمَكْسُورَة الِاسْم وَالْخَبَر كَمَا فِي حَدِيث: " إِن قَعْر جَهَنَّم سبعين خَرِيفًا " وَقد يرْتَفع بعْدهَا الْمُبْتَدَأ فَيكون اسْمهَا ضمير شَأْن محذوفا نَحْو: " إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون " وَالْأَصْل إِنَّه و (إِن) و (أَن) كِلَاهُمَا حرفا تَحْقِيق، فَلَا يجوز الْجمع بَينهمَا، لأَنا إِذا منعنَا الْجمع بَين (ان) وَاللَّام لاتِّفَاقهمَا فِي الْمَعْنى، مَعَ أَنَّهُمَا مفترقان فِي اللَّفْظ، فَلِأَن نمْنَع الْجمع بَين (إِن) و (أَن) مَعَ اتِّفَاقهمَا لفظا وَمعنى أولى وَقَالَ بَعضهم: (إِن) الشَّدِيدَة الْمَكْسُورَة إِنَّمَا لَا تدخل على الْمَفْتُوحَة إِذا لم يكن بَينهمَا فصل، وَأما إِذا كَانَ فصل فَلَا منع، للاطباق على جَوَاز (إِن عِنْدِي أَن زيدا منطلق) و (إِن) الْمَكْسُورَة لَا تغير معنى الْجُمْلَة بل تؤكدها، والمفتوحة تغير معنى الْجُمْلَة، لِأَنَّهَا مَعَ الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا فِي حكم الْمُفْرد؛ وَلِهَذَا وَجب الْكسر فِي كل مَوضِع تبقى الْجُمْلَة بِحَالِهَا، وَوَجَب الْفَتْح فِي كل مَوضِع يكون مَا بعْدهَا فِي حكم الْمُفْرد وَكسرت همزَة (إِن) بعد القَوْل نَحْو: ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا﴾ لِأَن مقول القَوْل جملَة وَبعد الدُّعَاء نَحْو: ﴿رَبنَا إِنَّك﴾ وَبعد النَّهْي نَحْو: ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ وَبعد النداء نَحْو: ﴿يَا لوط إِنَّا رسل رَبك﴾ وَبعد (كلا) نَحْو: ﴿كلا إِنَّهُم﴾

стр. 177

وَبعد الْأَمر نَحْو: ﴿ذُقْ إِنَّك﴾ وَبعد (ثمَّ) نَحْو: ﴿ثمَّ إِن علينا﴾ وَبعد الإسم الْمَوْصُول، لِأَن صلَة الْمَوْصُول لَا تكون إِلَّا جملَة نَحْو: ﴿آتيناه من الْكُنُوز مَا إِن مفاتحه﴾ وتكسر أَيْضا إِذا دخل اللَّام على خَبَرهَا نَحْو: ﴿إِنَّك لرَسُوله﴾ وَكَذَا إِذا وَقعت جَوَاب الْقسم نَحْو: ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان﴾ لِأَن جَوَاب الْقسم لَا يكون إِلَّا جملَة وَكَذَا إِذا كَانَت مبدوءا بهَا لفظا أَو معنى نَحْو: (إِن زيدا قَائِم) وَكَذَا بعد (أَلا) التنبيهية، وَبعد وَاو الْحَال، وَبعد حَيْثُ قَالَ بَعضهم: وَالْأَوْجه جَوَاز الْوَجْهَيْنِ بعد (حَيْثُ) : الْكسر بِاعْتِبَار كَون الْمُضَاف إِلَيْهِ جملَة، وَالْفَتْح بِاعْتِبَار كَونه فِي معنى الْمصدر وَلُزُوم إضافتها إِلَى الْجُمْلَة لَا يَقْتَضِي وجوب الْكسر، لِأَن الأَصْل فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ أَن يكون مُفردا، وَامْتِنَاع إضافتها إِلَى الْمُفْرد إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظ لَا فِي الْمَعْنى؛ على أَن الْكسَائي جوز إضافتها إِلَيْهِ وَإِن: فعل أَمر للمؤنث مُؤَكد بالنُّون الثَّقِيلَة أَن وَأَن الْمَفْتُوحَة الشَّدِيدَة للْحَال، والخفيفة تصلح للماضي والاستقبال وَأَن الشَّدِيدَة تفِيد التَّأْكِيد، وَأَن الناصبة لَا تفيده، وَلذَلِك وَجب أَن تقرن الشَّدِيدَة بِمَا يُفِيد التَّحْقِيق، والمخففة الناصبة بِمَا يدل على الشَّك والتردد فِيهِ وَلَا تعْمل الْخَفِيفَة فِي الضَّمِير إِلَّا لضَرُورَة، بِخِلَاف الشَّدِيدَة؛ وَفِي غير هَذَا من الْأَحْكَام حَالهَا كَحال الشَّدِيدَة إِذا عملت والمفتوحة الشَّدِيدَة تصير مَكْسُورَة بقطعها عَمَّا تتَعَلَّق بِهِ، وَلَا تصير الْمَكْسُورَة مَفْتُوحَة إِلَّا بوصلها بِمَا تتَعَلَّق بِهِ وَالْجُمْلَة مَعَ الْمَكْسُورَة بَاقِيَة على استقلالها بعائدها، وَمَعَ الْمَفْتُوحَة منقبلة إِلَى حكم الْمُفْرد، وهما سيان فِي إِفَادَة التَّأْكِيد وتفتح (أَن) وجوبا بِأَن كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا فاعلة نَحْو: (بَلغنِي أَن زيدا قَائِم) لوُجُوب كَون الْفَاعِل مُفردا، وَكَذَا إِذا كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا مُبْتَدأ نَحْو: (عِنْدِي أَنَّك عَالم) لوُجُوب كَون الْمُبْتَدَأ مُفردا. وَكَذَا إِذا كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا مَفْعُولا نَحْو: (علمت أَنَّك كريم) لوُجُوب كَون الْمَفْعُول مُفردا وَكَذَا إِذا كَانَت مَعَ مَا بعْدهَا مُضَافا إِلَيْهِ نَحْو: (أعجبني اشتهار أَنَّك فَاضل) لوُجُوب كَون الْمُضَاف إِلَيْهِ مُفردا وَكَذَا بعد (لَوْلَا) الابتدائية نَحْو: (لَوْلَا أَنَّك منطلق) لِأَن مَا بعد (لَوْلَا) مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف وَكَذَا بعد (لَو) التحضيضية نَحْو: (لَوْلَا أَن زيدا قَائِم) بِمَعْنى (هلا) ، لِأَن (لَوْلَا) هَذِه يجب دُخُولهَا على الْفِعْل لفظا أَو تَقْديرا وَكَذَا بعد (لَو) نَحْو: (لَو أَنَّك قَائِم) لوُقُوعه موقع الْمُفْرد، لكَونه فَاعِلا لفعل مَحْذُوف، أَي: لَو وَقع قيامك

стр. 178

وَجَاز الْكسر وَالْفَتْح فِي مَوضِع جَازَ فِيهِ تَقْدِير الْمُفْرد وَالْجُمْلَة نَحْو: (من يكرمني فَإِنِّي أكْرمه) فَإِن جعلت تَقْدِيره (فَأَنا أكْرمه) وَجب الْكسر لكَونهَا وَاقعَة ابْتِدَاء، وَإِن جعلت تَقْدِيره (فَجَزَاؤُهُ الْإِكْرَام مني) وَجب الْفَتْح لوقوعها خَبرا لمبتدأ وَهُوَ وَاحِد نَحْو: (أول قولي إِنِّي أَحْمد الله) وَكَذَا إِذا وَقعت بعد (إِذا) الفجائية أَو فَاء الْجَزَاء أَو (أما) أَو (لَا جرم) أَو وَقعت فِي مَوضِع التَّعْلِيل وَقد تخفف الْمُشَدّدَة فَيبْطل عَملهَا عِنْد النُّحَاة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَن لعنة الله على الظَّالِمين﴾ (أَن) : بِالْفَتْح مُخَفّفَة تدل على ثبات الْأَمر واستقراره لِأَنَّهَا للتوكيد كالمشددة، فَمَتَى وَقعت بعد علم وَجب أَن تكون المخففة نَحْو: ﴿علم أَن سَيكون﴾ وَإِذا وَقعت بعد مَا لَيْسَ بِعلم وَلَا شكّ وَجب أَن تكون الناصبة، وَإِذا وَقعت بعد فعل يحْتَمل الْيَقِين وَالشَّكّ جَازَ فِيهَا وَجْهَان باعتبارين: إِن جَعَلْنَاهُ يَقِينا جعلناها المخففة ورفعنا مَا بعْدهَا، وَإِن جَعَلْنَاهُ شكا جعلناها الناصبة ونصبنا مَا بعْدهَا نَحْو: ﴿وَحَسبُوا أَن لَا تكون﴾ قرئَ بِالرَّفْع إِجْرَاء للظن مجْرى الْعلم، وَبِالنَّصبِ إِجْرَاء لَهُ على أَصله من غير تَأْوِيل، وَهُوَ أرجح وَلِهَذَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فِي ﴿الم أَحسب النَّاس أَن يتْركُوا﴾ وَالَّذِي لَا يدل على ثبات واستقرار تقع بعده الناصبة نَحْو: ﴿وَالَّذِي أطمع أَن يغْفر لي﴾ والمحتمل للأمرين تقع بعده تَارَة المخففة وَتارَة الناصبة لما تقدم من الإعتبارين وتزاد مَعَ (لما) كثيرا نَحْو: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير﴾ ، وَبعد وَاو الْقسم الْمُتَقَدّم عَلَيْهِ نَحْو: (وَالله أَن لَو قَامَ زيد قُمْت) ، وَبعد الْكَاف قَلِيلا كَقَوْلِه: كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى ناضر السّلم والفارق بَين (أَن) المخففة والمصدرية: أما من حَيْثُ الْمَعْنى لِأَنَّهُ إِن عني بِهِ الِاسْتِقْبَال فَهِيَ الْخَفِيفَة، وَإِلَّا فَهِيَ المصدرية، وَأما من حَيْثُ اللَّفْظ لِأَنَّهُ إِن كَانَ الْفِعْل الْمَنْفِيّ مَنْصُوبًا فَهِيَ المصدرية، وَإِلَّا فَهِيَ المخففة وَأَن المصدرية يجوز أَن تتقدم على الْفِعْل لِأَنَّهَا معمولة، وَإِذا كَانَت مفسرة لم يجز ذَلِك لِأَن الْمُفَسّر لَا يتَقَدَّم على الْمُفَسّر وَأَن الموصولة المصدرية إِذا وصلت بالماضي يؤول بِالْمَصْدَرِ الْمَاضِي، وَإِذا وصلت بالمضارع يؤول بِالْمَصْدَرِ الْمُسْتَقْبل، وَإِذا وليت الْمُضَارع تنصبه وَكَانَ مَعْنَاهَا الِاسْتِقْبَال، وَإِذا وليت الْمَاضِي خلع عَنْهَا الدّلَالَة على الْمُسْتَقْبل، وَلِهَذَا يَقع بعْدهَا الْمَاضِي الصَّرِيح، تَقول: (سرني أَن قُمْت أمس) وَلَا تدخل (أَن) المصدرية على الْأَفْعَال غير المتصرفة الَّتِي لَا مصَادر لَهَا و (أَن) المخففة: تكون شَرْطِيَّة وَتَكون للنَّفْي كالمكسورة، وَتَكون بِمَعْنى (إِذْ) ، قيل: وَمِنْه: (بل

стр. 179

عجبوا أَن جَاءَهُم مُنْذر﴾ ؛ وَبِمَعْنى (لِئَلَّا) قيل: وَمِنْه: ﴿يبين الله لكم أَن تضلوا﴾ ﷺ وَالصَّوَاب أَنَّهَا هَهُنَا مَصْدَرِيَّة، وَالْأَصْل: كَرَاهَة أَن تضلوا وَتَقَع بِمَعْنى (الَّذِي) كَقَوْلِهِم: (زيد أَعقل من أَن يكذب) أَي: من الَّذِي يكذب وَتَكون مفسرة بِمَنْزِلَة (أَي) نَحْو: ﴿فأوحينا إِلَيْهِ أَن أصنع الْفلك﴾ و (أَن) المفسرة لَا تكون إِلَّا بعد فعل يتَضَمَّن معنى القَوْل أَعم من أَن يكون ذَلِك بِحَسب دلَالَة اللَّفْظ بِنَفسِهِ، كَمَا فِي: (لبيت) و (ناديت) ، أَو دلَالَة الْحَال كَمَا فِي: ﴿وَانْطَلق الْمَلأ مِنْهُم أَن امشوا﴾ : أَي امشوا [وَقدر (أَن) بعد لَام (كي) وَلَام الْجُحُود فِي " الرضى ": يقدر فِي أَمْثَاله مَعَ كَونهَا زَائِدَة وَفِي " التسهيل ": تظهر (أَن) وتضمر بعد لَام الْجَرّ غير الجحودية] وَيجوز إِظْهَار (أَن) مَعَ لَام (كي) ، وَلَا يجوز مَعَ لَام النَّفْي، لِأَن (لم يكن ليقوم) إِيجَابه (كَانَ سيقوم) فَجعلت اللَّام فِي مُقَابلَة السِّين، فَكَمَا لَا يجوز أَن يجمع بَين (أَن) الناصبة وَبَين السِّين وسوف، كَذَلِك لَا يجمع بَين (أَن) وَاللَّام الَّتِي هِيَ مُقَابلَة لَهَا وَأَن: مُخْتَصَّة بِالْفِعْلِ، وَلذَلِك كَانَت عاملة فِيهِ؛ و (مَا) تدخل على الْفِعْل وَالْفَاعِل والمبتدأ وَالْخَبَر، وَلعدم اخْتِصَاص (مَا) لم تعْمل شَيْئا و (أَن) فِي (أَن الْحَمد وَالنعْمَة لَك) كَمَا فِي أَرْكَان الْحَج بِالْفَتْح على التَّعْلِيل كَمَا قَالَه الشَّافِعِي، كَأَنَّهُ يَقُول: أجيبك لهَذَا السَّبَب، وبالكسر عِنْد أبي حنيفَة وَهُوَ أصح وَأشهر على مَا قَالَه النَّوَوِيّ وأحوط عِنْد الْجُمْهُور كَمَا قَالَه ابْن حجر، وَوجه ذَلِك أَنه يَقْتَضِي أَن تكون الْإِجَابَة مُطلقَة غير مُقَيّدَة وَقد تَجِيء (أَن) بِالْفَتْح بِمَعْنى (لَعَلَّ) حَكَاهُ الْخَلِيل عَن الْعَرَب (إِن) بِالْكَسْرِ مُخَفّفَة: للشَّكّ مثل: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا﴾ و (إِذا) للجزم مثل: ﴿إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة﴾ لِأَن الْقيام إِلَى الصَّلَاة فِي حق الْمُسلم قَطْعِيّ الْوُقُوع غَالِبا، وَأما الْجَنَابَة فَإِنَّهَا من الْأُمُور الْعَارِضَة غير المجزوم بوقوعها، حَيْثُ يجوز أَن يَنْقَضِي عمر شخص وَلَا يحصل لَهُ الْجَنَابَة بعد أَن صَار مُخَاطبا بالتكاليف الشَّرْعِيَّة [وَاسْتشْكل بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن متم﴾ ﴿﴾ (أَفَإِن مَاتَ﴾ ، بقوله ﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان ضرّ﴾ وَأجِيب بِأَن الْمَوْت لما كَانَ مَجْهُول الْوَقْت أجري المجزوم مجْرى غير المجزوم وَلما قصد التوبيخ والتقريع أَتَى ب (إِذا) تخويفا لَهُم وإخبارا بِأَنَّهُم لَا بُد أَن يمسهم شَيْء من الْعَذَاب، والتقليل مُسْتَفَاد من لفظ (الْمس) وتنكير (الضّر) قَالَ الْجُوَيْنِيّ: الَّذِي أَظُنهُ أَن (إِذا) يجوز دُخُولهَا على الْمُتَيَقن والمشكوك، لِأَنَّهَا ظرف وَشرط، فبالنظر إِلَى الشَّرْط يدْخل على الْمَشْكُوك، وبالنظر

стр. 180

إِلَى الظّرْف يدْخل على الْمُتَيَقن كَسَائِر الظروف] وَإِن: تكون بِمَعْنى (إِذْ) نَحْو: ﴿وَأَنْتُم الأعلون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ وَبِمَعْنى (لقد) نَحْو: ﴿إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين﴾ وَتَكون شَرْطِيَّة نَحْو: ﴿إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد فَأَنا أول العابدين﴾ فَإِنَّهَا لمُجَرّد الشّرطِيَّة فَلَا تشعر بِانْتِفَاء الطَّرفَيْنِ وَلَا بنقيضه، بل بِانْتِفَاء مَعْلُول اللَّازِم الدَّال على انْتِفَاء ملزومه وَقد تقترن ب (لَا) فيظن أَنَّهَا (إِلَّا) الاستثنائية نَحْو: ﴿إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله﴾ وَتَكون نَافِيَة وَتدْخل على الْجُمْلَة الاسمية نَحْو: ﴿إِن الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غرور﴾ و ﴿إِن الحكم إِلَّا لله﴾ والفعلية نَحْو: ﴿إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى﴾ ﴿وَإِن أَدْرِي أَقَرِيب﴾ وتزاد مَعَ (مَا) النافية نَحْو: (مَا إِن رَأَيْت زيدا) وَحَيْثُ وجدت (إِن) وَبعدهَا لَام مَفْتُوحَة فاحكم بِأَن أَصْلهَا التَّشْدِيد وَقد تكون بِمَعْنى (قد) ، قيل مِنْهُ: ﴿إِن نَفَعت الذكرى﴾ ﴿لتدخلن الْمَسْجِد الْحَرَام إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ وَنَحْو ذَلِك مِمَّا كَانَ الْفِعْل فِيهِ محققا [وَقد تَجِيء للتَّأْكِيد كَمَا فِي حَدِيث: " وَإِن زنى وَإِن سرق] وَإِذا دخلت (إِن) على (لم) فالجزم ب (لم) وَإِذا دخلت على (لَا) فالجزم ب (إِن) لَا ب (لَا) ؛ وَذَلِكَ أَن (لم) عَامل يلْزمه معموله، وَلَا يفصل بَينهمَا بِشَيْء؛ و (إِن) يجوز الْفَصْل بَينهَا وَبَين معمولها بمعموله، و (لِئَلَّا) تعْمل الْجَزْم إِذا كَانَت نَافِيَة فأضيف الْعَمَل إِلَى (إِن) وَقد أجروا كلمة (إِن) مَكَان (لَو) وَعَلِيهِ قَوْلنَا: (وَإِلَّا لما فعلته) ، (وَإِلَّا لَكَانَ كَذَا) إِن الوصلية: مُوجبهَا ثُبُوت الحكم بِالطَّرِيقِ الأولى عِنْد نقيض شَرطهَا وَإِن للاستقبال سَوَاء دخلت على الْمُضَارع أَو الْمَاضِي، كَمَا أَن (لَو) للمضي على أَيهمَا دخلت؛ وَقد تسْتَعْمل ك (إِن) فِي الْمُسْتَقْبل فِي نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلأمة مُؤمنَة خير من مُشركَة وَلَو أَعجبتكُم﴾ ؛ و (إِن) لكَونه لتعليق أَمر بِغَيْرِهِ فِي الِاسْتِقْبَال لَا يكون كل من جملتيه إِلَّا فعلية استقبالية، وَقد يُخَالف ذَلِك لفظا لنكتة، كإبراز غير الْحَاصِل فِي معرض الْحَاصِل لقُوَّة الْأَسْبَاب أَو لكَون مَا هُوَ للوقوع كالواقع، أَو للتفاؤل، أَو لإِظْهَار الرَّغْبَة فِي وُقُوعه نَحْو: (إِن ظَفرت بِحسن الْعَاقِبَة) وَإِن جعلت تِلْكَ الجملتين أَو إِحْدَاهمَا

стр. 181

اسمية أَو فعلية ماضوية فَالْمَعْنى على الاستقبالية وَلَكِن قد يسْتَعْمل (إِن) فِي غير الِاسْتِقْبَال قِيَاسا إِذا كَانَ الشَّرْط لفظ (كَانَ) ، إِذْ قد نَص الْمبرد والزجاج على أَن (إِن) لَا تقلب (كَانَ) إِلَى معنى الِاسْتِقْبَال ومجيء (إِن) للشّرط فِي الْمُضِيّ مطرد مَعَ (كَانَ) نَحْو: ﴿إِن كُنْتُم فِي ريب﴾ ، وَمَعَ الْوَصْل نَحْو: (زيد بخيل وَإِن كثر مَاله) ، وَمَعَ غَيرهمَا قَلِيل كَقَوْلِه: (فيا وطني إِن فَاتَنِي بك سَابق) وَقد يُؤْتى بِالشّرطِ مَعَ الْجَزْم بِعَدَمِ وُقُوعه إِقَامَة للحجة بِقِيَاس بَين، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل بئْسَمَا يَأْمُركُمْ بِهِ إيمَانكُمْ إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ أَي: إِن كُنْتُم مُؤمنين بِالتَّوْرَاةِ فبئس مَا يَأْمُركُمْ بِهِ إيمَانكُمْ، لِأَن الْمُؤمن يَنْبَغِي أَن لَا يتعامل إِلَّا بِمَا يَقْتَضِيهِ إيمَانه، لَكِن الْإِيمَان بِالتَّوْرَاةِ لَا يَأْمر بِهِ فَإِذن لَسْتُم بمؤمنين وَقَول النَّحْوِيين إِن (إِن) إِذا دخل على الْمَاضِي يصيره مُسْتَقْبلا عكس (لَو) ينْتَقض بقوله تَعَالَى: ﴿إِن كنت قلته فقد عَلمته﴾ [قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَت لكبيرة﴾ تَأْكِيد يشبه الْيَمين، أَي: وَقد كَانَت، وَلذَلِك دخلت اللَّام فِي الْجَواب] و (إِن) لَا تسْتَعْمل فِي خطر، بِخِلَاف (كلما) فَإِنَّهَا قد تسْتَعْمل فِي الْأُمُور الكائنة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ﴾ إِلَى آخِره ونضج الْجُلُود كَائِن لَا محَالة، وَلما كَانَت (إِن) لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي خطر وَالشّرط هُوَ مَا يكون فِي خطر ف (إِن) لَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي الشَّرْط قَالَ بَعضهم: وَقع فِي الْقُرْآن (إِن) بِصِيغَة الشَّرْط وَهُوَ غير مُرَاد فِي سِتَّة مَوَاضِع: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ ، ﴿إِن كُنْتُم إِيَّاه تَعْبدُونَ﴾ ﴿وَإِن كُنْتُم على سفر﴾ ، ﴿إِن ارتبتم فعدتهن﴾ ﴿إِن خِفْتُمْ﴾ ﴿وبعولتهن أَحَق بردهن فِي ذَلِك إِن أَرَادوا إصلاحا﴾ أَنى ك (حَتَّى) : استفهامية بِمَعْنى (كَيفَ) نَحْو: ﴿أَنى يحيي هَذِه الله بعد مَوتهَا﴾ أَو بِمَعْنى (أَيْن) نَحْو: ﴿أَنى لَك هَذَا﴾ وَترد أَيْضا بِمَعْنى (مَتى) و (حَيْثُ) وَيحْتَمل الْكل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ لَكِن لما كَانَت كلمة (أَنى) مُشْتَركَة فِي معنيي (كَيفَ) و (أَيْن) وأشكل الْإِتْيَان فِي الْآيَة تأملنا فِيهِ فَظهر أَنه بِمَعْنى (كَيفَ) لقَرِينَة الْحَرْث، وَالَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان وَغَيره أَنَّهَا فِي هَذِه الْآيَة شَرْطِيَّة حذف جوابها لدلَالَة مَا قبلهَا عَلَيْهِ

стр. 182

الْإِنْزَال: هُوَ نقل الشَّيْء من أَعلَى إِلَى أَسْفَل، وَهُوَ إِنَّمَا يلْحق الْمعَانِي بتوسط لُحُوقه الذوات الحاملة لَهَا وَيسْتَعْمل فِي الدفعي لِأَن (أفعلته) يكون لإيقاع الْفِعْل دفْعَة وَاحِدَة والتنزيل: يسْتَعْمل فِي التدريجي، لِأَن (فعلته) يكون لإيقاع الْفِعْل شَيْئا فَشَيْئًا [وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن جملَة وَاحِدَة﴾ بِمَعْنى أنزل ك (خبر) بِمَعْنى (أخبر) فَلَا تدافع] قَالَ ابْن كَمَال: تَضْعِيف (نزلنَا) بِمَنْزِلَة همزَة الْفِعْل، وَلَا دلَالَة فِي (نزل) مشددا على النُّزُول منجما فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة، لِأَن مبناه على أَن يكون التَّضْعِيف للتكثير، وَذَلِكَ فِي الْمُتَعَدِّي نَحْو: (قطعت) وَلَا يكون فِي اللَّازِم إِلَّا نَادرا نَحْو: (مَاتَ الْإِبِل) و (موت) إِذا كثر ذَلِك فِيهِ وَقيل: الْإِنْزَال بِوَاسِطَة جِبْرِيل، والتنزيل بِلَا وَاسِطَة والتنزيل: النُّزُول على مهل لِأَنَّهُ مُطَاوع (نزل) ، وَقد يُطلق بِمَعْنى النُّزُول مُطلقًا كَمَا يُطلق (نزل) بِمَعْنى (أنزل) وَالنُّزُول بِاعْتِبَار أَنه من فَوق يعدى ب (على) ، وَبِاعْتِبَار أَنه يَنْتَهِي إِلَى الْمُرْسل إِلَيْهِ يعدى ب (إِلَى) قَالَ الله تَعَالَى فِي خطاب الْمُسلمين: ﴿قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ و (إِلَى) يَنْتَهِي بهَا من كل جِهَة يَأْتِي مبلغه إيَّاهُم مِنْهَا، وَقَالَ مُخَاطبا للنَّبِي: ﴿قل آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل علينا﴾ لِأَن النَّبِي إِنَّمَا أُتِي لَهُ من جِهَة الْعُلُوّ خَاصَّة وَنسبَة التَّنْزِيل إِلَى النَّبِي أَولا وبالذات وَإِلَى الْأمة ثَانِيًا وبالعرض، كالحركة بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّفِينَة، فَيكون مجَازًا فيهم، لَكِن قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد أنزلنَا إِلَيْكُم كتابا فِيهِ ذكركُمْ﴾ يُفِيد الْحَقِيقَة وَيُؤَيِّدهُ عمومات الْخطاب، وَلَا يُنَافِيهِ نزُول جِبْرِيل ﵇ واختصاص الْوَحْي بِهِ وَهُوَ الْفَرد الْكَامِل الْعُمْدَة مِمَّن أنزل عَلَيْهِ الْقُرْآن الْوَاسِطَة فِي التَّبْلِيغ؛ نَظِيره أَن الْمُسَافِر إِذا نزل بداره وَنزل بِبَلَدِهِ حَقِيقَة الانسجام: هُوَ أَن يكون الْكَلَام لخلوه من العقادة متحدرا كتحدر المَاء المنسجم لسهولته وعذوبة أَلْفَاظه وَعدم تكلفه ليَكُون لَهُ فِي الْقُلُوب موقع وَفِي النُّفُوس تَأْثِير؛ من ذَلِك مَا وَقع فِي أثْنَاء آيَات التَّنْزِيل مَوْزُونا بِغَيْر قصد فَمن الطَّوِيل ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر﴾ وَمن المديد: ﴿واصنع الْفلك بأعيننا﴾ وَمن الْبَسِيط: ﴿فَأَصْبحُوا لَا يرى إِلَّا مساكنهم﴾ وَمن الوافر: ﴿ويخزهم وينصركم عَلَيْهِم ويشف صُدُور قوم مُؤمنين﴾ وَمن الْكَامِل: ﴿وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَمن الهزج: (فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ

стр. 183

بَصيرًا﴾ وَمن الرجز: ﴿ودانية عَلَيْهِم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا﴾ وَمن الرمل: ﴿وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ وَمن السَّرِيع: ﴿أَو كَالَّذي مر على قَرْيَة﴾ وَمن المنسرح: ﴿إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان من نُطْفَة﴾ وَمن الْخَفِيف: ﴿لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾ وَمن الْمُضَارع: ﴿تولون مُدبرين﴾ وَمن المقتضب: ﴿فِي قُلُوبهم مرض﴾ وَمن المجتث: ﴿نبىء عبَادي أَنِّي أَنا الغفور الرَّحِيم﴾ وَمن المتقارب: ﴿وأملي لَهُم إِن كيدي متين﴾ وَمن أَمْثِلَة الانسجام الْجَارِي من أشعار الفصحاء قَول أبي تَمام: (نقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى ... مَا الْحبّ إِلَّا للحبيب الأول) الْإِنْشَاء: الإيجاد والإحداث وَأَنْشَأَ يَحْكِي: جعل وابتدأ و [أنشأ] الله السَّحَاب: رَفعه و [أنشأ] الحَدِيث: وَضعه والنشيئة: مَا غض من كل نَبَات وَلم يغلظ بعد كالنشاءة والإنشاء: إِخْرَاج مَا فِي الشَّيْء بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْل وَهُوَ كَمَا يُطلق على الْكَلَام الَّذِي لَيْسَ لنسبته خَارج تطابقه أول، كَذَلِك يُطلق على فعل الْمُتَكَلّم، أَعنِي إِلْقَاء الْكَلَام الإنشائي كالإخبار، [والإنشاء والإخبار ليسَا بممتنعي الِاجْتِمَاع فِي كَلَام الْفُقَهَاء، كَمَا فِي المنقولات الشَّرْعِيَّة، فَإِنَّهَا من جِهَة أَن مضمونها لَا يثبت إِلَّا بهَا إنْشَاء، وَمن جِهَة أَن الشَّرْع قد اعْتبر إِيقَاع مضمونها من الْمُتَكَلّم لتصحيح الْكَلَام خبر، وَالْفرق بَينهمَا إِنَّمَا هُوَ بَين الْإِنْشَاء والإخبار عَمَّا فِي الْخَارِج تَحْقِيقا، كَمَا فِي الإخبارات الْمَحْضَة، وَأما الْفرق بَين الْإِنْشَاء والإخبار عَن خَارج ضَرُورِيّ لم يُثبتهُ الشَّرْع اقْتِضَاء لتصحيح الْكَلَام فأدق من الْفرق بَين الْإِنْشَاء والإخبار عَمَّا فِي النَّفس] ثمَّ الْإِنْشَاء على نَوْعَيْنِ: إيقاعي: أَي مَوْضُوع لطلب الْمُتَكَلّم شَيْئا لم يكن بعد وطلبي: أَي مَوْضُوع لطلب الْمُتَكَلّم شَيْئا من غَيره ثمَّ الإيقاعي مِنْهُ على أنحاء، مِنْهَا أَفعَال متصرفة مَاضِيَة، أَو مضارعة حَالية بعد نقلهَا عَن مَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّة الإخبارية أما الْمَاضِي فكألفاظ الْعُقُود والفسوخ الصادرة عَن الْمُتَكَلّم حَال مُبَاشَرَته العقد وَالْفَسْخ وَأما الْمُضَارع فنحو: (أشهد بِاللَّه) و (أقسم بِاللَّه)

стр. 184

و (أعوذ بِاللَّه) الصادرة عَنهُ حِين أَدَاء الشَّهَادَة وَالْقسم والاستعاذة وَمِنْهَا أَفعَال غير متصرفة منقولة أَيْضا عَن مَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّة الإخبارية بِلَا اسْتِعْمَال فِيهَا بعد النَّقْل كأفعال الْمَدْح والذم والمقاربة والتعجب وَمِنْهَا حُرُوف كواو الْقسم وبائه وتائه و (رب) و (كم) الخبرية و (لَعَلَّ) وَمِنْهَا جمل اسمية إخبارية بعد النَّقْل أَيْضا كَقَوْل الْقَائِل: (أَنْت حر) و (أَنْت طَالِق) و (الْحَمد لله) على قَول، أَي حَال إِعْتَاقه وتطليقه وحمده وَكَذَا الطلبي على أنحاء: أَمر، وَنهي، واستفهام وتمن، ونداء وَقد يسْتَعْمل مقَام الْأَمر صِيغ الْإِخْبَار من الْمَاضِي والمضارع وَاسم الْمَفْعُول وَالْجُمْلَة الاسمية، وَذَلِكَ لاعتبارات خطابية لَطِيفَة يقتضيها الْمقَام، مثل إِظْهَار الْحِرْص فِي وُقُوع الْأَمر الْمَطْلُوب، والاحتراز عَن صُورَة الْأَمر رِعَايَة لحسن الْأَدَب، بِنَاء على أَن ظَاهر الْأَمر يُوهم علو دَرَجَة الْآمِر على دَرَجَة الْمَأْمُور، وَالْقَصْد إِلَى الْمُبَالغَة فِي الطّلب ليَكُون الْمَأْمُور مسارعا فِي إِتْيَانه بالمطلوب، وَغير ذَلِك من الاعتبارات الْمَذْكُورَة فِي كتب الْمعَانِي [الْإِنْسَان: هُوَ عَام بِالنّظرِ إِلَى الْأَفْرَاد، خَاص بِالنّظرِ إِلَى نفس الْمَعْنى وَقطع النّظر عَن الْأَفْرَاد] وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِهَذَا الْبدن وَلَا مدْخل للبدن فِي مُسَمَّاهُ، وَلَيْسَ الْمشَار إِلَيْهِ ب (أَنا) الهيكل المحسوس، بل الإنسانية [الَّتِي هِيَ صورتهَا النوعية الْحَالة فِي مادتها المحصلة لنَوْع الْبدن الإنساني، الَّتِي هِيَ كالآلة للنَّفس الناطقة فِي التَّصَرُّف فِي الْبدن فِي أَجْزَائِهِ وَأما النَّفس الناطقة فَهِيَ وَإِن كَانَت كمالا أَولا ومبدءا للآثار والخواص الإنسانية، لَكِنَّهَا لَيست حَالَة فِي الْمَادَّة، بل هِيَ مُتَعَلقَة بهَا، فَلَا يُسمى صُورَة إِلَّا مجَازًا، وَتلك الإنسانية] المقومة لهَذَا الهيكل هَذَا على مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة وَالْغَزالِيّ، وَهِي لَطِيفَة ربانية نورانية روحانية سلطانية خلقت فِي عَالم اللاهوت فِي أحسن تَقْوِيم، ثمَّ ردَّتْ إِلَى عَالم الْأَبدَان الَّذِي هُوَ أَسْفَل فِي نظام سلسلة الْوُجُود؛ وَتلك اللطيفة هِيَ الْمُكَلف والمطيع والعاصي والمثاب والمعاقب وَقَالَ جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين: إِن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ الهيكل المحسوس، وَيَعْنِي بِهِ هَذَا الْبدن الْمُتَقَوم بِالروحِ وَعبارَة الْأَشْعَرِيّ فِي " الابحار " أَن الْإِنْسَان هُوَ هَذِه الْجُمْلَة المصورة ذَات الأبعاض والصور، وَلَا خلاف لأحد من الْعُقَلَاء فِي أَن مَا عبر عَنهُ ب (أَنا) فِي (أَنا أكلت وشربت وَأمرت ومرضت وَخرجت وَدخلت) وأمثالها لَيْسَ إِلَّا الْبدن، وَالروح الْمُخْتَلف فِيهِ شَيْء آخر غير هَذَا؛ وَأما فِي مثل (أَنا رَأَيْت الْمَنَام) فيراد بِهِ الرّوح، وَذَلِكَ لشدَّة الملابسة بَينهمَا وعَلى هَذَا الأَصْل اخْتلف الْفُقَهَاء فِي مسَائِل مِنْهَا: أَن مورد الْحل فِي النِّكَاح هَل هُوَ هَذَا الهيكل بأجزائه الْمُتَّصِلَة اتِّصَال خلقه، أَو إنسانية الْمَرْأَة دون الْأَجْزَاء والأعضاء؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة: هُوَ الْبدن بِدَلِيل: ﴿فانكحوهن بِإِذن أهلهن﴾ حَيْثُ أضَاف النِّكَاح إِلَى ذواتهن، والمعني بِالذَّاتِ جَمِيع الْأَجْزَاء والأعضاء الْمَوْجُودَة لَدَى العقد وَعند

стр. 185

الْحَنَفِيَّة: الإنسانية، لِأَن الْأَجْزَاء الْمَوْجُودَة عِنْد العقد تتحلل وتتجدد فَيلْزم تجدّد النِّكَاح كل يَوْم، وَفِيه أَن النِّكَاح عرض فَلَا يبْقى زمانين، فَلَزِمَ التجدد أَيْضا فِي صُورَة كَون الْمَعْقُود عَلَيْهِ إنسانيتها، وَإِنَّمَا لم يضف الْحل إِلَى الْبضْع لِأَن الْبضْع مَوضِع بدل الْعِوَض، مَعَ عدم قطع النّظر عَن الإنسانية؛ وَالْمعْنَى هَهُنَا أَن الإنسانية مورد الْحل؛ وَأَن وُرُود العقد على جسم مُتَقَوّم وَمِنْهَا: مَسْأَلَة غسل الزَّوْج زَوجته الْميتَة، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة جَائِز بِدَلِيل غسل عَليّ فَاطِمَة لبَقَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ وَهُوَ الْبدن، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك عِنْد الْحَنَفِيَّة بِنَاء على أَن مورد العقد الْمَعْنى الزائل بِالْمَوْتِ، فَتبْطل أَهْلِيَّة المملوكية، مَعَ أَن لَهَا غسل زَوجهَا الْمَيِّت فِي الْعدة أَلْبَتَّة، إِذْ الزَّوْجِيَّة مَمْلُوكَة لَهُ فَبَقيَ مالكيتها لَهُ إِلَى انْقِضَاء الْعدة وَمِنْهَا: لَو طلق روحها وَقع على الْمَذْهَب، وَفِيه خلاف مَبْنِيّ على أَن الرّوح جسم أَو عرض وَمِنْهَا: لَو علق طَلاقهَا على رُؤْيَة زيد فرأته حَيا أَو مَيتا وَقع، وَلم يُخرجهُ الْمَوْت عَن كَونه زيدا وَمِنْهَا: إِذا وجد بعض الْمَيِّت هَل يَنْوِي الصَّلَاة على جملَة الْمَيِّت أَو على مَا وجد مِنْهُ؟ كالاختلاف بَين الْمُتَكَلِّمين فِي أَن الْعُضْو المبان هَل يحضر مَعَه وَيدخل الْجنَّة إِن كَانَ من أَهلهَا؟ ثمَّ الْإِنْسَان عِنْد عُلَمَاء الشَّرِيعَة جنس وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ نوع وَعند المناطقة: الْإِنْسَان نوع وَالْحَيَوَان جنس [ثمَّ اعْلَم أَن الشَّيْء هُوَ إِنْسَان فِي الْحَقِيقَة أَجزَاء لَطِيفَة سَارِيَة فِي هَذَا الْبدن، بَاقِيَة من أول الْعُمر إِلَى آخِره، إِمَّا لأجل أَن تِلْكَ الْأَجْسَام أجسام مُخَالفَة للماهية لهَذِهِ الْأَجْسَام العنصرية الكائنة الْفَاسِدَة المتحللة، وَتلك الْأَجْسَام حَيَّة لذاتها، مضيئة شفافة، فَلَا جرم كَانَت مصونة عَن التبدل والتحلل، وَإِمَّا لِأَنَّهَا كَانَت مُتَسَاوِيَة لهَذِهِ الْأَجْسَام العنصرية إِلَّا أَن الْفَاعِل الْمُخْتَار صانها عَن التَّغَيُّر والانحلال بقدرته، وَجعلهَا بَاقِيَة دائمة من أول الْعُمر إِلَى آخِره، فَعِنْدَ الْمَوْت تنفصل تِلْكَ الْأَجْزَاء الجسمانية الَّتِي هِيَ الْإِنْسَان، وَتبقى على حَالهَا حَيَّة مدركة عَاقِلَة فاهمة، وتتخلص إِمَّا إِلَى منَازِل السُّعَدَاء، وَإِمَّا إِلَى منَازِل الأشقياء ثمَّ إِن الله تَعَالَى يضم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى هَذِه الْأَجْزَاء الْأَصْلِيَّة أَجزَاء آخر زَائِدَة كَمَا فعل ذَلِك فِي الدُّنْيَا، ويوصل الثَّوَاب وَالْعِقَاب على مَا كَانَ مُطيعًا أَو عَاصِيا فِي الدُّنْيَا هَذَا على القَوْل بِأَن الْإِنْسَان جسم محسوس سَار فِي هَذَا الْبدن، وَكَذَا على قَول من يَقُول: إِن الْإِنْسَان عبارَة عَن جَوْهَر مُجَرّد عَن الحجمية والمقدار وَسَيَجِيءُ التَّفْصِيل فِي بحث الرّوح وَالنَّفس إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَيْضا أَن] من عادات الْقُرْآن أَنه إِذا كَانَ الْمقَام مقَام التَّعْبِير عَن الْمُفْرد يذكر الْإِنْسَان نَحْو: ﴿وكل إِنْسَان ألزمناه﴾ وَإِذا كَانَ مقَام التَّعْبِير عَن الْجمع يذكر النَّاس نَحْو: ﴿إِن الله لذُو فضل على النَّاس﴾ وَلذَلِك لَا يذكر الْإِنْسَان إِلَّا وَالضَّمِير الرَّاجِع إِلَيْهِ مُفْرد، وَلَا يذكر النَّاس إِلَّا وَالضَّمِير الرَّاجِع إِلَيْهِ ضمير جمع

стр. 186

وَإِذا كَانَ الْمقَام مقَام التَّعْبِير عَن طَائِفَة مِنْهُ يذكر الأناس نَحْو: ﴿يَوْم نَدْعُو كل أنَاس بإمامهم﴾ وَأكْثر مَا أَتَى الْقُرْآن باسم الْإِنْسَان عِنْد ذمّ وَشر نَحْو: ﴿قتل الْإِنْسَان مَا أكفره﴾ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان عجولا﴾ ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم﴾ والأناسي: جمع إِنْسَان الْعين، وَهُوَ الْمِثَال الَّذِي بِهِ يرى فِي السوَاد فَيكون الْيَاء عوضا من النُّون، وَقد يعبر بهَا عَن فنون اللطائف وخيارها الإنباء: هُوَ إِذا كَانَ بِمَعْنى الْإِعْلَام يتَعَدَّى إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل، يجوز الِاكْتِفَاء بِوَاحِد وَلَا يجوز الإكتفاء بإثنين دون الثَّالِث وَفِي جَوَاب ﴿من أَنْبَأَك﴾ ﴿نَبَّأَنِي الْعَلِيم الْخَبِير﴾ فضلا عَن كَونه أبلغ تَنْبِيه على تَحْقِيقه وَكَونه من قبل الله وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الْإِخْبَار يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، يجوز الِاكْتِفَاء بِوَاحِد دون الثَّانِي، (وأنبأته كَذَا) : اعلمته كَذَا؛ و (أنبأته بِكَذَا) كَقَوْلِك: (اخبرته بِكَذَا) وَلَا يُقَال: (نبأ) إِلَّا لخَبر فِيهِ خطر قَالَ المحدثون: أَنبأَنَا أحط دَرَجَة من دَرَجَة أخبرنَا الْإِنَابَة: أناب فِي الأَصْل بِمَعْنى أَقَامَ غَيره مقَام شَيْء وناب يَنُوب: بِمَعْنى قَامَ الشَّيْء مقَام غَيره وَقيل: الْإِنَابَة بِمَعْنى الرُّجُوع، وَلم يُوجد فِي الْكتب المتداولة مَجِيئه بِمَعْنى جعل الْغَيْر نَائِبا عَن نَفسه، وَقد استعملها صَاحب الْكَشَّاف فِي ذَلِك الْمَعْنى وَفِي " الأساس ": أَنْبَتَهُ منابي واستنبته الْإِنْكَار: ثلاثيه فِيمَا يرى بالبصر، ورباعية فِيمَا لَا يرى من الْمعَانِي؛ وإنكار الشَّيْء قطعا أَو ظنا إِنَّمَا يتَّجه إِذا ظهر امْتِنَاعه بِحَسب النَّوْع أَو الشَّخْص أَو بحث عَمَّا يدل عَلَيْهِ أقْصَى مَا يُمكن فَلم يُوجد وَالْإِنْكَار التوبيخي: يَقْتَضِي أَن مَا بعده وَاقع، وَأَن فَاعله ملوم على ذَلِك، والإبطالي: يَقْتَضِي أَنه غير وَاقع، وَأَن مدعيه كَاذِب نَحْو: ﴿أفأصفاكم ربكُم بالبنين﴾ [وَالْإِنْكَار من الله تَعَالَى إِمَّا بِمَعْنى أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يعقل أَو بِمَعْنى (لَا يُمكن) ] الانحصار: الانضباط والتعين؛ وَالْقَوْم بانحصار التَّقْسِيم سَهْو، إِذْ التَّقْسِيم حاصر، إِلَّا أَن يُوَجه بِأَنَّهُ مجَاز من بَاب الْإِسْنَاد إِلَى السَّبَب الانبجاس: أَكثر مَا يُقَال [ذَلِك] فِيمَا يخرج من شَيْء ضيق والانفجار: يسْتَعْمل فِيهِ وَفِيمَا يخرج من شَيْء وَاسع وَمَا فِي سُورَة " الْبَقَرَة " لَعَلَّه انبجس أَولا ثمَّ انفجر ثَانِيًا الانطواء: انطوى عَلَيْهِ: اشْتَمَل؛ وانطوى فِيهِ: اندرج؛ ومنطو تَحت ذَاك: أَي مندرج الِانْعِقَاد: هُوَ تعلق كَلَام أحد الْعَاقِدين بِالْآخرِ

стр. 187

شرعا على وَجه يظْهر أَثَره فِي الْمحل والإيجاب: مَا يذكر أَولا من كَلَام الْعَاقِدين، وَبِه يثبت خِيَار الْقبُول للْآخر الْإِنْذَار: هُوَ إبلاغ الْمخوف مِنْهُ، والتهديد، والتخويف وَذكر الْوَعيد مَعَ الْإِنْذَار وَاجِب لَا مَعَ التهديد الإنجاء: قيل: معنى أَنْجَاهُ: أخلصه قبل وُقُوعه فِي الْمهْلكَة؛ ونجاه: أخلصه بعد الْوُقُوع الإنجاح: أنجح فلَان: بلغ مُرَاده وأنجح الْحَاجة: قَضَاهَا وأنجح عمل فلَان: بلغ الْعَمَل إِلَى مَا أُرِيد من النجاح وَالثَّوَاب الإنارة: جعل الشَّيْء منيرا، وَيَجِيء لَازِما أَيْضا كأضاء الْإِنَاء: بِالْكَسْرِ مَقْصُور وبالفتح مَمْدُود وأناه: وقته؛ وَبلغ هَذَا أناءه، وبكسر: غَايَته أَو نضجه إِدْرَاكه كَذَا فِي " الْقَامُوس " وآناء اللَّيْل: ساعاته والانفصال: أَعم من الانفكاك آنِفا: أَي قَرِيبا أَو هَذِه السَّاعَة، أَو أول وَقت كُنَّا فِيهِ، من قَوْلهم: (أنف الشَّيْء) لما تقدم مِنْهُ، مستعار من الْجَارِحَة؛ وَمِنْه: اسْتَأْنف، وَهُوَ ظرف بِمَعْنى وقتا مؤتنفا، أَو حَال، وَالْمدّ أشهر أنعم صباحا: كلمة تَحِيَّة من (نعم) : طَابَ عَنهُ، وَخص الصَّباح لِأَنَّهُ وَقت الغارات والمكاره أَنْت: كلمة (أَن) فِي (أَنْت) مَوْضُوع للمخاطب، وَمَا لحقه لخصوصية التَّذَكُّر والتأنيث والإفراد والتثنية وَالْجمع، وَالْخطاب أبلغ فِي الْإِعْلَام والإفهام من النداء، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون بِالتَّاءِ أَو الْكَاف، وَهُوَ يقطع شركَة الْغَيْر، والنداء يكون بِالِاسْمِ أَو بِالصّفةِ، وَذَلِكَ لَا يقطع الِاشْتِرَاك وَأعرف المعارف (أَنا) وأوسطها (أَنْت) وَأَدْنَاهَا (هُوَ) ؛ وَكلمَة التَّوْحِيد قد وَردت بِكُل وَاحِدَة من هَذِه الْأَلْفَاظ، وَلما قَالَ فِرْعَوْن ﴿آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بنوا إِسْرَائِيل﴾ لم يقبل الله مِنْهُ ذَلِك، وَقد نظمت فِيهِ: (شَأْن الضمائر أَعلَى إِذْ بهَا وَردت ... مفاتح الْخلد فِي الْآيَات تَفْصِيلًا) (لما خلا اللَّفْظ عَن شَأْن الضَّمِير إِذن ... لم يقبل الله من فِرْعَوْن مَوْصُولا) [نوع] ﴿أناسي﴾ : جمع إنسي، وَهُوَ وَاحِد الْإِنْس، جمعه على لَفظه مثل: كرْسِي وكراسي، أَو جمع إِنْسَان، فالياء بدل من النُّون، لِأَن الأَصْل (أناسين) مثل: سراحين، جمع سرحان، وَالنَّاس قد يكون من الْإِنْس وَمن الْجِنّ ﴿أنكاثا﴾ : [النكث هُوَ مَا نقض من غزل الشّعْر وَغَيره] ﴿أنقض ظهرك﴾ : أَي: كَسره حَتَّى صَار لَهُ

стр. 188

نقيض أَي: صَوت، لِأَن نقيض المفاصل صَوتهَا ﴿آنستم﴾ : عَرَفْتُمْ ﴿فانبجست﴾ : انفجرت ﴿فانفروا ثبات﴾ : فاخرجوا إِلَى الْجِهَاد جماعات مُتَفَرِّقَة ﴿آنَاء اللَّيْل﴾ : ساعاته ﴿فَإِذا انسلح﴾ : انْقَضى ﴿فانبذ إِلَيْهِم﴾ : فاطرح إِلَيْهِم عَهدهم ﴿فانهار﴾ : فانهدم ﴿أنكر الْأَصْوَات﴾ : أقبحها وأوحشها ﴿انكدرت﴾ : انْقَضتْ أَو تَغَيَّرت ﴿انفطرت﴾ : انشقت ﴿فانصب﴾ : فاتعب فِي الْعِبَادَة أَو فِي الدُّعَاء ﴿فانتصر﴾ : فانتقم ﴿أَنْصتُوا﴾ : اسْكُتُوا ﴿وأناسي كثيرا﴾ : يَعْنِي أهل الْبَوَادِي الَّذين يعيشون بالحيا ﴿إِذا انتبذت﴾ : اعتزلت ﴿فأنظرني﴾ : فأخرني ﴿لانفضوا من حولك﴾ : لتفرقوا عَنْك وَلم يسكنوا إِلَيْك ﴿أَنْفقُوا﴾ : تصدقوا ﴿وأنشأنا﴾ : وأحدثنا ﴿فَانْتهى﴾ : فاتعظ وَاتبع النهى ﴿كره الله انبعاثهم﴾ : أَي نهوضهم لِلْخُرُوجِ ﴿وَقُولُوا انظرنا﴾ : من: نظره: إِذا انتظره، وَأما (انْظُر إِلَيْنَا) فَلَا يُنَاسب الْمقَام ﴿من عين آنِية﴾ : جَارِيَة ﴿حميم آن﴾ : هُوَ الَّذِي انْتهى حره ﴿غير ناظرين إناه﴾ : غير منتظرين وقته أَو إِدْرَاكه ﴿فَانْتَشرُوا﴾ : تفَرقُوا وَلَا تمكثوا ﴿انتثرت﴾ : تساقطت مُتَفَرِّقَة ﴿وأناب﴾ : وَرجع إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ

стр. 189

﴿انفروا﴾ : اغزوا ﴿أندادا﴾ : أشباها [ ﴿أنبتكم من الأَرْض﴾ : أنشأكم مِنْهَا ﴿إِذْ انْبَعَثَ﴾ : حِين قَامَ رَسُولا ﴿من أنفسهم﴾ : من نسبهم أَو جنسهم عَرَبيا، أَو من أَشْرَفهم، على قِرَاءَة فَتْحة الْفَاء والأنصاب: أَي الْأَصْنَام الَّتِي نصبت لِلْعِبَادَةِ وَالْأَنْصَار: أهل بيعَة الْعقبَة الأولى وَأهل الْعقبَة الثَّانِيَة، وَالَّذين آمنُوا حِين قدم عَلَيْهِم أَبُو زُرَارَة وَمصْعَب بن عُمَيْر] (فصل الْألف وَالْوَاو) [أَو] : أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن ابْن جريج أَنه قَالَ: كل شَيْء فِي الْقُرْآن (أَو) فللتخيير إِلَّا قَوْله: ﴿أَن يقتلُوا أَو يصلبوا﴾ قَالَ الشَّافِعِي: وَبِهَذَا أَقُول [الأواه] : كل كَلَام يدل على حزن يُقَال لَهُ التأوه ويعبر بالأواه [الْأُوقِيَّة] : كل أُوقِيَّة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالا، ومثقال الشَّيْء: مِيزَانه من عينه كَمَا فِي " الْعباب " والمثقال فِي الْفِقْه من الذَّهَب عبارَة عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين شعيرَة، قَالَه الْكرْمَانِي أَو: كلمة (أَو) إِذا كَانَت للشَّكّ أَو التَّقْسِيم أَو الْإِبْهَام أَو التَّسْوِيَة أَو التَّخْيِير أَبُو بِمَعْنى (بل) أَو (إِلَى) أَو (حَتَّى) أَو (كَيفَ) كَانَت عاطفة سَاكِنة وَإِذا كَانَت للتقرير أَو التَّوْضِيح أَو الرَّد أَو الْإِنْكَار أَو الِاسْتِفْهَام كَانَت مَفْتُوحَة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَو لَو كَانَ آباؤهم لَا يعلمُونَ﴾ قَالَ ابْن عَطِيَّة: هِيَ عاطفة، والزمخشري جعلهَا وَاو الْحَال [لَو] : و (لَو) الَّتِي تَجِيء هَذَا الْمَجِيء شَرْطِيَّة وَكلمَة (أَو) إِذا وَقعت فِي سِيَاق النَّفْي تحْتَمل مَعْنيين: أَحدهمَا نفي أحد الْأَمريْنِ، وَذَلِكَ إِذا دخلت قبل تسليط النَّفْي عَلَيْهِ، وَالْآخر: نفي أحد النفيين، وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون إِذا دخلت بعد تسليط النَّفْي على الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، لِأَن النَّفْي لَا يتَصَوَّر إِلَّا بعد تصور الْإِثْبَات فَإِذا قيل: (مَا جَاءَنِي زيد أَو عَمْرو) فَرُبمَا يتَصَوَّر مَجِيء أَحدهمَا، وَلَا يكون إِلَّا بعد مجيئهما؛ وَرُبمَا يتَصَوَّر مَجِيء زيد وينفى ثمَّ يعْطف عَلَيْهِ عَمْرو، فَيجب النَّفْي فِيهِ أَيْضا، فَيكون الْمَعْنى أحد النفيين وَإِذا وَقعت فِي الْإِثْبَات ذكر بَعضهم أَنَّهَا تخص فِي الْإِثْبَات كَمَا فِي آيَة التَّكْفِير، وَفِي النَّفْي وَالْإِبَاحَة تعم كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا لبعولتهن أَو آبائهن﴾ وَمن قَالَ إِنَّهَا للتشكيك فَهُوَ مُخطئ، لِأَن التشكيك لَيْسَ بمقصود ليوضع لَهُ حرف، بل

стр. 190

مُوجبه إِثْبَات أحد الْأَمريْنِ ثمَّ القَوْل بِأَنَّهَا تخص فِي الْإِثْبَات ينْتَقض بِالْإِبَاحَةِ، لِأَنَّهَا إِثْبَات، و (أَو) فِيهَا تفِيد الْعُمُوم كَقَوْلِهِم: (جَالس الْفُقَهَاء أَو الْمُحدثين) وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا حملت ظهورهما أَو الحوايا أَو مَا اخْتَلَط بِعظم﴾ وَالِاسْتِثْنَاء من التَّحْرِيم إِبَاحَة فَتثبت فِي جَمِيع هَذِه الْأَشْيَاء وَإِذا وَقعت بَين نفي وَإِثْبَات ينظر إِلَى الْمَذْكُور آخرا، فَإِن صلح غَايَة للْأولِ حمل على غَايَة لما بَين الْغَايَة والتخيير من الْمُنَاسبَة، و (أَو) تسْتَعْمل فِي الْغَايَة بِمَعْنى (حَتَّى) نَحْو: ﴿تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ ﴿لأذبحنه أَو ليأتيني بسُلْطَان مُبين﴾ وَإِن لم يصلح للغاية كَانَت للتَّخْيِير عملا بِالْحَقِيقَةِ عِنْد عدم الْمَانِع، وَإِذا دخلت بَين المستثنيات كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ﴾ إِلَى آخِره، وَقَوله: ﴿وَلَا يبدين زنينتهن﴾ إِلَى آخِره وَكَذَا بَين نفيين كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا﴾ فَإِن (أَو) فِيهَا بِمَعْنى (وَلَا) وَكَذَا بَين إباحتين كَمَا فِي (جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين﴾ فَفِي هَذِه الصُّور أفادت الْجمع كالواو، وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْحَقِيقَة من التَّحْرِيم إِبَاحَة، كَمَا عرفت آنِفا، فَتثبت فِي جَمِيع مَا عَداهَا وَهَذَا لَيْسَ بِاعْتِبَار أصل الْوَضع، بل بِاعْتِبَار الِاسْتِعَارَة، فَإِنَّهَا تستعار لعُمُوم الْأَفْرَاد فِي مَوضِع النَّفْي بِاعْتِبَار أَنَّهَا إِذا تناولت أَحدهَا غير عين صَار ذَلِك المتناول نكرَة فِي مَوضِع النَّفْي فتعم وتستعار أَيْضا لعُمُوم الِاجْتِمَاع فِي مَوضِع الْإِبَاحَة بِقَرِينَة طارئة على الْوَضع، وَهِي أَن الْمُسْتَفَاد من الْإِبَاحَة رفع الْقَيْد فَيثبت الْإِطْلَاق على الْعُمُوم وَالْحَاصِل أَن الْعُمُوم بنوعية طارئة عَلَيْهِ، وَتَنَاول أحد الْمَذْكُورين بِالْوَضْعِ لقَوْله تَعَالَى: ﴿من أَوسط مَا تطْعمُونَ أهليكم أَو كسوتهم﴾ فَفِيمَا إِذا قَالَ: (لَا أَدخل هَذِه الدَّار أَو لَا أَدخل هَذِه) فَأَيّهمَا دخل حنث، لما أَن دُخُول (أَو) بَين نفيين يَقْتَضِي انتفاءهما وَفِي (لأدخلن هَذِه الدَّار الْيَوْم أَو هَذِه الدَّار الْأُخْرَى) بر بِدُخُول وَاحِدَة مِنْهُمَا، لما أَن دُخُول (أَو) بَين إثباتين يَقْتَضِي ثُبُوت أَحدهمَا وَأما إِذا دخل بَين نفي وَإِثْبَات ك (لَا أَدخل هَذِه الدَّار أبدا أَو لأدخلن هَذِه الْأُخْرَى الْيَوْم) بر بِدُخُول الثَّانِيَة فِي الْيَوْم، وَحنث بفوت الدُّخُول أصلا، أَو دُخُول الأولى، لِأَنَّهُ ادخل كلمة (أَو) بَين نفي مؤبد وَإِثْبَات مُؤَقّت، والمؤقت لَا يصلح غَايَة للمؤيد، فأفادت مُوجبهَا الْأَصْلِيّ وَهُوَ التَّخْيِير فِي الْتِزَام أَي الشَّرْطَيْنِ شَاءَ، وَإِنَّمَا جعلت هَهُنَا للتَّخْيِير مَعَ أَن الأَصْل أَن (أَو) إِذا دخلت بَين نفي وَإِثْبَات تجْعَل بِمَعْنى (حَتَّى) كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ (لأذبحنه أَو

стр. 191

ليأتيني بسُلْطَان مُبين﴾ وَهَكَذَا اسْتِعْمَال الفصحاء وَالْعرْف لِأَنَّهُ امكن فِي الْآيَة جعلهَا بِمَعْنى (حَتَّى) وَتعذر هُنَاكَ فَجعلت للتَّخْيِير، وَكَذَا تجْعَل بِمَعْنى الْغَايَة فِيمَا إِذا دخلت بَين نفي وإثباتين، كَمَا إِذا قَالَ: (وَالله لَا أَدخل هَذِه الدَّار أَو أَدخل هَذِه الْأُخْرَى أَو أَدخل هَذِه الْأُخْرَى) فَاقْتضى الْخُصُوص فِي الْإِثْبَات وَيجْعَل الْمُثبت فِي حكم الْغَايَة للنَّفْي، فَإِذا دخل الأولى قبل أَن يدْخل إِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ حنث، وَإِن دخل بعده بر لانْتِهَاء الْحَظْر بِوُجُود الْغَايَة ثمَّ اعْلَم أَن كلمة (أَو) على مَا بَين فِي الْكتب تَجِيء لسِتَّة معَان: أَحدهَا: التَّسْوِيَة ن فَإِن الْمخبر إِذا جزم بتعلق الحكم بكلا الشَّيْئَيْنِ بطرِيق اسْتِقْلَال كل مِنْهُمَا فِي الثُّبُوت لَهُ مَعَ تساويهما فِي جنس الثُّبُوت ف (أَو) هَذِه للتسوية، وَكَونهَا للإضراب ك (بل) قد أجَازه سِيبَوَيْهٍ بِشَرْطَيْنِ: تقدم نفي أَو نهي، وإعادة عَامل، فَهَذَا الْمَعْنى رَاجع إِلَى معنى التَّسْوِيَة فِي النَّفْي، لِأَن الْجُمْلَة المنفية إِذا ذكرت بعد جملَة أُخْرَى مثلهَا وَحكم بتساويهما يتَوَلَّد مِنْهُ معنى الإضراب أَيْضا، وَكَذَا كَونهَا شَرْطِيَّة نَحْو: (لأضربنه عَاشَ أَو مَاتَ) أَي: إِن عَاشَ بعد الضَّرْب وَإِن مَاتَ، فَإِنَّهُ رَاجع أَيْضا إِلَى معنى التَّسْوِيَة، لِأَن التَّسْوِيَة بَين أَمريْن يَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا الْإِتْيَان يُفِيد معنى الشّرطِيَّة وَالثَّانِي: لنفي الشُّمُول، فَإِن الْمخبر إِذا شكّ فِي تعلق الحكم بِكُل من الشَّيْئَيْنِ على التَّعْيِين مَعَ جزمه بِأَصْل الثُّبُوت فَلَا يَسعهُ إِلَّا الْإِخْبَار عَن تعلقه بِوَاحِد مِنْهُمَا لَا على التَّعْيِين؛ ف (أَو) هَذِه لنفي الشُّمُول، وَكَونهَا للتقريب نَحْو: (لَا أَدْرِي أسلم أَو ودع) رَاجع إِلَى معنى نفي شُمُول الْعَدَم، وَلما اسلتزم هَذِه الشَّك لزم مِنْهُ معنى التَّقْرِيب، لِأَن اشْتِبَاه السَّلَام بالوداع لَا يكون إِلَّا من قربهما وَالثَّالِث: للتشكيك فَإِن الْمُخَاطب إِذا حزم بتعلق الحكم بِوَاحِد من الشَّيْئَيْنِ على التَّعْيِين يُورد الْمخبر كلمة أَو تشكيكا للمخاطب إِمَّا لرد خطئه إِلَى الشَّك إِن أَخطَأ، وَهَذَا جَائِز، وَإِمَّا لرد إِصَابَته إِلَى الشَّك إِن أصَاب، وَهَذَا غير جَائِز ف (أَو) هَذِه تسمى تشكيكية وَالرَّابِع: للإبهام: فَإِن الْمُخَاطب إِن كَانَ خَالِي الذِّهْن يُورد الْمخبر كلمة (أَو) إبهاما لِلْأَمْرِ عَلَيْهِ صونا عَن الْخَطَأ، وَهَذَا جَائِز، أَو عَن الْإِصَابَة، وَهَذَا غير جَائِز، ف (أَو) هَذِه تسمى إبهامية أَو يُورد إِظْهَار النصفة بَينه وَبَين الْمُخَاطب مثل: (أَنا أَو أَنْت رجل عَالم) هَذَا كُله إِذا وَردت كلمة (أَو) فِي الْخَبَر، وَأما إِذا وَردت فِي الْإِنْشَاء فلهَا مَعْنيانِ: التَّخْيِير، كَمَا إِذا قَالَ لَك الْأَمِير: (أطلق هَذَا الْأَسير أَو استعبده) وَالْإِبَاحَة، كَمَا إِذا قَالَ صديقك: (خُذ من مَالِي درهما أَو دِينَارا) فَفِي التَّخْيِير يتَحَقَّق نفي شُمُول الْوُجُود والعدم مَعًا، وَفِي الْإِبَاحَة يتَحَقَّق نفي شُمُول الْعَدَم دون الْوُجُود ثمَّ إِن كلمة (أَو) لمُطلق الْجمع كالواو وَذَلِكَ من لَوَازِم التَّقْسِيم، مثلا إِذا قلت: (الْكَلِمَة اسْم أَو فعل أَو حرف) بِاعْتِبَار أَنْوَاع متباينة، يجوز لَك جمعهَا فِي جنس الْكَلِمَة بِدُونِ اعْتِبَار توَسط تِلْكَ الْأَنْوَاع وَكَذَا كَونهَا بِمَعْنى (إِلَّا) للاستثناء رَاجع إِلَى معنى

стр. 192

التَّقْسِيم، لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ ينصب الْمُضَارع بعْدهَا بإضمار (أَن) كَقَوْلِه: (لأقتلنه أويسلم) مَعْنَاهُ: حَاله منقسم إِلَى الْقَتْل وَالْإِسْلَام؛ وَلما كَانَ الْقَتْل فِي غير زمَان الْإِسْلَام تولد مِنْهُ معنى (إِلَّا) وَكَذَا كَونهَا بِمَعْنى (إِلَى) رَاجع إِلَى معنى التَّقْسِيم أَيْضا، إِذْ هِيَ كَالَّتِي قبلهَا فِي انتصاب الْمُضَارع بعْدهَا ب (أَن) مضمرة نَحْو: (لألزمنك أَو تقضيني حَقي) أَي: حَالي مَعَك منقسم إِلَى الْإِلْزَام عِنْد قَضَاء الْحق تولد مِنْهُ معنى (إِلَى) وَكَذَا كَونهَا للتَّبْعِيض نَحْو: ﴿وَقَالُوا كونُوا هودا أَو نَصَارَى﴾ من لَوَازِم معنى التَّقْسِيم أَيْضا، لِأَن هَذَا الْمَعْنى تَقْسِيم بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمقسم، وتبعيض بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَقْسَام وَلَا ترد فِي كَلَام الله للشَّكّ وَلَا للتشكيك وَلَا للإبهام إِلَى على سَبِيل الْحِكَايَة عَن الْغَيْر، وَإِنَّمَا ترد فِي أَخْبَار الله إِمَّا لتسوية المستقلين زَمَانا فِي الحكم، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن تَأْكُلُوا من بُيُوتكُمْ أَو بيُوت آبائكم﴾ أَو لتسوية المستقلين علما فِي الحكم أَيْضا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو كصيب من السَّمَاء﴾ أَو للتقسيم سَوَاء كَانَت كلمة (أَو) بَين المفردين أَو بَين الجملتين، وَالَّتِي تقع بَين الجملتين لَا تكون إِلَّا للتسوية وَلَا تكون لنفي الشُّمُول وَلَا للتشكيك لنبو الْجمل عَنْهَا ثمَّ إِن التَّخْيِير وَالْإِبَاحَة كل مِنْهُمَا معنى مجازي ل (أَو) ؛ وَأما مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيّ فالشك وتستعمل فِي غير الْخَبَر بِالْمَعْنَى الْمجَازِي فَقَط، وَفِي الْخَبَر بِكُل من معنييها الْحَقِيقِيَّة وَالْمجَاز والمتكلم فِي الشَّك لَا يعرف التَّعْيِين بل هُوَ مُتَرَدّد فِي الَّذِي أخبرهُ، مثل: ﴿لبثنا يَوْمًا أَبُو بعض يَوْم﴾ وَمن ثمَّة يمْتَنع وُرُود كلمة (أَو) للشَّكّ فِي كَلَام الله، إِلَّا أَن يصرف إِلَى تردد الْمُخَاطب، وَعَلِيهِ ﴿فأرسلناه إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ﴾ وَأما الْمُتَكَلّم فِي الْإِبْهَام فَإِنَّهُ يعرف التَّعْيِين لكنه أبهمه على السَّامع لغَرَض الإيجاز أَو غَيره، نَحْو: ﴿وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لعلى هدى أَو فِي ضلال مُبين﴾ وَتَكون (أَو) لمُطلق الْجمع كالواو، نَحْو: ﴿لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لما كثر اسْتِعْمَال (أَو) فِي الْإِبَاحَة الَّتِي مَعْنَاهَا جَوَاز الْجمع اسْتعْملت فِي معنى الْجمع كالواو، وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أَو تكون لَك جنَّة﴾ الْآيَة، فَإِن الْكفَّار طلبُوا تعنتا جَمِيع مَا ذكر فِي الْآيَة، لَا وَاحِدًا مِنْهَا غير معِين وَقد تَجِيء للنَّقْل، تَقول لآخر: (افْعَل كَذَا إِلَى الشَّهْر) ثمَّ تَقول: (أَو أسْرع مِنْهُ) ، وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فاذكروا الله كذكركم آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا﴾ و (أَو) فِي مثل قَوْلنَا: (الْجِسْم مَا يتركب من جوهرين أَو أَكثر) لتقسيم الْمَحْدُود؛ وَفِي قَوْلنَا:

стр. 193

(من جوهرين أَو مَاله طول وَعرض وعمق) لتقسيم الْحَد قَالَ الْمُحَقِّقُونَ من النُّحَاة: كَون (أَو) للْإِبَاحَة اسْتِحْسَان وُقُوع الْوَاو موقعها مثل: (جَالس الْحسن أَبُو ابْن سِرين) الأول: أول الشَّيْء جزؤه [الأسبق] وَهُوَ (أفعل) ومؤنثه (أولى) وَأَصلهَا (وَولى) قلبت الْوَاو همزَة ففاؤها وعينها واوان عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَلم يتَصَرَّف مِنْهَا فعل لاعتلال فائها وعينها، وَعند الْكُوفِيّين وَزنه (افْعَل) أَيْضا، وَأَصله (أَو أل) من (وأل) فأبدلت همزته الثَّانِيَة واوا تَخْفِيفًا أَو (أعفل) وَأَصله (أأول) بهمزتين من (آل) ففصل بَينهمَا بِالْوَاو بعد سكونها وَفتحت الْهمزَة بعْدهَا، ثمَّ قلبت واوا وأدغمت فِيهَا الْوَاو وَفِي " الجمهرة ": هُوَ (فوعل) لَيْسَ لَهُ فعل، وَالْأَصْل (ووول) قلبت الْوَاو الأولى همزَة وأدغمت إِحْدَى الواوين فِي الْأُخْرَى وَقَالَ ابْن خالويه: الصَّوَاب أَنه (أفعل) بِدَلِيل صُحْبَة من إِيَّاه تَقول (أول من كَذَا) وَيجمع على (أَوَائِل) و (أوالي) وَهُوَ حَقِيقَة ظرف للزمان، وَلذَلِك يَصح ترك (فِي) فِيهِ، وَإِنَّمَا يُوصف بِهِ الْعين وَالْفِعْل بِاعْتِبَار اشتماله على الْأَزْمِنَة وَله استعمالان: أَحدهمَا: أَن يكون اسْما فَيَنْصَرِف، وَمِنْه قَوْلهم: (مَا لَهُ أول وَلَا آخر) قَالَ أَبُو حَيَّان: فِي محفوظي أَن هَذَا يؤنث بِالتَّاءِ وَيصرف فَتَقول: (أولة وآخرة) بِالتَّنْوِينِ وَالثَّانِي: أَن يكون صفة أَي: (أفعل) تَفْضِيل، بِمَعْنى الأسبق، فَيعْطى لَهُ حكم غَيره من صِيغ (أفعل) التَّفْضِيل من دُخُول (من) عَلَيْهِ وَمنع الصّرْف وَعَدَمه، فَأتيت بِالتَّاءِ، فعلى هَذَا يكون من (آل يؤول) إِذا رَجَعَ وَفِي قَوْلنَا: (أول النَّاس) و (أول الْغَرَض) معنى الرُّجُوع، لِأَن الْجُزْء السَّابِق من الْوَقْت وَغَيره يرجع من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود الْخَارِجِي، كَمَا أَن الْوُجُود الْخَارِجِي، يرجع إِلَى الْعَدَم فَيكون الْجُزْء الثَّانِي آيلا أَي رَاجعا من الْعَدَم إِلَى الْوُجُود، لَكِن الْجُزْء السَّابِق أول مِنْهُ أَي أرجع مِنْهُ، فالتفضيل بِاعْتِبَار السَّبق إِلَى الرُّجُوع وَنَظِير (أول) فِي المبنيات على الضَّم (فَوق) وَغَيره تَقول: (انحدر من فَوق) و (أَتَاهُ من قُدَّام) و (استردفته من وَرَاء) و (أَخذه من تَحت) فتبنى هَذِه الْأَسْمَاء على الضَّم وَإِن كَانَت ظروف أمكنه لانقطاعها عَن الْإِضَافَة و (الأول) فِي حق الله تَعَالَى بِاعْتِبَار ذَاته هُوَ الَّذِي لَا تركيب فِيهِ، وَأَنه المنزه عَن الْعِلَل، وَأَنه لم يسْبقهُ فِي الْوُجُود شَيْء، وَإِلَى هَذَا يرجع من قَالَ: هُوَ الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى غَيره، وَمن قَالَ: هُوَ المستغني بِنَفسِهِ وبإضافته إِلَى الموجودات هُوَ الَّذِي يصدر عَنهُ الْأَشْيَاء قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: الله أول الْأَشْيَاء، وَلَا أول كل شَيْء، لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقهَا وَلَا هُوَ مثلهَا، و (أفعل) يُضَاف إِلَى مَا هُوَ مثله وَقَالَ الْفَخر: هُوَ أول لكل مَا سواهُ وَآخر لكل مَا سواهُ فَيمْتَنع أَن يكون لَهُ أول وَآخر لِامْتِنَاع كَونه أَولا لأوّل نَفسه وآخرا لآخر نَفسه، بل هُوَ أزلي لَا

стр. 194

أول لَهُ وأبدي لَا آخر لَهُ، بل هُوَ الآخر الَّذِي يرجع إِلَيْهِ الموجودات فِي سلسلة الترقي أَو فِي سلوك السالكين [وَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: لَا معنى لكَونه تَعَالَى قبل الْعَالم إِلَّا أَنه كَانَ وَلَا شَيْء سواهُ، وَلَا معنى لكَون الْعَالم بعده إِلَّا أَنه لم يكن مَعَه تَعَالَى ثمَّ كَانَ، وَإِلَّا فَلَو كَانَ الرب قبل الْعَالم بِالزَّمَانِ، وَالزَّمَان من الْعَالم، يلْزم أَن يكون مُتَقَدما على الزَّمَان بِالزَّمَانِ وَهُوَ محَال وَأَيْضًا لَيْسَ وجود الْبَارِي وجودا زمانيا، فَلَا يكون قبل الزَّمَان، كَمَا أَنه لما لم يكن وجوده وجودا مكانيا لم يكن قبل الْمَكَان، فسبحان من لَا تحد أزليته بمتى، وَلَا تقيد أبديته بحتى، وَهُوَ قيوم أزلي ديوم سرمدي إِن قلت أَيْن فقد سبق الْمَكَان، وَإِن قلت مَتى فقد تقدم الزَّمَان، وَإِن قلت كَيفَ فقد جَاوز الْأَشْبَاه والأمثال والأقران، وَإِن طلبت الدَّلِيل فقد غلب الْخَبَر العيان، وَإِن رمت الْبَيَان فذرات الكائنات لَهُ بَيَان وبرهان] وَالْأول فِي حَقنا: هُوَ الْفَرد السَّابِق، وَالْأول إِنَّمَا يتَوَقَّف على آخر إِذا صَحَّ اجْتِمَاع الآخر مَعَ الأول، فَإِذا قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا: (هَذِه طَالِق وَطَالِق) وَقع الأول ولغا الثَّانِي لعدم الْمحل، وَإِن كَانَ قد جمع بَينهمَا بِحرف الْجمع لعدم تغير أَوله بِآخِرهِ فَلم يتَوَقَّف على الآخر وَكَذَا قَوْله لشَرِيكه فِي صَغِير: (هُوَ ابْني وابنك) فَإِنَّهُ يكون ابْنا للْأولِ وَلم يتَوَقَّف أَوله على آخِره، لِأَن النّسَب لَا يحْتَمل الشّركَة فَلَا يتَغَيَّر بِهِ الْكَلَام، وَلِأَنَّهُ إِقْرَار على الْغَيْر، وَإِنَّمَا يُضَاف إِلَيْهِمَا إِذا ادّعَيَا مَعًا لعدم الْأَوْلَوِيَّة وَالنّسب حَقِيقَة من أَحدهمَا وَنصب (أَولا) فِي قَوْلنَا: (أَولا وبالذات) على الظَّرْفِيَّة بِمَعْنى (قبل) وَهُوَ منصرف حِينَئِذٍ لعدم الوصفية مَعَ أَنه (أفعل) تَفْضِيل فِي الأَصْل بِدَلِيل (الأولى) و (الْأَوَائِل) ، و (بِالذَّاتِ) عطف على (أَولا) وَالْبَاء بِمَعْنى (فِي) أَي فِي ذَات الْمَعْنى بِلَا وَاسِطَة الأولى: بِالْفَتْح وَاحِد الأوليان، وَالْجمع الْأَولونَ، وَالْأُنْثَى الوليا، وَالْجمع الوليات وَالْأولَى: يسْتَعْمل فِي مُقَابلَة الْجَوَاز، كَمَا أَن الصَّوَاب فِي مُقَابلَة الْخَطَأ وَمعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأولى لَهُم﴾ : فويل لَهُم، دُعَاء عَلَيْهِم بِأَن يليهم الْمَكْرُوه، أَو يؤول إِلَيْهِ أَمرهم، فَإِنَّهُ (أفعل) من (الولى) أَو (فعلى) من (آل) الأوب: لَا يُقَال هَذَا إِلَّا فِي الْحَيَوَان الَّذِي لَهُ إِرَادَة وَالرُّجُوع أَعم وَتَابَ إِلَى الله: رَجَعَ إِلَيْهِ وَتَابَ الله عَلَيْهِ: وَفقه للتَّوْبَة، أَو رَجَعَ بِهِ من التَّشْدِيد إِلَى التَّخْفِيف، أَو رَجَعَ عَلَيْهِ بفضله وقبوله، وَهُوَ التواب على عباده

стр. 195

أَوَى: هُوَ بِالْقصرِ إِذا كَانَ فعلا لَازِما، وَهُوَ أفْصح وآوى غَيره: بِالْمدِّ، وَهُوَ أفْصح وَأكْثر أوهمت فِي الشَّيْء أوهم إيهاما ووهمت فِي الْحساب وَغَيره أوهم وهما: إِذا غَلطت فِيهِ ووهمت إِلَى الشَّيْء أهم وهما: إِذا ذهب قَلْبك إِلَيْهِ وَأَنت تُرِيدُ غَيره أولويته إِيَّاه: أذنيته مِنْهُ. وَوليت إِلَيْهِ وليا: دَنَوْت مِنْهُ وأوليت بِمَعْنى أَعْطَيْت أَوَان: هُوَ مُفْرد بِمَعْنى الْحِين، وَجمعه آونة كزمان وأزمنة الأوابد: الوحوش، سميت بهَا لِأَنَّهَا لم تمت حتف أنفها؛ وَيُقَال للْفرس: قيد الأوابد لِأَنَّهُ يلْحق الوحوش بِسُرْعَة [نوع] ﴿آوي إِلَى ركن شَدِيد﴾ : أنضم إِلَى عشيرة منيعة ﴿وَأوحى رَبك إِلَى النَّحْل﴾ : ألهمها ﴿أوسطهم﴾ : أعدلهم ﴿أَوْفوا﴾ : الْوَفَاء الْقيام بِمُقْتَضى الْعَهْد، وَكَذَا الْإِيفَاء ﴿آوى إِلَيْهِ﴾ : ضم إِلَيْهِ ﴿أواب:﴾ : رجاع ﴿أوبي مَعَه﴾ : رَجْعِيّ مَعَه ﴿أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك﴾ : اجْعَلنِي أزع شكر نِعْمَتك عِنْدِي: أَي أكفه وأرتبطه لَا يَنْقَلِب عني بِحَيْثُ لَا أَنْفك عَنهُ ﴿أوزعني﴾ : ألهمني، وَأَصله أولعني ﴿فأوجس مِنْهُم خيفة﴾ : وَأدْركَ ﴿وأوصاني﴾ : وَأَمرَنِي ﴿فأوجس فِي نَفسه﴾ : فأضمر فِيهَا ﴿فَأوحى إِلَيْهِم﴾ : فَأَوْمأ إِلَيْهِم ﴿أَو جفتم﴾ : أجريتم، من الوجيف، وَهُوَ سرعَة السّير ﴿أَوْفوا الْكَيْل﴾ : أتموه ﴿لأواه﴾ : هُوَ الْمُؤمن التواب، أَو الرَّحِيم، أَو المسبح، أَو دُعَاء بالعبرانية [ ﴿فآوعى﴾ : فَجعله فِي وعَاء وكنز حرصا ﴿أورثتموها﴾ أَي: أعطيتموها]

стр. 196

(فصل الْألف وَالْهَاء) [الإهالة: كل مَا يؤتدم بِهِ من زَيْت أَو دهن أَو سمن أَو ودك شَحم فَهُوَ إهالة [أهل وَأَهلي] : كل دَابَّة ألف مَكَانا يُقَال لَهُ أهل وَأَهلي وَأهل الرجل: من يجمعه وإياهم مسكن وَاحِد، ثمَّ سميت بِهِ من يجمعه وإياهم نسب أَو دين أَو صَنْعَة أَو نَحْو ذَلِك وَعند أبي حنيفَة، أهل الرجل: زَوجته خَاصَّة، لِأَنَّهَا المُرَاد فِي عرف اللِّسَان يُقَال: فلَان تأهل، وَبنى على أَهله: تزوج وَعِنْدَهُمَا: كل من يعولهم ويضمهم نَفَقَته بِاعْتِبَار الْعرف؛ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنجيناه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته﴾ ؛ وَقَوله تَعَالَى فِي جَوَاب قَول نوح: ﴿إِن ابْني من أَهلِي﴾ ﴿إِنَّه لَيْسَ من أهلك﴾ يدل على أَن من لم يدن بدين امْرِئ لَا يكون من أَهله، وَكَذَا قَوْله فِي امْرَأَة لوط: ﴿إِنَّا منجوك وَأهْلك إِلَّا امْرَأَتك﴾ لاستثناء الامرأة الْكَافِرَة من الْأَهْل، وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِعًا فِي " الْمُفْردَات " لما كَانَت الشَّرِيعَة حكمت بِرَفْع حكم النّسَب فِي كثير من الْأَحْكَام بَين الْمُسلم وَالْكَافِر قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح﴾ وَأهل النَّبِي: أَزوَاجه وَبنَاته وصهره عَليّ، أَو نساؤه، وَالرِّجَال الَّذين هم آله وَأهل كل نَبِي: أمته وَآل الله وَرَسُوله: أولياؤه، وَأَصله: أهل وَقيل: الْأَهْل: الْقَرَابَة، كَانَ لَهَا تَابع أَو لم يكن والآل: الْقَرَابَة يتابعها وَأهل الْأَمر: ولاته و [أهل] الْبَيْت: سكانه أَو من كَانَ من قوم الْأَب، وَالْبَيْت بَيت النِّسْبَة، وَبَيت النِّسْبَة للْأَب، أَلا ترى أَن ابراهيم بن مُحَمَّد ﵊ من أهل بَيت النُّبُوَّة وَلم يكن من القبط وأنسابه وَأهل الْمَذْهَب: من يدين بِهِ وَأهل الْحق: هم الَّذين يعترفون بِالْأَحْكَامِ الْمُطَابقَة للْوَاقِع، والأقوال الصادقة، والعقائد السليمة والأديان الصَّحِيحَة والمذاهب المتينة وَالْمَشْهُور من أهل السّنة فِي ديار خُرَاسَان وَالْعراق وَالشَّام وَأكْثر الأقطار هم الاشاعرة أَصْحَاب أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ من نسل أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من أَصْحَاب الرَّسُول وَفِي ديار مَا وَرَاء النَّهر وَالروم أَصْحَاب أبي مَنْصُور الماتريدي [وَأهل الْقبْلَة: من صدق بضروريات الدّين كلهَا عِنْد التَّفْصِيل] وَأهل الْأَهْوَاء من أهل الْقبْلَة: الَّذين معتقدهم غير مُعْتَقد أهل السّنة، وهم: الجبرية، والقدرية، وَالرَّوَافِض، والخوارج، والمعطلة، والمشبهة، فَكل مِنْهُم إثنتا عشرَة فرقة كلهم فِي الهاوية على مَا قَالَ النَّبِي ﷺ : " افترق الْيَهُود على إِحْدَى وَسبعين

стр. 197

فرقة كلهَا فِي الهاوية إِلَّا وَاحِدَة، وافترق النَّصَارَى على ثِنْتَيْنِ وَسبعين فرقة كلهَا فِي الهاوية إِلَّا وَاحِدَة، وَسَتَفْتَرِقُ أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي الهاوية إِلَّا وَاحِدَة " وَأهل الْوَبر: سكان الْخيام وَأهل الْمدر: سكان الْأَبْنِيَة وَهُوَ أهل لكذا: أَي مستوجب للْوَاحِد والجميع واستأهله: استوجبه، لُغَة جَيِّدَة الإهانة: أهانه: استخفه، أَصله: هان يهون: إِذا لَان وَسكن و " الْمُؤْمِنُونَ هَينُونَ ": أَي ساكنون لَا يتحركون بِمَا يضر، " لَينُونَ ": أَي يتعطفون للحق وَلَا يتكبرون، فعلى هَذَا يكون الْهمزَة فِي (أهان) لسلب هَذِه الصّفة الجميلة الإهداء: أهديت إِلَى الْبَيْت هَديا، وَأهْديت الْهَدِيَّة إهداء، وهديت الْعَرُوس إِلَى زَوجهَا هداء، وهديت الْقَوْم الطَّرِيق هِدَايَة، وَفِي الدّين: هدى، والاهتداء مُقَابل الإضلال، كَمَا أَن الْهدى مُقَابل للضلال الإهتاف: هُوَ بريق السراب، والدوي فِي المسامع الإهمال: أهمله: خلى بَينه وَبَين نَفسه، أَو تَركه وَلم يَسْتَعْمِلهُ أهيا شراهيا: هُوَ بِكَسْر الْهمزَة وَفتحهَا وبفتح الشين كلمة يونانية مَعْنَاهَا الأزلي الَّذِي لم يزل آه: كلمة توجع، أَي: وجعي عَظِيم وتندمي زَائِد دَائِم، وَقد نظمت فِيهِ: (رميت بلحظ قد أصبت بمهجتي ... فآهي وَمَا من شَاهد لي سوى آهي) [نوع] ﴿أهل بِهِ لغير الله﴾ : رفع بِهِ الصَّوْت عِنْد ذبحه للطواغيت ﴿اهبطوا مصرا﴾ : انحدروا إِلَيْهِ ﴿واهجرني﴾ : اجتنبني. ﴿اهون﴾ : أيسر أَو أسهل ﴿أهواءكم﴾ : آراءكم الزائفة ﴿هُوَ أهل التَّقْوَى﴾ : حقيق بِأَن يتقى عِقَابه ﴿وَأهل الْمَغْفِرَة﴾ : حقيق بِأَن يغْفر لِعِبَادِهِ لَا سِيمَا الْمُؤمنِينَ مِنْهُم ﴿اهتزت وربت﴾ : تزخرفت وَانْتَفَخَتْ بالنبات ﴿فاهدوهم﴾ : وجهوهم ﴿أَحَق بهَا وَأَهْلهَا﴾ : والمستأهل لَهَا ﴿وأهش بهَا﴾ : أخبط الْوَرق بهَا على رُؤُوس غنمي، أَو بِالسِّين، بِمَعْنى أنحي عَلَيْهَا زاجرا لَهَا من (الهس) وَهُوَ زجر الْغنم ﴿ثمَّ اهْتَدَى﴾ : ثمَّ استقام على الْهدى الْمَذْكُور

стр. 198

﴿بأهوائهم﴾ : بتشهيهم [ ﴿قد أهمتهم أنفسهم﴾ : أوقعتهم فِي الهموم، أَو مَا يهمهم إِلَّا أنفسهم وَطلب خلاصها] (فصل الْألف وَالْيَاء) [الإيتاء] : كل مَوضِع ذكر فِي وصف الْكتاب (آتَيْنَا) فَهُوَ أبلغ من كل مَوضِع ذكر فِيهِ (أُوتُوا) ، لِأَن (أُوتُوا) قد يُقَال إِذا أُوتِيَ من لم يكن مِنْهُ قبُول، و (آتَيْنَا) يُقَال فِيمَن كَانَ مِنْهُ قبُول والإيتاء: أقوى من الْإِعْطَاء، إِذْ لَا مُطَاوع لَهُ [يُقَال: آتَانِي فَأَخَذته، وَفِي الْإِعْطَاء يُقَال: أَعْطَانِي فعطوت؛ وَمَا لَهُ مُطَاوع أَضْعَف فِي إِثْبَات مَفْعُوله مِمَّا لَا مُطَاوع لَهُ] وَلِأَن الإيتاء فِي أَكثر مَوَاضِع الْقُرْآن فِيمَا لَهُ ثبات وقرار، كالحكمة والسبع المثاني، وَالْملك الَّذِي لَا يُؤْتى إِلَّا لذِي قُوَّة والإعطاء: فِيمَا ينْتَقل مِنْهُ بعد قَضَاء الْحَاجة مِنْهُ كإعطاء كل شَيْء خلقه لتكرر حُدُوث ذَلِك بِاعْتِبَار الموجودات وَإِعْطَاء الْكَوْثَر للانتقال مِنْهُ إِلَى مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، وَكَذَا ﴿يعطيك رَبك فترضى﴾ للتكرر إِلَى أَن يرضى كل الرِّضَا الإيلية: كل اسْم إلهي مُضَاف إِلَيّ ملك أَو روحاني فَهُوَ الإيلية وَفِي " الْمُفْردَات ": قيل فِي (جِبْرَائِيل) إِن (إيل) اسْم الله، وَهَذَا لَا يَصح بِحَسب كَلَام الْعَرَب الْإِيمَان: الثِّقَة، وَإِظْهَار الخضوع، وَقبُول الشَّرِيعَة (إفعال) من الْأَمْن ضد الْخَوْف، [ثلاثية] يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، [نَحْو: أمنته: أَي كنت أَمينا] وَإِذا عدي بِالْهَمْزَةِ يعدى إِلَى مفعولين تَقول: (آمَنت زيدا عمرا) بِمَعْنى جعلته آمنا مِنْهُ؛ [وَقد يكون بِمَعْنى صَار ذَا أَمن] ثمَّ اسْتعْمل فِي التَّصْدِيق إِمَّا مجَازًا لغويا لاستلزامه مَا هُوَ مَعْنَاهُ، فَإنَّك إِذا صدقت أحد آمنته من التَّكْذِيب فِي ذَلِك التَّصْدِيق؛ وَإِمَّا حَقِيقَة لغوية وَالْإِيمَان المعدى إِلَى الله: مَعْنَاهُ التَّصْدِيق الَّذِي هُوَ نقيض الْكفْر، فيعدى بِالْبَاء، لِأَن من دأبهم حمل النقيض على النقيض، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْت بِمُؤْمِن لنا﴾ أَي بمصدق، وَفِي (مُؤمن) مَعَ التَّصْدِيق إِعْطَاء الْأَمْن، لَا فِي مُصدق، وَاللَّام مَعَ الْإِيمَان فِي الْقُرْآن لغير الله، وَذَلِكَ لتضمين معنى الِاتِّبَاع وَالتَّسْلِيم وَهُوَ عرفا: الِاعْتِقَاد الزَّائِد على الْعلم، كَمَا فِي (التَّقْوَى) قَالَ الرَّازِيّ: التَّصْدِيق هُوَ الحكم الذهْنِي المغاير للْعلم، فَإِن الْجَاهِل بالشَّيْء قد يحكم بِهِ فقد أشكل مَا قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: أَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق الَّذِي قسم الْعلم إِلَيْهِ فِي الْمنطق، ثمَّ التَّصْدِيق مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ هُوَ أَن

стр. 199

ينْسب الصدْق إِلَى الْمخبر اخْتِيَارا، إِذْ لَو وَقع صدقه فِي الْقلب ضَرُورَة، كَمَا إِذا ادّعى النُّبُوَّة وَأظْهر المعجزة من غير أَن ينْسب الصدْق إِلَيْهِ اخْتِيَارا، لَا يُقَال فِي اللُّغَة إِنَّه صدقه؛ وَأَيْضًا التَّصْدِيق مَأْمُور بِهِ، فَيكون فعلا اختياريا والتصديق وانقياد الْبَاطِن متلازما، فَلهَذَا يُقَال: أسلم فلَان، وَيُرَاد بِهِ آمن والتصديق يكون فِي الإخبارات، والانقياد يكون فِي الْأَوَامِر والنواهي، فتبليغ الشَّرَائِع إِن كَانَ بِلَفْظ الْإِخْبَار فالإيمان يكون بالتصديق، وَإِن كَانَ بِالْأَمر وَالنَّهْي فالإيمان بانقياد الْبَاطِن وَالْفرق بَين التَّصْدِيق والإيقان أَن التَّصْدِيق قد يكون مُؤَخرا عَن الإيقان، وَلَا يكون الإيقان مستلزما للتصديق، كَالَّذي شَاهد المعجزة فَيحصل لَهُ الْعلم اليقيني بِأَنَّهُ نَبِي، وَمَعَ ذَلِك لَا يصدقهُ؛ فاليقين الضَّرُورِيّ رُبمَا يحصل وَمَعَ ذَلِك لَا يحصل التَّصْدِيق الِاخْتِيَارِيّ وَقد يكون التَّصْدِيق مقدما على الْيَقِين، كَمَا فِي أَحْوَال الْآخِرَة، فَإِنَّهُ لَا يحصل الْيَقِين بهَا إِلَّا بِأَن يصدق النَّبِي، فَعلم مِنْهُ أَن الْيَقِين لَيْسَ بِإِيمَان [والتصديق والمعرفة ليسَا بمتحدين، فَإِن التَّصْدِيق عبارَة عَن ربط الْقلب بِأَنَّهُ على مَا علمه من إِخْبَار الْمخبر بِأَنَّهُ كَذَا، فَهَذَا الرَّبْط أَمر كسبي يثبت بِاخْتِيَار الْمُصدق وَأما الْمعرفَة فَلَيْسَتْ كَذَلِك، لحصولها بِدُونِ الِاخْتِيَار، كَمَا فِي وُقُوع بصر الْإِنْسَان على شَيْء بِدُونِ اخْتِيَاره، فَإِنَّهُ يحصل لَهُ معرفَة المبصر بِأَنَّهُ حجر أَو مدر أَو غير ذَلِك بِدُونِ ربط قلبه عَلَيْهِ بالاشتغال بِأَنَّهُ هُوَ، فالمعرفة لَيست بِإِيمَان، بِخِلَاف التَّصْدِيق، فَإِنَّهُ إِيمَان] وَالْإِيمَان شرعا: هُوَ إِمَّا فعل الْقلب فَقَط، أَو اللِّسَان فَقَط، أَو فعلهمَا جَمِيعًا، أَو هما مَعَ سَائِر الْجَوَارِح فعلي الأول: هُوَ إِمَّا التَّصْدِيق فَقَط، وَالْإِقْرَار لَيْسَ ركنا، بل شَرط لإجراء الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة، وَهُوَ مُخْتَار الماتريدي، وَقَالَ الإِمَام الرضي وفخر الْإِسْلَام: إِنَّه ركن أحط، فَإِنَّهُ قد يسْقط، [بِمَا فِيهِ شَائِبَة العرضية والتبعية] أَو التَّصْدِيق بِشَرْط الْإِقْرَار، وَهُوَ مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ وَأَتْبَاعه وَلَا دلَالَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيفَ يهدي الله قوما كفرُوا بعد إِيمَانهم وشهدوا﴾ على أَن الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ خَارج عَن حَقِيقَة الْإِيمَان المصطلح عِنْد أهل الشَّرْع، إِنَّمَا دلالتها على أَنه خَارج عَن الْإِيمَان بِمَعْنى التَّصْدِيق بِاللَّه وبرسوله، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يقبل النزاع وَالرَّابِع: مَذْهَب الْمُحدثين، وَبَعض السّلف، والمعتزلة، والخوارج، وَفِيه إِشْكَال ظَاهر، وَجَوَابه أَن الْإِيمَان يُطلق على مَا هُوَ الأَصْل والأساس فِي دُخُول الْجنَّة، وَهُوَ التَّصْدِيق مَعَ الْإِقْرَار وعَلى مَا هُوَ الْكَامِل المنجي بِلَا خلاف، وَهُوَ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل وَفِي التَّصْدِيق الْمُجَرّد خلاف، فَعِنْدَ بعض مَشَايِخنَا منج، وَعند الْبَعْض لَا وَالْمذهب عندنَا أَن الْإِيمَان فعل عبد بهداية الرب وتوفيقه، وَهُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ والتصديق بِالْقَلْبِ، والتصديق بِالْقَلْبِ هُوَ الرُّكْن الْأَعْظَم، وَالْإِقْرَار كالدليل عَلَيْهِ

стр. 200

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمن النَّاس من يَقُول آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين﴾ يدل على أَن الْإِقْرَار بِغَيْر تَصْدِيق لَيْسَ بِإِيمَان، بِإِشَارَة النَّص واقتضائه، فينتهض حجَّة على الكرامية وَلَيْسَ لَهُم دَلِيل بِعِبَارَة النَّص على خِلَافه حَتَّى يرجح وَلَيْسَ الْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ فَقَط، كَمَا زعمت الكرامية، وَلَا إِظْهَار الْعِبَادَات وَالشُّكْر بالطاعات كَمَا زعمت الْخَوَارِج، فَإنَّا نعلم من حَال الرَّسُول عِنْد إِظْهَار الدعْوَة أَنه لم يكتف من النَّاس بِمُجَرَّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَلَا الْعَمَل بالأركان مَعَ تَكْذِيب الْجنان، بل كَانَ يُسَمِّي من كَانَت حَاله كَذَلِك كَاذِبًا ومنافقا؛ قَالَ الله تَعَالَى تَكْذِيبًا لِلْمُنَافِقين عِنْد قَوْلهم: نشْهد أَنَّك لرَسُول الله ﴿وَالله يشْهد إِن الْمُنَافِقين لَكَاذِبُونَ﴾ وَمَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة وأقوال الْأَئِمَّة فِي ذَلِك أَكثر من أَن يُحْصى، وَلَا يخفى قبح القَوْل بِأَن الْإِيمَان مُجَرّد الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ لإفضائه إِلَى تَكْفِير من لم يظْهر مَا أبطنه من التَّصْدِيق وَالطَّاعَة، وَالْحكم بنقيضه لمن أظهر خلاف مَا أبطن من الْكفْر بِاللَّه وَرَسُوله، وَأَشد قبحا مِنْهُ جعل الْإِيمَان مُجَرّد الْإِتْيَان بالطاعات لإفضائه إِلَى إبِْطَال مَا ورد فِي الْكتاب وَالسّنة من جَوَاز خطاب العَاصِي بِمَا دون الشّرك قبل التَّوْبَة بالعبادات الْبَدَنِيَّة وَسَائِر الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وبصحتها مِنْهُ إِن لَو أَتَاهَا، وبإدخاله فِي زمرة الْمُؤمنِينَ، وَبِهَذَا تبين قبح قَول الحشوية أَن الْأَيْمَان هُوَ التَّصْدِيق بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَالْعَمَل بالأركان نعم لَا يُنكر جَوَاز إِطْلَاق اسْم الْإِيمَان على هَذِه الْأَفْعَال، وعَلى الْإِقْرَار بِاللِّسَانِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ أَي: صَلَاتكُمْ وَقَالَ ﵊: " الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ بَابا، أَوله شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَآخره إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق " لَكِن من جِهَة أَنَّهَا دَالَّة على التَّصْدِيق بالجنان ظَاهرا، فعلى هَذَا مهما كَانَ مُصدقا بالجنان وَإِن أخل بِشَيْء من الْأَركان فَهُوَ مُؤمن حَقًا، وَإِن صَحَّ تَسْمِيَته فَاسِقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أخل بِهِ، وَلذَلِك صَحَّ إدراجه فِي خطاب الْمُؤمنِينَ، وإدخاله فِي جملَة تكاليف الْمُسلمين [وَاخْتلف فِي زِيَادَة الْإِيمَان ونقصه قَالَ بَعضهم:] إِن الْإِيمَان الْكَامِل هُوَ الْإِيمَان الْمُطلق لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَمُطلق الْإِيمَان يُطلق على النَّاقِص والكامل، وَلِهَذَا نفى رَسُول الله الْإِيمَان الْمُطلق عَن الزَّانِي وشارب الْخمر وَالسَّارِق، وَلم ينف عَنْهُم مُطلق الْإِيمَان، فَلَا يدْخلُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله ولي الْمُؤمنِينَ﴾ ، وَلَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ويدخلون فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا﴾ وَفِي قَوْله تَعَالَى: (فَتَحْرِير رَقَبَة

стр. 201

مُؤمنَة﴾ وَالْإِيمَان الْمُطلق يمْنَع دُخُول النَّار، وَمُطلق الْإِيمَان يمْنَع الخلود [وَقَالَ بَعضهم: إِيمَان الله الَّذِي أوجب اتصافه بِكَوْنِهِ مُؤمنا لَا يزِيد وَلَا ينقص، إِذْ لَيْسَ محلا للحوادث، وإيمان الإنبياء وَالْمَلَائِكَة يزِيد وَلَا ينقص، وإيمان من عداهم يزِيد وَينْقص إِن فسر الْإِيمَان بِالطَّاعَةِ، وَإِن فسر بخصلة وَاحِدَة من تَصْدِيق أَو غَيره فَلَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان من هَذِه الْحَيْثِيَّة اللَّهُمَّ إِلَّا أَن ينظر إِلَى كَثْرَة أعداد أشخاص تِلْكَ الْخصْلَة وقلتها فِي آحَاد النَّاس، فَحِينَئِذٍ يكون قَابلا للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان] وَأما الْعَمَل فَلَيْسَ بِجُزْء إِلَّا من مُطلق الْإِيمَان، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه﴾ إِلَى قَوْله: ﴿كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾ فَإِن جُزْء الثَّابِت فِي الْقلب يكون ثَابتا فِيهِ، وأعمال الْجَوَارِح لَا تثبت فِيهِ، وَفِي الْمُقَارنَة بِالْإِيمَان فِي أَكثر الْقُرْآن إيذان بِأَنَّهُمَا كالمتلازمين فِي توقف مَجْمُوع النجَاة وَالثَّوَاب عَلَيْهِمَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَون الْإِيمَان الْمُجَرّد عَن الْعَمَل الصَّالح منجيا وَحجَّة الشَّافِعِي فِي أَن الْأَعْمَال الصَّالِحَة من الْإِيمَان قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضيع إيمَانكُمْ﴾ أَي: صَلَاتكُمْ؛ وَعِنْدنَا مَعْنَاهُ ثباتكم على الْإِيمَان، وَلِأَن الْمَعْطُوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ بِخِلَاف الْعَطف فِي: ﴿من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ فَإِنَّهُ عطف تَفْسِير، وَحجَّتنَا فِي أَن الْعَمَل لَيْسَ من الْإِيمَان قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لعبادي الَّذين آمنُوا يقيموا الصَّلَاة﴾ سماهم مُؤمنين قبل إِقَامَة الصَّلَاة وَالْإِجْمَاع على أَن أَصْحَاب الْكَهْف وَكَذَا سحرة فِرْعَوْن من أهل الْجنَّة، وَإِن لم يُوجد مِنْهُم الْعَمَل، وَكَذَا من آمن مثلا قبل الضحوة فَمَاتَ قبل الزَّوَال وَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ﴾ دَلِيل على نُقْصَان إِيمَان قبل الْيَوْم، وَإِلَّا يلْزم موت الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار كلهم على دين نَاقص، بل المُرَاد من الْيَوْم عصر النَّبِي ﷺ ، إِذْ كَانَت قبل ذَلِك فَتْرَة، أَو الْمَعْنى: أظهرت لكم دينكُمْ حَتَّى قدرتهم على إِظْهَاره، أَو التَّكْمِيل لإرعاب الْعَدو وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿ليزدادوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانهم﴾ وَقَوله: ﴿وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا﴾ ، وَمَا رُوِيَ " إِن إِيمَان أبي بكر لَو وزن مَعَ إِيمَان أمتِي لترجح إِيمَان أبي بكر "، فَنَقُول: الْإِيمَان الْمُطلق عبارَة عَن التَّصْدِيق، والتصديق لَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان، فَقَوله تَعَالَى: ﴿ليزدادوا﴾ إِلَى آخِره فِي حق الصَّحَابَة، لِأَن الْقُرْآن كَانَ ينزل فِي كل وَقت

стр. 202

فيؤمنون بِهِ، فتصديقهم للثَّانِي زِيَادَة على الأول؛ أما فِي حَقنا فقد انْقَطع الْوَحْي وَمَا زَاد بالإلف وَكَثْرَة التَّأَمُّل وتناصر الْحجَج فثمراته لَا أَصله وَقَوله: ﴿زادتهم إِيمَانًا﴾ المُرَاد بِهِ الْمَجْمُوع الْمركب من التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل، لَا التَّصْدِيق وَحَدِيث أبي بكر كَانَ تَرْجِيحا فِي الثَّوَاب، لِأَنَّهُ سَابق فِي الْإِيمَان وَعدم صِحَة الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان هُوَ قَول أبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَقوم من الْمُتَكَلِّمين [وَقد روى ترك الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام خَمْسَة من الصَّحَابَة الْأَعْلَام] وَالَّذين قَالُوا: الطَّاعَة دَاخله فِي الْإِيمَان، فَمنهمْ من جوز مُطلقًا وَهُوَ ابْن مَسْعُود وَقوم من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالشَّافِعِيّ، وَمِنْهُم من جوز فِي الاسقبال دون الْحَال، وَهُوَ جُمْهُور الْمُعْتَزلَة والخوارج والكرامية قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: لَا خلاف فِي الْمَعْنى بَين الْفَرِيقَيْنِ، يَعْنِي الأشاعرة والماتريدية لِأَنَّهُ إِن أُرِيد بِالْإِيمَان مُجَرّد حُصُول الْمَعْنى فَهُوَ حَاصِل فِي الْحَال، وَإِن أُرِيد مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من النجَاة والثمرات فَهُوَ فِي مَشِيئَة الله تَعَالَى، وَلَا قطع فِي حُصُوله فَمن قطع بالحصول أَرَادَ الأول، وَمن فوض إِلَى الْمَشِيئَة أَرَادَ الثَّانِي لنا أَن مثل هَذَا الْكَلَام صَرِيح فِي الشَّك فِي الْحَال، وَلَا يسْتَعْمل فِي الْمُحَقق فَفِي الْحَال، مثل: (أَنا شَاب إِن شَاءَ الله) ؛ والصريح لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة، وَمَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود من جَوَاز الِاسْتِثْنَاء فِي الْإِيمَان فَمَحْمُول على الخاتمة، أَو كَانَ زلَّة مِنْهُ فَرجع؛ كَيفَ يسْتَثْنى وَالْإِيمَان عقد فَهُوَ يُبطلهُ كَمَا فِي الْعُقُود، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا﴾ بعد وجود حَقِيقَة الْإِيمَان مِنْهُم [وَلِأَن التَّصْدِيق أَمر مَعْلُوم لَا تردد فِيهِ عِنْد تحَققه، بل فِي التَّرَدُّد فِي الْحَال مفْسدَة جر الِاعْتِبَار بِهِ آخر الْحَيَاة وَأما الِاسْتِثْنَاء فِي أَخْبَار الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ ثَابتا فِي نَفسه كَائِن لَا محَالة، وَلكنه مُسْتَقْبل فَكَانَ ذَلِك من الله تَعَالَى تَعْلِيما لِعِبَادِهِ أَن يَقُولُوا فِي عداتهم مثل ذَلِك متأدبين بآداب الله تَعَالَى ومقتدين بسننه] وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء: إِن للْإيمَان وجودا عينيا أَصْلِيًّا، ووجودا قلبيا ذهنيا، ووجودا فِي الْعبارَة فالوجود الْعَيْنِيّ للْإيمَان: هُوَ حُصُول المعارف الإلهية بِنَفسِهَا لَا بتصورها فِي الْقلب، فَإِن من تصور الْإِيمَان لَا يصير مُؤمنا، كَمَا أَن من تصور الْكفْر لَا يصير كَافِرًا وَلَا شكّ أَن الصُّور العلمية أنوار فائضة من المبدأ الْفَيَّاض، فَإِذن حَقِيقَة الْإِيمَان نور حَاصِل للقلب بِسَبَب ارْتِفَاع الْحجاب بَينه وَبَين الْحق؛ وَهَذَا النُّور قَابل للزِّيَادَة وَالنَّقْص وَالْقُوَّة والضعف وَأما الْوُجُود الذهْنِي للْإيمَان فملاحظة الْمُؤمن بِهِ وتصوره للتصديق القلبي وَمَا يتبعهُ من المعارف والأنوار وَأما الْوُجُود اللَّفْظِيّ: فشهادة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَلَا يخفي أَن مُجَرّد الْوُجُود الذهْنِي وَكَذَا مُجَرّد التَّلَفُّظ بِكَلِمَة الشَّهَادَة من غير أَن يحصل عين

стр. 203

الْإِيمَان والنور الْمَذْكُور لَا يُفِيد، كَمَا لَا يُفِيد العطشان تصور المَاء الْبَارِد وَلَا التَّلَفُّظ بِهِ وَيَنْبَغِي أَن يعلم أَيْضا أَن كثيرا من الْآيَات وَالْأَحَادِيث يدل على أَن الْإِيمَان مُجَرّد الْعلم، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ وَقَول رَسُوله: " من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة " وَالْإِيمَان الْمُجْمل: يتم بِشَهَادَة وَاحِدَة عِنْد أبي حنيفَة، ثمَّ يجب عَلَيْهِ الثَّبَات والتقرر بأوصاف الْإِيمَان، وَعند الشَّافِعِي: يتم بشهادتين ثمَّ يجب عَلَيْهِ سَائِر أَوْصَاف الْإِيمَان وشرائطه [وَلم يثبت التَّعَبُّد من الشَّارِع بِلَفْظ (أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله) بل يَصح بِكُل لفظ دَال على الْإِقْرَار والتصديق وَلَو بِغَيْر الْعَرَبيَّة مَعَ إحسانها، وَكَذَا يَصح بترك القَوْل وَالْإِيمَان الإجمالي كَافِي فِي الْخُرُوج عَن عُهْدَة التَّكْلِيف فِيمَا لَو خطّ إِجْمَالا، وَيشْتَرط التَّفْصِيل فِيمَا لَو خطّ تَفْصِيلًا، فَيَكْفِي فِي الْإِجْمَال التَّصْدِيق بِجَمِيعِ مَا علم بِالضَّرُورَةِ مَجِيء الرَّسُول بِهِ، أَي بِعلم كل أحد كَونه من الدّين من غير افتقار إِلَى الِاسْتِدْلَال، كوحدة الصَّانِع وَعلمه وَوُجُوب الصَّلَاة وَحُرْمَة الْخمر، وَلَو لم يصدق مِنْهَا عِنْد التَّفْصِيل كَانَ كَافِرًا بالِاتِّفَاقِ، كَمَا فِي شرح " الْمَقَاصِد " وَغَيره] (وَاخْتلف فِي أَن الْإِيمَان مَخْلُوق أم لَا) فَمن قَالَ إِنَّه مَخْلُوق أَرَادَ بِهِ فعل العَبْد وَلَفظه؛ وَمن قَالَ غير مَخْلُوق - كَمَا هُوَ عندنَا - أَرَادَ بِهِ كلمة الشَّهَادَة، لِأَن الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق أَي الحكم بِالصّدقِ، وَهُوَ إِيقَاع نِسْبَة الصدْق إِلَى النَّبِي بِالِاخْتِيَارِ وَأما الاهتداء فَهُوَ مَخْلُوق، لِأَنَّهُ الْحَالة الْحَاصِلَة بالتصديق، فالإيمان مصدر والاهتداء هُوَ الْهَيْئَة الْحَاصِلَة بِالْمَصْدَرِ، فَيكون بخلقه تَعَالَى، لِأَن الْقُدْرَة مُقَارنَة بخلقه، فبمعنى الْهِدَايَة غير مَخْلُوق، وَبِمَعْنى الْإِقْرَار وَالْأَخْذ فِي الْأَسْبَاب مَخْلُوق، وَالْخلاف لَفْظِي وَأما الْإِسْلَام: فَهُوَ من الاستسلام لُغَة وَفِي الشَّرْع: الخضوع وَقبُول قَول الرَّسُول؛ فَإِن وجد مَعَه اعْتِقَاد وتصديق بِالْقَلْبِ فَهُوَ الْإِيمَان وَالْإِيمَان بعد الدَّلِيل أَكثر من الْإِيمَان قبل الدَّلِيل، وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس﴾ وَفِي مَوضِع آخر: ﴿كثير من النَّاس﴾ وإيمان الْمَلَائِكَة مطبوع، والأنبياء مَعْصُوم، وَالْمُؤمنِينَ مَقْبُول، والمبتدعين مَوْقُوف، وَالْمُنَافِقِينَ مَرْدُود وَمثل إِيمَان الْيَأْس كشجر غرس فِي وَقت لَا يُمكن فِيهِ النَّمَاء وَمثل تَوْبَة الْيَأْس كشجر نابت الثَّمر فِي الشتَاء عِنْد ملائمة الْهَوَاء؛ وَالْحق أَن إِيمَان الْيَأْس مَقْبُول، كَمَا فِي قوم يُونُس عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 204

الإيجاد: هُوَ إِعْطَاء الْوُجُود مُطلقًا والإحداث: إِيجَاد الشَّيْء بعد الْعَدَم ومتعلق الإيجاد لَا يكون إِلَّا أمرا مُمكنا، فَلَا يَسْتَقِيم فِي أعدام الملكات، بِخِلَاف الإحداث، فَإِنَّهُ أهم من الإيجاد، كَمَا بَين فِي مَحَله [وإيجاد الشَّيْء مُتَوَقف على الْقُدْرَة، المتوقف على الْإِرَادَة، المتوقف على الْعلم، المتوقف وجود الْجَمِيع على الْحَيَاة؛ وَالْمرَاد بالتوقف توقف معية نظرا إِلَى صِفَات الْبَارِي، إِذْ كلهَا أزلية يَسْتَحِيل تقدم بَعْضهَا على بعض بالوجود] وإيجاد شَيْء لَا عَن شَيْء محَال، بل لَا بُد من سنخ للمعلول قَابل لِأَن يتطور بأطوار مُخْتَلفَة؛ لَا يُقَال: هَذَا لَا يتمشى فِي الْجعل الإبداعي الَّذِي هُوَ إِيجَاد الأيس عَن الليس، لأَنا نقُول ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَارِج، وَإِلَّا فالصور العلمية الَّتِي يسمونها أعيانا ثَابِتَة سنخ لَهَا وَأَصلهَا، وَهِي قديمَة صادرة عَنهُ تعاني بالفيض الأقدس، والإبداعيات بالفيض الْمُقَدّس والإيجاد إِذا لم يكن مَسْبُوقا بِمثلِهِ يُسمى إبداء، وَإِذا كَانَ مَسْبُوقا بِمثلِهِ يُسمى إِعَادَة والإيجاد بطرِيق الْعلَّة لَا يتَوَقَّف على وجود شَرط وَلَا انْتِفَاء مَانع والإيجاد بطرِيق الطَّبْع يتَوَقَّف على ذَلِك وَإِن كَانَا مشتركين فِي عدم الِاخْتِيَار؛ وَلِهَذَا يلْزم اقتران الْعلَّة بمعلولها، كتحرك الإصبع مَعَ الْخَاتم الَّتِي هِيَ فِيهِ؛ وَلَا يلْزم اقتران الطبيعة بمطبوعها، كاحتراق النَّار مَعَ الْحَطب، لِأَنَّهُ قد لَا يَحْتَرِق لوُجُود مَانع أَو تخلف شَرط، وَهَذَا فِي حق الْحَوَادِث والإيجاد بِالِاخْتِيَارِ خَاص بالفاعل الْمُخْتَار وَهُوَ الله تَعَالَى، وَلم يُوجد عِنْد الْمُؤمنِينَ إِلَّا هُوَ ثمَّ الإيجاد لَو كَانَ حَال الْعَدَم يلْزم الْجمع بَين النقيضين، وَلَو كَانَ حَال الْوُجُود لزم تَحْصِيل الْحَاصِل وَالْجَوَاب أَن الإيجاد بِهَذَا الْوُجُود لَا بِوُجُود مُتَقَدم، كمن قتل قَتِيلا، أَي بِهَذَا الْقَتْل، لَا بقتل سَابق فَيكون حَقِيقَة وَاعْلَم أَن التَّأْثِير وَهُوَ إِعْطَاء الْوُجُود لَيْسَ إِلَّا فِي حَالَة الْحُدُوث، هَذَا مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين وَلُزُوم تَحْصِيل الْحَاصِل إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ التَّأْثِير حَال بَقَاء الْوُجُود، كَمَا هُوَ عِنْد الفلاسفة المجوزين ذَلِك فِي حَال الْبَقَاء فَحسب، كالتأثير فِيمَا هُوَ قديم قدما زمانيا والمتكلمون لَا يَقُولُونَ إِن الْبَقَاء لَا يحْتَاج إِلَى سَبَب فَإِن الْبَقَاء أَمر مُمكن، وكل مُمكن مُحْتَاج إِلَى السَّبَب، لَكِن الإيجاد السَّابِق بطرِيق الْأَحْكَام سَبَب للبقاء، وَيُمكن أَن يُقَال: إِن التَّأْثِير فِي حَال الْعَدَم؛ [لَا يلْزم الْجمع بَين النقيضين] وَإِنَّمَا يلْزم تخلف الْمَعْلُول عَن الْعلَّة لَو لم يتَّصل الْوُجُود بِتمَام التَّأْثِير، كَمَا فِي قطع حَبل الْقنْدِيل، فَإِن التَّأْثِير من أول الْقطع إِلَى تَمَامه، وَحَال تَمَامه هُوَ حَال ابْتِدَاء الْوُقُوع الْإِيجَاب: لُغَة الْإِثْبَات وَاصْطِلَاحا: عِنْد أهل الْكَلَام: صرف مُمكن من الْإِمْكَان إِلَى الْوُجُوب والإيجاب صفة كَمَال بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَات الله

стр. 205

وَاعْلَم أَن أَرْبَاب الْحِكْمَة متطابقون وَأَصْحَاب الفلسفة متوافقون على أَن مبدأ الْعَالم مُوجب بِالذَّاتِ، وَالظَّاهِر أَن مُرَادهم من الْإِيجَاب أَنه قَادر على أَن يفعل وَيصِح مِنْهُ التّرْك، إِلَّا أَنه لَا يتْرك الْبَتَّةَ، وَلَا يَنْفَكّ عَن ذَاته الْفِعْل، لَا لاقْتِضَاء ذَاته إِيَّاه، بل لاقْتِضَاء الْحِكْمَة إيجاده، فَكَانَ فَاعِلا بِالْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَار، [كَمَا هُوَ الْحق] وَيشْهد لَهُ أَنهم يدعونَ الْكَمَال فِي الْإِيجَاب، وَلَا كَمَال فِيهِ على معنى الِاضْطِرَار، بِحَيْثُ لَا يقدر على التّرْك، فَلَا يَقُولُونَ بِالْإِيجَابِ على الْمَعْنى الْمَشْهُور فِيمَا بَين خصمائهم من فرق الْمُتَكَلِّمين والمعتزلة مَعَ إيجابهم على الله مَا أوجبوه قَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مُخْتَارًا بِلَا خوف مِنْهُم؛ وَعَامة النَّاس كَانُوا معتقدين فِي زمَان دَعْوَى النُّبُوَّة بِأَنَّهُ تَعَالَى قَادر مُخْتَار وَالْقَوْل بِالْإِيجَابِ الْمَشْهُور إِنَّمَا حدث بَين الْملَّة الإسلامية بعد نقل الفلسفة إِلَى اللُّغَة والإيجاب فِي عرف الْفُقَهَاء: عبارَة عَن مَا صدر على أحد الْمُتَعَاقدين أَولا وَإِيجَاب العَبْد مُعْتَبر بِإِيجَاب الله، وَقد صَحَّ النّذر بقوله: (لله عَليّ أَن أعتكف شهرا) وَنَفس اللّّبْث فِي الْمَسْجِد لَيْسَ بقربى، إِذْ لَيْسَ لله من جنسه وَاجِب، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يَصح هَذَا النّذر لِأَن إِيجَاب العَبْد مُعْتَبر بِإِيجَاب الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا صَحَّ إِلْحَاقًا للنذر بِالصَّلَاةِ بِاعْتِبَار الْفَرْض أَو الشَّرْط، وَكَذَا إِذا قَالَ: (مَا لي أَو مَا أملك صَدَقَة) يَقع على مَال الزَّكَاة، وَالْقِيَاس أَن يَقع على كل المَال، لَكِن ترك الْقيَاس بذلك الأَصْل، فَإِن مَا أوجبه الله بقوله: ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة﴾ انْصَرف إِلَى الفضول، لَا إِلَى كل المَال؛ فَكَذَا مَا يُوجِبهُ العَبْد إِلَى نَفسه والإيجاب: يَسْتَدْعِي وجود الْمَوْضُوع وَالسَّلب: لَا يستدعيه، بِمَعْنى أَن الْمُوجبَة إِن كَانَت خارجية وَجب وجود موضوعها محققا، وَإِن كَانَت حَقِيقِيَّة وَجب وجود موضوعها مُقَدرا والسالبة لَا يجب فِيهَا وجود الْمَوْضُوع على ذَلِك التَّفْصِيل الْآيَة: هِيَ فِي الأَصْل الْعَلامَة الظَّاهِرَة واشتقاقها من (أَي) لِأَنَّهَا تبين (أيا) عَن (أَي) وتستعمل فِي المحسوسات والمعقولات، يُقَال لكل مَا يتَفَاوَت بِهِ الْمعرفَة بِحَسب التفكر والتأمل فِيهِ، وبحسب منَازِل النَّاس فِي الْعلم آيَة وَيُقَال على مَا دلّ على حكم من أَحْكَام الله سَوَاء كَانَت آيَة أَو سُورَة أَو جملَة مِنْهَا وَالْآيَة أَيْضا: طَائِفَة حُرُوف من الْقُرْآن علم بالتوقيف انْقِطَاع مَعْنَاهَا عَن الْكَلَام الَّذِي بعْدهَا فِي أول الْقُرْآن، وَعَن الْكَلَام الَّذِي قبلهَا فِي آخِره، وَعَن الَّذِي قبلهَا وَالَّذِي بعْدهَا فِي غَيرهمَا غير

стр. 206

مُشْتَمل على مثل ذَلِك وَالْآيَة تعم الأمارة وَالدَّلِيل الْقَاطِع، وَالسُّلْطَان يخص الْقَاطِع ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ لم يقل آيَتَيْنِ، لِأَن كل وَاحِد آيَة بِالْآخرِ. [وَقَوْلهمْ: الْآيَة: هُوَ بإعراب ثَلَاثَة تَأْوِيلهَا: اقْرَأ الْآيَة، أَو أتمهَا، أَو الْآيَة إِلَى آخرهَا، وَإِلَى آخر الْآيَة] الإيجاز: هُوَ الِاخْتِصَار متحدان، إِذْ يعرف حَال أَحدهمَا من الآخر وَقيل بَينهمَا عُمُوم من وَجه، لِأَن مرجع الإيجاز إِلَى مُتَعَارَف الأوساط، والاختصار قد يرجع تَارَة إِلَى الْمُتَعَارف، وَأُخْرَى إِلَى كَون الْمقَام خليقا بأبسط مِمَّا ذكر فِيهِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَار كَانَ الإختصار أَعم من الإيجاز، وَلِأَنَّهُ لَا يُطلق الِاخْتِصَار إِلَّا إِذا كَانَ فِي الْكَلَام حذف بِهَذَا الِاعْتِبَار كَانَ الإيجاز أَعم، لِأَنَّهُ قد يكون بِالْقصرِ دون الْحَذف وإيجاز الْقصر: هُوَ أَن يقصر اللَّفْظ على مَعْنَاهُ كَقَوْلِه ﴿إِنَّه من سُلَيْمَان﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وأتوني مُسلمين﴾ جَمِيع فِي أحرف العنوان وَالْكتاب وَالْحَاجة وإيجاز التَّقْدِير: هُوَ أَن يقدر معنى زَائِد على الْمَنْطُوق وَيُسمى بالتضييق أَيْضا نَحْو: ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه فَانْتهى فَلهُ مَا سلف﴾ أَي: خطاياه غفرت فَهُوَ لَهُ لَا عَلَيْهِ وَالْجَامِع هُوَ أَن يحتوي اللَّفْظ على معَان مُتعَدِّدَة نَحْو: ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ إِلَى آخِره وَمن بديع الإيجاز سُورَة الْإِخْلَاص؛ فَإِنَّهَا نِهَايَة التَّنْزِيه، وَقد تَضَمَّنت الرَّد على نَحْو أَرْبَعِينَ فرقة وَقد جمع فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا النَّمْل ادخُلُوا مَسَاكِنكُمْ﴾ إِلَى آخِره أحد عشر جِنْسا من الْكَلَام: نادت، كنت، نبهت، سمت، أمرت، قصت، حذرت، خصت، عَمت، أشارت، عذرت وَأَدت خَمْسَة حُقُوق: حق الله، وَحقّ رَسُوله، وحقها، وَحقّ رعيتها، وَحقّ جنود سُلَيْمَان النَّبِي ﵇ وَقد جمع الله الْحِكْمَة فِي شطر آيَة: ﴿كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا﴾ وَأما تَكْرِير الْقَصَص فقد ذكرُوا فِيهِ فَوَائِد مِنْهَا: أَن فِي إبراز الْكَلَام الْوَاحِد فِي فنون كَثِيرَة وأساليب مُخْتَلفَة مَا لَا يخفى من الفصاحة وَعدم تكْرَار قصَّة يُوسُف الَّتِي فِيهَا نسيب النسْوَة بِهِ وَحَال امْرَأَة ونسوة افْتتن بأبدع النَّاس جمالا لما فِيهِ من الإغضاء والستر وَقد صحّح الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " حَدِيث النَّهْي عَن تَعْلِيم النِّسَاء سُورَة يُوسُف ﵇ أَي: بِالتَّشْدِيدِ جُزْء من جملَة مُعينَة بعده مجتمعة مِنْهُ وَمن أَمْثَاله وَهُوَ اسْم ظَاهر وَلَا مُضْمر، بل هُوَ مُبْهَم، لم يسْتَعْمل إِلَّا بصلَة (إِلَّا) فِي الِاسْتِفْهَام والجزء الَّذِي كني بِهِ عَن الْمَنْصُوب

стр. 207

وملحقاته من الْكَاف وَالْيَاء وَالْهَاء حُرُوف زيدت لبَيَان التَّكَلُّم وَالْخطاب والغيبة، وَلَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب مثل الْكَاف فِي (أرأيتك) وَيسْأل ب (أَي) عَمَّا يُمَيّز أحد المتشاركين فِي أَمر يعمهما نَحْو: ﴿أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما﴾ أَي: أَنَحْنُ أم أَصْحَاب مُحَمَّد وَأي: اسْم للشّرط نَحْو: ﴿أيا مَا تدعوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾ وَهِي من جِهَة كَونهَا متضمنة معنى الشَّرْط عَامل فِي (تَدْعُو) ، وَمن جِهَة كَونهَا اسْما مُتَعَلقا ب (تدعوا) مَعْمُول لَهُ والاستفهام، نَحْو: ﴿أَيّكُم يأتيني بِعَرْشِهَا﴾ وموصولة، نَحْو: (فَسلم على أَيهمْ أفضل) أَي الَّذِي هُوَ أفضل ودالة على معنى الْكَمَال، فَتكون صفة للنكرة وَحَالا من الْمعرفَة، وَلَا تسْتَعْمل إِلَى مُضَافَة، فَإِن أضيفت لجامد فَهِيَ للمدح بِكُل صفة، وَإِن أضيفت لمشتق فَهِيَ للمدح بالمشتق مِنْهُ فَقَط فَالْأول نَحْو: (مَرَرْت بِرَجُل أَي رجل) أَي: كَامِل فِي الرجولية وَالثَّانِي نَحْو: (جَاءَنِي زيد أَي رجل) أَي: كَامِل فِي صِفَات الرجولية وَتَكون وصلَة لنداء مَا فِيهِ (ال) نَحْو: (يَا أَيهَا الرَّسُول) و (يَا أيتها النَّفس) و (أَي) بِمَنْزِلَة (كل) مَعَ النكرَة، وبمنزلة (بعض) مَعَ الْمعرفَة وَالْفِعْل فِي قَوْلك: (أَي عَبِيدِي ضربك فَهُوَ حر) عَام حَتَّى لَو ضربه الْجَمِيع عتقوا لِأَن الْفِعْل مُسْند إِلَى عَام، وَهُوَ ضمير (أَي) وَفِي (أَي عَبِيدِي ضَربته فَهُوَ حر) خَاص، حَتَّى لَو ضرب الْجَمِيع لم يعْتق إِلَّا الأول، لِأَن الْفِعْل مُسْند إِلَى ضمير الْمُخَاطب وَهُوَ خَاص؛ إِذا الرَّاجِع إِلَى (أَي) ضمير الْمَفْعُول، وَالْفِعْل يعم بِعُمُوم فَاعله لكَونه كالجزء من الْفِعْل وَقد تؤنث (أَي) إِذا أضيفت إِلَى مؤنث، وَترك التَّأْنِيث أَكثر فِيهَا وَيُقَال: (أَي الرِّجَال أَتَاك) وَلَا يُقَال: (أَتَوا) إيا: بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد، حرف لِأَنَّهُ لم يوضع لِمَعْنى حَتَّى يكون كلمة محرفة، بل هُوَ لفظ ذكر وَسِيلَة إِلَى التَّلَفُّظ بالضمير وَالْجُمْهُور على أَن (إيا) ضمير وَمَا بعده اسْم مُضَاف لَهُ يُفَسر مَا يُرَاد بِهِ من تكلم نَحْو: ﴿وإياي فارهبون﴾ ، وغيبة نَحْو: ﴿بل إِيَّاه تدعون﴾ ، وخطاب نَحْو: ﴿إياك نعْبد﴾ ، أَو وَحده ضمير وَمَا بعده حرف يُفَسر المُرَاد، أَو عماد وَمَا بعده هُوَ الضَّمِير وأيا: بِالْفَتْح مُخَفّفَة حرف نِدَاء ك (هيا) و (إياك) فِي (رَأَيْتُك إياك) بدل و (أَنْت) فِي (رَأَيْتُك أَنْت) تَأْكِيد (وَإِيَّاك) فِي (إياك والأسد) مَنْصُوب بإضمار فعل تَقْدِيره اتَّقِ أَو باعد، واستغني عَن إِظْهَار هَذَا الْفِعْل لما تضمن هَذَا الْكَلَام من معنى التحذير، وَهَذَا الْفِعْل إِنَّمَا يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، وَإِذا كَانَ قد استوفى عمله ونطق بعده باسم آخر لزم إِدْخَال حرف الْعَطف عَلَيْهِ تَقول: (اتَّقِ الشَّرّ والأسد) وَقد جوز إِلْغَاء الْوَاو عِنْد تَكْرِير (إياك) كَمَا استغني

стр. 208

عَن إِظْهَار الْفِعْل مَعَ تَكْرِير الِاسْم فِي مثل (الطَّرِيق الطَّرِيق) أَي: بِالتَّخْفِيفِ، يُسمى حرف تَفْسِير، وحرف تَعْبِير، لِأَنَّهُ تَفْسِير لما قبله وَعبارَة مِنْهُ وَشَرطه أَن يَقع بَين جملتين مستقلتين تكون الثَّانِيَة هِيَ الأولى وَأي: يُفَسر بهَا للإيضاح وَالْبَيَان، و (أَعنِي) لدفع السُّؤَال وَإِزَالَة الْإِبْهَام وَقيل: (أَي) تَفْسِير إِلَى الْمَذْكُور، و (أَعنِي) تَفْسِير إِلَى الْمَفْهُوم، و (أَي) تَفْسِير كل مُبْهَم من الْمُفْرد نَحْو: (جَاءَنِي زيد أَي أَبُو عبد الله) ؛ وَالْجُمْلَة كَقَوْلِك: (فلَان قطع رزقه أَي مَاتَ) ؛ و (أَن) مُخْتَصَّة بِمَا فِي معنى القَوْل، لَا نفس القَوْل نَحْو: (كتبت إِلَيْهِ أَن قُم) ، ف (أَي) أَعم اسْتِعْمَالا من (أَن) لجَوَاز أَن يُفَسر بهَا مَا لَيْسَ فِي معنى القَوْل وَمَا هُوَ فِي معنى القَوْل صَرِيح وَغير صَرِيح، وَلَا يُفَسر ب (أَن) إِلَّا مَا فِي معنى القَوْل غير الصَّرِيح، وَلَا يُفَسر بِهِ فِي الْأَكْثَر إِلَّا مفعول مُقَدّر نَحْو: ﴿وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم﴾ أَي: ناديناه بقول هُوَ قَوْلنَا يَا إِبْرَاهِيم وَقد يُفَسر بِهِ الْمَفْعُول بِهِ الظَّاهِر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أمك مَا يُوحى أَن اقذفيه﴾ ف (أَن اقذفيه) تَفْسِير لما يُوحى الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول الظَّاهِر ل (أَوْحَينَا) وَإِذا فسرت جملَة فعلية مُضَافَة إِلَى ضمير الْمُتَكَلّم ب (أَي) يجب أَن يُطَابق فِي الْإِسْنَاد إِلَى الْمُتَكَلّم، فَتَقول: (استكتمته سري أَي سَأَلته كِتْمَانه) بِضَم تَاء (سَأَلته) لِأَنَّك تحكي كَلَام الْمعبر عَن نَفسه، وَجَاز حِينَئِذٍ فِي صدر الْكَلَام (تَقول) على الْخطاب و (يُقَال) على الْبناء للْمَفْعُول؛ وَإِذا فتسرتها ب (إِذا) فتحت الضَّمِير فَتَقول (إِذا سَأَلته كِتْمَانه) لِأَنَّك تخاطبه، أَي أَنَّك تَقول ذَلِك إِذا فعلت ذَلِك الْفِعْل؛ وَلَا يَصح حِينَئِذٍ أَن يُقَال فِي الصَّدْر (يُقَال) وَأي: بِالْفَتْح والسكون لنداء الْقَرِيب، قَالَه الْمبرد، والبعيد، قَالَه سِيبَوَيْهٍ، والمتوسط قَالَه ابْن برهَان وإي: بِالْكَسْرِ بِمَعْنى (نعم) نَحْو: ﴿إِي وربي﴾ وَهُوَ من لَوَازِم الْقسم، وَلذَلِك وصل بواوه فِي التَّصْدِيق فَيُقَال: (إِي وَالله) وَلَا يُقَال: (إِي) وَحده، وَمن هَذَا قَالُوا: كَون (إِي) بِمَعْنى (نعم) مَشْرُوط بِوُقُوعِهِ فِي الْقسم أَيْن: يبْحَث بِهِ عَن الْمَكَان بطرِيق الشّرطِيَّة نَحْو: (أَيْن تجْلِس أَجْلِس) و (مَتى) يبْحَث بِهِ عَن الزَّمَان وَأَيْنَ: سُؤال عَن الْمَكَان الَّذِي حل فِيهِ الشَّيْء وَمن أَيْن: سُؤال عَن الْمَكَان الَّذِي برز مِنْهُ الشَّيْء و (مَا) فِي (أَيْنَمَا) مَوْصُولَة وصلت ب (أَيْن) فِي خطّ الْمُصحف، وحقها الْفَصْل أَيَّانَ: يسْأَل بِهِ عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا فِيمَا يُرَاد تفخيم أمره وتعظيم شَأْنه، نَحْو: ﴿أَيَّانَ يَوْم الْقِيَامَة﴾ وَيكون بِمَعْنى (مَتى) نَحْو: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يبعثون﴾ أيا مَا: (مَا) : زَائِدَة للتَّأْكِيد، أَو شَرْطِيَّة جمع بَينهمَا تَأْكِيدًا كَمَا جمع بَين حرفي الْجَرّ للتَّأْكِيد،

стр. 209

وَحسنه اخْتِلَاف اللَّفْظ الأيم: ك (كيس) ، من لَا زوج لَهَا، بكرا أَو ثَيِّبًا، وَمن لَا امْرَأَة لَهُ أَيْضا، جمع الأول (أيايم) و (أيامى) كَمَا فِي الْقَامُوس وَفِي " أنوار التَّنْزِيل ": هُوَ العزب، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، بكرا كَانَ أَو ثَيِّبًا، وَقَالَ بَعضهم: هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي وطِئت وَلَا زوج لَهَا، سَوَاء وطِئت بحلال أَو بِحرَام، دلّ عَلَيْهِ أَن النَّبِي ﷺ قَابل الأيم بالبكر فِي حَدِيث الْإِذْن حَيْثُ قَالَ: " الأيم أَحَق بِنَفسِهَا من وَليهَا، وَالْبكْر تستأمر فِي نَفسهَا، وإذنها صماتها " عطف إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَفصل بَينهمَا فِي الحكم، وكل من الْعَطف والفصل دَلِيل على الْمُغَايرَة بَينهمَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي مَسْأَلَة النِّكَاح بِغَيْر ولي خلاف بَين أبي حنيفَة وَبَين رَسُول الله، فَإِنَّهُ ﵊ قَالَ: " أَيّمَا امْرَأَة نكحت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل " وَقَالَ أَبُو حنيفَة: نِكَاحهَا صَحِيح وَإِنَّمَا قَالَ كَذَلِك لِأَن الْمَرْأَة مالكة لبعضها، فَيصح نِكَاحهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا قِيَاسا على بيع سلعتها، فَحمل بعض الْحَنَفِيَّة الْمَرْأَة فِي الحَدِيث على الصَّغِيرَة، فَاعْترضَ لِأَن الصَّغِيرَة لَيست امْرَأَة فِي لِسَان الْعَرَب، كَمَا أَن الصَّغِير لَيْسَ رجلا فحملها بعض آخر مِنْهُم على الْأمة، فَاعْترضَ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من قَوْله ﵊: " فَإِن أَصَابَهَا فلهَا مهر مثلهَا " فَإِن مهر مثلهَا لسَيِّدهَا لَا لَهَا فحملها بعض آخر من متأخريهم على الْمُكَاتبَة فَإِن الْمهْر لَهَا وَهَذِه التأويلات بعيدَة عِنْد الشَّافِعِيَّة لما أَنه على كل من التأويلات قصر للعام على صُورَة نادرة مُنَافِيَة لما قَصده الشَّارِع من عُمُوم منع اسْتِقْلَال الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ فَحَضَرَ أَبُو الْمَعَالِي يَوْمًا مَعَ الصندلي وَسَأَلَ عَن التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة هَل هِيَ وَاجِبَة أم لَا؟ فَقَالَ الصندلي: فِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف بَين الشَّافِعِي وَبَين الله تَعَالَى فَإِن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَالشَّافِعِيّ قَالَ: كلوا وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِي كَذَلِك لِأَنَّهُ ذبح صدر من أَهله فِي مَحَله فَيحل كذبح ناسي التَّسْمِيَة وَالنَّص عِنْده مؤول بِحمْلِهِ على تَحْرِيم مَذْبُوح عَبدة الْأَوْثَان، فَإِن عدم ذكر الله غَالب عَلَيْهِم، فَإِذا انقدح هَذَا التَّأْوِيل عمل بِهِ، لما صَحَّ فِي الحَدِيث من أَن قوما قَالُوا: يَا رَسُول الله إِن قوما يأْتونَ بِاللَّحْمِ مَا نَدْرِي أذكر اسْم الله عَلَيْهِ أم لَا؟ فَقَالَ ﵊: " سموا عَلَيْهِ وكلوا " وَقد فصلناه فِي بحث الذَّبِيحَة تَفْصِيلًا وافيا حَتَّى ظهر الْحق من قُوَّة التَّحْقِيق الْإِيلَاء: الْإِعْطَاء، والتقريب و [الْإِيلَاء] : مصدر (آلَيْت على كَذَا) إِذا حَلَفت عَلَيْهِ بِاللَّه أَو بِغَيْرِهِ من الطَّلَاق، أَو الْعتاق، أَو الْحَج، أَو نَحْو ذَلِك وَالْأَمر مِنْهُ (أول) وتعديته ب (من) فِي الْقسم على قرْبَان الْمَرْأَة بِاعْتِبَار مَا فِيهِ من الِامْتِنَاع من الْوَطْء، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين يؤلون من نِسَائِهِم﴾ أَي: وللمؤلين من نِسَائِهِم تربص أَرْبَعَة أشهر، فَلَا يلْزم شَيْء فِي هَذِه الْمدَّة؛ وَهَذَا لَا يُنَافِي وُقُوع الطَّلَاق الْبَائِن عِنْد مضيها، كَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة؛ وَلَا يَقْتَضِي أَن تكون

стр. 210

الْمدَّة أَكثر مِمَّا ذكر بِدلَالَة الْفَاء فِي قَوْله: ﴿فَإِن فاؤوا﴾ كَمَا قَالَه الشَّافِعِي، لِأَنَّهَا للتعقيب وَالْعَبْد وَالْحر فِي مُدَّة الْإِيلَاء سَوَاء عِنْد الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة يعْتَبر رق الْمَرْأَة، وَمَالك يعْتَبر رق الزَّوْج الْإِيقَاع: هُوَ الْعلَّة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن والوقوع: هُوَ الْمَعْلُول سَوَاء كَانَ فِي الذِّهْن أَو فِي الْخَارِج الإيغال: هُوَ ختم الْكَلَام بِمَا يُفِيد نُكْتَة يتم الْمَعْنى بِدُونِهَا وَمن أمثلته فِي الْقُرْآن: ﴿يَا قوم اتبعُوا الْمُرْسلين﴾ إِلَى قَوْله ﴿مهتدون﴾ فَإِن الْمَعْنى قد تمّ بِدُونِ (وهم مهتدون) إِذْ الرَّسُول مهتد لَا محَالة، لَكِن فِيهِ زِيَادَة مُبَالغَة فِي الْحَث على اتِّبَاع الرَّسُول وَالتَّرْغِيب فِيهِ وَفِي الشّعْر كَقَوْلِه: (كَأَن عُيُون الْوَحْش حول خبائنا ... وأرحلنا الْجزع الَّذِي لم يثقب) الْإِيَاس: مصدر الآيسة عَن الْحيض فِي الأَصْل (إئياس) على (إفعال) حذفت الْهمزَة من عين الْكَلِمَة تَخْفِيفًا الْإِيهَام: هُوَ إِيقَاع الشَّيْء فِي الْقُوَّة الوهمية قيل: هُوَ كالتخييل الَّذِي هُوَ إِيقَاع الشَّيْء فِي الْقُوَّة الخيالية، لِأَن ذَلِك من الصُّور الوهمية، وَهَذَا من الْأُمُور المتخيلة، بل كِلَاهُمَا موهومان لَا تحقق لَهما؛ لَكِن الأول أَن يُوجد لكل مِنْهُمَا وَجه علمي يرجحه فِي مَوْضِعه، وَلَا يحمل على التَّعْيِين وإيهام التناسب فِي البديع، كَون اللَّفْظ مناسبا لشَيْء بِأحد معنييه لَا بِالْآخرِ الإيعاء: هُوَ حفظ الْأَمْتِعَة فِي الْوِعَاء والوعي: لفظ الحَدِيث وَنَحْوه إيه: تَقول (إيه حَدثنَا) إِذا استزدته، و (إيها كف عَنَّا) إِذا أَمرته أَن يقطعهُ، و (وَبهَا) : إِذا زجرته عَن الشَّيْء أَو أغريته، و (واها لَهُ) : إِذا تعجبت مِنْهُ أَيْضا: مصدر (آض) ، وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ شَيْئَيْنِ بَينهمَا توَافق وَيُمكن اسْتغْنَاء كل مِنْهُمَا عَن الآخر، فَخرج نَحْو: (جَاءَنِي زيد أَيْضا) و (جَاءَ فلَان وَمَات أَيْضا) و (اخْتصم زيد وَعَمْرو أَيْضا) فَلَا يُقَال شَيْء من ذَلِك وَهُوَ مفعول مُطلق حذف عَامله وجوبا سَمَاعا كَمَا نقل، وَمَعْنَاهُ: عَاد هَذَا عودا على الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة أَو حَال من ضمير الْمُتَكَلّم حذف عاملها وصاحبها، أَي: (أخبر أَيْضا) أَو (أحكي أَيْضا) أَي: رَاجعا؛ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يسْتَمر فِي جَمِيع الْمَوَاضِع [نوع] ﴿من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ : من ناحيته الْيُمْنَى

стр. 211

من (الْيَمين) ، أَو من جَانِبه الميمون، من (الْيمن) ﴿بأيام الله﴾ : بوقائعه الَّتِي وَقعت على الْأُمَم ﴿إيابهم﴾ : مرجعهم ﴿أَيَّانَ مرْسَاها﴾ : مَتى إرساؤها، أَي: إِقَامَتهَا وإثباتها أَو مُنْتَهَاهَا ومستقرها [ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْش﴾ : أَي اعجبوا عهد قُرَيْش، أَو لئلاف قُرَيْش] ﴿إيلافهم﴾ : لزومهم ﴿أَصْحَاب الأيكة﴾ : الغيضة [وهم قوم شُعَيْب] [ ﴿أيدتك﴾ : قويتك] أَيُّوب [فِي " الْأَنْوَار ": هُوَ ابْن عيص بن اسحاق] : وَالصَّحِيح أَنه كَانَ من بني إِسْرَائِيل، وَلم يَصح فِي نسبه شَيْء، إِلَّا أَن اسْم أَبِيه " أَبيض "، وَأَنه مِمَّن آمن إِبْرَاهِيم ﵇ وعَلى هَذَا كَانَ قبل مُوسَى، وَقيل: بعد شُعَيْب، وَقيل: بعد سيلمان، ابْتُلِيَ وَهُوَ ابْن سبعين، وَاخْتلف فِي مُدَّة بلائه [وَمَا حُكيَ فِيهِ من الجذام فَغير صَحِيح] وَمُدَّة عمره كَانَت ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة (فصل الْبَاء) [البروج] : كل مَا فِي الْقُرْآن من ذكر البروج فَهُوَ الْكَوَاكِب إِلَّا ﴿وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة﴾ فَإِن المُرَاد بهَا الْقُصُور الطوَال الحصينة، وَفِي " الْأَنْوَار " فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جعلنَا فِي السَّمَاء بروجا﴾ اثْنَي عشر مُخْتَلفَة الهيئات والخواص على مَا دلّ عَلَيْهِ الرصد والتجربة مَعَ بساطة السَّمَاء [الْبر وَالْبَحْر] : كل مَا فِي الْقُرْآن من ذكر الْبر وَالْبَحْر فَالْمُرَاد بِالْبرِّ التُّرَاب واليابس، وبالبحر المَاء إِلَّا ﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ فَإِن المُرَاد من الْبر الْعمرَان، وَقيل: المُرَاد بِالْبرِّ ثمَّة الْبَوَادِي والمفاوز، وبالبحر الْمَدَائِن والقرى الَّتِي هِيَ على الْمِيَاه الْجَارِيَة قَالَ عِكْرِمَة: الْعَرَب تسمي الْمصر بحرا تَقول: أجدب الْبر، وانقطعت مَادَّة الْبَحْر [البخس] : كل مَا فِي الْقُرْآن من بخس فَهُوَ النَّقْص، إِلَّا ﴿بِثمن بخس﴾ مَعْنَاهُ حرَام، لكَونه ثمن الْحر؛ [وَهُوَ سيدنَا يُوسُف النَّبِي ﵊] [البعل] : كل مَا فِي الْقُرْآن من بعل فَهُوَ زوج، إِلَّا ﴿أَتَدعُونَ بعلا﴾ فَإِن المُرَاد الصم الْبكم: كل مَا فِي الْقُرْآن من ذكر الْبكم فَالْمُرَاد الخرس عَن الْكَلَام بِالْإِيمَان، إِلَّا (بكما

стр. 212

وصما﴾ فِي " الْإِسْرَاء " ﴿أَحدهمَا أبكم﴾ فِي " النَّحْل " فَإِن المُرَاد عدم الْقُدْرَة على الْكَلَام مُطلقًا [برع] : كل شَيْء تناهى فِي جمال أَو نضارة فقد برع، [يُقَال: برع الرجل إِذا فاق أَصْحَابه] [البثنية] : كل حِنْطَة تنْبت فِي الأَرْض السهلة فَهِيَ بثنية، بِخِلَاف الجبلية [الْبغاء] : كل طلبة فَهُوَ بغاء، بِالضَّمِّ وَالْمدّ [البخار] : كل دُخان يسطع من مَاء حَار فَهُوَ بخار، وَكَذَلِكَ من الندى [أَبتر] : كل أَمر مُنْقَطع عَن الْخَيْر فَهُوَ أَبتر [البخر] : كل رَائِحَة ساطعة فَهُوَ بخر والبخور، كصبور، مَا يتبخر بِهِ؛ والبخر، بِالتَّحْرِيكِ: النتن فِي الْفَم وَغَيره [البهار] : كل حسن مُنِير فَهُوَ بهار، وَنبت طيب الرَّائِحَة [البرزخ] : كل حاجز بَين شَيْئَيْنِ فَهُوَ برزخ وموبق البغاث: كل طَائِر لَيْسَ من الْجَوَارِح يصاد فَهُوَ بغاث [الْبَهِيمَة] : كل حَيّ لَا عقل لَهُ، وكل مَا لَا نطق لَهُ فَهُوَ بَهِيمَة، لما فِي صَوته من الْإِبْهَام، ثمَّ اخْتصَّ هَذَا الِاسْم بذوات الْأَرْبَع وَلَو من دَوَاب الْبَحْر، مَا عدا السبَاع [الْبكر] : كل امْرَأَة لم يبتكرها رجل فَهِيَ بكر هَذَا عِنْد الْإِمَامَيْنِ وَأما عِنْد أبي حنيفَة إِذا زَالَت بَكَارَتهَا بِالزِّنَا فَهِيَ بكر أَيْضا وَلَيْسَت بثيب وَالثَّيِّب: كل امْرَأَة جومعت بِنِكَاح أَو شُبْهَة وَعِنْدَهُمَا: الثّيّب: كل أمْرَأَة زَالَت بَكَارَتهَا بجماع [الْبِدْعَة] : كل عمل عمل على غير مِثَال سبق فَهُوَ بِدعَة [الْبرة] : كل حَلقَة من سوار وقرط وخلخال وأشباهها فَهِيَ برة [الْبَلَد] : كل مَوضِع من الأَرْض غامر أَو عَامر، مسكون أَو خَال فَهُوَ بلد، والقطعة مِنْهُ بَلْدَة [البيات] : كل مَا كَانَ بلَيْل فَهُوَ بيات [البقل] : كل مَا ينْبت الرّبيع مِمَّا يَأْكُلهُ النَّاس، وكل نَبَات اخضرت بِهِ الأَرْض، وكل مَا ينْبت أَصله وفرعه فِي الشتَاء فَهُوَ بقل [البلاط] : كل شَيْء فرشت بِهِ الدَّار من حجر وَغَيره فَهُوَ بلاط [الْبُهْتَان] : كل مَا يبهت لَهُ الْإِنْسَان من ذَنْب وَغَيره فَهُوَ بهتان [الْبذر] : كل حب يبذر فَهُوَ بذر [الْبَدْر] : كل شَيْء تمّ فَهُوَ بدر، وَسميت البدرة بدرة وَهِي عشرَة آلَاف دِرْهَم لتَمام عَددهَا [الْبَحْر] : كل مَكَان وَاسع جَامع للْمَاء الْكثير فَهُوَ بَحر، ثمَّ سموا كل متوسع فِي شَيْء بحرا، وَفِي

стр. 213

تقاليبه معنى السعَة [الْبُسْتَان] : كل أَرض يحوطها حَائِط وفيهَا نخيل مُتَفَرِّقَة وأشجار، يُمكن الزِّرَاعَة فِي وسط الْأَشْجَار فَهِيَ بُسْتَان، مُعرب (بوستان) ؛ وَإِن كَانَت الْأَشْجَار ملتفة لَا يُمكن زراعة أرْضهَا فَهِيَ كرم [الْبيض] : كل بيض يكْتب بالضاد إِلَّا بيظ النَّمْل فَإِنَّهُ بالظاء كل مَا كَانَ من حُرُوف الهجاء على حرفين، الثَّانِي مِنْهُمَا ألف فَإِنَّهَا تمد وتقصر، من ذَلِك الْبَاء وَالتَّاء والثاء واشباهها الْبَاء: هُوَ أول حرف نطق بِهِ الْإِنْسَان وَفتح بِهِ فَمه، وَمن مَعَانِيهَا: الْوَصْل والإلصاق [أَي: تَعْلِيق أحد معنييها بِالْآخرِ] وَقد رفع الله قدرهَا وَأَعْلَى شَأْنهَا وَأظْهر برهانها بجعلها مفتتح كِتَابه ومبتدأ كَلَامه وخطابه وَهِي من الْحُرُوف الجارة الْمَوْضُوعَة لإفضاء مَعَاني الْأَفْعَال إِلَى الْأَسْمَاء وَإِذا اسْتعْملت فِي كَلَام لَيْسَ فِيهِ فعل تتَعَلَّق هِيَ بِهِ يقدر فعل عَام إِذا لم يُوجد قرينَة الْخُصُوص؛ وَإِلَّا فَلَا بُد من تَقْدِير الْخَاص، لِأَنَّهُ أتم فَائِدَة وأعم عَائِدَة نَحْو: (زيد على الْفرس) و (من الْعلمَاء) و (فِي الْبَصْرَة) أَي: هُوَ رَاكب ومعدود ومقيم وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ إِن كَانَ تعلقهَا بِهِ بِوَاسِطَة مُتَعَلق عَام أَو خَاص حذف نسيا ومنسيا؛ وَله مَحل من الْإِعْرَاب يُسمى الْجَار وَالْمَجْرُور ظرفا مُسْتَقرًّا، كَمَا فِي صُورَة انْتِفَاء الْفِعْل الأول عَن أَصله: نَحْو: (زيد فِي الدَّار) لاستقرار معنى عَامله فِيهِ وانفهامه مِنْهُ، وَلِهَذَا قَامَ مقَامه وانتقل إِلَيْهِ ضَمِيره؛ وَإِن كَانَ بِالذَّاتِ وَلم يكن لَهُ مَحل من الْإِعْرَاب فلغو؛ كَمَا إِذا ذكر الْفِعْل مُطلقًا وَالْبَاء الدَّاخِلَة على الِاسْم الَّذِي لوُجُوده أثر فِي وجود متعلقها ثَلَاثَة أَقسَام: لِأَنَّهَا إِن صَحَّ نِسْبَة الْعَامِل إِلَى مصحوبها فَهِيَ بَاء الِاسْتِعَانَة نَحْو (كتبت بالقلم) وتعرف أَيْضا بِأَنَّهَا الدَّاخِلَة على أَسمَاء الْآلَات، وَإِلَّا فَإِن كَانَ التَّعَلُّق إِنَّمَا وجد لأجل وجود مجرورها فَهِيَ بَاء الْعلَّة وتعرف أَيْضا بِأَنَّهَا الصَّالِحَة غَالِبا لحلول اللَّام محلهَا، وَإِلَّا [يكن الْمُتَعَلّق كل ذَلِك] فَهِيَ بَاء السَّبَبِيَّة نَحْو: ﴿فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ [وَالْبَاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تنْبت بالدهن﴾ للمصاحبة أَي: تنْبت ودهنها فِيهَا؛ وَكَذَا فِي قَوْله: ﴿فانتبذت بِهِ﴾ أَي: اعتزلت وَهُوَ فِي بَطنهَا] وباء المصاحبة والملابسة أَكثر اسْتِعْمَالا من الِاسْتِعَانَة لاسيما فِي الْمعَانِي وَمَا يجْرِي مجْراهَا من الْأَقْوَال وَحَقِيقَة بَاء الِاسْتِعَانَة التوسل بعد دُخُولهَا إِلَى تشريف الْمَشْرُوع فِيهِ والاعتداد بِشَأْنِهِ

стр. 214

وَاخْتلف فِي بَاء الْبَسْمَلَة فَعِنْدَ صَاحب الْكَشَّاف للملابسة، كَمَا فِي (دخلت عَلَيْهِ بِثِيَاب السّفر) وَلها مَعْنيانِ: الْمُقَارنَة والاتصال وَعند الْبَيْضَاوِيّ للاستعانة كَمَا فِي (كتبت بالقلم) فعلى الأول الظّرْف مُسْتَقر، وَالتَّقْدِير: (ابتدئ ملابسا باسم الله ومقارنا بِهِ ومصاحبا إِيَّاه) وعَلى الثَّانِي لَغْو، وَالتَّقْدِير: (اتبدئ باسم الله أَي أستعين فِي الِابْتِدَاء باسم الله) وَالْأول لسلامته من الْإِخْلَال بالأدب، لما فِي الِاسْتِعَانَة من جعل اسْم الله آلَة للْفِعْل والآلة غير مَقْصُودَة لذاتها بل لغَيْرهَا وَقيل: الِاسْتِعَانَة أولى، لِأَن الْفِعْل لَا يُوجد إِلَّا بهَا وَالْبَاء للإلصاق: أَي لتعليق أحد الْمَعْنيين بِالْآخرِ، إِمَّا حَقِيقَة نَحْو: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ أَو مجَازًا نَحْو: ﴿إِذا مروا بهم﴾ والإلصاق أصل مَعَاني الْبَاء، بِحَيْثُ لَا يكون معنى إِلَّا وَفِيه شمة مِنْهُ، فَلهَذَا اقْتصر عَلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي " الْكتاب ": [وَفِي شرح " الْمُغنِي ": الْبَاء للإلصاق وَهُوَ مَعْنَاهَا بِدلَالَة الْعرف، وَهُوَ أقوى دَلِيل فِي اللُّغَة، كالنص فِي أَحْكَام الشَّرْع] وَالْبَاء تكون للتعدية كالهمزة نَحْو: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ أَي: أذهبه؛ وَهِي للتعدية، وَهِي الدَّاخِلَة على الْفَاعِل فَيصير مَفْعُولا كَمَا فِي الْآيَة وللسببية: وَهِي الَّتِي تدخل على سَبَب الْفِعْل ويعبر عَنْهَا بِالتَّعْلِيلِ وَنَحْو: ﴿ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل﴾ وللظرفية ك (فِي) زَمَانا ومكانا نَحْو: ﴿وَلَقَد نصركم الله ببدر﴾ ﴿وَمَا كنت بِجَانِب الغربي﴾ وللاستعلاء ك (على) نَحْو: ﴿من إِن تأمنه بقنطار﴾ ﴿فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك﴾ وللمجاورة ك (عَن) نَحْو: ﴿فاسأل بِهِ خَبِيرا﴾ [وَلَا يَجِيء بِهَذَا الْمَعْنى أصلا عِنْد الْبَصرِيين، وَقَوله: ﴿فاسأل بِهِ خَبِيرا﴾ مؤول عِنْدهم بِجعْل الْبَاء سَبَبِيَّة أَو تجريدية وَفِي " الْأَنْوَار ": تعديته بهَا لتَضَمّنه معنى الاعتناء، والتجوز فِي الْفِعْل أولى مِنْهُ فِي الْحَرْف، لقُوته على مَا قيل وَمَا فِي " الْقَامُوس ": (سَأَلَهُ كَذَا) و (عَن كَذَا) و (بِكَذَا) بِمَعْنى (عَنهُ) لَا يُوَافقهُ كَلَام الثِّقَات] وللتبعيض: ك (من) نَحْو: (عينا يشرب بهَا

стр. 215

عباد الله﴾ وللغاية ك (إِلَى) نَحْو: ﴿وَقد أحسن بِي﴾ أَي: إِلَيّ وللمقابلة، وَهِي تدخل تَارَة على الثّمن نَحْو: ﴿وشروه بِثمن بخس﴾ وَتارَة على الْمُثمن نَحْو: ﴿فَلَا تشتروا بآياتي ثمنا قَلِيلا﴾ وللحالية: نَحْو: (خرج زيد بثيابه) قَالَه ابْن اياز وللتجريد نَحْو: (لقِيت زيدا بِخَير) وللتوكيد، وَهِي الزَّائِدَة، فتزداد فِي الْفَاعِل وجوبا نَحْو: ﴿أسمع بهم وَأبْصر﴾ وجوازا غَالِبا نَحْو: ﴿وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ وَفِي الْمَفْعُول نَحْو: ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ وَفِي الْمُبْتَدَأ نَحْو: ﴿بأيكم الْمفْتُون﴾ ، وَفِي اسْم (لَيْسَ) فِي قِرَاءَة بَعضهم نَحْو: ﴿لَيْسَ الْبر بِأَن توَلّوا وُجُوهكُم﴾ وَفِي الْخَبَر الْمَنْفِيّ نَحْو: ﴿وَمَا الله بغافل﴾ وَالْبَاء الزَّائِدَة لَا تمنع من عمل مَا بعْدهَا فِيمَا قبلهَا وتجيء بِمَعْنى (حَيْثُ) نَحْو: ﴿فَلَا تحسبنهم بمفازة من الْعَذَاب﴾ أَي: بِحَيْثُ يفوزون وباء التَّعْدِيَة بَابهَا الْفِعْل اللَّازِم نَحْو: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ الزَّمَخْشَرِيّ يُسَمِّي بَاء التَّعْدِيَة صلَة، وَالَّذِي يَسْتَعْمِلهُ أَكثر المصنفين فِي مثل هَذَا هُوَ أَن الصِّلَة بِمَعْنى الزِّيَادَة، وندرت التَّعْدِيَة بِالْبَاء فِي المعتدي نَحْو: (صككت الْحجر بِالْحجرِ) أَي جعلت أَحدهمَا يصك بِالْآخرِ وَالْبَاء القسمية: يخْتَص دُخُولهَا الْمعرفَة، ولأصالتها فِي إِفَادَة معنى الْقسم تستبد عَن أختيها بِجَوَاز إِظْهَار الْفِعْل مَعهَا وبدخولها على الْمظهر والمضمر نَحْو: (بِهِ لأعبدنه) وَالْحلف على سَبِيل الاستعطاف نَحْو: (بحياتك أَخْبرنِي) وَالْوَاو لكَونهَا فرعا لَا تدخل إِلَى على الْمظهر وَكَذَا التَّاء، لكَونهَا فرعا عَن الْوَاو لم تدخل إِلَّا على الْمظهر الْوَاحِد وَمن عَجِيب مَا قيل فِي بَاء الْبَسْمَلَة أَنَّهَا قسم فِي أول كل سُورَة، ذكره صَاحب " الغرائب والعجائب " وَالْبَاء ابدا تقع فِي الطي نَحْو: (مَا زيد بقائم) بِخِلَاف اللَّام، فَإِنَّهَا تقع فِي الصَّدْر نَحْو: (لزيد منطلق) و ﴿لَأَنْتُم أَشد رهبة﴾ وَالْبَاء مَتى دخلت فِي الْمحل تعدى الْفِعْل إِلَى الْآلَة، فَيلْزم استيعابها دون الْمحل، كَمَا فِي: ﴿وأمسحوا برؤوسكم﴾ فَيكون بعض الرَّأْس ممسوحا وَهُوَ الْمحل أما إِذا دخلت فِي وَسَائِل غير مَقْصُودَة مثل: (مسحت رَأس الْيَتِيم بِالْيَدِ) فَإِن الْبَاء مَتى دخلت فِي الْوَسِيلَة، وَهِي آلَة الْمسْح
следующие страницы →