← Гариб и словари

Гариб и словари · id 7037

الكليات

أبو البقاء الكفوي

Полный текст (1 069 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والخسرواني: شراب وَنَوع من الثِّيَاب و ﴿كرة خاسرة﴾ : أَي غير نافعة الخزازة: هِيَ وجع فِي الْقلب من غيظ وَنَحْوه الْخُف: مَعْرُوف وَيجمع على (خفاف) وَأما خف الْبَعِير فَإِنَّهُ يجمع على (أَخْفَاف) الْخدمَة: هِيَ عَامَّة والسدانة: خَاصَّة للكعبة [وَالْخَادِم: يُطلق على الْغُلَام وَالْجَارِيَة قَالَه التَّفْتَازَانِيّ عَلَيْهِ الرَّحْمَة، وَفِي " الْكَشَّاف ": دخلت خادمة] الخرطوم: هُوَ لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْفِيل وَالْخِنْزِير الخيدع: هُوَ من لَا يوثق بمودته الخفاش؛ ك (رمان) : الوطواط، وَكَذَا الخطاف، بِالضَّمِّ خير مقدم: أَي قدمت قدومًا خير مقدم، بِحَذْف عَامل الْمصدر وَإِقَامَة الْمصدر مقَامه، ثمَّ إِقَامَة صفة الْمصدر مقَام الْمصدر، ومصدريته بِاعْتِبَار الْمَوْصُوف، أَو بالمضاف إِلَيْهِ، لِأَن اسْم التَّفْضِيل لَهُ حكم مَا أضيف إِلَيْهِ الْخَال: هُوَ أَخ الْأُم، وسحاب لَا يخلف مطره، أَو لَا مطر فِيهِ، وشامة فِي الْبدن وَأَنا خَال هَذَا الْفرس: أَي صَاحبه وبيني وَبينهمْ خؤولة، وَيُقَال خَال أَيْضا بَين الخؤولة وخال الشَّيْء خيلولة: ظَنّه، وَتقول فِي مستقبله إخال بِكَسْر الْألف وَهُوَ الْأَفْصَح خداي: فارسية، مَعْنَاهُ أَنه بِنَفسِهِ جَاءَ، (خود) مَعْنَاهُ ذَات الشَّيْء وَنَفسه و (أَي) مَعْنَاهُ (جَاءَ) أَي أَنه لذاته كَانَ مَوْجُودا، وَهَذَا معنى وَاجِب الْوُجُود لذاته خجته: اسْم نسَاء أصفهانيات من رُوَاة الحَدِيث، أَعْجَمِيَّة مَعْنَاهَا الْمُبَارَكَة خشنام، بِالضَّمِّ: علم مُعرب (خوش نَام) أَي الطّيب الِاسْم خلون: يُقَال: لأَرْبَع مضين من الشَّهْر وخلت: لإحدى عشرَة من الشَّهْر، لِأَن الْعَرَب تجْعَل النُّون للقليل وَالتَّاء للكثير وخلوت بفلان وَإِلَيْهِ: انْفَرَدت مَعَه وخلاك ذمّ: عداك وَمضى عَنْك وَمِنْه: الْقُرُون الخالية خُصُوصا: حَال بِمَعْنى (خَاصّا) ، أَو نصب على المصدرية أَي: يخص هَذَا خُصُوصا وخاصة: مصدر كعاقبة كَاذِبَة، وَهِي ضد (عَامَّة) ، وَالتَّاء للتأنيث أَو للْمُبَالَغَة، وانتصابها على الْمَفْعُول الْمُطلق؛ وَيجوز أَن يكون حَالا بِمَعْنى (مَخْصُوصًا) نَحْو: (أَخَذته سمعا) خلافًا: هُوَ إِمَّا مصدر مثل (اتِّفَاقًا) و (إِجْمَاعًا) بِتَقْدِير (اتّفق عَلَيْهِ اتِّفَاقًا) و (أَجمعُوا على ذَلِك إِجْمَاعًا) لكنه لَو قدر فِيهِ (اخْتلفُوا) يشكل بِأَن مصدره (اخْتِلَاف) ويأبى [مَا يَأْتِي بعده]

стр. 422

لفُلَان؛ وَإِن قدر (خَالف) أَو (خَالَفت) يشكل أَيْضا بِأَن (خَالف) مِمَّا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ لَا بِاللَّامِ، وَقد يُجَاب بِأَن اللَّام مُتَعَلق بِمَحْذُوف، وَهُوَ (أَعنِي لَهُ) كَمَا فِي (سقيا لَهُم) بِأَن (سقى) يتَعَدَّى بِنَفسِهِ فَيكون (خلافًا) مَفْعُولا مُطلقًا، وَيحْتَمل أَن يكون حَالا، وَالتَّقْدِير: (أَقُول ذَلِك خلافًا لفُلَان) : أَي مُخَالفا لَهُ أَو ذَا خلاف وَحذف القَوْل كثير جدا، فَإِن كل حكم ذكره المصنفون فهم قَائِلُونَ بِهِ، فَالْقَوْل مُقَدّر قبل كل مَسْأَلَة، وَالْوَجْه المرضي الْجَارِي فِي جَمِيع موارد هَذِه الْكَلِمَة أَن يَجْعَل الظّرْف بعده مُسْتَقرًّا على أَنه صفة لَهُ وَخِلَافًا: نصب على إِضْمَار فعل بِأَنَّهُ مفعول مُطلق، أَي: خَالف خلافًا، إِلَّا أَنه لما حذف الْفِعْل وَالْفَاعِل مَعًا أبرز عَن نِسْبَة الْفَاعِل المطوي الْفِعْل بقوله (لفُلَان) فَاللَّام تَأْكِيد لتِلْك النِّسْبَة، وَفِيه أَن فِي مثل (خلافًا) للشَّافِعِيّ على هَذَا الْوَجْه إِحْدَاث الْخلاف مَنْسُوبا إِلَى أَصْحَابنَا وَهُوَ مِنْهُ خدجت النَّاقة: أَلْقَت وَلَدهَا قبل أَوَان النِّتَاج وأخدجت النَّاقة: إِذا وَلدته نَاقِصا وَإِن كَانَت أَيَّامه تَامَّة خر السّقف: طاح الْجِدَار: انقض النَّجْم: هوى [نوع] ﴿خبالا﴾ : فَسَادًا أَو شرا ﴿خضتم﴾ : دَخَلْتُم فِي الْبَاطِل ﴿مَا خطبكن﴾ : مَا شأنكن ﴿خلصوا﴾ : انفردوا واعتزلوا ﴿ختم الله على قُلُوبهم﴾ : طبع عَلَيْهَا ﴿وَإِذا خلوا﴾ : إِذا انفردوا ﴿خسروا أنفسهم﴾ : غبنوها ﴿إِلَّا من خطف الْخَطفَة﴾ : الخطف: الاختلاس وَالْمرَاد اختلاس كَلَام الْمَلَائِكَة مسارقة ﴿وَمن خفت مَوَازِينه﴾ : وَمن لم يكن لَهُ مَا يكون لَهُ وزن وهم الْكفَّار ﴿ثمَّ أَنْشَأْنَاهُ خلقا آخر﴾ : هُوَ صُورَة الْبدن أَو الرّوح أَو القوى ﴿خَالدُونَ﴾ : دائمون أَو لَا بثون لبثا طَويلا ﴿فخلف من بعدهمْ خلف﴾ : فعقبهم وَجَاء بعدهمْ عقيب سوء ﴿خَالِصَة﴾ : خَاصَّة ﴿خَافت من بَعْلهَا﴾ : توقعت مِنْهُ ﴿وخر مُوسَى صعقا﴾ : أَي سقط مغشيا عَلَيْهِ

стр. 423

﴿إِلَّا خلق الْأَوَّلين﴾ : أَي كذب الْأَوَّلين، أَو إِعَادَة الْأَوَّلين على قِرَاءَة (خلق) بِضَمَّتَيْنِ ﴿فَخلوا سبيلهم﴾ : فدعوهم وَلَا تتعرضوا لَهُ ﴿خوله﴾ : أعطَاهُ ﴿فِي الْخِصَام﴾ : فِي المجادلة ﴿خزي﴾ : ذل وفضيحة ﴿فَإِذا هم خامدون﴾ : ميتون ﴿فِي صلَاتهم خاشعون﴾ : خائفون من الله، متذللون لَهُ، ملزمون أَبْصَارهم مَسَاجِدهمْ ﴿خوار﴾ : صَوت الْعجل ﴿خَشَعت﴾ : خضعت ﴿لَا يلبثُونَ خِلافك﴾ : بعْدك ﴿أحسن الْخَالِقِينَ﴾ : أَي المقدرين تَقْديرا ﴿مَعَ الْخَوَالِف﴾ : جمع (الخالفة) ، وَقد يُقَال (الخالفة) للَّذي لَا خير فِيهِ ﴿بخيلك ورجلك﴾ : بأعوانك من رَاكب وراجل ﴿خاسئا﴾ : بَعيدا عَن إِصَابَة الْمَطْلُوب ﴿خرجا﴾ : أجرا ﴿فخراج رَبك﴾ : رزقه فِي الدُّنْيَا وثوابه فِي الْآخِرَة ﴿وَكَانَ الشَّيْطَان للْإنْسَان خذولا﴾ : يواليه حَتَّى يُؤَدِّيه إِلَى الْهَلَاك ثمَّ يتْركهُ وَلَا يَنْفَعهُ ﴿الخناس﴾ : الَّذِي عَادَته أَن يخنس، أَي يتَأَخَّر إِذا ذكر الْإِنْسَان ربه ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ : متأكلة الأجواف ﴿وَخسف الْقَمَر﴾ : ذهب ضوؤه ﴿الخنس﴾ : الْكَوَاكِب الرواجع ﴿خلال الديار﴾ : وَسطهَا ﴿كلما خبت﴾ : سكن لهبها ﴿خوان﴾ : مبالغ فِي الْخِيَانَة بالإصرار عَلَيْهَا ﴿فَرح الْمُخَلفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُول الله﴾ : أَي بعد خُرُوجه ﴿تعْمل الْخَبَائِث﴾ : يَعْنِي اللواط ﴿خاوية على عروشها﴾ : سَاقِطَة حيطانها على

стр. 424

سقوفها ﴿خطوَات الشَّيْطَان﴾ : عمله ﴿إِن عَلَّمْتهمْ فيهم خيرا﴾ : أَي حِيلَة ﴿أكل خمط﴾ : الخمط: الْأَرَاك ﴿الخراصون﴾ : الكذابون أَو المرتابون ﴿بخلاقهم﴾ : بدينهم ﴿خَاسِئِينَ﴾ : صاغرين ذليلين ﴿خصَاصَة﴾ : حَاجَة وفقر ﴿وَمَا أَنْتُم لَهُ بخازنين﴾ : قَادِرين متمكنين من إِخْرَاجه ﴿أعْطى كل شَيْء خلقه﴾ : أَي صورته وشكله الَّذِي يُطَابق كَمَاله الْمُمكن لَهُ، أَو أعْطى كل مَخْلُوق مَا يصلحه، أَو أعْطى كل حَيَوَان نَظِيره فِي الْخلق أَو الصُّورَة زوجا ﴿يخرج الخبء﴾ : أَي يظْهر مَا خَفِي [ ﴿ذَلِك الخزي الْعَظِيم﴾ : يَعْنِي الْهَلَاك الدَّائِم ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُود الله﴾ : أَي علمْتُم كَقَوْلِه جلّ شَأْنه: ﴿فَمن خَافَ من موص﴾ : أَي علم ﴿فاسأل بِهِ خَبِيرا﴾ : عَالما يُخْبِرك بِحَقِيقَة وَهُوَ الله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لَهُم الْخيرَة﴾ : أَي التخير وَظَاهره نفي الِاخْتِيَار من الْعباد رَأْسا ﴿خائبين﴾ : منقطعي الآمال ﴿وخرقوا لَهُ﴾ : فنقلوا وافتروا لَهُ ﴿خَشَعت الْأَصْوَات﴾ : سكنت الختار: الغدار الظلوم الغشوم] (فصل الدَّال) [الدحض] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الدحض فَهُوَ الْبَاطِل إِلَّا ﴿فَكَانَ من المدحضين﴾ فَإِن مَعْنَاهُ من المقروعين [الدّين] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الدّين فَهُوَ الْحساب [الدَّابَّة] : كل شَيْء دب على وَجه الأَرْض فَهُوَ دَابَّة وَفِي الْعرف يُطلق على الْخَيل وَالْحمار والبغل [دبل ودمل] : كل شَيْء أصلحته فقد دبلته

стр. 425

ودملته [الدهمقة] : كل شَيْء لين فَهُوَ الدهمقة [الدخيل] : كل كلمة أدخلت فِي كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَت مِنْهُ فَهُوَ الدخيل، وَكَذَا الْحَرْف الَّذِي بَين حرف الروي وَألف التأسيس الدَّلِيل: المرشد إِلَى الْمَطْلُوب، يذكر وَيُرَاد بِهِ الدَّال، وَمِنْه: (يَا دَلِيل المتحيرين) أَي: هاديهم إِلَى مَا تَزُول بِهِ حيرتهم وَيذكر وَيُرَاد بِهِ الْعَلامَة المنصوبة لمعْرِفَة الْمَدْلُول، وَمِنْه سمي الدُّخان دَلِيلا على النَّار ثمَّ اسْم الدَّلِيل يَقع على كل مَا يعرف بِهِ الْمَدْلُول، حسيا كَانَ أَو شَرْعِيًّا، قَطْعِيا كَانَ أَو غير قَطْعِيّ، حَتَّى سمي الْحس وَالْعقل وَالنَّص وَالْقِيَاس وَخبر الْوَاحِد وظواهر النُّصُوص كلهَا أَدِلَّة وَالدّلَالَة: كَون الشَّيْء بِحَيْثُ يُفِيد الْغَيْر علما إِذا لم يكن فِي الْغَيْر مَانع، كمزاحمة الْوَهم والغفلة بِسَبَب الشواغل الجسمانية وأصل الدّلَالَة مصدر كالكتابة والإمارة وَالدَّال: مَا حصل مِنْهُ ذَلِك وَالدَّلِيل: فِي الْمُبَالغَة ك (عَالم) و (عليم) و (قَادر) و (قدير) ثمَّ سمي وَالدَّلِيل دلَالَة لتسمية الشَّيْء بمصدره وَالدّلَالَة أَعم من الْإِرْشَاد وَالْهِدَايَة والاتصال بِالْفِعْلِ مُعْتَبر فِي الْإِرْشَاد لُغَة دون الدّلَالَة وَيجمع (الدَّلِيل) على (أَدِلَّة) لَا على (دَلَائِل) إِلَّا نَادرا ك (سليل) على (سلائل) ، على مَا حَكَاهُ أَبُو حَيَّان، إِذا لم يَأْتِ (فعائل) جمعا لاسم جنس على (فعيل) ، صرح بِهِ ابْن مَالك، وَقَالَ بَعضهم: شَرط اطراد جمع (فعيل) على (فعائل) أَن يكون مؤنثا ك (سعيد) علما لامْرَأَة، وَيجوز أَن يكون جمع (دلَالَة) ك (رسائل) و (رِسَالَة) ، وَإِن كَانَ الْمَشْهُور أَن جمع (دَلِيل) (أَدِلَّة) وَالدَّلِيل عِنْد الأصولي: هُوَ مَا يُمكن التَّوَصُّل بِهِ بِصَحِيح النّظر فِيهِ إِلَى مَطْلُوب خبري وَعند الميزاني: هُوَ الْمُقدمَات الْمَخْصُوصَة نَحْو: الْعَالم متغير وكل متغير فَهُوَ حَادث وَالدّلَالَة تَتَضَمَّن الِاطِّلَاع، وَلِهَذَا عوملت مُعَامَلَته حَتَّى تتعدى ب (على) ، وَلم تعامل فِي الْهِدَايَة الَّتِي بمعناها بذلك، بل عوملت مَعهَا مُعَاملَة سَائِر مضامينها وَفرق بَين الدّلَالَة والاستعمال تَقول: هَذَا اللَّفْظ يدل على الْعُمُوم، ثمَّ قد يسْتَعْمل حَيْثُ لَا يُرَاد الْعُمُوم، بل يُرَاد الْخُصُوص وَمَا كَانَ للْإنْسَان اخْتِيَار فِي معنى الدّلَالَة فَهُوَ بِفَتْح الدَّال، وَمَا لم يكن لَهُ اخْتِيَار فِي ذَلِك فبكسرها، مِثَاله إِذا قلت: (دلَالَة الْخَيْر لزيد) فَهُوَ بِالْفَتْح، أَي: لَهُ اخْتِيَار فِي الدّلَالَة على الْخَيْر، وَإِذا كسرتها فَمَعْنَاه حِينَئِذٍ صَار الْخَيْر سجية لزيد فيصدر مِنْهُ كَيفَ مَا كَانَ [وَالِاسْتِدْلَال: هُوَ تَقْرِير ثُبُوت الْأَثر لإِثْبَات الْمُؤثر وَالتَّعْلِيل: هُوَ تَقْرِير ثُبُوت الْمُؤثر لإِثْبَات الْأَثر وَالِاسْتِدْلَال فِي عرف أهل الْعلم تَقْرِير الدَّلِيل لإِثْبَات الْمَدْلُول سَوَاء كَانَ ذَلِك من الْأَثر إِلَى الْمُؤثر

стр. 426

أَو بِالْعَكْسِ أَو من أحد الْأَمريْنِ إِلَى الآخر والتعريف الْمَشْهُور للدليل: هُوَ الَّذِي يلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بِوُجُود الْمَدْلُول، وَلَا يخفى أَن الدَّلِيل والمدلول متضايفان كَالْأَبِ وَالِابْن فيكونان متساويين فِي الْمعرفَة والجهالة فَلَا يجوز أَخذ أَحدهمَا فِي تَعْرِيف الآخر لِأَن الْمُعَرّف يَنْبَغِي أَن يكون أجلى والتعريف الْحسن الْجَامِع: أَنه هُوَ الَّذِي يلْزم من الْعلم أَو الظَّن بِهِ الْعلم أَو الظَّن بتحقق شَيْء آخر و (أَو) هَاهُنَا للتبيين أَي كل وَاحِد دَلِيل كَمَا يُقَال: الْإِنْسَان إِمَّا عَالم أَو جَاهِل، لَا للتشكيك كَمَا فِي: (علمت أَنه سمع أَو لَا) والتعريف بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يلْزم من الْعلم بِهِ الْعلم بتحقق شَيْء آخر هُوَ تَعْرِيف الدَّلِيل الْقطعِي لَا مُطلق الدَّلِيل الَّذِي هُوَ أَعم من أَن يكون قَطْعِيا أَو ظنيا ثمَّ الدَّلِيل إِمَّا عَقْلِي مَحْض كَمَا فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة، أَو مركب من الْعقلِيّ والنقلي، لِأَن النقلي الْمَحْض لَا يُفِيد، إِذْ لَا بُد من صدق الْقَائِل، وَذَلِكَ لَا يعلم إِلَّا بِالْعقلِ وَإِلَّا لدار وتسلسل وَدَلَائِل الشَّرْع خَمْسَة: الْكتاب، وَالسّنة، وَالْإِجْمَاع، وَالْقِيَاس، والعقليات الْمَحْضَة كالتلازم والتفاني والدوران، وَالثَّلَاثَة الأول نقلية والباقيان عقليان وَالدَّلِيل الْقطعِي قد يكون عقليا وَقد يكون نقليا كالمتواتر، وَقَول النَّبِي ﵊ مشافهة من النقليات مِمَّا ينْقل مشافهة] وَالدَّلِيل الْمُرَجح إِن كَانَ قَطْعِيا كَانَ تَفْسِيرا، وَإِن كَانَ ظنيا كَانَ تَأْوِيلا [وَالدَّلِيل إِن كَانَ مركبا من القطعيات كَانَ تحقق الْمَدْلُول أَيْضا قَطْعِيا وَيُسمى برهانا، وَإِن كَانَ مركبا من الظنيات أَو اليقينيات والظنيات كَانَ ثُبُوت الْمَدْلُول ظنيا، لِأَن ثُبُوت الْمَدْلُول فرع ثُبُوت الدَّلِيل وَالْفرع لَا يكون أقوى من الأَصْل وَيُسمى دَلِيلا إقناعيا وأمارة] وَلَا يَخْلُو الدَّلِيل من أَن يكون على طَرِيق الِانْتِقَال من الْكُلِّي إِلَى الْكُلِّي فيسمى برهانا، أَو من الْكُلِّي إِلَى الْبَعْض فيسمى استقراء، أَو من الْبَعْض إِلَى الْبَعْض فيسمى تمثيلا وَاسم الدَّلِيل يَقع على كل مَا يعرف بِهِ الْمَدْلُول، وَالْحجّة مستعملة فِي جَمِيع مَا ذكر، والبرهان نَظِير الْحجَّة، وَالْحجّة الإقناعية: هِيَ الَّتِي تقبل الزَّوَال بتشكيك المشكك، وَإِن كَانَ الْمَطْلُوب تصورا يُسمى طَرِيقه مُعَرفا، وَإِن كَانَ تَصْدِيقًا يُسمى طَرِيقه دَلِيلا وَالدَّلِيل يَشْمَل الظني والقطعي، وَقد يخص بالقطعي وَيُسمى الظني أَمارَة، وَقد يخص بِمَا يكون الِاسْتِدْلَال فِيهِ من الْمَعْلُول إِلَى الْعلَّة وَيُسمى هَذَا برهانا آنيا، وَعَكسه يُسمى برهانا لميا، واللمي أولى وأفيد يحْكى أَن الشَّيْخ أَبَا الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ قَالَ: حضر الشَّيْخ أَبُو سعيد ابْن أبي الْخَيْر مَعَ الْأُسْتَاذ أبي الْقَاسِم الْقشيرِي فَقَالَ الْأُسْتَاذ: الْمُحَقِّقُونَ قَالُوا: مَا رَأينَا شَيْئا إِلَّا ورأينا الله بعده، فَقَالَ أَبُو سعيد: ذَلِك مقَام المريدين أم الْمُحَقِّقُونَ فَإِنَّهُم مَا رَأَوْا شَيْئا إِلَّا وَكَانُوا قد رَأَوْا الله قبله

стр. 427

قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ: قلت: تَحْقِيق الْكَلَام أَن الِانْتِقَال من الْمَخْلُوق إِلَى الْخَالِق إِشَارَة إِلَى برهَان الْآن، وَالنُّزُول من الْخَالِق إِلَى الْمَخْلُوق هُوَ برهَان اللم وَمَعْلُوم أَن برهَان اللم أشرف وَقد نظمت فِيهِ: (وَمَا رَأَيْت شَيْئا ... إِلَّا وَقَبله الْحق) (فَمن يَقُول بعده ... يسيح فِي الْإِرَادَة) (وَلَيْسَ الِانْتِقَال ... معادل النُّزُول) (لَدَى الْمُحَقِّقين ... عَلَيْك بالإفادة) وَيقرب مِنْهُ مَا رُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: (عرفت مُحَمَّدًا بِاللَّه، وَلم أعرف الله بِمُحَمد) [وَإِذا عرفت مَا يتَعَلَّق بِالدَّلِيلِ على وَجه التَّفْصِيل فاستمع مَا يتَعَلَّق بِالدّلَالَةِ وتقسيمها على مَا لخصته من كتب الْقَوْم وَهُوَ] أَن الدّلَالَة إِمَّا لفظية وَإِمَّا غير لفظية، وكل مِنْهُمَا إِمَّا وضعية وعقلية وطبيعية فاللفظية الوضعية مثل دلَالَة الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة على مدلولاتها واللفظية الْعَقْلِيَّة كدلالة اللَّفْظ على وجود اللافظ، سَوَاء كَانَ مهملا أَو مُسْتَعْملا واللفظية الطبعية كدلالة (أح) بِالْفَتْح وَالضَّم على وجع الصَّدْر وَهُوَ السعال، وكدلالة (أَخ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْفَتْح أَيْضا على الوجع مُطلقًا وَغير اللفظية الوضعية كدلالة الدوال الْأَرْبَع على مدلولاتها وَغير اللفظية الْعَقْلِيَّة كدلالة المصنوعات على الصَّانِع وَغير اللفظية الطبعية كدلالة الْحمرَة على الخجل، والصفرة على الوجل ثمَّ الإفادة والاستفادة من بَين هَذِه الْأَقْسَام السِّتَّة باللفظية والوضعية دون غَيرهَا، وَهِي مطابقية وتضمنية والتزامية، وانحصار الدّلَالَة فِي اللفظية وَغَيرهَا أَمر مُحَقّق لَا شُبْهَة فِيهِ، وَأما انحصارها فِي الوضعية والعقلية والطبعية فبالاستقراء لَا بالحصر الْعقلِيّ الدائر بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَأما انحصار اللفظية فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فبالحصر الْعقلِيّ، لِأَن الدّلَالَة إِمَّا أَن تكون على نفس الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ، فدلالة الْمُطَابقَة سميت بذلك لمطابقة الدَّال الْمَدْلُول كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان النَّاطِق، إِذْ هُوَ مَوْضُوع لذَلِك، أَو على جُزْء مَعْنَاهُ، فدلالة التضمن سميت بذلك لتضمن الْمَعْنى لجزء الْمَدْلُول، كدلالة الْإِنْسَان على الْحَيَوَان أَو على لَازم مَعْنَاهُ الذهْنِي لزم مَعَ ذَلِك فِي الْخَارِج أم لَا فدلالة الْتِزَام سميت بذلك لاستلزام الْمَعْنى للمدلول، كدلالة الْإِنْسَان على قَابل الْعلم، هَذَا على رَأْي المناطقة فِي جعل الْكل أقساما للفظية الوضعية، وَإِلَّا فدلالة الِالْتِزَام عقلية والمطابقة والتضمن لفظيتان، وَدلَالَة اللَّفْظ على الْمَعْنى وضعية للفظي، أَي متوقفة على الِاصْطِلَاح، وَدلَالَة النصبية وضعية لغير اللَّفْظ، وَدلَالَة اللَّفْظ على اللافظ غير وضعية، وَهِي للفظ، وَدلَالَة الدُّخان على النَّار غير وضعية، وَهِي لغير اللَّفْظ وَأما الدّلَالَة الَّتِي يتَعَلَّق بهَا غَرَض الْبَيَان فَهِيَ تَنْقَسِم تَارَة إِلَى وضعية شخصية كَانَت، كوضع مواد الْمُفْردَات، أَو نوعية كوضع صنفها وَوضع الهيئات التركيبية، وعقلية كدلالة الْكُلِّي على جزئه، والملزوم على لَازمه الْعقلِيّ، مُتَقَدما كَانَ

стр. 428

عَلَيْهِ كَالثَّابِتِ اقْتِضَاء، أَو مُتَأَخِّرًا عَنهُ كموجب النَّص، وعادية كدلالة طول النجاد على طول الْقَامَة، وَدلَالَة كَثْرَة الرماد على كَثْرَة الْقرى وخطابية كدلالة التَّأْكِيد على دفع الشَّك أَو رد الْإِنْكَار وَتارَة تَنْقَسِم إِلَى قولية، وضعية كَانَت أَو عقلية، أَو عَادِية، أَو خطابية، وَإِلَى فعلية، عقلية كَانَت كدلالة التَّشْبِيه على الْمجَاز، أَو عَادِية، كدلالة ﴿وقدور راسيات﴾ على عظم الْقُدُور، أَو خطابية كدلالة تَغْيِير النّظم على نُكْتَة تناسب فِي عرف البلغاء، وَإِلَى حَالية، عقلية كَانَت كدلالة الْحَذف على الإيجاز أَو عَادِية كدلالة الْحَذف أَيْضا على ظُهُور المُرَاد وتعيينه، أَو خطابية، كدلالة الْحَذف أَيْضا على التَّعْظِيم والتحقير؛ وَهَذِه الدّلَالَة الَّتِي عَلَيْهَا مدَار اعْتِبَار البلغاء أوسع دَائِرَة من الدلالات الثَّلَاث الْمُعْتَبرَة فِي سَائِر الْعُلُوم، فَصَارَت هَذِه الدّلَالَة رَابِعَة، كَمَا أَن الْعَادة طبيعة حامسة - بِالْمُهْمَلَةِ - أَي: محكمَة ثَابِتَة وَدلَالَة الْمُقدمَات على النتيجة فِيهَا خلاف: عقلية وَهُوَ مَذْهَب إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيح فَلَا يُمكن التَّخَلُّف، وعادية وَهُوَ مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ فالتخلف مُمكن، ومولد وَهُوَ للمعتزلة حَيْثُ قَالُوا بالتوليد بِمَعْنى أَن الْقُدْرَة الْحَادِثَة أثرت فِي وجود النتيجة بِوَاسِطَة تأثيرها فِي النّظر، وواجب وَهُوَ للحكماء [ثمَّ الدَّلِيل السمعي فِي الْعرف: هُوَ الدَّلِيل اللَّفْظِيّ المسموع، وَفِي عرف الْفُقَهَاء هُوَ الدَّلِيل الشَّرْعِيّ] وَأما الْأَدِلَّة السمعية فَهِيَ أَرْبَعَة: قَطْعِيّ الثُّبُوت وَالدّلَالَة: كالنصوص المتواترة فَيثبت بهَا الْفَرْض وَالْحرَام الْقطعِي بِلَا خلاف وقطعي الثُّبُوت ظَنِّي الدّلَالَة: كالآيات المؤولة وظني الثُّبُوت قَطْعِيّ الدّلَالَة: كأخبار الْآحَاد الَّتِي مفهوماتها قَطْعِيَّة، فَيثبت بِكُل مِنْهُمَا الْفَرْض الظني وَالْوَاجِب وَكَرَاهَة التَّحْرِيم، وَالْحرَام على الْخلاف وظني الثُّبُوت وَالدّلَالَة: كأخبار الْآحَاد مفهومها ظَنِّي، فَتثبت بهَا السّنة والاستحباب وَكَرَاهَة التَّنْزِيه، وَالتَّحْرِيم على الْخلاف وَالدَّلِيل الْقطعِي لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: مَا يقطع الِاحْتِمَال أصلا كَحكم الْكتاب ومتواتر السّنة وَالْإِجْمَاع، وَبِه يثبت الْفَرْض الْقطعِي، وَيُقَال لَهُ الْوَاجِب وَثَانِيهمَا: مَا يقطع الِاحْتِمَال النَّاشِئ عَن دَلِيل هُوَ تعدد الْوَضع، كالقياس وَالظَّاهِر وَالْمَشْهُور، وَيُسمى بالظني اللَّازِم الْعَمَل فِي اعْتِقَاد الْمُجْتَهد، وَهُوَ نَوْعَانِ: مَا يبطل بِتَرْكِهِ الْعَمَل، وَهُوَ دون الْقطعِي، وَيُسمى بِالْفَرْضِ الظني، كمقدار الْمسْح، وَهُوَ مَا يفْسد بِهِ، وَهُوَ دون الْفَرْض وَفَوق السّنة، وَيُسمى بِالْوَاجِبِ وَالْفَرْض العملي كدعاء الْوتر [وَاخْتلف الْعُقَلَاء فِي أَن التَّمَسُّك بالدلائل النقلية هَل يُفِيد الْيَقِين أم لَا، فَقَالَ قوم: لَا يُفِيد الْيَقِين الْبَتَّةَ لاحْتِمَال النقليات للنَّقْل وَالْمجَاز والاشتراك والحذف والإضمار والتخصيص والنسخ وَخطأ الروَاة فِي نقل مَعَاني

стр. 429

الْمُفْردَات والتصريف وَالْإِعْرَاب والتقديم وَالتَّأْخِير، وكل وَاحِدَة مِنْهَا ظنية، فَمَا توقف عَلَيْهَا فَهُوَ ظَنِّي بِخِلَاف العقليات نعم رُبمَا اقترنت بالدلائل النقلية أُمُور يعرف وجودهَا بالأخبار المتواترة، وَتلك الْأُمُور تَنْفِي هَذِه الِاحْتِمَالَات فَحِينَئِذٍ تفِيد الْيَقِين، فَالْكَلَام على الْإِطْلَاق لَيْسَ بِصَحِيح] وَلَا يثبت بِالدَّلِيلِ النقلي مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ، كوجود الصَّانِع وَعلمه وَقدرته، ونبوة الرَّسُول حذار الدّور كَمَا لَا يثبت بِالدَّلِيلِ الْقطعِي مَا لَا يمْتَنع إثْبَاته ونفيه عقلا، كأكثر التكليفات ومقادير الثَّوَاب وَالْعِقَاب وأحوال الْجنَّة وَالنَّار، وَيثبت بهما مَا عدا هذَيْن الْقسمَيْنِ، كوحدانية الصَّانِع وحدوث الْعَالم، وَإِذا تعَارض الْعقلِيّ والنقلي يؤول النقلي [وَلَو رجح الْعقل وقدح فِي النَّقْل يلْزم الْقدح فِيمَا يتَوَقَّف على الْعقل وَهُوَ النَّقْل فَيلْزم الْقدح فِي النَّقْل ويكتفي فِي الْمقَام الْخطابِيّ بِالظَّنِّ ويقنع بِظَنّ أَنه أَفَادَهُ وَأما الْمقَام الاستدلالي فَهُوَ مَا يطْلب فِيهِ مَا أَفَادَهُ الْمُخَاطب سَوَاء كَانَ الْمقَام مِمَّا يُمكن أَن يُقَام عَلَيْهِ الْبُرْهَان أَو يكون من الظنون] وَالدَّلِيل الَّذِي يكون دَلِيلا على إِثْبَات الْمَطْلُوب وَمَعَ ذَلِك يكون دافعا للدليل الَّذِي عَلَيْهِ تعويل الْخصم هُوَ النِّهَايَة فِي الْحسن والكمال، وَلَيْسَ كَذَلِك الدَّلِيل الَّذِي يكون مثبتا للْحكم، إِلَّا أَنه لَا يكون دافعا لمعارضة الْخصم الدّين، بِالْكَسْرِ، فِي اللُّغَة: الْعَادة مُطلقًا، وَهُوَ أوسع مجالا، يُطلق على الْحق وَالْبَاطِل أَيْضا ويشمل أصُول الشَّرَائِع وفروعها، لِأَنَّهُ عبارَة عَن وضع آلهي سائق لِذَوي الْعُقُول باختيارهم الْمَحْمُود إِلَى الْخَيْر بِالذَّاتِ، قلبيا كَانَ أَو قالبيا، كالاعتقاد وَالْعلم وَالصَّلَاة وَقد يتجوز فِيهِ فيطلق على الْأُصُول خَاصَّة فَيكون بِمَعْنى الْملَّة، وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿دينا قيمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ وَقد يتجوز فِيهِ أَيْضا فيطلق على الْفُرُوع خَاصَّة، وَعَلِيهِ ﴿ذَلِك دين الْقيمَة﴾ أَي: الْملَّة الْقيمَة يَعْنِي فروع هَذِه الْأُصُول وَالدّين مَنْسُوب إِلَى الله تَعَالَى، وَالْملَّة إِلَى الرَّسُول، وَالْمذهب إِلَى الْمُجْتَهد وَالْملَّة: اسْم مَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ على لِسَان نبيه ليتوصلوا بِهِ إِلَى آجل ثَوَابه وَالدّين مثلهَا، لَكِن الْملَّة تقال بِاعْتِبَار الدُّعَاء إِلَيْهِ، وَالدّين بِاعْتِبَار الطَّاعَة والانقياد لَهُ وَالْملَّة: الطَّرِيقَة أَيْضا، ثمَّ نقلت على أصُول الشَّرَائِع، من حَيْثُ إِن الْأَنْبِيَاء يعلمونها ويسلكونها ويسلكون من أمروا بإرشادهم بِالنّظرِ إِلَى الأَصْل، وَبِهَذَا الِاعْتِبَار لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى النَّبِي الَّذِي تستند إِلَيْهِ، وَلَا تكَاد تُوجد مُضَافَة إِلَى الله تَعَالَى، وَلَا إِلَى آحَاد أمة النَّبِي، وَلَا تسْتَعْمل إِلَّا فِي جملَة الشَّرَائِع دون آحادها، فَلَا يُقَال: مِلَّة الله، وَلَا ملتي، وَلَا مِلَّة زيد، كَمَا يُقَال: دين الله، وديني، وَدين زيد وَلَا يُقَال: الصَّلَاة مِلَّة الله والشريعة تُضَاف إِلَى الله وَالنَّبِيّ وَالْأمة، وَهِي من حَيْثُ إِنَّهَا يطاع بهَا تسمى دينا، وَمن حَيْثُ إِنَّهَا

стр. 430

يجْتَمع عَلَيْهَا تسمى مِلَّة، وَكَثِيرًا مَا تسْتَعْمل هَذِه الْأَلْفَاظ بَعْضهَا مَكَان بعض، وَلِهَذَا قيل: إِنَّهَا متحدة بِالذَّاتِ ومتغايرة بِالِاعْتِبَارِ، إِذْ الطَّرِيقَة الْمَخْصُوصَة الثَّابِتَة عَن النَّبِي تسمى بِالْإِيمَان، من حَيْثُ إِنَّه وَاجِب الإذعان، وَبِالْإِسْلَامِ من حَيْثُ إِنَّه وَاجِب التَّسْلِيم، وبالدين من حَيْثُ إِنَّه يجزى بِهِ، وبالملة من حَيْثُ إِنَّه مِمَّا يملى وَيكْتب ويجتمع عَلَيْهِ، وبالشريعة من حَيْثُ إِنَّه يرد على زلال كَمَاله المتعطشون، وبالناموس من حَيْثُ إِنَّه أَتَى بِهِ الْملك الَّذِي هُوَ الناموس، وَهُوَ جِبْرِيل ﵇ وَالدّين: الْجَزَاء، وَمن الأول فِي: ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... دناهم كَمَا دانوا وَالثَّانِي فِي: ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . كَمَا تدين تدان ودان لَهُ: أطَاع ﴿وَمن أحسن دينا﴾ ودانه: أجزاه أَو ملكه أَو أقْرضهُ ودانه دينا: أذله واستعبده وَفِي الحَدِيث: " الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت " وَيكون بِمَعْنى الْقَضَاء نَحْو: ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ أَي: فِي قَضَائِهِ وَحكمه وشريعته وَبِمَعْنى الْحَال: سُئِلَ بعض الْأَعْرَاب فَقَالَ: لَو كنت على دين غَيره لأجبتك أَي: على حَال غَيره وَالدّين، بِالْفَتْح: عبارَة عَن مَال حكمي يحدث فِي الذِّمَّة بِبيع أَو اسْتِهْلَاك أَو غَيرهمَا، وإيفاؤه واستيفاؤه لَا يكون إِلَّا بطرِيق الْمُقَاصَّة عِنْد أبي حنيفَة وَالدّين: مَا لَهُ أجل وَالْقَرْض: مَا لَا أجل لَهُ وَفِي " الْمغرب ": الْقَرْض: مَا لَا يقتطعه الرجل من أَمْوَاله فيعطيه عينا، وَأما الْحق الَّذِي يثبت عَلَيْهِ دين فَلَيْسَ بقرض، وَهُوَ الْمعول عَلَيْهِ وَدين الصِّحَّة: مَا كَانَ ثَابتا بِالْبَيِّنَةِ أَو بِالْإِقْرَارِ فِي زمَان صِحَة الْمَدْيُون وَدين الْمَرَض: مَا كَانَ ثَابتا فِي مَرضه والديون تقضي بأمثالها لَا بِأَعْيَانِهَا وَآخر الدينَيْنِ قَضَاء للْأولِ، وَقد نظمت فِيهِ: (ومستقرض بَاعَ الْمَتَاع مُؤَجّلا ... لمقرضه فالموت حل بِلَا أدا) (سوى ثمن المشري لَا حبه لَهُ ... فشارك أَرْبَاب الدُّيُون بِلَا رضَا) (وَلَو كَانَ بيع سَابِقًا قرض لَاحق ... فرجح إِذن ذَا الْقَرْض من غير مَا قضا) (لآخر دينين يَقُولُونَ لَا جرم ... لأوّل دينين قَضَاء بِلَا مرا) الدَّهْر: هُوَ فِي الأَصْل اسْم لمُدَّة الْعَالم من مبدإ وجوده إِلَى انقضائه، ويستعار للْعَادَة الْبَاقِيَة وَمُدَّة الْحَيَاة، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج عِنْد الْمُتَكَلِّمين، لِأَنَّهُ عِنْدهم عبارَة عَن مُقَارنَة حَادث لحادث، والمقارنة أصل اعتباري عدمي، وَلذَا يَنْبَغِي فِي التَّحْقِيق أَن لَا يكون عِنْد من حَده من الْحُكَمَاء بِمِقْدَار حَرَكَة الْفلك وَأما عِنْد من عرفه مِنْهُم بِأَنَّهُ حَرَكَة الْفلك فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ وجوديا إِلَّا أَنه لَا يصلح للتأثير [وَمَا اسْتمرّ وجوده مُقَارنًا لكل سَاعَة بعد سَاعَة

стр. 431

على الِاتِّصَال إِذا أضيف استمراره إِلَى الزَّمَان يُسَمِّي تِلْكَ الْإِضَافَة والمقارنة دهرا محيطا بِالزَّمَانِ لحصولها مَعَ كل من الْأَوْقَات المتجددة والمتصرمة، وَقد يَجْعَل ظرفا لذَلِك الْوُجُود فَيُقَال إِنَّه مَوْجُود فِي الدَّهْر وَهَذَا معنى قَول الرئيس: الدَّهْر دُعَاء زَمَانه وَنسبَة مدعاته إِلَى اخْتِلَاف أحيانه] والدهر، مُعَرفا: الْأَبَد، بِلَا خلاف وَأما مُنْكرا فقد قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا أَدْرِي كَيفَ هُوَ فِي حكم التَّقْدِير، لِأَن مقادير الْأَسْمَاء واللغات لَا تثبت إِلَّا توقيفا لعدم الْموقف، لِأَن الْخَوْض فِي المقايسة فِيمَا طَرِيقه التَّوْقِيف بَاطِل، وَقد تعَارض الِاسْتِعْمَال الْعرفِيّ وفقد التَّنْصِيص الوضعي على تَقْدِيره والتوقف عِنْد تعَارض الْأَدِلَّة وَترك التَّرْجِيح من غير دَلِيل دَال على كَمَال الْعلم وَغَايَة الْوَرع قيل: إِن أَبَا حنيفَة حمل الدهور فِي (لَا ُأكَلِّمهُ الدهور) على الْعشْرَة، وَقد توقف فِي مفرده، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ قِيَاس قَوْله أَن لَو كَانَ يُفَسر دهر أَولا يتَوَقَّف فِيهِ كَمَا فرعوا مسَائِل الْمُزَارعَة على قِيَاس قَوْله: أَن لَو كَانَ يَقُول بجوازها هَذَا إِن كَانَ الدهور جمع دهر مُنْكرا، وَأما إِن جَعَلْنَاهُ جمع الْمُعَرّف فَلَا يحْتَاج إِلَى هَذَا الْجَواب، لكنه يُضعفهُ عدم تَضْعِيفه، لِأَن الْمُعَرّف عبارَة عَن الْعُمر بالِاتِّفَاقِ والعمر لَا يتضاعف، فَلَا يحْتَاج إِلَى جمعه وتعديده وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: هُوَ يسْتَعْمل بِمَعْنى الْحِين ويناوبه فَيكون لَهُ حكمه والحين يَقع على سِتَّة أشهر مُعَرفا ومنكرا، إِلَّا أَن هَذِه الْمدَّة أعدل محامله لكَونه وسطا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تؤتي أكلهَا كل حِين﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: المُرَاد سِتَّة أشهر وَقد يذكر وَيُرَاد بِهِ مُدَّة قَصِيرَة كوقت الصَّلَاة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فسبحان الله حِين تمسون وَحين تُصبحُونَ﴾ وَيذكر وَيُرَاد بِهِ أَرْبَعُونَ سنة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين من الدَّهْر﴾ على قَول بعض الْمُفَسّرين، فَألْحق بالموضوع لهَذِهِ الْمدَّة، وَهُوَ لَفْظَة (سِتَّة أشهر) حَتَّى لم يَزْدَدْ قدره بالتعريف، بل هُوَ وَالْمُنكر سيان، لِأَن مَا كَانَ مُعَرفا وضعا أَو عرفا يَسْتَوِي فِيهِ لَام التَّعْرِيف وَعدمهَا، لِأَن فَائِدَة اللَّام التَّعْرِيف، وَهُوَ معرف فِي نَفسه عرفا فَكَانَ كالمعرف وضعا وَالزَّمَان فِي الِاسْتِعْمَال يناوب الْحِين مُعَرفا ومنكرا، حَتَّى أُرِيد بِالزَّمَانِ مَا أُرِيد بالحين، وَقد أجمع أهل اللُّغَة على أَن الزَّمَان الطَّوِيل من شَهْرَيْن إِلَى سِتَّة أشهر، والأزمنة تَنْصَرِف إِلَى الْكل عرفا، وَهُوَ الْعُمر، وَكَذَا الدهور والسنين هَذَا عِنْدهمَا، لِأَن الْألف وَاللَّام فِيهَا للْجِنْس، إِذْ لَا مَعْهُود لَهَا وَالْأَيَّام تَنْصَرِف إِلَى الْأُسْبُوع، والشهور إِلَى السّنة، تَقْدِيمًا للْعهد على الْجِنْس، لِئَلَّا يَلْغُو احرف الْألف غير مُؤَكدَة مَعَ الْكَلِمَة التَّعْرِيف بِغَيْر ضَرُورَة، والمعهود فِي الْأَيَّام هُوَ السَّبْعَة وَفِي الشُّهُور اثْنَا عشر شهرا، لِأَن حِسَاب الْأَيَّام يَنْتَهِي بالأسبوع، والشهور بِالسنةِ وَعند الإِمَام ينْصَرف إِلَى عشرَة آحَاد كل صنف من الْأَزْمِنَة وَالْأَيَّام والشهور، لِأَن الْجِنْس من حَيْثُ التَّسْمِيَة أقل، والأقل مُتَيَقن بِهِ، فالحمل عَلَيْهِ أولى، وَلَا عهد هُنَا كَمَا قَالَا، إِذْ لَا عود فِي الجموع الْمَذْكُورَة، لِأَن الْأَيَّام لَا تعود أبدا، وَإِنَّمَا

стр. 432

الِاسْم عَائِد على السَّبْعَة الْأُخْرَى، وَكَذَا الْأَزْمِنَة والشهور وَالْمُنكر ينْصَرف إِلَى ثَلَاثَة من آحَاد كل صنف بالِاتِّفَاقِ، لِأَنَّهُ أدنى مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْجمع فَيحمل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَيَقن وَاللَّيْل وَالنَّهَار مقرونة بِالْألف وَاللَّام لَا يصلح أَن يُرَاد بهَا غير التَّعْمِيم كالأبد والدهر إِلَّا فِي قصد الْمُبَالغَة مجَازًا وَأَسْمَاء الشُّهُور كرمضان وشوال إِذا لم يضف إِلَيْهَا اسْم شهر يلْزم التَّعْمِيم، وَإِن أضيف احْتمل التَّعْمِيم والتبعيض، كَقَوْلِه ﵊: " من صَامَ رَمَضَان " وَقَوله تَعَالَى: ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن﴾ وَأَسْمَاء الْأَيَّام كجمعة وسبت كأسماء الشُّهُور إِذا أضيف إِلَيْهَا (يَوْم) احْتمل التَّبْعِيض والتعميم والدهري، بِالْفَتْح: هُوَ الَّذِي يَقُول: الْعَالم مَوْجُود أزلا وأبدا لَا صانع لَهُ ﴿مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر﴾ و [الدهري] ، بِالضَّمِّ: هُوَ الَّذِي قد أَتَى عَلَيْهِ الدَّهْر وَطَالَ عمره وَمعنى حَدِيث: " لَا تسبوا الدَّهْر فَإِن الدَّهْر هُوَ الله " أَن الله تَعَالَى هُوَ الْفَاعِل لما فِي الدَّهْر، فَإِذا سببتموه وَقع السب على الله لِأَنَّهُ الفعال لما يُرِيد، وَلَو فرض أَن الدَّهْر فَاعل لهَذِهِ الْأَشْيَاء لَكِن لَا خَفَاء فِي أَن ذَلِك بِتَقْدِير الله وإرادته ومشيئته، وَهُوَ الَّذِي أعْطى الدَّهْر الْقُوَّة على الْفِعْل، وَحَقِيقَة الْفِعْل من عِنْد الله وَالْمَشْهُور أَن الْكَلَام على حصر الْمسند أَي الْخَالِق هُوَ الله لَا غَيره، وَلَو قُلْنَا: إِن الله هُوَ الْخَالِق لَكَانَ لحصر الْمسند إِلَيْهِ، وَهَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ صَاحب " الْكَشَّاف " والدهر قد يعد فِي الْأَسْمَاء الْحسنى الدُّعَاء: دَعَاهُ: سَاقه دَعَاهُ بزيد: سَمَّاهُ بِهِ ودعا لَهُ: فِي الْخَيْر، وَعَلِيهِ: فِي الشَّرّ ودعا إِلَيْهِ: طلب إِلَيْهِ وَيَتَعَدَّى إِلَى النَّفْع الْمَطْلُوب بِالْبَاء يُقَال: (دَعَوْت الله بالفلاح) وَالدُّعَاء بِمَعْنى النداء، يتَعَدَّى لوَاحِد؛ وَبِمَعْنى التَّسْمِيَة يتَعَدَّى لاثْنَيْنِ، الأول بِنَفسِهِ، وَالثَّانِي بِحرف الْجَرّ، ثمَّ يَتَّسِع فِي الْجَار فيحذف كَمَا فِي قَوْله: دعتني أخاها أم عَمْرو وَالدُّعَاء لَا يُقَال إِلَّا إِذا كَانَ مَعَه الِاسْم نَحْو: (يَا فلَان) بِخِلَاف النداء، فَإِنَّهُ يُقَال فِيهِ: (يَا) و (أيا) من غير أَن يضم إِلَيْهِ الِاسْم وَقد يسْتَعْمل كل وَاحِد مِنْهُمَا مَوضِع الآخر الدَّعْوَى، فِي اللُّغَة: قَول يقْصد بِهِ إِيجَاب حق على غَيره وَفِي عرف الْفُقَهَاء: مُطَالبَة حق فِي مجْلِس من لَهُ الْخَلَاص عِنْد ثُبُوته وسببها تعلق الْبَقَاء الْمُقدر بتعاطي الْمُعَامَلَات وَشَرطهَا حُضُور الْخصم، ومعلومية الْمُدعى، وَكَونه ملزما على الْخصم وَحكم الصَّحِيحَة مِنْهُ وجوب الْجَواب على الْخصم فِي النَّفْي أَو الْإِثْبَات

стр. 433

وشرعيتها لَيست لذاتها، بل لانقطاعها دفعا للْفَسَاد المظنون ببقائها وَالدَّعْوَى: الدُّعَاء: ﴿وَآخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ والدعوة إِلَى الطَّعَام بِالْفَتْح [كالرحمة] ، وَفِي النّسَب بِالْكَسْرِ [كالنشدة] هَذَا أَكثر كَلَام الْعَرَب وَالدُّعَاء: الرَّغْبَة إِلَى الله وَالْعِبَادَة نَحْو: ﴿وَلَا تدع من دون الله مَا لَا ينفعك وَلَا يَضرك﴾ والاستعانة نَحْو: ﴿وَادعوا شهداءكم﴾ وَالسُّؤَال نَحْو: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَالْقَوْل نَحْو: ﴿دَعوَاهُم فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ والنداء نَحْو: ﴿يَوْم يدعوكم﴾ وَالتَّسْمِيَة نَحْو: ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُول بَيْنكُم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ وَالدُّعَاء للقريب، والنداء للبعيد، وَلذَلِك قَالَ الْأَعرَابِي: (أَقَرِيب رَبنَا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟) والداعي: الْمُضْطَر فَلهُ الْإِجَابَة والسائل: الْمُخْتَار فَلهُ المثوبة الدّور: هُوَ توقف كل وَاحِد من الشَّيْئَيْنِ على الآخر فالدور العلمي: هُوَ توقف الْعلم بِكُل من المعلومين على الْعلم بِالْآخرِ والإضافي المعي: هُوَ تلازم الشَّيْئَيْنِ فِي الْوُجُود بِحَيْثُ لَا يكون أَحدهمَا إِلَّا مَعَ الآخر والحكمي: الْحَاصِل بِالْإِقْرَارِ، كأخ أقرّ بِابْن للْمَيت ثَبت نِسْبَة وَلَا يَرث فَإِن توريثه يُؤَدِّي لعدم تَوْرِيث الْأَخ والدور الْمسَاوِي كتوقف كل من المتضايفين على الآخر وَهَذَا لَيْسَ بمحال، إِنَّمَا الْمحَال الدّور التقدمي، وَهُوَ توقف الشَّيْء بمرتبة أَو مَرَاتِب على مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ بمرتبة أَو مَرَاتِب، فَإِذا كَانَ التَّوَقُّف فِي كل وَاحِدَة من الصُّورَتَيْنِ بمرتبة وَاحِدَة كَانَ الدّور مُصَرحًا، وَإِن كَانَ أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا بمراتب كَانَ مضمرا مِثَال التَّوَقُّف بمرتبة كتعريف الشَّمْس بِأَنَّهُ كَوْكَب نهاري، ثمَّ تَعْرِيف النَّهَار بِأَنَّهُ زمَان طُلُوع الشَّمْس فَوق الْأُفق وَمِثَال التَّوَقُّف بمراتب كتعريف الِاثْنَيْنِ بِأَنَّهُ زوج أول، ثمَّ تَعْرِيف الشَّيْئَيْنِ بالاثنين، وَقَالَ بَعضهم: الدّور بمرتبة وَاحِدَة، دور صَرِيح يسْتَلْزم تقدم الشَّيْء على نَفسه بِثَلَاث مَرَاتِب أَو أَكثر (فَيكون أقبح وَأَشد اسْتِحَالَة) ، كَمَا فِي قَوْلك: فهم الْمَعْنى يتَوَقَّف على دلَالَة اللَّفْظ، وَدلَالَة اللَّفْظ يتَوَقَّف على الْعلم بِالْوَضْعِ، وَالْعلم بِالْوَضْعِ يتَوَقَّف بِوَاسِطَة دلَالَة اللَّفْظ على فهم الْمَعْنى، وَهُوَ الدّور الْمُضمر [وَاعْلَم أَن الْأُمُور الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ التَّعْرِيف بالأخفى والتعريف بِالنَّفسِ والتعريف الدوري والدوري الْمُضمر بَعْضهَا أَشد رداءة من الْبَعْض،

стр. 434

فالتعريف بالأخفى أقوى رداءة من التَّعْرِيف بِالْمثلِ، والتعريف بِالنَّفسِ أقوى رداءة من التَّعْرِيف بالأخفى الَّذِي لَا يتَوَقَّف تصَوره على تصور الْمُعَرّف إِذْ الأخفى يُمكن أَن يصير أجلى بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص أَو إِلَى وَقت، بِخِلَاف نفس الشَّيْء بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يعقل فِيهِ ذَلِك والتعريف الدوري أَشد اسْتِحَالَة من التَّعْرِيف بِالنَّفسِ، إِذْ يلْزم فِيهِ تقدم الشَّيْء على نَفسه وتأخره عَنْهَا بمرتبتين، وَفِي التَّعْرِيف بِالنَّفسِ يلْزم ذَلِك بمرتبة والدوري الْمُضمر أَشد اسْتِحَالَة من الدوري الْمُصَرّح، إِذْ يلْزم فِيهِ ذَلِك التَّقْدِيم بمراتب بِخِلَاف الدوري الْمُصَرّح] والدور قرينَة التسلسل غَالِبا، وَقيل: كل مِنْهُمَا بِحَيْثُ إِذا ذكر الآخر مَعَه غَالِبا يدل أَحدهمَا على الآخر والدور يكون فِي التصورات والتصديقات، والمصادرة مَخْصُوصَة بالتصديقات والمصادرة: كَون الْمُدعى عَن الدَّلِيل، أَو عين مُقَدّمَة الدَّلِيل، أَو عين مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ مُقَدّمَة الدَّلِيل، أَو جُزْء مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ مُقَدّمَة الدَّلِيل، والأولان فاسدان بِلَا خلاف، والآخران مَعَ الْخلاف، وَيُقَال لكل مَا لم يَتَحَرَّك وَلم يدر: دوارة وفوارة، بفتحهما، فَإِذا تحرّك أَو دَار فبضمهما والدائرة فِي الأَصْل مصدر أَو اسْم فَاعل من (دَار، بدور) سمي بهَا عقبَة الزَّمَان [الدوران، لُغَة: الطّواف حول الشَّيْء؛ وَاصْطِلَاحا: هُوَ ترَتّب الشَّيْء على الشَّيْء الَّذِي لَهُ صَلَاح الْعلية كترتب الإسهال على شرب السقمونيا، وَالشَّيْء الأول الْمُرَتّب دائر وَالثَّانِي الْمُتَرَتب عَلَيْهِ مدَار، وَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام: الأول: أَن يكون الْمدَار مدارا للدائرة وجودا لَا عدما، كشرب السقمونيا للإسهال فَإِنَّهُ إِذا وجد وجد الإسهال، وَأما إِذا عدم فَلَا يلْزم عدم الإسهال لجَوَاز حُصُوله بِأَمْر آخر وَالثَّانِي: أَن يكون الْمدَار مدارا للدائرة عدما لَا وجودا كالحياة للْعلم فِي أَنَّهَا إِذا لم تُوجد لم يُوجد الْعلم، وَأما إِذا وجدت فَلَا يلْزم أَن يُوجد الْعلم وَالثَّالِث: أَن يكون الْمدَار مدارا للدائرة وجودا وعدما كَالزِّنَا الصَّادِر عَن الْمُحصن لوُجُوب الرَّجْم عَلَيْهِ فَإِنَّهُ وجد وَجب الرَّجْم، وَكلما لم يُوجد لم يجب] الدَّابَّة: هِيَ تقع على كل ماش فِي الأَرْض عَامَّة، وعَلى الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير خَاصَّة، فَمَا عدا الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة مَخْصُوص من هَذَا الِاسْم بِحكم الِاسْتِعْمَال أَلا يرى أَن هَذَا الِاسْم لَا ينْطَلق على الْآدَمِيّ مَعَ أَنه يدب على وَجه الأَرْض؟ لِأَنَّهُ يُرَاد بِهَذَا الِاسْم فِي عرف الِاسْتِعْمَال الْآدَمِيّ فَصَارَ الْآدَمِيّ مَخْصُوصًا بِحكم عرف الِاسْتِعْمَال، فَكَذَا ماعدا الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة وَالنعَم أَكثر مَا يَقع على الْإِبِل والماشية تقع على الْبَقر والضأن والعوامل تقع على الثيران وَالْإِبِل وَالْبَعِير والجمل وَالْخَيْل والبغل وَالْبَقر وَالْغنم والدجاج كل مِنْهَا ينْطَلق بِحَسب الْوَضع على جنس مَخْصُوص من

стр. 435

الْحَيَوَانَات، فينتظم الذّكر وَالْأُنْثَى كاسم الْآدَمِيّ وَالْإِنْسَان، وَكَذَا البغلة وَالْبَقَرَة وَالشَّاة فَإِنَّهَا أَسمَاء أَجنَاس تتَنَاوَل الذّكر وَالْأُنْثَى، وَالْهَاء فِيهَا للإفراد، كَمَا فِي الْحبَّة والحمامة، والثور والكبش والديك للذّكر، وَكَذَا التيس والناقة والحمارة والنعجة والدجاجة للْأُنْثَى، وَالْهَاء فِي هَذِه الْأَلْفَاظ للتأنيث، وَالْفرس اسْم لنَوْع من الْخَيل، وَهُوَ الْعَرَبِيّ ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى، والبرذون اسْم لغير الْعَرَبِيّ، وَقيل يعم اسْم الْفرس الْعَرَبِيّ وَغَيره عرفا، وَلِهَذَا يُسمى رَاكب الْكل فَارِسًا، كَمَا تخص الدَّابَّة فِي الْعرف اسْتِحْسَانًا بِمَا يركب غَالِبا فِي الْأَمْصَار لقَضَاء الْحَاجة كالفرس والبغل وَالْحمار والرمكة: اسْم للْفرس الْأُنْثَى من الْعَرَبِيّ وَغَيره والكودن: اسْم للْفرس التركي، ذكورها وإناثها والأتان للْأُنْثَى من الْحمار كالحمارة الدُّخُول: هُوَ الِانْفِصَال من خَارج إِلَى دَاخل، كَمَا أَن الْخُرُوج هُوَ الِانْفِصَال من الْمُحِيط إِلَى الْخَارِج وَالدُّخُول إِمَّا للحوق بِالْآخرِ أَو بِالْأولِ، وَذَا لَا يتَصَوَّر فِي الْأُمُور المعنوية وَالدُّخُول مَتى ذكر مَقْرُونا بِكَلِمَة (على) يُرَاد بِهِ الدُّخُول للزيارة: ﴿فَلَمَّا دخلُوا على يُوسُف﴾ وَالْمرَاد الزِّيَارَة قَالَ أَبُو حنيفَة: دخل مُضَافا إِلَى النِّسَاء بِحرف الْبَاء يُرَاد بِهِ الْجِمَاع، وَالِاسْم مُشْتَرك بِدُونِ صلَة، وَهُوَ كاسم الْوَطْء قد يُرَاد بِهِ الْوَطْء بالقدم، فَإِذا قَالُوا وَطئهَا كَانَ كَافِيا لثُبُوت الْإِحْصَان وَلَكِن يَقُول مُحَمَّد بن الْحسن: قد يُقَال (دخل بهَا) وَالْمرَاد (مر بهَا) أَو (خلا بهَا) ، إِلَّا أَن ذَلِك نوع مجَاز، وَالْمجَاز لَا يُعَارض الْحَقِيقَة قيل: اسْتِعْمَال (دخل) مَعَ (فِي) صَحِيح، لَكِن الْأَصَح أَن يسْتَعْمل بِدُونِ (فِي) وَنقل عَن سِيبَوَيْهٍ أَن اسْتِعْمَاله ب (فِي) شَاذ، وَمذهب سِيبَوَيْهٍ فِي (دخلت الْبَيْت) أَنه على حذف حرف الْجَرّ، تَقْدِيره: (دخلت فِي الْبَيْت) أَو (إِلَى الْبَيْت) والدخل، بِسُكُون الْمُعْجَمَة وَفتحهَا: الْعَيْب والريبة وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانكُم دخلا﴾ أَي: مكرا وخديعة وداخلة الْإِزَار: طرفه الَّذِي يَلِي الْجَسَد وداخلة الرجل: بَاطِن أمره (وَكَذَا الدخل (بِالضَّمِّ) يُقَال: عَالم بدخلته ودخيله وداخلته: الَّذِي يداخله وَيخْتَص بِهِ) والدخيل فِي الصِّنَاعَة: الْمُبْتَدِئ فِيهَا يُقَال: هَذَا دخيل فِي بني فلَان: إِذا انتسب إِلَيْهِم وَلم يكن مِنْهُم وكل كلمة أدخلت فِي كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَت مِنْهُ فَهِيَ دخيل، (وَكَذَا الْحَرْف الَّذِي بَين حرف الروي وَألف التأسيس) الدُّنْيَا: اسْم لما تَحت فلك الْقَمَر، وَهِي مؤنث

стр. 436

(أفعل) التَّفْضِيل، فَكَانَ حَقّهَا أَن تسْتَعْمل بِاللَّامِ كالحسنى والكبرى، وَقد تسْتَعْمل مُنكرَة بِأَن خلعت عَنْهَا الوصفية رَأْسا وأجريت مجْرى مَا لم يكن وَصفا، وَإِنَّمَا كَانَ الْقيَاس فِيهَا قلب الْوَاو يَاء، لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت صفة إِلَّا أَنَّهَا ألحقت بِسَبَب الِاسْتِقْلَال بالأسماء، وَإِلَّا فقد تقرر فِي مَوْضِعه أَن هَذَا الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَسْمَاء دون الصِّفَات الدّفع: هُوَ صرف الشَّيْء قبل الْوُرُود، كَمَا أَن الرّفْع صرف الشَّيْء بعد وُرُوده، وَإِذا عدي (دفع) ب (إِلَى) فَمَعْنَاه الإنالة نَحْو: ﴿فادفعوا إِلَيْهِم أَمْوَالهم﴾ وَإِذا عدي ب (عَن) فَمَعْنَاه الحماية قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الله يدافع عَن الَّذين آمنُوا﴾ الدَّاء: هُوَ مَا يكون فِي الْجوف والكبد والرثة وَالْمَرَض: هُوَ مَا يكون فِي سَائِر الْبدن، والأطباء جعلُوا الْأَلَم من الْأَعْرَاض دون الْأَمْرَاض والدواء: اسْم لما اسْتعْمل لقصد إِزَالَة الْمَرَض والألم، بِخِلَاف الْغذَاء، فَإِنَّهُ اسْم لقصد تربية الْبدن وإبقائه الدَّار: اسْم للعرصة عِنْد الْعَرَب والعجم، وَهِي تشْتَمل مَا هُوَ فِي معنى الْأَجْنَاس، لِأَنَّهَا تخْتَلف اخْتِلَافا فَاحِشا باخْتلَاف الْأَغْرَاض وَالْجِيرَان والمرافق والمحال والبلدان وَالْبناء: وصف فِيهَا، وَالْمرَاد بِالْوَصْفِ لَيْسَ صفة عرضية قَائِمَة بجوهر، كالشباب والشيخوخة وَنَحْوهمَا، بل يَتَنَاوَلهَا ويتناول أَيْضا جوهرا قَائِما بجوهر آخر يزِيد قِيَامَة بِهِ حسنا وكمالا وَيُورث انتقاصه عَنهُ قبحا ونقصانا الدولة؛ بِالضَّمِّ: يُقَال فِي غَلَبَة المَال و [الدولة] بِالْفَتْح فِي الْحَرْب، أَو هما سَوَاء، أَو بِالضَّمِّ فِي الْآخِرَة، وبالفتح فِي الدُّنْيَا ودالت الْأَيَّام: دارت وَالله يداولها بَين النَّاس والدول: انقلاب الدَّهْر من حَال إِلَى حَال والدولة فِي الْحَرْب: هِيَ أَن تداول إِحْدَى الفئتين على الْأُخْرَى وَمعنى دواليك أَي: إدالة بعد إدالة، وَلم يسْتَعْمل لَهُ مُفْرد فَكَأَنَّهُ تَثْنِيَة (دوال) ، كَمَا أَن (حواليك) تَثْنِيَة (حوال) الدرجَة: هِيَ نَحْو الْمنزلَة، إِلَّا أَنَّهَا تقال إِذا اعْتبرت بالصعود كَمَا فِي الْجنان دون الامتداد والبسط والدرك للسافل كَمَا فِي النيرَان وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ فَمن بَاب التغليب، أَو المُرَاد الرتب المتزايدة، إِلَّا أَن زِيَادَة أهل الْجنَّة فِي الْخيرَات والطاعات، وَزِيَادَة أهل الشَّرّ فِي الْمعاصِي والسيئات الديَّان: القهار وَالْقَاضِي وَالْحَاكِم والسائس والحاسب والمجازي الَّذِي لَا يضيع عملا بل يَجْزِي بِالْخَيرِ وَالشَّر والديموم والديمومة: الفلاة الواسعة

стр. 437

الدستور (بِالضَّمِّ) : مُعرب، وَهُوَ الْوَزير الْكَبِير الَّذِي يرجع فِي أَحْوَال النَّاس إِلَى مَا رسمه وَفِي الأَصْل: الدفتر الْمجمع فِيهِ قوانين المملكة والتفتر: لُغَة فِيهِ. والمنشور: هُوَ مَا كَانَ غير مختوم من كتب السُّلْطَان والطومار: الصَّحِيفَة. الدابر: التَّابِع، وَآخر كل شَيْء والدبر، محركة: رَأْي يسنح أخيرا عِنْد فَوت الْحَاجة، وَالصَّلَاة فِي آخر وَقتهَا، وتسكن الْبَاء وَلَا تقل بِضَمَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ من لحن الْمُحدثين الدرْع: عَن الْحلْوانِي: هُوَ مَا كَانَ جيبه على الصَّدْر والقميص: مَا كَانَ شقَّه على الْكَتف قَالَ صَاحب " الْمغرب ": وَلم أَجِدهُ أَنا فِي كتب اللُّغَة وَدرع الْحَدِيد: مؤنث وَدرع الْمَرْأَة: قميصها وَهُوَ مُذَكّر الدَّرْب، هُوَ بَاب السِّكَّة الواسعة، وَالْبَاب الْأَكْبَر، وكل مدْخل إِلَى الرّوم، أَو النَّافِذ، بِالتَّحْرِيكِ وَغَيره بِالسُّكُونِ الدولاب: هُوَ مَا يديره الْحَيَوَان والناعورة: مَا يديره المَاء الداهية: هِيَ مَا يُصِيب الشَّخْص من نوب الدَّهْر الْعَظِيمَة الدِّرَايَة: مَعْنَاهَا الْعلم المقتبس من قَوَاعِد النَّحْو وقواعد الْعقل دَار الْإِسْلَام: هُوَ مَا يجْرِي فِيهِ حكم إِمَام الْمُسلمين وَدَار الْحَرْب: مَا يجْرِي فِيهِ أَمر رَئِيس الْكَافرين وَفِي " الزَّاهدِيّ ": دَار الْإِسْلَام مَا غلب فِيهِ الْمُسلمُونَ وَكَانُوا فِيهِ آمِنين، وَدَار الْحَرْب: مَا خَافُوا فِيهِ من الْكَافرين دون: ظرف مَكَان مثل (عِنْد) ، لكنه يُنبئ عَن دنو أَي: قرب كثير وانحطاط قَلِيل، يُوجد كِلَاهُمَا فِي قَوْله (أدنى مَكَان من الشَّيْء) ثمَّ اتَّسع فِيهِ وَاسْتعْمل فِي انحطاط المحسوس، لَا يكون فِي الْمَكَان كقصر الْقَامَة مثلا، ثمَّ استعير مِنْهُ بتفاوت فِي الْمَرَاتِب المعنوية تَشْبِيها لَهَا بالمراتب المحسوسة، وشاع اسْتِعْمَاله فِيهَا أَكثر من اسْتِعْمَاله فِي الأَصْل، فَقيل: (زيد دون عَمْرو فِي الشّرف) ثمَّ اتَّسع فِي هَذَا الْمُسْتَعَار فَاسْتعْمل فِي كل تجَاوز حد وتخطي حكم إِلَى حكم وَإِن لم يكن هُنَاكَ تفَاوت وانحطاط، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنى مجَاز فِي الْمرتبَة الثَّالِثَة، وَفِي هَذَا الْمَعْنى قريب من أَن يكون بِمَعْنى (غير) كَأَنَّهُ أَدَاة الِاسْتِثْنَاء نَحْو: ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ وَيسْتَعْمل للاختصاص وَقطع الشّركَة تَقول: (هَذَا لي دُونك، أَو من دُونك) أَي: لَا حق لَك فِيهِ وَلَا نصيب، وَفِي غير هَذَا الِاسْتِعْمَال يَأْتِي بِمَعْنى الانتقاص فِي الْمنزلَة أَو الْمَكَان أَو الْمِقْدَار والتدلي: هُوَ الامتداد من علو إِلَى سفل هَذَا أَصله، ثمَّ اسْتعْمل فِي الْقرب من الْعُيُوب، وَيكون حسا أَو معنى كالدنو، فالقرب الْمُسْتَفَاد من التدلي أخص من الْقرب الْمُسْتَفَاد من الدنو والتدلي: تكلّف الْقرب، وتطلبه فَيكون قبل

стр. 438

الْقرب، أَو بِمَعْنى التَّعَلُّق فِي الْهَوَاء بعد الدنو، أَو بِمَعْنى التدلل أَي التلطف والأدنى: يعبر بِهِ تَارَة عَن الْأَصْغَر، فيقابل بالأكبر: ﴿وَلَا أدنى من ذَلِك وَلَا أَكثر﴾ وَتارَة عَن الأرذل فيقابل بِالْخَيرِ: ﴿أتستبدلون الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير﴾ وَتارَة عَن الأول فيقابل الآخر: ﴿خسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَتارَة عَن الْأَقْرَب فيقابل بالأقصى: ﴿ذَلِك أدنى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ﴾ أَي: أقرب لنفوسهم ودونك: اسْم من أَسمَاء الْأَفْعَال، وَضعه الأول - وَهُوَ الْوَضع الظرفي - لَغْو فِي اعْتِبَار اسميتها وَإِلَّا لم تكن كلمة، ومعتبر فِيهَا، لِأَن عدم الاقتران إِنَّمَا يتَحَقَّق بِهِ وَوَضعه الثَّانِي مُعْتَبر لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِهِ يكون كلمة، ولغو، لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِهِ لَا يكون غير مقترن وَدون الْكتب (مشددا) : جمعهَا، لِأَن جمع الْأَشْيَاء إدناء بَعْضهَا من بعض دون النَّهر أَسد أَي: قبل وُصُوله وَدون قدمك أَي: تحتهَا وَفُلَان شرِيف يجب أَخذه دون ذَلِك: أَي فَوق مَا كَانَ وَيُقَال فِي الإغراء بالشَّيْء دونكه أَي: خُذْهُ ودونك زيدا: الزمه [والدنيء: مَهْمُوز لَيْسَ من تركيب (دون) بِوَجْه] [نوع] ﴿ذَلِك الدّين﴾ : الْقَضَاء ﴿دَاب﴾ : حَال ﴿كدأب﴾ : كصنيع ﴿وكأسا دهاقا﴾ : ملآن ﴿دحورا﴾ : طردا ﴿دلوك الشَّمْس﴾ : زَوَالهَا ﴿دمرنا﴾ : أهلكنا ﴿دري﴾ : مضيء، بالحبشية ﴿دينهم﴾ : حسابهم ﴿دراستهم﴾ : تلاوتهم ﴿فِيهَا دفء﴾ : أَي مَا يدفأ بِهِ فيقي من الْبرد ﴿لَوْلَا دعاؤكم﴾ : أَيْمَانكُم ﴿بِدِينَار﴾ : فَارسي ذكره الجواليقي ﴿دائبين﴾ : دائمين مُطِيعِينَ ﴿أَيْمَانكُم دخلا﴾ : أَي مكرا وخديعة

стр. 439

﴿مَاء دافق﴾ : بِمَعْنى ذِي دفق وَهُوَ صب فِيهِ دفع ﴿خَابَ من دساها﴾ : نَقصهَا وأخفاها بالجهالة والفسوق [لِأَن الْبَخِيل يخفي منزله وَمَاله، أَو دس نَفسه مَعَ الصَّالِحين وَلَيْسَ مِنْهُم، أَو خابت نفس دساها الله] ﴿فدمدم﴾ : فأطبق. ﴿فدكتا دكة وَاحِدَة﴾ : فَضربت الحملتان بَعْضهَا بِبَعْض ضَرْبَة وَاحِدَة فَتَصِير الْكل هباء ﴿دانية﴾ : مسترخية ﴿لَا تخَاف دركا﴾ : أَي إدراكا، أَي آمنا من أَن يدرككم الْعَدو ﴿ديارًا﴾ : أحدا ﴿جعله دكاء﴾ : مدكوكا مَبْسُوطا مسوى بِالْأَرْضِ ﴿داحضة﴾ : زائلة بَاطِلَة ﴿دسر﴾ : مسامير ﴿كالدهان﴾ : كعصير الزَّيْت ﴿داخرين﴾ : صاغرين ﴿وَالْأَرْض بعد ذَلِك دحاها﴾ : بسطها ومهدها دَاوُد ﵇: هُوَ ابْن إيشا، بِالْكَسْرِ وَسُكُون التَّحْتِيَّة والشين الْمُعْجَمَة ابْن عُوَيْد، كجعفر، بِمُهْملَة وموحدة جمع لَهُ النُّبُوَّة وَالْملك، وعاش مئة سنة، مُدَّة ملكه مِنْهَا أَرْبَعُونَ سنة [ ﴿أَن دعوا للرحمن ولدا﴾ : أَي سموا أَو من (دَعَا) بِمَعْنى نسب الَّذِي مطاوعه ادّعى إِلَى فلَان إِذا انتسب إِلَيْهِ ﴿مَا ترك على ظهرهَا من دَابَّة﴾ : من نسمَة تدب عَلَيْهَا، أَو الْإِنْس وَحده ﴿دابر الْقَوْم﴾ : آخِرهم ﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ : أَي عَلَيْهِم يَدُور من الدَّهْر مَا يسوؤهم ﴿دَعوَاهُم فِيهَا﴾ : أَي قَوْلهم وَكَلَامهم. ﴿دأبا﴾ : جدا فِي الزِّرَاعَة والمتابعة ﴿بِدُخَان مُبين﴾ : أَي جَدب حَتَّى يرى الجائع فِيهِ بَينه وَبَين السَّمَاء دخانا من شدَّة الْجُوع ﴿كَيْلا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء﴾ : كي لَا يتداوله الْأَغْنِيَاء بَينهم] (فصل الذَّال) [الذِّمَّة] : كل حَرَكَة يلزمك من تضييعها الذَّم يُقَام لَهَا ذمَّة، وَتجمع على (ذمّ) و (ذمام) و (ذمم)

стр. 440

[وَهِي لُغَة: الْعَهْد لِأَن نقضه يُوجب الذَّم، وَمِنْه يُقَال: أهل الذِّمَّة للمعاهدين من الْكفَّار وَشرعا: مُخْتَلف فِيهَا فَمنهمْ من جعلهَا وَصفا وَعرفهَا بِأَنَّهَا وصف يصير الشَّخْص بِهِ أَهلا للْإِيجَاب لَهُ وَعَلِيهِ، وَظَاهر كَلَام أبي زيد فِي " التَّقْوِيم " يُشِير إِلَى أَن المُرَاد بِالذِّمةِ الْعقل وَمِنْهُم من جعلهَا ذاتا وَهُوَ اخْتِيَار فَخر الْإِسْلَام عَلَيْهِ الرَّحْمَة، وَلِهَذَا عرفهَا بِأَنَّهَا نفس لَهَا عهد فَإِن الْإِنْسَان يُولد وَله ذمَّة صَالِحَة للْوُجُوب لَهُ وَعَلِيهِ بِإِجْمَاع الْفُقَهَاء حَتَّى يثبت لَهُ ملك الرَّقَبَة وَملك النِّكَاح وَيلْزمهُ عشر أرضه وخراجها بِالْإِجْمَاع وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام، وَهَذِه الذِّمَّة الصَّالِحَة للْوُجُوب لَهُ وَعَلِيهِ إِنَّمَا تثبت لَهُ بِنَاء على الْعَهْد السَّابِق الَّذِي جرى بَين العَبْد وَبَين ربه جلّ وَعلا يَوْم الْمِيثَاق كَمَا أخبر الله تَعَالَى بقوله: ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ حَتَّى الْتزم بِهَذَا الْعَهْد جَمِيع مَا يُمكن أَن يجب عَلَيْهِ من الْحُقُوق عِنْد تحقق أَسبَابهَا، فَإِذا وجد سَبَب حق وَلزِمَ ذَلِك عَلَيْهِ قيل: وَجب فِي ذمَّته، أَي هَذَا الْوَاجِب مِمَّا دخل فِي عَهده الْمَاضِي وَلزِمَ عَلَيْهِ بِحكم ذَلِك الْعَهْد غير أَن الْوُجُوب غير مَقْصُود بِنَفسِهِ بل بحكمة وَهِي الْأَدَاء على اخْتِيَار حَتَّى يظْهر الْمُطِيع بِهِ عَن العَاصِي فَيتَحَقَّق الِابْتِلَاء الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ فَجَاز أَن يَنْعَدِم الْوُجُوب لِانْعِدَامِ حكمه كَمَا يَنْعَدِم بانعدام سَببه وَمحله] . (قَالَ أَبُو زيد: (مذمة) ، بِكَسْر الذَّال من (الذمام) وبالفتح من (الذَّم) والذم لَا يسْتَعْمل إِلَّا لإِظْهَار سوء بِقصد التعييب والذم قد يعبر بِهِ عَمَّا يقدم عَلَيْهِ بِقصد النصح) الذَّات: هُوَ مَا يصلح أَن يعلم ويخبر عَنهُ، مَنْقُول عَن مؤنث (ذُو) بِمَعْنى الصاحب، لِأَن الْمَعْنى الْقَائِم بِنَفسِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يقوم بِهِ يسْتَحق الصاحبية والمالكية ولمكان النَّقْل لم يعبروا أَن التَّاء للتأنيث عوضا عَن اللَّام المحذوفة فأجروها مجْرى الْأَسْمَاء المستقلة فَقَالُوا: ذَات قديم وَذَات مُحدث، وَقيل: التَّاء فِيهِ كالتاء فِي الْوَقْت وَالْمَوْت، فَلَا معنى لتوهم التَّأْنِيث، وَقد يُطلق الذَّات وَيُرَاد بِهِ الْحَقِيقَة، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا قَامَ بِذَاتِهِ، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ المستقل بالمفهومية، ويقابله الصّفة بِمَعْنى غير مُسْتَقل بالمفهوميه، وَقد يسْتَعْمل اسْتِعْمَال النَّفس وَالشَّيْء فَيجوز تأنيثه وتذكيره، وَقد يُطلق الذَّات وَيُرَاد بِهِ الرِّضَا، وَعَلِيهِ حَدِيث: " إِن من أعظم النَّاس أجرا الْوَزير الصَّالح من أَمِير يتبعهُ فِي ذَات الله " المُرَاد مِنْهُ طلب رضوَان الله وَكَذَا حَدِيث: " إِن إِبْرَاهِيم لم يكذب إِلَّا فِي ثَلَاث، ثِنْتَيْنِ فِي ذَات الله " أَي فِي طلب مرضاته وَقد يُرَاد بِالذَّاتِ مَفْهُوم الشَّيْء كَمَا فِي قَوْله: الضاحك اللَّاحِق بالكاتب فَإِنَّهُ يُرَاد مَفْهُوم الْكَاتِب دون الذَّات الَّذِي يصدق عَلَيْهِ الْكَاتِب وَلَفظ الذَّات وَإِن لم يرد بِهِ التَّوْقِيف، لكنه بِمَعْنى مَا ورد بِهِ التَّوْقِيف، وَهُوَ الشَّيْء وَالنَّفس إِذْ معنى النَّفس فِي حَقه تَعَالَى الْمَوْجُود الَّذِي تقوم بِهِ الصِّفَات

стр. 441

فَكَذَا الذَّات، مَعَ أَنَّهُمَا يصدقان فِي اللُّغَة على مَا يقوم بِنَفسِهِ، فَتكون الْإِضَافَة فِي ذَات الله من بَاب إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه: بدن الرجل وَكَذَا نفس الله، فَلَا حَاجَة إِلَى اعْتِبَار المشاكلة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ بعد وُرُود الشَّرْع وَالْكَلَام فِي إِطْلَاق الْأَسَامِي الَّتِي لم ترد فِي الشَّرْع لَا فِي تَعْبِير الصِّفَات بهَا وَهُوَ ضَرُورِيّ ثمَّ إِنَّه يجوز إِطْلَاق اسْم الشَّيْء وَالْمَوْجُود والذات بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية للحق تَعَالَى، وَلَا يجوز إِطْلَاق اسْم النُّور وَالْوَجْه وَالْيَد وَالْعين وَالْجنب وَالنَّفس بِالْفَارِسِيَّةِ من غير التَّأْوِيل لِأَنَّهَا من المتشابهات بِخِلَاف الأولى وَيجوز إِطْلَاق بعض الْأَلْفَاظ مُضَافَة، وَلَا يجوز بِدُونِ الْإِضَافَة كَقَوْلِه: رفيع الدَّرَجَات وقاضي الْحَاجَات وَلَا يُضَاف الشَّيْء إِلَى الله، فَلَا يُقَال شَيْء الله، لِأَنَّهُ بِمَعْنى الشائي فِي حَقه تَعَالَى، وَاسم الْفَاعِل الْمُتَعَدِّي لَا يُضَاف إِلَى موصوفه، بِخِلَاف قَوْلنَا: صفة الله، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة علم الله، فَهُوَ من بَاب إِضَافَة التَّخْصِيص، وَالْمُخْتَار فِي ذَات الله عدم انحلاله إِلَى الْمَاهِيّة الْكُلية وَالتَّعْيِين، بل هُوَ مُتَعَيّن بِذَاتِهِ، وَالْمَوْجُود حَقِيقَة هُوَ الذَّات المتصفة بِالْقُدْرَةِ والإرادة وَالْعلم والحياة، فَجَمِيع الصِّفَات الْمُتَعَلّقَة مصححة بِحُصُول الْآثَار من الذَّات كل بِحَسبِهِ. قَالَ الْمَنَاوِيّ: الذَّات الْعلية هِيَ الْحَقِيقَة الْعُظْمَى وَالْعين القيومية المستلزمة لكل سبوحية قدوسية فِي كل جلال وجمال استلزاما لَا يقبل الانفكاك الْبَتَّةَ [فسبحان من جلّ ذَاته المقدسة عَمَّا يحول بِهِ الوسواس، وَعظم عَمَّا تتكيفه الْحَواس، وَكبر عَمَّا يحكم بِهِ الْقيَاس، لَا يصوره خيال وَلَا يشاكله مِثَال وَلَا ينوبه زَوَال وَلَا يشوبه انْتِقَال وَلَا يلْحقهُ فكر وَلَا يحصره ذكر] وَذَات يَوْم: من قبيل إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى اسْمه، أَي مُدَّة مصاحبة هَذَا الِاسْم وَنَظِيره: خرجت ذَات مرّة وَذَات لَيْلَة يُقَال: لاقيته ذَات يَوْم وَذَات لَيْلَة وَذَات مرّة وَذَات غَدَاة، وَلم يَقُولُوا ذَات شهر وَلَا ذَات سنة، وَيُقَال: ذَا غبوق وَذَا صبوح بِغَيْر تَاء فِي هذَيْن الحرفين وَفِي حَوَاشِي " الْمِفْتَاح ": ذَات مرّة مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة، صفة لزمان مَحْذُوف تَقْدِيره: زمَان ذَات مرّة وَقد يُضَاف إِلَى مُذَكّر ومؤنث، وَفِي " الْكَشَّاف ": الذَّات مقحمة تزيينا للْكَلَام وَالْحق أَنه من إِضَافَة الْعَام إِلَى الْخَاص كَمَا فِي بعض حَوَاشِي " الْمِفْتَاح " وكلمته فَمَا رد عَليّ ذَات شفة: أَي كلمة ﴿عليم بِذَات الصُّدُور﴾ : أَي بواطنها وخفاياها ﴿وَأَصْلحُوا ذَات بَيْنكُم﴾ : أَي حَقِيقَة وصلكم أَو الْحَالة الَّتِي بَيْنكُم ﴿وَذَات الْيَمين وَذَات الشمَال﴾ : أَي جِهَته وَيُقَال: قلت ذَات يَده: أَي مَا ملكت يَدَاهُ وعرفه من ذَات نَفسه: يَعْنِي سَرِيرَته المضمرة الذِّهْن: القابلية والفهم والإدراك

стр. 442

وَقد يُطلق الذِّهْن وَيُرَاد بِهِ قوتنا المدركة، وَهُوَ الشَّائِع، وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْقُوَّة المدركة مُطلقًا، سَوَاء كَانَت النَّفس الناطقة الإنسانية أَو آلَة من آلَات إِدْرَاكهَا، أَو مُجَرّد آخر، وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ المُرَاد فِي الْوُجُود الذهْنِي، وَكَذَا الْخَارِج يُطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا الْخَارِج عَن الذِّهْن مُطلقًا، وَهُوَ الْمَشْهُور الْمَذْكُور غَائِبا، وَثَانِيهمَا: الْخَارِج عَن النَّحْو الفرضي من الذِّهْن، لَا من الذِّهْن مُطلقًا، وَالْخَارِج بِهَذَا الْمَعْنى أَعم من الْخَارِج بِالْمَعْنَى الأول، لتنَاوله لَهُ، وللنحو غير الفرضي من الذِّهْن، وَهُوَ المُرَاد من الْخَارِج فِي قَوْلهم: صِحَة الحكم مطابقته لما فِي الْخَارِج، فالموجود والخارجي على نحوين: أَحدهمَا الْحُصُول بِالذَّاتِ لَا بالصورة، وَذَلِكَ الْحُصُول أَعم من الْوُجُود فِي نفس الْأَمر من وَجه لتحقيق الأول دون الثَّانِي فِي المخترعات الذهنية، وَبِدُون الأول فِي الموجودات الخارجية. [وَاعْلَم أَن الْمُتَكَلِّمين والحكماء نازعوا فِي الْوُجُود الذهْنِي، وَاخْتلف فِي تعْيين مَحل النزاع، وَالَّذِي يظْهر فِي تعْيين الْمحل هُوَ أَن للنار مثلا وجودا بِهِ يظْهر عَنْهَا أَحْكَامهَا وتصدر عَنْهَا آثارها من الإضاءة والإحراق وَغَيرهمَا وَهَذَا الْوُجُود يُسمى عينيا وخارجيا وَأَصِيلا، وَهَذَا مِمَّا لَا نزاع فِيهِ بَين أَرْبَاب النّظر إِنَّمَا النزاع فِي أَن لَهَا سوى الْوُجُود الْمَذْكُور وجودا آخر لَا يَتَرَتَّب بِهِ عَلَيْهَا تِلْكَ الْأَحْكَام والْآثَار، فالحكماء أثبتوه وَعَامة الْمُتَكَلِّمين أنكروه] ثمَّ الْمَوْجُود فِي الذِّهْن عِنْد المثبتين الْوُجُود الذهْنِي هُوَ نفس الْمَاهِيّة الَّتِي تُوصَف بالوجود الْخَارِجِي، وَالِاخْتِلَاف بَينهمَا بالوجود دون الْمَاهِيّة، وَلذَا قَالَ صَاحب " المحاكمات ": الْأَشْيَاء فِي الْخَارِج أَعْيَان، وَفِي الذِّهْن صور وَذكر الإِمَام فِي شرح " الإشارات أَن استعداد النَّفس لِاكْتِسَابِ الْعُلُوم يُسمى ذهنا، وجودة ذَلِك الاستعداد يُسمى فطنة وَقد تسْتَعْمل الفطنة كثيرا فِي الرموز والإشارات الذكاء: شدَّة قُوَّة النَّفس معدة لِاكْتِسَابِ الآراء بِحَسب اللُّغَة وَفِي الِاصْطِلَاح: قد يسْتَعْمل فِي الفطانة يُقَال (رجل ذكي) و (فلَان من الأذكياء) يُرِيدُونَ بِهِ الْمُبَالغَة فِي فطانته كَقَوْلِهِم: (فلَان شعلة نَار) وذكاء: اسْم الشَّمْس وَابْن ذكاء: اسْم للصبح وَذَاكَ أَنه يتَصَوَّر الصُّبْح ابْنا للشمس الذّكر؛ بِالْكَسْرِ لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: التَّلَفُّظ بالشَّيْء وَالثَّانِي: إِحْضَاره فِي الذِّهْن بِحَيْثُ لَا يغيب عَنهُ، وَهُوَ ضد النسْيَان و [الذّكر] ، بِالضَّمِّ: للمعنى الثَّانِي لَا غير وَإِذا أُرِيد بِالذكر الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ يجمع على (أذكار) وَهُوَ الْإِتْيَان بِأَلْفَاظ ورد التَّرْغِيب فِيهَا، وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْمُوَاظبَة على الْعَمَل بِمَا أوجبه أَو ندب إِلَيْهِ كالتلاوة وَقِرَاءَة الْأَحَادِيث ودرس الْعلم، وَالنَّفْل بِالصَّلَاةِ. وَفعل الذّكر يتَعَدَّى إِلَى مَفْعُوله الثَّانِي مرّة ب (على) وَمرَّة بِاللَّامِ. نَحْو: (ذكرته لَهُ) ، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَفِي " الْمُحِيط ": إِذا اسْتعْمل بعلى يُرَاد الذّكر

стр. 443

بِاللِّسَانِ، وَإِذا ذكر بِقَلْبِه غير مقرون بعلى وَقَالَ بَعضهم: يُقَال (ذكرته) إِذا كَانَ ذكر الْقلب، لِأَنَّهُ غير علاج، وَأما ذكر اللِّسَان فَهُوَ علاج كالقول لِأَن الْقَائِل يعْمل بتحريك لِسَانه وَذكر اللِّسَان نَحْو: ﴿فاذكروا الله كذكركم آبَاءَكُم أَو أَشد ذكرا﴾ وَذكر الْقلب نَحْو: ﴿ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾ فَيكون بِمَعْنى الْحِفْظ نَحْو ﴿واذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ وَالطَّاعَة وَالْجَزَاء نَحْو: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ والصلوات الْخمس نَحْو: ﴿فَإِذا أمنتم فاذكروا الله﴾ وَالْبَيَان: ﴿أَو عجبتم أَن جَاءَكُم ذكر من ربكُم﴾ والْحَدِيث: ﴿اذْكُرْنِي عِنْد رَبك﴾ وَالْقُرْآن: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري﴾ والتوراة: ﴿فاسألوا أهل الذّكر﴾ والشرف: ﴿وَإنَّهُ لذكر لَك﴾ ﴿ص وَالْقُرْآن ذِي الذّكر﴾ وَالْعَيْب: ﴿أَهَذا الَّذِي يذكر آلِهَتكُم﴾ واللوح الْمَحْفُوظ: ﴿من بعد الذّكر﴾ وَالثنَاء: ﴿واذْكُرُوا الله كثيرا﴾ وَالْوَحي: ﴿فالتاليات ذكرا﴾ وَالرَّسُول: ﴿ذكرا رَسُولا﴾ وَالصَّلَاة: ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ وَصَلَاة الْجُمُعَة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذكر الله﴾ وَصَلَاة الْعَصْر: ﴿عَن ذكر رَبِّي﴾ وذكرى: مصدر بِمَعْنى الذّكر، وَلم يجِئ مصدر على (فعلى) غير هَذَا. ﴿وذكرى للْمُؤْمِنين﴾ : اسْم للتذكير ﴿وذكرى لأولي الْأَلْبَاب﴾ : عِبْرَة لَهُم ﴿وأنى لَهُ الذكرى﴾ : من أَيْن لَهُ التَّوْبَة ﴿وذكرى الدَّار﴾ : أَي: يذكرُونَ الدَّار الْآخِرَة ويزهدون فِي الدُّنْيَا ﴿فَأنى لَهُم إِذا جَاءَتْهُم ذكراهم﴾ : أَي: فَكيف لَهُم إِذا أَتَتْهُم السَّاعَة بذكراهم وَمَا زَالَ مني على ذكر، وَيكسر: أَي تذكر والتذكرة: مَا تستذكر بِهِ الْحَال وَالْقُرْآن ذكر فذكروه: أَي جليل نبيه خطير فأجلوه واعرفوا لَهُ ذَلِك وصفوه بِهِ، أَو إِذا اختلفتم فِي الْيَاء وَالتَّاء فاكتبوه بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة

стр. 444

[وَذكروا الْقُرْآن] صرح بِهِ ابْن مَسْعُود [﵄] ، وَالْمرَاد أَنه إِذا احْتمل اللَّفْظ التَّذْكِير والتأنيث وَلم يحْتَج فِي التَّذْكِير إِلَى مُخَالفَة الْمُصحف فَذكره نَحْو: ﴿وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة﴾ ] والذكور: جمع الذّكر الَّذِي هُوَ خلاف الْأُنْثَى والمذاكير: جمع الذّكر الَّذِي هُوَ الْعُضْو الْمَخْصُوص وَهُوَ جمع على غير قِيَاس والمذكر: الْمَرْأَة الَّتِي ولدت مذكراً. الذَّبِيحَة: هُوَ مَا سيذبح من النعم، فَإِنَّهُ نقل عَن الوصفية إِلَى الاسمية، إِذْ الذَّبِيح مَا ذبح، كَمَا فِي " الرضي " وَغَيره، فَلَيْسَ الذَّبِيحَة المذكاة كَمَا ظن، وَمن الظَّن أَيْضا أَن أُرِيد بالذبيحة مَقْطُوع الرَّأْس، وبالتذكية مَقْطُوع الْأَوْدَاج، بل التذكية الذّبْح لُغَة، وَالِاسْم: الذَّكَاة وتسييل الدَّم النَّجس شرعا وَالْمرَاد بالذبيحة ذبح الذباح، بِالْفَتْح، فَإِنَّهُ لُغَة الشق، وَشَرِيعَة: قطع الْحُلْقُوم من بَاطِن عِنْد الفصيل، وَهُوَ مفصل مَا بَين الْعُنُق وَالرَّأْس، ثمَّ إِن الذّبْح لَو صدر من أَهله فِي مَحَله تحل ذَبِيحَته وَلَو كَانَ نَاسِيا للتسيمة عندنَا، [إِذْ النَّاسِي لَيْسَ بتارك، بل هُوَ ذَاكر شرعا، إِذْ الشَّرْع فِي هَذِه الْحَالة أَقَامَ الْملَّة مقَام الذّكر تَخْفِيفًا عَلَيْهِ كَمَا أَقَامَ الْأكل نَاسِيا مقَام الْإِمْسَاك فِي الصَّوْم] وَقَالَ عَطاء ﵁: كل مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ من طَعَام وشراب فَهُوَ حرَام متمسكا بِعُمُوم مَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَإنَّهُ لفسق﴾ وَلما احْتمل أَن يكون مجَازًا عَن الذّبْح خصها غَيره بالذبيحة ليساق الْآيَة، فَقَالَ مَالك: مَتْرُوك التَّسْمِيَة من الذَّبَائِح عمدا أَو سَهوا حرَام، وَقَالَ الشَّافِعِي: مَتْرُوك التَّسْمِيَة حَلَال عمدا أَو سَهوا، وَلما احْتمل أَيْضا أَن يكون المُرَاد التَّلَفُّظ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد الذّبْح حمل عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّة، وَخص مِنْهُم النَّاسِي لَهَا فَتحل ذَبِيحَته، لِأَن الْكَلَام إِذا احْتمل أَن يكون فِيهِ تَخْصِيص ومجاز فَحَمله على التَّخْصِيص أولى، لِأَن دلَالَة الْعَام على أَفْرَاده بعد التَّخْصِيص يحْتَمل أَن تكون حَقِيقَة، وَدلَالَة الْمجَاز على مَعْنَاهُ الْمجَازِي لَا تحْتَمل ذَلِك لكَونه خلاف الْإِجْمَاع، والحقيقة راجحة على الْمجَاز، والمحتمل للراجح رَاجِح وَاسْتدلَّ الشَّافِعِي بِوُجُوه مِنْهَا: أَن الْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإنَّهُ لفسق﴾ للْحَال، فَتكون جملَة الْحَال مفيدة للنَّهْي، وَالْمعْنَى: لَا تَأْكُلُوا فِي حَالَة كَونه فسقا، وَمَفْهُومه جَوَاز الْأكل إِذا لم يكن فسقا، وَالْفِسْق قد فسره الله تَعَالَى بقوله: ﴿أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ﴾ إِذْ الْمَعْنى: وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ إِذا سمي عَلَيْهِ غير الله، وَمن هُنَا خص الْآيَة بالميتة وذبيحة الْمُشْركين، فَإِن المجادلة إِنَّمَا كَانَت فِي الْميتَة، فَإِن الْمُشْركين قَالُوا: كَيفَ يَأْكُلُون مَا قَتله الصَّقْر والبازي وَلَا يَأْكُلُون مَا قَتله الله؟ وَقد أنكر أَبُو حنيفَة المفاهيم الْمُخَالفَة لمنطوقاتها كلهَا فَلم يحْتَج بِشَيْء مِنْهَا فِي كَلَام الشَّارِع فَقَط كَمَا نَقله ابْن الْهمام فِي تحريره، فَإِن مَفْهُوم

стр. 445

الْمُخَالفَة لَو ثَبت فإمَّا أَن يثبت بِلَا دَلِيل وَهُوَ بَاطِل بالِاتِّفَاقِ، أَو بِدَلِيل عَقْلِي وَلَا مجَال لَهُ فِي اللُّغَة، فَتعين أَنه لَو ثَبت ثَبت بِنَقْل، وَذَلِكَ النَّقْل لَا يجوز أَن يكون بطرِيق الْآحَاد، إِذْ الْآحَاد متعارضة فَلَا تفِيد الظَّن، لِأَنَّهَا إِنَّمَا تفيده إِذا سلمت عَن الْمُعَارضَة بِمِثْلِهَا، وَلما اخْتلفت أَئِمَّة اللُّغَة فِي كل نوع من أَنْوَاع الْمَفْهُوم لم يفد إِلَّا الشَّك، واللغة لَا تثبت بِالشَّكِّ، ثمَّ نقُول: إِن التَّأْكِيد بإن وَاللَّام يَنْفِي كَون الْجُمْلَة حَالية، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحسن فِيمَا قصد الْإِعْلَام بتحققه الْبَتَّةَ، وَالرَّدّ على منكره تَحْقِيقا أَو تَقْديرا، وَالْحَال الْوَاقِع من الْأَمر وَالنَّهْي مَعْنَاهُ على التَّقْدِير، كَأَنَّهُ قيل: لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ إِن كَانَ فسقا فَلَا يحسن (وَإنَّهُ لفسق) بل (وَهُوَ فسق) فَرده الشَّافِعِي بِأَنَّهُ يحسن تأكيده للرَّدّ على الْمُشْركين المنكرين، فَقَالَ الْحَنَفِيّ: سلمنَا كَونهَا للْحَال، لَكِن لَا نسلم أَنَّهَا قيد للنَّهْي بِمَعْنى أَنه يكون النَّهْي عَن أكله فِي هَذِه الْحَالة دون غَيرهَا، بل يكون إِشَارَة إِلَى الْمَعْنى الْمُوجب للنَّهْي عَنهُ، ك (لَا تشرب الْخمر وَهُوَ حرَام عَلَيْك) وَنَحْوه وَحين أَن يكون قيدا للنَّهْي لَا يكون لَهُ فَائِدَة، لِأَن كَونه مَنْهِيّا عَنهُ حَال كَونه فسقا مَعْلُوم لَا حَاجَة إِلَى بَيَانه وَمِنْه أَن الْفسق مُجمل فَإِن المُرَاد من كَونه فسقا غير مَذْكُور فَاحْتَاجَ إِلَى الْبَيَان، إِلَّا أَنه حصل بَيَانه بقوله: ﴿فسقا أهل لغير الله﴾ فأبطله الْحَنَفِيّ بِمَنْع إجماله، لِأَن معنى الْفسق مَشْهُور فِي الشَّرْع يفهمهُ الْكل، وَهُوَ الْخُرُوج عَن الطَّاعَات، وَإِن سلم فَلَا نسلم أَن بَيَانه بِهِ فَلَا بُد لذَلِك من دَلِيل يدل على أَنَّهَا فِي الْميتَة، فَقَالَ الْحَنَفِيّ: الْوَاو للْعَطْف فأبطله الشَّافِعِي بِلُزُوم عطف الْجُمْلَة الاسمية على الفعلية وَهُوَ قَبِيح قُلْنَا: إِلَّا لضَرُورَة، وَلم يَقع الِاتِّفَاق على منع الْجَوَاز، وَقد رَجحه ابْن هِشَام من بَين الْأَقْوَال؛ فَقَالَ الشَّافِعِي: أبْطلهُ للُزُوم عطف الخبرية على الإنشائية، وَهُوَ غير صَحِيح، ورده الْحَنَفِيّ بِأَن فِي الْجَوَاز اخْتِلَافا قَالَ الشَّافِعِي: إِنَّك إِذا أطلقت الْفسق لزم أَن يكون آكل مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا فَاسِقًا، وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع، وَهُوَ أَن من أكل من مَتْرُوك التَّسْمِيَة عمدا لَا يحكم بِفِسْقِهِ شرعا، ذكره الْفَخر الرَّازِيّ، ورده الْحَنَفِيّ بِأَن الضَّمِير وَإِن جَازَ عوده إِلَى الْأكل الْمُسْتَفَاد من الْفِعْل وَلَكِن أجعله عَائِدًا إِلَى (مَا) فَكَأَنَّهُ جعل مَا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ فسقا مُبَالغَة ذُو: عينه وَاو ولامه يَاء أما الأول فَلِأَن مؤنثه (ذَات) ، وَأَصلهَا (ذَوَات) بِدَلِيل أَن مثناها (ذواتا) حذفت عينهَا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، وَأما الثَّانِي فَلِأَن بَاب الطي أَكثر من بَاب الْقُوَّة، وَالْحمل على الْأَغْلَب أولى وَهِي وصلَة إِلَى الْوَصْف بأسماء الْأَجْنَاس، كَمَا أَن (الَّذِي) وصلَة إِلَى وصف المعارف بالجمل، و (ذُو) إِذا نظر إِلَى جِهَة مَعْنَاهُ يَقْتَضِي أَن يكون حرفا لِأَنَّهُ مُتَعَلق بِالْغَيْر، وَإِذا نظر إِلَى جِهَة اللَّفْظ يَقْتَضِي أَن يكون اسْما لوُجُود شَيْء من خَواص الِاسْم فِيهِ، وَهَكَذَا الْأَفْعَال النَّاقِصَة، لِأَنَّهُ إِذا نظر إِلَى جِهَة مَعْنَاهُ يَقْتَضِي أَن يكون حرفا لَا فعلا لفقدان دلَالَته على الْحَدث، وَإِذا نظر إِلَى جِهَة لَفظه يَقْتَضِي أَن بِكَوْن فعلا لوُجُود عَلامَة الْفِعْل من التَّأْنِيث والضمائر البارزة فغلبوا جِهَة اللَّفْظ على جِهَة الْمَعْنى فَسَماهُ بَعضهم اسْما وَبَعْضهمْ فعلا، لأَنهم يبحثون عَن أَحْوَال الْأَلْفَاظ

стр. 446

والمنطقيون سموا الْأَفْعَال النَّاقِصَة أَدَاة، لِأَن بحثهم عَن الْمعَانِي وَذُو: بِمَعْنى الَّذِي على لُغَة طَيئ، توصل بِالْفِعْلِ وَلَا يجوز ذَلِك فِي (ذُو) بِمَعْنى (صَاحب) ، وَلَا يُوصف بهَا إِلَّا الْمعرفَة، بِخِلَاف (ذُو) بِمَعْنى (صَاحب) فَإِنَّهُ يُوصف بهَا الْمعرفَة والنكرة، وَلَا يجوز فِيهَا (ذِي) وَلَا (ذَا) وَلَا يكون إِلَّا بِالْوَاو، وَلَيْسَ كَذَلِك (ذُو) بِمَعْنى (صَاحب) ، وَاشْترط فِي (ذُو) أَن يكون الْمُضَاف أشرف من الْمُضَاف إِلَيْهِ، بِخِلَاف (صَاحب) يُقَال: (ذُو الْعَرْش) وَلَا يُقَال: (صَاحب الْعَرْش) ، وَيُقَال: (صَاحب الشَّيْء) وَلَا يُقَال: (ذُو الشَّيْء) ، وعَلى هَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَذَا النُّون﴾ فأضافه إِلَى النُّون وَهُوَ الْحُوت وَقَالَ: ﴿وَلَا تكن تصاحب الْحُوت﴾ وَالْمعْنَى وَاحِد، لَكِن بَين اللَّفْظَيْنِ تفَاوت كثير فِي حسن الْإِشَارَة إِلَى الْحَالَتَيْنِ، فَإِنَّهُ حِين ذكره فِي معرض الثَّنَاء عَلَيْهِ أُتِي ب (ذِي) ، لِأَن الْإِضَافَة بهَا أشرف، وبالنون لِأَن لَفظه أشرف من لفظ الْحُوت: ﴿ن والقلم وَمَا يسطرون﴾ وَحين ذكره فِي معرض النَّهْي من أَتْبَاعه أَتَى بِلَفْظ الْحُوت والصاحب، إِذْ لَيْسَ فِي لفظ الْحُوت مَا يشرفه كَذَلِك ذَا: هِيَ لَا تَجِيء مَوْصُولَة وَلَا زَائِدَة إِلَّا بعد (مَا) و (من) الاستفهامية وَالْأولَى فِي (مَاذَا هُوَ) و (من ذَا هُوَ خير مِنْك) الزِّيَادَة وَيجوز على بعد أَن يكون بِمَعْنى (الَّذِي) و (ذَا) فِي (من ذَا قَائِما) اسْم إِشَارَة لاغير، وَيحْتَمل فِي (من ذَا الَّذِي) أَن تكون زَائِدَة وَأَن تكون اسْم إِشَارَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَمن هَذ الَّذِي﴾ فَإِن هَاء التَّنْبِيه لَا تدخل إِلَّا على اسْم الْإِشَارَة و (ذَا) لَا تثنى وَلَا تجمع وَلَا تؤنث وَلَا تتبع بتابع لَا نعت وَلَا عطف وَلَا تَأْكِيد وَلَا بدل، يشار بهَا إِلَى غير مَذْكُور لفظا، بل هُوَ مَذْكُور معنى زادوا فِيهَا كَاف الْخطاب فَقَالُوا: (ذَاك) ، وَإِذا زَاد بعد الْمشَار إِلَيْهِ أَتَوا بِاللَّامِ مَعَ الْكَاف، واستفيد باجتماعهما زِيَادَة فِي التباعد، لِأَن قُوَّة اللَّفْظ مشعرة بِقُوَّة الْمَعْنى، وَلَا يلْزم أَن يكون ذَلِك فِي الْكَلَام للبعد الْحَاصِل بِسَبَب طول الْكَلَام، بل يجوز أَن يكون للبعد الْمَعْنَوِيّ أَيْضا وَالدّلَالَة على الْبعد فِي (ذَلِك) بِحَسب الْعرف الطارىء، لَا فِي أصل وضع ذَلِك، وَقد يسْتَعْمل (ذَلِك) فِي مَوضِع (ذَلِكُم) كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت مِنْكُم﴾ ﴿ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا﴾ كَمَا قد يشار بهَا للْوَاحِد إِلَى الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿عوان بَين ذَلِك﴾ ، وَإِلَى الْجمع نَحْو: ﴿كل ذَلِك كَانَ سيئه﴾ بِتَأْوِيل الْمثنى وَالْمَجْمُوع بالمذكور وَقد يُطلق (ذَلِك) للفصل بَين الْكَلَامَيْنِ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق ذَلِك﴾ أَي: الْأَمر ذَلِك أَو افعلوا ذَلِك

стр. 447

وَمَا لَا يحس بِالْبَصْرَةِ فالإشارة إِلَيْهِ بِلَفْظ (ذَلِك) و (هَذَا) سَوَاء و (ذَلِك) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ إِشَارَة إِلَى مصدر الْفِعْل الْمَذْكُور بعده أَي: جعل ذَلِك الْجعل العجيب، لَا إِلَى جعل آخر، بِقصد تَشْبِيه هَذَا الْجعل بِهِ [وَكَذَا ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيم﴾ فَإِنَّهُ إِشَارَة إِلَى هَذِه الإراءة لَا إِلَى شَيْء آخر يشبه بِهِ] فالكاف مقحم إقحاما لَازِما لَا يكادون يتركونه فِي لُغَة الْعَرَب وَغَيرهم، وَجعل ابْن عُصْفُور للْإِشَارَة ثَلَاث مَرَاتِب: دنيا ووسطى وقصوى، فللأولى: (ذَا) و (تي) ، وللثانية: (ذَاك) و (تيك) ، وللثالثة (ذَلِك) و (تِلْكَ) ذُو الرَّحِم الْمحرم: هُوَ قريب حرم نِكَاحه أبدا وَالرحم: منبت الْوَلَد ووعاؤه فِي الْبَطن، ثمَّ سميت بِهِ الْقَرَابَة من جِهَة الولاد وَالْمحرم: عبارَة عَن حُرْمَة التناكح، فالمحرم بِلَا رحم نَحْو زَوْجَة الابْن وَالْأَب وَبنت الْأَخ وَالْأُخْت رضَاعًا، وَالرحم بِلَا محرم كبني الْأَعْمَام والأخوال، وَذُو الرَّحِم الْمحرم نَحْو أَوْلَاد الرجل وَأَوْلَاد أَبَوَيْهِ وهم الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات وَأَوْلَاد الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات وَإِن سفلوا، وآباؤه وأجداده وجداته وَإِن علوا، وَأول بطن من بطُون الأجداد والجدات يَعْنِي الْأَعْمَام والعمات والأخوال والخالات دون أَوْلَادهم وَذُو النُّون: يُونُس النَّبِي ﵊ وَذُو النَّخْلَة: عِيسَى النَّبِي ﵇ وَذُو الكفل: نَبِي الله أَيْضا [قيل: هُوَ نَبِي، وَفِي " الْمُسْتَدْرك " عَن وهب ﵁ أَن الله تَعَالَى بعث بعد سيدنَا أَيُّوب ﵊ ابْنه بشرا نَبيا وَسَماهُ ذَا الكفل، وَأمره بِالدُّعَاءِ إِلَى توحيده، وَكَانَ مُقيما بِالشَّام عمره حَتَّى مَاتَ وعمره خمس وَسَبْعُونَ سنة وَقيل: هُوَ لقب زَكَرِيَّا ﵊ ﴿وكفلها زَكَرِيَّا﴾ ] وَذُو القرنين: اسكندر وَعلي بن أبي طَالب أَيْضا لقَوْله ﵊: " إِن لَك فِي الْجنَّة بَيْتا ويروى " كنزا " وَإنَّك لذُو قرنيها " أَي: لذُو طرفِي الْجنَّة وملكها الْأَعْظَم تسلك ملك جَمِيع الْجنَّة كَمَا سلك ذُو القرنين جَمِيع الأَرْض، أَو (ذُو قَرْني الْأمة " فأضمر وَإِن لم يتَقَدَّم ذكره، أَو " ذُو جبليها الْحسن وَالْحُسَيْن " أَو " ذُو شجتين فِي قَرْني رَأسه إِحْدَاهمَا من عَمْرو بن ود، وَالثَّانيَِة من ابْن ملجم، وَهَذَا أصح، كَذَا فِي " الْقَامُوس " وَذُو خلال: أَبُو بكر وَذُو النورين: عُثْمَان بن عَفَّان وَذُو الشَّهَادَتَيْنِ: خُزَيْمَة بن ثَابت وَذُو الْيَدَيْنِ: صَاحب الحَدِيث فِي السَّهْو وَذُو الْأُذُنَيْنِ: أنس بن مَالك وَذُو الْعَينَيْنِ: مُعَاوِيَة بن مَالك شَاعِر وَذُو الْعين: قَتَادَة بن النُّعْمَان. رد رَسُول الله عينه السائلة على وَجهه وَذُو الهلالين: زيد بن عمر بن الْخطاب، أمه أم كُلْثُوم بنت عَليّ بن أبي طَالب، لقب بجديه وَذُو الجناحين: جَعْفَر بن أبي طَالب قَاتل يَوْم مُؤْتَة حَتَّى قطعت يَدَاهُ فَقتل فَقَالَ رَسُول الله: " إِن الله قد

стр. 448

أبدله بيدَيْهِ جناحين يطير بهما فِي الْجنَّة حَيْثُ يَشَاء " وَذُو المخصرة: عبد الله بن أنس، لِأَن النَّبِي ﵊ أعطَاهُ مخصرة: وَقَالَ: " تَلقانِي بهَا فِي الْجنَّة " وَذُو مرّة: جِبْرِيل ﵇ [أَي: منظر حسن أَو حصافة فِي عقله ورأيه] الذَّوْق: هُوَ عبارَة عَن قُوَّة مرتبَة فِي الْعصبَة البسيطة على السَّطْح الظَّاهِر من اللِّسَان، من شَأْنهَا إِدْرَاك مَا يرد عَلَيْهِ من خَارج الكيفيات الملموسة، وَهِي الْحَرَارَة والرطوبة والبرودة واليبوسة والذوق فِي الأَصْل: تعرف الطّعْم، ثمَّ كثر حَتَّى جعل عبارَة عَن كل تجربة يُقَال (ذقت فلَانا) و (ذقت مَا عِنْده) وَقد اسْتعْمل الإذاقة فِي الرَّحْمَة والإصابة فِي مقابلتها قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِن تصبهم﴾ تَنْبِيها على أَن الْإِنْسَان بِأَدْنَى مَا يعْطى من النِّعْمَة يبطر ويأشر والذوق والطبع قد يطلقان على الْقُوَّة المهيئة للعلوم من حَيْثُ كمالها فِي الْإِدْرَاك بِمَنْزِلَة الإحساس من حَيْثُ كَونهَا بِحَسب الْفطْرَة وَقد يخص الذَّوْق بِمَا يتَعَلَّق بلطائف الْكَلَام، لكَونه بِمَنْزِلَة الطَّعَام اللذيذ الشهي لروح الْإِنْسَان الْمَعْنَوِيّ والطبع بِمَا يتَعَلَّق بأوزان الشّعْر لكَونهَا بمحض الجبلة، بِحَيْثُ لَا ينفع فِيهَا أَعمال الجبلة إِلَّا قَلِيلا [والذوق بالفم فِيمَا يقل، فَإِن كثر قيل فِيهِ: أكل وَشرب] الذُّرِّيَّة: هِيَ إِمَّا (فعلية) من الذَّر أَو (فعولة) من الذرء، أبدلت همزته يَاء ثمَّ قلبت الْوَاو يَاء، وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، وَمَعْنَاهَا لُغَة: قيل نسل الثقلَيْن، وَقيل: ولد الرجل، وَقيل: من الأضداد، تَجِيء تَارَة بِمَعْنى الْأَبْنَاء، وَتارَة بِمَعْنى الْآبَاء [ويتناول أَوْلَاد الْبَنَات قَالَ الإِمَام حميد الدّين ﵀: سَأَلت أستاذي شمس الْأَئِمَّة الأكدري ﵀ عَمَّن لَهُ أم سيدة وَأَبوهُ لَيْسَ بِسَيِّد فَقَالَ: هُوَ سيد، وَاسْتدلَّ بِأَن الله تَعَالَى جعل سيدنَا عِيسَى ﵊ من ذُرِّيَّة سيدنَا نوح وَسَيِّدنَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام بِجِهَة الْأُم، وَمن قَالَ: الْأَنْسَاب تَنْعَقِد بالأبناء والآباء لَا بالبنات والأمهات كَمَا قَالَ الشَّاعِر: (بنونا بَنو أَبْنَائِنَا وبناتنا ... بنوهن أَبنَاء الرِّجَال الأباعد) فقد خَالف قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَيحيى وَعِيسَى﴾ حَيْثُ جعل عِيسَى من أَوْلَاده وَذريته مَعَ أَنه لم يكن لعيسى أَب] والنسل: عبارَة عَن خُرُوج شَيْء من شَيْء مُطلقًا، فَيكون أَعم من الْوَلَد الذل، بِالْكَسْرِ: فِي الدَّابَّة ضد الصعوبة وبالضم فِي الْإِنْسَان ضد الْعِزّ لِأَن مَا يلْحق الْإِنْسَان أَكثر قدرا مِمَّا يلْحق الدَّابَّة، فَاخْتَارُوا الضمة لقوتها للْإنْسَان، والكسرة لِضعْفِهَا للدابة وَقيل: بِالضَّمِّ مَا كَانَ عَن قهر وبالكسر: مَا كَانَ عَن تعصب

стр. 449

والذلول: فِي الدَّوَابّ والذليل: فِي النَّاس، وَهُوَ الْفَقِير الخاضع المهان وأصل الذل أَن يتَعَدَّى بِاللَّامِ وَقد يعدى ب (على) لتضمين معنى الحنو والعطف وَهَذَا يجمع على (أَذِلَّة) [وزلة الْقدَم: خُرُوجهَا غَلَبَة من الْموضع الَّذِي يَنْبَغِي ثباتها فِيهِ] الذَّنب، بِالسُّكُونِ: وَاحِد الذُّنُوب وبالتحريك: وَاحِد الأذناب، وَلَا يجمع (فعل) على (أَفعَال) فِي غير الأجوف إِلَّا فِي أَفعَال مَعْدُودَة ك (شكل) و (سمع) و (سجع) و (فرخ) والذنُوب: بِالْفَتْح: الدَّلْو الْعَظِيمَة وَلَا يُقَال لَهَا ذنُوب إِلَّا وفيهَا مَاء الذرع: الطَّاقَة وضاق بِهِ ذرعا: ضعفت طاقته وَلم يجد من الْمَكْرُوه فِيهِ مخلصا والذراع، بِالْكَسْرِ: من طرف الْمرْفق إِلَى طرف الإصبع الْوُسْطَى والساعد وذراع المساحة: سبع مشتات فَوق كل مشت إِصْبَع قَائِمَة وذراع الكرباس: سبع مشتات لَيْسَ فَوق كل مشت أصْبع قَائِمَة الذّهاب: ذهب بِهِ: استصحبه وَمضى مَعَه، وَعَلِيهِ: نَسيَه. وَعنهُ: تَركه وَإِلَيْهِ: توجه وأذهبه: أزاله وَجعله ذَاهِبًا قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: لم أر فِيمَا عِنْدِي من كتب اللُّغَة تعدِي (ذهب) ب (على) ، لَكِن الشَّائِع فِي الْمُعْتَبرَات عبارَة (لَا يذهب عَلَيْك) حَتَّى قَالَ الشريف: يُقَال: ذهب عَلَيْك كَذَا: إِذا فَاتَهُ بِسَبَب الْغَفْلَة عَنهُ وَاخْتلف فِي الْفرق بَين (ذهب بِهِ) و (أذهبه) قيل: لَا فرق بَينهمَا من حَيْثُ الْمَعْنى، فَإِن مَعْنَاهُمَا جعله ذَاهِبًا استصحبه أَو لَا، وَهُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر النُّحَاة. وَفِي " الْقَامُوس ": ذهب، كمنع: سَار وَمر، وَبِه: أزاله كأذهبه ورد ابْن هِشَام القَوْل بِالْفرقِ بَينهمَا بقوله تَعَالَى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ وَالْحق أَن بَينهمَا فرقا كَمَا ذهب إِلَيْهِ صَاحب " الْكَشَّاف " حَيْثُ قَالَ: معنى (أذهبه) : أزاله وَجعله ذَاهِبًا وَمعنى (ذهب بِهِ) استصحبه وَمضى بِهِ مَعَه وناهيك دَلِيلا على الْفرق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تعضلوهن لتذهبوا بِبَعْض مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ لِأَن غرضهم من العضل لَيْسَ مُجَرّد إِزَالَة بعض مَا أَتَوا بل إِزَالَته بطرِيق الْأَخْذ، وَحَيْثُ يتَعَذَّر الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ كَمَا فِي ﴿ذهب الله بنورهم﴾ ﴿وَلَو شَاءَ الله لذهب بسمعهم﴾ إِذْ لَا ذهَاب فِيهِ وَلَا أَخذ وَلَا اسْتِصْحَاب وَجب الْمصير إِلَى الْحمل على التَّجَوُّز، كَمَا هُوَ الشَّأْن فِي أَمْثَاله [نوع] ﴿ذرهم﴾ : دعهم ﴿الأَرْض ذلولا﴾ : لينَة ﴿والذاريات﴾ : يَعْنِي الرِّيَاح تذرو التربة

стр. 450

وَغَيره أَو النِّسَاء الْوَلُود، أَو الْأَسْبَاب الَّتِي تذر الْخَلَائق من الْمَلَائِكَة وَغَيرهم ﴿وَلَا ذلة﴾ : هوان ﴿وَضربت عَلَيْهِم الذلة﴾ : هدر النَّفس وَالْمَال والأهل، أَو ذل التَّمَسُّك بِالْبَاطِلِ، والجزية ﴿ذُو الْعَرْش﴾ : خالقه ﴿ذكرى﴾ : تذكرة ﴿ذرأكم فِي الأَرْض﴾ : خَلقكُم وبثكم فِيهَا بالتناسل ﴿على ذهَاب بِهِ﴾ : على إِزَالَته الذّرة: النملة الصَّغِيرَة ﴿من بعد الذّكر﴾ : أَي التَّوْرَاة ﴿وَإنَّهُ لذكر﴾ : شرف ﴿للَّذين ظلمُوا ذنوبا﴾ : نَصِيبا من الْعَذَاب ﴿وضاق بهم ذرعا﴾ : وضاق بشأنهم وتدبير أَمرهم ذرعه: أَي طاقته ﴿وَذكر اسْم ربه﴾ : وحد الله ﴿إِلَّا مَا ذكيتم﴾ : ذبحتم وَبِه روح [ ﴿أَو يحدث لَهُم ذكرا﴾ : عظة واعتبارا ﴿فَإِن ذللتم﴾ : أَي ملتم عَن الدُّخُول فِي السّلم ﴿ذمَّة﴾ : عهد ﴿بِذبح عَظِيم﴾ : كَبْش سيدنَا إِبْرَاهِيم ﵊ ﴿ذرأنا لِجَهَنَّم﴾ : أَي خلقنَا لَهَا ﴿ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا﴾ : أَي طولهَا إِذا ذرعت ﴿سبل رَبك ذللا﴾ منقادة بالتسخير ﴿ذَا الكفل﴾ : قيل لم يكن نَبيا وَلَكِن كَانَ عبدا صَالحا تكفل بِعَمَل رجل صَالح عِنْد مَوته، وَيُقَال: تكفل لبني قومه أَن يقْضِي بَينهم بِالْحَقِّ فَفعل فَسُمي ذَا الكفل] (فصل الرَّاء) [الرجز] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الرجز فَهُوَ الْعَذَاب وَأما ﴿وَالرجز فاهجر﴾ ، بِالضَّمِّ، فَالْمُرَاد الصَّنَم [الريب] : كل مَا فِي الْقُرْآن من ريب فَهُوَ شكّ، إِلَّا ﴿ريب الْمنون﴾ فَإِن المُرَاد حوادث الدَّهْر

стр. 451

[الرَّجْم] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الرَّجْم فَهُوَ الْقَتْل إِلَّا ﴿لنرجمنكم﴾ فَإِن مَعْنَاهُ لأشتمنكم و ﴿رجما بِالْغَيْبِ﴾ أَي ظنا [الرِّيَاح] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الرِّيَاح فَهُوَ الرَّحْمَة، وكل مَا فِيهِ من الرّيح فَهُوَ الْعَذَاب وَأما و ﴿برِيح طيبَة﴾ فباعتبار مَا تشتهيه السفن [الرّيح] : وكل ريح فِي الْقُرْآن لَيْسَ فِيهِ ألف وَلَام اتَّفقُوا على توحيده، وَمَا فِيهِ ألف وَلَام فالقراءة فِيهِ جمعا وتوحيدا إِلَّا الرّيح الْعَقِيم فِي " الذاريات " فالقراءة بتوحيدها وَفِي " الرّوم " ﴿الرِّيَاح مُبَشِّرَات﴾ الْقِرَاءَة بجمعه (وقرىء جَمِيع الرِّيَاح جمعا وتأنيث الرّيح لَيْسَ بِحَقِيقَة وَلها أَصْنَاف، وَالْغَالِب فِيهَا التَّذْكِير كالإعصار، وَالسَّبَب الأكثري فِي تكون الرّيح إِن صَحَّ هُوَ معاودة الأدخنة الصاعدة من الطَّبَقَة الْبَارِدَة لانكسار حرهَا وتمويجها للهواء حِينَئِذٍ، وَقد تكون كِنَايَة عَن الدولة، يُقَال للْقَوْم إِذا زَالَت دولتهم وَأخذت شؤونهم تتراجع: (ركدت ريحهم وَذَهَبت) ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتذهب ريحكم﴾ ، وَإِذا نفذت أُمُورهم: (هبت رياحهم) وَقد يستعار الرّيح للغلبة وَنَحْو: ﴿وَتذهب ريحكم﴾ . [الرجس] : كل مَا استقذر من الْعَمَل، وَالْعَمَل الْمُؤَدِّي إِلَى الْعَذَاب وَالْعِقَاب وَالْغَضَب فَهُوَ رِجْس ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ أَي اجتنبوا قَول الزُّور [الرجفة] : كل مَا فِي الْقُرْآن من الرجفة فَهُوَ مقرون بِذكر (دَار) ، وكل مَا فِي الْقُرْآن من الصَّيْحَة فَهُوَ مقرون بِذكر (ديار) ، فالرجفة فِي دَارهم، والصيحة فِي دِيَارهمْ [الرس] : كل ركية لم تطو بِالْحِجَارَةِ والآجر فَهِيَ رس [لروضة] : كل أَرض ذَات نَبَات وَمَاء فَهِيَ رَوْضَة عِنْد الْعَرَب [ركب] : كل شَيْء علا شَيْئا فقد رَكبه وَيُقَال: (رَكبه دين) . [الراسخ] : كل ثَابت فَهُوَ راسخ. [الرقراق] : كل شَيْء لَهُ تلألؤ فَهُوَ رقراق [الرطانة] : كل كَلَام لَا تفهمه الْعَرَب فَهُوَ رطانة [الردف] : كل شَيْء تبع شَيْئا فَهُوَ ردفه؟ [ران] : كل مَا غلبك فقد ران بك ورانك وران عَلَيْك [رَكِيك] : كل شَيْء رَقِيق قَلِيل من مَاء أَو نبت أَو علم فَهُوَ رَكِيك [الرب] : كل من ملك شَيْئا فَهُوَ ربه يُقَال: (هُوَ رب الدَّار، وَرب المَال) [الراكد] : كل ثَابت فِي الْمَكَان فَهُوَ راكد [الرفات] : كل مَا تكسر وبلي فَهُوَ الرفات

стр. 452

[رفد] : كل شَيْء جعلته عونا لشَيْء فقد رفدته [الرقة] : كل أَرض إِلَى جنب وَاد وَعَلَيْهَا المَاء أَيَّام الْمَدّ ثمَّ ينضب فَيكون مكرمَة للنبات فَهِيَ الرقة [الريحان] : كل مَا ينْبت من بذره مِمَّا لَهُ شجر ولعينه رَائِحَة مستلذة فَهُوَ ريحَان، وَمَا ينْبت من الشّجر ولورقه رَائِحَة مستلذة فَهُوَ ورد [الرزق] : وَعَن ابْن عَبَّاس: كل ريحَان فِي الْقُرْآن فَهُوَ رزق [الرفرف] : كل ثوب عريض عِنْد الْعَرَب فَهُوَ رَفْرَف] [الريعان] : ريعان كل شَيْء أَوَائِله الَّتِي تبدو أَولا مِنْهُ [الرذال] : رذال كل شَيْء رديئه [الرحب] : الْوَاسِع من كل شَيْء رحب بِالضَّمِّ [الروي] : كل حرف يَقع رويا إِلَّا هَاء التَّأْنِيث والإضمار والحروف اللاحقة للضمير فِي (بِهِ) و (لَهُ) والتنوين وَالْألف المبدلة مِنْهُ فِي الْوَقْف وَالنُّون الْخَفِيفَة فِي (اضربن) و (قولن) ، وَسمي رويا لِأَنَّهُ يجمع الأبيات، من (رويت الْحَبل) إِذا فتلته، أَو من الرّيّ، لِأَن الْبَيْت يرتوي عِنْده فَيَنْقَطِع الرب: الْمَالِك والمصلح وَالسَّيِّد والمعبود، فَإِن حمل على الْمَالِك عَم الموجودات، وَإِن حمل على المصلح خرجت الْأَعْرَاض لِأَنَّهَا لَا تقبل الْإِصْلَاح، بل يصلح بهَا، وَإِن حمل على السَّيِّد اخْتصَّ بالعقلاء، وَإِن حمل على المعبود اخْتصَّ بالمكلفين وَهَذَا أخص المحامل، وَالْأول أعمها، وَقد وَقع فِي بعض التفاسير أَن الرب صفة من (ربه) بِمَعْنى رباه تربية، ثمَّ سمي بِهِ الْملك المربي وانسلخ عَن الوصفية وَصَارَ كالاسم الشبيه بِالصّفةِ كالكتاب والإله والعالم والخاتم، وَالدَّلِيل على كَونه صفة لُحُوق التَّاء بِهِ فِي الْمُؤَنَّث كَمَا فِي حَدِيث: " من أَشْرَاط السَّاعَة أَن تَلد الْأمة ربتها، وَهُوَ حَقِيقَة مُخْتَصّ بالباري تَعَالَى وَلَا يُطلق على غَيره إِلَّا مجَازًا أَو مُقَيّدا، وَالْحق أَنه بِاللَّامِ لَا يُطلق لغيره تَعَالَى مُقَيّدا أَيْضا لوُرُود النَّهْي عَنهُ فِي حَدِيث صَحِيح وَمن حق الرب أَن يجمع إِذا أطلق على الله تَعَالَى على (أربة) و (ربوب) لَا على (أَرْبَاب) وَأما ﴿أَرْبَابًا من دون الله﴾ فَذَلِك بِحَسب اعْتِقَادهم لَا مَا عَلَيْهِ ذَات الشَّيْء فِي نَفسه، وَفِي " الْعَجَائِب " للكرماني: كثر حذف (يَا) فِي الْقُرْآن من الرب تَنْزِيها وتعظيما لِأَن فِي النداء طرفا من الْأَمر [والرباني هُوَ فِي الأَصْل (رَبِّي) أدخلت الْألف للتفخيم ثمَّ أدخلت النُّون لسكون الْألف، كَمَا قيل فِي (صنعاني) و (نَصْرَانِيّ) وواحدهما (ربان) كَمَا يُقَال (رَيَّان) و (عطشان) ثمَّ ضمت إِلَيْهِ يَاء النِّسْبَة كَمَا قَالُوا: الحياني ورقباني، قيل: الربانيون الْوُلَاة، والربيون: الرّعية]

стр. 453

الرَّحْمَن: اخْتلف فِيهِ قَالَ بَعضهم: هُوَ علم اتفاقي كالجلالة، إِذْ لم يسْتَعْمل صفة وَلَا مُجَردا عَن اللَّام إِلَّا إِذا كَانَ مُضَافا، وَفِي حَاشِيَة " الْكَشَّاف " للشَّيْخ سعد الدّين: فَإِن قيل من أَيْن علم أَن الرَّحْمَن لَيْسَ بِعلم؟ قُلْنَا: من جِهَة أَنه يَقع صفة فَإِن مَعْنَاهُ المبالغ فِي الرَّحْمَة والإنعام، لَا الذَّات الْمَخْصُوص مرادفا لاسم الله تَعَالَى، وَهَذَا فِي غَايَة الظُّهُور، فالرحمن كَانَ صفة بِمَعْنى كثير الرَّحْمَة، ثمَّ غلب على الْمُنعم بجلائل النعم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَبِالْجُمْلَةِ بِحَيْثُ لَا يَقع على الْمَخْلُوق، إِذْ المغلوب قد يكون مرجحا كَمَا فِي الْإِلَه، إِذْ قل اسْتِعْمَاله فِي الْبَاطِل، وَقد يكون مَهْجُورًا كَمَا فِي الرَّحْمَن حَيْثُ لَا يُطلق على الْغَيْر أصلا، (وَإِن تعرى عَن لَام التَّعْرِيف تثبت الْألف وَإِلَّا تحذف) وَقد صرح السَّيِّد الشريف بِأَنَّهُ مشارك لاسم الذَّات مُعَرفا ومنكرا، و [من هُنَا] لَا إِلَه إِلَّا الرَّحْمَن) يُفِيد التَّوْحِيد بِحَسب عرف الشَّرْع وَإِن لم يفد بِحَسب عرف اللُّغَة، وَعدم الِانْصِرَاف أظهر وَإِن أوجب اخْتِصَاصه بِاللَّه تَعَالَى الِانْصِرَاف على مَذْهَب من شَرط وجود (فعلى) ، وَعدم الِانْصِرَاف عِنْد من شَرط انْتِفَاء (فعلان) وَجعله مستوي النِّسْبَة بالانصراف وَعَدَمه نظرا إِلَى المذهبين اللَّذين لَا يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر إِلْحَاقًا لَهُ بِمَا هُوَ الْغَالِب فِي بَابه وَهُوَ (فعلان) من (فعل) من حد (علم) فَإِن أَكْثَره غير منصرف أَو أَكْثَره على (فعلى) فَنزل منزلَة مَا مؤنثه (فعلى) وَيحكم بِأَنَّهُ لَو لم يطرأه الِاخْتِصَاص لجاء مِنْهُ (فعلى) فَمَعْنَى الرَّحْمَن الْمُنعم الْحَقِيقِيّ الْبَالِغ فِي الرَّحْمَة غايتها الَّتِي يقصر عَنْهَا كل من سواهُ، والعاطف على جَمِيع خلقه بالرزق لَهُم لَا يزِيد فِي رزق التقي بتقواه، وَلَا ينقص من رزق الْفَاجِر بِفُجُورِهِ والرحيم: هُوَ الرفيق للْمُؤْمِنين خَاصَّة يستر عَلَيْهِم ذنوبهم فِي العاجل، ويرحمهم فِي الآجل، فمتعلق الرَّحْمَن أثر مُنْقَطع، ومتعلق الرَّحِيم أثر غيرمنقطع، فعلى هَذَا الرَّحِيم أبلغ من الرَّحْمَن، وَالْقَوْل بِأَن الرَّحِيم أبلغ لِأَن (فعيلا) للصفات الغريزة ك (كريم) و (شرِيف) ، و (فعلان) للعارض كه (سَكرَان) و (غَضْبَان) ضَعِيف، لِأَن ذَلِك لَيْسَ من صِيغَة (فعيل) بل من بَاب (فعل) بِالضَّمِّ، وَقيل: الرَّحْمَن اسْم خَاص صفة عَامَّة والرحيم اسْم عَام صفة خَاصَّة، فَإِنَّهُ يُقَال: (فلَان رَحِيم) وَلَا يُقَال (رَحْمَن) ، وَأما (رَحْمَن الْيَمَامَة) لمُسَيْلمَة الْكذَّاب فَمن بَاب تعنتهم وَقيل: الرَّحْمَن أمدح والرحيم ألطف، وَقَالَ بَعضهم: كل وَاحِد مِنْهُمَا أرق من الآخر من وَجه، (والرحيم لَا يُكَلف عباده جَمِيع مَا يطيقُونَهُ، فَكل ملك يُكَلف عبيده جَمِيع مَا يُطِيقُونَ فَلَيْسَ برحيم) ، وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الترقي، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَعَيَّن إِذا كَانَ الأبلغ مُشْتَمِلًا على مَا دونه، إِذْ لَو قدم الأبلغ حِينَئِذٍ كَانَ ذكر الآخر لَغوا كَمَا فِي: (فياض جواد) ، و (باسل شُجَاع) وَأما إِذا لم يشْتَمل عَلَيْهِ كَمَا هَهُنَا فَيجوز سلوك كل وَاحِد من طريقي التتميم والترقي نظرا إِلَى مُقْتَضى الْحَال، وَهَهُنَا يحمل على الأول، لِأَن الْمَطْلُوب بِالْقَصْدِ الأول فِي مقَام العظمة والكبرياء وجلائل

стр. 454

النعم، وَقدم الرَّحْمَن وَأَرْدَفَ بالرحيم كالتتمة تَنْبِيها على أَن الْكل مِنْهُ لِئَلَّا يتَوَهَّم أَن محقرات النعم لَا تلِيق بجنابه، فَلَا تطلب من بَابه، وَفِي " الْجَوْهَرِي ": هما بِمَعْنى وَيجوز تَكْرِير الاسمين إِذا اخْتلف اشتقاقهما تَأْكِيدًا، قيل: جَمِيع أَسمَاء الله ثَلَاثَة أَسمَاء: الذَّات، وَأَسْمَاء الْأَفْعَال، وَأَسْمَاء الصِّفَات، فالتسمية مُشْتَمِلَة على أفضل كل مِنْهَا، وَقيل: كِلَاهُمَا من الصِّفَات الفعلية، وَقيل: من الصِّفَات الذاتية، وَقد أَشَارَ الله تَعَالَى إِلَى الرَّحْمَة الفعلية بقوله: ﴿وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة﴾ لِأَن الصّفة الذاتية لَا توهب، وَأحسن مَا يُقَال فِي جمع الوصفين فِي الْبَسْمَلَة أَن (فعلان) مُبَالغَة فِي كَثْرَة الشَّيْء، وَلَا يلْزم مِنْهُ الدَّوَام ك (غَضْبَان) ، و (فعيل) لدوام الْوَصْف ك (ظريف) فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْكثير الرَّحْمَة الدائمها، وَقَالَ بَعضهم: مدلولهما وَاسع الرَّحِيم: رَاحِم الْكل، أحَاط الصُّور والاسرار مراحمه، وَعم الألواح والأرواح مكارمه وَالْأول أَعم مدلولا صَدره لما صَار كَالْعلمِ لله الرَّجَاء: بِالْمدِّ: الطمع فِيمَا يُمكن حُصُوله، ويرادفه الأمل، وَيسْتَعْمل فِي الْإِيجَاب وَالنَّفْي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وترجون من الله مَا لَا يرجون﴾ و [الرجا] ، بِالْقصرِ: جَانب الْبشر قَالَ: (كم من حقير فِي رجا ... بِئْر لمنقطع الرجا) والرجاء بِمَعْنى الْخَوْف يسْتَعْمل فِي النَّفْي فَقَط نَحْو: ﴿مالكم لَا ترجون لله وقارا﴾ لكنه يرد ﴿وارجوا الْيَوْم الآخر﴾ والترجي: ارتقاب شَيْء لَا وثوق بحصوله وَالتَّمَنِّي: محبَّة حُصُول الشَّيْء سَوَاء كَانَ ينتظره ويترقب حُصُوله أَولا، (فيستوي فِي حيزه (إِن) و (لَو) والترجي فِي الْقَرِيب وَالتَّمَنِّي فِي الْبعيد وَالتَّمَنِّي فِي المعشوق للنَّفس والترجي فِي غَيره وَالْفرق بَين التَّمَنِّي وَالْعرض هُوَ الْفرق بَينه وَبَين الترجي وَالتَّمَنِّي نوع من الطّلب إِلَّا أَن الطّلب يكون بِاللِّسَانِ، وَالتَّمَنِّي شَيْء يهجس فِي الْقلب يقدره المتمني وَالتَّمَنِّي مُغَاير للقصد والتصديق، فَإِن الْقَصْد نوع من الْإِرَادَة، والتصديق نوع من الْعلم، بل الوجدان كَاف فِي الْفرق والتوقع أقوى من الطمع، والطمع ارتقاب

стр. 455

المحبوب والإشفاق ارتقاب الْمَكْرُوه، وَيسْتَعْمل فِي المتوقع فِيهِ (لَعَلَّ) ، وَفِي المطموع فِيهِ (عَسى) ، وَكِلَاهُمَا حرف الترجي، وَقد يرد مجَازًا لتوقع مَحْذُور، وَيُسمى الإشفاق، نَحْو ﴿لَعَلَّ السَّاعَة قريب﴾ وَقد يَقُول الراجي إِذا قوي رجاؤه: سأفعل كَذَا، وسيكون كَذَا، وَعَلِيهِ: ﴿سآتيكم مِنْهَا﴾ الرّوح، بِالضَّمِّ: هُوَ الرّيح المتردد فِي مُخَارق الْإِنْسَان ومنافذه، وَاسم للنَّفس لكَون النَّفس بعض الرّوح، فَهُوَ كتسمية النَّوْع باسم الْجِنْس، نَحْو تَسْمِيَة الْإِنْسَان بِالْحَيَوَانِ، وَاسم أَيْضا للجزء الَّذِي بِهِ تحصل الْحَيَاة، واستجلاب الْمَنَافِع واستدفاع المضار وَالروح الحيواني: جسم لطيف منبعه تجويف الْقلب الجسماني، وينتشر بِوَاسِطَة الْعُرُوق الضوارب إِلَى سَائِر أَجزَاء الْبدن وَالروح الإنساني: لَا يعلم كنهها إِلَّا الله تَعَالَى وَمذهب أهل السّنة أَن الرّوح وَالْعقل من الْأَعْيَان وليسا بعرضين (كَمَا ظنته الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وإنهما يقبلان الزِّيَادَة من الصِّفَات الْحَسَنَة والقبيحة كَمَا تقبل الْعين الناظرة غشاوة ورمدا وَالشَّمْس انكسافا؛ وَلِهَذَا وصف الرّوح بالأمارة بالسوء مرّة، وبالمطمئنة أُخْرَى) وَمُلَخَّص مَا قَالَه الْغَزالِيّ أَن الرّوح لَيْسَ بجسم يحل الْبدن حُلُول المَاء فِي الْإِنَاء، وَلَا هُوَ عرض يحل الْقلب والدماغ حُلُول الْعلم فِي الْعَالم، بل هُوَ جَوْهَر لِأَنَّهُ يعرف نَفسه وخالقه وَيدْرك المعقولات، وَهُوَ بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء جُزْء لَا يتَجَزَّأ وَشَيْء لَا يَنْقَسِم إِلَّا أَن لفظ الْجُزْء غير لَائِق بِهِ، لِأَن الْجُزْء إِضَافَة إِلَى الْكل وَلَا كل هَهُنَا، فَلَا جُزْء إِلَّا أَن يُرَاد بِهِ مَا يُرِيد الْقَائِل بقوله: الْوَاحِد جُزْء من الْعشْرَة، فَإِذا أخذت جَمِيع الموجودات أَو جَمِيع مَا بِهِ قوام الْإِنْسَان فِي كَونه إنْسَانا كَانَ الرّوح وَاحِدًا من جُمْلَتهَا، لَا هُوَ دَاخل وَلَا هُوَ خَارج وَلَا هُوَ مُنْفَصِل وَلَا هُوَ مُتَّصِل، بل هُوَ منزه عَن الْحُلُول فِي الْمحَال والاتصال بالأجسام والاختصاص بالجهات، مقدس عَن هَذِه الْعَوَارِض، وَلَيْسَ هَذَا تَشْبِيها وإثباتا لأخص وصف الله تَعَالَى فِي حق الرّوح، بل أخص وَصفه تَعَالَى أَنه قيوم أَي: قَائِم بِذَاتِهِ، وكل مَا سواهُ قَائِم بِهِ، فالقيومية لَيست إِلَّا لله تَعَالَى، وَمن قَالَ إِن الرّوح مَخْلُوق أَرَادَ أَنه حَادث وَلَيْسَ بقديم، وَمن قَالَ إِنَّه غير مَخْلُوق أَرَادَ أَنه غير مُقَدّر بكمية فَلَا يدْخل تَحت المساحة وَالتَّقْدِير ثمَّ اعْلَم أَن الرّوح هُوَ الْجَوْهَر الْعلوِي الَّذِي قيل فِي شَأْنه: ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ يَعْنِي أَنه مَوْجُود بِالْأَمر وَهُوَ الَّذِي يسْتَعْمل فِيمَا لَيْسَ لَهُ مَادَّة فَيكون وجوده زمانيا لَا بالخلق، وَهُوَ الَّذِي يسْتَعْمل فِي ماديات، فَيكون وجوده آنيا، فبالأمر تُوجد الْأَرْوَاح، وبالخلق تُوجد الْأَجْسَام المادية قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن آيَاته أَن تقوم السَّمَاء وَالْأَرْض بأَمْره﴾ وَقَالَ: ﴿وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم مسخرات بأَمْره﴾ والأرواح عندنَا أجسام لَطِيفَة غير مادية، خلافًا للفلاسفة، فَإِذا كَانَ الرّوح غير مادي كَانَ لطيفا نورانيا غير قَابل للانحلال، ساريا

стр. 456

فِي الْأَعْضَاء للطافته، وَكَانَ حَيا بِالذَّاتِ، لِأَنَّهُ عَالم قَادر على تَحْرِيك الْبدن، وَقد ألف الله بَين الرّوح وَالنَّفس الحيوانية، فالروح بِمَنْزِلَة الزَّوْج، وَالنَّفس الحيوانية كَالزَّوْجَةِ، وَجعل بَينهمَا تعاشقا، فَمَا دَامَ الرّوح فِي الْبدن كَانَ الْبدن بِسَبَبِهِ حَيا يقظان، وَإِن فَارقه لَا بِالْكُلِّيَّةِ، بل كَانَ تعلقه بَاقِيا بِبَقَاء النَّفس الحيوانية فِيهِ كَانَ الْبدن نَائِما، وَإِن فَارقه بِالْكُلِّيَّةِ بِأَن لم تبْق النَّفس الحيوانية فِيهِ فالبدن ميت، ثمَّ الْأَرْوَاح الْمَخْصُوصَة متحدة فِي الْمَاهِيّة لتصير أشخاص الْإِنْسَان مَاهِيَّة وَاحِدَة، ثمَّ هِيَ أَصْنَاف، بَعْضهَا فِي غَايَة الصفاء، وَبَعضهَا فِي غَايَة الكدورة، (وَهِي حَادِثَة أما عندنَا فَلِأَن كل مُمكن حَادث، لَكِن قبل حُدُوث النَّفس) لقَوْله ﵊: " خلق الله الْأَرْوَاح قبل الأجساد بألفي عَام " وَعند أرسطو: حَادِثَة مَعَ الْبدن، وَعند الْبَعْض: قديمَة لِأَن كل حَادث مَسْبُوق بمادة وَلَا مَادَّة لَهُ، وَهَذَا ضَعِيف. والأرواح لَا تفنى أما عِنْد الفلاسفة فَلِأَن المجردات لَو قبلت خلع صُورَة وَأخذ أُخْرَى كَانَت بَاقِيَة مَعَ الْأُخْرَى فَلَا تكون فانية، وَأَيْضًا لَو قبلت الفناء لوَجَبَ بَقَاء الْقَابِل مَعَ المقبول فنكون بَاقِيَة مَعَ الفناء هَذَا خلف وَالْحق أَن الْجَوْهَر الفائض عَن الله المشرف بالاختصاص بقوله: ﴿ونفخت فِيهِ من روحي﴾ (الَّذِي من شَأْنه أَن يحيا بِهِ مَا يتَّصل بِهِ) لَا يكون من شَأْنه أَن يفنى مَعَ إِمْكَان هَذَا، وَالْأَخْبَار الدَّالَّة على بَقَائِهِ بعد الْمَوْت وإعادته إِلَى الْبدن وخلوده دَالَّة على أبديته وَاتفقَ الْعُقَلَاء على أَن الْأَرْوَاح بعد الْمُفَارقَة عَن الْأَبدَان تنْتَقل إِلَى جسم آخر بِحَدِيث: " إِن أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فِي أَجْوَاف طير خضر " إِلَى آخِره لَكِن اخْتلفُوا هَل تكون مُدبرَة لذَلِك الْجِسْم أَو لَا؟ فَذهب عُلَمَاؤُنَا إِلَى صِحَة ذَلِك بِدَلِيل آخر الحَدِيث، وَقَالَت الْحُكَمَاء: لَا يَصح أَن تكون مُدبرَة لتِلْك الْأَبدَان، وَإِلَّا لَكَانَ تناسخا، وَهُوَ بَاطِل، وَوَافَقَ محققو الصُّوفِيَّة الْعلمَاء وَمنعُوا لُزُوم التناسخ، لِأَن لُزُومه على تَقْدِير عدم عودهَا إِلَى جسم نَفسهَا الَّذِي كَانَت فِيهِ، وَالْعود حَاصِل فِي النشأة الجنانية وَإِنَّمَا هَذَا التَّعَلُّق فِي النشأة البرزخية، وَإِنَّمَا سمي الرّوح روحا لكَونه فِي روح، أَي فِي نعيم وسرور وراحة لعلمه بربه ومشاهدته إِيَّاه، أَو لِأَنَّهُ رَاح فِي فسحات أفلاك معرفَة خالقه بِقُوَّة مَا، وَرَاح أَيْضا فِي معرفَة نَفسه بِمَا هُوَ فَقير إِلَى ربه وموجده، فَكَأَنَّهُ أَمر من (رَاح، يروح) فَلَمَّا نقل من الْأَمر إِلَى الِاسْم ردَّتْ الْوَاو كَمَا دخل عَلَيْهِ التَّعْرِيف فَإِن حذف الْوَاو إِنَّمَا كَانَ لالتقاء الساكنين فَكَأَنَّهُ إِذا طلب من جِهَة قيل: رَاح إِلَى جِهَة أُخْرَى وَالروح بِمَا بِهِ حَيَاة الْبدن نَحْو: ﴿ويسألونك عَن الرّوح﴾ وَالْأَمر نَحْو: ﴿وروح مِنْهُ﴾

стр. 457

وَالْوَحي نَحْو: ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ﴾ و ﴿يلقِي الرّوح من أمره﴾ وَالْقُرْآن نَحْو: ﴿أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وَالرَّحْمَة نَحْو: ﴿وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾ والحياة نَحْو: ﴿فَروح وَرَيْحَان﴾ وَجِبْرِيل ﵇ نَحْو: ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا﴾ وَملك عَظِيم نَحْو: ﴿يَوْم يقوم الرّوح﴾ وجنس من الْمَلَائِكَة نَحْو: ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح﴾ (وَجهه كوجه الْإِنْسَان، وَجَسَده كالملائكة) وَعِيسَى النَّبِي أَيْضا وَالروح الْكُلِّي فِي مرتبَة كَمَال الْقُوَّة النظرية والعملية يُسمى عقلا، وَفِي مرتبَة الانشراح بِنور الْإِسْلَام يُسمى صَدرا، وَفِي مرتبَة المراقبة والمحبة يُسمى قلبا، وَفِي مرتبَة الْمُشَاهدَة يُسمى سرا، وَفِي مرتبَة التجلي يُسمى روحا وَالروح مؤنث إِذا كَانَ بِمَعْنى النَّفس، ومذكر إِذا كَانَ بِمَعْنى المهجة الرَّحْمَة: هِيَ حَالَة وجدانية تعرض غَالِبا لمن بِهِ رقة الْقلب، وَتَكون مبدأ للانعطاف النفساني الَّذِي هُوَ مبدأ الْإِحْسَان، وَلما لم يَصح وَصفه تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ لكَونهَا من الكيفيات، وَهِي أَجنَاس تحتهَا أَنْوَاع، فإمَّا أَن يَتَّصِف الْبَارِي بِكُل مِنْهَا وَهُوَ محَال، أَو بِبَعْضِهَا الْمُخَصّص فَيلْزم الِاحْتِيَاج، أَو بمخصص فَيلْزم التَّرْجِيح، أَو لَا يَتَّصِف بِشَيْء وَهُوَ الْمَطْلُوب لَا جرم حمل على الْمجَاز وَهُوَ الإنعام على عباده، فرحمة الله مجَاز عَن نفس الإنعام، كَمَا أَن غَضَبه مجَاز عَن إِرَادَة الانتقام، وَأَنت خَبِير بِأَن الْمجَاز من عَلامَة صِحَّته النَّفْي عَنهُ فِي نفس الْأَمر، كَقَوْلِك للرجل الشجاع لَيْسَ بأسد، وَنفي الرَّحْمَة عَنهُ تَعَالَى لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَك أَن تحمله على الِاسْتِعَارَة التمثيلية وَالرَّحْمَة هِيَ أَن يُوصل إِلَيْك المسار والرأفة هِيَ أَن يدْفع عَنْك المضار والرأفة إِنَّمَا تكون بِاعْتِبَار إفَاضَة الكمالات والسعادات الَّتِي بهَا يسْتَحق الثَّوَاب، فالرحمة من بَاب التَّزْكِيَة، والرأفة من بَاب التَّخْلِيَة والرأفة مُبَالغَة فِي رَحْمَة مَخْصُوصَة هِيَ رفع الْمَكْرُوه وَإِزَالَة الضّر، فَذكر الرَّحْمَة بعْدهَا فِي الْقُرْآن مطردا لتَكون أَعم وأشمل، وَاسْتشْكل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو يَأْخُذهُمْ على تخوف فَإِن ربكُم لرؤوف رَحِيم﴾ تَأمل وَرَحْمَة الله عَامَّة وسعت كل شَيْء، وَصلَاته خَاصَّة بخواص عباده وَالرَّحْمَة: الْإِسْلَام نَحْو: ﴿يخْتَص برحمته من يَشَاء﴾ وَالْإِيمَان نَحْو: ﴿وآتاني رَحْمَة من عِنْده﴾ وَالْجنَّة نَحْو: (فَفِي رَحْمَة الله هم فِيهَا

стр. 458

خَالدُونَ﴾ والمطر نَحْو: ﴿بشرا بَين يَدي رَحمته﴾ وَالنعْمَة نَحْو: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ والنبوة نَحْو: ﴿أهم يقسمون رَحْمَة رَبك﴾ وَالْقُرْآن نَحْو: ﴿قل بِفضل الله وبرحمته﴾ والرزق نَحْو: ﴿خَزَائِن رَحْمَة رَبِّي﴾ والنصر وَالْفَتْح نَحْو: ﴿أَو أَرَادَ بكم رَحْمَة﴾ والعافية نَحْو: ﴿أَو أرادني برحمة﴾ والمودة نَحْو: ﴿رحماء بَينهم﴾ وَالسعَة نَحْو: ﴿تَخْفيف من ربكُم وَرَحْمَة﴾ وَالْمَغْفِرَة نَحْو: ﴿كتب على نَفسه الرَّحْمَة﴾ والعصمة نَحْو: ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم﴾ الرُّخْصَة: هِيَ لُغَة عبارَة عَن التَّوسعَة واليسر والسهو وَشَرِيعَة: اسْم لما يُغير من الْأَمر الْأَصْلِيّ لعَارض أَمر إِلَى يسر وَتَخْفِيف، كَصَلَاة السّفر ترفها وتوسعة على أَصْحَاب الْأَعْذَار، [لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا﴾ فَلَا يجوز تَخْصِيص هَذَا الْعَام بِمَا قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي ﵀ أَن الرُّخْصَة شرعت ترفها فَلَا يناط بالمعصية] ثمَّ الرُّخْصَة حَقِيقِيَّة ومجازية فالحقيقية على ضَرْبَيْنِ: مَا يظْهر التغاير فِي حكمه مَعَ بَقَاء وصف الْفِعْل وَهُوَ الْحُرْمَة أَي: يرْتَفع الحكم وَهُوَ الْمُؤَاخَذَة مَعَ بَقَاء الْفِعْل محرما كإجراء كلمة الْكفْر على اللِّسَان فِي حَالَة الْإِكْرَاه مَعَ اطمئنان الْقلب بِالْإِيمَان، وَإِتْلَاف مَال الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فِي حَالَة الْإِكْرَاه والمخصمة، وكإفطار صَوْم رَمَضَان بِالْإِكْرَاهِ يرخص لَهُ الْإِقْدَام فِي هَذِه الْمَوَاضِع مَعَ بَقَاء حُرْمَة الْفِعْل، حَتَّى لَو امْتنع وبذل نَفسه تَعْظِيمًا لنهي الله فَقتل أَو مَاتَ جوعا يُثَاب على ذَلِك بِبَقَاء الْوَصْف وصف الْفِعْل وَمَا يظْهر التَّغْيِير فِي الحكم وَفِي وصف الْفِعْل أَيْضا، وَهُوَ أَن لَا يبْقى الْفِعْل محرما كشرب الْخمر وَتَنَاول الْميتَة فِي حَال الْإِكْرَاه أَو المخمصة، فَفِي هَذَا النَّوْع ارْتَفَعت الْحُرْمَة والمؤاخذة جَمِيعًا حَتَّى لَو امْتنع فَقتل أَو مَاتَ جوعا يُؤَاخذ بِهِ وَأما الرُّخْصَة المجازية فكوضع الإصر والأغلال الَّتِي كَانَت مَشْرُوعَة على الْأُمَم السالفة والرخص لَا يُقَاس عَلَيْهَا، وَإِذا شاعت قد يُقَاس عَلَيْهَا كَمَا تقرر فِي الْأُصُول الرزق: هُوَ يُقَال للعطاء الْجَارِي دنيويا كَانَ أَو دينيا، وللنصيب، وَلما يصل إِلَى الْجوف ويتغذى بِهِ وَفِي " الْجَوْهَرِي ": هُوَ مَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يلْزمه أَن

стр. 459

يكون مَأْكُولا [وَفِي " التَّبْصِرَة ": يَقع عندنَا على الْغذَاء وَالْملك جَمِيعًا، وَفِي " الْكِفَايَة ": يَقع عندنَا على الْملك والمدد الَّذِي يصل إِلَى العَبْد بِوَاسِطَة، وَيدل على أَن الرزق لَا يخْتَص بالمتربي بِهِ أَنه مَأْمُور بِالْإِنْفَاقِ من الرزق، وَلَيْسَ كَذَلِك المتربي بِهِ والرزق] وَلَا يتَنَاوَل الْحَرَام عِنْد الْمُعْتَزلَة، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ فَإِن إِنْفَاق الْحَرَام بمعزل عَن إِيجَاب الْمَدْح وَتمسك أَصْحَابنَا بشمول الرزق للْحَلَال وَالْحرَام بِحَدِيث: " وَالله لقد رزقك الله حَلَالا طيبا فاخترت مَا حرم الله عَلَيْك من رزقه مَكَان مَا أحل لَك من حَلَاله، [وَاسْتِحْقَاق الْعقَاب على سَوَاء الِاخْتِيَار وَمُخَالفَة الْأَمر فِي الطّلب من وُجُوه الْحل بالأسباب الَّتِي جعلت فِي أَيدي الْعباد] وَبِأَنَّهُ لَو لم يكن رزقا لم يكن المتغذي بِهِ طول عمره مرزوقا وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ وَلما كَانَ فَائِدَة زَائِدَة لذكر الْحَلَال فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وكلوا مِمَّا رزقكم الله حَلَالا طيبا﴾ والرزق الْحَاصِل للعباد باختيارهم كحصوله بالتجارات وَقبُول الهبات وَالصَّدقَات والغصوب والسرقات وَغير ذَلِك، أَو بِغَيْر اختيارهم كحصوله بالأرث، فَهَذِهِ الْأَفْعَال كلهَا مخلوقة لله تَعَالَى، فَكَانَ الْحَاصِل بهَا أَيْضا مخلوقا لله تَعَالَى والرزاق لَا يُقَال إِلَّا لله تَعَالَى، والرزاق يُقَال لخالق الرزق ومعطيه والمسبب لَهُ، وَهُوَ الله تَعَالَى وَيُقَال للْإنْسَان الَّذِي يصير سَببا فِي وُصُول الرزق، رَازِق لَهُ [وَاعْلَم: المقدورات المختصة بالكليات محصورة فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء وَهِي: الْعُمر والرزق وَالْأَجَل والسعادة والشقاوة، لَيْسَ للْإنْسَان وَغَيره فِي ذَلِك قصد وَلَا عمل وَلَا سعي، بل ذَلِك نتيجة قَضَاء الله وَقدره بِمُوجب علمه السَّابِق الثَّابِت الحكم أزلا وأبدا، الْمُقْتَضِي تعلقه بالمعلوم، وَلِهَذَا نهى رَسُول الله ﷺ أم حَبِيبَة عَن الدُّعَاء فِيهِ، بِخِلَاف المقدورات المختصة بالجزئيات التفصيلية فَإِن حُصُول بَعْضهَا للْإنْسَان قد يتَوَقَّف على أَسبَاب وشروط، وَرُبمَا كَانَ الدُّعَاء وَالْكَسْب وَالسَّعْي والتعمل من جُمْلَتهَا، بِمَعْنى أَنه لم يقدر حُصُوله بِدُونِ ذَلِك الشَّرْط أَو الشُّرُوط، وَلِهَذَا بعد مَا نهاها حرضها على طلب الْإِجَارَة من عَذَاب الْقَبْر وَالنَّار ثمَّ الرزق وَالْأَجَل مخصصان من عُمُوم قَوْله تَعَالَى: ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت﴾ وَالْمرَاد بِالزِّيَادَةِ والحرمان فيهمَا لازمهما من الْخَيْر وَالْبركَة والراحة وَعدمهَا، فالكسب يزِيد المَال وَلَا يزِيد الرزق، وَترك الْكسْب ينقص المَال وَلَا ينقص الرزق، وَكَذَلِكَ الطَّاعَات تزيد الدَّرَجَات وَلَا تزيد الْإِيمَان، وَترك الطَّاعَات ينقص الدَّرَجَات وَلَا ينقص الْإِيمَان، وَيَقُول الْبَعْض: لَو لم أكتسب لما وجدت الرزق، وَبَعْضهمْ يَقُول: لَو تركت الْكسْب لوجدت مَا وجدت بالرزق، وَبَعْضهمْ يَقُول: هَذَا من الله وَمن كسبي، فَالْأول مشْعر بالاعتزال، وَلَا

стр. 460

يدل على الاتكال بِالْكَسْبِ، وَالثَّانِي مشْعر بالجبر وإنكار السَّبَب، وَالثَّالِث هُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ لم يُنكر السَّبَب وَلم يُنكر تَأْثِير الله تَعَالَى فِي الْأَسْبَاب، فَمن ترك الْكسْب فَلَيْسَ بمتوكل، وَمن اتكل بِالْكَسْبِ دون الله تَعَالَى فَلَيْسَ بموحد] الرُّؤْيَة: حَقِيقَة الرُّؤْيَة إِذا أضيفت إِلَى الْأَعْيَان كَانَت بالبصر، وَقد يُرَاد بهَا الْعلم مجَازًا بِالْقَرِينَةِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك﴾ وَقَوله ﵊: " صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته ". وَكَذَا يُرَاد بهَا الكينونة عِنْد الْإِضَافَة إِلَى مَكَان لتعارف النَّاس، وَمِنْه قَول الْأَعْمَى: (رَأينَا الْهلَال بِالْكُوفَةِ) والرؤية مَعَ الْإِحَاطَة تسمى إدراكا وَهِي المُرَاد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ حَيْثُ نفى مَا يتَبَادَر من الْإِدْرَاك من الْإِحَاطَة بالغايات والتحديد بالنهايات فَلَا تتوهم أَنه يرى لصورة أَو شكل مَخْصُوص، وَلَا يلْزم من النَّفْي على هَذَا الْوَجْه نفي الرُّؤْيَة عَنهُ تَعَالَى، والمدح فِي الشق الْأَخير، إِذْ من الموجودات مَا لَا يدْرك بالأبصار، والامتداح بِمَا وَقع بِهِ الِاشْتِرَاك بَينه وَبَين مَا لَيْسَ بممدوح محَال كَمَا إِذا قَالَ: (أَنا مَوْجُود وَذَات) . وَقَوله تَعَالَى لمُوسَى ﵇: ﴿لن تراني﴾ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا، إِذْ لم يسْأَل الرُّؤْيَة فِي غَيرهَا، وَالْمرَاد ب (لن) التَّأْكِيد لَا التَّأْبِيد، أَو التَّأْبِيد فِي حق السَّائِل. الدُّنْيَا. وَقَوله: ﴿تبت إِلَيْك﴾ أَرَادَ بِهِ أَن لَا يرجع إِلَى مثل تِلْكَ الْمَسْأَلَة، لما رأى من الْأَهْوَال، لَا لكَونه غير جَائِز فِي نَفسه، أَو حينما رأى تِلْكَ الْأَهْوَال تذكر لَهُ ذَنبا فأقلع عَنهُ بِالتَّوْبَةِ فِي " التَّمْهِيد ": من ظن أَن سيدنَا مُوسَى سَأَلَ الرُّؤْيَة من غير إِذن من الله ﵎ فقد سوى بَينه وَبَين المجازفين فِي أَقْوَالهم وأفعالهم، كَيفَ وَالظَّاهِر من أَحْوَال الْأَنْبِيَاء انْتِظَار الْوَحْي خُصُوصا فِي هَذَا السُّؤَال. قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور الماتريدي ﵀: إِنَّا لَا نثبت صِحَة رُؤْيَة الْبَارِي جلّ شَأْنه بالدلائل الْعَقْلِيَّة بل نتمسك بظواهر الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث، فَإِن أَرَادَ الْخصم تَأْوِيل هَذِه الدَّلَائِل صرفهَا عَن جواهرها بِوُجُوه عقلية يتَمَسَّك بهَا فِي نفي الرُّؤْيَة اعترضنا على دلائلهم وَبينا ضعفها ومنعناهم عَن تَأْوِيل هَذِه الدَّلَائِل، واستحال الإِمَام أَبُو مَنْصُور ﵀ رُؤْيَة الله تَعَالَى فِي الْمَنَام، وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَإِن جوزه بعض الْأَئِمَّة بِلَا مِثَال وَلَا كَيْفيَّة، وَأما الرُّؤْيَة فِي الْآخِرَة فقد ثَبت ذَلِك بالنصوص القطعية قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: إِن الْعين والحدقة يَوْم الْقِيَامَة لَا تبقى على هَذِه الطبيعة، بل تنحرف الْقُدْرَة إِلَى الْحِكْمَة وَبِالْعَكْسِ، وَالْقلب إِلَى الْعين وَبِالْعَكْسِ، وَيكون الْهَوَاء غير مَا عَلمته، والشعاع غير مَا فهمته والأكوان والألوان على غير مألوفك ومعهودك، فَلَمَّا كَانَ الْعين فِي الْآخِرَة بِمَنْزِلَة الْقلب فِي الدُّنْيَا، وَالْقلب فِيهَا يعلم وَيرى، وَالْبَصَر لَا يدْرك، إِذْ الْإِدْرَاك غير، والرؤية غير فَهُوَ سُبْحَانَهُ مرئي الْقلب معلومه، غير مدرك للبصرية، وَهَكَذَا فِي الْآخِرَة مرئي الْعين غير مدرك لَهَا، إِذا جلّ أمره عَن الْإِدْرَاك، بل الْإِدْرَاك يُؤذن بالاشتراك]
следующие страницы →