Полный текст (1 069 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
الْخَاص) ، وَإِثْبَات الْخَاص أحسن من إِثْبَات الْعَام، وَنفي الْوَاحِد يلْزم مِنْهُ نفي الْجِنْس الْبَتَّةَ، وَنفي الْجِنْس قد يكون صِيغَة نَحْو: (لَا رجل) بِالْفَتْح، وَقد يكون دلَالَة نَحْو: (مَا من رجل) وَقد يكون اسْتِعْمَالا نَحْو: (مَا فِي الدَّار ديار) وَهَذِه الثَّلَاثَة نُصُوص فِي نفي الْجِنْس لَا تحْتَمل غَيره
وَقد يكون إِرَادَة نَحْو: (مَا جَاءَنِي رجل)
وَنفي الْأَدْنَى يلْزم مِنْهُ نفي الْأَعْلَى
وَقد ينفى الشَّيْء مُقَيّدا وَالْمرَاد نَفْيه مُطلقًا مُبَالغَة فِي النَّفْي وتأكيدا لَهُ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿رفع السَّمَاوَات بِغَيْر عمد ترونها﴾ فَإِنَّهَا لَا عمد لَهَا أصلا ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق﴾ فَإِن قَتلهمْ لَا يكون إِلَّا بِغَيْر الْحق
وَقد ينفى الشَّيْء رَأْسا لعدم كَمَال وَصفه أَو انْتِفَاء ثَمَرَته كَقَوْلِه تَعَالَى فِي صفة أهل النَّار: ﴿لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ نفى عَنهُ الْمَوْت لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْت صَرِيح؛ وَنفى عَنهُ الْحَيَاة أَيْضا لِأَنَّهَا لَيست بحياة طيبَة وَلَا نافعة
[النّسَب] : كل مَا آخِره يَاء مُشَدّدَة فَإِنَّهَا عِنْد النّسَب لَا تبقى بل إِمَّا تحذف بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا فِي (كرْسِي) و (بخْتِي) و (شَافِعِيّ) و (قَرْني) ، أَو يحذف أحد حرفيها ويقلب الآخر واوا ك (دمية) و (تَحِيَّة) فَيُقَال: (دموي) و (تحوي) ، أَو يبْقى أَحدهمَا ويقلب الآخر ك (حَيّ) و (حيوي) وَقَالُوا فِي حنيفَة: (حَنَفِيّ) لأَنهم لما حذفوا هَاء حنيفَة حذفوا أَيْضا ياءها، وَلما لم يكن فِي (حنيف) هَاء تحذف فتحذف لَهَا الْيَاء صحت الْيَاء فَقَالُوا فِيهِ: حنيفي وَالنّسب الْحَقِيقِيّ: مَا كَانَ مؤثرا فِي الْمَعْنى
وَغير الْحَقِيقِيّ مَا تعلق بِاللَّفْظِ فَقَط ك (كرْسِي) إِذْ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْء يُقَال لَهُ كرس فينسب إِلَيْهِ
وينسب أهل الحرفة إِلَى فعال كالبقال
وَالنِّسْبَة إِلَى مَدِينَة النَّبِي ﵊ (مدنِي) وَإِلَى مَدِينَة الْمَنْصُور (مديني) وَإِلَى مَدِينَة كسْرَى (مدايني)
وَعَن أبي عبد الله البُخَارِيّ: أَن الْمَدِينِيّ بِالْيَاءِ هُوَ الَّذِي أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ وَلم يفارقها، وَالْمَدَنِي هُوَ الَّذِي تحول عَنْهَا وَفِي " شرح سلم ": " الْمدنِي كالمديني مَنْسُوب إِلَى مَدِينَة النَّبِي ﵇ "
وَالْإِنْسَان مدنِي، والطائر وَنَحْوه مديني وَمن ولد بِالْبَصْرَةِ وَنَشَأ بِالْكُوفَةِ وتوطن بهَا فَهُوَ بَصرِي عِنْد أبي حنيفَة فَإِنَّهُ يعْتَبر المولد، كُوفِي عِنْد أبي يُوسُف فَإِنَّهُ يعْتَبر المنشأ وَلَا يرَوْنَ النّسَب إِلَّا إِلَى وَاحِد الجموع كَمَا يُقَال فِي النّسَب إِلَى الْفَرَائِض (فَرضِي) اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يَجْعَل الْجمع اسْما علما للمنسوب إِلَيْهِ فيوقع حِينَئِذٍ إِلَى صيغته كَقَوْلِهِم فِي النّسَب إِلَى قَبيلَة هوَازن (هوازني) ، وَإِلَى مَدِينَة الأنبار (أنباري) ، وَإِلَى حَيّ كلاب (كلابي) ، وَإِلَى أبي بكر (بكري) ، وَكَذَا إِلَى بني بكر بن عبد منَاف وَبكر بن وَائِل، وَأما (بكراوي) فَهُوَ إِلَى بني أبي بكر بن كلاب
وَالنّسب إِذا كَانَ إِلَى أبي بكر الصّديق يُقَال: الْقرشِي التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ لِأَن الْقرشِي أَعم من أَن يكون هاشميا، والتيمي أَعم من أَن يكون من ولد أبي بكر وَإِن كَانَ إِلَى عمر الْفَارُوق يُقَال
стр. 877
الْقرشِي الْعَدوي الْعمريّ وَإِن كَانَ إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان يُقَال: الْقرشِي الْأمَوِي العثماني وَإِن كَانَ إِلَى عَليّ بن أبي طَالب يُقَال: الْقرشِي الْهَاشِمِي الْعلوِي (والمنسوب فِي قَوْلنَا: رجل بغدادي وبغداد بِلَا يَاء هُوَ الْمَنْسُوب إِلَيْهِ، فالرجل مَوْصُوف ببغدادي وَهُوَ صفة نسبى لَهُ) وَإِنَّمَا جَازَت النِّسْبَة إِلَى الْجمع بِصفتِهِ لِأَنَّهُ خرج عَن معنى الْجمع بِكَوْنِهِ اسْما وَإِلَّا فَالْأَصْل أَن يرد الْجمع إِلَى الصَّحِيح الْوَاحِد ثمَّ ينْسب إِلَيْهِ
وَإِذا نسبت إِلَى مُضَاف وَلم تخف اللّبْس فانسب إِلَى الأول ك (عَبدِي) فِي عبد قيس، وَإِن خفت مِنْهُ فانسب إِلَى الثَّانِي ك (المطلبي) فِي عبد الْمطلب، وَإِن شِئْت خُذ من الثَّانِي حرفين وَمن الأول حرفين ثمَّ انسب ك (عبدري) فِي عبد الدَّار و (عبشمي) فِي عبد شمس
وَإِذا نسبت إِلَى اسْم فِي آخِره تَاء التَّأْنِيث حذفتها ك (مكي) و (فاطمي)
وَإِذا نسبت إِلَى اسْم ثلاثي مكسور الْعين فتحت عينه ك (نمري) و (إبلي)
وَإِذا نسبت إِلَى اسْم على أَرْبَعَة أحرف ثَانِيه متحرك لم تغير الكسرة الْبَتَّةَ، وَإِذا كَانَ ثَانِيه سَاكِنا فالجيد بَقَاء الكسرة
وَإِذا نسبت إِلَى الِاسْم الْمَقْصُور فَإِن كَانَ أَلفه ثَالِثَة قلبتها واوا سَوَاء كَانَ من بَنَات الْوَاو أَو الْيَاء ك (عصوي) فِي عَصا، و (رحوي) فِي رحى، وَإِذا كَانَت رَابِعَة وَالثَّانِي سَاكن فَإِن كَانَ بَدَلا ك (ملهي) فالجيد إِقْرَارهَا وإبدالها وَإِن كَانَت الْألف رَابِعَة زَائِدَة للتأنيث نَحْو (حُبْلَى) و (دنيا) فالجيد حذفهَا لِأَنَّهَا كالتاء فِي الدّلَالَة على التَّأْنِيث فَتَقول: (حبلي) و (دنيي) وَمِنْهُم من شبهها بملهي فَتَقول: (حبلوي) و (دُنْيَوِيّ) وَمِنْهُم من شبههما بِالْألف الممدودة فَتَقول: (حبلاوي) و (دنياوي)
وَإِذا كَانَت خَامِسَة أَو سادسة وَجب حذفهَا أَصْلِيَّة كَانَت أَو زَائِدَة لِأَن إِثْبَاتهَا يفرط فِي طول الْبناء، فَتَقول فِي مصطفى (مصطفي) وَهُوَ الصَّوَاب [و (مصطفوي) لحن كشفعوي وقريشي بِحَذْف الْيَاء شَاذ، لِأَن مَا هُوَ على صِيغَة التصغير إِذا كَانَ مَعَ التَّاء تحذف ياؤه كَمَا فِي حنيفَة وَإِذا كَانَت بِلَا تَاء لَا يُغير كحسيني
واليائي المنقوص إِذا كَانَت رَابِعَة نَحْو قَاض إِذا سميت بِهِ عاملته مُعَاملَة تغلب
وَإِذا كَانَ الِاسْم على فعل سَاكن الْعين لامه يَاء أَو وَاو وَلَيْسَ فِي آخِره تَاء التَّأْنِيث ك (ظَبْي) و (دلو) فالنسبة إِلَيْهِ على لَفظه من غير تَغْيِير شَيْء بِلَا خلاف، وَلَا يلْحق الْألف وَالنُّون فِي النّسَب إِلَّا بأسماء محصورة زيدتا فِيهَا للْمُبَالَغَة ك (الرقباني) و (اللحياني) و (الجماني) و (الروحاني) و (الرباني) و (الصيدلاني) و (الصيدناني)
وتحذف التَّاء فِي نِسْبَة الْمُذكر إِلَى (الْمُؤَنَّث كَمَا فِي نِسْبَة) الرجل إِلَى بصرة كَيْلا تَجْتَمِع تاءان فِي نِسْبَة الْمُؤَنَّث، والحذف فِي نِسْبَة الْمُؤَنَّث إِلَى الْمُؤَنَّث بِالْأولَى
وَالنّسب يُغير الِاسْم تغييرات مِنْهَا أَنه يَنْقُلهُ من
стр. 878
التَّعْرِيف إِلَى التنكير، تَقول فِي تَمِيم: تميمي
وَمن الجمود إِلَى الِاشْتِقَاق وَإِلَّا لما جَازَ وصف الْمُؤَنَّث بِهِ ولحاق التَّاء، وَلما عمل الرّفْع فِيمَا بعده من ظَاهر أَو ضمير والنداء لما أثر فِيهَا التَّغْيِير بِالْبِنَاءِ جَازَ أَن يتَطَرَّق إِلَيْهِ تَغْيِير آخر بالترخيم لِأَن التَّغْيِير يأنس بالتغيير
وَكثر تَغْيِير الْأَعْلَام بِالنَّقْلِ لما عرف أَنه يأنس بالتغيير
وَلَا يجوز النِّسْبَة إِلَى اثْنَي عشر وَلَا إِلَى غَيره من الْعدَد الْمركب إِلَّا إِذا كَانَ علما فَحِينَئِذٍ ينْسب إِلَى صَدره، فَيُقَال فِي خَمْسَة عشر (خمسي) وَفِي بعلبك (بعلي) [النّسخ] : هُوَ فِي اللُّغَة النَّقْل والتحويل، وَمِنْه نسخ الْكتاب، فعلى هَذَا الْوَجْه كل الْقُرْآن مَنْسُوخ لِأَنَّهُ نسخ من اللَّوْح الْمَحْفُوظ
وَبِمَعْنى الرّفْع أَيْضا يُقَال: نسخت الشَّمْس الظل: إِذا ذهبت بِهِ وأبطلته، فعلى هَذَا يكون بعض الْقُرْآن نَاسِخا وَبَعضه مَنْسُوخا وَهُوَ المُرَاد من قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ وَالْمرَاد بالنسخ الْخطاب الْقَاطِع لحكم خطاب شَرْعِي سَابق على وَجه الْخطاب الْقَاطِع لاستمرار ذَلِك الحكم، وَلَيْسَ قطع الِاسْتِمْرَار رَاجعا إِلَى الْكَلَام الْقَدِيم الَّذِي هُوَ صفة الرب، لِاسْتِحَالَة عدم الْقَدِيم بل إِنَّمَا هُوَ عَائِد إِلَى قطع تعلقه بالمكلف وكف الْخطاب عَنهُ وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل] (وتناسخ الْمَوَارِيث: تَحْويل الْمِيرَاث من وَاحِد إِلَى وَاحِد)
وَفِي الشَّرِيعَة: هُوَ بَيَان انْتِهَاء الحكم الشَّرْعِيّ الَّذِي فِي تَقْدِير أوهامنا استمراره لولاه بطرِيق التَّرَاخِي
[والنسخ جَائِز وواقع عِنْد جَمِيع الْمُسلمين خلافًا لأبي مُسلم الْأَصْفَهَانِي فِي وُقُوعه فِي شريعتنا، كَذَا حَكَاهُ الإِمَام ﵀ عَنهُ فِي تَفْسِيره، وَخِلَافًا للْيَهُود فِي الْجَوَاز، وهم فِي ذَلِك فريقان: مِنْهُم من أنكر ذَلِك نقلا متمسكا بِأَنَّهُم وجدوا فِي التَّوْرَاة: تمسكوا بالسبت مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض، وَبِأَنَّهُ ثَبت بالتواتر عَن سيدنَا مُوسَى ﵊ قَالَ: لَا ينْسَخ شَرِيعَته وَمِنْهُم من أنكر ذَلِك عقلا محتجا بِأَن الْأَمر بالشَّيْء دَلِيل حسنه، وَالنَّهْي عَنهُ دَلِيل قبحه، فَالْقَوْل بِجَوَاز النّسخ يُؤَدِّي إِلَى البداء وَالْجهل بعواقب الْأُمُور، وَحجَّتنَا فِي ذَلِك من حَيْثُ السّمع أَن أحدا لَا يُنكر استحلال الْأَخَوَات فِي شَرِيعَة سيدنَا آدم ﵊ ثمَّ حرم ذَلِك فِي شَرِيعَة سيدنَا مُوسَى ﵊ وَجَوَاز الِاسْتِمْتَاع بِمن هُوَ بعض من الْمَرْء فَإِن حَوَّاء خلقت مِنْهُ وحلت لَهُ، وَالْيَوْم حرَام نِكَاح الْجُزْء كَنِكَاح الْبِنْت بِلَا خلاف بَيْننَا وَبينهمْ، وَجَوَاز سرقات الْحر فِي عهد سيدنَا يُوسُف ﵊ ثمَّ انتسخ بالِاتِّفَاقِ، وَكَذَلِكَ إِبَاحَة الْعَمَل فِي السبت قبل زمَان سيدنَا مُوسَى ﵊ وَالتَّحْرِيم فِي شَرِيعَته فَإِنَّهُم يوافقوننا فِي أَن حُرْمَة الْعَمَل فِي السبت من شَرِيعَة سيدنَا مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة
стр. 879
وَالسَّلَام]
وَاعْلَم أَن النّسخ إِنَّمَا يجْرِي فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الَّتِي لَهَا جَوَاز أَن لَا تكون مَشْرُوعَة دون الْأَحْكَام الْعَقْلِيَّة، كوجوب الْإِيمَان، وَحُرْمَة الْكفْر، وَمَا يُمكن مَعْرفَته بِمُجَرَّد الْعقل من غير دَلِيل السّمع
وَكَذَلِكَ مَا بَقِي من الْأَحْكَام بعد وَفَاة رَسُول الله لِأَن الانتساخ بِالْوَحْي، وَقد انْقَطع بعده
وَاخْتلفُوا فِي الحكم الَّذِي قرن بِهِ لفظ الْأَبَد؛ فَمن قَالَ: يحْتَمل النّسخ، مُرَاده أَن النَّاسِخ مَتى ورد ظهر أَنه أُرِيد بِلَفْظ الْأَبَد بعض مَا يتَنَاوَلهُ الْأَبَد فَأَما إِذا كَانَ الْأَبَد مرَادا عِنْد الله تَعَالَى فَلَا يجوز نسخه بِالْإِجْمَاع لكَونه بداء وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي الْإِخْبَار إِذا كَانَ فِي غير الْأَحْكَام كدخول الْمُؤمنِينَ الْجنَّة والكافرين النَّار، وأمثال ذَلِك قَالَ عَامَّة أهل الْأُصُول: لَا يحْتَمل النّسخ لما فِيهِ من الْخلف فِي الْخَبَر وَقيل فِي الْوَعْد كَذَلِك وَأما فِي الْوَعيد فَيجوز النّسخ، لِأَن الْخلف فِي الْوَعيد من بَاب الْكَرم، وَجَاز نسخ الْخَبَر الَّذِي يتَضَمَّن حكما لَا الْخَبَر الْمَحْض عَن الْمَاضِي وَنسخ آيَة النَّجْوَى هُوَ نسخ على الْحَقِيقَة وَنسخ التَّوَجُّه إِلَى بَيت الْمُقَدّس بِالْكَعْبَةِ، وَصَوْم عَاشُورَاء برمضان هُوَ النّسخ تجوزا وَأما كل أَمر ورد فَيجب امتثاله فِي وَقت مَا لعِلَّة تَقْتَضِي ذَلِك الحكم، ثمَّ تنْتَقل بانتقال تِلْكَ الْعلَّة إِلَى حكم آخر، فَهَذَا فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ نسخا، بل هُوَ من قبيل المنسى كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَو ننسها﴾ وَإِنَّمَا النّسخ الْإِزَالَة للْحكم حَتَّى لَا يجوز امتثاله [ثمَّ النّسخ بِمَعْنى الرّفْع والإزالة على وُجُوه: أَحدهَا أَن يثبت الْخط وينسخ الحكم مثل آيَة الْوَصِيَّة للأقارب، وَآيَة عدَّة الْوَفَاة، وَآيَة التَّخْفِيف فِي الْقِتَال، وَآيَة الممتحنة وَنَحْوهَا
وَمِنْهَا أَن ترفع تلاوتها وَيبقى حكمهَا مثل آيَة الرَّجْم
وَمِنْهَا: أَن ترفع أصلا كَمَا قيل إِن سُورَة الْأَحْزَاب كَانَت مثل سُورَة الْبَقَرَة فَرفع أَكْثَرهَا تِلَاوَة وَحكما
فآية الْوَصِيَّة نسخت بِالْمِيرَاثِ، وعدة الْوَفَاة نسخت من الْحول إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَعشر ومصابرة الْوَاحِد الْعشْرَة فِي الْقِتَال نسخت بمصابرة الِاثْنَيْنِ، وَآيَة امتحان النِّسَاء مِمَّا يرفع وَلَا يُقَام غَيره مقَامه]
والتخالف فِي جزئيات الْأَحْكَام بِسَبَب تفَاوت الْأَعْصَار فِي الْمصَالح من حَيْثُ إِن كل وَاحِد مِنْهَا حق بِالْإِضَافَة إِلَى زمانها مراعى فِيهِ صَلَاح من خُوطِبَ بهَا وَذَلِكَ انتساخ الشَّرِيعَة لَا انتساخ النُّبُوَّة وَالْأول لَا يسْتَلْزم الثَّانِي
والتغير والتفاوت من عوارض الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بِالْمَعْنَى الْقَائِم بِالذَّاتِ الْقَدِيم، فَلَا احتجاج بهما على حُدُوث الْقُرْآن [والنسخ لَا يجوز إِلَّا بِالْكتاب وَالسّنة، وَيجوز نسخ الْكتاب بِالْكتاب وَالسّنة بِالسنةِ إِذا كَانَت الثَّانِيَة مثل الأولى أَو فَوْقهَا فِي الْقُوَّة بِلَا خلاف بَين الْعلمَاء، وَيجوز نسخ السّنة بِالْكتاب وَنسخ الْكتاب بِالسنةِ المتواترة عندنَا وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور، وَيجوز نسخ الْكتاب وَالسّنة المتواترة بِخَبَر الْوَاحِد
стр. 880
فِي حَيَاة النَّبِي المكرم ﷺ فَإِن أهل قبَاء استداروا إِلَى الْكَعْبَة فِي خلال الصَّلَاة بِخَبَر ابْن سيدنَا عمر ﵄ عَنهُ بالتحويل، وَقد كَانُوا يصلونَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس بِنَاء على مَا ثَبت من الرَّسُول ﵊ وَلم يُنكر عَلَيْهِم]
وَفَائِدَة النّسخ إِمَّا على تَقْدِير كَون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة معللة بمصالح الْعباد واللطف بهم كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فَيجوز أَن تخْتَلف مصَالح الْأَوْقَات فتختلف الْأَحْكَام بحسبها كمعالجة الطَّبِيب
وَأما على مَا ذهب إِلَيْهِ المتكلمون من أَن الْأَحْكَام مستندة إِلَى مَحْض إِرَادَة الله من غير دَاع وباعث فَالْأَمْر هَين لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْحَاكِم (الْمُطلق الفعال لما يُرِيد) فَيجوز لَهُ أَن يضع حكما وَيرْفَع حكما لَا لغَرَض وَلَا باعث لَا سِيمَا إِذا كَانَ متضمنا لمصْلحَة وَحِكْمَة كَسَائِر أَفعاله المنزهة عَن الْأَغْرَاض والبواعث الْمُشْتَملَة على الحكم والمصالح الجمة، فَكَمَا لَا تنَافِي بَين الْأَمر الْمُقْتَضِي لوُجُود الْحَوَادِث فِي وَقت وَبَين الْأَمر الْمُقْتَضِي لفنائه فِي وَقت آخر كَذَلِك لَيْسَ بَين تَحْلِيل الشَّيْء فِي زمَان وتحريمه فِي زمَان آخر تناف أصلا وكما أَن مُدَّة بَقَاء كل حَادث وزمان فنائه معِين فِي علم الله تَعَالَى وَإِن كَانَ مَجْهُولا لنا، كَذَلِك مُدَّة بَقَاء كل حكم وزمان تغيره كَانَ مقررا معينا فِي علم الله تَعَالَى وَإِن كَانَ مَجْهُولا لأهل الْأَدْيَان السالفة إِلَى أَن (تمّ بِنَاء قصر النُّبُوَّة بِوُجُود خَاتم النَّبِيين) مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين فانغلق بعده بَاب النّسخ لما أَنه بعث لتتميم مَكَارِم الْأَخْلَاق [فَصَارَ جَامعا بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن على الْإِطْلَاق
(وَقد كَانَ شرع عِيسَى شرع مُوسَى وَلَا يخل ذَلِك بِكَوْنِهِ مُصدقا للتوراة كَمَا لَا يعود بنسخ الْقُرْآن بعضه بِبَعْض عَلَيْهِ تنَاقض وتكاذب فَإِن النّسخ فِي الْحَقِيقَة بَيَان وَتَخْصِيص فِي الْأَزْمَان)
النكرَة: هِيَ مَا لَا يدل إِلَّا على مَفْهُوم من غير دلَالَة على تَمْيِيزه وحضوره وَتَعْيِين ماهيته من بَين الماهيات وَإِن كَانَ تعقله لَا يَنْفَكّ عَن ذَلِك، لَكِن فرق بَين حُصُول الشَّيْء وملاحظته وَحُضُور الشَّيْء وَاعْتِبَار حُضُوره
وَهِي إِذا كَانَت فِي سِيَاق النَّفْي مَبْنِيَّة مَعَ (لَا) على الْفَتْح مثل: (لَا رجل فِي الدَّار) أَو مقترنة ب (من) ظَاهِرَة مثل: (مَا من رجل فِي الدَّار) أَو كَانَت من النكرات الْمَخْصُوصَة بِالنَّفْيِ ك (أحد) دلّت على الْعُمُوم نصا، وَفِي غير هَذِه الْمَوَاضِع تدل على الْعُمُوم ظَاهرا، وتحتمل نفي الْوحدَة احْتِمَالا مرجوحا لصِحَّة أَن يُقَال فِي نَحْو: (لَا فِي الدَّار رجل) بل رجلَانِ أَو رجال
والنكرة فِي الْإِثْبَات للبعضية إِلَّا إِذا وصفت بِصفة عَامَّة، فَحِينَئِذٍ تعم بِعُمُوم الصّفة كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾
وتحتمل الِاسْتِغْرَاق احْتِمَالا مرجوحا إِلَّا فِي
стр. 881
الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة آنِفا
والنكرة فِي سِيَاق النَّفْي تعم عِنْد الشَّافِعِي، حَتَّى ذهب إِلَى أَن الْفَاسِق لَا يَلِي عقد النِّكَاح بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤمنا كمن كَانَ فَاسِقًا لَا يستوون﴾ وَعِنْدنَا لَا تعم، لِأَن الاسْتوَاء الْمَنْفِيّ هُوَ الِاشْتِرَاك من بعض الْوُجُوه
والعموم فِي النكرَة الَّتِي كَانَت فِي سِيَاق الشَّرْط نَحْو: (من يأتني بِمَال فأجازيه) بدلي
وَقد يكون شموليا نَحْو ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره﴾ فَإِنَّهُ شَامِل لكل فَرد فَرد
والنكرة إِذا كَانَت خَاصّا فَإِن وَقعت فِي الْإِنْشَاء فَهِيَ مُطلق تدل على نفس الْحَقِيقَة من غير تعرض لأمر زَائِد وَإِن وَقعت فِي الْإِخْبَار مثل: (رَأَيْت رجلا) فَهِيَ لإِثْبَات وَاحِد مُبْهَم من ذَلِك الْجِنْس غير مَعْلُوم التعين عِنْد السَّامع
والنكرة تعم الْأَفْرَاد بِوَصْف عَام هُوَ شَرط فِي عمومها، وَلَا تعم عددا محصورا من الْأَفْرَاد كالجنس إِذا عَم يتَنَاوَل جَمِيع الْأَفْرَاد، إِذْ لَيْسَ بعض أَفْرَاده أولى بِالْعرْفِ من بعض، وَلَا تعم الْأَعْدَاد لِأَن كل جنس من حَيْثُ إِنَّه جنس فَرد وَاحِد بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَائِر الْأَجْنَاس، وَاسم الْفَرد يحْتَمل الْكل لِأَنَّهُ فَرد حكما، وَيحْتَمل الْأَدْنَى لِأَنَّهُ فَرد حَقِيقَة، وَلَا يحْتَمل مَا بَينهمَا لِأَنَّهُ عدد، وَاسم الْفَرد لَا يحْتَمل الْعدَد
والنكرة فِي الشَّرْط تعم، لِأَن معنى التنكير لَا يتَحَقَّق إِلَّا بالتعميم
وَفِي الْجَزَاء تخص، كَمَا تعم فِي النَّفْي، وتخص فِي الْإِثْبَات
وَعُمُوم النكرَة مَعَ الْإِثْبَات فِي الْمُبْتَدَأ كثير، وَفِي الْفَاعِل قَلِيل نَحْو: ﴿علمت نفس مَا قدمت﴾ بِخِلَاف مَا فِي حيّز النَّفْي، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُبْتَدَأ أَو الْفَاعِل وَغَيرهمَا
والنكرة الْمَوْضُوعَة لفرد من الْجِنْس يسْتَعْمل تثنيتها وَجَمعهَا، وَهِي على أصل وَضعهَا والنكرة الْمَوْضُوعَة لنَفس الْجِنْس لَا تثنى وَلَا تجمع مُطلقًا والنكرة يجوز اسْتِعْمَالهَا فِي الْمَحْدُود وَغَيره
والمبهم يجوز إِطْلَاقه على الْمَحْدُود فَقَط
والنكرة إِذا أُعِيدَت معرفَة كَانَت الثَّانِيَة عين الأولى لدلَالَة الْعَهْد وَإِذا أُعِيدَت نكرَة كَانَت الثَّانِيَة غير الأولى غَالِبا، لِأَن النكرَة تتَنَاوَل وَاحِدًا غير عين، فَلَو انْصَرف إِلَى الأولى تعيّنت من وَجه فَلَا تكون نكرَة
والمعرفة إِذا أُعِيدَت معرفَة كَانَت الثَّانِيَة عين الأولى لدلَالَة الْعَهْد أَيْضا، وَلذَلِك قَالَ ابْن عَبَّاس: " لن يغلب عسر يسرين " وَقد نظمت فِيهِ
(وَلَو أَن عرفانا تكَرر أمره ... كفرد خلاف النكر قَاعِدَة الْأَب)
(فعسران عسر لَيْسَ يسران هَكَذَا ... فَكُن قَائِلا بالحكم فِيهِ لمن غلب)
وَإِذا أُعِيدَت نكرَة كَانَت الثَّانِيَة غير الأولى، لِأَن فِي صرف الثَّانِيَة إِلَى الأولى نوع تعين، فَلَا تكون نكرَة على الْإِطْلَاق
وَفِي " الإتقان ": لَا يُطلق القَوْل حِينَئِذٍ بل يتَوَقَّف على الْقَرَائِن، فَتَارَة تقوم قرينَة على التغاير، وَتارَة
стр. 882
على الِاتِّحَاد وَقَالَ بَعضهم: هَذَا الأَصْل عِنْد الْإِطْلَاق، وخلو الْمقَام عَن الْقَرَائِن، وَإِلَّا فقد تُعَاد النكرَة نكرَة مَعَ الْمُغَايرَة، وَقد تُعَاد الْمعرفَة معرفَة مَعَ الْمُغَايرَة أَيْضا، وَقد تُعَاد الْمعرفَة نكرَة مَعَ عدم الْمُغَايرَة
[قَالَ الإِمَام فَخر الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى فِي جعل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا﴾ من هَذَا الْقَبِيل نظر عِنْدِي، وَوَجهه أَن هَذَا اللَّفْظ لَا يحْتَمل هَذَا الْمَعْنى كَمَا لَا يحْتَمل قَول الْقَائِل: (إِن مَعَ الْفَارِس رمحا إِن مَعَ الْفَارِس رمحا) أَن يكون مَعَه رمحان، بل هَذَا من بَاب التوكيد انْتهى
فَكَأَن ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود ﵄ قصدا باليسرين مَا فِي قَوْله تَعَالَى (يسرا) من معنى التفخيم فتأولوا يسر الدَّاريْنِ وَذَلِكَ يسران فِي الْحَقِيقَة فَظهر من هَذَا أَن الْحمل على الغيرية والعينية فِي الْمُعَرّف وَالْمُنكر لَا مُطلقًا بل عِنْد عدم الْمَانِع، وَلِهَذَا قُلْنَا إِن الْكتاب الثَّانِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب﴾ غير الأول وَإِن أُعِيد مُعَرفا، وَكَذَا الْملك الثَّانِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء﴾ غير الأول، ثمَّ هَذَا الأَصْل لَا يخْتَص بالتعريف اللامي بل يجْرِي فِي غَيره أَيْضا قَالَ مُحَمَّد ﵀ فِي " الْجَامِع الصَّغِير ": لَو قَالَ: (سدس مَالِي لفُلَان) ثمَّ قَالَ فِي ذَلِك الْمجْلس أَو فِي مجْلِس آخر (سدس مَالِي لفُلَان) يَعْنِي الأول فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا سدس وَاحِد، إِذْ السُّدس أُعِيد مُعَرفا، لِأَن الْإِضَافَة من أَسبَاب التَّعْرِيف، وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁: إِذا أقرّ الرجل بمئة دِرْهَم فِي مجْلِس وَأشْهد عَدْلَيْنِ ثمَّ آخَرين فِي مجْلِس آخر على إِقْرَاره بمئة أَو أَكثر أَو أقل فَإِنَّهُ يجب المالان جَمِيعًا إِذا ادّعى الطَّالِب ذَلِك]
والنكرات بَعْضهَا أنكر من بعض كالمعارف، فَأنْكر النكرات شَيْء، ثمَّ متحيز، ثمَّ جسم، ثمَّ نَام، ثمَّ حَيَوَان، ثمَّ ماش، ثمَّ ذُو رجلَيْنِ، ثمَّ إِنْسَان، ثمَّ رجل وَالضَّابِط أَن النكرَة إِذا دخل غَيرهَا تحتهَا وَلم تدخل هِيَ تَحت غَيرهَا فَهِيَ أنكر النكرات، وَإِن دخلت تَحت غَيرهَا وَدخل غَيرهَا تحتهَا فَهِيَ بِالْإِضَافَة إِلَى مَا يدْخل تحتهَا أَعم، وبالإضافة إِلَى مَا تدخل تَحْتَهُ غَيرهَا أخص وَقد نظمت فِيهِ:
(إِذا رَأَيْت فَردا يلوذ مثل فَرد ... ويلتجي إِلَيْهِ فَذَاك من حذَارِي)
(فَكُن كَمَا أَقُول عَلَيْك بِالتَّأَمُّلِ ... وَأعرف المعارف بضده شعاري)
وتعريف النكرَة إِمَّا بِالْإِضَافَة كبني آدم وَبني تَمِيم، أَو بِاللَّامِ كالرجال وَالنِّسَاء، أَو بِالْإِشَارَةِ كهذه وَهَذَا، أَو بِنسَب الْغَائِب ك (فُلَانَة بنت فلَان) ، أَو صفته ك (الْمَرْأَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا أَو تفعل كَذَا) [وَالْقَوْل بِعُمُوم النكرَة عِنْد اتصافها بِالصّفةِ الْعَامَّة غير مطرد بل ذَلِك إِنَّمَا هُوَ فِي مَوضِع الْإِبَاحَة كالاستثناء من النَّفْي مثلا فِي مَوضِع التحريض كَمَسْأَلَة (أَي) ، وَأما فِي مَوضِع الْجَزَاء كَقَوْلِه
стр. 883
تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ وَالْخَبَر كَقَوْلِك: (جَاءَنِي رجل كُوفِي) فَلَا]
النَّفس: هِيَ ذَات الشَّيْء وَحَقِيقَته، وَبِهَذَا تطلق على الله تَعَالَى، [قَالَ السَّيِّد الشريف عَلَيْهِ الرَّحْمَة: اسْتِعْمَال النَّفس بِمَعْنى الذَّات غير مَشْهُور] (وَعين الشَّيْء أَيْضا) جَاءَنِي بِنَفسِهِ
وَالروح: وَخرجت نَفسه [أَي روحه]
وَالدَّم: مَا لَا نفس لَهُ سَائِلَة لَا ينجس المَاء [أَي مَا لَا دم لَهُ]
والعند: ﴿تعلم مَا فِي نَفسِي﴾ [أَي مَا فِي عِنْدِي] ﴿وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك﴾ [أَي مَا عنْدك]
(وَالْعَظَمَة والهمة والعزة والأنفة والغيب والإرادة والعقوبة قيل: وَمِنْه) ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ [قيل عُقُوبَته]
وَتطلق على الْجِسْم الصنوبري، لِأَنَّهُ مَحل الرّوح عِنْد أَكثر الْمُتَكَلِّمين، أَو معلقَة عِنْد الفلاسفة
وَالْمَاء لفرط الْحَاجة إِلَيْهِ
والرأي لانبعاثه عَنْهَا
وَالنَّفس، بِالتَّحْرِيكِ: وَاحِد الأنفاس، وَالسعَة، والفسحة فِي الْأَمر، والجرعة، وَالرِّيح، والطويل من الْكَلَام، وَمعنى " لَا تسبوا الرّيح فَإِنَّهَا من نفس الرَّحْمَن ": أَنَّهَا تفرج الكرب، وتنشر الْغَيْث، وَتذهب الجدب
وَالنَّفس الحيوانية: هِيَ البخار اللَّطِيف الَّذِي يكون من ألطف أَجزَاء الأغذية وَيكون سَببا للحس وَالْحَرَكَة وقواما للحياة؛ وَهَذَا البخار عِنْد الْأَطِبَّاء يُسمى بِالروحِ
وَمِنْهُم من قَالَ: أَجزَاء هَذَا الْبدن على قسمَيْنِ: بَعْضهَا أَجزَاء أَصْلِيَّة بَاقِيَة من أول الْعُمر إِلَى آخِره من غير أَن يتَطَرَّق إِلَيْهَا شَيْء من التغيرات والانحلال وَالزِّيَادَة وَالنُّقْصَان
وَبَعضهَا أَجزَاء عارضية تَبَعِيَّة، تَارَة تزداد، وَتارَة تنقص، فَالنَّفْس وَالشَّيْء الَّذِي يُشِير إِلَيْهِ كل أحد بقوله: (أَنا) هُوَ الْقسم الأول وَهَذَا القَوْل اخْتِيَار الْمُحَقِّقين من الْمُتَكَلِّمين وَبِهَذَا القَوْل يظْهر الْجَواب عَن أَكثر شُبُهَات منكري الْبَعْث والنشور
وَالْحق أَن النَّفس الحيوانية الَّتِي هِيَ حَقِيقَة الرّوح شَيْء اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَلم يطلع عَلَيْهَا أحدا من خلقه وَهَذَا قَول الْجُنَيْد وَغَيره [وَلكنه يشكل بقوله تَعَالَى: ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم﴾ ]
وَأما قَول الخائضين فِيهَا من الْمُتَكَلِّمين فَهِيَ أَنَّهَا جسم لطيف مشتبك بِالْبدنِ كاشتباك المَاء بِالْعودِ الْأَخْضَر، قَالَ النَّوَوِيّ: إِنَّه الْأَصَح عِنْد أَصْحَابنَا
وَنقل عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ: " الرّوح فِي الْجَسَد كالمعنى فِي اللَّفْظ "
وَعند بعض الْمُتَكَلِّمين بِمَنْزِلَة الْعرض فِي الْجَوْهَر
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّهَا لَيست بجسم، بل هِيَ عرض، وَهِي الْحَيَاة الَّتِي صَار الْبدن حَيا بوجودها فِيهِ
وَقَالَت الفلاسفة وَكثير من الصُّوفِيَّة والحليمي
стр. 884
وَالْغَزالِيّ والراغب: لَيست الرّوح جسما وَلَا عرضا وَإِنَّمَا هِيَ مُجَرّد عَن الْمَادَّة، قَائِم بِنَفسِهِ، غير متحيز، مُتَعَلق بِالْبدنِ للتدبير والتحريك وَفِي " الْمطَالع ": وَالْبدن صورته ومظهره ومظهر كمالاته، وَقواهُ فِي عَالم الشَّهَادَة لَا دَاخل فِيهِ وَلَا خَارج عَنهُ؛ وَالْقَوْل فِي سريانه فِي الْبدن كسريان الْوُجُود الْمُطلق الْحق فِي جَمِيع الموجودات من مخترعات الحشوية، وَقد اتخذ بعض جهال المتصوفة هَذَا الْبَاطِل مذهبا كَذَا فِي " التَّعْدِيل "
[إِلَّا أَن يؤول بِأَن ذَوَات الْأَشْيَاء مرْآة وَمظَاهر لتجليات عين ذَات الْوُجُود، وَأما مَا عَلَيْهِ جُمْهُور الصَّحَابَة ﵃ وَالتَّابِعِينَ فَهُوَ] أَن الرّوح جَوْهَر قَائِم بِنَفسِهِ، مُغَاير لما يحس من الْبدن، يبْقى بعد الْمَوْت دراكا؛ (وَعَلِيهِ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ) ، وَبِه نطقت الْآيَات وَالسّنَن
قَالَ ابْن لُقْمَان: وَالَّذِي يرجح ويغرب هُوَ أَن الْإِنْسَان لَهُ نفسان: نفس حيوانية، وَنَفس روحانية، فَالنَّفْس الحيوانية لَا تُفَارِقهُ إِلَّا بِالْمَوْتِ وَالنَّفس الروحانية الَّتِي هِيَ من أَمر الله (فِيمَا يفهم وَيعْقل، فَيتَوَجَّه لَهَا الْخطاب و) هِيَ الَّتِي تفارق الْإِنْسَان عِنْد النّوم، وإليها الْإِشَارَة بقوله تَعَالَى: ﴿يتوفى الْأَنْفس حِين مَوتهَا وَالَّتِي لم تمت فِي منامها﴾ ثمَّ إِنَّه تَعَالَى إِذا أَرَادَ الْحَيَاة للنائم رد عَلَيْهِ روحه فَاسْتَيْقَظَ، وَإِذا قضى عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ أمسك عَنهُ روحه فَيَمُوت وَهُوَ معنى قَوْله: ﴿فَيمسك الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسل الْأُخْرَى إِلَى أجل مُسَمّى﴾
وَأما النَّفس الحيوانية فَلَا تفارق الْإِنْسَان بِالنَّوْمِ، وَلِهَذَا يَتَحَرَّك النَّائِم، وَإِذا مَاتَ فَارقه جَمِيع ذَلِك
وَعَن ابْن عَبَّاس: إِن فِي ابْن آدم نفسا وروحا نسبتهما إِلَيْهِ، بَينهمَا مثل شُعَاع الشَّمْس، فَالنَّفْس الَّتِي بهَا الْعقل والتمييز، وَالروح الَّتِي بهَا النَّفس والحياة فيتوفيان عِنْد الْمَوْت، ويتوفى النَّفس وَحدهَا عِنْد النّوم وَقد نظمت فِيهِ:
(كفى النَّفس موت عِنْد نوم حياتنا ... مَعَ الرّوح تبقى آخر الْعُمر فِي الهنا)
(وَكم موتَة للنَّفس وَالنَّفس حَيَّة ... حَيَاة لَهَا موت إِذا رحت من هُنَا)
وَاخْتلف فِي قدم النُّفُوس الإنسانية وحدوثها، قَالَ أفلاطون وَقوم من الأقدمين: إِنَّهَا قديمَة، وَقَالَ أرسطو وَأَتْبَاعه: إِنَّهَا حَادِثَة، وَإِنَّهَا متحدة بِالْحَقِيقَةِ عِنْد أرسطو، ومختلفة بِالْحَقِيقَةِ على مَا زعم قوم من الأقدمين وَأَبُو البركات الْبَغْدَادِيّ وَقوم من الْمُتَأَخِّرين
وَلَيْسَ فِي القَوْل بتجرد النُّفُوس الناطقة مَا يُنَافِي شَيْئا من قَوَاعِد الْإِسْلَام، والنفوس البشرية متناهية عندنَا، ولوجودها مُبْتَدأ، لِأَن غير المتناهي إِمَّا
стр. 885
مَوْجُود دفْعَة مُرَتبا، سَوَاء كَانَ عقلا كالعلل والمعلولات، أَو وضعا كالأعداد الْمَوْجُودَة الْمرتبَة، وَإِمَّا مَوْجُود دفْعَة لَكِن غير مُرَتّب فَالْأول محَال، وَكَذَا الثَّانِي عِنْد الْمُتَكَلِّمين، لكنه مُمكن عِنْد الْحُكَمَاء حَتَّى أوردوا فِي نَظِيره النُّفُوس الناطقة، فَإِنَّهَا عِنْدهم [وَعند الْحُكَمَاء] غير متناهية، بِنَاء على أَن الْإِنْسَان لَا بداية لخلقه، بَاقِيَة بعد الْمُفَارقَة، فَيكون كل زمَان جملَة غير متناهية من النُّفُوس، مَوْجُودَة لَكِن لَا ترَتّب فِيهَا، وَلنَا الْبُرْهَان التطبيقي، فَإِنَّهُ يدل على تناهيها، لِأَنَّهَا أَفْرَاد مرتبَة الْوُجُود دفْعَة، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا مرتبَة، لِأَن الْأَزْمِنَة مرتبَة كَالْيَوْمِ، وأمس، وَأول من أمس إِلَى غير النِّهَايَة وَفِي كل يَوْم قد وجدت جملَة متناهية كمائة أَو ألف وَنَحْوهمَا وكل مَا وجد لم يعد، فيبرهن على أعداد الْجمل الْمرتبَة بالتطبيقي، ثمَّ كل جملَة مركبة من أَفْرَاد متناهية فَالْكل متناه، فيتمشى الْبُرْهَان الْمَزْبُور (وَإِمَّا أَنَّهَا مَوْجُودَة لَا دفْعَة، بل بِمَعْنى) أَن كل متناهية تُوجد، فَإِنَّهَا لَا تقف على حد مَا، بل يُوجد بعْدهَا أَفْرَاد أخر كأزمنة بَقَاء الْأَشْيَاء الأبدية، فَغير المتناهي بِهَذَا الْمَعْنى وَاقع اتِّفَاقًا [وأوضح مِنْهُ أَن كل أَفْرَاد وجدت فِي الْخَارِج فَهِيَ متناهية إِذْ يصدق عَلَيْهَا الْآحَاد المجتمعة كالعدد مفعول عَلَيْهَا ثمَّ إِذا زَاد عَلَيْهَا فَرد أَو نقص يُقَال: عدد الأول زَائِد على عدد هَذَا بِوَاحِد، وَعدد ذَلِك نَاقص فَكل عدد معِين لَهُ طرفان: أَحدهمَا وَاحِد لَيْسَ دونه وَاحِد وَالْآخر وَاحِد لَيْسَ فَوْقه وَاحِد من ذَلِك الْعدَد، فَإِذا كَانَ لَهُ طرفان فَهُوَ متناه لكَونه محصورا بَين حاضرين فَكل أَفْرَاد فِي الْخَارِج متناهية]
وَذهب جمع من أهل النّظر إِلَى ثُبُوت النَّفس المدركة للكليات للحيوانات متمسكا بقوله تَعَالَى: ﴿وَالطير صافات كل قد علم صلَاته وتسبيحه﴾ وحكاية الله تَعَالَى عَن الهدهد والنمل وَبِمَا يُشَاهد مِنْهَا من الْأَفْعَال الغريبة، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافق لما ذهب إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ من أَن إِدْرَاكهَا علم وَالْمُخْتَار عِنْد الْمُتَأَخِّرين وَالْجُمْهُور على أَنه نوع من الإدراكات ممتاز عَن الْعلم بالماهية، وَهُوَ الْمُنَاسب للْعُرْف واللغة
وَعند الفلاسفة: لَيْسَ للحيوان النَّفس الناطقة أَي: المدركة
[وَفِي " شرح الإشارات ": الْقُوَّة المدركة وَهِي الخيال أَو الْوَهم فِي الْحَيَوَان أَو الْعقل العملي لتوسطهما فِي الْإِنْسَان وَفِي " الملخص ": الْعقل العملي يُطلق بالاشتراك على الْقُوَّة المميزة بَين الْأُمُور الْحَسَنَة والقبيحة وعَلى الْمُقدمَات الَّتِي تستنبط مِنْهَا الْأُمُور الْحَسَنَة والقبيحة وعَلى تِلْكَ
стр. 886
الْأُمُور]
النَّبِي: فِي الأَصْل صفة، مَرْوِيّ بِالتَّخْفِيفِ فِي السَّبع، وَلِهَذَا دخله اللَّام، وَهُوَ بِغَيْر همزَة من النُّبُوَّة كالرحمة وَهِي الرّفْعَة وَالْحق أَنه مَهْمُوز اللَّام من النبأ، وَهُوَ خبر ذُو فَائِدَة عَظِيمَة يحصل بِهِ علم أَو غَلَبَة ظن، وَحقه أَن يتعرى عَن الْكَذِب
قَالَ الرَّاغِب: وَلَا يُقَال للْخَبَر (فِي الأَصْل) نبأ حَتَّى يتَضَمَّن هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَحَدِيث النَّهْي عَن المهموز مَنْسُوخ لزوَال سَببه، وَإِنَّمَا جمع على أَنْبيَاء وصحيح اللَّام يجمع على (فعلاء) كظرفاء، لِأَنَّهُ للُزُوم التَّخْفِيف صَار مثل المعتل ك (أصفياء) وَلَا يصغر، لِأَن تَصْغِير الْأَسْمَاء المعظمة مُمْتَنع شرعا
وَأما مُسَمَّاهُ فِي الْعرف: فَهُوَ حر، ذكر، من بني آدم، سليم من منفر، مَعْصُوم وَلَو من صَغِيرَة سَهوا قبل النُّبُوَّة وَعَن كل رذيلة، أكمل معاصريه غير الرُّسُل، اصطفاه الله من بَين عباده، وَخَصه بِهِ بمشيئته موهبة مِنْهُ وَرَحْمَة، وَأوحى إِلَيْهِ بشرع، سَوَاء أمره بتبليغه أم لَا وَلَو أَمر بِمَعْرِِفَة وجود الْخَالِق وتعظيمه وَدُعَاء النَّاس إِلَى تَوْحِيد الله وتنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بالألوهية، وَبلغ الْأَحْكَام إِلَيْهِم فَرَسُول، سَوَاء كَانَ لَهُ كتاب أَو نسخ لبَعض شرع من قبله أم لَا فالرسول أخص مُطلقًا من النَّبِي، وَلَا يُطلق على غير الْآدَمِيّ كالملك وَالْجِنّ إِلَّا مُقَيّدا وَمِنْه ﴿جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا﴾ على أَن معنى الْإِرْسَال فِيهَا لَيْسَ إيحاء مَا يتعبد بِهِ هُوَ وَأمته كَمَا فِي الرَّسُول من الْبشر، بل مُجَرّد الْإِرْسَال للْغَيْر بِمَا يوصله إِلَيْهِ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم﴾ فَمن بَاب ذكر الْكل وَإِرَادَة الْبَعْض لَا من قبيل ﴿نسيا حوتهما﴾ ، و ﴿يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ والمرجان﴾ (وَقَوله ﵊ لعَائِشَة: " لَو مت قبلي لغسلتك وكفنتك " فَإِن كل ذَلِك بِاعْتِبَار ضرب شركَة من الآخر، وَالنِّسْبَة كَمَا تستقيم بِالْمُبَاشرَةِ تستقيم بالتسبيب والإعانة، وَلِهَذَا صَحَّ التَّعْلِيق ب (إِذا ولدتما ولدا) ، أَو (إِذا حضتما حَيْضَة) لِإِمْكَان الْمُبَاشرَة من أَحدهمَا والإعانة من الآخر كَمَا هُوَ الْمُتَعَارف بَينهم فِيمَا إِذا أضيف فعل إِلَى شَخْصَيْنِ واستحال وجوده مِنْهُمَا أَن يَجْعَل الْإِضَافَة إِلَيْهِمَا إِضَافَة إِلَى أَحدهمَا مجَازًا
ثمَّ الْمَعْرُوف فِي الشَّرْع إِطْلَاق الرَّسُول وَالنَّبِيّ على كل من أرسل إِلَى الْخلق وجدت أَحْكَامه بِالْفِعْلِ أَو لم تُوجد، مَعَ أَن انتساخ بعض جزئيات شريعتهم لَا يَسْتَدْعِي كَون رسالتهم مَنْسُوخَة، لِأَنَّهَا لَيست بِمُجَرَّد تِلْكَ الْأَحْكَام وَقد وجد التَّصْرِيح ببقائها من الْأَئِمَّة الْكِبَار وَصرح فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قبله كتاب مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَة﴾
стр. 887
بِكَوْنِهِ نعْمَة بِاعْتِبَار أَحْكَامه المؤيدة الْبَاقِيَة بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم.
قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ: مُحَمَّد رَسُول الله الْآن، وَإِلَّا لما صَحَّ إِيمَان من أسلم بِهِ وآمن وَلذَلِك نقُول فِي الْأَذَان: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله.
وَلَا نقُول كَانَ رَسُول الله. كَذَلِك الحكم فِي سَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈. وَقد قَالُوا إِن لنفوس الكُمَّل بركَة تسري فِي أبدانهم وقواهم، فَيحصل لَهَا ضرب من الْبَقَاء، فَلَا تنْحَل صُورَة أبدانهم وَإِن فَارَقْتهمْ أَرْوَاحهم، بل تبقى إِلَى زمَان انتشاء النشأة الأخروية.
وكرامة النُّبُوَّة إِمَّا تفضل من الله تَعَالَى على من يَشَاء وَالْكل فِيهِ سَوَاء، وَإِمَّا إفَاضَة حق على المستعدِّين لَهَا بالمواظبة على الطَّاعَة والتحلي بالإخلاص. وَالْفرق بَينهم بالتفضيل والبعثة بالشريعة غير مَنْهِيّ عَنهُ، وَإِنَّمَا الْمنْهِي عَنهُ الْفرق بالتصديق.
وَقد جرت سنة الله فِي مجاري أَفعاله بِأَنَّهُ مَا لم يتوسط بَين المتباينين بِالْحَقِيقَةِ ذُو حظين من الطَّرفَيْنِ لم يتأت التَّأْثِير والتاثر بَينهمَا جدا. وَلِهَذَا لم يستنبئ ملكا: ﴿وَلَو أنزلنَا ملكا لقضي الْأَمر﴾ .
والمختلف فِي نبوتهم نَيف وَعِشْرُونَ: لُقْمَان، وَذُو القرنين، وَالْخضر، وَذُو الكفل، وسام، وطالوت، وعزيز، وتُبَّع، وكالب، وخَالِد بن سِنَان، وحَنْظَلَة بن صَفْوَان، والأسباط وهم أحد عشر، وحواء، وَمَرْيَم، وَأم مُوسَى، وَسَارة، وَهَاجَر، وآسية.
وَلم يشْتَهر عَن مُجْتَهد غير الشَّيْخ أبي الْحسن
الْأَشْعَرِيّ القَوْل بنبوة امْرَأَة، وَالْوَاحد لَا يخرق الْإِجْمَاع، وَالدَّلِيل على أَنه تَعَالَى لم يستنبئ امْرَأَة: ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا﴾ . لَا يُقَال سلب الْأَخَص لَا يسْتَلْزم سلب الْأَعَمّ، لأَنا نقُول: جعل الْآيَة مُسْتَندا لهَذَا الْإِجْمَاع فِيمَا هُوَ الْمجمع عَلَيْهِ فِي كَون كَلَام الْمَلَائِكَة: ﴿يَا مَرْيَم إِن الله اصطفاك﴾ إِلَى آخِره، غير معْجزَة لِمَرْيَم. فَإِنَّهُ إِذا انْتَفَى كَونه معْجزَة لانْتِفَاء التحدي مَعَ الرسَالَة، وَهِي بِهِ أمسُّ وَأَحْرَى، فَلِأَن يَنْتَفِي لانتفائه مَعَ النُّبُوَّة أوْلى.
وَالأَصَح أَن لَا جزم فِي عدد الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم.
النَّعْت فِي اللُّغَة: عبارَة عَن الْحِلْية الظَّاهِرَة الدَّاخِلَة فِي مَاهِيَّة الشَّيْء وَمَا شاكلها كالأنف والأصابع والطول وَالْقصر وَنَحْو ذَلِك.
وَالصّفة: عبارَة عَن الْعَوَارِض كالقيام وَالْقعُود وَنَحْو ذَلِك.
قَالَ بَعضهم: مَا يُوصف بِهِ الْأَشْيَاء على اخْتِلَاف أَنْوَاعهَا وأجناسها يُسمى نعتاً ووصفاً.
وَقيل: النَّعْت يسْتَعْمل فِيمَا يتَغَيَّر من الْجَسَد. وَالصّفة تَشْمَل الْمُتَغَيّر وَغير الْمُتَغَيّر.
وَقَالَ قوم مِنْهُم ثَعْلَب: النَّعْت مَا كَانَ خَاصّا كالأعور والأعرج فَإِنَّهُمَا يخصان موضعا من الْجَسَد.
وَالصّفة مَا كَانَت عامّاً كالعظيم والكريم. وَعند هَؤُلَاءِ يُوصف الله تَعَالَى وَلَا ينعَت.
والمتكلمون يطلقون النَّعْت فِي صِفَات الله وَلَا
стр. 888
يطلقون الْحَال لغَرَض الْإِشْعَار بِثُبُوت صِفَاته أزلاً وأبداً، وَكَرَاهَة الْإِشْعَار بالحلول. وَقد يعبرون عَن الْحَال بالنعت، وَعَن الْكَمَال وَالْأَفْعَال بِالصّفةِ.
والنحاة يُرِيدُونَ بِالصّفةِ النَّعْت، وَهُوَ اسْم الْفَاعِل، أَو الْمَفْعُول، أَو مَا يرجع إِلَيْهِمَا من طَرِيق الْمَعْنى ك (مثل) و (شبه) .
والنعت مَعَ المنعوت شَيْء وَاحِد مثل: (وَالله الرَّحْمَن) بِلَا حرف عطف (بَينهمَا، فَكَانَت يَمِينا وَاحِدًا) .
[وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين من خصوا نعوت الْجلَال بِالصِّفَاتِ السلبية وَسموا الثبوتية بِصِفَات الْإِكْرَام ونعوت الْجمال. وَعند حجَّة الْإِسْلَام: نعوت الْجلَال تَشْمَل الثبوتية والسلبية، وَإِذا نسبت إِلَى البصيرة المدركة لَهَا سميت جمالاً] .
والنعت الْمُؤَكّد يُؤَيّد بعض مَفْهُوم المنعوت ك (أمس الدابر) و (الكاشف كُله) وَلَا فرق بَينهمَا عِنْد الْبَصرِيين.
والنعت يُؤْخَذ عَن الْفِعْل نَحْو: قَائِم. وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيه بعض النَّحْوِيين اسْم الْفَاعِل، وَيكون لَهُ رُتْبَة زَائِدَة على الْفِعْل. أَلا ترى أَنا نقُول: ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ وَلَا نقُول آدم ﵇ عَاص وغاوٍ لِأَن النعوت لَازِمَة، وآدَم وَإِن كَانَ عصى فِي شَيْء فَإِنَّهُ لم يكن شَأْنه الْعِصْيَان فيسمى بِهِ.
ونعت الْمعرفَة إِذا تقدم عَلَيْهَا أعرب بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعَامِل.
النَّقْل: هُوَ أَعم من الْحِكَايَة لِأَن الْحِكَايَة نقل كلمة من مَوضِع إِلَى مَوضِع آخر بِلَا تَغْيِير صِيغَة وَلَا
تَبْدِيل حَرَكَة.
وَالنَّقْل: نقل كلمة من مَوضِع إِلَى مَوضِع آخر أَعم من أَن يكون فِي تَغْيِير صفة وتبديلها أم لَا.
وَالنَّقْل اللَّفْظِيّ: هُوَ أَن يكون فِي تركيب صور ثمَّ ينْتَقل إِلَى تركيب آخر.
والمعنوي: نقل بعض المركبات إِلَى العلمية.
وكل حرف من الْحُرُوف الناصبة تدخل على الْفِعْل فَلَا تعْمل فِيهِ إِلَّا بعد أَن تنقله نقلتين. ف (إِن) تنقله إِلَى المصدرية والاستقبال، و (كي) تنقله إِلَى الِاسْتِقْبَال وَالْغَرَض، و (لن) تنقله إِلَى الِاسْتِقْبَال وَالنَّفْي، و (إِذن) تنقله إِلَى الِاسْتِقْبَال وَالْجَزَاء.
وَفِي النَّقْل لم يبْق الْمَعْنى الَّذِي وَضعه الْوَاضِع مرعياً.
وَفِي التَّغْيِير يكون بَاقِيا لكنه زيد عَلَيْهِ شَيْء آخر.
وَالنَّقْل بِالْهَمْزَةِ كُله سَمَاعي. وَقيل: قياسي فِي الْقَاصِر وَفِي الْمُتَعَدِّي إِلَى وَاحِد. وَالْحق أَنه قياسي فِي الْقَاصِر، سَمَاعي فِي غَيره. وَهُوَ ظَاهر قَول سِيبَوَيْهٍ.
النِّيَّة، لُغَة: انبعاث الْقلب نَحْو مَا يرَاهُ مُوَافقا لغَرَض من جلب نفع وَدفع ضرّ حَالا ومآلا.
فِي " الْقَامُوس ": نوى الشَّيْء ينويه نِيَّة، وتخفف: قَصده. وَهَذَا تَخْفيف غير قياسي، إِذْ لَا يَجِيء (نِيَّة) على (عِدَة) قِيَاسا.
وَشرعا: هِيَ الْإِرَادَة المتوجهة نَحْو الفعَل ابْتِغَاء لوجه الله وامتثالاً لحكمه.
وَفِي " التَّلْوِيح ": قصد الطَّاعَة والتقرب إِلَى الله تَعَالَى فِي إِيجَاد الْفِعْل.
стр. 889
[وَقيل: هِيَ الْعلم السَّابِق بِالْعَمَلِ اللَّاحِق] .
وَالنِّيَّة فِي التروك لَا يتَقرَّب بهَا إِلَّا إِذا صَار كفا. وَهُوَ فعل، وَهُوَ الْمُكَلف بِهِ فِي النَّهْي، لَا التّرْك بِمَعْنى الْعَدَم لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلا تَحت الْقُدْرَة للْعَبد.
وَنِيَّة الْعِبَادَة: هِيَ التذلل والخضوع على أبلغ الْوُجُوه.
وَنِيَّة الطَّاعَة: هِيَ فعل مَا أَرَادَ الله تَعَالَى مِنْهُ.
وَنِيَّة الْقرْبَة: هِيَ طلب الثَّوَاب بالمشقة فِي فعلهَا أَو يَنْوِي أَنه يَفْعَلهَا مصلحَة لَهُ فِي دينه بِأَن يكون أقرب إِلَى مَا وَجب عقلا من الْفِعْل وَأَدَاء الْأَمَانَة، وَأبْعد عَمَّا حرم عَلَيْهِ من الظُّلم وكفران النِّعْمَة.
وَالنِّيَّة للتمييز فَلَا تصح إِلَّا فِي ملفوظ مُحْتَمل كعامّ يحْتَمل الْخُصُوص، أَو مُجمل، أَو مُشْتَرك يحْتَمل وُجُوهًا من المُرَاد ليُفِيد فائدتها.
وَالنِّيَّة فِي الْأَقْوَال لَا تعْمل إِلَّا فِي الملفوظ. وَلِهَذَا لَو نوى الطَّلَاق أَو الْعتاق وَلم يتَلَفَّظ بِهِ لَا يَقع، وَلَو تلفظ بِهِ وَلم يقْصد وَقع، لِأَن الْأَلْفَاظ فِي الشَّرْع تنوب مناب الْمعَانِي الْمَوْضُوعَة هِيَ لَهَا. (وَالنِّيَّة مَعَ اللَّفْظ أفضل) .
النَّهْي، لُغَة: الزّجر عَن الشَّيْء بِالْفِعْلِ أَو بالْقَوْل ك (اجْتنب) ، وَشرعا (لَا تفعل) استعلاء. وَعند النَّحْوِيين صِيغَة (لَا تفعل) حثاً كَانَ على الشَّيْء أَو زجرا عَنهُ.
وَفِي نظر أهل الْبُرْهَان يَقْتَضِي الزّجر عَن الشَّيْء سَوَاء كَانَ بِصِيغَة (افْعَل) أَو (لَا تفعل) لِأَن نظر أهل الْبُرْهَان إِلَى جَانب الْمَعْنى، وَنظر النَّحْوِيين إِلَى جَانب اللَّفْظ.
وَاخْتلف فِي أَن الْمَقْصُود بِالنَّهْي هَل هُوَ عدم الْفِعْل
أم لَا، فَذهب جمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين إِلَى الأول، فَإِن عدم الْفِعْل مَقْدُور للْعَبد بِاعْتِبَار استمراره إِذْ لَهُ أَن يفعل فيزول اسْتِمْرَار عَدمه، وَله أَن لَا يفعل فيستمر عَدمه. وَذهب جمَاعَة أُخْرَى إِلَى الثَّانِي لِأَن عَدمه مُسْتَمر فِي الْأَزَل إِلَى الْأَبَد، فَلَا يكون مَقْدُورًا للْعَبد عَبَثا، بل الْمَطْلُوب بِهِ هُوَ كف النَّفس عَن الْفِعْل.
وَالنَّهْي يَقْتَضِي المشروعية دون النَّفْي، فَإِن الْمنْهِي عَنهُ يجب أَن يكون مُتَصَوّر الْوُجُود شرعا، وَمَا لَيْسَ بمشروع لَا يتَصَوَّر وجودا شرعا.
[وَاعْلَم أَن مُقْتَضى النَّهْي قبح الْمنْهِي عَنهُ كَمَا أَن مُقْتَضى الْأَمر حسن الْمَأْمُور بِهِ، لِأَن الْحَكِيم لَا يُنْهِي عَن شَيْء إِلَّا لقبحه، كَمَا أَنه لَا يَأْمر بِشَيْء إِلَّا لحسنه، فالمنهي عَنهُ فِي صفة الْقبْح يَنْقَسِم انقسام الْمَأْمُور بِهِ إِلَى الْحسن لعَينه وَإِلَى الْحسن لغيره، كَذَلِك يَنْقَسِم الْمنْهِي عَنهُ إِلَى الْقَبِيح لعَينه وَأَنه نَوْعَانِ: وَصفا أَي عقلا وَشرعا وَإِلَى الْقَبِيح لغيره، وَأَنه نَوْعَانِ أَيْضا وَصفا ومجازاً تَحْقِيقا للمقابلة، فَمَا قبح لِمَعْنى فِي عينه وَصفا كالكفر وَالْكذب وَالظُّلم واللواط، وَمَا قبح لعَينه شرعا لعدم الْمَحَلِّيَّة أَو الْأَهْلِيَّة كَبيع الْحر وَالْمَاء فِي أصلاب الْآبَاء وأرحام الْأُمَّهَات. وَمَا قبح لغيره يَنْقَسِم إِلَى قسمَيْنِ: أَحدهمَا مَا جاوره الْمَعْنى الْمُوجب للقبح بطرِيق الِاجْتِمَاع بِحَيْثُ يتَصَوَّر انفكاكه فِي الْجُمْلَة لَا أَن يكون دَاخِلا فِي حَقِيقَته وَلَا وَصفا لَازِما كَوَطْء الرجل زَوجته حَالَة الْحيض وكالبيع وَقت النداء، وكالصلاة فِي الأَرْض الْمَغْصُوبَة إِذْ فِي كل ذَلِك يتَصَوَّر الانفكاك عَن الْمنْهِي عَنهُ. وَالثَّانِي مَا اتَّصل
стр. 890
بِهِ الْمَعْنى الْمُوجب للقبح بِحَيْثُ صَار وَصفا لَهُ لَا يتَصَوَّر انفكاكه عَنهُ مِثَاله من الْمُعَامَلَات بيع الرِّبَا، وَمن الْعِبَادَات صَوْم يَوْم الْعِيد] .
وَالنَّهْي للتَّحْرِيم نَحْو: ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس﴾ .
والكراهية نَحْو: ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث﴾ .
والتحقير نَحْو: ﴿وَلَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ﴾ .
وَبَيَان الْعَاقِبَة نَحْو: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ .
واليأس نَحْو: ﴿لَا تعتذروا الْيَوْم﴾ .
والإرشاد نَحْو: ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ .
وَالْكَرَاهَة: لدرء مفْسدَة دينية.
والإرشاد: لدرء مفْسدَة دنيوية.
وَالدُّعَاء نَحْو: ﴿لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ .
والتقليل نَحْو: ﴿وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ﴾ أَي فَهُوَ قَلِيل.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلَا يكن فِي صدرك حرج﴾ من بَاب التشجيع.
والإخبار فِي معنى النَّهْي أبلغ من صَرِيح النَّهْي كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلَا يضار كَاتب وَلَا شَهِيد﴾ لما فِيهِ من إِيهَام أَن الْمنْهِي مسارع إِلَى الِانْتِهَاء وَكَذَا الْإِخْبَار فِي معنى الْأَمر كَقَوْلِك: (تذْهب إِلَى فلَان تَقول كَذَا كَذَا) . تُرِيدُ الْأَمر.
وَقَوْلهمْ: ﴿ناهيك بِهِ﴾ من النَّهْي. وَهُوَ صِيغَة مدح مَعَ تَأْكِيد طلب، كَأَنَّهُ ينهاك عَن طلب دَلِيل سواهُ.
يُقَال: (زيد ناهيك من رجل) أَي هُوَ ينهاك بجده وغنائه عَن تطلب غَيره. وَدخُول الْبَاء بِالنّظرِ إِلَى حَال الْمَعْنى كَأَنَّهُ قيل: اكتف بتسويته.
وناهيك مِنْهُ: أَي حَسبك وكافيك. كِلَاهُمَا مستعملان.
النّظر: هُوَ عباة عَن تقليب الحدقة نَحْو المرئي التماساً لرُؤْيَته. وَلما كَانَت الرُّؤْيَة من تَوَابِع النّظر ولوازمه غَالِبا أجري لفظ النّظر على الرُّؤْيَة على سَبِيل إِطْلَاق اسْم السَّبَب على الْمُسَبّب.
وَالنَّظَر: تَرْتِيب أُمُور مَعْلُومَة على وَجه يُؤَدِّي إِلَى استعلام مَا لَيْسَ بِمَعْلُوم.
فَقيل: النّظر عبارَة عَن حَرَكَة الْقلب لطلب علم عَن علم.
[وَاخْتلف فِي أَن الْعلم الْحَاصِل عقيب النّظر بِأَيّ طَرِيق هُوَ؟ فَقَالَت الْمُعْتَزلَة: ذَلِك بطرِيق التوليد وَهُوَ أَن يُوجب وجود شَيْء وجود شَيْء آخر كحركة الْمِفْتَاح بحركة الْيَد. ذكر صَاحب " التَّنْقِيح: فِي بَيَان مَذْهَب الْمُعْتَزلَة أَن الْعقل يُولد الْعلم بالنتيجة عقيب النّظر الصَّحِيح. وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ عَلَيْهِ الرَّحْمَة فِي " التَّلْوِيح ": وَقد يُقَال: إِن النّظر الصَّحِيح هُوَ الَّذِي يُولد النتيجة. وَذهب الْحُكَمَاء إِلَى أَن المبدأ الَّذِي تستند إِلَيْهِ الْحَوَادِث فِي عالمنا
стр. 891
هَذَا وَهُوَ الْعقل الفعال المنقش بصور الكائنات مُوجب تَامّ الْفَيْض يفِيض على نفوسنا بِقدر الاستعداد وَالنَّظَر بعد الذِّهْن بفيضان الْعلم عَلَيْهِ من ذَلِك المبدأ. والنتيجة تفيض عَلَيْهِ وجوبا أَي لُزُوما عقلياً لتَمام الْقَابِل مَعَ دوَام الْفَاعِل. وَمَا اخْتَارَهُ الإِمَام الرَّازِيّ ﵀ هُوَ أَن الْعلم الْحَاصِل عقيب النّظر وَاجِب أَي لَازم حُصُوله عَقِيبه عقلا لَا بطرِيق التوليد وَلَا بطرِيق الإعداد وَالْإِضَافَة من المبدأ الْمُوجب، وَذكر الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام عَلَيْهِ الرَّحْمَة أَنه الْمَذْهَب عِنْد أَكثر أَصْحَابنَا والتوليد مَذْهَب بَعضهم. وَهَذَا إِنَّمَا يَصح إِذا جوّز استناد بعض الْحَوَادِث إِلَيْهِ تَعَالَى بِوَاسِطَة بِأَن يكون لبَعض آثاره مدْخل فِي بعض بِحَيْثُ يمْتَنع تخلفه عَنهُ عقلا فَيكون بَعْضهَا متولداً عَن الْبَعْض وَإِن كَانَ الْكل وَاقعا مِنْهُ تَعَالَى كَمَا نقُول فِي أَفعَال الْعباد الصادرة عَنْهُم بقدرتهم وجود بعض الْأَفْعَال عَن بعض لَا يُنَافِي قدرَة الْقَادِر الْمُخْتَار على ذَلِك الْفِعْل، إِذْ يُمكنهُ أَن يَفْعَله بإيجاد مَا يُوجِبهُ ويتركه بألا يُوجد ذَلِك الْمُوجب لَكِن لَا يكون تَأْثِير الْقُدْرَة فِيهِ ابْتِدَاء كَمَا هُوَ مَذْهَب الْأَشْعَرِيّ فَإِن عِنْده جَمِيع الممكنات مستندة إِلَى قدرَة الله تَعَالَى واختياره ابْتِدَاء بِلَا علاقَة بِوَجْه بَين الْحَوَادِث المتعاقبة إِلَّا بإجراء الْعَادة بِخلق بَعْضهَا عقيب بعض كالإحراق عقيب مماسة النَّار، والري بعد شرب المَاء من غير أَن يكون لَهما مدْخل فِي وجودهما. وَكَذَا الْحَال فِي سَائِر الْأَفْعَال، فَإِن تكَرر مِنْهُ إيجاده عَقِيبه سمي ذَلِك
عَادَة، وَإِن لم يتَكَرَّر سمي خارقاً للْعَادَة. وَلَا شكّ أَن الْعلم الْحَاصِل عقيب النّظر أَمر مُمكن متكرر فَتكون مستندة إِلَيْهِ بطرِيق الْعَادة فَحِينَئِذٍ يُقَال: النّظر صادر بإيجاد الله وَمُوجب للْعلم بالمنظور فِيهِ إِيجَابا عقلياً بِحَيْثُ يَسْتَحِيل أَن يَنْفَكّ عَنهُ] .
وَالنَّظَر بِمَعْنى الْبَحْث وَهُوَ أَعم من الْقيَاس.
وَنظر لَهُ: رَحمَه.
وَإِلَيْهِ: رَآهُ.
وَعَلِيهِ: غضب.
وَنَظره: انتظره. وَمِنْه: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ . أَو قابله وَمِنْه: دَاري ناظرة إِلَى دَارك: أَي مُقَابلَة.
وَنظر فِيهِ: تفكَّر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ .
وَخص بِالتَّأَمُّلِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفلا ينظرُونَ إِلَى الْإِبِل كَيفَ خلقت﴾ .
وَقد يُوصل النّظر ب (إِلَى) وَلَا يُرَاد بِهِ الإبصار بِالْعينِ كَمَا فِي قَوْله:
(وَيَومٍ بذِي قَارٍ رَأيْتَ وُجُوهَهُمْ ... إلىَ المَوْتِ مِنْ وَقْعِ السُّيوفِ نَوَاظِر)
إِذْ الْمَوْت لَا يتَصَوَّر أَن يكون مرئياً بِالْعينِ إِلَّا أَن يحمل على أَنه أَرَادَ بِالْمَوْتِ الْكر والفر والطعن وَالضَّرْب، أَو أَرَادَ بِهِ أهل الْحَرْب الَّذين يجْرِي الْقَتْل وَالْمَوْت على أَيْديهم [فَقيل: لَا يمْتَنع حمل النّظر الْمُطلق على الرُّؤْيَة بطرِيق الْحَذف والإيصال إِنَّمَا الْمُمْتَنع حمل الْمَوْصُول بإلى على غَيرهَا] .
стр. 892
وَاسْتِعْمَال النّظر فِي الْبَصَر أَكثر عِنْد الْعَامَّة، وَفِي البصيرة أَكثر عِنْد الْخَاصَّة.
وَالنَّظَر عَام، والشيم بِالْكَسْرِ خَاص للبرق.
(والنظير أخص من الْمثل. وَكَذَا الند فَإِنَّهُ يُقَال لما يُشَارِكهُ فِي الْجَوْهَر فَقَط. كَذَا الشّبَه والمساوي والشكل.
وأعم الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة للمشابهة الْمثل.
وَلَا يمْتَنع حمل النّظر الْمُطلق، أَعنِي عَن الصِّلَة على الرُّؤْيَة بطرِيق الْحَذف والإيصال، إِنَّمَا الْمُمْتَنع حمل الْمَوْصُول ب (إِلَى) على غَيرهَا كَمَا قيل) .
والإنظار: تَمْكِين الشَّخْص من النّظر.
النصب، بِالضَّمِّ: الشَّرّ وَالْبَلَاء وَالْمَشَقَّة يُقَال: نصبني هَذَا الْأَمر، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿بِنصب وَعَذَاب﴾ .
ونصبت الشَّيْء نصبا: أقمته ورفعته.
والنَّصب، بِالْفَتْح فِي الْإِعْرَاب كالفتح فِي الْبناء اصْطِلَاح نحوي.
وَهَذَا نُصْب عَيْني: بِالضَّمِّ وَالْفَتْح، أَو الْفَتْح لحن.
والنَّصب بِالْفَتْح يُقَال أَيْضا لمَذْهَب هُوَ بغض عَليّ ابْن أبي طَالب، وَهُوَ طرف النقيض من الرَّفْض، وَيُقَال لَهُم: الطَّائِفَة النواصب. وهم مثل الْخَوَارِج، وَفِيه حِكَايَة لَطِيفَة وَهِي أَن الشريف الرضي أحضر إِلَى ابْن السيرافي النَّحْوِيّ وَهُوَ طِفْل لم يبلغ عشر سِنِين فلقَّنه النَّحْو، قَالَ الْأُسْتَاذ يَوْمًا لَهُ: إِذا قُلْنَا (رَأَيْت عمرا) فَمَا علاقَة النصب فِي (عَمْرو) فَقَالَ: بغض عليّ. فعجبوا من حِدة
خاطره، حَمَلَ النصب على ذَلِك الْمَعْنى، وَأَرَادَ بِعَمْرو عَمْرو بن الْعَاصِ الْمَشْهُور بعداوة عليّ وخلعه عَن الْخلَافَة لما صَار حكما مَعَ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي أَيَّام صِفِّين. وَقد نظمت مَا جرى بَينهمَا فِي الْحَرْب:
(إِذا حُمل القضاءُ على ابنِ سُوءٍ ... يردُّ وَلَا يؤاخذه بقَهْرِ)
(كَابْن الْعَاصِ سَوْأتُه مناصٌ ... عليُّ فِي الكَرَامَةِ مثْل دَهْرِ)
والنصيب: الْحَظ.
والنِّصاب: الأَصْل.
وَمن المَال: الْقدر الَّذِي يجب فِيهِ الزَّكَاة إِذا بلغه، وَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام:
نِصَاب يشْتَرط فِيهِ النَّماء وتتعلق بِهِ الزَّكَاة وَسَائِر الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِالْمَالِ.
ونصاب يجب بِهِ أَحْكَام أَرْبَعَة: حُرْمَة الصَّدَقَة، وَوُجُوب الْأُضْحِية، وَصدقَة الْفطر، وَنَفَقَة الْأَقَارِب. وَلَا يشْتَرط فِيهِ النَّمَاء لَا بِالتِّجَارَة وَلَا بالحول.
ونصاب تثبت بِهِ حُرْمَة السُّؤَال وَهُوَ من كَانَ عِنْده قوت يَوْم عِنْد الْبَعْض.
النداء: هُوَ إِحْضَار الْغَائِب، وتنبيه الْحَاضِر، وتوجيه المعرض، وتفريغ المشغول، وتهييج الفارغ.
وَهُوَ فِي الصِّنَاعَة: تصويتك بِمن تُرِيدُ إقباله عَلَيْك لتخاطبه (والمأمور بالنداء يُنَادي ليخاطبه الْآمِر فَصَارَ كَأَنَّهُ هُوَ المنادى) .
стр. 893
ونداء الجمادات بِخلق الْعلم فِيهَا. (وَقد يصير للحيوان الشُّعُور بِمُرَاد الْإِنْسَان. فَرُبمَا إِذا خاطبه بِاللَّفْظِ وَالْإِشَارَة فهم المُرَاد.
والنداء: رفع الصَّوْت وظهوره) .
وَقد يُقَال للصوت الْمُجَرّد، وإياه عَنى بقوله: ﴿إِلَّا دُعَاء ونداء﴾ أَي لَا يعرف إِلَّا الصَّوْت الْمُجَرّد دون الْمَعْنى الَّذِي يَقْتَضِيهِ تركيب الْكَلَام. (وَيُقَال للمركب الَّذِي يفهم مِنْهُ الْمَعْنى ذَلِك. والنداء للاستحضار دون تَحْقِيق الْمَعْنى) .
وَالْكَلَام مَتى خرج نِدَاء أَو شتيمة لَا يَجْعَل إِقْرَارا بِمَا تكلم بِهِ لِأَن قصد بِهِ التَّعْبِير والتحقير أَو الْإِعْلَام دون التَّحْقِيق. وَمَتى خرج وَصفا للمحل يَجْعَل إِقْرَارا لِأَنَّهُ قصد بِهِ التَّحْقِيق.
[والمنادي الْمُضَاف والشبيه بِهِ والمنادى النكرَة هَذِه الثَّلَاثَة مَنْصُوبَة حَالَة النداء، وَلم يرفع حَال ندائه إِلَّا الْمُفْرد الْعلم] . [والمنادى إِذا أضيف أَو نُكِّر أُعرب، وَإِذا أفرد بني كَمَا أَن (قَبْلُ) و (بَعْدُ) معربان مضافتين ومنكورتين ويبنيان فِي غير ذَلِك، فَكَمَا بنيا على الضَّم كَذَلِك المنادى الْمُفْرد الْعلم.
والنداء وَالدُّعَاء وَنَحْوهمَا يعدّى بإلى وَاللَّام لتضمينها معنى الِانْتِهَاء.
والاختصاص: نِدَاء مدح نَحْو: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ .
ونداء ذمّ نَحْو: ﴿يَا أَيهَا الَّذين كفرُوا﴾ .
ونداء تَنْبِيه نَحْو: ﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ .
ونداء نِسْبَة نَحْو: ﴿يَا بني آدم﴾ .
ونداء إِضَافَة نَحْو: ﴿يَا عبَادي﴾ .
وحروف النداء كلهَا معرِّفة إِذا قصد بهَا منادى معِين بِخِلَاف المنكَّر نَحْو: (يَا رجل) و (يَا رجلا) .
وَالْعرب تنادي بِالْألف كَمَا تنادي بِالْيَاءِ فَتَقول: أَزِيد أقبل.
وَمِمَّا تسْتَعْمل فِيهِ صِيغَة النداء الاستغاثة نَحْو:
باللهِ منْ ألَم الفِرَاقَ.
ويالزيد بِالْفَتْح: مستغاث بِهِ، وبالكسر: مستغاث من أَجله.
وَمِنْهَا التَّعَجُّب نَحْو: يَا للْمَاء، وَيَا لَلدواهي.
وَمِنْهَا التدلُّه والتضجر كَمَا فِي نِدَاء الأطلال والمنازل وَنَحْو ذَلِك.
وَمِنْهَا التوجع والتحير والتحسر.
وَمِنْهَا الندبة. وأمثال هَذِه الْمعَانِي كَثِيرَة فِي الْكَلَام.
[وَالنَّدْب ب (يَا) على قلَّة وَالْأَكْثَر لفظ (وَا) ] .
النُّكْتَة: هِيَ الْمَسْأَلَة الْحَاصِلَة بالتفكر المؤثرة فِي الْقلب الَّتِي يقارنها نكت الأَرْض بِنَحْوِ الإصبع غَالِبا.
والبيضاوي أطلق النُّكْتَة على نفس الْكَلَام حَيْثُ قَالَ: " هِيَ طَائِفَة من الْأَحْكَام منقحة مُشْتَمِلَة على لَطِيفَة مُؤثرَة فِي الْقُلُوب ".
وَقَالَ بَعضهم: هِيَ طَائِفَة من الْكَلَام تُؤثر فِي
стр. 894
النَّفس نوعا من التَّأْثِير قبضا كَانَ أَو بسطاً.
وَفِي بعض الْحَوَاشِي: هِيَ مَا يسْتَخْرج من الْكَلَام.
وَفِي بَعْضهَا هِيَ الدقيقة الَّتِي تستخرج بدقة النّظر إِذْ يقارنها غَالِبا نكت الأَرْض بإصبع أَو غَيرهَا.
وَفِي " حَاشِيَة الْكَشَّاف ": ونُكَت الْكَلَام: أسراره ولطائفه لحصولها بالتفكر وَلَا يَخْلُو صَاحبهَا غَالِبا من النكت فِي الأَرْض بِنَحْوِ الإصبع بل بحصولها بالحالة الفكرية المشبهة بالنكت.
النَّص: أَصله أَن يتَعَدَّى بِنَفسِهِ لِأَن مَعْنَاهُ الرّفْع الْبَالِغ، وَمِنْه منصة الْعَرُوس، ثمَّ نقل فِي الِاصْطِلَاح إِلَى الْكتاب وَالسّنة وَإِلَى مَا لَا يحْتَمل إِلَّا معنى وَاحِدًا، وَمعنى الرّفْع فِي الأول ظَاهر، وَفِي الثَّانِي أخْذُ لَازم النَّص وَهُوَ الظُّهُور، ثمَّ عدي بِالْبَاء وبعلى فرقا بَينه وَبَين الْمَنْقُول عَنهُ. والتعدية بِالْبَاء لتضمين معنى الْإِعْلَام. وبعلى لتضمن الْإِطْلَاق وَنَحْوه.
وَقيل: نَص عَلَيْهِ كَذَا: إِذا عيَّنه.
وعَرَّض: إِذا لم يذكرهُ مَنْصُوصا عَلَيْهِ بل يفهم الْغَرَض بِقَرِينَة الْحَال.
وَالنَّص قد يُطلق على كَلَام مَفْهُوم الْمَعْنى سَوَاء كَانَ ظَاهرا أَو نصا أَو مُفَسرًا اعْتِبَارا مِنْهُ للْغَالِب لِأَن عَامَّة مَا ورد من صَاحب الشَّرِيعَة نُصُوص.
وَالنَّص إِذا لم يدْرك مناطه لزم الانحصار على المورد.
والتنصيص: مُبَالغَة فِي النَّص.
النَّصِيحَة: هِيَ كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ.
وَيُقَال: هِيَ من وجيز الْأَسْمَاء ومختصر الْكَلَام، وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة (مُفْردَة تستوفي الْعبارَة غير معنى هَذِه الْكَلِمَة. كَمَا قَالُوا فِي الْفَلاح: إِنَّه لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة) أجمع لخيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مِنْهُ.
النُّور: هُوَ الْجَوْهَر المضيء، وَالنَّار كَذَلِك، غير أَن ضوء النَّار مكدَّر مغمور بِدُخَان مَحْذُور عَنهُ بِسَبَب مَا يَصْحَبهُ من فرط الْحَرَارَة والإحراق، وَإِذا صَارَت مهذبة مصفاة كَانَت مَحْض نور، وَمَتى نكصت عَادَتْ الْحَالة الأولى جذوة وَلَا تزَال تتزايد حَتَّى ينطفئ نورها وَيبقى الدُّخان الصّرْف.
[وَالنَّار الصرفة كالنفس فِي اللطافة وَلُزُوم الْحَرَكَة إِلَّا أَن كرة النَّار تتحرك على استدارتها لمتابعة الْفلك، وَالنَّفس تتحرك دَائِما بحركات مُخْتَلفَة، والبساطة وَإِيجَاب الخفة للحار كَمَا أَن النفَس يُوجب الخفة للجسد، وَلذَلِك كَانَ الْمَيِّت أثقل من الْحَيّ] .
والنور من جنس وَاحِد وَهُوَ النَّار بِخِلَاف الظلمَة إِذْ مَا من جنس من أَجنَاس الأجرام إِلَّا وَله ظلّ وظله الظلمَة، وَلَيْسَ لكل جرم نور، وَهَذَا كوحدة الْهدى وتعدد الضلال لِأَن الْهدى سَوَاء كَانَ المُرَاد بِهِ الْإِيمَان أَو الدّين هُوَ وَاحِد. أما الأول فَظَاهر، وَأما
стр. 895
الثَّانِي فَلِأَن الدّين مَجْمُوع الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، وَالْمَجْمُوع وَاحِد والضلال مُتَعَدد على كلا التَّقْدِيرَيْنِ، أما على الأول فلكثرة الاعتقادات الزائغة، وَأما على الثَّانِي فلانتفاء الْمَجْمُوع بِانْتِفَاء أحد الْأَجْزَاء فيتعدد الضلال بِتَعَدُّد الانتفاء.
النُزُل، بِضَمَّتَيْنِ وبالتسكين: مَا يهيأ للنزل أَي للضيف.
وَالنُّزُول، مصدر بِمَعْنى الهبوط.
وَنزل من الْعُلُوّ: هَبَط.
وَنزل الْمَكَان: حل فِيهِ. وَمِنْه الْمنزل.
النّوم: هُوَ حَال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدِّمَاغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة بِحَيْثُ تقف الْحَواس الظَّاهِرَة عَن الإحساس رَأْسا.
[وَالْمَنْقُول عَن الْمُتَكَلِّمين أَن النّوم مضاد للإدراك، وَأَن الرُّؤْيَا خيالات بَاطِلَة هُوَ خلاف مَا يشْهد بِهِ الْكتاب وَالسّنة، وَلَعَلَّ مُرَادهم أَن كَون مَا يتخيله النَّائِم إداركاً بالبصر رُؤْيَة وَمَا يتخيله إدراكاً بِالسَّمْعِ سمعا بَاطِل فَلَا يُنَافِي حَقِيقَته بِمَعْنى كَونه أَمارَة لبَعض الْأَشْيَاء] .
والنُّعَاس: هُوَ أول النّوم.
والوَسَنُ: ثِقَل النّوم.
والرُّقَاد: النّوم الطَّوِيل، أَو هُوَ خَاص بِاللَّيْلِ.
وَقيل: السِّنَة: ثِقَل فِي الرَّأْس، والنُّعاس فِي الْعين، وَالنَّوْم فِي الْقلب.
النُّفاس: مصدر نَفُسَت الْمَرْأَة، بِضَم النُّون وَفتحهَا، إِذا ولدت فَهِيَ نُفَساء وهنَّ نُفَاس، من
النَّفْس وَهُوَ الدَّم.
وَشَرِيعَة: دمٌ يعقب الْوَلَد.
النَصْر: هُوَ أخص من المعونة لاختصاصه بِدفع الضّر.
] وتعدية النَّصْر بِمن لتَضَمّنه الْحِفْظ، وبعلى لتَضَمّنه الْغَلَبَة، وَإِنَّمَا أُتِي بِحرف (فِي) فِي قَوْله: ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ ، وَلم يُؤْت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾ تَنْبِيها على دوَام النَّصْر فِي الْآخِرَة. وَالدُّنْيَا دَار بلَاء، وكل مَا هُوَ حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَاز فِي الآخر] .
ونصرة الظَّالِم: مَنعه عَن الظُّلم. فِي الْمثل: " من استرعى الذِّئْب فقد ظلم " أَي ظلم الذِّئْب. وَقيل: ظلم الشَّاة. وَهَذَا أظهر، وَالْأول أبلغ.
النَّقير: النُّكْتَة فِي ظهر النواة.
والقطمير: شِق النواة، أَو القشرة الرقيقة بَين النواة وَالتَّمْر.
النخاع: هُوَ خيط أَبيض فِي جَوف عظم الرَّقَبَة يَمْتَد إِلَى الصلب، وَالْفَتْح وَالضَّم لُغَة فِي الْكسر، وبالياء يكون فِي الْقَفَا.
النَّفْث: هُوَ نفخ مَعَه شَيْء من الرِّيق. وَقد يسْتَعْمل بِمَعْنى النفخ مُطلقًا. فَمن الأول ﴿النفاثات فِي العقد﴾ . وَمن الثَّانِي حَدِيث: " إِن جِبْرِيل نفث فِي روعي ".
والنفخ يطْلب المعفول بِهِ لَا الْمَفْعُول فِيهِ، مَعَ أَن الْعَرَب العرباء تَقول: نفخت فِيهِ. وَلَا يَصح فِيهِ
стр. 896
سَائِر مَعَانِيهَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يحمل على الزِّيَادَة للتَّأْكِيد، وَلَا يخفى أَنه لَا يشفي الغليل.
النِّسوة: هُوَ اسْم جمع فَيقدر لَهَا مُفْرد وَهُوَ نُساء كغُلام وغِلْمة (لِأَنَّهَا اسْم جمع للْمَرْأَة) ، مؤنث من بَنَات آدم مَنْ بلغت حد الْبلُوغ.
والنَّساء: بِالْفَتْح وَالْمدّ لَا غير: وَهُوَ التَّأْخِير، يُقَال: بِعته بنساء.
النزلة: هِيَ الزُّكَام وَالْجمع نزلات.
والنازلة: هِيَ الشَّدِيدَة من شَدَائِد الدَّهْر تنزل بِالنَّاسِ.
النَّعْل: وَاحِد النِّعَال الْمَعْرُوفَة.
والنِّعال: الأرضون الصلاب أَيْضا. وَعَلِيهِ حَدِيث: " إِذا ابتلَّت النِّعال فَالصَّلَاة فِي الرِّحال ".
وَقد نظمت فِيهِ:
(وَمَا كَانَ يُجدِي النَّاسَ مِنّي صَبَابَةُ ... سِوى زَلْقِ واشٍ بالنعالِ منَكسا)
النَّهَار، لُغَة: ضد اللَّيْل، وضوء وَاسع ممتد من طُلُوع الشَّمْس أَو الْفجْر إِلَى الْغُرُوب.
وَالنّهر: الخليج الْكَبِير.
والجدول: النَّهر الصَّغِير.
[وأنهار الْجنَّة لَيست إِلَّا الْمِيَاه لِأَنَّهَا تجْرِي من غير أخدُود] .
النّسك: فِي الأَصْل غَايَة الْعِبَادَة، وشاع فِي الْحَج لما فِيهِ من الكلفة والبعد عَن الْعَادة.
النفيس: هُوَ مَا تكون قِيمَته مثل نِصَاب السّرقَة.
والخسيس: هُوَ مَا يكون قِيمَته دون نِصَاب السّرقَة.
النُّعْمَان، بِالضَّمِّ: الدَّم. وبالفتح: وادٍ فِي طَرِيق الطَّائِف يخرج إِلَى عَرَفات.
النَّجْل: المَاء الَّذِي يظْهر من الأَرْض. وَيُطلق على الْوَالِد وَالْولد.
النَّقْض: هُوَ فِي الْبناء وَالْحَبل والعهد وَغَيره، ضد الإبرام. وبالكسر: المنقوض.
والإنقاض فِي الْحَيَوَان، والنقض فِي الموتان.
والمناقضة فِي القَوْل: أَن يتَكَلَّم بِمَا يتناقض مَعْنَاهُ أَي: يتخالف.
النيْل، بِالْفَتْح: أَصله الْوُصُول إِلَى الشَّيْء، فَإِذا أطلق يَقع على النَّفْع، وَإِذا قُيِّد يَقع على الضَّرَر، وكل مَا نالك فقد نِلْتَه.
النبْت: النَّبَات، وَقد نَبتَت الأَرْض وأنبتت.
والإنبات: عمل طبيعة الأَرْض فِي تربية البذور ومادة النَّبَات بتسخير الله إِيَّاهَا وتدبيره، وَذَلِكَ أَمر آخر وَرَاء إيجاده وإيجاد أَسبَابه.
النخرة: الْعِظَام البالية.
والناخرة: المجوفة الَّتِي تمر فِيهَا الرّيح فتنخر أَي تصوت.
النِّسبة: الْقرب والمشاكلة وَالْقِيَاس يُقَال: بِالنِّسْبَةِ إِلَى فلَان أَي بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ.
ونسبت الرجل أنسبه نسبا.
ونَسَبَ الشَّاعِر بِالْمَرْأَةِ ينْسب نسبياً.
وَالنِّسْبَة فِي علم الْحساب: عبارَة عَن خُرُوج أحد
стр. 897
المقدارين المتجانسين من الآخر، فالخارج إِمَّا من أَجزَاء الْمَنْسُوب إِلَيْهِ كثلاثة من سِتَّة فَإِنَّهَا نصفهَا، أَو من أضعافه كثمانية عشر من سِتَّة، أَو من أَجْزَائِهِ وأضعافه كخمسة عشر من سِتَّة فَإِنَّهَا ضعفها وَنِصْفهَا، (وكالثلث من الثُّلثَيْنِ فَإِنَّهُ نصفهَا، وكالثلثين من الثُّلُث فَإِنَّهُ ضعفه، وكخمسة أَسْدَاس من الثُّلُث فَإِنَّهَا ضعفه وَنصفه) .
والنَّسب، بِالْكَسْرِ: تتَعَلَّق بالمفهومات. والفروق تتَعَلَّق بالعبارات بِالنِّسْبَةِ إِلَى معاينها.
وَالنِّسْبَة فِي الْأُمُور الخارجية الْمَوْجُودَة فِي نفس الْأَمر، فَمن أمعن النّظر فِي قَوْلنَا: الْقيام حَاصِل لزيد فِي الْخَارِج، وَحُصُول الْقيام أَمر مُحَقّق مَوْجُود فِي الْخَارِج، حَيْثُ جعل الْخَارِج فِي الْمِثَال الأول ظرفا للحصول نَفسه، وَفِي الثَّانِي ظرفا لوُجُود الْحَاصِل وتحققه لَا يُنكر ذَلِك.
وَالْمرَاد فِي النِّسْبَة الإيجابية أَن يحصل فِي الْأَعْيَان شَيْء ينشأ عَن النِّسْبَة فِي الذِّهْن. وَالْمرَاد فِي النِّسْبَة السلبية أَن لَا يكون نقيضها ناشئاً عَمَّا فِي الْأَعْيَان، فَصدق الْمُوجبَة بِأَن تكون النِّسْبَة ناشئة عَن الْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان، وَصدق السالبة بِأَن لَا تكون النِّسْبَة الإيجابية ناشئة عَن الْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان. وَالْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان أَعم من الْمَوْجُود خَارج الذِّهْن وَالْحَاصِل فِي الذِّهْن. فَالْحَاصِل فِي الذِّهْن وَهُوَ الصُّورَة الذهنية مَوْجُود فِي الْأَعْيَان من حَيْثُ إِنَّه عرض قَائِم بالموجود فِي الْأَعْيَان وَهُوَ الذِّهْن، وَلَا يُرَاد أَنه مَوْجُود فِي الْأَعْيَان مُسْتقِلّا بل بتبعية الذِّهْن، كَمَا أَن الْأَعْرَاض مَوْجُودَة فِي
الْأَعْيَان بتبعية محالها.
[وَنسبَة العَرَض إِلَى الْمَوْضُوع لَيْسَ كنسبة الْجِسْم إِلَى الْمَكَان حَتَّى لَو جَازَ حُلُول الْعرض فِي محلين لجَاز حُلُول الْجِسْم فِي مكانين وَهُوَ بَاطِل، بل النسبتان ليستا على سَوَاء لِإِمْكَان حُلُول أَعْرَاض مُتعَدِّدَة تبعا فِي مَحل وَاحِد لِامْتِنَاع اجْتِمَاع جسمين فِي مَكَان.
وَالنِّسْبَة الثبوتية يرد عَلَيْهَا الْإِيجَاب وَالسَّلب كَمَا فِي النِّسْبَة المتصورة بَين زيد وَالْقِيَام مثلا ابْتِدَاء.
وَالنِّسْبَة السلبية لَا يُمكن أَن يرد عَلَيْهَا الْإِيجَاب وَالسَّلب كَمَا إِذا اعْتبر انْتِفَاء ثُبُوت نِسْبَة الْقيام لزيد إِلَّا إِذا اعْتبر ثُبُوت ذَلِك الانتفاء لَهُ فَيكون الانتفاء حِينَئِذٍ مَحْمُولا فِي الْحَقِيقَة قد اعْتبر بَينه وَبَين زيد نِسْبَة ثبوتية فهما لَا يردان إِلَّا على النِّسْبَة الثبوتية.
وَالنِّسْبَة من حَيْثُ هِيَ لَا تتَصَوَّر إِلَّا بَين شَيْئَيْنِ، أَعنِي الْمَنْسُوب والمنسوب إِلَيْهِ، وَيكون تعلقهَا مَوْقُوفا على تعلق كل وَاحِد مِنْهُمَا دون الْعَكْس. وَقد يكون لبَعض النّسَب مَعَ كَونه على هَذِه الصّفة حَالَة أُخْرَى وَهِي أَن يكون بإزائه نِسْبَة أُخْرَى لَا يعقلان إِلَّا مَعًا وَحِينَئِذٍ تسمى نِسْبَة متكررة كالأبوة مثلا فَإِنَّهَا مَعَ كَونهَا نِسْبَة بَين ذاتي الْأَب وَالِابْن مَوْقُوفَة تعلقهَا بإزائها الْبُنُوَّة الَّتِي حَالهَا كَذَلِك] .
وَالنِّسْبَة من حَيْثُ هِيَ هِيَ تصور وَلَا نقيض لَهَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة، لَكِن يتَعَلَّق بهَا الْإِثْبَات، وَالنَّفْي وكل وَاحِد مِنْهُمَا نقيض الآخر، (فَهِيَ من حَيْثُ يتَعَلَّق بهَا الْإِثْبَات تناقضها من حَيْثُ يتَعَلَّق بهَا النَّفْي) .
وَالنِّسْبَة الإيجابية لَا تخرج عَن مُلَاحظَة أَحدهمَا
стр. 898
إِمَّا معينا كَمَا فِي الْعلم، أَو غير معِين كَمَا فِي الشَّك، فَإِن الشاك يُلَاحظ مَعهَا كل وَاحِد من النَّفْي وَالْإِثْبَات على سَبِيل التجويز.
النَّاس: هُوَ اسْم جمع وَلذَلِك يسْتَعْمل فِي مُقَابلَة الجِنَّة: وَهِي جمَاعَة الْجِنّ.
وَالْإِنْس: اسْم جنس وَلذَلِك يسْتَعْمل فِي مُقَابلَة الجِنّ كالنخل فَإِنَّهُ اسْم لجنس مَعْرُوف من الْأَشْجَار المثمرة. والنخيل: اسْم جمع لَهُ، وَلِهَذَا ناسب ذكره مَعَ الأعناب.
[وجدني] نفس الْأَمر: مَعْنَاهُ: مَوْجُود فِي حد ذَاته، وَمعنى ذَلِك أَن وجوده لَيْسَ بِاعْتِبَار مُعْتَبر وَفرض فارض بل هُوَ مَوْجُود سَوَاء فَرْضه الْعقل مَوْجُودا أَو مَعْدُوما. وموجود أَيْضا سَوَاء فَرْضه الْعقل مَوْجُودا على هاذ النَّحْو أَو على خِلَافه.
والموجودات ذهنية كَانَت أَو خارجية لَهَا تحققات وظهورات.
وَنَفس الْأَمر منبئ عَن التَّحْقِيق، والذهن وَالْخَارِج مظهران لَهُنَّ فَظهر أَن نفس الْأَمر وَرَاء الذِّهْن وَالْخَارِج، وَتَحْقِيق ذَلِك دونه خرط القتاد.
النِّعْمَة: هِيَ فِي أصل وَضعهَا الْحَالة الَّتِي يستلذها الْإِنْسَان، وَهَذَا مَبْنِيّ على مَا اشْتهر عِنْدهم من أَن (الفِعلة) ، بالسكر للحالة، وبالفتح للمرة. فِي " الْكَشَّاف ": بِالْفَتْح من التنعم، وبالكسر من
الإِنعام، وَهُوَ أيصال النِّعْمَة.
والنَّعْماء بِالْفَتْح وَالْمدّ، وبالضم وَالْقصر: قيل هِيَ النعم الْبَاطِنَة.
والآلاء: هِيَ النعم الظَّاهِرَة.
وَقيل: النِّعْمَة هِيَ الشَّيْء الْمُنعم بِهِ، وَاسم مصدر (أنعم) فَهِيَ بِمَعْنى الإنعام الَّذِي هُوَ الْمصدر القياسي.
والنَّعَم، كالمطر: وَاحِد الْأَنْعَام الثَّمَانِية (من الْبَقر وَالْإِبِل والمعز والضأن مَعَ أنثاها) على مَا نطق بِهِ النّظم الْجَلِيل.
ثمَّ إِن النِّعْمَة الَّتِي هِيَ مَا تستلذه النَّفس من الطَّيِّبَات إِمَّا دُنْيَوِيّ أَو أخروي، وَالْأول إِمَّا وهبي أَو كسبي، والوهبي إِمَّا روحاني كنفخ الرّوح وَمَا يتبعهُ أَو جسماني كتخليق الْبدن وَمَا يتبعهُ، والكسبي إِمَّا تخيلة أَو تحلية. وَأما الأخروي فَهُوَ مغْفرَة مَا فرط مِنْهُ وثبوته فِي مقْعد صِدْق.
النَصَف، محركة: الخدام، وَالْوَاحد ناصف.
النّذر: نذرت النَّذْر أنذره، ونذرت بالقوم أنذر أَيْضا أَي أعلمت بهم.
وَالنّذر: مَا كَانَ وَعدا على شَرط ف (عليَّ إِن شفى الله مريضي كَذَا) نَذْر. و (عليّ أَن أَتصدق بِدِينَار) لَيْسَ بِنذر.
النَّكْل: الْعقُوبَة الغليظة المنكلة للْغَيْر أَي: الْمَانِعَة
стр. 899
من الذَّنب فَإِن أَصله الْمَنْع، وَمِنْه النكل للقيد واللجام.
الند: خص بالمخالف المماثل فِي الذَّات [أَو الْقُوَّة، من ناددت الرجل إِذا خالفته] كَمَا أَن الْمسَاوِي خص للمماثل فِي الْقدر.
النموذج: بِفَتْح النُّون: مُعرب نمونه وَهُوَ مِثَال الشَّيْء.
النَّهْج: هُوَ فِي الِاسْتِعْمَال: الْوَجْه الْوَاضِح الَّذِي جرى عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَال.
النَّحْو: نحوت نَحْوك: قصدت قصدك.
ومررت بِرَجُل نَحْوك أَي: مثلك.
وَرجعت إِلَى نَحْو الْبَيْت: أَي جِهَته.
وَهَذَا الشَّيْء على أنحاء أَي: أَنْوَاع.
وَعِنْدِي نَحْو ألف دِرْهَم أَي: مِقْدَار ألف دِرْهَم.
نَحن: ضمير يعْنى بِهِ الِاثْنَيْنِ وَالْجمع المخبرون عَن أنفسهم، مَبْنِيّ على الضَّم. أَو جمع (أَنا) من غير لَفظهَا. وحرك آخِره لالتقاء الساكنين، وَضم لِأَنَّهُ يدل على الْجَمَاعَة، وَجَمَاعَة المضمرين تدل عَلَيْهِم الْوَاو نَحْو: (فعلوا) . وَالْوَاو من جنس الضمة. (قَالَ بَعضهم: إِن الله تَعَالَى يذكر مثل هَذِه الْأَلْفَاظ) إِذا كَانَ الْفِعْل الْمَذْكُور بعده يَفْعَله بِوَاسِطَة بعض مَلَائكَته أَو بعض أوليائه.
نعم: حرف تَصْدِيق مخبر بعد قَول الْقَائِل: قَامَ زيد. وإعلام مستخبر بعد قَوْله: أَقَامَ زيد؟ ووعد طَالب بعد قَوْله: افْعَل أَو لَا تفعل وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا نَحْو: هلا تفعل، وهلا لم تفعل. وَإِذا وَقعت بعد
النَّفْي الدَّاخِل عَلَيْهِ حرف الِاسْتِفْهَام كَانَت بِمَنْزِلَة (بلَى) بعد النَّفْي أَعنِي لتصريف الْإِثْبَات، وَذَلِكَ لِأَن النَّفْي إِذا دخل عَلَيْهِ حرف الِاسْتِفْهَام للإنكار أَو التَّقْرِير يَنْقَلِب إِثْبَاتًا.
وللنحاة فِي (نعم) ثَلَاثَة آراء:
أَحدهَا: أَنَّهَا بَاقِيَة على معنى التَّصْدِيق لَكِنَّهَا تَصْدِيق لما بعْدهَا.
الثَّانِي: أَنَّهَا جَوَاب لغير مَذْكُور قدره الْمُتَكَلّم فِي اعْتِقَاده.
الثَّالِث: أَنَّهَا حرف تذكير لما بعْدهَا مسلوب عَنْهَا معنى التَّصْدِيق، وَلَا يبعد أَن تكون حرف اسْتِدْرَاك بِمَنْزِلَة (لَكِن) .
وَقد تسْتَعْمل (نَعم) فِي الْعرف مثلى (بلَى) وَرجحه أهل الشَّرْع، أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: نعم فِي جَوَاب من قَالَ: الْيَسْ لي عَلَيْك كَذَا درهما؟ حمل القَاضِي كلامك على الْإِقْرَار وألزمك أَدَاء الْمقر بِهِ.
و (أجل) أحسن من (نعم) فِي التَّصْدِيق، مثل: أَنْت سَوف تذْهب، أجل، و (نعم) أحسن مِنْهُ فِي الِاسْتِفْهَام مثل: أتذهب؟ نعم.
و (أجل) يخْتَص بالْخبر نفيا وإثباتاً.
وجَيْرِ، بِكَسْر الرَّاء وَقد ينون: يَمِين أَي: حَقًا.
إِي: بِالْكَسْرِ بِمَعْنى نعم.
وَكَذَا إِن بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد أثْبته الْأَكْثَرُونَ وَخرج عَلَيْهِ قوم مِنْهُم الْمبرد ﴿إِن هَذَانِ لساحران﴾ .
نِعْمَ وَبئسَ: هما فعلان للمدح والذم بَعْدَمَا نقلا عَن أَصلهمَا وَهُوَ النعم والبؤس، وَيجب فِي بابهما
стр. 900
اتِّحَاد الْفَاعِل والمخصوص بالمدح أَو الذَّم صدقا وذاتاً، وفاعلهما لَا يكون أبدا إِلَّا مُعَرفا بِالْألف وَاللَّام الَّتِي للْجِنْس الْمُحِيط بِالْعُمُومِ، فَيكون مَعَ إِفْرَاد لَفْظهمَا فِي معنى الْجمع كاللام الَّتِي فِي ﴿إِن الْإِنْسَان لفي خسر﴾ أَي: إِن النَّاس بِدَلِيل اسْتثِْنَاء الْجمع من الْفَرد.
نِعِمّا: أَصله (نِعْمَ مَا) فأدغم وَكسر الْعين للساكنين، وفاعل (نِعْمَ) مستتر فِيهِ، و (مَا) بِمَعْنى (شَيْئا) مُفَسّر للْفَاعِل نصب على التَّمْيِيز أَي: نعم الشَّيْء شَيْئا.
[نَاب] : ذكر ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ أَنه يُقَال: نَاب هَذَا عَن هَذَا نَوْباً، وَلَا، يجوز نَاب عَنهُ نيابه، وَهُوَ غَرِيب.
نوح، ﵇: هُوَ أعجمي مُعرب وَمَعْنَاهُ بالسُّرْيَانيَّة السَّاكِن. وَقَالَ بَعضهم: سمي بِهِ لِكَثْرَة بكائه على نَفسه واسْمه عبد الْغفار بَعثه الله لأربعين سنة. فَلبث فِي قومه ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما يَدعُوهُم، وعاش بعد الطوفان سِتِّينَ سنة.
وَذكر ابْن جرير أَن مولد نوح كَانَ بعد وَفَاة آدم بِمِائَة وَسِتَّة وَعشْرين عَاما.
[نوع]
﴿مَا ننسخ﴾ : مَا نُبدِّل.
﴿أَو ننسها﴾ : نتركها.
﴿نحلة﴾ : مهْرا.
﴿نَقِيبًا﴾ شَاهدا ينقب عَن أَحْوَال قومه ويفتش عَنْهَا، أَو كَفِيلا.
﴿وَيَعْقُوب نَافِلَة﴾ : عَطِيَّة، أَو ولد ولد، أَو زِيَادَة على مَا سَأَلَ.
﴿نسوا الله﴾ : تركُوا طَاعَة الله.
﴿فنسيهم﴾ : فتركهم من ثَوَابه وكرامته.
﴿نتقنا الْجَبَل﴾ : [قلعناه] وَرَفَعْنَاهُ [فَوْقه] .
﴿لَناكبون عَن الْحق﴾ : لعادلون عَنهُ.
﴿نكالا لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا﴾ : عِبْرةً.
﴿ونحاس﴾ : هُوَ الدُّخان الَّذِي لَا لَهب فِيهِ.
﴿نُنْشِرُها﴾ [بالراء] : نحييها [وبالزاي نرفعها من الأَرْض ونردها إِلَى أماكنها من الْجَسَد ونركب بَعْضهَا على بعض] .
﴿فنظرة﴾ : فإنظار.
﴿نبرأها﴾ : نخلقها.
﴿نكالا﴾ : عُقُوبَة.
﴿وَأحسن نديا﴾ : النادي: الْمجْلس.
стр. 901
﴿فِي جنَّات ونهر﴾ : النَّهر: السَّعَة.
﴿قضى نحبه﴾ : أجَلَه الَّذِي قُدِّر لَهُ.
﴿فأثرن بِهِ نقعا﴾ : أَي النَّقْع: مَا يسطع من حوافر الْخَيل.
﴿لأولي النهى﴾ : لِذَوي الْعُقُول.
﴿فَنقبُوا فِي الْبِلَاد﴾ : هربوا بلغَة الْيمن.
﴿نورهم﴾ : وجههم بلغَة كنَانَة.
﴿يَرْجُو﴾ : يخَاف.
﴿نكص﴾ : رَجَعَ بلغَة سليم.
﴿نكث﴾ : نقض الْعَهْد.
﴿نفقا﴾ : [منفذاً ينفذ فِيهِ إِلَى جَوف الأَرْض أَو] سرباً بلغَة عمان.
﴿ونمد لَهُ من الْعَذَاب﴾ : ونطول لَهُ من الْعَذَاب.
﴿لن نؤثرك﴾ : لن نختارك.
﴿ن﴾ : [من أَسمَاء الْحُرُوف، أَو اسْم الْحُوت، أَو اليهموت، وَهِي الَّتِي عَلَيْهَا الأَرْض، أَو الدواة. و] عَن الضَّحَّاك: إِنَّه فَارسي أَصله (أنون)
مَعْنَاهُ: اصْنَع مَا شِئْت.
﴿لننسفنه فِي اليم﴾ : لَنُذرِيَنَّه فِي الْبَحْر.
﴿الله نور السَّمَاوَات﴾ : هادي أهل السَّمَوَات.
﴿مثل نوره﴾ : هُداه فِي قلب الْمُؤمن.
﴿نُشُوزًا﴾ : بغضاً.
﴿أَن لن نقدر عَلَيْهِ﴾ : أَن لن يَأْخُذهُ الْعَذَاب الَّذِي أَصَابَهُ، أَو لن نضيّق عَلَيْهِ، من قَوْله:
﴿يَبْسُطُ الِّزْقَ لمن يشاءُ وَيقدر﴾ .
﴿نقتبس من نوركم﴾ : نصيب مِنْهُ.
﴿والنجم﴾ : مَا ينبسط على الأَرْض.
﴿نَضرة النَّعيم﴾ : بهجة التنعم وبريقه.
﴿هديناه النجدين﴾ : طريقي الْخَيْر وَالشَّر، أَو الثديين.
﴿ونباتا﴾ : مَا يعتلف من التِّبْن والحشيش.
﴿عظاما نخرة﴾ : بالية فارغة.
﴿ناصبة﴾ : تعْمل مَا تتعب فِيهِ كجر السلَاسِل.
﴿النفاثات﴾ : النُّفُوس، أَو النِّسَاء السواحر اللَّاتِي يعقدن عقدا فِي خيوط وينفثن عَلَيْهَا. والنَّفْثُ: النفخ مَعَ ريق.
стр. 902
﴿ناشئة اللَّيْل﴾ : هِيَ النَّفس الَّتِي تنشأ من مضجعها إِلَى الْعِبَادَة.
﴿نقر فِي الناقور﴾ : نُفخ فِي الصُّور.
﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة﴾ : بهية متهللة.
﴿الْجبَال نسفت﴾ : قِلعَت.
﴿ألم نشرح﴾ : ألم نفسح.
﴿وأعز نَفرا﴾ : حشماً وأعواناً.
﴿نزلة أُخْرَى﴾ : مرّة أُخْرَى.
﴿نفشت فِيهِ غنم الْقَوْم﴾ : انتشرت لَيْلًا بِلَا رَاع فَرَعَتْه.
﴿سنشد عضدك﴾ : سنقويك.
﴿ثمَّ نكسوا على رؤوسهم﴾ : انقلبوا إِلَى المجادلة.
﴿نجيا﴾ : مناجياً.
﴿نفورا﴾ : هَرَباً.
﴿فَلم نغادر﴾ : فَلم نَتْرُك.
﴿نكرا﴾ : مُنْكرا.
﴿ننكسه﴾ : نقلبه.
﴿كنت نسيا﴾ : مَا من شَأْنه أَن يُنسى.
﴿منسيا﴾ : منسي الذّكر بِحَيْثُ لَا يخْطر ببالهم.
﴿أنلزمكموها﴾ : أنكرهكم على الاهتداء.
﴿نصب﴾ : تَعب. ﴿إنَّما النَّسيء﴾ : أَي التَّأْخِير. ﴿ألم نستحوذ عَلَيْكُم﴾ : ألم نغلب. ﴿نصله﴾ : نُدخله.
﴿نكدا﴾ : قَلِيلا عديم النَّفْع.
﴿نقيض لَهُ﴾ : نقدر لَهُ.
﴿نأى بجانبه﴾ : انحرف وَذهب بِنَفسِهِ وتباعد بِالْكُلِّيَّةِ تكبراً.
﴿لنسفعا بالناصية﴾ : لنأخذن بالناصية ولنسحبن بهَا إِلَى النَّار. [كتب فِي الْمُصحف بِالْألف على الْوَقْف] .
﴿وَمَا نقموا﴾ : وَمَا أَنْكَرُوا.
﴿ونمارق﴾ : وسائد.
﴿نضاختان﴾ : فوّارتان بِالْمَاءِ.
стр. 903
﴿شَيْءٍ نُكُر﴾ : [فظيع] تنكره النُّفُوس.
﴿إِلَى نصب﴾ : مَنْصُوب لِلْعِبَادَةِ أَو علم.
[ ﴿نداولها بَين النَّاس﴾ : نصرفها بَينهم نديل لهَؤُلَاء تَارَة ولهؤلاء أُخْرَى.
﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى﴾ : مرّة آخرى.
﴿نبذه فريق﴾ : نقضه.
﴿والناشطات نشطا﴾ : أَي النُّجُوم تنشط من برج إِلَى آخر، أَو الْمَلَائِكَة تنشط نفس الْمُؤمن أَي: تحلها حلا رَفِيقًا، أَو النُّفُوس المؤمنة تنشط عِنْد الْمَوْت نشاطاً.
﴿إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ : ترَاهُ مستغرقة فِي مطالعة جماله بِحَيْثُ تغفل عَمَّا سواهُ.
﴿فَكيف كَانَ نَكِير﴾ : إنكاري عَلَيْهِم بإنزال الْعَذَاب.
﴿ونفور﴾ : شِرَاد عَن الْحق لتنفر طباعهم عَنهُ.
﴿لَوْلَا أَن تَدَارُكه نعْمَة﴾ : يَعْنِي توفيق التَّوْبَة وقبولها.
﴿نسرا﴾ هُوَ صنم لحمير.
﴿والنازعات﴾ إِلَى قَوْله ﴿يَوْم ترجف﴾ : صِفَات مَلَائِكَة الْمَوْت فَإِنَّهُم ينزعون أَرْوَاح الْكفَّار
بالشدة وَيخرجُونَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ بِرِفْق كإخراج الدَّلْو من الْبِئْر ويسبحون فِي إخْرَاجهَا السبح الغواص فيسيقون أَرْوَاح كل فريق إِلَى مَحَله فيدبرون أَمر عقابها وثوابها حَسْبَمَا أمروا، أَو صِفَات النُّجُوم، أَو صِفَات النُّفُوس الفاضلة حَالَة الْمُفَارقَة أَو حَال سلوكها، أَو صِفَات نفوس الْغُزَاة أَو أَيْديهم، أَو صِفَات خيلهم كل بِمَا يُنَاسِبه على مَا بُيِّن فِي " الْأَنْوَار ".
﴿فَجعله نسبا﴾ : ذُكُورا تنْسب إِلَيْهِم.
﴿وَكُنَّا نَخُوض﴾ : نشرع فِي الْبَاطِل.
﴿نَزغ الشَّيْطَان﴾ : أفسد وحرّش أَي: أغرى.
﴿فلنولينك قبْلَة﴾ : فلنمكننك من استقبالها.
﴿نكالا﴾ : عِبْرَة تنكل الْمُعْتَبر أَي: تمنع.
﴿من قبل أَن نطمس وُجُوهًا فنردهاعلى أدبارها﴾ : من قبل أَن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هَيْئَة أدبارها يَعْنِي الأقفاء.
﴿فِي كثير من نَجوَاهُمْ﴾ : من متناجيهم، أَو من تناجيهم.
﴿من نبإ الْمُرْسلين﴾ : أَي من قصصهم وَمَا كَادُوا من قَومهمْ] .
стр. 904
فصل الْوَاو
[الْوُرُود] : كل (وَرَدَ) فِي الْقُرْآن فَهُوَ الدُّخُول إِلَّا ﴿وَلما ورد مَاء مَدين﴾ فَإِن مَعْنَاهُ: هجم عَلَيْهِ وَلم يدْخل [إِذْ الْوُرُود المعتدي بعلى بِمَعْنى الْوُصُول لَا يتَعَدَّى بِنَفسِهِ] .
[وَرَاء] : كل (وَرَاء) فِي الْقُرْآن فَهُوَ أَمَام إِلَّا ﴿فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك﴾ فَإِنَّهُ بِمَعْنى سوى ذَلِك. ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ أَي: مَا سوى ذَلِك.
[وَقع] : وَأكْثر مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من لفظ (وَقع) جَاءَ فِي الْعَذَاب الشَّديد.
[الْوَحْي] : كل مَا أَلقيته إِلَى غَيْرك فَهُوَ وَحي.
وَالْكِتَابَة وَالْإِشَارَة والرسالة والإفهام كلهَا وَحي بِالْمَعْنَى المصدري.
وَالْوَحي كَمَا ورد فِي حق الْأَنْبِيَاء ورد أَيْضا فِي حق الْأَوْلِيَاء، ولسائر النَّاس بِمَعْنى الإلهام. وَفِي الْحَيَوَانَات بِمَعْنى خَاص.
[الوَضَم] : كل شَيْء يوضع عَلَيْهِ اللَّحْم من خَشَبَة أَو بَارِية يوقى بِهِ من الأَرْض فَهُوَ الْوَضم، محركة.
[الْوَادي] : كل منفرج بَين جبال وآكام يكون منفذا للسيل فَهُوَ الْوَادي.
[الورطة] : كل أَمر تعسر النجَاة مِنْهُ فَهُوَ الورطة.
[الوحشي] : كل مَا لَا يسْتَأْنس من النَّاس فَهُوَ وَحشِي.
[الْوَلِيّ] : كل من يليك أَو يقاربك فَهُوَ ولي.
فِي " الصِّحَاح ": الْوَلِيّ ضد الْعَدو، وكل من ولي أَمر أحد فَهُوَ وليُّه.
[الْوَاو] : كل وَاو سَاكِنة قبلهَا ضمة، أَو يَاء سَاكِنة قبلهَا كسرة وهما زائدتان للمد لَا للإلحاق، وَلَا هما من نفس الْكَلِمَة فَإنَّك تقلب الْهمزَة بعد الْوَاو واواً، وَبعد الْيَاء يَاء، أَو تُدْغَم فَتَقول فِي مقروء مقرو، وَفِي خبيء خبي، بتَشْديد الْوَاو وَالْيَاء.
كل وَاو وياء متحركتين يكون مَا قبلهمَا حرفا صَحِيحا سَاكِنا فَإنَّك تقلب حركتها إِلَى حرف صَحِيح.
كل وَاو مُخَفّفَة مَضْمُومَة لَازِمَة سَوَاء كَانَت فِي أول الْكَلِمَة ك (وُجُوه) أَو فِي حشوها ك (أدور) فقلبها همزَة جَائِز جَوَازًا مطردا لَا يُنكر.
كل واوين فِي أول الْكَلِمَة ثانيتهما زَائِدَة منقلبة عَن حرف آخر فَإِنَّهُ تقلب أولاهما همزَة.
كل وَاو وياء هِيَ عين فَاعل المعتل فعله أَو فَاعل الْكَائِن للنسب كسائق فَإِنَّهُ تقلب الْيَاء ألفا ثمَّ تقلب الْألف همزَة.
الْوَاو: هِيَ مَا أول اسْمه وَآخره نَفسه كالميم وَالنُّون، وَهِي حرف يجمع مَا بعده مَعَ شَيْء قبله إفصاحاً فِي اللَّفْظ أَو إفهاماً فِي الْمَعْنى. وَالْجمع
стр. 905
بَين شَيْئَيْنِ يَقْتَضِي مُنَاسبَة بَينهمَا ومغايرة أَيْضا لِئَلَّا يلْزم عطف الشَّيْء على نَفسه.
وَقد لَا يكون للْجمع كَمَا إِذا حلف لَا يرتكب الزِّنَا وَأكل مَال الْيَتِيم فَإِنَّهُ يَحْنَث بِفعل أَحدهمَا.
وَالْقرَان فِي النّظم بِحرف الْوَاو لَا يُوجب الْقرَان فِي إِثْبَات الحكم عِنْد عَامَّة أثبات الْفُقَهَاء، لِأَن فِي إِثْبَات الشّركَة مُخَالفَة الأَصْل وقلب الْحَقِيقَة لِأَن الأَصْل أَن كل كَلَام تَامّ مُنْفَرد بِنَفسِهِ وَحكمه، فَجعل كلامين كلَاما وَاحِدًا قلب الْحَقِيقَة فَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا للضَّرُورَة، وَلَا نسلم أَن الْوَاو مُوجبَة للشَّرِكَة فِي وضع اللُّغَة، غير أَنَّهَا إِذا دخلت على جملَة نَاقِصَة تجْعَل للشَّرِكَة بِاعْتِبَار الضَّرُورَة وَهِي تَكْمِيل النَّاقِصَة باشتراكهما فِي الْخَبَر، وَأما إِذا ذكرت بَين جملتين تامتين فَلَا يثبت الِاشْتِرَاك.
وَالْحَاصِل من أَحْوَال الجملتين اللَّتَيْنِ لَا مَحل لَهما من الْإِعْرَاب وَلم يكن للأولى حكم لم يقْصد إِعْطَاؤُهُ للثَّانِيَة سِتَّة: كَمَال الِانْقِطَاع بِلَا إِبْهَام، وَكَمَال الِاتِّصَال، وَشبه كَمَال الِانْقِطَاع، وَشبه كَمَال الِاتِّصَال، وَكَمَال الِانْقِطَاع مَعَ الْإِبْهَام، والتوسط بَين الكمالين، فَحكم الْأَخيرينِ الْوَصْل، وَالْأَرْبَعَة السَّابِقَة الْفَصْل، أما فِي الأول وَالثَّالِث فلعدم الْمُنَاسبَة. وَأما فِي الثَّانِي وَالرَّابِع فلعدم الْمُغَايرَة المفتقرة إِلَى الرَّبْط بالعاطف.
وَالْوَاو ضَرْبَان: جَامِعَة للاسمين فِي عَامل وَاحِد، ونائبة مناب التَّثْنِيَة حَتَّى يكون (قَامَ زيد وَعَمْرو) بِمَنْزِلَة (قَامَ هَذَانِ) ويضمر بعْدهَا الْعَامِل. فعلى الأول جَازَ (قَامَ زيد وَهِنْد) بترك تَأْنِيث الْفِعْل لأَنا
نقُول: عنينا الذّكر. وَلَا يجوز على الثَّانِي لِأَن الاسمين لم يجتمعا، وَجَاز أَيْضا على الأول دون الثَّانِي (اشْترى زيد وَعَمْرو) ، و (قَامَ عَمْرو وَأَبوهُ) . وَأما فِي صُورَة النَّفْي فَتَقول على الأول: مَا قَامَ زيد وَعَمْرو) فَلَا يُفِيد النَّفْي، كَمَا تَقول: (مَا قَامَ هَذَانِ) . وَتقول على الثَّانِي: (مَا قَامَ زيد وَلَا عَمْرو) ، فيفيده كَمَا تَقول: (مَا قَامَ زيد وَلَا قَامَ عَمْرو) .
وَالْوَاو، وَالْفَاء، وَثمّ، وَحَتَّى كلهَا تشترك فِي إِفَادَة الْجمع فِي ذَات مثل: (قَامَ وَقعد زيد) ، أَو فِي حكم مثل: (جَاءَ زيد وَعَمْرو) ، أَو فِي وجود مثل: (جَاءَ زيد وَذهب عَمْرو) ، إِلَّا أَن الْوَاو لمُطلق الْجمع أَي جمع الْأَمريْنِ وتشريكهما من غير دلَالَة على زِيَادَة معنى كالمقارنة أَي اجْتِمَاع الْمَعْطُوف مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ فِي الزَّمَان كَمَا نقل عَن مَالك وَنسب إِلَى الْإِمَامَيْنِ.
(وَالْوَاو للْجمع إِلَّا إِذا قَامَ دَلِيل الِاسْتِئْنَاف) .
وَالتَّرْتِيب أَي تَأَخّر مَا بعْدهَا عَمَّا قبلهَا فِي الزَّمَان كَمَا نقل عَن الإِمَام الشَّافِعِي حَتَّى يلْزم التَّرْتِيب فِي الْوضُوء لم يثبت عَنهُ، وَإِنَّمَا أَخذ التَّرْتِيب من السّنة وَمن سِيَاق النّظم. وَقَول النَّبِي ﷺ للخطيب الَّذِي قَالَ بَين يَدَيْهِ: " من أطَاع الله وَرَسُوله فقد رشد، وَمن عصاهما فقد غوى "، " بئس خطيب الْقَوْم أَنْت، هلا قلت: وَمن عصى الله وَرَسُوله " فَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على أَن الْوَاو للتَّرْتِيب، بل على أَن فِيهِ ترك الْأَدَب حَيْثُ لم يفرد اسْم الله تَعَالَى بِالذكر، وَلِأَن كل وَاحِد من
стр. 906
العصيانين مُسْتَقل باستلزام الغواية، وَلِأَن المُرَاد من الْخَطِيب الْإِيضَاح لَا الرموز، يُؤَيّدهُ مَا قَالَه الأصوليون من أَنه الْأَمر بِالْإِفْرَادِ، لِأَنَّهُ أَكثر تَعْظِيمًا وَالْمقَام يَقْتَضِي ذَلِك.
والعطف بِالْوَاو وَإِن دلّ على الْجمع والتسوية فِي الْفِعْل لَكِن فِي الافراد بِالذكر وَجعل أَحدهمَا متبوعاً وَالْآخر تَابعا مَا يزِيل توهم تَعْمِيم التَّسْوِيَة من الْجمع بالضمير، وَلَا يرد على ذَلِك حَدِيث " لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يكون الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا " لِأَن مَا يكره من الْأمة قد لَا يكره من النَّبِي. وَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ومَا كَانَ لمُؤمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ ورَسُولُه أمرا أَن تَكُونَ لهُمْ الخِيَرَة من أَمْرِهم﴾ لِأَن الْكَلَام فِي جَوَازه وَعدم جَوَازه من الْعباد، وَلَا يرد أَيْضا قَوْله: ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم﴾ إِذْ الذّكر هُنَا بالشرف لَا بالترتيب، وللبداءة أثر فِي الاهتمام كَمَا فِي مَسْأَلَة الْوَصِيَّة بِالْقربِ. [وتوحيد الضَّمِير فِي قَوْله: ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ للدلالة على أَن الْمَقْصُود إرضاء الرَّسُول وَإِن ذكر الله للإِشعار بِأَن الرَّسُول من الله بِمَنْزِلَة عَظِيمَة واختصاص قوي حَتَّى سرى الإرضاء مِنْهُ إِلَيْهِ. وَكَذَا الْحَال فِي الايذاء فَإِنَّهُم لَا يُؤْذونَ الله حَقِيقَة بل الرَّسُول وَحده] .
والأدلة على عدم إِفَادَة التَّرْتِيب كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ ،
﴿وَقَالُوا إنْ هِيَ إلاّ حَيَاتُنا الدُّنيا نمُوتُ ونحيا﴾ ، ﴿واسجدي واركعي﴾ وَغير ذَلِك.
وَأما الثَّلَاثَة الْبَاقِيَة وَهِي: الْفَاء و (ثمَّ) و (حَتَّى) فبخلافها، فَإِن الْفَاء للتعقيب على وَجه الْوَصْل حَتَّى إِذا قَالَ: (جَاءَ زيد فعمرو) فهم مِنْهُ مَجِيء عَمْرو عقيب زيد بِلَا فصل. وَكَذَا إِذا قَالَ: (بِعْت مِنْك هَذَا العَبْد بِكَذَا) فَقَالَ المُشْتَرِي: فَهُوَ حر، يعْتق، لَا لَو قَالَ: هُوَ حر، أَو وَهُوَ حر. وَلَو قَالَ: (إِن دخلتُ الدَّار فكلمت زيدا فَعَبْدي حر) ، لَا يعْتق إِلَّا بِالْجمعِ بَينهمَا مُرَتبا الْكَلَام بعد الدُّخُول بِلَا مهلة، وَلَو قَالَ: (وَكلمت) ، بِالْوَاو لَا يعْتق إِلَّا بِوُقُوع الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا كَيْفَمَا وَقع، لَا فرق فِيهِ بَين وُقُوع الأول قبل الثَّانِي أَو الثَّانِي قبل الأول فِي اللَّفْظ.
و (ثمَّ) للتراخي على سَبِيل الِانْقِطَاع عِنْد أبي حنفية حَتَّى لَو قَالَ لغير الْمَدْخُول بهَا: (انتِ طَالِق ثمَّ طَالِق) ، يَقع الأول وَيَلْغُو الثَّانِي بعده، كَمَا لَو سكت بعد الأول؛ وَعِنْدَهُمَا للتراخي على سَبِيل الْعَطف والاشتراك.
و (حَتَّى) لترتيب فِيهِ تدريج.
وَلَا تقع الْوَاو فِي أول الْكَلَام؛ وَالَّتِي يبتدأ بهَا فِي أول الْكَلَام فَهِيَ بمعى رب، وَلِهَذَا تدخل على النكرَة الموصوفة وتحتاج إِلَى جَوَاب مَذْكُور إِمَّا لفظا وَإِمَّا حكما كَقَوْلِه:
стр. 907
(وبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنيسُ ... )
وَمَا يذكرهُ أهل اللُّغَة من أَن الْوَاو قد تكون للابتداء والاستئناف فمرادهم أَن يبتدأ الْكَلَام بعد تقدم جملَة مفيدة من غير أَن تكون الْجُمْلَة الثَّانِيَة تشارك الأولى. وَأما وُقُوعهَا فِي الِابْتِدَاء من غير أَن يتَقَدَّم عَلَيْهَا شَيْء فعلى الابتدائية الْمُجَرَّدَة أَو لتحسين الْكَلَام وتزيينه أَو للزِّيَادَة الْمُطلقَة.
وَالْوَاو لَا تكون أصلا فِي بَنَات الْأَرْبَعَة.
وَالْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ لَام الْكَلِمَة (فَهِيَ أَصْلِيَّة وَالنُّون ضمير النسْوَة وَالْفِعْل مَعهَا مَبْنِيّ ووزنه يفعلن.
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَن تعفوا أقرب﴾ ضمير الْجمع، وَلَيْسَت من أصل الْكَلِمَة) . وَفِي (زيدون) عَلامَة الرّفْع وَالنُّون عَلامَة الْجمع.
وَفِي (يضْربُونَ) عَلامَة الْجمع وَالنُّون عَلامَة الرّفْع فرقا بَين الِاسْم وَالْفِعْل.
[وَقد تستعار الْوَاو للْحَال بِجَامِع الِاشْتِرَاك بَينهمَا فِي الجمعية لِأَن الْحَال تجامع ذَا الْحَال لِأَنَّهَا صفته فِي الْحَقِيقَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا جَاءُوها وفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أَي حَال مَا تكون أَبْوَابهَا مَفْتُوحَة، لِأَنَّهُ تَعَالَى فِي بَيَان الْإِكْرَام لأهل الْإِسْلَام، وَمن إكرام الضَّيْف أَن يكون الْبَاب مَفْتُوحًا حَال وُصُوله إِلَى بَاب الضَّيْف فَيحمل
على الْحَال لإِفَادَة هَذَا الْمَعْنى. يُؤَيّدهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿جنَّات عدن مفتحة لَهُم الْأَبْوَاب﴾ وَلِهَذَا قَالَ فِي حق الْكفَّار بِدُونِ الْوَاو لِأَن تَأْخِير فتح بَاب الْعَذَاب أليق بكرم الْكَرِيم، وَمن هَذَا أَبْوَاب جَهَنَّم لَا تفتح إِلَّا عِنْد دُخُول أَهلهَا فِيهَا، وأبواب الْجنَّة مَفْتُوحَة قبل الْوُصُول إِلَيْهَا] .
وَالْوَاو الحالية قيد لعامل الْحَال ووصفٌ لَهُ فِي الْمَعْنى.
والاعتراضية لَهَا تعلق بِمَا قبلهَا، لَكِن لَيست بِهَذِهِ الْمرتبَة.
وَلَا تدخل الْوَاو الحالية على الْحَال المفردة.
وَالَّتِي بِمَعْنى (مَعَ) ينْتَصب بعْدهَا الِاسْم إِذا كَانَ قبلهَا فعل نَحْو: (اسْتَوَى الماءُ والساحلَ) أَو معنى فعل نَحْو: (مَا شَأنُكَ وزيداً) لِأَن الْمَعْنى: مَا تصنع؟ وَمَا تلابس؟ وَلَا بُد فِي الْوَاو الَّتِي بِمَعْنى (مَعَ) من معنى الملابسة. وَالَّتِي لمُطلق الْعَطف قد تَخْلُو من ذَلِك.
وَقد اخْتلفت كلمتهم فِي الْوَاو وَالْفَاء وَثمّ الْوَاقِعَة بعد همزَة الِاسْتِفْهَام نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿أوعجبتم أَن جَاءَكُم ذكر من ربكُم﴾ فَقيل: عطف على مَذْكُور قبلهَا لَا على مُقَدّر بعْدهَا بِدَلِيل أَنه لَا يَقع ذَلِك قطّ فِي أول الْكَلَام. وَقيل: بل بِالْعَكْسِ لِأَن للاستفهام صدارة
стр. 908
وَعند سِيبَوَيْهٍ: الْهمزَة وَالْوَاو مقلوبتا الْمَكَان لصدارة الِاسْتِفْهَام، فالهمزة حِينَئِذٍ دَاخِلَة على الْمَذْكُور.
وَعند الزَّمَخْشَرِيّ: هما ثابتان فِي مكانهما؛ وَهِي دَاخِلَة على متصدر مُنَاسِب لما عطفه الْوَاو عَلَيْهِ.
قَالَ بَعضهم: أصل (أَو كَالَّذي) أَو رَأَيْت مثل الَّذِي، وَهِي و (ألم تَرَ) كلتاهما كلمة تعجب إِلَّا أَن مَا دخل عَلَيْهِ حرف التَّشْبِيه أبلغ فِي التَّعَجُّب كَقَوْلِك (هَل رَأَيْت مثل هَذَا) فَإِنَّهُ أبلغ من (هَل رَأَيْت هَذَا) .
وَالْوَاو الدَّاخِلَة على (أَن) و (لَو) الوصليتين للْحَال عِنْد الْجُمْهُور، وللعطف على مُقَدّر نقيض للمذكور عِنْد الجعبري، وللاعتراض عِنْد بعض النُّحَاة سَوَاء توسطت بَين أَجزَاء الْكَلَام أَو تَأَخَّرت.
وَقَالُوا: إِذا دخلت على الشَّرْط بعد تقدم الْجَزَاء يُرَاد بِهِ تَأْكِيد الْوُقُوع بالْكلَام الأول وتحقيقه كَقَوْلِهِم: (أكْرم أَخَاك وَإِن عاداك) أَي أكْرمه بِكُل حَال.
وَقد تزاد الْوَاو بعد (إِلَّا) لتأكيد الحكم الْمَطْلُوب إثْبَاته إِذا كَانَ فِي مَحل الرَّد وَالْإِنْكَار كَمَا فِي قَوْله: " مَا من أحد إِلَّا وَله طمع أَو حسد ".
قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الأَصْل أَن لَا يدخلهَا الْوَاو كَقَوْلِه: ﴿إِلَّا لَهَا منذرون﴾ لَكِن لما شابهت صورتهَا صُورَة الْحَال أدخلت عَلَيْهَا تَأْكِيدًا للصوقها بالموصوف.
وَالْوَاو من بَين سَائِر حُرُوف الْعَطف بِمَنْزِلَة الْمُطلق
من الْمُقَيد لِأَن دلالتها على مُجَرّد الِاشْتِرَاك وَدلَالَة سائرها على معنى زَائِد عَلَيْهِ كالتعقيب والتراخي وَنَحْوهمَا كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفا، وَلَيْسَ فِي وَاو النّظم دَلِيل الْمُشَاركَة بَينهمَا فِي الحكم، وَإِنَّمَا ذَلِك فِي وَاو الْعَطف فَلَا تعد الْوَاو الَّتِي بَين جملتين لَا مَحل لَهما من الْإِعْرَاب عاطفة، لِأَن الْعَطف من التوابع، وَالتَّابِع: كل إِعْرَاب أعرب بإعراب سابقه.
و (وَاو) الْقسم تنوب مناب فعله فَلَا يذكر مَعهَا الْفِعْل أبدا بِخِلَاف الْبَاء فَإِنَّهُ يذكر مَعهَا وَيتْرك.
وَالْوَاو زَائِدَة فِي الْأَسْمَاء.
وَمن الواوات وَاو الثَّمَانِية كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ فَإِن الْعدَد قد تمّ شفعاً ووتراً فِي السَّبع، وَقيل: جردت لِمَعْنى الجمعية فَقَط وسلب عَنْهَا معنى الْمُغَايرَة فَإِنَّهُم كثيرا مَا يجردون الْحَرْف عَن مَعْنَاهُ المطابقي مستعملين فِي مَعْنَاهُ الالتزامي والتضمين.
وَمِنْهَا وَاو الصِّلَة، وَبِمَعْنى (أَو) و (إِذْ) ، وَبِمَعْنى (بَاء) الْجَرّ، وَلَام التَّعْلِيل، وواو الِاسْتِئْنَاف، وَالْمَفْعُول مَعَه، وَضمير الذُّكُور، وَالْإِنْكَار، والتذكير، والقوافي، والإشباع، والمحولة، وَالْوَقْت وَهِي تقرب من وَاو الْحَال نَحْو (اعْمَلْ وَأَنت صَحِيح) ، وواو النِّسْبَة والهمزة فِي الْخط وَفِي اللَّفْظ ,.
والفارقة كَمَا فِي (أُولَئِكَ) و (أولي) .
وَعَن سِيبَوَيْهٍ: أَن الْوَاو فِي قَوْلهم: (بعث الشَّاة ودرهماً) بِمَعْنى الْبَاء وتحقيقه أَن الْوَاو للْجمع
стр. 909
والاشتراك وَالْبَاء للإلصاق، وهما من وادٍ وَاحِد فيسلك بِهِ طَرِيق الِاسْتِعَارَة.
وَعَن ابْن السيرافي أَنه قَالَ: الْوَاو تَجِيء بِمَعْنى (من) وَمِنْه قَوْله: (لَا بُد وَأَن يكون) .
وواو الْجمع نَحْو: (لَا تَأْكُل السّمك وتشرب اللَّبن) أَي: لَا تجمع بَينهمَا؛ وَتسَمى وَاو الصّرْف أَيْضا لِأَنَّهَا تصرف الثَّانِي عَن الْإِعْرَاب إِلَى الأول.
وواو الْحَسْرَة نَحْو: (واحسرتاه) .
وتجيء بِمَعْنى (نعم) قيل وَعَلِيهِ: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ ، ﴿وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا﴾ .
وَقد تكون لتعظيم الْمُخَاطب كَمَا فِي: ﴿رب ارْجِعُونِ﴾ ، وَقيل: لتكرير قَوْله ارجعني. كَمَا قيل فِي
قِفا واطرقا ... .
[وَالْوَاو فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ تسمى فصيحة] .
الْوُجُود: مصدر (وُجد الشَّيْء) على صِيغَة
стр. 910
الْمَجْهُول، وَهُوَ مُطَاوع الايجاد كالانكسار للكسر، وَهُوَ لُغَة يُطلق على الذَّات، وعَلى الْكَوْن فِي الْأَعْيَان. والأشعري ذهب إِلَى الأول، وَلَا نزاع مَعَهم فِيهِ، وَإِنَّمَا النزاع فِي جعلهم الْوُجُود حِينَئِذٍ فِي مُقَابلَة الْعَدَم الَّذِي هُوَ الانتفاء
اتِّفَاقًا. وَمن قَالَ: إِنَّه مَفْهُوم وَاحِد مُشْتَرك بَين الْجَمِيع ذهب إِلَى الثَّانِي.
والوجود لَا يحْتَاج إِلَى تَعْرِيف إِلَّا من حَيْثُ بَيَان أَنه مَدْلُول للفظ دون آخر فَيعرف تعريفاً لفظياً يُفِيد فهمه من ذَلِك اللَّفْظ لَا تصَوره فِي نَفسه ليَكُون
стр. 911
دوراً وتعريفاً للشَّيْء بِنَفسِهِ كتعريفهم الْوُجُود بالكون والثبوت والتحقق والشيئية والحصول، وكل ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يعرّف الْوُجُود من حَيْثُ إِنَّه مَدْلُول هَذِه الْأَلْفَاظ دون لفظ الْوُجُود.
وَالْمَوْجُود مَوْجُود عِنْد جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين، وَغير مَوْجُود فِي الْخَارِج عِنْد جُمْهُور الْحُكَمَاء، وَلَا يُرَاد بِكَوْن الشَّيْء فِي الْأَعْيَان أَن الْأَعْيَان ظرفه وَلَا أَنَّهَا مَعَه، وَإِلَّا كَانَ فِي عبارَة " كَانَ الله وَلم يكن مَعَه شَيْء " تنَاقض لِأَن لَفْظَة (كَانَ) إِن دلّت على الْمَعِيَّة يكون مَفْهُوم (كَانَ) مناقضاً لقولنا: لم يكن مَعَه شَيْء. وَلم يقل بِهِ أحد، فَعلم أَنه لَا يُرَاد بِوُجُود الشَّيْء نسبته إِلَى شَيْء آخر بالظرفية أَو الْمَعِيَّة أَو غير ذَلِك. وَوُجُود كل شَيْء عين ماهيته عِنْد أهل الْحق، وَمعنى ذَلِك أَن الْوُجُود هُوَ عين كَون الشَّيْء ماهيته، فوجود الْإِنْسَان فِي الْخَارِج هُوَ نفس كَون الْإِنْسَان حَيَوَانا ناطقاً، وَوُجُود السوَاد فِي الْخَارِج هُوَ نفس كَون اللَّوْن قَابِضا لِلْبَصَرِ، وَوُجُود السرير فِي الْخَارِج هُوَ كَون الخشبات مؤلفاً تأليفاً خَاصّا، فَإِذا كَانَ الْوُجُود مقولاً على الْحَقَائِق الْمُخْتَلفَة لَا يُمكن تحديده، وَالْفرق بِأَنَّهُ عين فِي الْوَاجِب زَائِد فِي الممكنات لَيْسَ بِحَق، إِذْ لَو كَانَ زَائِدا لَكَانَ عرضا قَائِما بالماهية، وَلَيْسَ عرضا نسبياً، فَكَانَ عرضا مَوْجُودا، وَمَا لَا يكون مَوْجُودا لَا يكون عِلّة لأمر مَوْجُود. وَهَذَا بديهي، فَلَا بُد أَن يكون مَوْجُودا قبل وجوده، والوجود الْمُجَرّد عَن الْمَوْجُود، والكون الْمُجَرّد عَن الْكَائِن، والتحقق الْمُجَرّد عَن المتحقق مِمَّا يشْهد بديهة الْعقل على امْتِنَاعه، وتصور الْمَاهِيّة مَعَ الذهول عَن الْوُجُود غلط، وَقد يتَصَوَّر مَعَ الذهول عَن حَقِيقَته وَعَن أَجْزَائِهِ،
فَيمكن أَن يكون الْوُجُود نفس الْمَاهِيّة أَو دَاخِلا فِيهَا، وَمَعَ ذَلِك يتَصَوَّر الْمَاهِيّة مَعَ الذهول عَن الْوُجُود، وَإِذا أَخَذتهَا مَعَ الْوُجُود نَحْو: الْإِنْسَان مَوْجُود، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الْإِنْسَان مَاهِيَّة ثمَّ الْوُجُود عرض لَهَا، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التأمت جَمِيع أَجْزَائِهِ المادية والصورية، وَإِن أَخَذتهَا مَعْدُومَة نَحْو: الْجَبَل من الْيَاقُوت مَعْدُوم، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الْجَبَل من الْيَاقُوت مَاهِيَّة، ثمَّ الْعَدَم عرض لهَذِهِ الْمَاهِيّة، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه لم يلتئم أَجزَاء هَذِه الْحَقِيقَة، فحاصل الْخلاف فِي أَن الْوُجُود عين الْمَاهِيّة أَو زَائِد عَلَيْهَا رَاجع إِلَى أَن وجود الْإِنْسَان نفس كَونه حَيَوَانا ناطقاً خَارِجا، أَو معنى زَائِد يلْحقهُ بعد أَن يكون حَيَوَانا ناطقاً. وَلَا فرق بَين الْوُجُود والثبوت خلافًا للمعتزلة فَإِنَّهُم قَالُوا بِأَن الْوُجُود أخص من الثُّبُوت، وَلِهَذَا ذَهَبُوا إِلَى أَن الْمَعْدُوم حَالَة الْعَدَم ثَابت، والوجود وَإِن كَانَ صفة لَكِن إِذا نفي عَن الشَّيْء يُقَال: نفي الشَّيْء، وَلَا يُقَال: نفي صفة الشَّيْء، إِذْ نفي الشَّيْء لَيْسَ إِلَّا نفي وجوده. فنفي الصّفة صَار بِمَعْنى نفي غير الْوُجُود.
والوجود الْخَارِجِي عبارَة عَن كَون الشَّيْء فِي الْأَعْيَان.
والوجود الذهْنِي عبارَة عَن كَون الشَّيْء فِي الأذهان.
والوجود الْأَصِيل على نحوين:
أَحدهمَا: الْحُصُول فِي الْخَارِج عَن الذِّهْن مُطلقًا.
وَالْآخر: الْحُصُول بِالذَّاتِ لَا بالصورة، وَذَلِكَ الْحُصُول أَعم من الأول لِأَنَّهُ قد يكون فِي
стр. 912
الْخَارِج، وَقد يكون فِي الذِّهْن.
والوجود الْمُطلق: هُوَ الْكَوْن، وَهُوَ مُفْرد لَيْسَ لَهُ جنس وَلَا فصل يَشْمَل جَمِيع الموجودات اتِّفَاقًا، فيشترك بَين الْوَاجِب وَغَيره، بِخِلَاف الْمَاهِيّة لِأَن فِي شمولها لجَمِيع الموجودات خلافًا، فان عِنْد الْبَعْض لَيْسَ للْوَاجِب مَاهِيَّة غير وجوده، بل هُوَ مَوْجُود بِوُجُود هُوَ عين ذَاته كَمَا هُوَ رَأْي الْمُحَقِّقين من الصُّوفِيَّة والحكماء، أَو مُقْتَضى ذَاته بِحَيْثُ يمْتَنع انفكاكهما كَمَا هُوَ رَأْي الْمُتَكَلِّمين. وَمعنى كَونه مَوْجُودا كَونه مَعْلُوما ومشعوراً بِهِ، أَو كَونه فِي نَفسه ثَابتا متحققاً وَبَينهمَا فرق من حَيْثُ إِن كَونه مَعْلُوم الْحُصُول فِي الْأَعْيَان يتَوَقَّف على كَونه حَاصِلا فِي الْأَعْيَان، وَلَا ينعكس، إِذْ لَا يمْتَنع فِي الْعقل كَونه حَاصِلا فِي نَفسه مَعَ أَنه لَا يكون مَعْلُوما لأحد.
(وَاعْلَم أَن مَرَاتِب الْوُجُود بِحَسب الْعقل ثَلَاث:
أَعْلَاهَا الْمَوْجُود بِالذَّاتِ بِوُجُود هُوَ عين ذَاته، فالانفكاك وتصوره كِلَاهُمَا محَال.
وأوسطها الْمَوْجُود بِالذَّاتِ بِوُجُود غَيره، فالانفكاك محَال دون تصَوره:
وَأَدْنَاهَا الْمَوْجُود بِالْغَيْر فَيمكن الانفكاك والتصور أَيْضا) .
[وَأعلم أَن] النزاع فِي أَن الْوُجُود زَائِد على الْمَاهِيّة، أَو لَيْسَ بزائد رَاجع إِلَى النزاع فِي
الْوُجُود الذهْنِي [وَهُوَ وجود يظْهر مِنْهُ صفة الْمَوْجُود بذلك الْوُجُود] فَمن أثْبته قَالَ: الْوُجُود الْخَارِجِي [وَهُوَ مَا يكون مبدأ لجَمِيع الْآثَار الْمَخْصُوصَة بالماهية] زَائِد على الْمَاهِيّة فِي الذِّهْن كقيام الْوُجُود بِشَيْء من حَيْثُ هُوَ، أَي من غير اعْتِبَار وجوده وَلَا عَدمه، وَإِن لم يخل ذَلِك الشَّيْء عَنْهُمَا، وَهَذَا عِنْد كثير من الْمُتَكَلِّمين منا.
(وَأما عِنْد الْحُكَمَاء فوجود كل شَيْء عينه فِي الْوَاجِب وَغَيره فِي الْمُمكن. والفلاسفة لَا يَقُولُونَ بعينية الْمَاهِيّة الْمُطلقَة والتشخص الْمُطلق اللَّذين هما من الْأُمُور الْعَامَّة بل بزيادتهما) . وَمن لم يثبت الْوُجُود الذهْنِي كالشيخ الْأَشْعَرِيّ قَالَ: وجود الشَّيْء الْخَارِجِي وَاجِبا كَانَ أَو مُمكنا عين الْمَاهِيّة مُطلقًا، إِذْ لَو كَانَت الْمَاهِيّة فِي مرتبَة معروضيتها للوجود خَالِيَة عَن الْوُجُود لكَانَتْ فِي تِلْكَ الْمرتبَة مَوْصُوفَة بِالْعدمِ لِاسْتِحَالَة ارْتِفَاع النقيضين، فَيلْزم حِينَئِذٍ اتصاف الْمَعْدُوم بالوجود وَأَنه تنَاقض؛ وَأَنت خَبِير بِأَن مَاهِيَّة الْمُمكن فِي حد ذَاتهَا، وَهِي مرتبَة معروضيتها للوجود والعدم، خَالِيَة عَنْهُمَا غير مَوْصُوفَة بِوَاحِد مِنْهُمَا، وَلَا اسْتِحَالَة فِي خلو مرتبَة عقلية عَن النقيضين، إِنَّمَا الاستحالة فِي خلو وَقت خارجي عَنْهُمَا، وَلِأَن الْمَاهِيّة قبل اتصافها بالوجود نَخْتَار أَنَّهَا مَعْدُومَة
стр. 913
وَالْعرُوض دفعي، فَإِن بعروض الْوُجُود لَهَا يَزُول عَنْهَا الْعَدَم فَلَا يلْزم إجتماع النقيضين. وعَلى تَقْدِير تَسْلِيم الْعرُوض التدريجي يعرض الْوُجُود لجزء، وَيَزُول عَنهُ الْعَدَم ثمَّ وَثمّ إِلَى أَن تتمّ الْأَجْزَاء كالنور يدْخل فِي بَيت مظلم فيتنور فَلَا يَتَّصِف شَيْء وَاحِد وحدة حَقِيقِيَّة بالمتقابلين سَوَاء كَانَ المعروض مركبا أَو بسيطاً.
وَأما ذَات الْوَاجِب فَهُوَ الْحَقِيقَة المقدسة، وَهِي إِمَّا الْمَاهِيّة الْكُلية المعروضة للوجود والتشخص عِنْد الْمُتَكَلِّمين، وَإِمَّا الْوُجُود الْخَاص الجزئي الْحَقِيقِيّ الْقَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى عِنْد الْحُكَمَاء؛ وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ يمْتَنع تعقلها بخصوصها وَلَا يتعقل إِلَّا بمفهومات كُلية اعتبارية فَقَط عِنْد الْحَكِيم والمعتزلة أَو بهَا وبصفات حَقِيقِيَّة عِنْد الماتريدية والأشاعرة.
(وَأما مَفْهُوم الْوُجُود فِي الْخَارِج أَي الْكَائِن فِي الْأَعْيَان فَهُوَ مُشْتَقّ من الْوُجُود الْخَارِجِي بِمَعْنى الْكَوْن فِي الْأَعْيَان وَهُوَ الْمُفَسّر بِمَا يكون منشأ للآثار ومظهراً للْأَحْكَام، وَهُوَ معنى اصطلاحي عَام شَامِل على الْمَوْجُود بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ أَعنِي الممكنات، وعَلى المبدأ الأول فَمَا لم يثبت للشَّيْء كَون فِي الْأَعْيَان لم يكن منشأ للآثار ومظهراً للْأَحْكَام، وَلَا يخفى أَن الْكَوْن فِي الْأَعْيَان لَيْسَ عين الْحَقِيقَة الواجبية الْقَائِمَة بذاتها، إِذْ لَا يشك عَاقل أَن الْكَوْن فِي الْأَعْيَان أَمر إضافي غير قَائِم بِذَاتِهِ بل هُوَ قَائِم بِذَات الْوَاجِب وعارض لَهُ ومحمول عَلَيْهِ، وَذَات الْوَاجِب متصف بِهِ كَمَا صرح بِهِ الفارابي وَابْن سينا. وَنقل عَنْهُمَا صَاحب
" المواقف " وَاسْتحْسن وَاسْتدلَّ على مقاصده فِي مَوَاضِع بل جَمِيع الْكتب الْحكمِيَّة والكلامية مشحونة بِهِ) . وَبِالْجُمْلَةِ إِن الْوُجُود عرض فِي الْأَشْيَاء الَّتِي لَهَا ماهيات يلْحقهَا الْوُجُود كالمقولات الْعشْر. وَأما الَّذِي هُوَ مَوْجُود بِذَاتِهِ لَا بِوُجُود يلْحق ماهيته لُحُوق أَمر غَرِيب مَأْخُوذ فِي الْحَد فَلَيْسَ لَهُ وجود هوية مَوْجُود فضلا عَن أَن يكون عارضاً لَهُ، بل وجوده ووجوبه وتعينه عين ذَاته على مَا هُوَ التَّحْقِيق، فَإِذا قيل لَهُ وَاجِب الْوُجُود فَهُوَ لفظ مجازي وَمَعْنَاهُ أَنه وَاجِب أَن يكون مَوْجُودا لَا أَنه يجب الْوُجُود لشَيْء مَوْضُوع فِيهِ الْوُجُود يلْحقهُ الْوُجُود على وجوب (أَو غير وجوب) . وَهَذَا هُوَ مُرَاد أساطين الْحُكَمَاء الأقدمين من قَوْلهم: " الْوُجُود عين الْوَاجِب " على مَا فهم من كَلَام رَئِيس الْحُكَمَاء أبي عَليّ وَهُوَ أَن ماهيته وجود بحت وإنيته بحتة وَلَيْسَ فِيهِ مَاهِيَّة غير الإنية، إِذْ هُوَ مَوْجُود بِذَاتِهِ أَي يَكْفِي ذَاته الْمُقَدّس فِي الموجودية، إِذْ لَا سَبَب لَهُ مُنْفَصِل عَن ذَاته حَتَّى يُلَاحظ لَهُ الْوُجُود مِنْهُ، فَيكون لَهُ مَاهِيَّة مُغَايرَة لوُجُوده كَمَا لعامّة الممكنات.
[وَلَيْسَ تمايز ذَات الْوَاجِب بِذَاتِهِ بِمُجَرَّد مُخَالفَة ذَاته لسَائِر الذوات من غير أَن يعْتَبر خُصُوصِيَّة ذَاته تَعَالَى بل التمايز بخصوصية ذَاته وَإِن لم يعلم أَنَّهَا مَا هِيَ. قَالَ بعض الْمُحَقِّقين: وجود الْوَاجِب غَنِي عَن تَنْزِيه الْعُقُول كَيفَ والتنزيه عَن سمات الجسمانيات تَشْبِيه استلزامي وتقليد ضمني بالمجردات من الْعُقُول والنفوس، وَعَن الْجَوَاهِر الْعلية والنفوس الْكُلية تَشْبِيه معنوي بالمعاني
стр. 914
الْمُجَرَّدَة عَن الصُّور الْعَقْلِيَّة وَالنّسب الروحانية والنفسانية وَعَن كل ذَلِك إِلْحَاق الْحق بالمعدوم، وَالْخَارِج عَن هَذِه الْأَقْسَام للموجودات المتحققة فِي الْوُجُود تحكم وهمي وتوهم تخيلي، وَذَلِكَ أَيْضا تَحْدِيد عدمي بعدمات لَا تتناهى. وعَلى كل حَال هُوَ تَحْدِيد وَتَقْيِيد الْحق يأباه وينافيه فالعقل لَا تصرف لَهُ فِي الربوبية وَإِنَّمَا هُوَ آلَة لدرك الْعُبُودِيَّة ووراء الْعقل أطوار كَثِيرَة يكَاد لَا يعرف عَددهَا إِلَّا الله تَعَالَى، وَقد من الله تَعَالَى على أَرْبَاب الْكَشْف بِنور كاشف يُرِيهم الْأَشْيَاء كَمَا هِيَ، وَنسبَة الْعقل إِلَى ذَلِك النُّور كنسبة الْوَهم إِلَى الْعقل ذَلِك النُّور يُمكن أَن يحكم بِصِحَّة بعض مَا لَا يُدْرِكهُ الْعقل كوجود حَقِيقَة مُطلقَة مُحِيطَة لَا يحصرها التقيد وَلَا يقيدها التعين كَمَا يُمكن أَن يحكم الْعقل بِصِحَّة مَا لَا يُدْرِكهُ الْوَهم كوجود مَوْجُود مثلا لَا يكون خَارج الْعَالم وَلَا دَاخله] .
(وَمن رام تطبيق كَلَام الْمُتَكَلِّمين الْقَائِلين بِزِيَادَة الْوُجُود على الْمَاهِيّة فِي الْوَاجِب أَيْضا لأصل الْحُكَمَاء الْقَائِلين بعينية الْوُجُود فِي الْوَاجِب تكلّف. وَقَالَ: مَا هُوَ عين الذَّات فِي الْوَاجِب هُوَ الْوُجُود الْخَاص.
وَأما الْوُجُود الْمُطلق فَلَا خلاف بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي زِيَادَته.
وَفِي الْجُمْلَة إِنَّه سُبْحَانَهُ وجود وَذَات وَحَقِيقَة، وَحَقِيقَته غير وجوده.
قَالَ السَّمرقَنْدِي: الْوُجُود أعرف الْأَشْيَاء، والاشتباه لِكَثْرَة الِاخْتِلَاف والمجادلة إِذْ الْمَعْنى
الْوَاضِح رُبمَا يحتجب عَن نظر الْمقل إِذا وَقع فِي معرض القيل والقال واندفع فِي حيّز الْجِدَال، كتكدر المَاء الصافي إِذا خضخض فِي المنبع الوافي) .
ثمَّ الْوُجُود الَّذِي يبْحَث عَنهُ أهل النّظر هُوَ اعتباري عَارض للماهيات قَائِم بهَا. وَالَّذِي يُثبتهُ أَرْبَاب الْكَشْف هُوَ أَمر حَقِيقِيّ معروض للماهيات وقيوم لَهَا. يَقُول أهل النّظر: اللَّوْن للزجاج، وَيَقُول أهل الْكَشْف: اللَّوْن للخمر وَإِنَّمَا للزجاج مظهرية لَوْنهَا.
الْوُجُوب: لَهُ مَعْنيانِ فِي الْحَقِيقَة. أَحدهمَا: الِاقْتِضَاء ويرادفه الِاسْتِحْقَاق والإيجاب.
وَالْآخر: الِاسْتِغْنَاء، وَقد يعبر عَنهُ بِعَدَمِ التَّوَقُّف أَو بِعَدَمِ الِاحْتِيَاج.
[وَإِذا وَصفنَا الْمَاهِيّة بِالْوُجُوب كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لذاتها تَقْتَضِي الْوُجُود، وَإِذا وَصفنَا بِهِ الْوُجُود كَانَ مَعْنَاهُ أَنه يَقْتَضِي ذَات الْمَاهِيّة من غير احْتِيَاج إِلَى غَيرهَا. قَالَ بَعضهم: الْوُجُوب يُقَال على الْوَاجِب بِاعْتِبَار مَاله من الْخَواص وَهِي ثَلَاث: الأولى استغناؤه عَن الْغَيْر. وَالثَّانيَِة: كَون ذَاته مقتضية لوُجُوده، وَالثَّالِثَة: الشَّيْء الَّذِي بِهِ تمتاز الذَّات عَن غَيره. وَإِطْلَاق الْوُجُود على الْأَوَّلين ظَاهر مَشْهُور، وَأما اطلاقه على الثَّالِث فإمَّا بِتَأْوِيل الْوَاجِب أَو إِرَادَة مبدأ الْوُجُوب والأولان اعتباريان وَالثَّالِث غير ذَات الْوَاجِب سُبْحَانَهُ، وَلَيْسَ معنى كَون الْوُجُوب عين الْوَاجِب أَن حَقِيقَة الْوُجُوب عينه وَإِلَّا لزم كَون الصِّفَات الْمُخْتَلفَة بِالْحَقِيقَةِ كَالْعلمِ
стр. 915
وَالْقُدْرَة وَالْوُجُوب وَغَيرهَا وَاحِدَة بل المُرَاد أَن الْآثَار المترتبة على هَذِه الصِّفَات فِي الممكنات مترتبة على الْوَاجِب بِلَا صفة كَمَا حَقَّقَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَلَيْسَ الْوُجُوب من الموجودات الخارجية بل من الْمَعْقُول الثَّانِيَة، وَلَيْسَ من المخترعات الْعَقْلِيَّة إِذْ لَو كَانَ مَوْجُودا فِي الْخَارِج لَكَانَ مُمكنا، وَإِذا كَانَ مُمكنا فَلهُ سَبَب وَهُوَ إِمَّا غير الذَّات فَيجوز انفكاكه عَن الذَّات فَيلْزم إِمْكَان الذَّات. وَأما الذَّات فَيلْزم تقدم الذَّات بِالْوُجُوب والوجود على الْوُجُوب فَيلْزم أَن يكون للْوَاجِب أَيْضا وجوب آخر فَيلْزم التسلسل أَو تقدمه على نَفسه وهما حالان، وَالْوُجُوب الذاتي للذات وَحده وَهُوَ أَشد وَأقوى فِي الِاخْتِصَاص بِهِ من سَائِر الصِّفَات المختصة بِهِ وَإِن كَانَ كل مِنْهَا مشاركاً فِي أصل الِاخْتِصَاص، وَالْمرَاد من إِطْلَاقه على الذَّات الْمُبَالغَة فِي لُزُومه لَهُ بِحَيْثُ يمْتَنع انفكاكه عَنهُ فِي حَال من الْأَحْوَال] (وأياماً كَانَ وجوب الْوُجُود كَيْفيَّة لنسبة الْوُجُود إِلَى الذَّات غير منفكة عَنهُ لَازِمَة لَهُ بِحَيْثُ يمْتَنع انفكاكه عَنهُ بِحَال من الْأَحْوَال، فَكَانَ المُرَاد من إِطْلَاقه على الذَّات الْمُبَالغَة فِي هَذَا اللُّزُوم كَمَا وَقع فِي أَمْثَاله من أَن عدم الْعَدَم وجود، وسلب السَّلب إِيجَاب، وَالْوُجُوب والوجود مقارنان بِلَا احْتِيَاج أَحدهمَا إِلَى الآخر، لَا أَنه سَابق على الْوُجُود سبق الِاحْتِيَاج وَلَا سبقاً زمانياً. وَفِيه أَن الشَّيْء لَا يوحد قبل أَن يجب) . وَالْمُعْتَبر فِي الْوَاجِب تَعَالَى أَنه فِي نَفسه بِحَيْثُ يجب تحَققه، وَلَيْسَ الْمُعْتَبر فِيهِ أَنه
إِذا تصور حَقِيقَته يحكم الْعقل بِوُجُوبِهِ. وَالْمرَاد بِالْوَاجِبِ لذاته مَا لَيْسَ لَهُ عِلّة خَارِجَة عَن ذَاته (وَلَا لَهُ افتقار إِلَى غير ذَاته، وَسَوَاء كَانَ ذَاك صفة أم لَا) .
وَالْوُجُوب والإيجاب متحدان بِالذَّاتِ ومختلفان بِالِاعْتِبَارِ، فَإِنَّهُ بِاعْتِبَار الْقيام بِالذَّاتِ إِيجَاب، وَبِاعْتِبَار التَّعَلُّق بِالْفِعْلِ وجوب، لَكِن لَا يلْزم من اتحادهما بِالذَّاتِ قيام الْوُجُوب بِمن يقوم بِهِ الْإِيجَاب، حَتَّى يلْزم (أَن يكون) إِطْلَاق الْوَاجِب على الْوَاجِبَات بأسرها من الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا لَا على سَبِيل الْحَقِيقَة، وَإِنَّمَا يلْزم لَو لم يكن بَينهمَا تغاير بِالِاعْتِبَارِ كالتعليم والتعلم.
(وَالْوَاجِب: هُوَ السَّاقِط، أَو اللَّازِم: وَالْحق أَنه الثَّابِت) .
وَهُوَ شَرِيعَة مَا ثَبت بِدَلِيل فِيهِ شُبْهَة مثل مَا ثَبت بِأحد قسمي الظني إِلَّا أَنه يدْخل فِيهِ مَا ثَبت بالظني كالفرض الظني وَالسّنة وَالْمُسْتَحب. وَقد يَشْمَل الْوَاجِب بِإِطْلَاقِهِ على الْمَعْنى الْأَعَمّ الْمضيق كَالصَّوْمِ الَّذِي وقته معيار، والمتسع كَالزَّكَاةِ، والمخير كالكفارة، والمرخص كَأَكْل الْحَرَام عِنْد المخمصة.
(وَقَالَ بَعضهم: الْوَاجِب على أحد وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: يُرَاد بِهِ اللَّازِم الْوُجُود وَأَنه لَا يَصح أَن لَا يكون مَوْجُودا كَقَوْلِنَا فِي الله : وَاجِب وجوده.
وَالثَّانِي: الْوَاجِب بِمَعْنى أَن حَقه أَن يُوجد) .
[وَالْوَاجِب الْمُطلق: هُوَ مَا لَا يتَوَقَّف وُجُوبه على
следующие страницы →