Полный текст (1 034 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
( [حرف الظَّاء] )
(بَاب الظَّاء مَعَ الْألف)
ظَاهر الرِّوَايَة وَظَاهر الْمَذْهَب: عبارتان عِنْد الْفُقَهَاء عَمَّا فِي كتب خَمْسَة صنفها الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى وأساميها ستعرف فِي الْفَتْوَى إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الظَّاهِر: ظَاهر. وَفِي اصْطِلَاح أصُول الْفِقْه كل كَلَام يكون المُرَاد مِنْهُ ظَاهرا للسامع بِنَفس الصِّيغَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أحل الله البيع وَحرم الرِّبَا﴾ فَإِن كل عرب إِذا سمع هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة يفهم حلَّة البيع وَحُرْمَة الرِّبَا من غير تَأمل وَالظَّاهِر قد يحْتَمل التَّأْوِيل والتخصيص.
ظَاهر الْعلم: عِنْد أَرْبَاب الْحَقَائِق عبارَة عَن أَعْيَان الممكنات.
ظَاهر الْوُجُود: عِنْدهم عبارَة عَن تجليات الْأَسْمَاء فَإِن الامتياز فِي ظَاهر الْعلم حَقِيقِيّ والوحدة نسبية وَأما فِي ظَاهر الْوُجُود فالوحدة حَقِيقِيَّة والامتياز نسبي.
ظَاهر الممكنات: عِنْدهم تجلي الْحق بصور أعيانها وصفاتها وَهُوَ الْمُسَمّى بالوجود الإلهي. وَقد يُطلق عَلَيْهِ ظَاهر الْوُجُود كَذَا فِي الاصطلاحات الشَّرِيفَة الشريفية.
(بَاب الظَّاء مَعَ الرَّاء)
الظَّرْفِيَّة: حُلُول الشَّيْء فِي غَيره حَقِيقَة نَحْو المَال فِي الْكيس. أَو مجَازًا نَحْو نظرت فِي الْكتاب.
الظّرْف: مَا يكون محيطا لشَيْء ومحلا لَهُ كالزمان وَالْمَكَان. وَمَا هُوَ عِنْد أَرْبَاب الْأُصُول فِي المعيار إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَيُقَال للْجَار مَعَ الْمَجْرُور ظرفا. فَإِن كَانَ عَامله أَي مُتَعَلّقه مَذْكُورا فَهُوَ.
الظّرْف اللَّغْو: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لإلغائه عَن أَن يقوم مقَام مُتَعَلّقه لكَونه مَذْكُورا مثل زيد كَائِن فِي الدَّار. وَإِن كَانَ مُقَدرا فَهُوَ.
стр. 492
الظّرْف المستقر: وَإِنَّمَا سمي بِهِ لاستقراره مقَام مُتَعَلقَة الْعَامِل فِيهِ مثل زيد فِي الدَّار.
(بَاب الظَّاء مَعَ اللَّام)
الظُّلم: ارْتِكَاب مَعْصِيّة مسقطة للعدالة مَعَ عدم التَّوْبَة والإصلاح وَتلك الْمعْصِيَة هِيَ الَّتِي إِذا ارتكبها شخص لَا يقبل شَهَادَته وَمن ارْتكب الْمعاصِي الَّتِي لَيست مسقطة للعدالة لَيْسَ بظالم لكنه غير مَعْصُوم. فالظالم أخص من غير الْمَعْصُوم وَالْأولَى أَن الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَحَله نعم مَا قَالَ الشَّيْخ الْأَجَل مصلح الدّين السَّعْدِيّ الشيرازمي قدس سره.
(نكوئى بابدان كردن جنان است ... كه بدكرد ن بجاي نيك مردان)
وَقيل الظُّلم هُوَ التَّصَرُّف فِي ملك الْغَيْر ومجاوزة الْحَد.
الظل: هُوَ الَّذِي تنسخه الشَّمْس من الطُّلُوع إِلَى الزَّوَال ثمَّ مِنْهُ إِلَى الْغُرُوب فَيْء وَفِي تَفْسِير القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ ﵀ هُوَ مَا بَين طُلُوع الْفجْر وَالشَّمْس هُوَ أطيب الْأَحْوَال فَإِن الظلمَة الْخَالِصَة تنفر الطَّبْع وتشد النّظر وشعاع الشَّمْس يسخن الجو وينهر الْبَصَر وَلذَلِك وصف بِهِ الْجنَّة فَقَالَ وظل ممدودا انْتهى.
والظل عِنْد الصُّوفِيَّة هُوَ الْمَوْجُود الإضافي الظَّاهِر بتعينات الْأَعْيَان الممكنة وأحكامها الَّتِي هِيَ المعدومات ظهر باسم النُّور الَّذِي هُوَ الْوُجُود الْخَارِجِي الْمَنْسُوب إِلَيْهَا فَيسْتر ظلمَة عدميتها النُّور الظَّاهِر بصورها صَار ظلا بِظُهُور الظل بِالنورِ وعدميته فِي نَفسه قَالَ الله تَعَالَى ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ أَي بسط الْوُجُود الإضافي على الممكنات.
قَالَ الشَّيْخ الْعَارِف الْكَامِل الْوَاصِل بِاللَّه الغواص فِي بحار معرفَة الله الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الْمَشْهُور بفقيه عَليّ المهايمي قدس سره وأنور مرقده فِي تَفْسِيره المشتهر بالتفسير الرحماني ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ دلّ على وجوده الَّذِي هُوَ كَالشَّمْسِ بالوجود المنبسط على حقائق الْأَشْيَاء الَّذِي هُوَ كالظل حَيْثُ مد بعد الْفجْر قبل طُلُوع الشَّمْس الظل من إشراق نور الشَّمْس عِنْد كَونهَا تَحت الْأُفق على الْهَوَاء الَّتِي فَوْقهَا تظهر بِهِ الْأَشْيَاء بعد تكونها فِي ظلمَة اللَّيْل كَذَلِك تظهر بالوجود المنبسط على الْحَقَائِق بعد تكونها فِي ظلمَة الْعَدَم انْتهى.
стр. 493
ظلّ الْأَقْدَام: اعْلَم أَن الظل عِنْد العاملين بالاصطرلاب وَالرّبع الْمُجيب على نَوْعَيْنِ. أَحدهمَا ظلّ الْأَقْدَام وَهُوَ ظلّ المقياس الْقَائِم على الأَرْض المنقسم على سَبْعَة أَجزَاء وَيُسمى كل جُزْء قدما فَإِن كل إِنْسَان يكون مِقْدَار سَبْعَة أقدامه. وَثَانِيهمَا
ظلّ الْأَصَابِع: وَهُوَ ظلّ ذَلِك المقياس المنقسم على اثْنَي عشر جُزْءا وَيُسمى كل جُزْء من ذَلِك المقياس أصبعا لِأَن غَالب مَا يقدر بِهِ الْإِنْسَان شبره والشبر اثْنَا عشر أصبعا أَو لِأَن الْغَالِب فِي مِقْدَار المقياس هُوَ الشبر.
الظل الأول: هُوَ الْعقل الأول لِأَنَّهُ أول عين ظَهرت بنوره تَعَالَى.
ظلّ الله: هُوَ الْإِنْسَان الْكَامِل والمحقق بالحضرة الواحدية.
الظلة: بِالضَّمِّ هِيَ الَّتِي أحد طرفِي جذوعها على حَائِط هَذِه الدَّار وطرفها الآخر على حَائِط الْجِدَار الْمُقَابل. فِي المسكيني شرح كنز الدقائق الظلة هِيَ الساباط الَّذِي أحد طَرفَيْهِ على الدَّار والطرف الآخر على دَار أُخْرَى أَو على الأسطوانات فِي السِّكَّة وَإِلَّا مفتحها فِي الدَّار.
الظلمَة: عدم النُّور عَمَّا من شَأْنه أَن يَسْتَنِير وَجَمعهَا الظُّلم.
الظل الأول: والظل المنكوس والظل المستوي والظل الْمَبْسُوط والظل الثَّانِي والظل المعكوس - فِي المقياس إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الظَّاء مَعَ النُّون)
الظَّن: هُوَ الِاعْتِقَاد الرَّاجِح مَعَ احْتِمَال النقيض. وَقد يسْتَعْمل فِي الْيَقِين وَالشَّكّ كَمَا يسْتَعْمل الشَّك فِي الظَّن كَمَا ستعلم فِي الْيَقِين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
(بَاب الظَّاء مَعَ الْهَاء)
الظِّهَار: بِالْكَسْرِ من الظّهْر وَهُوَ فِي اللُّغَة بِمَعْنى المعاونة كالتظاهر بِمَعْنى التعاون وَتقول ظَاهر من امْرَأَته وتظاهر مِنْهَا أَي قَالَ لَهَا أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي وتعديته بِمن لتضمين معنى الْبعد. وَفِي الْبَحْر الرَّائِق شرح كنز الدقائق الظِّهَار فِي اللُّغَة مصدر ظَاهر امْرَأَته إِذا قَالَ لَهَا أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي كَذَا فِي الصِّحَاح وَفِي الْمِصْبَاح قيل إِنَّمَا خص ذَلِك بِذكر الظّهْر لِأَن الظّهْر من الدَّابَّة مَوْضُوع الرّكُوب وَالْمَرْأَة مركوبة وَقت الغشيان فركوب الْأُم مستعار من ركُوب الدَّابَّة ثمَّ شبه ركُوب الزَّوْجَة بركوب الْأُم الَّذِي هُوَ مُمْتَنع وَهُوَ اسْتِعَارَة لَطِيفَة فَكَأَنَّهُ قَالَ ركوبك للنِّكَاح حرَام عَليّ وَكَانَ الظِّهَار طَلَاقا فِي الْجَاهِلِيَّة
стр. 494
فنهوا عَن الطَّلَاق بِلَفْظ الْجَاهِلِيَّة وَأوجب عَلَيْهِم الْكَفَّارَة تَغْلِيظًا فِي النَّهْي انْتهى.
وَهُوَ فِي الشَّرْع تَشْبِيه زَوْجَة أَو تَشْبِيه مَا عبر بِهِ عَنْهَا كالرأس وَالْوَجْه والرقبة وَنَحْوهَا أَو تَشْبِيه جُزْء شَائِع مِنْهَا كالنصف وَالرّبع بعضو يحرم نظره إِلَيْهِ من أَعْضَاء مَحَارمه أبدا نسبا أَو رضَاعًا أَو ظهرية كَأُمِّهِ وبنته نسبا أَو رضَاعًا وَأم امْرَأَته وَلَا بُد وَأَن يكون الْمظَاهر مُسلما عَاقِلا بَالغا فَلَا صَحَّ ظِهَار الذِّمِّيّ وَالْمَجْنُون وَالصَّبِيّ. وَبِعِبَارَة أُخْرَى الظِّهَار تَشْبِيه مُسلم عَاقل بَالغ مَا يُضَاف وينسب إِلَيْهِ الطَّلَاق من الزَّوْجَة بِمَا يحرم إِلَيْهِ النّظر من عُضْو محرمه أَي الْمحرم نِكَاحهَا مؤيدا بِنسَب أَو رضَاع أَو صهرية.
وَفِي كنز الدقائق هُوَ تَشْبِيه الْمَنْكُوحَة بمحرمة عَلَيْهِ على التَّأْبِيد. قيد التَّشْبِيه بالمنكوحة احْتِرَازًا عَن الْأمة والأجنبية وَلم يقيدها بِشَيْء ليشْمل المدخولة وَغَيرهَا. الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة، الرتقاء وَغَيرهَا، الْعَاقِلَة والمجنونة، الْمسلمَة والكتابية وَقيد بالتأبيد لِأَنَّهُ لَو شبهها بأخت امْرَأَته لَا يكون مُظَاهرا لِأَن حرمتهَا مُؤَقَّتَة بِكَوْن امْرَأَته فِي عصمته وَكَذَا الْمُطلقَة ثَلَاثًا. وَأطلق الْحُرْمَة فَيشْمَل الْمُحرمَة نسبا وصهرا ورضاعا فَلَو شبهها بِأُمِّهِ أَو بِأم امْرَأَته أَو بِأُمِّهِ رضَاعًا كَانَ مُظَاهرا. وَأَرَادَ بالتأبيد تأبيد الْحُرْمَة بِاعْتِبَار وصف لَا يُمكن زَوَاله لَا بِاعْتِبَار وصف يُمكن زَوَاله فَإِن للمجوسية حُرْمَة لَا على التَّأْبِيد فَلَو قَالَ أَنْت عَليّ كَظهر مَجُوسِيَّة لَا يكون مُظَاهرا. ذكر فِي جَوَامِع الْفِقْه لِأَن التَّأْبِيد بِاعْتِبَار دوَام الْوَصْف وَهُوَ غير لَازم للمجوسية لجَوَاز إسْلَامهَا بِخِلَاف الأمية والأختية وَغَيرهمَا كَذَا فِي فتح الْقَدِير وَهُوَ يُوجب حُرْمَة الوطئ ودواعيه حَتَّى يكفر فَلَو وطئ قبل التَّكْفِير يكون عَاصِيا اسْتغْفر الْغفار وَلَا يجب عَلَيْهِ غير الْكَفَّارَة الأولى. وَإِنَّمَا تجب الْكَفَّارَة بِعُود الْمظَاهر ورجوعه. فالعود هُوَ الْمُوجب لِلْكَفَّارَةِ ويستقر وُجُوبهَا بِهِ وَلَيْسَ المُرَاد بِالْعودِ الْوَطْء بل عوده عزمه على وَطئهَا وكفارته تَحْرِير رَقَبَة فَإِن لم يسْتَطع عَلَيْهَا صَامَ شَهْرَيْن مُتَتَابعين لَيْسَ فيهمَا رَمَضَان وَأَيَّام منهية وَإِن لم يسْتَطع الصَّوْم أطْعم سِتِّينَ فَقِيرا كالفطرة أَو قِيمَته.
стр. 495
( [حرف الْعين] )
(بَاب الْعين مَعَ الْألف)
الْعَارِف: فِي الْمعرفَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد مر فِي الزَّاهِد كَمَا أَن
العابد: فِي الزَّاهِد أَيْضا.
العائق: الْمَانِع وَجمعه الْعَوَائِق أَي الْمَوَانِع.
الْعَادة طبيعة خَامِسَة: لَيْت شعري مَا المُرَاد بِهَذَا القَوْل الْمَشْهُور فَإِن الطبيعة أَمْرَانِ جبلي وعادي - وَالْأول أَرْبَعَة دموي وصفراوي وسوداوي وبلغمي فَالْقَوْل بِأَن الْعَادة طبيعة خَامِسَة بِنَاء على أَقسَام الْجبلي لَيْسَ بصواب فالعادة لَيست إِلَّا طَبِيعَته ثَانِيَة.
عَاشُورَاء: هُوَ الْيَوْم الْعَاشِر من الْمحرم يَوْم عَظِيم حدثت فِيهِ حوادث عَظِيمَة الشَّأْن عَجِيبَة الْبَيَان، كخلق آدم ﵇، وإخراجه من الْجنان، وَقبُول تَوْبَته - ومغفرته عَن الْعِصْيَان، وطوفان نوح ﵇ سِيمَا شَهَادَة الإِمَام الْهمام الْمَظْلُوم الْمَعْصُوم الشَّهِيد السعيد أبي عبد الله الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ابْن أَسد الله الْغَالِب عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه وسيحدث فِيهِ أُمُور عِظَام جسام أَو مهولة مخوفة، كخروج الإِمَام الْهمام مُحَمَّد الْمهْدي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - ونزول عِيسَى ﵇ من السَّمَاء - وَخُرُوج الدَّجَّال - ودابة الأَرْض - خُصُوصا قيام الْقِيَامَة كَمَا أخبر بهَا الْمخبر الصَّادِق الصدوق نَبِي آخر الزَّمَان عَلَيْهِ وعَلى آله الصَّلَاة وَالسَّلَام من الله الْملك المنان وَاسْتحْسن الْفُقَهَاء فِيهِ عشرَة أَعمال كَمَا قَالَ وَاحِد من الأكابر:
(عَلَيْكُم يَوْم عَاشُورَاء قومِي ... بِأَن تَأْتُوا بِعشر من خِصَال)
(بِصَوْم وَالصَّلَاة وَمسح أيد ... على رَأس الْيَتِيم والاغتسال)
(وَصلح والعيادة للأعلا ... وتوسيع الطَّعَام على الْعِيَال)
(وثامنها زِيَارَة عالميكم ... وتاسعها الدُّعَاء مَعَ اكتحال)
وَلم تثبت هَذِه الْأَعْمَال من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، فَإِن الْأَحَادِيث المنقولة فِيهَا مَوْضُوعَات - وَإِن أردْت أَن تكشف غطاءك عَن أَحْوَال هَذِه الْعشْرَة فَعَلَيْك أَن تطالع (تَحْقِيق لَيْلَة الرغائب والبرات) نعم الصَّوْم وتوسيع الطَّعَام على الْعِيَال فِي الْيَوْم الْمَذْكُور ثَابت بالأحاديث الصَّحِيحَة وَإِنَّمَا سمي عَاشُورَاء لِأَن الله تَعَالَى أعْطى لعشرة من الْأَنْبِيَاء
стр. 496
عشر كرامات فِي ذَلِك الْيَوْم - آدم - وَإِدْرِيس - ونوحا - وَيُونُس - وَأَيوب - ويوسف - ومُوسَى - وَعِيسَى - وَإِبْرَاهِيم - ومحمدا - صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَهَذَا يَوْم من أطَاع الله تَعَالَى فِيهِ نَالَ جزيل الثَّوَاب - وَمن عَصَاهُ فِيهِ عُوقِبَ بأشد الْعقَاب وَالْعَذَاب - كقاتل حُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بل من أَمر بقتْله واستبشر بِهِ.
وَفِي اليواقيت يجب على الْأَبَوَيْنِ أَن يأمرا الصَّبِي بِصَوْم عَاشُورَاء إِذا كَانَ لَا يلْحقهُ ضَرَر لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَن النَّبِي الْمُخْتَار ﵇ كَانَ يَدْعُو الْحسن وَالْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَقت السحر ويلقي البزاق فِي فيهمَا وَكَانَ يَقُول لفاطمة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لَا تطعميهما الْيَوْم شَيْئا فَإِن هَذَا يَوْم تَصُوم الوحوش وَلَا تَأْكُل. وَفِي الْمُلْتَقط روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﵊ أَنه قَالَ من صَامَ يَوْم عَاشُورَاء كَانَ كَفَّارَة لذنب سنة وَمن وسع النَّفَقَة على عِيَاله يُوسع الله عَلَيْهِ الرزق سنة. وَفِي الشرعة يسْتَحبّ أَن يَصُوم قبل يَوْم عَاشُورَاء يَوْمًا وَبعده يَوْمًا خلافًا لأهل الْكتاب. وَاعْلَم أَن الْفُقَهَاء والعباد يلتزمون الصَّلَاة والأدعية فِي هَذَا الْيَوْم ويذكرون فِيهَا الْأَحَادِيث وَلم يثبت شَيْء مِنْهَا عِنْد أهل الحَدِيث غير الصَّوْم وتوسيع الطَّعَام كَمَا مر.
ف (٦٧) :
الْعَارِض السماوي: مَا ثَبت من قبل الشَّارِع بِدُونِ اخْتِيَار العَبْد فِيهِ وَلِهَذَا نسب إِلَى السَّمَاء فَإِن مَا لَا اخْتِيَار للْعَبد فِيهِ ينْسب إِلَى السَّمَاء على معنى أَنه خَارج عَن قدرَة العَبْد نَازل من السَّمَاء كالجنون - والصغر - والعته - وَالنِّسْيَان وَالنَّوْم وَالْإِغْمَاء - والرزق - وَالْمَرَض - وَالْحيض - وَالنّفاس - وَالْمَوْت.
الْعَارِية: فِي الْكِفَايَة فِي الصِّحَاح الْعَارِية بتَشْديد الْيَاء التَّحْتَانِيَّة بنقطتين كَأَنَّهَا منسوبة إِلَى الْعَار لِأَن طلبَهَا عَار وعيب. وَفِي الْمغرب الْعَارِية فَعَلَيهِ منسوبة إِلَى العارة اسْم من الْإِعَارَة كالغارة من الإغارة وَأَخذهَا من الْعَار بِمَعْنى الْعَيْب أَو العرى خطأ وَفِي الْمَبْسُوط وَقيل هِيَ من التعاور وَهُوَ التناوب فَكَانَ الْمُعير يَجْعَل للْغَيْر نوبَته فِي الِانْتِفَاع بِملكه على أَن تعود النّوبَة إِلَيْهِ بالاسترداد مَتى شَاءَ وَلِهَذَا كَانَت الْإِعَارَة فِي الْمكيل وَالْمَوْزُون قرضا لِأَنَّهُ لَا ينْتَفع بهَا إِلَّا باستهلاك الْعين وَلَا تعود النّوبَة إِلَيْهِ فِي ملك الْعين ليَكُون حَقِيقَة وَإِنَّمَا تعود النّوبَة إِلَيْهِ فِي ملكهَا انْتهى. فَهِيَ معتل الْعين وَجوز بَعضهم كَونهَا معتل اللَّام من العرى بِالضَّمِّ والسكون مصدر عرى يعرى فَهُوَ عَار وعريان من بَاب علم وَالْيَاء للنسبة سمي العقد بِهِ لتعريه عَن الْعِوَض. وَالْعَارِية فِي الشَّرْع تمْلِيك الْمَنْفَعَة بِلَا عوض.
وَاعْلَم أَن الْوَدِيعَة وَالْعَارِية وَرَأس المَال فِي الْمُضَاربَة مُشْتَركَة فِي كَون كل مِنْهَا
стр. 497
أَمَانَة وَالْفرق بَينهمَا أَن الْوَدِيعَة أَمَانَة تركت للْحِفْظ، وَالْعَارِية أَمَانَة دفعت للْحِفْظ وَالِانْتِفَاع وَرَأس المَال فِي الْمُضَاربَة دفعت للْحِفْظ والاسترباح.
الْعَامِل: فِي اللُّغَة كأركن. وَعند النُّحَاة مَا بِهِ يتقوم الْمَعْنى الْمُقْتَضِي للإعراب وَهُوَ على نَوْعَيْنِ - لَفْظِي - ومعنوي.
الْعَامِل اللَّفْظِيّ: مَا يكون ملفوظا عَاملا اسْما أَو فعلا أَو حرفا.
الْعَامِل الْمَعْنَوِيّ: هُوَ الْعَامِل الَّذِي لَا يكون للسان حَظّ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ معنى يعرف بِالْقَلْبِ، ثمَّ الْعَامِل اللَّفْظِيّ على نَوْعَيْنِ - سَمَاعي - وقياسي.
الْعَامِل السماعي: مَا سمع من الْعَرَب وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ فَيُقَال هَذَا يعْمل كَذَا وَهَذَا يعْمل كَذَا وَلَيْسَ لَك أَن تتجاوز. فَتَقول إِن على تجر وَلنْ تنصب وَلَيْسَ لَك أَن تَقول إِن كل مَا كَانَ على وزن على يجر وعَلى زنة لن ينصب.
الْعَامِل القياسي: مَا سمع من الْعَرَب وَيُقَاس عَلَيْهِ فَيصح أَن يُقَال فِيهِ كل مَا كَانَ كَذَا فَإِنَّهُ يعْمل كَذَا فَإنَّك تَقول إِن ضرب مثلا يرفع الْفَاعِل وَينصب الْمَفْعُول وَيصِح أَن تَقول كل مَا كَانَ كَذَا فَهُوَ يرفع الْفَاعِل وَينصب الْمَفْعُول.
الْعَائِد: من الْعود وَهُوَ الرُّجُوع والعائد عِنْد النُّحَاة أَرْبَعَة الضَّمِير مثل زيد أَبوهُ قَائِم. وَلَام التَّعْرِيف مثل نعم الرجل زيد. وَوضع الْمظهر مَوضِع الْمُضمر نَحْو الحاقة مَا الحاقة. وَكَون الْخَبَر تَفْسِيرا للمبتدأ مثل ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ .
الْعَارِض: للشَّيْء الْخَارِج عَنهُ الْمَحْمُول عَلَيْهِ كالضحك للْإنْسَان وَهُوَ أَعم من الْعرض إِذْ يُقَال للجوهر عَارض لَا عرض كالصورة الجسمية فَإِنَّهُ يُقَال لَهَا أَنَّهَا تعرض على الهيولى.
الْعَام: مَأْخُوذ من الْعُمُوم وَهُوَ الشُّمُول يُقَال مطر عَام إِذا عَم الْأَمْكِنَة. ويقابله الْخَاص بِخِلَاف الْمُطلق فَإِنَّهُ لَا يتَنَاوَل الْجَمِيع بل يتَنَاوَل الْوَاحِد غير معِين. ويقابله الْمُقَيد. وَعند الْأُصُولِيِّينَ فِي الْعَام اخْتِلَاف بِحَسب اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق وَعَدَمه فَمن لم يشْتَرط الِاسْتِغْرَاق فِيهِ عرفه بِأَنَّهُ كل لفظ يَنْتَظِم جمعا من المسميات شمولا لفظا أَو معنى. وَالْمرَاد بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوع بِقَرِينَة الْمقسم وبالانتظام الشُّمُول وَهُوَ احْتِرَاز عَن الْمُشْتَرك فَإِنَّهُ لَا يَشْمَل الْمَعْنيين فضلا عَن الْمعَانِي بل يحْتَمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على السوَاء وَقَوله جمعا احْتِرَاز عَن الْمثنى فَإِنَّهُ لَيْسَ بعام بل هُوَ مثل سَائِر أَسمَاء الْأَعْدَاد فِي الْخُصُوص واحتراز عَن اشْتِرَاط الِاسْتِغْرَاق أَيْضا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْط عِنْد أَكثر الْأُصُولِيِّينَ وَبِقَوْلِهِ من المسميات عَن الْمعَانِي عِنْد الْمُتَأَخِّرين من مَشَايِخنَا وَالْمرَاد من الانتظام لفظا أَن تدل صيغته على الشُّمُول كصيغ الجموع مثل زيدون وَرِجَال وَمن الانتظام بِمَعْنى أَن يكون الشُّمُول بِاعْتِبَار الْمَعْنى دون الصِّيغَة كمن وَمَا وَالْقَوْم والرهط وَنَحْوهَا فَإِنَّهَا عَامَّة
стр. 498
من حَيْثُ الْمَعْنى لتناولها جمعا من المسميات وَإِن كَانَ صيغها صِيغ الْخُصُوص وَمن شَرط الِاسْتِغْرَاق فِيهِ عرفه بِأَنَّهُ لفظ وضع وضعا وَاحِدًا لكثير غير مَحْصُور مُسْتَغْرق لجَمِيع مَا يصلح لَهُ وَإِنَّمَا قيد بِالْوَضْعِ الْوَاحِد ليخرج الْمُشْتَرك فَإِنَّهُ مَوْضُوع بأوضاع مُتعَدِّدَة وبالكثير ليخرج الْخَاص كزيد وَعَمْرو وَبِغير مَحْصُور ليخرج أَسمَاء الْعدَد فَإِن الْعشْرَة مثلا مَوْضُوعَة وضعا وَاحِدًا لكثير مَحْصُور وبالمستغرق لجَمِيع مَا يصلح لَهُ ليخرج الْجمع الْمُنكر كرجال وَيظْهر فَائِدَة الِاخْتِلَاف فِي الْعَام الَّذِي خص مِنْهُ الْبعد فَعِنْدَ من شَرط الِاسْتِغْرَاق لَا يجوز التَّمَسُّك بِعُمُومِهِ لِأَنَّهُ لم يبْق عَاما وَعند من لم يشْتَرط يجوز لبَقَاء الْعُمُوم بِاعْتِبَار بَقَاء الجمعية فَافْهَم.
الْعَاشِر: يحْتَمل التصيير وَالْحَال. وَفِي الشَّرْع من نَصبه الإِمَام على الطَّرِيق ليَأْخُذ الصَّدقَات من التُّجَّار الَّذين يَمرونَ عَلَيْهِ عِنْد استجماع شَرَائِط الْوُجُوب.
العادلة والعائلة والعازلة: اعْلَم أَن مسَائِل الْفَرَائِض على ثَلَاثَة أَقسَام مَذْكُورَة لِأَن الْفُرُوض والسهام إِذا كَانَت سَوَاء تسمى الْمَسْأَلَة عادلة كَزَوج وَأم وأختين لأم. وَإِذا كَانَت الْفُرُوض زَائِدَة على السِّهَام يُسمى عائلة كَزَوج وَأم وَأُخْت لأَب وَأم، وَإِذا كَانَت السِّهَام زَائِدَة على الْفُرُوض تسمى عازلة كَأُمّ وَأُخْت لأَب وَأم.
العاذرية: هم الَّذين عذروا النَّاس بالجهالات فِي الْفُرُوع.
الْعَالم: بِكَسْر اللَّام اسْم الْفَاعِل من الْعلم بِمَعْنى دانستن وَبِفَتْحِهَا مُشْتَقّ من الْعلم بِمَعْنى الْعَلامَة فَمَعْنَاه مَا يعلم بِهِ كالخاتم بِمَعْنى مَا يخْتم بِهِ ثمَّ غلب على مَا سوى الله تَعَالَى لِأَنَّهُ مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع، وَفَسرهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ ﵀ فِي شرح العقائد بقوله أَي مَا سوى الله تَعَالَى من الموجودات مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع. وَقَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة أَن قَوْله مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع إِشَارَة إِلَى وَجه تَسْمِيَة مَا سوى الله تَعَالَى بالعالم وَلَيْسَ من التَّعْرِيف كَمَا هُوَ الْمَشْهُور أَنه من تتمته لِأَن سوى بِمَعْنى الْغَيْر وَالْمرَاد بِهِ الْغَيْر المصطلح أَي جَائِز الانفكاك فَخرج عَنهُ صِفَاته تَعَالَى لِأَنَّهَا لَيست غير الذَّات كَمَا أَنَّهَا لَيست عين الذَّات فَلَو جعل قَوْله مِمَّا يعلم بِهِ الصَّانِع من تَتِمَّة التَّعْرِيف لزم استدراكه وَالْمَشْهُور أَنه من تتمته بِنَاء على حمل الْغَيْر على الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَعنِي المغائر فِي الْمَفْهُوم وَإِخْرَاج صِفَاته تَعَالَى إِذْ لَا يعلم بهَا الصَّانِع.
وَالتَّحْقِيق أَن الْمَشْهُور أولى لِأَن حمل الْغَيْر على المصطلح بعيد عَن الْفَهم وعَلى تَقْدِير التَّسْلِيم يلْزم اسْتِدْرَاك قَوْله من الموجودات إِذا لغير المصطلح لَا يُطلق إِلَّا على الْمَوْجُود. ثمَّ اعْلَم أَنه يتَوَهَّم من التَّعْرِيف الْمَذْكُور أَمْرَانِ أَحدهمَا جَوَاز إِطْلَاق الْعَالم على زيد وَعَمْرو وَغير ذَلِك من الجزئيات وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لَا يُطلق على الجزئيات بل على كل وَاحِد من الْأَجْنَاس وَثَانِيهمَا اخْتِصَاص إِطْلَاقه على مَجْمُوع مَا سوى الله تَعَالَى
стр. 499
حَيْثُ بَين الْمَوْصُول بِصِيغَة الْجمع وَقَالَ من الموجودات وَلَيْسَ كَذَلِك لما مر من جَوَاز إِطْلَاقه على كل وَاحِد من الْأَجْنَاس وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ اسْما للْكُلّ لَا لكل وَاحِد من الْأَجْنَاس لما صَحَّ جمعه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿رب الْعَالمين﴾ . أَلا ترى أَن الشَّارِح الْمُحَقق رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي شرح الْكَشَّاف إِنَّه اسْم لكل جنس وَلَيْسَ اسْما للمجموع بِحَيْثُ لَا يكون لَهُ أَفْرَاد بل أَجزَاء فَيمْتَنع جمعه انْتهى. ولدفع الوهمين الْمَذْكُورين قَالَ الْمُحَقق وَيُقَال - عَالم الْأَجْسَام - وعالم الْإِعْرَاض - وعالم النَّبَات - وعالم الْحَيَوَان وَإِنَّمَا يندفعان بِهَذَا القَوْل لِأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَمريْن أَحدهمَا أَن الْعَالم يُطلق على كل وَاحِد من الْأَجْنَاس لَا على كل جزئي مِنْهَا وَثَانِيهمَا أَنه اسْم مَوْضُوع للقدر الْمُشْتَرك بَين جَمِيع الْأَجْنَاس وَهُوَ مَا سوى الله تَعَالَى لَا للْكُلّ أَي للمجموع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع فبالأمر الأول ينْدَفع الْوَهم الأول وَبِالثَّانِي الثَّانِي وَلَا يجوز دفع الْوَهم الثَّانِي بِأَن يُقَال إِنَّه مُشْتَرك بَين الْمَجْمُوع أَي الْكل وَبَين كل وَاحِد لِأَن القَوْل بالاشتراك خلاف الأَصْل لَا يُصَار إِلَيْهِ بِلَا ضَرُورَة مَعَ أَنه مَوْقُوف على الْعلم بِتَعَدُّد الْوَضع وَإِثْبَات الْوَضع بِلَا دَلِيل بَاطِل. فَإِن قلت، متن العقائد صَرِيح فِي أَنه اسْم للْكُلّ حَيْثُ قَالَ الْعَالم بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُحدث فَإِن الْأَجْزَاء إِنَّمَا تكون للْكُلّ كَمَا لَا يخفى. قُلْنَا هَذَا القَوْل قَضِيَّة كُلية مَعْنَاهُ كل جنس يصدق عَلَيْهِ مَفْهُوم اسْم الْعَالم بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ حَادث لِأَن مهملات الْعُلُوم كليات أَو لِأَن اللَّام على الْعَالم للاستغراق وَهُوَ سور الْمُوجبَة الكليه كَمَا بَين فِي مَوْضِعه. وَالْغَرَض من ذَلِك القَوْل الرَّد على الفلاسفة الْقَائِلين بقدم السَّمَاوَات بأجزائها أَي موادها وصورها الجسمية والنوعية وأشكالها أَي الصُّور الشخصية وبقدم العناصر بموادها وصورها لَكِن بالنوع بِمَعْنى أَنَّهَا لم تخل قطّ عَن صُورَة مَا. وَهَذَا الْغَرَض إِنَّمَا يحصل إِذا كَانَ ذَلِك القَوْل قَضِيَّة كُلية إِذْ محصلها حِينَئِذٍ أَن كل جنس من الْأَجْنَاس حَادث مَعَ حُدُوث الْأَجْزَاء الَّتِي تركب مِنْهَا.
وَاعْلَم أَن مَا قيل إِن الْعَالم اسْم مَا علم بِهِ الْحق تَعَالَى شَأْنه مَبْنِيّ على أَنه اسْم غير صفة لَكِن فِيهِ معنى الوصفية وَهِي الدّلَالَة على معنى الْعلم. وَأما الْعَالم عِنْد أهل الْحَقَائِق هُوَ الْحق المتجلي بصفاته لِأَنَّهُ اسْم لما سوى الله تَعَالَى وسواه مُنْتَفٍ عِنْدهم فبالضرورة هُوَ الْحق المتجلي بصفاته وَيحْتَمل على مَذْهَبهم أَن يرجع ضمير صِفَاته إِلَى الْعَالم أَي الْعَالم هُوَ الْحق المتجلي بِصِفَات الْعَالم هَذَا هُوَ الْأَنْسَب لما قيل ظهر بِوُجُود الْإِنْسَان بِصفة الْإِنْسَان.
(آن بادشاه أعظم دربسة بود مُحكم ... بوشيده دلق آدم كاه بر درآمد)
وَأَيْضًا أَن الْحق اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَاسْتعْمل أَيْضا فِي معنى آخر وَهُوَ
стр. 500
الحكم المطابق للْوَاقِع ويقابله الْبَاطِل فَالْمَعْنى على هَذَا أَن الْعَالم هُوَ الْحق أَي غير الْبَاطِل المتجلي بصفاته الكائنة فِي علم الله تَعَالَى وَيحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى الْعَالم هُوَ الْحق أَي غير الْبَاطِل المتجلي بِسَبَب صِفَات الله سُبْحَانَهُ على صَنْعَة الِاسْتِخْدَام.
(بَاب الْعين مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)
الْعِبَادَة: فعل الْمُكَلف على خلاف هوى نَفسه تَعْظِيمًا لرَبه. وَفِي التَّلْوِيح الْعِبَادَة فعل يباشره العَبْد بِخِلَاف هوى نَفسه ابْتِغَاء لمرضاة الله تَعَالَى. وَهِي على ثَلَاثَة أَنْوَاع بدني مَحْض كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم، وَمَالِي مَحْض كَالزَّكَاةِ، ومركب مِنْهُمَا كَالْحَجِّ.
العَبْد: من يعبد ربه ويطيع أمره وَنَهْيه والمملوك وَهُوَ أَعم من الْقِنّ كَمَا ستعلم فِيهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْعُبُودِيَّة: الْوَفَاء بالعهود وَحفظ الْحُدُود والرضى بالموجود وَالصَّبْر على الْمَفْقُود.
عبارَة النَّص: النّظم الْمَعْنَوِيّ المسوق لَهُ الْكَلَام وَإِنَّمَا سمي عبارَة النَّص لِأَن الْمُسْتَدلّ يعبر من النّظم إِلَى الْمَعْنى والمتكلم من الْمَعْنى إِلَى النّظم فَكَانَت هِيَ مَوضِع العبور فَإِذا عمل بِمُوجب الْكَلَام من الْأَمر وَالنَّهْي يُسمى اسْتِدْلَالا بِعِبَارَة النَّص.
الْعَبَث: ارْتِكَاب أَمر غير مَعْلُوم الْفَائِدَة.
(بَاب الْعين مَعَ التَّاء الْفَوْقِيَّة)
العته: آفَة ناشئة عَن الذَّات توجب خللا فِي الْعقل لَا يصل صَاحبه وَهُوَ الْمَعْتُوه إِلَى حد الْجُنُون بل يكون مختلط الْعقل فبعض كَلَامه يكون مشابها لكَلَام الْعُقَلَاء وَبَعضه لكَلَام المجانين. فَالْفرق بَينه وَبَين الْمَجْنُون ظَاهر وَأما بَينه وَبَين السَّفِيه فبأنه لَا يشابه الْمَجْنُون وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ الْمَجْنُون مجَازًا لخفة عقله والعته لَا يُوجب الْمَنْع عَن التَّصَرُّفَات كَمَا مر فِي الْحجر.
الْعتْق وَكَذَا الْعتاق: فِي اللُّغَة الْقُوَّة وَمِنْه الْإِعْتَاق أَي إِعْطَاء الْقُوَّة. وَفِي الشَّرْع هُوَ قُوَّة حكمِيَّة يصير بهَا الْإِنْسَان أَهلا للتصرفات الشَّرْعِيَّة. وَالتَّفْصِيل فِي الْإِعْتَاق وَالْعتاق الَّذِي هُوَ جمع الْعَتِيق لَيْسَ بمصدر والعتيق الَّذِي جمعه الْعتاق مَعْنَاهُ الْفرس الْعَرَبِيّ وَالَّذِي مَعْنَاهُ الْمُعْتق جمعه عُتَقَاء.
стр. 501
الْعَتِيق: فعيل من الْعتْق بِمَعْنى (مرد آزاد) - وَجَاء فِي الْأَخْبَار عَن النَّبِي الْمُخْتَار ﷺ َ - من تمّ لَهُ ثَمَانُون سنة جعله الله تَعَالَى عتيقا من النَّار بِشَرْط الْإِسْلَام يَعْنِي لَا يَأْخُذهُ بِمَعْصِيَة من الْمعاصِي - وَالظَّاهِر أَن المُرَاد بِالْمَعَاصِي مَا لَا يكون فِيهِ حق العَبْد وَلَكِن المرجو مِمَّن كَانَ غفارًا أَن يغْفر جَمِيع مَعَاصيه بفضله وَكَرمه ومعاصي غَيره بالتحمل عَنهُ - والعتيق خير من الرَّقِيق الْمُقَيد فِي يَد غَيره اللَّهُمَّ اجْعَل رقبتي عتيقا من ربقة الْقُيُود، وَأَعْطِنِي من خَزَائِن إطلاقك النُّقُود.
ف (٦٨) :
العتاب: مَا يكون على صُدُور الْمَكْرُوه من الحبيب تأديبا ليَسْتَغْفِر عَنهُ وَيصير مورد المراحم بِخِلَاف الْعقَاب فَإِنَّهُ مَا يكون على صُدُور الْمَكْرُوه من الْعَدو تفضيحا وتأليما كالعذاب على الْكفَّار وخلودهم فِي النَّار فِي تِلْكَ الدَّار. وَبِعِبَارَة أُخْرَى العتاب تَأْدِيب الشَّفَقَة.
(بَاب الْعين مَعَ الثَّاء الْمُثَلَّثَة)
ف (٦٩) :
(بَاب الْعين مَعَ الْجِيم)
العجمة: كَون اللَّفْظ مِمَّا وَضعه غير الْعَرَب.
الْعجب: بِالضَّمِّ تصور شخص اسْتِحْقَاق رُتْبَة لَا يكون مُسْتَحقّا لَهُ. وبفتح الأول وَالثَّانِي تأثر النَّفس بِمَا خَفِي سَببه وَخرج عَن الْعَادة مثله.
العجاردية: طَائِفَة عبد الله بن عجرد قَالُوا إِن أَطْفَال الْمُشْركين فِي النَّار.
الْعَجز: عدم الْقُدْرَة على الْمُمكن الَّذِي لَا يكون فِيهِ شَائِبَة الِامْتِنَاع فَإِن عدم الْقُدْرَة على الْمُمكن بِالذَّاتِ الْمُمْتَنع بِالْغَيْر لَيْسَ بعجز فَإِن الله تَعَالَى لَا يقدر على إعدام الْمَعْلُول مَعَ وجود علته التَّامَّة - وَلَا يُقَال إِنَّه تَعَالَى عَاجز عَنهُ تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ يخرج عَن الْعَجز فِي كثير من المغالطات، ثمَّ اعْلَم أَن الْعَجز على الله تَعَالَى محَال لِأَن الِاحْتِيَاج لَازم للعجز وَالْإِجْمَاع على أَن الِاحْتِيَاج نقص محَال على الله تَعَالَى لِأَنَّهُ دَلِيل الْإِمْكَان والحدوث فَمن قَالَ بعجزه تَعَالَى فَهُوَ كَافِر. فَإِن قيل، فَعَلَيْكُم أَن تَقولُوا يكفر الْمُعْتَزلَة لأَنهم قَائِلُونَ بعجزه تَعَالَى لقَولهم بِأَن طَاعَة الْفَاسِق
стр. 502
مُرَاده تَعَالَى وَلَكِن لَا يحصل وَعدم حُصُول المُرَاد عجز كَمَا يشْهد بِهِ تَقْرِير برهَان التمانع - قُلْنَا الْإِرَادَة عِنْد الْمُعْتَزلَة قِسْمَانِ إِرَادَة قسر والجاء، وَإِرَادَة تَفْوِيض وتخيير، وتخلف المُرَاد عَن الْإِرَادَة الأولى لَا يجوز عِنْدهم لِأَنَّهُ عجز وتخلفه عَن الثَّانِيَة جَائِز لَيْسَ بعجز والمتعلق بِطَاعَة الْفَاسِق وإيمان الْكَافِر هِيَ الْإِرَادَة التفويضية دون القسريه ومثلوا للإرادة التفويضية أَن تَقول لعبدك أُرِيد مِنْك كَذَا وَلَا أجبرك أَي أَنْت مُخْتَار فِي الْفِعْل وَالتّرْك.
(بَاب الْعين مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)
الْعد: مصدر بِمَعْنى الإحصاء يَعْنِي (شمردن) وَجَاء فِي اللُّغَة بِمَعْنى الإفناء يَعْنِي فناكردن. وَفِي اصْطِلَاح أهل الْحساب كَون عدد أقل بِحَيْثُ إِذا نقص من الْأَكْثَر مرّة بعد أُخْرَى لم يبْق مِنْهُ شَيْء وَفِيه تدَاخل العددين الْمُخْتَلِفين أَن يعد أقلهما الْأَكْثَر أَي يفنيه.
الْعدَد: اسْم لَيْسَ بمصدر وَلِهَذَا لم يدغم لِئَلَّا يلتبس بالعد الْمصدر وَهُوَ فِي اللُّغَة شمار وَجَاء بِمَعْنى الْمَعْدُود وَفِي تَعْرِيفه عِنْد أهل الْحساب اخْتِلَاف قَالَ مَوْلَانَا نظام الدّين النَّيْسَابُورِي فِي الرسَالَة الشمسية الْعدَد كمية تطلق على الْوَاحِد وَمَا يتألف مِنْهُ فَيدْخل الْوَاحِد فِي الْعدَد وَقيل إِن الْعدَد قسم الْكمّ والكم مَا يَنْقَسِم بِالذَّاتِ وَالْوَاحد لَا يَنْقَسِم بِالذَّاتِ أَقُول من عرف الْعدَد بِهَذَا التَّعْرِيف وَأدْخل الْوَاحِد فِي الْعدَد يَقُول إِن الْعدَد أَعم من الْكمّ الْمُنْفَصِل لِأَن الْوَاحِد مِنْهُ لَيْسَ بكم فضلا عَن أَن يكون كَمَا مُنْفَصِلا كَمَا يفهم من الْحَوَاشِي الحكيمية على الخيالية فِي مَبْحَث الصِّفَات وَقيل المُرَاد بالكمية فِي التَّعْرِيف الْمَذْكُور مَا يَقع فِي جَوَاب كم الاستفهامية لَا الْمَعْنى المصطلح فَلَا إِشْكَال لِأَن الْوَاحِد يَقع فِي جَوَاب كم فَإِنَّهُ إِذا سَأَلَك شخص بِأَنَّهُ كم رجل عنْدك فَقلت وَاحِد فَيَقَع الْوَاحِد فِي جَوَاب كم الاستفهامية.
وَعند الْمُحَقِّقين الْوَاحِد خَارج عَن الْعدَد لِأَنَّهُ لَيْسَ بكم إِذْ الْوحدَة تَقْتَضِي اللاقسمة وَلذَا قَالُوا إِن الْوحدَة من قبيل الكيف على أَنه يُمكن منع كَونهَا عرضا بِسَنَد أَنَّهَا من الْأُمُور الاعتبارية عِنْد الْمُحَقِّقين فتعريف الْعدَد عِنْد الْمُحَقِّقين نصف مَجْمُوع حاشيتيه والحاشيتان إِمَّا عددان كحاشيتي الْخَمْسَة وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة أَو عدد ووحدة كحاشيتي الِاثْنَيْنِ يكون بعد أَحدهمَا فِي التَّرْتِيب عَن الْوَاسِطَة جَانب الْقلَّة وَالْكَثْرَة مثل بعد الآخر عَنْهَا مثل الْخَمْسَة فَإِنَّهَا نصف سِتَّة وَأَرْبَعَة وَنصف سَبْعَة وَثَلَاثَة وَنصف ثَمَانِيَة واثنين وَنصف وَاحِد وَتِسْعَة فَيكون ضعفها مُسَاوِيا لحاشيتها وَنِصْفهَا لربعي حاشيتيها فَيخرج
стр. 503
الْوَاحِد عَن تَعْرِيف الْعدَد لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْحَاشِيَة التَّحْتَانِيَّة وَقد يتَكَلَّف لصدق التَّعْرِيف على الْوَاحِد بتعميم الْحَاشِيَة الفوقانية والتحتانية من الصَّحِيح وَالْكَسْر بِمَعْنى أَنَّهُمَا أَعم من أَن يَكُونَا صَحِيحَيْنِ أَو كسرين أَو يكون أَحدهمَا كسرا فَقَط وَالْآخر مَعَ صَحِيح وَأما كَون إِحْدَاهمَا كسرا فَقَط وَالْآخر صَحِيحا فَقَط فَلَا يجوز لِأَن الْحَاشِيَة التَّحْتَانِيَّة لكل عدد ينقص عَنهُ بِمِقْدَار زِيَادَة الْحَاشِيَة الفوقانية عَلَيْهِ فالواحد نصف مَجْمُوع حَاشِيَته لِأَن حَاشِيَته التَّحْتَانِيَّة هِيَ النّصْف مثلا وحاشيته الفوقانية وَاحِد وَنصف لَكِن الْحق أَن الْوَاحِد لَيْسَ بِعَدَد لِأَن الْعدَد يَنْقَسِم بِالذَّاتِ وَالْوَاحد لَا يَنْقَسِم بِالذَّاتِ لَكِن قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ كل مَا يَقع فِي مَرَاتِب الْعدَد وَإِن تألفت مِنْهُ الْأَعْدَاد كَمَا أَن الْجَوْهَر الْفَرد أَعنِي الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ لَيْسَ بجسم لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يفْرض فِيهِ أبعاد ثَلَاثَة متقاطعة على زَوَايَا قَائِمَة لَا بِالْقُوَّةِ وَلَا بِالْفِعْلِ وَإِن تألفت مِنْهُ الْأَجْسَام عِنْد الْمُتَكَلِّمين المثبتين لذَلِك الْجُزْء.
وَقيل الْعدَد كمية مجتمعة من الْآحَاد فَلَا يُمكن إدراج الْوَاحِد بتكلف.
وَزعم من لَا تَحْقِيق لَهُ أَن الِاثْنَيْنِ أَيْضا لَيْسَ بِعَدَد متمسكا بِأَنَّهُ الزَّوْج فَلَا يكون عددا كالفرد الأول وَهُوَ الْوَاحِد وَبِأَن الْعدَد كَثْرَة متألفة من الوحدات وَأَقل الْجمع ثَلَاثَة فَلَا يتَنَاوَل الِاثْنَيْنِ وَبِأَنَّهُ لَو كَانَ عددا لَكَانَ إِمَّا أَولا أَو مركبا لانحصار الْعدَد فيهمَا وَلَيْسَ الأول وَإِلَّا لم يكن لَهُ النَّص وَلَا الثَّانِي وَإِلَّا لوَجَبَ أَن يعده غير الْوَاحِد وَالْعدَد الأول مَا لَا يعده أَي لَا يفنيه غير الْوَاحِد وَالْكل مَرْدُود. أما الأول فَلِأَن قِيَاس الزَّوْج الأول بالفرد الأول فِي هَذَا الحكم قِيَاس مَعَ الْفَارِق. وَأما الثَّانِي فلأنا لَا نسلم أَن الْعدَد مَا ذكرته بل هُوَ نصف مَجْمُوع حاشيتيه وَلَئِن سلم فَلَا نسلم أَن أقل الْجمع ثَلَاثَة بل اثْنَان. وَأما الثَّالِث فَلِأَن الأول مَا لَا يعده غير الْوَاحِد وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون لَهُ نصف أصلا بل أَن لَا يكون لَهُ نصف أَكثر من الْوَاحِد. وَلَا يخفى عَلَيْك أَن التَّعْرِيف الأول وَالثَّالِث لَا يَشْمَل الكسور مَعَ أَنَّهَا عدد عِنْد الْحساب فالتعريف الْجَامِع عِنْدهم كمية يحصل من الْوَاحِد بالتكرير أَو بالتجزئة أَو بهما. وَأَنت تعلم أَن الْوَاحِد من حَيْثُ إِنَّه وَاحِد لَا يقبل التجزئة إِلَّا أَن لَا يُلَاحظ تِلْكَ الْحَيْثِيَّة، وَالْعدَد على ثَلَاثَة أَقسَام زَائِد - وناقص - ومساو - واطلب كلا فِي الْموضع كل.
ثمَّ اعْلَم أَن الْعدَد من الْأُمُور الاعتبارية الانتزاعية وَهُوَ الْحق لِأَن الْعدَد من الْأُمُور الَّتِي يتَكَرَّر نوعها وكل متكرر النَّوْع من الْأُمُور الاعتبارية لما سَيَجِيءُ فِي متكرر النَّوْع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلِأَن الْعدَد متألف من الوحدات وَهِي أُمُور اعتبارية.
وَقَالَ الْفَاضِل الزَّاهِد فِي حَاشِيَته على الرسَالَة المعمولة فِي التَّصَوُّر والتصديق أَنه مركب من الْآحَاد لست أَقُول من الوحدات كَمَا توهم من ظَاهر عباراتهم كَيفَ وَالْعدَد مَحْمُول على الْمَعْدُود بالمواطأة والواحدات مَحْمُولَة عَلَيْهِ بالاشتقاق وَالْوَاحد من حَيْثُ هُوَ وَاحِد لَيْسَ بموجود فِي الْخَارِج فَكَذَا الْعدَد الْمركب مِنْهُ انْتهى. وَلَا يخفى أَن الزَّاهِد
стр. 504
رَحمَه الله رَجَعَ من الْوحدَة إِلَى الْوَاحِد لَكِن لم يَنْفَعهُ الرُّجُوع لِأَنَّهُ رَجَعَ من اعتباري إِلَى اعتباري آخر بل من الاعتباري الأول مَعَ قطع النّظر عَن اعْتِبَار أَمر آخر إِلَى نَفسه مَعَ اعْتِبَار أَمر آخر فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَاشِيَته على شرح المواقف الْعدَد آحَاد بوحدات هِيَ نَفسهَا والآحاد مَحْمُولَة على الْمَعْدُود مواطأة فالوحدات مَحْمُولَة على الْمَعْدُود مواطأة. فَإِن قلت، كَيفَ رَجَعَ الزَّاهِد من اعتباري إِلَى اعتباري آخر بل من الاعتباري الأول إِلَى آخر مَا ذكر. قلت اعْلَم أَولا أَن الْوحدَة من الْأُمُور الَّتِي يتَكَرَّر نوعها فَتعْتَبر تَارَة من حَيْثُ هِيَ هَب. وَأُخْرَى من حَيْثُ إِنَّهَا متصفة بالوحدة فَتَصِير وَاحِدًا، فَنَقُول إِن الْعدَد عِنْد الْجُمْهُور عبارَة عَن الوحدات الصرفة أَي الوحدات لم يعْتَبر اتصافها بالوحدات حَتَّى تصير أحادا فالعدد عِنْدهم عبارَة عَن أَمر اعتباري أَعنِي الوحدات مَعَ قطع النّظر عَن اعْتِبَار أَمر آخر مَعهَا وَهُوَ الوحدات. وَلما رَجَعَ الزَّاهِد ﵀ عَمَّا ذكرُوا إِلَى أَنه مركب من الْآحَاد أَي الوحدات الَّتِي اعْتبر اتصافها بالوحدات فقد رَجَعَ إِلَى أَنه مركب من أَمر اعتباري أَعنِي الوحدات مَعَ اعْتِبَار أَمر اعتباري آخر مَعهَا أَعنِي الوحدات.
وَصرح جلال الْعلمَاء فِي الْحَوَاشِي الْقَدِيمَة بِأَن الْأَعْدَاد من الْأُمُور الاعتبارية عِنْد الْمُحَقِّقين من الْحُكَمَاء وَجعلهَا من أَقسَام الْكمّ بِاعْتِبَار فرض وجودهَا حَيْثُ قَالَ إِن الْمُحَقِّقين كالمصنف أَي الطوسي وَغَيره على أَن الْعدَد أَمر اعتباري مَعَ تقسيمهم الْكمّ إِلَى الْمُتَّصِل والمنفصل مُسَامَحَة ثِقَة بِمَا قَرَّرَهُ فِي مَحَله انْتهى وَهَا هُنَا كَلَام لَا يَسعهُ الْمقَام
الْعدَد المستوي: هُوَ الْعدَد الْمَكْتُوب من المركز إِلَى الْقوس فِي الرّبع الْمُجيب.
الْعدَد الْغَيْر المستوى: هُوَ الْعدَد الْمَكْتُوب من الْقوس إِلَى المركز فِي الرَّابِع الْمُجيب.
الْعدْل: ضد الظُّلم وإحقاق الْحق وَإِخْرَاج الْحق عَن الْبَاطِل أَي ممتازا عَنهُ وَالْأَمر الْمُتَوَسّط بَين الإفراط والتفريط. وَعند الْفُقَهَاء من اجْتنب الْكَبَائِر وَلم يصر على الصَّغَائِر وَغلب صَوَابه واجتنب الْأَفْعَال الخسيسة كَالْأَكْلِ وَالْبَوْل فِي الطَّرِيق. وَعند النُّحَاة الْعدْل كَون الِاسْم مخرجا عَن صيغته الَّتِي يَقْتَضِي الأَصْل وَالْقَاعِدَة أَن يكون ذَلِك الِاسْم على تِلْكَ الصِّيغَة أَي الصُّورَة فَإِن كَانَ ذَلِك الأَصْل الْمُقْتَضِي غير منع الصّرْف أَيْضا فالعدل تحقيقي كَمَا فِي ثَلَاث ومثلث وَإِن كَانَ منع الصّرْف لَا غير فتقديري كَمَا فِي عمر وَزفر.
فالعدل التحقيقي: مَا إِذا نظر إِلَى الِاسْم وجد فِيهِ قِيَاس وَدَلِيل غير منع الصّرْف على أَن أَصله الشَّيْء الآخر.
وَالْعدْل التقديري: مَا إِذا نظر إِلَى الِاسْم لم يُوجد فِيهِ ذَلِك الْقيَاس وَالدَّلِيل
стр. 505
الْمَذْكُور غير أَنه وجد غير منصرف وَلم يكن فِيهِ إِلَّا العلمية فَقدر فِيهِ الْعدْل حفظا لقاعدتهم الَّتِي هِيَ أَن غير المنصرف مَا فِيهِ عِلَّتَانِ فَإِن قلت كَيفَ يَقْتَضِي منع الصّرْف ذَلِك قلت لما تقرر عِنْدهم بالاستقراء أَن الِاسْم لَا يكون غير منصرف إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ عِلَّتَانِ من علل تسع أَو وَاحِدَة مِنْهَا تقوم مقامهما فَإِذا وجدوا اسْما غير منصرف لَا يكون فِيهِ ظَاهرا إِلَّا عِلّة وَاحِدَة لَا تصلح أَن تقوم مقامهما وَلَا يكون ذَلِك الِاسْم صَالحا لِأَن يعْتَبر فِيهِ عِلّة أُخْرَى سوى الْعدْل يعتبرونه وَيَقُولُونَ إِن منع صرفه يَقْتَضِي اعْتِبَاره صِيَانة لما تقرر عِنْدهم. وَمن رام تَحْقِيق هَذَا الْمقَام فَلْينْظر إِلَى كتَابنَا جَامع الغموض منبع الفيوض شرح الكافية.
الْعَدَالَة: فِي اللُّغَة الاسْتوَاء وضد الْجور. وَفِي الشَّرْع الاسْتقَامَة على الطَّرِيق الْحق بالاجتناب عَمَّا هُوَ مَحْظُور مَمْنُوع فِي دينه. وَفِي تعليقاتي على شرح هِدَايَة الْحِكْمَة للميبذي أَن فِي الْإِنْسَان قُوَّة غضبانية وَيُقَال لإفراطها التهور ولتوسطها الشجَاعَة ولتفريطها الْجُبْن وَقُوَّة شهوانية وَيُقَال لإفراطها الْفُجُور ولتوسطها الْعِفَّة ولتفريطها الجمود وَقُوَّة عقلية وَيُقَال لإفراطها الجربزة ولتوسطها الْحِكْمَة ولتفريطها البلادة فَلِكُل من هَذِه القوى الثَّلَاث ثَلَاث جِهَات وأطراف. الطّرف الأول وَالثَّالِث مِنْهَا مذمومان والطرف الْمُتَوَسّط مَحْمُود. وكل متوسط من المتوسطات جِهَة الْعَدَالَة وَالْمَجْمُوع جِهَات الْعَدَالَة وَنَبِينَا ﷺ َ - محدد جِهَات الْعَدَالَة كلهَا أَي محيطها وجامعها. وتفصيل هَذَا الْمُجْمل مَا هُوَ فِي كتب الْأَخْلَاق من أَن الْعَدَالَة هِيَ الْأَمر الْمُتَوَسّط بَين الإفراط والتفريط وَهُوَ ثَلَاثَة أُمُور الْحِكْمَة والعفة والشجاعة الَّتِي هِيَ من أصُول الْأَخْلَاق الفاضلة المكتسبة وتفاصيلها إِن كل الْفَضَائِل الكسبية منحصرة فِي التَّوَسُّط.
وَتَقْرِير الْكَلَام أَن الْخَالِق تَعَالَى وتقدس قد ركب فِي الْإِنْسَان ثَلَاث قوى إِحْدَاهَا مبدأ إِدْرَاك الْحَقَائِق والشوق إِلَى النّظر فِي العواقب وَالتَّمَيُّز بَين الْمصَالح والمفاسد وَهِي المطمئنة ويعبر عَنْهَا بِالْقُوَّةِ النطقية - والعقلية - وَالنَّفس المطمئنة - والملكية - وَأَيْضًا قَالُوا إِن النَّفس المطمئنة هِيَ الَّتِي تمّ نورها بِنور الْقلب حَتَّى انخلعت عَن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة. وَالثَّانيَِة مبدأ جذب الْمَنَافِع وَطلب الملاذ من المآكل والمشارب وَغير ذَلِك وَتسَمى الْقُوَّة الشهوانية والبهيمية وَالنَّفس الأمارة. وَبِعِبَارَة أُخْرَى النَّفس الأمارة هِيَ الَّتِي تميل إِلَى الطبيعة الْبَدَنِيَّة وتأمر باللذات والشهوات الحسية وتجذب الْقلب إِلَى الْجِهَة السفلية فَهِيَ مأوى الشرور القبيحة ومنبع الْأَخْلَاق الذميمة. وَالثَّالِثَة مبدأ الْإِقْدَام على الْأَهْوَال والشوق إِلَى التسلط والترفع وَهِي الْقُوَّة الغضبية والسبعية وَالنَّفس اللوامة.
وَأَيْضًا قَالُوا إِن النَّفس اللوامة الَّتِي تنورت بِنور الْقلب قدر مَا شبهت عَن الْغَفْلَة وَكلما صدرت مِنْهَا سَيِّئَة تحكم بهَا وتلوم عَلَيْهَا وتتوب عَنْهَا وتحدث من اعْتِدَال الْحَرَكَة
стр. 506
الإرادية للأولى الْحِكْمَة وللثانية الْعِفَّة وللثالثة الشجَاعَة. فأمهات الْفَضَائِل الكسبية هِيَ هَذِه الثَّلَاثَة وَمَا سوى ذَلِك فَإِنَّمَا هُوَ من تفريعاتها وتركيباتها وكل مِنْهَا مَحْبُوس ومحاط بطرفي إفراط وتفريط هما رذيلتان. أما الْحِكْمَة فَهِيَ معرفَة الْحَقَائِق على مَا هِيَ عَلَيْهِ بِقدر الِاسْتِطَاعَة وَهِي الْعلم النافع الْمعبر بِهِ بِمَعْرِِفَة النَّفس بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَمن يُؤْتِي الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا﴾ وإفراطها الجربزة وَهِي اسْتِعْمَال الْفِكر فِيمَا لَا يَنْبَغِي كالمتشابهات على وَجه لَا يَنْبَغِي لمُخَالفَة الشَّرَائِع نَعُوذ بِاللَّه من علم لَا ينفع، وتفريطها الغباوة الَّتِي هِيَ تَعْطِيل الْقُوَّة الفكرية بالإرادة وَالْوُقُوف عَن اكْتِسَاب الْعُلُوم النافعة. وَأما الشجَاعَة فَهِيَ انقياد السبعية للناطقة ليَكُون إقدامها على حسب الرُّؤْيَة من غير اضْطِرَاب فِي الْأُمُور الهائلة حَتَّى يكون فعلهَا جميلا وصبرها مَحْمُودًا وإفراطها (التهور) أَي الْإِقْدَام بالإرادة على مَا لَا يَنْبَغِي. وتفريطها (الْجُبْن) أَي الحذر بالإرادة عَمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَأما الْعِفَّة فَهِيَ انقياد البهيمية للناطقة ليَكُون تصرفاتها بِحَسب اقْتِضَاء الناطقة لتسلم عَن استعباد الْهوى إِيَّاهَا واستخدام اللَّذَّات. وإفراطها (الخلاعة والفجور) أَي الْوُقُوع فِي ازدياد اللَّذَّات على مَا تحب، وتفريطها (الجمود) أَي السّكُون عَن طلب اللَّذَّات بِقدر مَا رخص فِيهِ الْعقل وَالشَّرْع إيثارا لَا خلقَة فالأوساط فَضَائِل والأطراف رذائل. وَإِذا امتزجت الْفَضَائِل الثَّلَاث حصل من اجتماعها حَالَة متشابهة هِيَ الْعَدَالَة، فَبِهَذَا الِاعْتِبَار عبر عَن الْعَدَالَة بالوسائط وَإِلَيْهِ أُشير بقوله ﵊ خير الْأُمُور أوساطها. وَالْحكمَة فِي النَّفس البهيمية بَقَاء الْبدن الَّذِي هُوَ مركب النَّفس الناطقة لتصل بذلك إِلَى كمالها اللَّائِق بهَا ومقصدها المتوجهة إِلَيْهِ. وَفِي السبعية كسر البهيمية وقهرها وَدفع الْفساد المتوقع من استيلائها وَاشْتِرَاط التَّوَسُّط فِي أفعالها لِئَلَّا تستعبد الناطقة فِي هَواهَا وَقصر شأوها عَن كمالها ومقصدها وَقد مثل ذَلِك بِفَارِس استردف سبعا وبهيمة للاصطياد فَإِن انْقَادَ السَّبع والبهيمة للفارس واستعملها على مَا يَنْبَغِي حصل مَقْصُود الْكل لوصول الْفَارِس إِلَى الصَّيْد والسبع إِلَى الطعمة والبهيمة إِلَى الْعلف فَإِن الْبَهِيمَة أَعنِي الْفرس مثلا مَا دَامَ يركبه فَارس يطْلب صيدا لَا يَأْكُل الْعلف وَلَا يفرغ لَهُ وَإِلَّا هلك الْكل.
ثمَّ إِن تِلْكَ الْفَضَائِل الحميدة المتوسطة وَكَذَا تِلْكَ الرذائل المذمومة لَا تتَصَوَّر إِلَّا فِيمَن كَانَ واجدا لتِلْك القوى الثَّلَاث الْمَذْكُورَة ويستعملها اسْتِعْمَالا مَحْمُودًا أَو مذموما لَا فِيمَن كَانَ فاقدا لَهَا فَإِن تِلْكَ الْفَضَائِل والرذائل كسبية يُثَاب بكسبها ويعاقب بِتَرْكِهَا ففاقد الْقُوَّة الشهوانية مثلا مَعْذُور لَا يُمكن أَن يُقَال إِنَّه سَاكن بِاخْتِيَارِهِ وإرادته عَن طلب اللَّذَّة بِقدر مَا رخص فِيهِ الْعقل وَالشَّرْع فَهُوَ خَارج عَمَّا نَحن فِيهِ وَكَذَا فَاقِد الْقُوَّة الغضبانية وفاقد الْقُوَّة النطقية كَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوه خارجان عَنهُ، فَافْهَم واحفظ وَكن من الشَّاكِرِينَ.
стр. 507
الْعَدَاوَة: مَا يتَمَكَّن فِي الْقلب من قصد الْإِضْرَار والانتقام.
الْعدة: فعلة بِالْكَسْرِ من الْعد. فِي الصِّحَاح أَن عدَّة الْمَرْأَة أَيَّام إقرائها. وَفِي الْكَافِي هِيَ تربص يلْزم الْمَرْأَة بِزَوَال النِّكَاح أَو شبهه المتأكدة بِالدُّخُولِ وَإِنَّمَا سمي بهَا لعَدهَا أَيَّام التَّرَبُّص. وَالْعدة تكون بِأحد ثَلَاثَة أُمُور بِالْحيضِ والشهور وَوضع الْحمل. فَعدَّة الْحرَّة للطَّلَاق بَائِنا أَو رَجْعِيًا أَو الْفَسْخ كَمَا فِي الْفرْقَة بِخِيَار الْبلُوغ وَملك أحد الزَّوْجَيْنِ صَاحبه ثَلَاثَة حيض إِن كَانَت حَائِضًا وَإِن لم تَحض كالصغيرة والآيسة فَثَلَاثَة أشهر. هَذَا إِذا كَانَت مَوْطُوءَة وَإِلَّا فَلَا عدَّة لَهَا وعدة الْحرَّة للْمَوْت سَوَاء كَانَت صَغِيرَة أَو كَبِيرَة كَافِرَة أَو مسلمة مَوْطُوءَة أَو غير مَوْطُوءَة أَرْبَعَة أشهر وَعشر لَيَال فَيتَنَاوَل مَا بإزائها من الْأَيَّام. وعدة الْأمة الَّتِي دخل بهَا زَوجهَا وَطَلقهَا حيضان وَإِن كَانَت حَائِضًا وَإِن لم تَحض فعدتها نصف ثَلَاثَة أشهر كَمَا لمَوْت زَوجهَا نصف مَا للْحرَّة عِنْد موت زَوجهَا شَهْرَان وَخمْس لَيَال مَوْطُوءَة أَو لَا. وعدة الْحَامِل حرَّة أَو أمة مُطلقَة أَو توفّي عَنْهَا زَوجهَا وضع حملهَا وعدة زَوْجَة الفار وَهُوَ الَّذِي طلق امْرَأَته فِي مرض مَوته أبعد الْأَجَليْنِ أَي عَلَيْهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشر إِذا كَانَت أطول من الْعدة بِالْحيضِ وَعَلَيْهَا ثَلَاث حيض إِن كَانَت أطول من الْعدة بِالْأَشْهرِ وَيظْهر هَذَا فِي الممتدة الطُّهْر. فِي الْهِدَايَة هَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى ثَلَاث حيض وَمَعْنَاهُ إِذا كَانَ الطَّلَاق بَائِنا أَو ثَلَاثًا أما إِذا كَانَ رَجْعِيًا فعلَيْهَا عدَّة الْوَفَاة بِالْإِجْمَاع.
وَاعْلَم أَن عليا كرم الله وَجهه وَابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اخْتلفَا فِي عدَّة حَامِل مَاتَ زَوجهَا فَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه أَن تَعْتَد بأبعد الْأَجَليْنِ أَي أجل الْوَفَاة وَهُوَ أَرْبَعَة أشهر وَعشر وَأجل وضع الْحمل. وَقَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن عدَّة الحاملة الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وضع الْحمل. فَإِن قيل، لم قَالَ عَليّ كرم الله وَجهه بأبعد الْأَجَليْنِ قيل تَوْفِيقًا بَين الْآيَتَيْنِ الأولى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ . فَإِن قيل، لم قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِأَن عدَّة الْحَامِل الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا وضع الْحمل. قُلْنَا، قَالَ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من شَاءَ باهلته أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ نزل بعد قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفسِهِم أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ وَهَذِه الْآيَة تدل على أَن الْعدة للحامل بِوَضْع الْحمل سَوَاء توفّي عَنْهَا زَوجهَا أَو طَلقهَا فَجعل ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ نَاسِخا لقَوْله يَتَرَبَّصْنَ فِي مِقْدَار مَا تنَاوله الْآيَتَانِ وَهُوَ مَا إِذا توفّي عَنْهَا زَوجهَا وَتَكون حَامِلا. وَلَا يخفى أَنه يفهم من هَا هُنَا أَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ظن أَن عليا كرم الله وَجهه لم يعلم بِتَقْدِيم نزُول قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم﴾ الْآيَة وَتَأْخِير نزُول قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ الْآيَة.
стр. 508
وَالتَّحْقِيق الْحقيق مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أستاذ أبي مَوْلَانَا أَحْمد بن سُلَيْمَان الأحمد آبادي غفر الله ذنوبهما وَستر عيوبهما بقوله وَلنَا فِي هَذَا الْمقَام تَحْقِيق أنيق مَا يكْشف الغطاء عَن وَجه قوليهما وَيظْهر مَا هُوَ الْحق مِنْهُمَا. وَبَيَان ذَلِك أَن الْغَرَض وَالْحكمَة فِي عدَّة الْمُطلقَة ظُهُور بَرَاءَة رَحمهَا عَن شغله بِمَاء الْغَيْر وَالْحكمَة فِي تربص الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا فِي أَرْبَعَة أشهر وَعشر هِيَ رِعَايَة تَعْزِيَة الزَّوْج وَحفظ حرمته إِلَى تِلْكَ الْمدَّة تدل على ذَلِك أَن الْمُطلقَة إِذا كَانَت غير مدخولة لَا تَعْتَد أصلا كَمَا يفهم من قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ رَحمهَا مَشْغُولًا بِمَاء الْغَيْر. والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا إِذا كَانَت غير مدخولة يجب عَلَيْهَا التَّرَبُّص إِلَى أَرْبَعَة أشهر وَعشر وَإِن كَانَ رَحمهَا غير مَشْغُول بِمَاء الْغَيْر كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي كتب الْفِقْه. وَأَيْضًا يدل عَلَيْهِ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون﴾ من غير اسْتثِْنَاء لغير المدخولة كَمَا اسْتثْنى الْمُطلقَة الْغَيْر المدخولة من عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ بِمَا ذكرنَا من الْآيَة فَعلم من ذَلِك أَنه لَيْسَ الْحِكْمَة فِي ذَلِك التَّرَبُّص اسْتِبْرَاء الرَّحِم وَإِلَّا لم يجب عَلَيْهَا إِذا كَانَت غير مدخولة كَمَا لَا يجب على الْمُطلقَة الْغَيْر المدخولة فَلَا تكون الْآيَتَانِ متعارضتين إِذا لوحظت الْحِكْمَة المرعية فيهمَا وَلم يكن قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ نَاسِخا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون﴾ مَعَ تَأَخّر نزُول ذَلِك عَن هَذَا لِأَن كلا من الْآيَتَيْنِ لغَرَض وَحِكْمَة على حِدة وَلَيْسَ أَحدهمَا منافيا للْآخر حَتَّى يكون نَاسِخا فِي مِقْدَاره المتناول وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا من أَن الْحِكْمَة فِي الحكم الأول هُوَ ظُهُور بَرَاءَة الرَّحِم وَفِي الثَّانِي هُوَ فَقَط تَعْزِيَة الزَّوْج مَا أوردهُ صَاحب الْهِدَايَة فِي بَاب الْعدة من أَن الْعدة فِي الطَّلَاق وَجَبت للتعرف عَن بَرَاءَة الرَّحِم وَفِي بَاب النَّفَقَة من أَن احتباس الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا لَيْسَ لحق الزَّوْج بل لحق الشَّرْع فَإِن التَّرَبُّص عبَادَة فِيهَا. أَلا ترى أَن معنى التعرف عَن بَرَاءَة الرَّحِم لَيْسَ بمراعى فِيهِ حَتَّى لَا يشْتَرط فِيهَا الْحيض.
إِذا عرفت هَذَا فَنَقُول إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ عليا كرم الله وَجهه إِنَّمَا أوجب فِي أبعد الْأَجَليْنِ لذَلِك لَا للتوفيق بَين الْآيَتَيْنِ وَالْجمع بَينهمَا احْتِيَاطًا لجَهَالَة التَّارِيخ كَمَا ذكره صَاحب التَّوْضِيح وَغَيره من شرَّاح الْهِدَايَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِذا كَانَتَا متعارضتين وَأما إِذا كَانَ كل وَاحِد من الْحكمَيْنِ لغَرَض آخر فَلَا فَلَو انْقَضى أَرْبَعَة أشهر وَعشر وَلم تضع الْحمل فَلَا بُد أَن تصير إِلَى أَن تفرغ رَحمهَا عَن الشّغل بِمَاء الْغَيْر بالِاتِّفَاقِ وَلَو وضعت قبل انْقِضَاء أَرْبَعَة أشهر وَعشر فتربص إِلَى تِلْكَ الْمدَّة لأجل تَعْزِيَة الزَّوْج وَحفظ حرمته عِنْد عَليّ كرم الله وَجهه كَمَا عرفت. ثمَّ ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لما خَفِي عَلَيْهِ مَا هُوَ الْحِكْمَة فِي الْحكمَيْنِ وَاقْتصر نظره على ظَاهر الْآيَتَيْنِ وَظن أَن من حكم بأبعد الْأَجَليْنِ فَإِنَّمَا حكم بِوَاسِطَة جَهَالَة التَّارِيخ أنكر ذَلِك الحكم وبادر إِلَى المباهلة وَقَالَ من
стр. 509
شَاءَ باهلته لما كَانَ تَأَخّر النُّزُول عِنْده مَعْلُوما يقينيا وَلم يدر أَن شُمُول وَأولَات الْأَحْمَال الْمُطلقَة والمتوفى عَنْهَا زَوجهَا بِحَسب الْمَفْهُوم لَا يَقْتَضِي أَن تَنْقَضِي بِسَبَب وضع الْحمل عدتهَا الَّتِي وَجَبت عَلَيْهَا بِاعْتِبَار وَفَاة زَوجهَا كَيفَ وَالْحكمَة فِيهَا أَمر آخر لَا تعرف بَرَاءَة الرَّحِم فَلَا يكون قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال﴾ مَعَ تَأَخّر نُزُوله عَن قَوْله ﴿وَالَّذين يتوفون﴾ نَاسِخا فِي مِقْدَار مَا تنَاوله الْآيَتَانِ. هَذَا هُوَ التَّحْقِيق وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق انْتهى. هَذَا مَا حررناه فِي الأنموذج الْمُسَمّى بالتحقيقات.
الْعَدَم: يُقَابل الْوُجُود وَله اعتباران - الْوُجُود الْمُطلق وَمُطلق الْوُجُود فَإِن اعْتبر مُقَابلَته بالوجود الْمُطلق يكون عبارَة عَن سلب الْوُجُود الْمُطلق وَهُوَ الْعَدَم الْمُطلق. وَإِن قوبل بِمُطلق الْوُجُود يكون بَيَانا عَن سلب مُطلق الْوُجُود وَهُوَ مُطلق الْعَدَم، والوجود الْمُطلق يتَحَقَّق بتحقق فَرد مَا وينتفي بِانْتِفَاء جَمِيع أَفْرَاده أَي الذهنية والخارجية، وَمُطلق الْوُجُود يتَحَقَّق بتحقق فَرد مَا وينتفي بانتفائه أَيْضا. وَعَلِيهِ قِيَاس الِامْتِنَاع فَهُوَ إِمَّا عبارَة عَن ضَرُورَة مُطلق الْعَدَم أَي الْعَدَم الْمُطلق ضَرُورَة مُطلقَة أَو ضَرُورَة ناشئة عَن الْغَيْر أَو عبارَة عَن ضَرُورَة مُطلق الْعَدَم ضَرُورَة مُطلقَة أَو ناشئة عَن الْغَيْر وَعَلَيْك الرُّجُوع إِلَى الْمُطلق حَتَّى يَتَّضِح لَك هَذَا الْمقَال واشكر لله الْكَبِير المتعال.
عدم ارْتِفَاع النقيضين مخيل: أَي عِنْد العنادية من السوفسطائية. قَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة فِي حَوَاشِيه على شرح العقائد النسفية قَوْله إِن لم يتَحَقَّق نفي الْأَشْيَاء فقد ثَبت، يرد عَلَيْهِ أَن عدم ارْتِفَاع النقيضين من جملَة المخيلات عِنْدهم فَلَا يلْزم من عدم تحقق النَّفْي الثُّبُوت انْتهى. أَقُول حَاصله أَنكُمْ قُلْتُمْ إِن لم يتَحَقَّق نفي الْأَشْيَاء فقد ثَبت شَيْء من الْأَشْيَاء لِأَنَّهُ إِن لم يثبت يلْزم ارْتِفَاع النقيضين وَهُوَ محَال مَعْدُوم فَيجوز أَن يَقُول العنادية أَن عَدمه من جملَة المخيلات عندنَا أَي لَيْسَ عَدمه فِي نفس الْأَمر بل من الموهومات والمخيلات فَيجوز ارْتِفَاع النقيضين فَلَا يلْزم من عدم تحقق نفي الْأَشْيَاء ثُبُوت شَيْء من الْأَشْيَاء فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ نَافِع هُنَاكَ.
عدم الدَّلِيل على وجود الشَّيْء لَا يُوجب نَفْيه: أَي نفي وجوده، وَقَالَ بعض القاصرين إِنَّه يُوجِبهُ لِأَن دَلِيل عدم وجود الْجبَال الشاهقة بحضرتنا مَعْدُوم فَلَو لم يجب نفي مَدْلُوله أَعنِي وجودهَا لجَاز وجودهَا بحضرتنا وَهَذَا الْجَوَاز بَاطِل فَإنَّا نعلم عدم وجودهَا قطعا فَثَبت أَن عدم دَلِيل وجود الشَّيْء يُوجب نَفْيه. وَالْجَوَاب أَن الدَّلِيل ملزوم والمدلول لَازمه وَانْتِفَاء اللَّازِم لَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْمَلْزُوم لجَوَاز كَون اللَّازِم أَعم من ملزومه وَعدم وجود تِلْكَ الْجبَال مَعْلُوم لنا بالبداهة بالِاتِّفَاقِ لَا بِعَدَمِ دَلِيل وجودهَا وَإِلَّا لَكَانَ الْعلم بعدمها استدلاليا بِأَن يُقَال إِن دَلِيل وجودهَا مَعْدُوم وَعدم الدَّلِيل يُوجب عدم الْمَدْلُول فعدمها ثَابت وَأَيْضًا مَا المُرَاد بِعَدَمِ الدَّلِيل على وجود الشَّيْء إِن أُرِيد بِهِ أَنه لَا دَلِيل فِي نفس الْأَمر منعناه لِأَن عدم الْعلم بالشَّيْء لَا يسْتَلْزم عَدمه فِي نفس الْأَمر. وَإِن
стр. 510
أُرِيد أَنه لَا دَلِيل عندنَا فَمُسلم لَكِن لَا يُفِيد وجوب نَفْيه لجَوَاز أَن يكون دَلِيله مَوْجُودا فِي نفس الْأَمر وَإِن لم يكن مَعْلُوما لنا.
عدم الْقُدْرَة مُطلقًا لَيْسَ بعجز: فَإِن عدم الْقُدْرَة على الْمُمْتَنع بِالذَّاتِ أَو بِالْغَيْر لَيْسَ بعجز بل عدم الْقُدْرَة على الْمُمكن الْغَيْر الْمُمْتَنع بِالْغَيْر عجز وتفصيله فِي الْعَجز.
الْعَدَم لَا مدْخل لَهُ فِي الْعلية: يَعْنِي أَن الْعَدَم لَا يكون عِلّة مُؤثرَة وَكَذَا الْمَعْدُوم الْمركب من الْوُجُود والعدم والمركب من الْمَوْجُود والمعدوم لِأَن الْعلَّة المؤثرة لَا بُد وَأَن تكون مُؤثرَة والتأثير صفة ثبوتية فثبوته فرع ثُبُوت الْمُثبت لَهُ فَلَا يَتَّصِف بِهِ الْعَدَم الصّرْف وَلَا مَا تركب مِنْهُ وَلَا المتصف بِهِ.
الْعدَد الْمعِين المنقوص: من عدد بعد نُقْصَان ثلثه مِنْهُ إِذا كَانَ مفنيا يكون نصفه ثلثا يَعْنِي أَن كل عدد إِذا نقص مِنْهُ ثلثه ثمَّ نقص من الْبَاقِي عدد معِين لم يبْق ذَلِك الْعدَد فَنصف الْعدَد الْمعِين حِينَئِذٍ يكون ثلثا للعدد الأول.
أَلا ترى أَن خَمْسَة وَسبعين عددا إِذا نقص مِنْهُ ثلثه وَهُوَ خَمْسَة وَعِشْرُونَ ثمَّ نقص مِنْهُ عدد معِين أَعنِي خمسين لم يبْق من ذَلِك الْعدَد أَي من خَمْسَة وَسبعين شَيْء. وَلَا شكّ أَن نصف خمسين ثلث خَمْسَة وَسبعين. وَلَا يخفى أَن هَذَا لَا يتَصَوَّر إِلَّا إِذا كَانَ الْعدَد الْمعِين ثلثين للعدد الأول. فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهَا ضابطة مضبوطة يفْتَقر إِلَيْهَا فِي اسْتِخْرَاج المجهولات العددية كَمَا لَا يخفى على الحاسب.
(بَاب الْعين مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)
الْعرض أَعم من العرضي: فَإِن الْبيَاض عرض لَيْسَ بعرضي والأبيض عرض وعرضي على مَذْهَب كَمَا ستقف عَلَيْهِ. وَالشَّيْخ الرئيس صرح بِأَن الْعرض الْمُقَابل للجوهر غير العرضي الْمُقَابل للذاتي وَهَذَا هُوَ الْحق لَا ريب فِيهِ. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الْعرض هُوَ العرضي بِحَذْف الْيَاء تَخْفِيفًا وَبعد الْحَذف جَاءَ الِاشْتِبَاه نعم هَذَا الْعرض يُقَابل الْجَوْهَر بِمَعْنى الأَصْل كَمَا يُقَال أَي شَيْء هُوَ فِي جوهره أَو عرضه ثمَّ إِنَّه فِي الإشارات رُبمَا قَالُوا الْعرض محذوفا عَنهُ الْيَاء انْتهى.
وتفصيل هَذَا الْمقَام وتنقيح هَذَا المرام أَنهم اخْتلفُوا فِي أَن الْعرض غير العرضي ومبائن لَهُ حَقِيقَة أم اعْتِبَارا وَفِي أَن الْعرض يباين الْمحل حَقِيقَة أم اعْتِبَارا. وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْعرض غير العرضي وَغير الْمحل حَقِيقَة. وَاسْتَدَلُّوا على مُغَايرَة الْعرض للعرضي ومباينته لَهُ حَقِيقَة بِأَن الْعرض يباين الْمحل والعرضي يتحد مَعَه وَاخْتِلَاف اللوازم يدل على اخْتِلَاف الملزومات وعَلى أَن الْعرض مباين للمحل بِأَنَّهُ يُقَال وجدت الْأَعْرَاض فَقَامَتْ بالموضوعات، فللأعراض وجود سوى وجود الموضوعات وَوُجُود
стр. 511
الْإِعْرَاض مُتَأَخّر عَن وجود موضوعاتها.
أَلا ترى أَن وجود الْبيَاض مُتَأَخّر عَن وجود الْمَوْضُوع وَبِه يمتاز عَن العدميات كالعمى فَإِن الْعقل إِذا لاحظ مَفْهُوم الْأَعْمَى بِحَدّ أَنه لَا يتَوَقَّف الاتصاف بِهِ إِلَّا على سلب الْبَصَر عَمَّا يصلح لَهُ بِالْقُوَّةِ الشخصية أَو النوعية أَو الجنسية من غير أَن يزِيد هُنَاكَ أَمر فِي الْوُجُود بِخِلَاف الْأَبْيَض فَإِن الْجِسْم إِنَّمَا يصير أَبيض إِذا زَاد عَلَيْهِ شَيْء فِي الْوُجُود بِهِ يصير أَبيض فَذَلِك الزَّائِد الْمُتَأَخر هُوَ الْبيَاض والجسم الْمَزِيد عَلَيْهِ الْمُتَقَدّم مَحَله.
وَمَا قَالَ الشَّيْخ الرئيس وجود الْأَعْرَاض فِي أَنْفسهَا هُوَ وجودهَا لمحالها وَإِن كَانَ صَرِيحًا فِي أَن الْعرض عين الْمحل وَلَا يباينه وَلِهَذَا تمسك بِهِ من يَدعِي الِاتِّحَاد والعينية لَكِن الْحق أَن مُرَاده وجود الْإِعْرَاض فِي أَنْفسهَا وجودهَا فِي موضوعاتها فَلَا يجوز حمل كَلَامه على الظَّاهِر كَيفَ لَا فَإِنَّهُ قَالَ فِي التعليقات وجود الْأَعْرَاض فِي أَنْفسهَا هُوَ وجودهَا فِي موضوعاتها سوى الْعرض الَّذِي هُوَ الْوُجُود لاستغنائه عَن الْوُجُود انْتهى. وَأَيْضًا حمل كَلَامه على الظَّاهِر يُوجب إثارة الْخلَل وَالْفساد فَإِن الْوُجُود وجودان أُصَلِّي يتَعَدَّى بفي، وتبعي يتَعَدَّى بِاللَّامِ وَالثَّانِي للأحوال عِنْد الْقَائِلين بهَا الأول لغَيْرهَا إعْرَاضًا كَانَ أَو جَوَاهِر فَلَو كَانَت الْإِعْرَاض مَوْجُودَة بِالثَّانِي لزم أَن تكون أحوالا والفلاسفة يُنْكِرُونَهَا وَذهب جلال الْعلمَاء وَمن تَابعه إِلَى أَن بَينهَا اتحادا بِالذَّاتِ وتغايرا بِالِاعْتِبَارِ فَإِن لطبيعة الْعرض ثَلَاث اعتبارات لَا بِشَرْط شَيْء وبشرط شَيْء وبشرط لَا شَيْء فَإِذا أخذت لَا بِشَرْط شَيْء أَي من حَيْثُ هِيَ هِيَ مَعَ قطع النّظر عَن مُقَارنَة الْمَوْضُوع وَعدمهَا فَهِيَ عرضي مَحْمُول. وَإِذا أخذت بِشَرْط شَيْء أَي بِشَرْط مُقَارنَة الْمَوْضُوع مَعهَا فعين الْمحل. وَإِذا أخذت بِشَرْط لَا شَيْء أَي بِشَرْط عدم مُقَارنَة الْمَوْضُوع مَعهَا فَعرض مُقَابل للجوهر فالبياض مثلا بِالِاعْتِبَارِ الأول يكون أَبيض وعرضيا مَحْمُولا وَبِالثَّانِي ثوبا أَبيض وبالثالث بَيَاضًا وعرضا مبائنا للموضوع.
ف (٧٠)
الْعَرْش: الْجِسْم الْمُحِيط بِجَمِيعِ الْأَجْسَام سمي بِهِ لارتفاعه أَو للتشبيه بسرير الْملك فِي تمكنه عَلَيْهِ عِنْد الحكم لنزول أَحْكَام قَضَائِهِ وَقدره مِنْهُ.
العرشي: الْمَنْسُوب إِلَى الْعَرْش الْمجِيد. وَأَرَادَ الإِمَام الْعَلامَة الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي فِي التلويحات بالعرشي الْبَحْث الَّذِي حصله بِالنّظرِ كَمَا أَرَادَ باللوحي مَا أَخذه من كتاب.
الْعرض: بِكَسْر الأول وَسُكُون الثَّانِي (آبرو وعزت وَحرمت) وبفتح الْعين
стр. 512
وَسُكُون الثَّانِي فِي اللُّغَة الْإِظْهَار والكشف. وَمِنْه قَول الْفُقَهَاء وَلَا تعرض الْأمة إِذا بلغت فِي إِزَار وَاحِد أَي لَا تظهر فِي السُّوق للْبيع فِي إِزَار وَاحِد. وبفتح الثَّانِي أَيْضا مَتَاع خانه غير دِرْهَم ودينار وَجمعه الْعرُوض. وَفِي الصِّحَاح الْعرض الْأَمْتِعَة الَّتِي لَا يدخلهَا كيل وَلَا وزن وَلَا تكون حَيَوَانا وَلَا عقارا.
وَالْعرض الْمُقَابل للجوهر هُوَ الْمَوْجُود فِي الْمَوْضُوع أَي الْمُمكن الْوُجُود الَّذِي يحْتَاج فِي وجوده إِلَى مَوْضُوع أَي مَحل مقوم يقوم بِهِ وَلذَا قَالُوا الْعرض هُوَ الْحَال فِي المتحيز بِالذَّاتِ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنى يُقَابل الْجَوْهَر وَجمعه الْأَعْرَاض. ثمَّ الْعرض على نَوْعَيْنِ قار الذَّات وَهُوَ الَّذِي تَجْتَمِع أجزاؤه فِي الْوُجُود كالبياض والسواد - وَغير قار الذَّات وَهُوَ الَّذِي لَا تَجْتَمِع أجزاؤه فِي الْوُجُود كالحركة والسكون. قيل هَذَا التَّعْرِيف غير مَانع لصدقه على الصُّورَة الْعَقْلِيَّة للجوهر فَإِنَّهَا جَوْهَر على مَذْهَب من يَقُول بِحُصُول الْأَشْيَاء فِي الذِّهْن بِأَعْيَانِهَا مَعَ أَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْمَوْضُوع وَأجِيب بِأَن تِلْكَ الصُّورَة جَوْهَر وَعرض مَعًا بِنَاء على صدق تعريفهما بِحَسب الظَّاهِر عَلَيْهَا وَأما بِحَسب الْمَعْنى المُرَاد فَلَيْسَتْ عرضا قطعا. وَالْعرض بِمَعْنى أقصر الامتدادين وَلَو فَرضنَا يُقَابل الطول فَهَذَا الْعرض هُوَ الانبساط فِي غير جِهَة الطول.
وَأما الْعرض عِنْد النُّحَاة وَإِن عدوه من أحد الْأَشْيَاء الَّتِي يقدر بعْدهَا الشَّرْط وينجزم فِي جَوَابه الْمُضَارع مثل أَلا تنزل بِنَا فتصيب خيرا فمولد من الِاسْتِفْهَام أَي لَيْسَ هُوَ بَابا على حِدة بل الْهمزَة فِيهِ همزَة الِاسْتِفْهَام دخلت على الْفِعْل الْمَنْفِيّ وَامْتنع حملهَا على حَقِيقَة الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ يعرف عدم النُّزُول مثلا فالاستفهام عَنهُ يكون طلبا للحاصل فتولد مِنْهُ بِقَرِينَة الْحَال عرض النُّزُول على الْمُخَاطب وَطَلَبه مِنْهُ وَهَذِه فِي التَّحْقِيق همزَة إِنْكَار أَي لَا يَنْبَغِي لَك أَن لَا تنزل وإنكار النَّفْي إِثْبَات فَلهَذَا صَحَّ تَقْدِير الشَّرْط الْمُثبت بعده نَحْو أَن تنزل. فَالْحَاصِل أَن الْعرض وَإِن تولد من الِاسْتِفْهَام لَكِن لم يبْق عَلَيْهِ بل لَهُ معنى على حِدة وفرقه من التَّمَنِّي فِي التَّمَنِّي.
عرض الْبَلَد: قَوس من دَائِرَة نصف النَّهَار فِيمَا بَين سمت الرَّأْس ودائرة الْمعدل أَو فِيمَا بَين أحد قطبي الْعَالم والأفق وَطول أَحْمد نكر (قطّ) دَرَجَة (مَه) دقيقة وَعرضه (يح) دَرَجَة (م) دقيقة وسمت قبلته (يَا) دَرَجَة (ى) دقيقة من الْمغرب إِلَى جَانب الشمَال.
عرض الْكَفّ: فِي الدِّرْهَم.
عَرَفَات: علم للموقف الْمَعْرُوف يتم الْحَج بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا سَاعَة من زَوَال يَوْم عَرَفَة إِلَى طُلُوع الْفجْر يَوْم النَّحْر محرما وَهِي منصرفة وَلِهَذَا تكسر وتنون مَعَ أَن فِيهَا علمية وتأنيث لِأَن التَّاء الملفوظة فِيهَا لَيست للتأنيث فَقَط بل للجمعية أَيْضا فَإِن تَاء التَّأْنِيث فِيهَا حذفت للاستغناء. وَقَالَ بَعضهم غير منصرف والتنوين فِيهَا للمقابلة كَمَا
стр. 513
حققنا فِي جَامع الغموض فِي بحث غير المنصرف.
الْعرض الذاتي: مَا يكون منشأه الذَّات بِأَن يلْحق الشَّيْء لذاته كالتعجب اللَّاحِق لذات الْإِنْسَان أَو يلْحق الشَّيْء لجزئه كالحركة بالإرادة اللاحقة للْإنْسَان بِوَاسِطَة أَنه حَيَوَان أَو تلْحقهُ بِوَاسِطَة أَمر خَارج عَنهُ مسَاوٍ لَهُ كالضحك الْعَارِض للْإنْسَان بِوَاسِطَة التَّعَجُّب فَإِن قلت التَّعَجُّب لَاحق للْإنْسَان بِوَاسِطَة جزئه أَعنِي النَّاطِق لَا لذاته، قلت إِن التَّعَجُّب يَقْتَضِي الْحُدُوث الَّذِي هُوَ من خَواص الْمَادَّة فَيكون للحيوان أَيْضا مدْخل فِي الْعرُوض وَإِنَّمَا كَانَ التَّعَجُّب مقتضيا للحدوث لِأَنَّهُ عبارَة عَن إِدْرَاك حَادث لأمر غَرِيب خَفِي السَّبَب.
الْعَرُوس: بِالْفَتْح نعت يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث مَا داما فِي أعراسهما وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون ثَلَاثَة أَيَّام وَبعدهَا يُسمى زوجا وَزَوْجَة وَيجمع الْمُؤَنَّث على عرائس والمذكر على عرس بِضَمَّتَيْنِ.
الْعرُوض: بِالضَّمِّ عَارض شدن والكشف والإظهار والغيم والطرف وَاسم من أَسمَاء مَكَّة زَادهَا الله تَعَالَى شرفا وتعظيما. وَعلم الْعرُوض بِالْفَتْح علم بقوانين يعرف بهَا ميزَان الشّعْر وبحوره وتعصم مراعاتها الْإِنْسَان عَن الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الْكَلَام الْمَوْزُون. وَالْعرُوض فِي اصْطِلَاح أَصْحَاب علم الْعرُوض الْجُزْء الْأَخير من المصراع. وَوَاضِع علم الْعرُوض خَلِيل بن أَحْمد الْبَصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قيل مر على دكان الْقصار فَسمع من دقه الثَّوْب أصواتا متناسبة فَقَالَ وَالله يظْهر من هَذَا شَيْء وَصَارَت لَهُ هَذِه الْأَصْوَات مبادئ اسْتِخْرَاج علم الْعرُوض. وَقيل إِنَّه الْهم فِي مَكَّة الْمُبَارَكَة هَذَا الْعلم وَلِهَذَا سَمَّاهُ باسمها الْعرُوض وَأَيْضًا الْعرُوض جمع الْعرض كَمَا مر فِيهِ.
الْعرض اللَّازِم: مَا يمْتَنع انفكاكه عَن الْمَاهِيّة كالكاتب بِالْقُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان.
الْعرض المفارق: مَا لَا يمْتَنع انفكاكه عَن الشَّيْء كالكاتب بِالْفِعْلِ للْإنْسَان وَهُوَ إِمَّا سريع الزَّوَال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، وَإِمَّا بطيء الزَّوَال كالشيب والشباب.
الْعرض الْعَام: كلي مقول على أَفْرَاد حَقِيقَة وَاحِدَة وَغَيرهَا قولا عرضيا.
الْعُرْفِيَّة الْعَامَّة: من القضايا الموجهات البسيطة وَهِي الْقَضِيَّة الَّتِي حكم فِيهَا بدوام ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع مَا دَامَ ذَات الْمَوْضُوع متصفا بِالْوَصْفِ العنواني مثل بالدوام كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع مَا دَامَ كَاتبا وَلَا شَيْء من الْكَاتِب بساكن الْأَصَابِع مَا دَامَ كَاتبا. وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْقَضِيَّة عرفية لِأَن الْعرف الْعَام يفهم هَذَا الْمَعْنى أَي دوَام النِّسْبَة السلبية بِشَرْط الْوَصْف من الْقَضِيَّة السالبة إِذا لم تقيد عَن جَمِيع الْجِهَات حَتَّى إِذا
стр. 514
قيل لَا شَيْء من النَّائِم بمستيقظ يفهم الْعرف الْعَام من هَذِه الْقَضِيَّة أَن المستيقظ مسلوب عَن النَّائِم مَا دَامَ نَائِما فَلَمَّا أَخذ هَذَا الْمَعْنى من الْعرف نسب إِلَيْهِ وَعَامة لِأَنَّهَا أَعم من الْعُرْفِيَّة الْخَاصَّة وَإِنَّمَا قُلْنَا من الْقَضِيَّة السالبة لِأَن أَحْكَام فن الْمنطق كليات فَلَو قُلْنَا من الْقَضِيَّة الْمُوجبَة والسالبة أَو تركناهما يفهم أَن الْعرف الْعَام يفهم هَذَا الْمَعْنى من جَمِيع مواد الْمُوجبَة والسالبة وَلَيْسَ كَذَلِك نعم يفهمونه من جَمِيع مواد السالبة وَأما من جَمِيع مواد الْمُوجبَة فَلَا بل يفهمونه من بعض موادها دون بعض كَقَوْلِك كل كَاتب متحرك الْأَصَابِع وكل نَائِم مُضْطَجع فَإِن الْعرف يفهم أَن تحرّك الْأَصَابِع ثَابت لِلْكَاتِبِ دَائِما مَا دَامَ كَاتبا والاضطجاع ثَابت للنائم مَا دَامَ نَائِما بِخِلَاف قَوْلنَا كل كَاتب إِنْسَان فَإِن الْعرف لَا يفهم أَن الْإِنْسَان ثَابت لِلْكَاتِبِ مَا دَامَ كَاتبا إِلَّا بالتصريح بقولنَا دَائِما مَا دَامَ كَاتبا وتخلف فهم الْعرف فِي مَادَّة من مواد الْمُوجبَة يَكْفِي فِي الحكم بِعَدَمِ فهم هَذَا الْمَعْنى من الْمُوجبَة فَلهَذَا خصصنا الْكَلَام بالسالبة فَافْهَم واحفظ.
(بَاب الْعين مَعَ الزَّاي)
الْعَزِيمَة: فِي اللُّغَة الْإِرَادَة الْمُؤَكّدَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلم نجد لَهُ عزما﴾ أَي لم يكن قصد مُؤَكد فِي الْفِعْل بِمَا أَمر. وَفِي الشَّرْع اسْم لما هُوَ أصل الْمَشْرُوع غير مُتَعَلق بالعوارض ويقابلها الرُّخْصَة وَإِنَّمَا سمي عَزِيمَة لِأَنَّهُ نِهَايَة التوكيد حَقًا لله تَعَالَى بِالْأَمر وعلينا الْتِزَامه والانقياد لَهُ وَهِي أَقسَام أَرْبَعَة فرض وواجب وَسنة وَنفل.
الْعَزْل: التَّغَيُّر. وَفِي الشَّرْع قد يُرَاد بِهِ إِخْرَاج الذّكر وَقت خُرُوج الْمَنِيّ حذرا عَن الْحمل وَالْإِذْن فِيهِ لسَيِّد الْأمة وَإِن كَانَت الزَّوْجَة حرَّة فالإذن فِيهِ إِلَيْهَا إِجْمَاعًا وَلَا خلاف فِي جَوَازه فِي الْأمة الْمَمْلُوكَة وَالْإِذْن حِينَئِذٍ إِلَى الْمولى.
الْعُزْلَة: الْخُرُوج عَن مُخَالطَة الْخلق بالانزواء والانقطاع. من كَلَام بعض الْأَعْلَام أَن الْعُزْلَة بِدُونِ عين الْعلم زلَّة وَبِدُون زَاي الزّهْد عِلّة.
(بَاب الْعين مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)
الْعشَاء: بِالْفَتْح الْأكل من الظّهْر إِلَى نصف اللَّيْل، وبالكسر هُوَ مَا بعد غرُوب الشَّفق إِلَى الصُّبْح الصَّادِق.
стр. 515
(بَاب الْعين مَعَ الصَّاد الْمُهْملَة)
العصب: ومحركة أطناب المفاصل بِالْفَارِسِيَّةِ (بى) وبسكون الثَّانِي فِي الْعرُوض إسكان الْحَرْف الْخَامِس المتحرك وَيُسمى ذَلِك اللَّفْظ معصوبا.
الْعُصُوبَة: فِي اللُّغَة الْإِحَاطَة حول الشَّيْء والقرابة لأَب.
الْعَصَبَات: جمع السَّلامَة ومفردها.
الْعصبَة: الَّتِي هِيَ جمع العاصب كطلبة وفجرة وظلمة جمع طَالب وَفَاجِر وظالم فالعصبات جمع الْجمع ومصدرها الْعُصُوبَة - وعصبة الرجل بنوه.
وَفِي جَامع الرموز ذُكُور يتصلون بَاب - وَقَالَ المطرزي إِنَّهَا تقال للغلبة على الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث انْتهى - وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره وَكَأَنَّهَا جمع عاصب وَإِن لم يسمع بِهِ أَي بِكَوْنِهَا جمع عاصب انْتهى. أَقُول الظَّاهِر أَن ضمير كَأَنَّهَا رَاجع إِلَى الْعصبَة فَحِينَئِذٍ لَا معنى لقَوْله وَإِن لم يسمع بِهِ لما عرفت أَن فعلة جمع فَاعل شَائِع ذائع كطلبة جمع طَالب وَغير ذَلِك وَإِن كَانَ رَاجعا إِلَى الْعَصَبَات فمستبعد جدا لِأَنَّهُ لم يقل أحد بِأَن الْعَصَبَات جمع عاصب وَيُمكن أَن يُقَال إِن ضمير كَأَنَّهَا رَاجع إِلَى الْعصبَة وَضمير بِهِ إِلَى العاصب وَمعنى وَإِن لم يسمع العاصب وَإِن لم يعرف وَلم يُوجد اسْتِعْمَاله فِي محاوراتهم وَإِنَّمَا أَتَى قدس سره بِكَلِمَة الشَّك لفتور الجمعية فِي الْعصبَة لصِحَّة إِطْلَاقهَا على الْوَاحِد وَالْجمع وَالْمَذْكُور والمؤنث حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا اسْم جنس وَهَذَا عِنْدِي وَلَعَلَّ عِنْد غَيْرِي أحسن من هَذَا.
ثمَّ اعْلَم أَن الْعصبَة فِي الِاصْطِلَاح كل من يَأْخُذ من التَّرِكَة مَا أبقاه من هُوَ من أَصْحَاب الْفَرَائِض وَاحِدًا كَانَ أَو كثيرا وَعند انْفِرَاده عَن غَيره فِي الوراثة يحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة - فَإِن صَاحب الْفَرْض إِذا خلا عَن الْعُصُوبَة يحرز جَمِيع المَال أَيْضا لَكِن لبَعض المَال بالفرضية وللباقي بِالرَّدِّ لأكله من جِهَة الْعُصُوبَة. قيل التَّعْرِيف لَيْسَ بِجَامِع لِأَن الاخوات مَعَ الْبَنَات عصبات وَلَا يصدق عَلَيْهَا إِنَّهَا عِنْد الِانْفِرَاد تحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة وَأجِيب بِأَن التَّعْرِيف لنَوْع الْعصبَة أَعنِي الْعصبَة بِالنَّفسِ لَا للْعصبَةِ مُطلقًا أَقُول إِن التَّعْرِيف الْمَذْكُور لمُطلق الْعصبَة وَقَوْلنَا يحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة مشْعر بِاشْتِرَاط وصف الْعُصُوبَة عِنْد الِانْفِرَاد وَلَا شكّ أَن من كَانَ عِنْد الِانْفِرَاد بَاقِيا على وصف الْعُصُوبَة يكون محرزا لجَمِيع المَال وَالْأَخَوَات عِنْد الِانْفِرَاد صَاحِبَة فرض لَا عصبات وَلَكِن لَا يخفى على المتنبه أَن فِي هَذَا الْجَواب شوب الدّور لَا بل فِي تَقْيِيد الْإِحْرَاز بقولنَا بِجِهَة الْعُصُوبَة - وَالسَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي شرح السِّرَاجِيَّة قيد الْإِحْرَاز بِجَمِيعِ المَال بقوله بِجِهَة وَاحِدَة، لَا بقولنَا بِجِهَة الْعُصُوبَة تحاشيا عَن الشوب الْمَذْكُور
стр. 516
وَلَكِن النَّاظر ينظر إِلَيْهِ من وَرَاء الْحجاب لِأَن المُرَاد بالجهة الْوَاحِدَة لَيْسَ إِلَّا جِهَة الْعُصُوبَة وَأَنت تعلم أَنه لَا يضر لِأَن الْأَحْكَام تَتَفَاوَت بتفاوت العنوان. ثمَّ فرع قدس سره على ذَلِك التَّقْيِيد عدم وُرُود الِاعْتِرَاض على منع التَّعْرِيف بالبنت مثلا إِذا كَانَت مُنْفَرِدَة ثمَّ اعْترض على جمعه بالأخوات مَعَ الْبَنَات فَأجَاب بتخصيص الْمُعَرّف بالعصبة بِالنَّفسِ لَا بِمَا ذكرنَا من اشْتِرَاط بَقَاء وصف الْعُصُوبَة. ثمَّ اعْترض على الْجَواب بقوله ويخدشه أَنه إِذا خص الخ. أَقُول لَا يبعد أَن يُقَال إِن الْمُعَرّف عَام وَالْوَاو فِي قَوْله وَعدم الِانْفِرَاد بِمَعْنى أَو لمانعة الْجمع وَحِينَئِذٍ لَا يرد الِاعْتِرَاض على جمعه وَلَا الخدشة الْمَذْكُورَة كَمَا لَا يخفى على من تحلى بالإنصاف وتخلى عَن التعصف والاعتساف، ثمَّ الْعصبَة على نَوْعَيْنِ عصبَة من جِهَة النّسَب وعصبة من جِهَة السَّبَب أما
الْعصبَة من جِهَة النّسَب: فَهُوَ من كَانَ عصوبته وقرابته بِالْولادَةِ والعصبات النسبية مؤخرة عَن أَصْحَاب الْفَرَائِض مُقَدّمَة على الْعَصَبَات السَّبَبِيَّة وَأما
الْعصبَة من جِهَة السَّبَب: فَهُوَ مولى الْعتَاقَة أَي مُعتق الْمَيِّت وعصباته النسبية وعصباته السَّبَبِيَّة أَعنِي مُعتق مُعتق وَهَكَذَا وَالْمرَاد بعصباته النسبية مَا هُوَ عصبَة بِنَفسِهِ فَقَط وَهِي ذُكُور لَا غير كَمَا ستقف عَلَيْهِ لقَوْله ﷺ َ - لَيْسَ للنِّسَاء من الْوَلَاء إِلَّا مَا أعتقن الخ. وَفِي (الْأَشْبَاه والنظائر) فِي كتاب الْفَرَائِض ذكر الزَّيْلَعِيّ فِي آخر كتاب الْوَلَاء أَن بنت الْمُعْتق تَرث الْمُعْتق فِي زَمَاننَا وَكَذَا مَا فضل بعد فرض أحد الزَّوْجَيْنِ يرد عَلَيْهِ بِنَاء على أَنه لَيْسَ فِي زَمَاننَا بَيت مَال لأَنهم لَا يضعونه مَوْضِعه وَإِنَّمَا تحقق الْعُصُوبَة والقرابة والوراثة بِسَبَب الْعتْق بَين مولى الْعتَاقَة ومعتقه لقَوْله ﵊ الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب وَالْمرَاد بِالْوَلَاءِ الْعتْق أَو الْإِعْتَاق من قبيل ذكر الْمُسَبّب وَإِرَادَة السَّبَب وَفِيه اخْتِلَاف قَالَ الْبَعْض الْإِعْتَاق وَالأَصَح أَنه الْعتْق كَمَا ستعرف فِي الْوَلَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى واللحمة بِالضَّمِّ الْقَرَابَة والاختلاط يَعْنِي الْإِعْتَاق قرَابَة واختلاط أَي سببهما كالقرابة والاختلاط اللَّذين بِالنّسَبِ وَالْوَلَاء فِي الشَّرِيعَة. وَمعنى ذَلِك أَن الْحُرِّيَّة حَيَاة للْإنْسَان إِذْ بهَا يثبت لَهُ صفة الْمَالِكِيَّة الَّتِي امتاز بهَا عَن سَائِر مَا عداهُ من الْحَيَوَانَات والجمادات والرقية تلف وهلاك فالمعتق سَبَب لَا حَيَاء الْمُعْتق كَمَا أَن الْأَب سَبَب لإيجاد الْوَلَد فَكَمَا أَن الْوَلَد يصير مَنْسُوبا إِلَى أَبِيه بِالنّسَبِ وَإِلَى أقربائه بالتبعية كَذَلِك الْمُعْتق يصير مَنْسُوبا إِلَى مُعْتقه بِالْوَلَاءِ وَإِلَى عصبته بالتبعية فَكَمَا يثبت الْإِرْث بِالنّسَبِ كَذَلِك يثبت بِالْوَلَاءِ انْتهى.
والعصبات النسبية ثَلَاثَة:
الْعصبَة بِنَفسِهِ: وَهُوَ كل ذكر لَا يكون مدَار نسبته إِلَى الْمَيِّت أُنْثَى بِأَن لَا يكون بَينهمَا وَاسِطَة اسْتِحْقَاق الْإِرْث إِلَّا أُنْثَى فَإِن من كَانَ مدَار نسبته أُنْثَى لَيْسَ بعصبة كالأخ لأم وكأب الْأُم وَابْن الْبِنْت فَإِن الأول من أَصْحَاب الْفَرَائِض والأخيران من ذَوي الْأَرْحَام. فَلَا يردان الْأَخ لأَب وَأم عصبَة بِنَفسِهِ مَعَ أَن الْأُم دَاخِلَة فِي نسبته إِلَى الْمَيِّت
стр. 517
لَكِن لَيْسَ مدَار اسْتِحْقَاق الْإِرْث بالعصوبة عَلَيْهَا فَإِن قرَابَة الْأَب بانفرادها أصل فِي اسْتِحْقَاق الْعُصُوبَة وكافية بِنَفسِهَا فِي إِثْبَاتهَا بِخِلَاف قرَابَة الْأُم أَلا ترى أَن الْأَخ لأَب عصبَة دون الْأَخ لأم. وَالثَّانِي:
الْعصبَة بِغَيْرِهِ: وَهن اللَّاتِي فرضهن النّصْف وَالثُّلُثَانِ يصرن عصبَة بإخوتهن وَالَّتِي لَا فرض لَهَا وأخوها عصبَة لَا تصير عصبَة بأخيها أَلا ترى أَن الْعمة لَا تصير عصبَة بالعم الَّذِي هُوَ أَخُوهَا مَعَ أَنه عصبَة وَهِي من ذَوي الْأَرْحَام فحين اجْتِمَاعهمَا كَانَ المَال كُله للعم دونهَا. وَالثَّالِث:
الْعصبَة مَعَ غَيره: وَهِي كل أُنْثَى تصير عصبَة بِشَرْط اجتماعها ومقارنتها مَعَ أُنْثَى أُخْرَى لَيست بعصبة كالأخت لأَب وَأم أَو لأَب إِذا كَانَت مَعَ الْبِنْت صلبية أَو بنت ابْن وَاحِدَة أَو أَكثر تصير عصبَة وَالْبِنْت على حَالهَا صَاحِبَة فرض فَالْمَال بَينهمَا نِصْفَانِ النّصْف للْبِنْت بالفرضية وَالْبَاقِي للْأُخْت بالعصوبة.
فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الْعصبَة بِالْغَيْر والعصبة مَعَ الْغَيْر. قُلْنَا، إِن الْغَيْر فِي الأول عصبَة شريك للْعصبَةِ فِي الْعُصُوبَة بل هُوَ عصبَة بِنَفسِهِ تسري عصوبته إِلَى الْأُنْثَى الَّتِي هِيَ ملصقة بِهِ فَتَصِير عصبَة بِهِ بِخِلَاف الْغَيْر فِي الثَّانِي فَإِن الْغَيْر فِيهِ لَيْسَ بعصبة أصلا بل يكون عصوبة تِلْكَ الْعصبَة مجامعة ومقارنة لذَلِك الْغَيْر الَّذِي لَيْسَ بعصبة ومشروطة بِتِلْكَ المجامعة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
وَاعْلَم أَن هَذَا الْفرق مَبْنِيّ على الْفرق بَين الْبَاء وَمَعَ، فَعَلَيْك أَن تعلم الْفرق بَينهمَا بِأَن الْبَاء للإلصاق وَمَعَ للقران والإلصاق بَين الملصق والملصق بِهِ لَا يتَحَقَّق إِلَّا عِنْد مشاركتهما فِي حكم الملصقية فتكونان مشاركتين فِي حكم الْعُصُوبَة بِخِلَاف كلمة مَعَ فَإِنَّهَا للقران وَالْقُرْآن يتَحَقَّق بَين الشَّيْئَيْنِ بِغَيْر مُشَاركَة فِي الحكم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا مَعَه أَخَاهُ هَارُون وزيرا﴾ . وَاعْلَم أَنه لَو اجْتمعت الْعَصَبَات بَعْضهَا عصبَة بِنَفسِهَا وَبَعضهَا مَعَ غَيرهَا فالترجيح فِيهَا بِالْقربِ إِلَى الْمَيِّت وَلَا يكون التَّرْجِيح بعصبة بِنَفسِهَا حَتَّى أَن الْعصبَة مَعَ غَيرهَا إِذا كَانَت أقرب إِلَى الْمَيِّت من الْعصبَة بِنَفسِهَا كَانَت أولى كَمَا إِذا ترك بِنْتا وأختا لأَب وَأم وَابْن الْأَخ لأَب وَأم فَنصف الْمِيرَاث للْبِنْت وَالنّصف الْبَاقِي للْأُخْت وَلَا شَيْء لِابْنِ الْأَخ.
الْعِصْمَة: ملكة اجْتِنَاب الْمعاصِي مَعَ التَّمَكُّن مِنْهَا، وَبِعِبَارَة أُخْرَى قُوَّة من الله تَعَالَى فِي عَبده تَمنعهُ عَن ارْتِكَاب شَيْء من الْمعاصِي والمكروهات مَعَ بَقَاء الِاخْتِيَار، وَقد يعبر عَن تِلْكَ الملكة بلطف من الله تَعَالَى يحملهُ على فعل الْخَيْر ويزجره عَن الشَّرّ مَعَ بَقَاء الِاخْتِيَار تَحْقِيقا للابتلاء والامتحان وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى الْعِصْمَة لَا تزيل المحنة والتكليف، وَبِهَذَا يظْهر فَسَاد من قَالَ إِن الْعِصْمَة
стр. 518
خاصية فِي نفس ناطقة لشخص أَو فِي بدنه يمْتَنع بِسَبَبِهَا صُدُور الذَّنب عَنهُ كَيفَ وَلَو كَانَ الذَّنب مُمْتَنعا لما صَحَّ تَكْلِيفه بترك الذَّنب وَلما كَانَ مثابا عَلَيْهِ هَكَذَا فِي شرح العقائد للعلامة التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَمن قَالَ إِن حَقِيقَة الْعِصْمَة عدم خلق الله تَعَالَى فِي العَبْد الذَّنب مَعَ بَقَاء قدرته واختياره غَرَضه مآلها وغايتها ذَلِك لِأَن حَقِيقَة الْعِصْمَة هِيَ تِلْكَ الملكة لَا غير. فَافْهَم والأنبياء معصومون والأولياء محفوظون قيل الْفرق بَينهمَا أَن للأنبياء والأولياء قدرَة واختيارا على الذَّنب لَكِن الْأَنْبِيَاء إِذا أَرَادوا الذَّنب لَا يخلف الله تَعَالَى الذَّنب والأولياء لَو أَرَادوا الذَّنب لخلقه الله تَعَالَى لكِنهمْ لَا يُرِيدُونَ الذَّنب.
الْعِصْمَة المؤثمة: هِيَ الَّتِي تجْعَل من هتكها آثِما.
الْعِصْمَة المقومة: هِيَ الَّتِي يثبت بهَا للْإنْسَان قيمَة بِحَيْثُ من هتكها فَعَلَيهِ الْقصاص أَو الدِّيَة. فِي التَّلْوِيح الرَّقِيق مَعْصُوم الدَّم بِمَعْنى أَنه يكرم الشَّرْع لِأَن الْعِصْمَة نَوْعَانِ (مؤثمة) توجب الْإِثْم فَقَط على التَّقْدِير التَّعَرُّض للدم وَهِي بِالْإِسْلَامِ (ومقومة) توجب مَعَ الْإِثْم فَيقْتل الْحر بِالْعَبدِ قصاصا لِأَن مبْنى الضَّمَان على العصمتين والمالية لَا تحل بهما.
(بَاب الْعين مَعَ الطَّاء الْمُهْملَة)
الْعَطف: فِي اللُّغَة الْميل. وَعند النُّحَاة تَابع قصد نسبته إِلَى شَيْء مثل زيد عَالم وعاقل أَو نِسْبَة شَيْء إِلَيْهِ مثل جَاءَنِي زيد وَعَمْرو بِالنِّسْبَةِ الْوَاقِعَة فِي الْكَلَام مَعَ متبوعه أَي كَمَا يكون هُوَ مَقْصُودا بِتِلْكَ النِّسْبَة يكون متبوعه أَيْضا مَقْصُودا بهَا ويتوسط بَين ذَلِك التَّابِع وَبَين متبوعه أحد الْحُرُوف العاطفة الْعشْرَة مثل جَاءَنِي زيد وَعَمْرو - فعمرو تَابع مَعْطُوف على زيد قصد نِسْبَة الْمَجِيء إِلَيْهِ بِنِسْبَة الْمَجِيء الْوَاقِعَة فِي الْكَلَام وكما أَن نِسْبَة الْمَجِيء إِلَيْهِ مَقْصُودَة كَذَلِك نسبته إِلَى زيد الَّذِي هُوَ متبوعه أَيْضا مَقْصُوده.
عطف الْبَيَان: تَابع غير صفة توضح متبوعة أَي يحصل من اجْتِمَاعهمَا إِيضَاح لم يحصل من أَحدهمَا على الِانْفِرَاد فَيصح أَن يكون الْمَتْبُوع أوضح من تَابعه وَلَا يلْزم أَن يكون تَابعه أَي عطف الْبَيَان أوضح من متبوعه كَمَا توهم.
(بَاب الْعين مَعَ الْفَاء)
الْعِفَّة: الِامْتِنَاع عَمَّا لَا يحل. وَفِي الْأَخْلَاق هِيَ هَيْئَة للقوة الشهوانية متوسطة بَين الْفُجُور الَّذِي هُوَ إفراط هَذِه الْقُوَّة والخمود الَّذِي هُوَ تفريطها - فالعفيف من بَاشر على وفْق الشَّرْع والمروة، وتحقيقها فِي الْعَدَالَة.
стр. 519
العفوصة: طعم مَا يَأْخُذ ظَاهر اللِّسَان وَحده، وَالْقَبْض طعم مَا يَأْخُذ ظَاهر اللِّسَان وباطنه.
(بَاب الْعين مَعَ الْقَاف)
الْعقل: فِي الْعرُوض حذف الْحَرْف الْخَامِس المتحرك وَيُسمى الَّذِي وَقع فِيهِ ذَلِك الْحَذف معقولا.
الْعقل: بِالضَّمِّ الدِّيَة. وبالفتح (دِيَة دادن وَمنع كردن) . وَالدية تمنع وَتمسك الدِّمَاء من أَن تسفك وَالْعقل الَّذِي هُوَ جنس الْعُقُول الْعشْرَة أَو نوع، وَتلك الْعُقُول أَفْرَاده جَوْهَر مُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي ذَاته وَفعله أَي لَيْسَ بمادي وَغير مُتَعَلق وَلَيْسَ بمحتاج إِلَى الْمَادَّة فِي فعله وَهَذَا الْعقل يُسمى ملكا بِلِسَان الشَّرْع وعقلا مُجَردا بِلِسَان الْحُكَمَاء.
وَاعْلَم أَن الْمَشْهُور أَن الْعُقُول عشرَة وَلَكِن ذهب الْمعلم الأول إِلَى أَنَّهَا خَمْسُونَ وَقَالَ الشَّيْخ لم يتَبَيَّن لي إِلَى الْآن أَن كرة الثوابت كرة وَاحِدَة أَو كرات منطوية بَعْضهَا على بعض - فَإِن كَانَت كرات منطوية بِعَدَد الثوابت فَيكون الْعُقُول والنفوس أَكثر مِنْهَا بِكَثِير لَا محَالة فكثرة الْعُقُول بأية مرتبَة كَانَت إِنَّمَا تكون بِكَثْرَة الْحَقَائِق لما قَالُوا من أَن كل حَقِيقَة لَا تتَعَيَّن إِلَّا بتعين وَاحِد تَقْتَضِيه ذَاتهَا.
وَاعْلَم أَن تشخص الْعُقُول من لَوَازِم ماهياتها بِمَعْنى أَن مَاهِيَّة كل وَاحِد من الْجَوَاهِر الْمُفَارقَة تَقْتَضِي انحصار نَوعه فِي شخصه. فَإِن قلت إِن الْمَاهِيّة الْمُطلقَة لَا تَقْتَضِي شَيْئا من مَرَاتِب التعين. قُلْنَا إِن كَون تشخص كل جَوْهَر عَقْلِي من لَوَازِم ذَاته لَيْسَ مَعْنَاهُ أَن الْمَاهِيّة الْمُطلقَة تَقْتَضِي التعين فَإِن التعين بِمَعْنى مَا بِهِ التعين فِي الْأَشْيَاء نفس وجودهَا الْخَاص والوجود مِمَّا لَا تَقْتَضِيه الْمَاهِيّة كَمَا عرفت بل اللُّزُوم قد يُرَاد مِنْهُ عدم الانفكاك بَين الشَّيْئَيْنِ سَوَاء كَانَ مَعَ الِاقْتِضَاء أم لَا وَهُوَ المُرَاد من قَوْلهم تعين كل عقل لَازم لماهيته وَأما التعين بِمَعْنى المتعينة فَهُوَ أَمر اعتباري عَقْلِي لَا بَأْس بِكَوْنِهِ من لَوَازِم الْمَاهِيّة بِأَيّ معنى كَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ أمرا مَخْصُوصًا يتَعَيَّن بِهِ الشَّيْء، وَقيل الْعقل جَوْهَر مُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي ذَاته لَا فعله أَي مُقَارن لَهَا فِيهِ لِأَنَّهَا محتاجة فِي أفعالها وَهِي الاكتسابات إِلَى الْمَادَّة. وَلَا يخفى أَن الْعقل بِهَذَا الْمَعْنى هِيَ النَّفس الناطقة. وَالْعرْف واللغة على مغائرتهما وَالْحق أَن الْعقل الْمدْرك كَمَا يُطلق على الْقُوَّة الَّتِي بهَا الْإِدْرَاك كَذَلِك يُطلق على الْجَوْهَر الْمَذْكُور آنِفا وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ بقوله ﷺ َ - (أول مَا خلق الْعقل) وَإِن حَال نفوسنا بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ حَال أبصارنا بِالْإِضَافَة إِلَى الشَّمْس فَكَمَا أَن بِإِضَافَة نور الشَّمْس يدْرك المبصرات كَذَلِك بِإِضَافَة نوره يدْرك المعقولات وَقَالَ بَعضهم إِن الْعقل قُوَّة للنَّفس بهَا تستعد للعلوم والإدراكات .
стр. 520
وَاعْلَم أَن هَذَا هُوَ الْعقل الهيولاني وَلِهَذَا قَالُوا إِن معنى هَذَا التَّعْرِيف وَمعنى قَوْلهم إِن الْعقل غريزة يتبعهَا الْعلم بالضروريات عِنْد سَلامَة الْأَسْبَاب والآلات وَاحِد وَهَذِه الغريزة هِيَ الْمرتبَة الأولى من مَرَاتِب الْعَاقِلَة كَمَا سَيَجِيءُ، وَقيل الْعقل قُوَّة يُمَيّز بهَا الْإِنْسَان بَين الْمصَالح وَغَيرهَا الَّتِي يُشِير إِلَيْهَا الْإِنْسَان بقوله أَنا. وَفِي كتب الْأُصُول أَن الْعقل نور فِي بدن الْإِنْسَان يضيء بذلك النُّور طَرِيق يبتدأ بِهِ من حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَيْهِ دَرك الْحَواس وَالضَّمِير فِي (بِهِ) رَاجع إِلَى الطَّرِيق وَفِي (إِلَيْهِ) إِلَى حَيْثُ، وَمن هَذَا قيل بداية المعقولات نِهَايَة المحسوسات وَذَلِكَ لِأَن الْإِنْسَان إِذا أبْصر شَيْئا يَتَّضِح لِقَلْبِهِ طَرِيق الِاسْتِدْلَال بِنور الْعقل فَإِذا نظر إِلَى بِنَاء رفيع وانْتهى إِلَيْهِ بَصَره يدْرك بِنور عقله أَن لَهُ بانيا لَا محَالة ذَا حَيَاة وقدرة وَعلم إِلَى سَائِر أَوْصَافه الَّتِي لَا بُد للْبِنَاء هُنَا وَإِذا رأى إِلَى السَّمَاء وَرَأى أَحْكَامهَا ورفعتها واستنارة كواكبها وَعظم هيآتها وَسَائِر مَا فِيهَا من الْعَجَائِب والغرائب اسْتدلَّ بِنور عقله أَنه لَا بُد لَهَا من صانع قديم مُدبر حَكِيم قَادر عَظِيم حَتَّى فِي (نفحات الْأنس من حضرات الْقُدس) أَن الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن شهريار رأى النَّبِي ﵊ فِي الْمَنَام فَسَأَلَ يَا رَسُول الله مَا الْعقل فَقَالَ ﵊ أدناه ترك الدُّنْيَا وَأَعلاهُ ترك التفكر فِي ذَات الله تَعَالَى وَإِنَّمَا سمي تِلْكَ الْأُمُور عقلا لِأَنَّهَا تمنع صَاحبهَا عَن القبائح. قَالَ الْحُكَمَاء أول مَا خلق الله تَعَالَى الْعقل كَمَا ورد نَص الحَدِيث وَقَالَ بَعضهم وَجه الْجمع بَينه وَبَين الْحَدِيثين الآخرين أول مَا خلق الله تَعَالَى الْقَلَم، وَأول مَا خلق الله تَعَالَى نوري، أَن الْمَعْلُول الأول من حَيْثُ إِنَّه مُجَرّد يعقل ذَاته ومبدأ يُسمى عقلا وَمن حَيْثُ إِنَّه وَاسِطَة فِي صُدُور سَائِر الموجودات ونقوش الْعُلُوم يُسمى قَلما وَمن حَيْثُ توسطه فِي إفَاضَة أنوار النُّبُوَّة كَانَ نور سيد الْأَنْبِيَاء ﵊.
الْعقل الفعال: هُوَ الْعقل الْعَاشِر الْمعبر فِي الشَّرْع بالناموس الْأَكْبَر وجبرائيل ﵇ وَإِنَّمَا سمي فعالا لِكَثْرَة أَفعاله وتصرفاته فِي عَالم العناصر.
الْعقل الهيولاني: هُوَ الاستعداد الْمَحْض لإدراك المعقولات وَهُوَ قُوَّة مَحْضَة خَالِيَة عَن الْفِعْل كَمَا للأطفال وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الهيولي لِأَن النَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة تشبه الهيولي الأولى الخالية فِي حد ذَاتهَا عَن الصُّور كلهَا.
اعْلَم أَن للنَّفس الناطقة بِاعْتِبَار الْقُوَّة الْعَاقِلَة أَربع مَرَاتِب وَوجه ضَبطهَا أَن الشَّيْء الَّذِي من شَأْنه أَن يعقل شَيْئا، إِمَّا يعقل بِالْفِعْلِ، أَو بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة، أَو الْبَعِيدَة فِي الْغَايَة، أَو التَّوَسُّط، وَعَلَيْك بملاحظة هَذَا الْوَجْه الْوَجِيه بعد الْإِحَاطَة بالمراتب.
فَاعْلَم أَن الْمرتبَة الأولى وَهِي أَن تكون النَّفس خَالِيَة عَن جَمِيع المعقولات البديهية والنظرية الَّتِي يكون تعقلها بالانطباع فَإِن النَّفس لَا تَخْلُو عَن الْعلم الحضوري بِنَفسِهَا فَتكون النَّفس حِينَئِذٍ مستعدة لتِلْك المعقولات تسمى هَذِه الْمرتبَة بِالْعقلِ الهيولاني
стр. 521
تَشْبِيها بالهيولي الخالية فِي حد ذَاتهَا عَن الصُّور كلهَا بِمَعْنى أَنه لَيْسَ شَيْء مِنْهَا مأخوذا فِيهَا وَإِن لم يجز انفكاكها عَن الصُّور كلهَا بِخِلَاف الهيولي الثَّانِيَة كالجسم الْمُطلق لبسائطه وكالعنصر للمواليد فَإِنَّهَا لَيست خَالِيَة عَنْهَا كلهَا بل الصُّورَة مَأْخُوذَة فِيهَا وَالنُّون زَائِدَة للنسبة وَالْعقل الهيولاني كَمَا يُطلق على هَذِه الْمرتبَة كَمَا علمت كَذَلِك يُطلق على النَّفس الناطقة فِي هَذِه الْمرتبَة وعَلى قُوَّة النَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة وَكَذَا حَال الْأَسَامِي الْآتِيَة فِي الْمَرَاتِب الْبَاقِيَة.
الْعقل بالملكة: مرتبَة ثَانِيَة من أَربع مَرَاتِب النَّفس الناطقة وَهِي أَن تحصل لَهَا المعقولات البديهية بِسَبَب إحساس الجزئيات والشبه بِمَا بَينهَا من المشاركات والمبائنات وَأَن تستعد اسْتِعْدَادًا قَرِيبا للانتقال من البديهيات إِلَى النظريات بالفكر والحدس. وَإِنَّمَا سميت عقلا بالملكة لِأَن المُرَاد بالملكة إِمَّا مَا يُقَابل الْحَال الَّتِي هِيَ كَيْفيَّة غير راسخة أَعنِي الْكَيْفِيَّة الراسخة وَإِمَّا مَا يُقَابل الْعَدَم أَعنِي الْوُجُود. وَلَا شكّ أَن للنَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة اسْتِعْدَادًا راسخا للانتقال إِلَى النظريات والاستعداد كَيْفيَّة من الكيفيات. وَأَيْضًا قد حصل للنَّفس فِي هَذِه الْمرتبَة وجود الِانْتِقَال إِلَى النظريات بِنَاء على قرب وجوده كَمَا يُسمى الْعقل بِالْفِعْلِ عقلا بِالْفِعْلِ مَعَ كَونه بِالْقُوَّةِ لِأَن قوته قريبَة من الْفِعْل جدا. وَالْأولَى أَن يُقَال إِنَّمَا سميت بِهَذَا الْوُجُود الاستعداد الْقَرِيب للانتقال فِي هَذِه الْمرتبَة وَهَذَا أقرب من السَّابِق لعدم الِاحْتِيَاج فِيهِ إِلَى الارتكاب بمجاز المشارفة لِأَنَّهُ أُرِيد بالملكة الْوُجُود وَجعل لامه عوضا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ الْمَحْذُوف أَعنِي الْعقل المتلبس بِوُجُود الاستعداد الْقَرِيب للانتقال لَا بِوُجُود الِانْتِقَال حَتَّى يرد مَا يرد فَيحْتَاج إِلَى التَّكَلُّف. ثمَّ الْعقل بالملكة إِن وصلت إِلَى أَن يحصل لَهَا كل نَظَرِي بالحدس من غير حَاجَة إِلَى فكر تسمى قُوَّة قدسية لتقدسها عَن لوث الْعَوَائِق الجسمية وقاذورات العلائق الطبيعية فَتَأمل.
الْعقل بِالْفِعْلِ: مرتبَة ثَالِثَة من أَربع مَرَاتِب النَّفس الإنسانية أَي النَّفس الناطقة وَهِي أَن يحصل لَهَا المعقولات النظرية لَكِن لَا تطالعها بِالْفِعْلِ بل صَارَت مخزونة عِنْدهَا بِحَيْثُ يستحضرها مَتى شَاءَت بِلَا حَاجَة إِلَى كسب جَدِيد أَي تكون لَهَا ملكة الاستحضار الَّتِي لَا تحصل إِلَّا إِذا لاحظت النظريات الْحَاصِلَة مرّة بعد أُخْرَى. وَإِنَّمَا سميت هَذِه الْمرتبَة أَو النَّفس الناطقة فِي هَذِه الْمرتبَة عقلا بِالْفِعْلِ لفعلية ملاحظات النظريات مرّة بعد أُخْرَى وَهَذَا أولى مِمَّا ذكر فِي الْعقل بالملكة وَاعْلَم أَن الْعقل بِالْفِعْلِ مُتَأَخّر فِي الْحُدُوث عَن
الْعقل الْمُطلق: لِأَن الْمدْرك مَا لم يُشَاهد مَرَّات كَثِيرَة لَا يصير ملكة فَكيف تكون لَهَا المعقولات النظرية مخزونة بِحَيْثُ الخ ومتقدم عَلَيْهِ فِي الْبَقَاء لِأَن الْمُشَاهدَة تَزُول بِسُرْعَة وَتبقى ملكة الاستحضار مستمرة فيتوصل بهَا إِلَى الْمُشَاهدَة، فَمنهمْ من نظر إِلَى التَّأَخُّر فِي الْحُدُوث فَجعله مرتبَة رَابِعَة.
стр. 522
وَمِنْهُم من نظر إِلَى التَّقَدُّم فِي الْبَقَاء فَجعله مرتبَة ثَالِثَة وَالْعقل الْمُطلق هُوَ الْمرتبَة الرَّابِعَة من أَربع مَرَاتِب النَّفس الناطقة وَهِي أَن تطالع النَّفس الناطقة معقولاتها المكتسبة بِالنّظرِ أَو الْحَاصِلَة بِالضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا سمي بِالْعقلِ الْمُطلق لكَونه مستخدما لما سواهُ من الْعُقُول الْمَذْكُورَة فَتلك الْعُقُول خادمة لَهُ لِأَنَّهُ بِسَبَب الْعُقُول الْمَذْكُورَة تكون المعقولات مستحضرة، ثمَّ تطالعها النَّفس فالعقل الْمُطلق سَوَاء أطلق على تِلْكَ الْمرتبَة أَو على النَّفس الناطقة فِي تِلْكَ الْمرتبَة مُطلق غير مُقَيّد بِقَيْد الْخدمَة فَافْهَم.
الْعقل الْمُسْتَفَاد: يُطلق على النَّفس الناطقة فِي الْمرتبَة الرَّابِعَة وعَلى نفس تِلْكَ الْمرتبَة أَيْضا فَهُوَ أَن تحضر عِنْده النظريات الَّتِي أدْركهَا بِحَيْثُ لَا تغيب عَنهُ، وَقد يُطلق على معقولات الْعقل الْمُطلق لكَونهَا مستفادة من الْعقل الفعال.
العقد: بِالْفَتْح بِالْفَارِسِيَّةِ (كره بستن) وَفِي الشَّرْع ربط أَجزَاء التَّصَرُّف أَي الْإِيجَاب وَالْقَبُول وبالكسر (رشة مر واريد) وَالْعقد الَّذِي مِمَّا يتَّصل بالسرقات الشعرية أَن ينظم نثرا قُرْآنًا كَانَ أَو حَدِيثا أَو مثلا أَو غير ذَلِك لَا على طَرِيق الاقتباس كَقَوْلِه:
(مَا بَال من أَوله نُطْفَة ... وجيفة آخِره يفخر)
وَهَذَا الشَّاعِر عقد قَول عَليّ كرم الله وَجهه وَمَا لِابْنِ آدم وَالْفَخْر وَإِنَّمَا أَوله نُطْفَة وَآخره جيفة، وَقَوله كرم الله وَجهه وَالْفَخْر على تَقْدِير النصب يكون الْوَاو فِيهِ بِمَعْنى مَعَ وَاعْلَم أَن مُحَصل مَفْهُوم الْقَضِيَّة يرجع إِلَى عقدين. أَحدهمَا:
عقدَة الْوَضع: وَهُوَ ثُبُوت الْوَصْف العنواني لذات الْمَوْضُوع. وَالثَّانِي:
عقد الْحمل: وَهُوَ ثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع وَالْعقد الأول تركيب تقييدي توصيفي، وَالثَّانِي تركيب خبري وَمعنى رُجُوعه إِلَى الْعقْدَيْنِ أَنه لَا يتَحَقَّق بدونهما كَمَا يُقَال مرجع الْغَنِيّ إِلَى المَال أَي لَا يتَحَقَّق بِدُونِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا مُحَصل مَفْهُوم الْقَضِيَّة لتجريد النّظر إِلَى خصوصيات القضايا وَإِلَّا فمفهوم الْقَضِيَّة الْكُلية لَا يرجع إِلَى ثُبُوت وصف الْمَوْضُوع لذاته بل إِلَى ثُبُوت وَصفه لكل ذَاته وَمَفْهُوم الْجُزْئِيَّة لَا يرجع إِلَى ثُبُوت وَصفه لذاته بل إِلَى ثُبُوت وَصفه لبَعض ذَاته فَافْهَم.
الْعَقِيقَة: قَالَ الْأَصْمَعِي فِي الْعُمْدَة هِيَ بِفَتْح الأول وَكسر الثَّانِي وَسُكُون الْيَاء التَّحْتَانِيَّة بنقطتين وَفتح الْقَاف الثَّانِي فِي اللُّغَة اسْم للشعر الَّذِي على رَأس الْمَوْلُود حِين ولد وَإِنَّمَا سمي بِهِ لِأَنَّهُ يشق اللَّحْم وَالْجَلد، وَفِي الشَّرْع اسْم لما ذبح فِي السَّابِع يَوْم حلق رَأسه تَسْمِيَة لَهُ باسم مَا يقارنها وَهِي سنة فِي الْيَوْم السَّابِع أَو فِي الرَّابِع عشر أَو فِي أحد وَعشْرين. وَقد عق النَّبِي ﷺ َ - عَن نَفسه بَعْدَمَا بعث نَبيا وَهُوَ مَخْصُوص بِهِ ﵊ وَيَقُول عِنْد ذبح الْعَقِيقَة اللَّهُمَّ هَذِه عقيقة ابْني فلَان دَمهَا بدمه ولحمها بِلَحْمِهِ وعظمها بعظمه وجلدها بجلده وشعرها بِشعرِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا فدَاء لِابْني من النَّار ،
стр. 523
والعقيقة شَاتَان عَن الْغُلَام وشَاة عَن الْجَارِيَة وَيَكْفِي عَن الْغُلَام شَاة أَيْضا وَلَا يكسر مِنْهَا شَيْء من الْعِظَام وَيُعْطِي الْقَابِلَة فَخذهَا ويطبخ جز وَلَا يتَصَدَّق بهَا ويحلق رَأس الْمَوْلُود وَيتَصَدَّق بِوَزْن شعر رَأسه فضَّة وَلَا يَأْكُل مِنْهَا أَبوهُ وَأمه. وَلَا بُد أَن يكون الْعَقِيقَة كالأضحية فَتجوز بالثولاء والخصي والجماء لَا بالعمياء والعوراء والعجفاء والعرجاء ومقطوع أَكثر الْأذن أَو الذَّنب أَو الآلية أَو الْعين أَي المذهوب بِأَكْثَرَ ضوء الْعين.
ف (٧١)
الْعقر: بِالضَّمِّ فِي الْمَبْسُوط هُوَ عبارَة عَن مهر الْمثل بكم تستأجر على الزِّنَا نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك مَعَ جمَالهَا لَو جَازَ الِاسْتِئْجَار على الزِّنَا فالقدر الَّذِي تستأجر بِهِ على الزِّنَا يَجْعَل عقرهَا وعقر الْجَارِيَة الْبكر عشر الْقيمَة وَالثَّيِّب نصف عشر الْقيمَة وبالفتح بِالْفَارِسِيَّةِ (بِي كردن) أَي قطع أعصاب رجل الْمَوَاشِي أَو الْإِنْسَان.
العقارب: تَأْدِيب للغضب، وَقد يعرف بِمَا مر فِي العتاب.
الْعقار: بِالْكَسْرِ الْمَتَاع الَّذِي لَا ينْقل كالأرض وَالدَّار وَالْحمام وَالشَّجر.
(بَاب الْعين مَعَ الْكَاف)
الْعَكْس: فِي اللُّغَة رد الشَّيْء إِلَى سنَنه أَي طَرِيقه الأول مثل عكس الْمرْآة فَإِن شُعَاع الْبَصَر ينعكس مِنْهَا بصفائها إِلَى وَجهك وَجَاء بِمَعْنى التبديل مُطلقًا أَيْضا. وَعند أَرْبَاب البديع أَن تقدم أَنْت جُزْءا فِي الْكَلَام ثمَّ تعكس فَتقدم مَا أخرت أَولا وتؤخر مَا قدمت أَولا مثل عادات السادات سَادَات الْعَادَات وَهُوَ على وُجُوه كَمَا بَين فِي البديع. وَعند أهل الْحساب هُوَ الْعَمَل بِالْعَكْسِ كَمَا مر وَيُسمى بالتحليل والتعاكس أَيْضا. وَعند الْفُقَهَاء تَعْلِيق نقيض الحكم الْمَذْكُور بنقيض الْعلَّة الْمَذْكُورَة ردا إِلَى أصل آخر كَقَوْلِنَا مَا لم يلْزم بِالنذرِ يلْزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ وَعَكسه مَا يلْزم بِالنذرِ لم يلْزم بِالشُّرُوعِ، وَعند المنطقيين الْعَكْس على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا
الْعَكْس المستوي: وَيُقَال لَهُ
الْعَكْس الْمُسْتَقيم: أَيْضا وَهُوَ تَبْدِيل طرفِي الْقَضِيَّة ملفوظة كَانَت أَو معقولة مَعَ
стр. 524
بَقَاء الصدْق والكيف وَإِنَّمَا سمي بهما لحُصُول الاسْتقَامَة والمساواة بَين الْقَضِيَّة وعكسها فِي الصدْق والكيف وكما أَن الْعَكْس المستوي والمستقيم يُطلق على الْمَعْنى المصدري الْمَذْكُور وَهُوَ التبديل المسطور كَذَلِك يُطلق على الْقَضِيَّة الْحَاصِلَة بالتبديل مجَازًا من قبيل إِطْلَاق الْخلق على الْمَخْلُوق أَي تَسْمِيَة الْمُتَعَلّق بِالْفَتْح باسم الْمُتَعَلّق بِالْكَسْرِ فَيعرف بِأَنَّهُ أخص قَضِيَّة لَازِمَة للقضية بطرِيق التبديل مُوَافقَة لَهَا فِي الكيف والصدق فَلَا بُد فِي إِثْبَات الْعَكْس من أَمريْن: أَحدهمَا أَن هَذِه الْقَضِيَّة لَازِمَة للْأَصْل وَذَلِكَ بالبرهان المنطبق على الْموَاد كلهَا، وَالثَّانِي أَن مَا هُوَ أخص من تِلْكَ الْقَضِيَّة لَيست لَازِمَة لذَلِك الأَصْل فَيظْهر ذَلِك بالتخلف فِي بعض الصُّور صرح بِهَذَا السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي حَوَاشِيه على شرح الشمسية وَمعنى بَقَاء الصدْق أَنه لَو فرض الأَصْل صَادِقا يجب صدق الْعَكْس مَعَه. وَحَاصِله لُزُوم الْعَكْس للْأَصْل وَمن ثمَّ يجوز أَن يكون الْعَكْس عَاما فَإِن قيل قَوْلنَا لَا شَيْء من الْجِسْم بممتد فِي الْجِهَات إِلَى غير النِّهَايَة صَادِق مَعَ أَن عَكسه وَهُوَ لَا شَيْء من الممتد فِيهَا بجسم كَاذِب فَعلم من هَا هُنَا أَن كَون الْعَكْس لَازِما للْأَصْل غير مُسلم. وَأَيْضًا كُلية قَوْلهم السالبة الْكُلية تنعكس كنفسها منقوضة بالخلف فِي القَوْل الْمَذْكُور قُلْنَا إِن قَوْلكُم لَا شَيْء من الْجِسْم بممتد فِي الْجِهَات إِلَى غير النِّهَايَة لَا يَخْلُو من أَن يكون قَضِيَّة خارجية أَو حَقِيقَة فَإِن أَخَذْتُم الْقَضِيَّة خارجية فعكسه صَادِق لِأَن السالبة تصدق عِنْد انْتِفَاء الْمَوْضُوع وَعَدَمه وموضوع الْعَكْس أَعنِي الممتد فِي الْجِهَات الثَّلَاث إِلَى غير النِّهَايَة مَعْدُوم مُنْتَفٍ لبُطْلَان لَا تناهي الأبعاد بالبراهين الْمَذْكُورَة فِي الْحِكْمَة. وَإِن أخذتموها حَقِيقِيَّة فَنَقُول صدقهَا مَمْنُوع لِأَن كل ممتد فِي الْجِهَات لَا إِلَى نِهَايَة جسم وَيجوز أَن يكون الْأَجْسَام المعدومة فِي الْخَارِج كَذَلِك. فَإِن الْبُرْهَان مَا دلّ إِلَّا على تناهي الْأَجْسَام الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج. وَأما على تناهي الْأَجْسَام الْمقدرَة فَلَا فَإِن قيل إِن قَوْلهم الْمُوجبَة مُطلقًا تنعكس جزئية بَاطِل لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لانعكس قَوْلنَا كل شيخ كَانَ شَابًّا إِلَى قَوْلنَا بعض الشَّاب كَانَ شَيخا وَهُوَ كَاذِب مَعَ صدق الأَصْل إِذْ كلمة كَانَ للزمان الْمَاضِي فَهِيَ تَقْتَضِي سبق زمَان الشيخوخة فِي الْبَعْض على زمَان شبابه وَلَيْسَ كَذَلِك قُلْنَا إِن قَوْلكُم الْمَذْكُور ينعكس إِلَى قَوْلنَا بعض من كَانَ شَابًّا شيخ لَا إِلَى مَا ذكرْتُمْ حَتَّى يرد الْمَنْع.
وَحَاصِل الْجَواب أَن الناقض وَقع فِي الْغَلَط لِأَن كلمة كَانَ فِي القَوْل الْمَذْكُور دَاخل فِي الْمَحْمُول وَهُوَ ظن أَنَّهَا رابطة وَقس عَلَيْهِ كل مَا كَانَ النِّسْبَة فِيهِ مَحْمُولا حَتَّى لَا يرد أَن كل ملك على سَرِير وكل وتد فِي الْحَائِط وكل مَاض كَانَ مُسْتَقْبلا صَادِقَة وَلَا تصدق عكوسها أَعنِي بعض السرير على ملك وَبَعض الْحَائِط فِي الوتد وَبَعض من فِي الْمُسْتَقْبل كَانَ مَاضِيا. فَإنَّك إِذا لاحظت أَن النِّسْبَة فِيهَا دَاخِلَة فِي الْمَحْمُول انْكَشَفَ لَك أَن عكوسها بعض من على السرير ملك وَبَعض مَا فِي الْحَائِط وتد وَبَعض مَا كَانَ
стр. 525
مُسْتَقْبلا مَاض فَإِن قيل قَوْلنَا بعض النَّوْع إِنْسَان صَادِق مَعَ كذب عَكسه وَهُوَ بعض الْإِنْسَان نوع فَقَوْلهم الْمُوجبَة مُطلقًا أَي كُلية أَو جزئية تنعكس جزئية مَمْنُوع قُلْنَا قَوْلكُم بعض النَّوْع إِنْسَان كَاذِب فَلَا بُد وَأَن يكون عَكسه كَاذِبًا الْبَتَّةَ فَإِن قيل لم كَانَ القَوْل الْمَذْكُور كَاذِبًا قُلْنَا الدَّلِيل على كذبه صدق نقيضه أَعنِي لَا شَيْء من النَّوْع بِإِنْسَان فَإِن قيل لم كَانَ نقيضه الْمَذْكُور صَادِقا قُلْنَا لصدق لَا شي من الْإِنْسَان بِنَوْع وَهُوَ ينعكس إِلَى لَا شَيْء من النَّوْع بِإِنْسَان فَيكون هَذَا الْعَكْس صَادِقا أَيْضا.
وَلَا ريب فِي أَن هَذَا الْعَكْس نقيض ذَلِك القَوْل أَعنِي بعض النَّوْع إِنْسَان فَيكون كَاذِبًا لِأَن صدق قَضِيَّة يسْتَلْزم كذب نقيضه - فَإِن قيل إِن القَوْل الْمَذْكُور يترا أَي أَن يكون صَادِقا إِذْ الْأَنْوَاع كَثِيرَة وَالْإِنْسَان بعض مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَن يصدق بعض النَّوْع إِنْسَان أَي مَفْهُوم الْإِنْسَان نوع من الْأَنْوَاع قُلْنَا السِّرّ فِي كذبه أَن الْحمل فِيهِ حمل مُتَعَارَف وَهُوَ يُفِيد أَن الْمَوْضُوع من أَفْرَاد الْمَحْمُول أَو مَا هُوَ فَرد لأَحَدهمَا فَرد لآخر كَمَا حققناه فِي الْحمل. وَلَا شكّ أَن بعض النَّوْع لَيْسَ من أَفْرَاد الْإِنْسَان حَتَّى يَصح بعض النَّوْع إِنْسَان - نعم مَفْهُوم الْإِنْسَان نوع من الْأَنْوَاع لأفراده فضلا عَن إِفْرَاده فَثَبت من هَا هُنَا أَن قَوْلنَا لَا شَيْء من الْإِنْسَان بِنَوْع صَادِق فَكَذَا عَكسه فَيكون نقيضه وَهُوَ بعض النَّوْع إنْسَانا كَاذِبًا وَهَذَا مُرَاد مَا ذكره قَاضِي محب الله فِي سلم الْعُلُوم بقوله والسر فِيهِ أَن الْمُعْتَبر فِي الْحمل الْمُتَعَارف صدق مَفْهُوم الْمَحْمُول لَا نفس مَفْهُومه.
وَاعْلَم أَن السالبة الدائمة تنعكس كنفسها وَاعْترض عَلَيْهِ الإِمَام فِي الملخص أَن السالبة الدائمة لَا تنعكس كنفسها محتجا عَلَيْهِ بِأَن الْكِتَابَة غير ضَرُورِيَّة للْإنْسَان فِي وَقت مَا لصدق قَوْلنَا لَا شي من الْإِنْسَان بكاتب بالإمكان فِي وَقت وكل مَا هُوَ مُمكن فِي وَقت يكون مُمكنا فِي كل وَقت وَإِلَّا لزم الانقلاب من الْإِمْكَان إِلَى الِامْتِنَاع الذاتي فَإِن سلب الْكِتَابَة عَن الْإِنْسَان مُمكن فِي جَمِيع الْأَوْقَات والممكن لَا يلْزم من فرض وُقُوعه محَال فليفرض وُقُوعه حَتَّى يصدق لَا شَيْء من الْإِنْسَان بكاتب دَائِما فَلَو انعكست السالبة الدائمة لزم صدق لَا شَيْء من الْكَاتِب بِإِنْسَان دَائِما وَهُوَ محَال وَهَذَا الْمحَال لم يلْزم من فرض وُقُوع الْمُمكن فَهُوَ من الانعكاس فَيكون محالا وَالْجَوَاب أَن قَوْلكُم لَا شَيْء من الْإِنْسَان بكاتب دَائِما كَاذِب لِأَنَّهُ لَا يلْزم من دوَام إِمْكَان سلب الْكِتَابَة عَن أَفْرَاد الْإِنْسَان إِمْكَان دَوَامه حَتَّى يكون صَادِقا فَهُوَ كَاذِب مَعَ عَكسه فَإِن قيل لم لَا يلْزم من دوَام إِمْكَان الشَّيْء إِمْكَان دَوَامه قُلْنَا إِن بَينهمَا فرقا بَينا وَالْأول لَا يسْتَلْزم الثَّانِي فَإنَّا إِذا قُلْنَا إِمْكَانه دَائِم الَّذِي مضمونه دوَام الْإِمْكَان كَانَ الدَّوَام ظرفا لإمكانه فَيلْزم أَن يكون متصفا بالإمكان غير منفك عَنهُ الاتصاف بِهِ وقتا من الْأَوْقَات كَمَا هُوَ مُقْتَضى مَاهِيَّة
стр. 526
الْمُمكن، وَإِذا قُلْنَا دَوَامه مُمكن الَّذِي مضمونه إِمْكَان الدَّوَام كَانَ الدَّوَام ظرفا لوُجُوده على معنى أَن وجوده الدَّائِم الَّذِي هُوَ غير منفك عَنهُ وقتا من الْأَوْقَات مُمكن وَمن الْمَعْلُوم أَن الأول لَا يسْتَلْزم الثَّانِي لجَوَاز أَن يكون وجود الشَّيْء فِي الْجُمْلَة مُمكنا مستمرا دَائِما وَلَا يكون وجوده على وَجه الِاسْتِمْرَار والدوام مُمكنا بل مُمْتَنعا أَلا ترى أَن الْأُمُور الْغَيْر القارة كالزمان وَالْحَرَكَة إمكانها دَائِم ودوامها غير مُمكن لاقْتِضَاء ماهيتها التقضي وَعدم الِاجْتِمَاع وَقس عَلَيْهِ أزلية الْإِمْكَان وَإِمْكَان الأزلية فَإِن الأول غير الثَّانِي وَغير مُسْتَلْزم لَهُ وَالْحَاصِل أَن دوَام الْإِمْكَان لَازم لمفاد الممكنة الْعَامَّة وَإِمْكَان الدَّوَام لمفاد الدائمة الْمُطلقَة - وَقَالَ شَارِح التَّجْرِيد أَن القَوْل بِعَدَمِ التلازم حق لَا شُبْهَة فِيهِ مَشْهُور فِيمَا بَين الْقَوْم وَمَا قيل إِن إِمْكَانه إِذا كَانَ مستمرا أزلا لم يكن هُوَ فِي ذَاته مَانِعا من قبُول الْوُجُود فِي شَيْء من أَجزَاء الْأَزَل فَيكون عدم مَنعه فِيهِ أمرا مستمرا فِي جَمِيع الْأَجْزَاء فَإِذا نظر إِلَى ذَاته من حَيْثُ هُوَ لم يمْنَع من اتصافه بالوجود فِي شَيْء مِنْهَا بل جَازَ اتصافه بِهِ فِي كل مِنْهَا لَا بَدَلا فَقَط بل ومعا أَيْضا وَجَوَاز الاتصاف بِهِ فِي كل مِنْهَا مَعًا هُوَ إِمْكَان اتصافه بالوجود المستمر فِي جَمِيع الْأَزَل بِالنّظرِ إِلَى ذَاته فأزلية الْإِمْكَان مستلزمة لِإِمْكَان الأزلية فمدفوع بِأَن قَوْله لَا بَدَلا فَقَط بل ومعا أَيْضا مَمْنُوع كَمَا زعم شَارِح الْمطَالع وَالسَّيِّد السَّنَد قدس سره حَيْثُ قَالَا بِأَنَّهُمَا متلازمان. وَثَانِيها:
عكس النقيض: وَهُوَ عِنْد الْمُتَقَدِّمين عبارَة عَن تَبْدِيل نقيض الطَّرفَيْنِ مَعَ بَقَاء الصدْق والكيف وَعند الْمُتَأَخِّرين جعل نقيض الْجُزْء الثَّانِي أَولا وَعين الطّرف الأول ثَانِيًا مَعَ بَقَاء الصدْق والمخالفة فِي الكيف وَعكس النقيض كَمَا يُطلق على الْمَعْنى المصدري وَهُوَ التبديل والجعل الْمَذْكُورين كَذَلِك يُطلق على الْقَضِيَّة الْحَاصِلَة مِنْهُمَا وَوجه التَّسْمِيَة عِنْد الْأَوَائِل ظَاهر. وَأما عِنْد الْمُتَأَخِّرين فبالنظر إِلَى الثَّانِي من الأَصْل.
وَاعْلَم أَن الْمُوجبَة الْكُلية تنعكس بِهَذَا الْعَكْس كنفسها كَمَا تقرر فِي الْمنطق. فَإِن قيل قَوْلنَا كل لَا اجْتِمَاع النقيضين لَا شريك الْبَارِي صَادِق مَعَ أَن عَكسه كَاذِب وَهُوَ كل شريك الْبَارِي اجْتِمَاع النقيضين - أَقُول لَا نسلم صدق الأَصْل لصدق نقيضه وَهُوَ بعض لَا اجْتِمَاع النقيضين لَيْسَ بِلَا شريك الْبَارِي هَل هُوَ شريك الْبَارِي فَإِن شريك الْبَارِي فَرد لَا اجْتِمَاع النقيضين فَلَيْسَ كل لَا اجْتِمَاع النقيضين لَا شريك الْبَارِي - وَقد خَفِي هَذَا الْجَواب على صَاحب السّلم.
стр. 527
(بَاب الْعين مَعَ اللَّام)
ف (٧٢)
الْعلم: بالفتحتين الْعَلامَة، والشهرة، والجبل الرفيع، والراية، وَمَا يعْقد على الرمْح، وَسيد الْقَوْم، وَجمعه الْأَعْلَام، وَعند النُّحَاة مَا وضع لشَيْء بِعَيْنِه شخصا أَو جِنْسا غير متناول غَيره بِوَضْع وَاحِد وَهَذَا هُوَ الْعلم القصدي وَأما الْعلم الاتفاقي فَهُوَ الَّذِي يصير علما أَي وَاقعا على معِين بالغلبة وَكَثْرَة الِاسْتِعْمَال لَا بِالْوَضْعِ والاصطلاح وَهُوَ على ثَلَاثَة أَصْنَاف اسْم ولقب وكنية واطلب كلا فِي مَحَله.
ثمَّ اعْلَم أَن علم بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْعين على وزن سمع مَاض مَعْرُوف من أَفعَال الْقُلُوب من الْعلم بِمَعْنى (دانستن) وَهُوَ فعل الْقلب وَأما علم بتَشْديد الْعين على وزن صرف فَإِنَّهُ من التَّعْلِيم وَهُوَ من أَفعَال الْجَوَارِح، وَأما إِطْلَاق التَّعْلِيم على إِفَادَة الإشراقين فَهُوَ على سَبِيل التنزل وَالْمجَاز. وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا مَا قَالَ الْفَاضِل الجلبي ﵀ فِي حَاشِيَته على المطول أَن قَوْله مَا لم نعلم مفعول ثَان لعلم بِالتَّشْدِيدِ وَالْأول مَحْذُوف أَي علمنَا وَلَا ضير فِي ذَلِك إِذْ لَيْسَ علم من أَفعَال الْقُلُوب حَتَّى لَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد مفعوليه انْتهى. وَالْعلم بِكَسْر الأول وَسُكُون اللَّام مصدر علم يعلم فِي اللُّغَة بِالْفَارِسِيَّةِ (دانستن) .
ثمَّ إِنَّه قد يُطلق على مَا هُوَ مبدأ انكشاف الْمَعْلُوم وَقد يُطلق على مَا بِهِ يصير الشَّيْء منكشفا على الْعَالم بِالْفِعْلِ وَفِي مَا بِهِ الانكشاف اخْتِلَاف مَذَاهِب لَا يتَجَاوَز عشْرين احْتِمَالا عقليا وَوجه ضبط تِلْكَ الِاحْتِمَالَات أَنه إِمَّا حَقِيقَة وَاحِدَة أَو حقائق متبائنة وعَلى الأول إِمَّا زَوَال أَو حُصُول، ثمَّ الْحُصُول إِمَّا حُصُول أثر مَعْلُوم فِي الْعَالم، أَو حُدُوث أَمر فِيهِ، أَو كِلَاهُمَا والأثر إِمَّا صُورَة مَعْلُوم أَو شبحه وَالْأول إِمَّا قَائِم بِنَفسِهِ، أَو منطبع فَهِيَ الْمدْرك، أَو مُتحد مَعَه، والمنطبع إِمَّا منطبع فِي مدرك أَو فِي الْآلَة، والزوال إِمَّا زَوَال أَمر عَن الْعَالم أَو عَن الْمَعْلُوم أَو كليهمَا وعَلى الثَّانِي من الشق الأول إِمَّا إِطْلَاق الْعلم عَلَيْهَا بالاشتراك أَو بِالْحَقِيقَةِ وَالْمجَاز ثمَّ الِاشْتِرَاك إِمَّا لَفْظِي أَو معنوي وَالصَّوَاب المقبول عِنْد الفحول وَالْحق الْحَقِيقِيّ بِالْقبُولِ إِنَّه لَيْسَ حَقِيقَة نوعية أَو جنسية حَتَّى يعرف بِأَمْر جَامع منطبق على جَمِيع جزئياته بل إِطْلَاقه على الْجَمِيع من بَاب إِطْلَاق الْعين على مدلولاته المتبائنة أَلا ترى أَن نَحْو انكشاف الْوَاجِب تَعَالَى لذاته أَو لغيره على اخْتِلَاف بَين الْحُكَمَاء والمتكلمين لَيْسَ إِلَّا كنحو وجوده المغائر للْكُلّ تقوما
стр. 528
وتحصلا وتخصيصا وتشخيصا فَكَمَا أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى اكتناه ذَاته كَذَلِك لَا سَبِيل إِلَى اكتناه صِفَاته الَّتِي من جُمْلَتهَا الْعلم الَّذِي لَيْسَ بحدوث كَيْفيَّة وَلَا بِحُصُول أثر من الْمَعْلُوم فِيهِ وَلَا باتحاد الْمَعْلُوم مَعَه وَلَا بِحُضُور مثل وَلَا بحدوث إِضَافَة متجددة وَلَا بِزَوَال شَيْء عَنهُ لاستلزام الْجَمِيع مفاحش لَا تلِيق بجنابه تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَكَذَا انكشاف المفارقات لأنفسها ولمبدعها ولغيرها لَيْسَ بِحُصُول الْأَثر وَلَا بِزَوَال الْمَانِع وَكَذَا الانكشاف لأنفسنا ولغيرنا من الْوَاجِب تَعَالَى والممكن والممتنع لَيْسَ إِلَّا على أنحاء شَتَّى وطرق متبائنة فَمن رام تَوْحِيد الْكثير أَو تَكْثِير الْوَاحِد فَقَط خبط خبطا عَظِيما وَبَقِي التفتيش فِي الْعلم الَّذِي هُوَ مورد الْقِسْمَة إِلَى التَّصَوُّر والتصديق فِي فواتح كتب الْمنطق بِأَنَّهُ نَحْو من الانكشاف إِمَّا بِزَوَال أَمر منا أَو بحدوث كَيْفيَّة فِينَا أَو بِحُصُول أثر من الْمَعْلُوم صُورَة أَو شبحا أَو باتحاد الْمَعْلُوم معنى أَو بِحُضُور مثل أَو بِإِضَافَة التفاتية وَالَّذِي يحكم بِهِ الْعقل السَّلِيم والذهن الْمُسْتَقيم هُوَ أَنا تَجِد فِينَا عِنْد إحساس الْأَشْخَاص المتبائنة أمورا صَالِحَة لمعروضية الْكُلية والنوعية والجنسية وَمَا وجدنَا فِي الْخَارِج أمرا يكون شَأْنه هَذَا، ثمَّ لما فتشنا عَن تِلْكَ الْأُمُور علمنَا أَنَّهَا لَيست بِأُمُور عدمية وَإِلَّا لما كَانَت قَابِلَة لابتناء الْعُلُوم عَلَيْهَا وَلَا آثارا متغائرة للأشخاص وَإِلَّا لما تسري أَحْكَامهَا إِلَى الْأَفْرَاد ولأعينها وَإِلَّا لترتب على الْأَشْخَاص مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا وَبِالْعَكْسِ عكسا كليا فَعلمنَا أَن هَا هُنَا أمرا وَاحِدًا مشخصا بتشخصين تشخصا خارجيا وَهُوَ على نَحْو الْكَثْرَة وتشخصا ذهنيا وَهُوَ على نَحْو الْوحدَة والوحدة وَالْكَثْرَة أَمْرَانِ زائدان عَلَيْهِ عارضان لَهُ حسب اقْتِضَاء ظرف التحقق وَهَذَا هُوَ قَول من قَالَ إِن الماهيات فِي الْخَارِج أَعْيَان وَفِي الأذهان صور.
ثمَّ إِن الْعُقَلَاء اخْتلفُوا فِي أَن الْعلم بديهي أَو كسبي والذاهبون إِلَى كسبيته اخْتلفُوا فِي أَن كَسبه متعسر أَو متيسر وَإِلَى كل ذهب ذَاهِب، فَذهب الإِمَام الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَنه لَيْسَ بضروري بل هُوَ نَظَرِي وَلَكِن تحديده متعسر وَطَرِيق مَعْرفَته الْقِسْمَة والمثال أما الأول فَهُوَ أَن يُمَيّز عَمَّا يلتبس من الاعتقادات كَمَا تَقول الِاعْتِقَاد إِمَّا جازم أَو غير جازم والجازم إِمَّا مُطَابق أَو غير مُطَابق والمطابق إِمَّا ثَابت أَو غير ثَابت فقد حصل عَن الْقِسْمَة اعْتِقَاد جازم مُطَابق ثَابت وَهُوَ الْعلم بِمَعْنى الْيَقِين فقد تميز عَن الظَّن بِالْجَزْمِ وَعَن الْجَهْل الْمركب بالمطابقة وَعَن التَّقْلِيد الْمُصِيب الْجَازِم بالثابت الَّذِي لَا يَزُول بالتشكيك وَأما الثَّانِي فَكَأَن تَقول الْعلم إِدْرَاك البصيرة المشابه لإدراك الباصرة أَو كاعتقادنا أَن الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ وَقيل هَذَا بعيد فَإِنَّهُمَا إِن أفادا تميز أصلحا مُعَرفا وَإِلَّا لم يحصل بهما معرفَة لماهية الْعلم لِأَن مُحَصل الْمعرفَة لشَيْء لَا بُد وَأَن يُقيد تميزه عَن غَيره لِامْتِنَاع حُصُول مَعْرفَته بِدُونِ تميزه عَن غَيره.
وَلَا يخفى مَا فِيهِ لِأَن الْكَلَام فِي تعسر مَعْرفَته بالكنه. فِي العضدي قَالَ الإِمَام
стр. 529
الْعلم ضَرُورِيّ لِأَن غير الْعلم لَا يعلم إِلَّا بِالْعلمِ فَلَو علم الْعلم بِغَيْرِهِ لزم الدّور لكنه مَعْلُوم فَيكون لَا بِالْغَيْر وَهُوَ ضَرُورِيّ. وَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم كَونه مَعْلُوما إِن تصور غير الْعلم إِنَّمَا يتَوَقَّف على حُصُول الْعلم بِغَيْرِهِ أَعنِي علما جزئيا مُتَعَلقا بذلك الْغَيْر لَا على تصور حَقِيقَة الْعلم بِالْغَيْر أَعنِي علما جزئيا مُتَعَلقا بذلك الْغَيْر وَالَّذِي يُرَاد حُصُوله بِالْغَيْر إِنَّمَا هُوَ تصور حَقِيقَة الْعلم لَا حُصُول جزئي مِنْهُ فَلَا دور للِاخْتِلَاف انْتهى.
وَالْحَاصِل أَن الإِمَام الْغَزالِيّ اسْتدلَّ على مَا ادَّعَاهُ بِأَن الْعلم لَو كَانَ كسبيا مكتسبا من غَيره لدار لِأَن غَيره إِنَّمَا يعلم بِهِ. وخلاصة الْجَواب أَن غير الْعلم إِنَّمَا يعلم بِعلم خَاص مُتَعَلق بِهِ لَا بتصور حَقِيقَة الْعلم وَالْمَقْصُود تصور حَقِيقَته بِغَيْرِهِ فَلَا دور فَافْهَم. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي شرح المواقف وَاعْلَم أَن الْغَزالِيّ صرح فِي الْمُسْتَصْفى بِأَنَّهُ يعسر تَحْدِيد الْعلم بِعِبَارَة محررة جَامِعَة للْجِنْس والفصل الذاتيين فَإِن ذَلِك متعسر فِي أَكثر الْأَشْيَاء بل فِي أَكثر المدركات الحسية فَكيف لَا يعسر فِي الإدراكات الْخفية.
ثمَّ قَالَ إِن التَّقْسِيم الْمَذْكُور يقطع الْعلم عَن مظان الِاشْتِبَاه والتمثيل بِإِدْرَاك الباصرة بفهمك حَقِيقَة فَظهر أَنه إِنَّمَا قَالَ بعسر التَّحْدِيد الْحَقِيقِيّ دون التَّعْرِيف مُطلقًا وَهَذَا كَلَام مُحَقّق لَا بعد فِيهِ لكنه جَار فِي غير الْعلم كَمَا اعْترف بِهِ انْتهى - وَذهب الإِمَام الرَّازِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَنه بديهي لضَرُورَة أَن كل أحد يعلم بِوُجُودِهِ وَهَذَا علم خَاص بديهي وبداهة الْخَاص يسْتَلْزم بداهة الْعَام - وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهَا أَن الضَّرُورِيّ إِنَّمَا هُوَ حُصُول علم جزئي بِوُجُودِهِ وَهَذَا الْحُصُول لَيْسَ تصور ذَلِك الجزئي وَغير مُسْتَلْزم لَهُ فَلَا يلْزم تصور الْمُطلق أصلا فضلا عَن أَن يكون ضَرُورِيًّا، وتوضيحه أَن بَين حُصُول الشَّيْء وتصوره فرقا بَينا فَإِن ارتسام مَاهِيَّة الْعلم فِي النَّفس الناطقة بِنَفسِهَا فِي ضمن الجزئيات حُصُول تِلْكَ الْمَاهِيّة لَا تصورها كحصول الشجَاعَة للنَّفس الْمُوجب لاتصافها بهَا من غير أَن تتصورها وارتسام مَاهِيَّة الْعلم فِي النَّفس بِصُورَة تِلْكَ الْمَاهِيّة ومثالها يُوجب تصورها لَا حُصُولهَا كتصور الشجَاعَة الَّذِي لَا يُوجب اتصاف النَّفس بالشجاعة.
ومحصول التَّوْضِيح أَن الْفرق بَين حُصُول الْعلم نَفسه لِلْعَقْلِ وَبَين تصَوره بَين فَإِن الأول منَاط الاتصاف بِنَفس الْعلم دون العالمية بِالْعلمِ وَالثَّانِي منَاط العالمية بِالْعلمِ فَإِن حُصُول الشجَاعَة نَفسهَا مُوجب للاتصاف بهَا لَا لتصورها وَالْعلم بهَا وتصورها يُوجب العالمية بهَا لَا لحصولها والاتصاف بهَا نعم كم من شُجَاع لَا يعلم أَن الشجَاعَة مَا هِيَ وَهُوَ شُجَاع وَكم من جبان يعلم مَاهِيَّة الشجَاعَة وَهُوَ جبان وَثَانِيهمَا وُرُود المنعين الْمَشْهُورين من منع كَون الْعَام ذاتيا وَكَون الْخَاص مدْركا بالكنه.
وَحَاصِله أَن ذَلِك الاستلزام مَوْقُوف على أَمريْن أَحدهمَا كَون الْعلم ذاتيا للخاص وَلَا نسلم أَن يكون الْعلم الْمُطلق ذاتيا للْعلم الْخَاص وَثَانِيهمَا كَون الْخَاص متصورا بالكنه وَلَا نسلم أَن يكون الْعلم الْخَاص بديهيا متصورا بالكنه لم لَا يجوز أَن يكون
стр. 530
متصورا بِالْوَجْهِ قيل إِن الْخَاص هَا هُنَا مُقَيّد والعالم مُطلق وبداهة الْمُقَيد تَسْتَلْزِم بداهة الْمُطلق لِأَنَّهُ جُزْء خارجي لمَفْهُوم الْمُقَيد فتصوره بِدُونِهِ مِمَّا لَا يتَصَوَّر وَأجِيب بِأَن منشأ هَذَا السُّؤَال عدم الْفرق بَين الْفَرد والحصة وللعلم أفرلد حصصية والفرد هُوَ الطبيعة الْمَأْخُوذَة مَعَ الْقَيْد بِأَن يكون كل من الْقَيْد وَالتَّقْيِيد دَاخِلا كزيد وَعَمْرو للْإنْسَان والحصة هِيَ الطبيعة المنضافة إِلَى الْقَيْد بِأَن يكون التَّقْيِيد من حَيْثُ هُوَ تَقْيِيد دَاخِلا والقيد خَارِجا كوجود زيد وَوُجُود عَمْرو وَعلم زيد وَعلم عَمْرو. وَلَا يخفى على الناظرين أَن هَذَا إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ المُرَاد بِالْعلمِ الْمَعْنى المصدري وَأما إِذا كَانَ المُرَاد بِهِ مَا بِهِ الانكشاف فَلَا يتم وَأَنت تعلم أَن الْمَعْنى المصدري خَارج عَن مَحل النزاع والنزاع حِين إِرَادَة الْمَعْنى المصدري يكون لفظيا كالنزاع فِي الْوُجُود فَإِن من قَالَ بكسبيته يُرِيد مَا بِهِ الانكشاف وَيَدعِي بكسبيته لَا الْمَعْنى المصدري.
وَالْحَاصِل أَنه لَا شكّ فِي بداهة الْعلم الَّذِي يعبر عَنهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بدانستن لِأَنَّهُ معنى انتزاعي لَا يتخصص إِلَّا بإضافات وتخصيصات فحقيقته لَيست إِلَّا مفهومة وحقائق أَفْرَاده لَيست إِلَّا مفهوماتها كَيفَ وَلَو كَانَت مفهوماتها عارضة لحقائقها لكَانَتْ مَحْمُولَة عَلَيْهَا بالاشتقاق وَهُوَ يسْتَلْزم كَون الْعلم عَالما وَالْعلم الْخَاص بديهي وَالْعَام جُزْء مِنْهُ وبداهة الْخَاص تَسْتَلْزِم بداهة الْعَام والمنعان الْمَذْكُورَان حِينَئِذٍ مُكَابَرَة لَا تسمع لَكِن هَذَا الْمَعْنى خَارج عَن مَحل النزاع كَمَا علمت وَإِن أُرِيد أَن الْعلم بِمَعْنى مبدأ الانكشاف بديهي بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُور فَلَا يَخْلُو عَن صعوبة لوُرُود المنعين المذكورية بِلَا مُكَابَرَة فَإِن قلت لَو كَانَ الْعلم بديهيا لما اشْتغل الْعُقَلَاء بتعريفه قلت إِنَّمَا عرف الْعلم من ذهب إِلَى كسبيته لَا إِلَى بداهته فاشتغالهم بتعريفه لَا يدل عى كسبيته بِحَسب الْوَاقِع بل بِحَسب الِاعْتِقَاد. نعم يرد أَنا لَو سلمنَا أَن الذَّاهِب إِلَى كسبيته عرفه بِحَسب اعْتِقَاده لَكِن تَعْرِيفه لدلالته على حُصُوله بِالْكَسْبِ يُنَافِي البداهة لِأَن البديهي مَا لم يُمكن حُصُوله بِالْكَسْبِ لايحصل بِغَيْر الْكسْب وَلَا أَن يُقَال إِن الْمَعْنى الْمَذْكُور للبديهي مَمْنُوع كَيفَ وَلَو كَانَ تَعْرِيف البديهي مَا ذكر للَزِمَ بطلَان البداهة فِي عدَّة من الْأُمُور الَّتِي بداهتها قَطْعِيَّة بالِاتِّفَاقِ وَقيل الْجَواب بِأَن الْكَلَام فِي كنه الْعلم فَإِذا فرض أَنه ضَرُورِيّ لَا يلْزم على صِحَّته امْتنَاع تَعْرِيفه بالرسم لجَوَاز أَن يكون كنه شَيْء ضَرُورِيًّا دون اسْمه وَبَعض وجوهه فَلم لَا يكون تَعْرِيف الْعُقَلَاء تعريفا رسميا للْعلم لَيْسَ بصواب لِأَن تَعْرِيف الشَّيْء بالرسم بعد تصَوره بالكنه مُمْتَنع إِذْ بعد تصَوره بالكنه إِذا قصد تَعْرِيفه بِالْوَجْهِ يكون التَّعْرِيف لذَلِك الْوَجْه الْمَجْهُول لَا لذَلِك الشَّيْء.
وَلَا يخفى على من لَهُ نظر ثاقب أَن بَين علم الشَّيْء بِالْوَجْهِ وَالْعلم بِوَجْه ذَلِك الشَّيْء فرق بَين فَإِن الْوَجْه فِي الأول مُتَصَوّر تبعا وبالعرض ومرآة وَآلَة لتصور ذَلِك الشَّيْء الَّذِي قصد تصَوره بذلك الْوَجْه وَفِي الثَّانِي أَولا وبالذات من غير أَن يكون تصَوره
следующие страницы →