Полный текст (1 034 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الْمُمكن، وَإِذا قُلْنَا دَوَامه مُمكن الَّذِي مضمونه إِمْكَان الدَّوَام كَانَ الدَّوَام ظرفا لوُجُوده على معنى أَن وجوده الدَّائِم الَّذِي هُوَ غير منفك عَنهُ وقتا من الْأَوْقَات مُمكن وَمن الْمَعْلُوم أَن الأول لَا يسْتَلْزم الثَّانِي لجَوَاز أَن يكون وجود الشَّيْء فِي الْجُمْلَة مُمكنا مستمرا دَائِما وَلَا يكون وجوده على وَجه الِاسْتِمْرَار والدوام مُمكنا بل مُمْتَنعا أَلا ترى أَن الْأُمُور الْغَيْر القارة كالزمان وَالْحَرَكَة إمكانها دَائِم ودوامها غير مُمكن لاقْتِضَاء ماهيتها التقضي وَعدم الِاجْتِمَاع وَقس عَلَيْهِ أزلية الْإِمْكَان وَإِمْكَان الأزلية فَإِن الأول غير الثَّانِي وَغير مُسْتَلْزم لَهُ وَالْحَاصِل أَن دوَام الْإِمْكَان لَازم لمفاد الممكنة الْعَامَّة وَإِمْكَان الدَّوَام لمفاد الدائمة الْمُطلقَة - وَقَالَ شَارِح التَّجْرِيد أَن القَوْل بِعَدَمِ التلازم حق لَا شُبْهَة فِيهِ مَشْهُور فِيمَا بَين الْقَوْم وَمَا قيل إِن إِمْكَانه إِذا كَانَ مستمرا أزلا لم يكن هُوَ فِي ذَاته مَانِعا من قبُول الْوُجُود فِي شَيْء من أَجزَاء الْأَزَل فَيكون عدم مَنعه فِيهِ أمرا مستمرا فِي جَمِيع الْأَجْزَاء فَإِذا نظر إِلَى ذَاته من حَيْثُ هُوَ لم يمْنَع من اتصافه بالوجود فِي شَيْء مِنْهَا بل جَازَ اتصافه بِهِ فِي كل مِنْهَا لَا بَدَلا فَقَط بل ومعا أَيْضا وَجَوَاز الاتصاف بِهِ فِي كل مِنْهَا مَعًا هُوَ إِمْكَان اتصافه بالوجود المستمر فِي جَمِيع الْأَزَل بِالنّظرِ إِلَى ذَاته فأزلية الْإِمْكَان مستلزمة لِإِمْكَان الأزلية فمدفوع بِأَن قَوْله لَا بَدَلا فَقَط بل ومعا أَيْضا مَمْنُوع كَمَا زعم شَارِح الْمطَالع وَالسَّيِّد السَّنَد قدس سره حَيْثُ قَالَا بِأَنَّهُمَا متلازمان. وَثَانِيها:
عكس النقيض: وَهُوَ عِنْد الْمُتَقَدِّمين عبارَة عَن تَبْدِيل نقيض الطَّرفَيْنِ مَعَ بَقَاء الصدْق والكيف وَعند الْمُتَأَخِّرين جعل نقيض الْجُزْء الثَّانِي أَولا وَعين الطّرف الأول ثَانِيًا مَعَ بَقَاء الصدْق والمخالفة فِي الكيف وَعكس النقيض كَمَا يُطلق على الْمَعْنى المصدري وَهُوَ التبديل والجعل الْمَذْكُورين كَذَلِك يُطلق على الْقَضِيَّة الْحَاصِلَة مِنْهُمَا وَوجه التَّسْمِيَة عِنْد الْأَوَائِل ظَاهر. وَأما عِنْد الْمُتَأَخِّرين فبالنظر إِلَى الثَّانِي من الأَصْل.
وَاعْلَم أَن الْمُوجبَة الْكُلية تنعكس بِهَذَا الْعَكْس كنفسها كَمَا تقرر فِي الْمنطق. فَإِن قيل قَوْلنَا كل لَا اجْتِمَاع النقيضين لَا شريك الْبَارِي صَادِق مَعَ أَن عَكسه كَاذِب وَهُوَ كل شريك الْبَارِي اجْتِمَاع النقيضين - أَقُول لَا نسلم صدق الأَصْل لصدق نقيضه وَهُوَ بعض لَا اجْتِمَاع النقيضين لَيْسَ بِلَا شريك الْبَارِي هَل هُوَ شريك الْبَارِي فَإِن شريك الْبَارِي فَرد لَا اجْتِمَاع النقيضين فَلَيْسَ كل لَا اجْتِمَاع النقيضين لَا شريك الْبَارِي - وَقد خَفِي هَذَا الْجَواب على صَاحب السّلم.
стр. 527
(بَاب الْعين مَعَ اللَّام)
ف (٧٢)
الْعلم: بالفتحتين الْعَلامَة، والشهرة، والجبل الرفيع، والراية، وَمَا يعْقد على الرمْح، وَسيد الْقَوْم، وَجمعه الْأَعْلَام، وَعند النُّحَاة مَا وضع لشَيْء بِعَيْنِه شخصا أَو جِنْسا غير متناول غَيره بِوَضْع وَاحِد وَهَذَا هُوَ الْعلم القصدي وَأما الْعلم الاتفاقي فَهُوَ الَّذِي يصير علما أَي وَاقعا على معِين بالغلبة وَكَثْرَة الِاسْتِعْمَال لَا بِالْوَضْعِ والاصطلاح وَهُوَ على ثَلَاثَة أَصْنَاف اسْم ولقب وكنية واطلب كلا فِي مَحَله.
ثمَّ اعْلَم أَن علم بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْعين على وزن سمع مَاض مَعْرُوف من أَفعَال الْقُلُوب من الْعلم بِمَعْنى (دانستن) وَهُوَ فعل الْقلب وَأما علم بتَشْديد الْعين على وزن صرف فَإِنَّهُ من التَّعْلِيم وَهُوَ من أَفعَال الْجَوَارِح، وَأما إِطْلَاق التَّعْلِيم على إِفَادَة الإشراقين فَهُوَ على سَبِيل التنزل وَالْمجَاز. وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا مَا قَالَ الْفَاضِل الجلبي ﵀ فِي حَاشِيَته على المطول أَن قَوْله مَا لم نعلم مفعول ثَان لعلم بِالتَّشْدِيدِ وَالْأول مَحْذُوف أَي علمنَا وَلَا ضير فِي ذَلِك إِذْ لَيْسَ علم من أَفعَال الْقُلُوب حَتَّى لَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد مفعوليه انْتهى. وَالْعلم بِكَسْر الأول وَسُكُون اللَّام مصدر علم يعلم فِي اللُّغَة بِالْفَارِسِيَّةِ (دانستن) .
ثمَّ إِنَّه قد يُطلق على مَا هُوَ مبدأ انكشاف الْمَعْلُوم وَقد يُطلق على مَا بِهِ يصير الشَّيْء منكشفا على الْعَالم بِالْفِعْلِ وَفِي مَا بِهِ الانكشاف اخْتِلَاف مَذَاهِب لَا يتَجَاوَز عشْرين احْتِمَالا عقليا وَوجه ضبط تِلْكَ الِاحْتِمَالَات أَنه إِمَّا حَقِيقَة وَاحِدَة أَو حقائق متبائنة وعَلى الأول إِمَّا زَوَال أَو حُصُول، ثمَّ الْحُصُول إِمَّا حُصُول أثر مَعْلُوم فِي الْعَالم، أَو حُدُوث أَمر فِيهِ، أَو كِلَاهُمَا والأثر إِمَّا صُورَة مَعْلُوم أَو شبحه وَالْأول إِمَّا قَائِم بِنَفسِهِ، أَو منطبع فَهِيَ الْمدْرك، أَو مُتحد مَعَه، والمنطبع إِمَّا منطبع فِي مدرك أَو فِي الْآلَة، والزوال إِمَّا زَوَال أَمر عَن الْعَالم أَو عَن الْمَعْلُوم أَو كليهمَا وعَلى الثَّانِي من الشق الأول إِمَّا إِطْلَاق الْعلم عَلَيْهَا بالاشتراك أَو بِالْحَقِيقَةِ وَالْمجَاز ثمَّ الِاشْتِرَاك إِمَّا لَفْظِي أَو معنوي وَالصَّوَاب المقبول عِنْد الفحول وَالْحق الْحَقِيقِيّ بِالْقبُولِ إِنَّه لَيْسَ حَقِيقَة نوعية أَو جنسية حَتَّى يعرف بِأَمْر جَامع منطبق على جَمِيع جزئياته بل إِطْلَاقه على الْجَمِيع من بَاب إِطْلَاق الْعين على مدلولاته المتبائنة أَلا ترى أَن نَحْو انكشاف الْوَاجِب تَعَالَى لذاته أَو لغيره على اخْتِلَاف بَين الْحُكَمَاء والمتكلمين لَيْسَ إِلَّا كنحو وجوده المغائر للْكُلّ تقوما
стр. 528
وتحصلا وتخصيصا وتشخيصا فَكَمَا أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى اكتناه ذَاته كَذَلِك لَا سَبِيل إِلَى اكتناه صِفَاته الَّتِي من جُمْلَتهَا الْعلم الَّذِي لَيْسَ بحدوث كَيْفيَّة وَلَا بِحُصُول أثر من الْمَعْلُوم فِيهِ وَلَا باتحاد الْمَعْلُوم مَعَه وَلَا بِحُضُور مثل وَلَا بحدوث إِضَافَة متجددة وَلَا بِزَوَال شَيْء عَنهُ لاستلزام الْجَمِيع مفاحش لَا تلِيق بجنابه تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَكَذَا انكشاف المفارقات لأنفسها ولمبدعها ولغيرها لَيْسَ بِحُصُول الْأَثر وَلَا بِزَوَال الْمَانِع وَكَذَا الانكشاف لأنفسنا ولغيرنا من الْوَاجِب تَعَالَى والممكن والممتنع لَيْسَ إِلَّا على أنحاء شَتَّى وطرق متبائنة فَمن رام تَوْحِيد الْكثير أَو تَكْثِير الْوَاحِد فَقَط خبط خبطا عَظِيما وَبَقِي التفتيش فِي الْعلم الَّذِي هُوَ مورد الْقِسْمَة إِلَى التَّصَوُّر والتصديق فِي فواتح كتب الْمنطق بِأَنَّهُ نَحْو من الانكشاف إِمَّا بِزَوَال أَمر منا أَو بحدوث كَيْفيَّة فِينَا أَو بِحُصُول أثر من الْمَعْلُوم صُورَة أَو شبحا أَو باتحاد الْمَعْلُوم معنى أَو بِحُضُور مثل أَو بِإِضَافَة التفاتية وَالَّذِي يحكم بِهِ الْعقل السَّلِيم والذهن الْمُسْتَقيم هُوَ أَنا تَجِد فِينَا عِنْد إحساس الْأَشْخَاص المتبائنة أمورا صَالِحَة لمعروضية الْكُلية والنوعية والجنسية وَمَا وجدنَا فِي الْخَارِج أمرا يكون شَأْنه هَذَا، ثمَّ لما فتشنا عَن تِلْكَ الْأُمُور علمنَا أَنَّهَا لَيست بِأُمُور عدمية وَإِلَّا لما كَانَت قَابِلَة لابتناء الْعُلُوم عَلَيْهَا وَلَا آثارا متغائرة للأشخاص وَإِلَّا لما تسري أَحْكَامهَا إِلَى الْأَفْرَاد ولأعينها وَإِلَّا لترتب على الْأَشْخَاص مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا وَبِالْعَكْسِ عكسا كليا فَعلمنَا أَن هَا هُنَا أمرا وَاحِدًا مشخصا بتشخصين تشخصا خارجيا وَهُوَ على نَحْو الْكَثْرَة وتشخصا ذهنيا وَهُوَ على نَحْو الْوحدَة والوحدة وَالْكَثْرَة أَمْرَانِ زائدان عَلَيْهِ عارضان لَهُ حسب اقْتِضَاء ظرف التحقق وَهَذَا هُوَ قَول من قَالَ إِن الماهيات فِي الْخَارِج أَعْيَان وَفِي الأذهان صور.
ثمَّ إِن الْعُقَلَاء اخْتلفُوا فِي أَن الْعلم بديهي أَو كسبي والذاهبون إِلَى كسبيته اخْتلفُوا فِي أَن كَسبه متعسر أَو متيسر وَإِلَى كل ذهب ذَاهِب، فَذهب الإِمَام الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَنه لَيْسَ بضروري بل هُوَ نَظَرِي وَلَكِن تحديده متعسر وَطَرِيق مَعْرفَته الْقِسْمَة والمثال أما الأول فَهُوَ أَن يُمَيّز عَمَّا يلتبس من الاعتقادات كَمَا تَقول الِاعْتِقَاد إِمَّا جازم أَو غير جازم والجازم إِمَّا مُطَابق أَو غير مُطَابق والمطابق إِمَّا ثَابت أَو غير ثَابت فقد حصل عَن الْقِسْمَة اعْتِقَاد جازم مُطَابق ثَابت وَهُوَ الْعلم بِمَعْنى الْيَقِين فقد تميز عَن الظَّن بِالْجَزْمِ وَعَن الْجَهْل الْمركب بالمطابقة وَعَن التَّقْلِيد الْمُصِيب الْجَازِم بالثابت الَّذِي لَا يَزُول بالتشكيك وَأما الثَّانِي فَكَأَن تَقول الْعلم إِدْرَاك البصيرة المشابه لإدراك الباصرة أَو كاعتقادنا أَن الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ وَقيل هَذَا بعيد فَإِنَّهُمَا إِن أفادا تميز أصلحا مُعَرفا وَإِلَّا لم يحصل بهما معرفَة لماهية الْعلم لِأَن مُحَصل الْمعرفَة لشَيْء لَا بُد وَأَن يُقيد تميزه عَن غَيره لِامْتِنَاع حُصُول مَعْرفَته بِدُونِ تميزه عَن غَيره.
وَلَا يخفى مَا فِيهِ لِأَن الْكَلَام فِي تعسر مَعْرفَته بالكنه. فِي العضدي قَالَ الإِمَام
стр. 529
الْعلم ضَرُورِيّ لِأَن غير الْعلم لَا يعلم إِلَّا بِالْعلمِ فَلَو علم الْعلم بِغَيْرِهِ لزم الدّور لكنه مَعْلُوم فَيكون لَا بِالْغَيْر وَهُوَ ضَرُورِيّ. وَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم كَونه مَعْلُوما إِن تصور غير الْعلم إِنَّمَا يتَوَقَّف على حُصُول الْعلم بِغَيْرِهِ أَعنِي علما جزئيا مُتَعَلقا بذلك الْغَيْر لَا على تصور حَقِيقَة الْعلم بِالْغَيْر أَعنِي علما جزئيا مُتَعَلقا بذلك الْغَيْر وَالَّذِي يُرَاد حُصُوله بِالْغَيْر إِنَّمَا هُوَ تصور حَقِيقَة الْعلم لَا حُصُول جزئي مِنْهُ فَلَا دور للِاخْتِلَاف انْتهى.
وَالْحَاصِل أَن الإِمَام الْغَزالِيّ اسْتدلَّ على مَا ادَّعَاهُ بِأَن الْعلم لَو كَانَ كسبيا مكتسبا من غَيره لدار لِأَن غَيره إِنَّمَا يعلم بِهِ. وخلاصة الْجَواب أَن غير الْعلم إِنَّمَا يعلم بِعلم خَاص مُتَعَلق بِهِ لَا بتصور حَقِيقَة الْعلم وَالْمَقْصُود تصور حَقِيقَته بِغَيْرِهِ فَلَا دور فَافْهَم. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي شرح المواقف وَاعْلَم أَن الْغَزالِيّ صرح فِي الْمُسْتَصْفى بِأَنَّهُ يعسر تَحْدِيد الْعلم بِعِبَارَة محررة جَامِعَة للْجِنْس والفصل الذاتيين فَإِن ذَلِك متعسر فِي أَكثر الْأَشْيَاء بل فِي أَكثر المدركات الحسية فَكيف لَا يعسر فِي الإدراكات الْخفية.
ثمَّ قَالَ إِن التَّقْسِيم الْمَذْكُور يقطع الْعلم عَن مظان الِاشْتِبَاه والتمثيل بِإِدْرَاك الباصرة بفهمك حَقِيقَة فَظهر أَنه إِنَّمَا قَالَ بعسر التَّحْدِيد الْحَقِيقِيّ دون التَّعْرِيف مُطلقًا وَهَذَا كَلَام مُحَقّق لَا بعد فِيهِ لكنه جَار فِي غير الْعلم كَمَا اعْترف بِهِ انْتهى - وَذهب الإِمَام الرَّازِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَنه بديهي لضَرُورَة أَن كل أحد يعلم بِوُجُودِهِ وَهَذَا علم خَاص بديهي وبداهة الْخَاص يسْتَلْزم بداهة الْعَام - وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهَا أَن الضَّرُورِيّ إِنَّمَا هُوَ حُصُول علم جزئي بِوُجُودِهِ وَهَذَا الْحُصُول لَيْسَ تصور ذَلِك الجزئي وَغير مُسْتَلْزم لَهُ فَلَا يلْزم تصور الْمُطلق أصلا فضلا عَن أَن يكون ضَرُورِيًّا، وتوضيحه أَن بَين حُصُول الشَّيْء وتصوره فرقا بَينا فَإِن ارتسام مَاهِيَّة الْعلم فِي النَّفس الناطقة بِنَفسِهَا فِي ضمن الجزئيات حُصُول تِلْكَ الْمَاهِيّة لَا تصورها كحصول الشجَاعَة للنَّفس الْمُوجب لاتصافها بهَا من غير أَن تتصورها وارتسام مَاهِيَّة الْعلم فِي النَّفس بِصُورَة تِلْكَ الْمَاهِيّة ومثالها يُوجب تصورها لَا حُصُولهَا كتصور الشجَاعَة الَّذِي لَا يُوجب اتصاف النَّفس بالشجاعة.
ومحصول التَّوْضِيح أَن الْفرق بَين حُصُول الْعلم نَفسه لِلْعَقْلِ وَبَين تصَوره بَين فَإِن الأول منَاط الاتصاف بِنَفس الْعلم دون العالمية بِالْعلمِ وَالثَّانِي منَاط العالمية بِالْعلمِ فَإِن حُصُول الشجَاعَة نَفسهَا مُوجب للاتصاف بهَا لَا لتصورها وَالْعلم بهَا وتصورها يُوجب العالمية بهَا لَا لحصولها والاتصاف بهَا نعم كم من شُجَاع لَا يعلم أَن الشجَاعَة مَا هِيَ وَهُوَ شُجَاع وَكم من جبان يعلم مَاهِيَّة الشجَاعَة وَهُوَ جبان وَثَانِيهمَا وُرُود المنعين الْمَشْهُورين من منع كَون الْعَام ذاتيا وَكَون الْخَاص مدْركا بالكنه.
وَحَاصِله أَن ذَلِك الاستلزام مَوْقُوف على أَمريْن أَحدهمَا كَون الْعلم ذاتيا للخاص وَلَا نسلم أَن يكون الْعلم الْمُطلق ذاتيا للْعلم الْخَاص وَثَانِيهمَا كَون الْخَاص متصورا بالكنه وَلَا نسلم أَن يكون الْعلم الْخَاص بديهيا متصورا بالكنه لم لَا يجوز أَن يكون
стр. 530
متصورا بِالْوَجْهِ قيل إِن الْخَاص هَا هُنَا مُقَيّد والعالم مُطلق وبداهة الْمُقَيد تَسْتَلْزِم بداهة الْمُطلق لِأَنَّهُ جُزْء خارجي لمَفْهُوم الْمُقَيد فتصوره بِدُونِهِ مِمَّا لَا يتَصَوَّر وَأجِيب بِأَن منشأ هَذَا السُّؤَال عدم الْفرق بَين الْفَرد والحصة وللعلم أفرلد حصصية والفرد هُوَ الطبيعة الْمَأْخُوذَة مَعَ الْقَيْد بِأَن يكون كل من الْقَيْد وَالتَّقْيِيد دَاخِلا كزيد وَعَمْرو للْإنْسَان والحصة هِيَ الطبيعة المنضافة إِلَى الْقَيْد بِأَن يكون التَّقْيِيد من حَيْثُ هُوَ تَقْيِيد دَاخِلا والقيد خَارِجا كوجود زيد وَوُجُود عَمْرو وَعلم زيد وَعلم عَمْرو. وَلَا يخفى على الناظرين أَن هَذَا إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ المُرَاد بِالْعلمِ الْمَعْنى المصدري وَأما إِذا كَانَ المُرَاد بِهِ مَا بِهِ الانكشاف فَلَا يتم وَأَنت تعلم أَن الْمَعْنى المصدري خَارج عَن مَحل النزاع والنزاع حِين إِرَادَة الْمَعْنى المصدري يكون لفظيا كالنزاع فِي الْوُجُود فَإِن من قَالَ بكسبيته يُرِيد مَا بِهِ الانكشاف وَيَدعِي بكسبيته لَا الْمَعْنى المصدري.
وَالْحَاصِل أَنه لَا شكّ فِي بداهة الْعلم الَّذِي يعبر عَنهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بدانستن لِأَنَّهُ معنى انتزاعي لَا يتخصص إِلَّا بإضافات وتخصيصات فحقيقته لَيست إِلَّا مفهومة وحقائق أَفْرَاده لَيست إِلَّا مفهوماتها كَيفَ وَلَو كَانَت مفهوماتها عارضة لحقائقها لكَانَتْ مَحْمُولَة عَلَيْهَا بالاشتقاق وَهُوَ يسْتَلْزم كَون الْعلم عَالما وَالْعلم الْخَاص بديهي وَالْعَام جُزْء مِنْهُ وبداهة الْخَاص تَسْتَلْزِم بداهة الْعَام والمنعان الْمَذْكُورَان حِينَئِذٍ مُكَابَرَة لَا تسمع لَكِن هَذَا الْمَعْنى خَارج عَن مَحل النزاع كَمَا علمت وَإِن أُرِيد أَن الْعلم بِمَعْنى مبدأ الانكشاف بديهي بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُور فَلَا يَخْلُو عَن صعوبة لوُرُود المنعين المذكورية بِلَا مُكَابَرَة فَإِن قلت لَو كَانَ الْعلم بديهيا لما اشْتغل الْعُقَلَاء بتعريفه قلت إِنَّمَا عرف الْعلم من ذهب إِلَى كسبيته لَا إِلَى بداهته فاشتغالهم بتعريفه لَا يدل عى كسبيته بِحَسب الْوَاقِع بل بِحَسب الِاعْتِقَاد. نعم يرد أَنا لَو سلمنَا أَن الذَّاهِب إِلَى كسبيته عرفه بِحَسب اعْتِقَاده لَكِن تَعْرِيفه لدلالته على حُصُوله بِالْكَسْبِ يُنَافِي البداهة لِأَن البديهي مَا لم يُمكن حُصُوله بِالْكَسْبِ لايحصل بِغَيْر الْكسْب وَلَا أَن يُقَال إِن الْمَعْنى الْمَذْكُور للبديهي مَمْنُوع كَيفَ وَلَو كَانَ تَعْرِيف البديهي مَا ذكر للَزِمَ بطلَان البداهة فِي عدَّة من الْأُمُور الَّتِي بداهتها قَطْعِيَّة بالِاتِّفَاقِ وَقيل الْجَواب بِأَن الْكَلَام فِي كنه الْعلم فَإِذا فرض أَنه ضَرُورِيّ لَا يلْزم على صِحَّته امْتنَاع تَعْرِيفه بالرسم لجَوَاز أَن يكون كنه شَيْء ضَرُورِيًّا دون اسْمه وَبَعض وجوهه فَلم لَا يكون تَعْرِيف الْعُقَلَاء تعريفا رسميا للْعلم لَيْسَ بصواب لِأَن تَعْرِيف الشَّيْء بالرسم بعد تصَوره بالكنه مُمْتَنع إِذْ بعد تصَوره بالكنه إِذا قصد تَعْرِيفه بِالْوَجْهِ يكون التَّعْرِيف لذَلِك الْوَجْه الْمَجْهُول لَا لذَلِك الشَّيْء.
وَلَا يخفى على من لَهُ نظر ثاقب أَن بَين علم الشَّيْء بِالْوَجْهِ وَالْعلم بِوَجْه ذَلِك الشَّيْء فرق بَين فَإِن الْوَجْه فِي الأول مُتَصَوّر تبعا وبالعرض ومرآة وَآلَة لتصور ذَلِك الشَّيْء الَّذِي قصد تصَوره بذلك الْوَجْه وَفِي الثَّانِي أَولا وبالذات من غير أَن يكون تصَوره
стр. 531
آلَة لتصور غَيره ومرآة لَهُ فَإِن قلت إِن الْعلم من صِفَات النَّفس وَعلمهَا بِنَفسِهَا وصفاتها حضوري وَهُوَ لَا يَتَّصِف بالبداهة والكسبية قلت إِن المُرَاد بِالصِّفَاتِ الصِّفَات الانضمامية أَي الصِّفَات العينية الخارجية الْغَيْر المنتزعة وَالْكَلَام فِي الْعلم الْمُطلق وَهُوَ لَيْسَ من الصِّفَات الانضمامية وَبعد تَسْلِيمه عدم اتصاف الحضوري بالبداهة مَمْنُوع - اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يخترع اصْطِلَاح آخر وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح، وَفِي بعض شُرُوح سلم الْعُلُوم وَالْحق أَن الْعلم نور قَائِم بِذَاتِهِ وَاجِب لذاته وَلَيْسَ تَحت شَيْء من المقولات فَإِن الْعلم إِنَّمَا حَقِيقَته مبدأ انكشاف الْأَشْيَاء وظهورها بِأَن يكون هُوَ بِنَفسِهِ مظْهرا ومصداقا لحمله والممكن لما كَانَ فِي ذَاته فِي بقْعَة الْقُوَّة وحيز الليسية كَانَ فِي ذَاته أمرا ظلمانيا لَا ظَاهرا وَلَا مظْهرا فَلَا يكون علما وَلَا فِي حد ذَاته عَالما فَكَمَا أَن قوامه ووجوده إِنَّمَا هُوَ بِالْعرضِ من تِلْقَاء إفَاضَة الْجَاعِل الْحق كَذَلِك عالميته إِنَّمَا هِيَ بِالْعرضِ من تِلْقَاء إفَاضَة الْعَالم الْحق فمصداق حمل الْوُجُود وَالْعلم على الْوَاجِب نفس ذَاته وعَلى الْمُمكن هُوَ من حَيْثُ استناده إِلَى الله تَعَالَى فَكَمَا أَن وجود الْمُمكن هُوَ وجود الْوَاجِب كَذَلِك علمه هُوَ علم الْوَاجِب تَعَالَى بل الْعلم هُوَ الْوُجُود بِشَرْط كَونه مُجَردا فَالْوَاجِب سُبْحَانَهُ يَجْعَل الْعقل أمرا نورانيا ينْكَشف الْأَشْيَاء عِنْد قِيَامهَا بهَا وَلَيْسَ الْعلم أمرا زَائِدا على وجودهَا الْخَاص الْمُجَرّد وَلذَا تدْرك ذَاتهَا بذاتها. نعم قد يفْتَقر إِلَى أَن يكون وجود الْمَعْلُوم لَهُ حَتَّى ينْكَشف عِنْده إِذا كَانَ هُوَ غير ذَاته وَصِفَاته وَذَلِكَ بإعلام الْمعلم وبإفاضة وجوده لَهُ فالعلم وَإِن كَانَ أظهر الْأَشْيَاء وأبينها وأوضحها لَكِن يمْتَنع تصَوره بالكنه وَنسبَة الْعُقُول إِلَيْهِ كنسبة الخدش إِلَى الشَّمْس وَنسبَة الْقَمَر إِلَيْهَا وَلذَا قَالَ المُصَنّف أَي مُصَنف السّلم فِيهِ أَن الْعلم من أجلى البديهيات وَإِنَّمَا اختفاء جَوْهَر ذَاته لشدَّة وضوحها كَمَا أَن من المحسوسات مَا يبلغ فِيهِ بذلك الْحَد حَتَّى يمْنَع عَن تَمام الْإِدْرَاك كَالْعلمِ فَإِنَّهُ مبدأ ظُهُور الْأَشْيَاء فَيجب أَن يكون ظَاهرا فِي نَفسه لَيْسَ فِيهِ شَرّ الظلمَة - وَلِهَذَا يفْتَقر إِلَى التَّشْبِيه لإِزَالَة خفائه وَأَنه لَيْسَ خفِيا فِي نَفسه بل لِأَن عقولنا أعجز عَن اكتناهه فَهَذَا التَّشْبِيه يشبه الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ مَاء وضع لرؤية تِمْثَال الشَّمْس انْتهى.
والذاهبون إِلَى كسبية الْعلم وَأَن كَسبه متيسر اخْتلفُوا فِي تَعْرِيفه، وَالْمُخْتَار عِنْد الْمُتَكَلِّمين أَنه صفة توجب تميز شَيْء لَا يحْتَمل ذَلِك الشَّيْء نقيض ذَلِك التميز وهم لَا يطلقون الْعلم إِلَّا على الْيَقِين كَمَا ستعرف، وَعلم الْوَاجِب عِنْد الْمُتَكَلِّمين صفة أزلية تنكشف المعلومات عِنْد تعلقهَا بهَا وتعلقات علمه تَعَالَى على نَوْعَيْنِ كَمَا فصلنا فِي تعلقات علم الْوَاجِب تَعَالَى.
وَالْعلم عِنْد الْحُكَمَاء يتَنَاوَل الْيَقِين وَالشَّكّ وَالوهم والتقليد وَالْجهل، وَالْعلم الْمُطلق عِنْدهم أَي سَوَاء كَانَ حضوريا أَو حصوليا مُطلق الصُّورَة الْحَاضِرَة عِنْد الْمدْرك سَوَاء كَانَت نفس الْمَعْلُوم كَمَا فِي الحضوري أَو غَيره وَلَو بِالِاعْتِبَارِ كَمَا فِي الحصولي،
стр. 532
وَسَوَاء كَانَت مُطَابقَة لما قصد تصَوره كَمَا فِي الْيَقِين أَولا كَمَا فِي الْجَهْل، وَسَوَاء احتملت الزَّوَال كَمَا فِي التَّقْلِيد وَالظَّن وَالشَّكّ وَالوهم أَولا كَمَا فِي الْيَقِين، وَسَوَاء كَانَت مرْآة لملاحظة مَا قصد تصَوره كَمَا فِي الْعلم بالكنه أَو بِالْوَجْهِ أَولا كَمَا فِي الْعلم بكنه الشَّيْء وَالْعلم بِوَجْه الشَّيْء وَالْمرَاد بالصورة الْمَاهِيّة فَإِنَّهَا بِاعْتِبَار الحضوري العلمي تسمى صُورَة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْخَارِجِي عينا. وَيعلم من هَذَا التَّعْرِيف عدَّة أُمُور أَحدهَا أَن الْعلم أَمر وجودي لَا عدمي لِأَن الضَّرُورَة تشهد بِأَن وَقت الانكشاف يحصل شَيْء من شَيْء لَا أَنه يَزُول مِنْهُ لكنه لم يقم عَلَيْهِ برهَان قَاطع وَثَانِيها أَنه شَامِل للحضوري والحصولي ولعلم الْوَاجِب والممكن والكليات والجزئيات فِي الْآلَات أَو فِي نفس النَّفس وَثَالِثهَا أَنه شَامِل للمذهبين فِي الجزئيات، أَحدهمَا، أَن مدركها هُوَ النَّفس وَثَانِيهمَا أَن مدركها هُوَ الْحَواس وَرَابِعهَا أَنه شَامِل لمذهبي ارتسام صور الجزئيات المادية فِي الْآلَات أَو فِي نفس النَّفس لِأَن الْمدْرك يتَنَاوَل الْمُجَرّد وَالنَّفس والحواس وَكلمَة عِنْد لعِنْد ولفي والحضور والحصول كالمترادفين.
وَالتَّحْقِيق أَن الْمدْرك لجَمِيع الْأَشْيَاء النَّفس الناطقة سَوَاء كَانَ ارتسام الصُّور فِيهَا أَو فِي غَيرهَا وَسَيَأْتِي لَك تَفْصِيل الْمذَاهب. وَالْأَحْسَن فِي التَّعْمِيم أَن نقُول سَوَاء كَانَت تِلْكَ الصُّورَة الْحَاضِرَة عِنْد الْمدْرك عين الصُّورَة الخارجية كَمَا فِي الْعلم الحضوري أَو غَيرهَا كَمَا فِي الحصولي. وَسَوَاء كَانَت عين الْمدْرك بِالْفَتْح كَمَا فِي علم الْبَارِي تَعَالَى نَفسه أَو غَيره كَمَا فِي علمه بسلسلة الممكنات، وَسَوَاء كَانَت فِي نفس النَّفس كَمَا فِي علمهَا بالكليات أَو فِي الْآلَات كَمَا فِي علمهَا بالجزئيات، وَسَوَاء كَانَت مرْآة أَو لَا فَإِن كَانَت مرْآة فالمرآة والمرئي إِن كَانَا متحدين بِالذَّاتِ ومتغائرين بِالِاعْتِبَارِ. فَعلم الشَّيْء بالكنه وَإِن كَانَا بِالْعَكْسِ فَعلم الشَّيْء بِالْوَجْهِ، وَإِن لم يكن مرْآة فالعلم بكنه الشَّيْء إِن كَانَ الْحَاصِل كنهه وَالْعلم بِوَجْه الشَّيْء إِن كَانَ الْحَاصِل وَجهه، وَالْعلم الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا هُوَ علم الشَّيْء بالكنه لَا بِالْوَجْهِ لِأَن الْحَاصِل فِيهِ حَقِيقَة هُوَ الْوَجْه لَا الشَّيْء وَلَا تلْتَفت النَّفس إِلَى الشَّيْء فِي الْعلم بكنه الشَّيْء وَوَجهه كَمَا لَا يخفى.
وَيعلم من هَذَا الْبَيَان أَن الْعلم الْمُطلق الْمَذْكُور على نَوْعَيْنِ النَّوْع الأول الْعلم الحضوري وَهُوَ أَن يكون الصُّورَة العلمية فِيهِ عين الصُّورَة الخارجية فَيكون الْمَعْلُوم فِيهِ بِعَيْنِه وذاته حَاضرا عِنْد الْمدْرك لَا بصورته ومثاله كَمَا فِي علم الْإِنْسَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته كالصور الذهنية الْقَائِمَة بِالنَّفسِ فَإِن الْعلم بهَا إِنَّمَا هُوَ بِحُضُور ذواتها عِنْد الْمدْرك لَا بِحُصُول صورها عِنْده فَإِن النَّفس فِي إِدْرَاك الصُّور الذهنية لَا تحْتَاج إِلَى صُورَة أُخْرَى منتزعة من الأولى.
وَهَا هُنَا اعْتِرَاض مَشْهُور هُوَ أَن نفس الْعلم الحصولي علم حضوري مَعَ أَنه لَيْسَ عين الصُّورَة الخارجية وَالْحق أَن نفس الْعلم الحصولي من الموجودات الخارجية كَمَا
стр. 533
سَيَجِيءُ فِي الْعلم الحضوري فَلَا تلْتَفت إِلَى مَا أُجِيب بِأَن المُرَاد بالصورة الخارجية أَعم من الْخَارِجِي وَمِمَّا يحذو حَذْو الْوُجُود الْخَارِجِي أَي للوجود الْخَارِجِي وَلما هُوَ مماثل لَهُ جَار مجْرَاه فِي ترَتّب الْآثَار الخارجية وَلَكِن يُمكن المناقشة بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم الِاتِّحَاد بَين الحضوري والحصولي مَعَ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِالذَّاتِ لِأَن الْعلم الحصولي حَقِيقَة نوعية محصلة عِنْدهم ذاتي لما تَحْتَهُ ومغائر للحضوري مُغَايرَة نوعية فَإِذا تعلق الْعلم بِالْعلمِ الحصولي يكون ذَلِك الْعلم عين الحضوري فَيلْزم الِاتِّحَاد بَينهمَا وَالنَّوْع الثَّانِي الْعلم الحصولي وَهُوَ الَّذِي لَا يكون إِلَّا بِحُصُول صُورَة الْمَعْلُوم فَتكون الصُّورَة العلمية فِيهِ غير الصُّورَة الخارجية وَيُقَال لَهُ الانطباعي أَيْضا كَمَا فِي إِدْرَاك الْأَشْيَاء الخارجية عَن الْمدْرك أَي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تكون عينه وَلَا قَائِمَة بِهِ.
ثمَّ إِنَّهُم اخْتلفُوا فِي أَن الْعلم الحصولي، إِمَّا صُورَة الْمَعْلُوم الْمَوْجُودَة فِي الذِّهْن المكيفة بالعوارض الذهنية، وَإِمَّا قبُول الذِّهْن بِتِلْكَ الصُّورَة أَو إِضَافَة مَخْصُوصَة بَين الْعَالم والمعلوم فَإِن انكشاف الْأَشْيَاء عِنْد الذِّهْن فِي الْعلم الحصولي لَيْسَ قبل حُصُول صورها فِيهِ عِنْد الْحُكَمَاء الْقَائِلين بالوجود الذهْنِي فهناك أُمُور ثَلَاثَة الصُّورَة الْحَاصِلَة وَقبُول الذِّهْن بهَا من المبدأ الْفَيَّاض وَإِضَافَة مَخْصُوصَة بَين الْعَالم والمعلوم. فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْعلم الحصولي هُوَ الأول وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره أَن هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَنْصُور. وَوجه بِأَن الْعلم يُوصف بالمطابقة وَعدمهَا وَإِنَّمَا الْمَوْصُوف بهما الصُّورَة، وَفِي شرح الإشارات أَن من الصُّورَة مَا هِيَ مُطَابقَة للْخَارِج وَهِي الْعلم - وَمَا هِيَ غير مُطَابقَة وَهِي الْجَهْل فالسيد السَّنَد قدس سره يَجْعَل الْعلم من مقولة الكيف وينحصر الاتصاف بالمطابقة وَعدمهَا فِي الصُّورَة الَّتِي من مقولة الكيف وينكر ذَلِك الاتصاف فِي الانفعال وَالنِّسْبَة.
وَأَنت تعلم أَن عدم جَرَيَان الْمُطَابقَة فيهمَا مَمْنُوع لجَوَاز جريانها بِاعْتِبَار الْوُجُود النَّفس الأمري أَو الْخَارِجِي بِاعْتِبَار مبدأ الانتزاع وَلَو وَجه بِأَن الصِّفَات الَّتِي يَتَّصِف بهَا الْعلم مثل البداهة والنظرية والاكتساب من الْحَد والبرهان والانقسام إِلَى التَّصَوُّر والتصديق إِنَّمَا ينطبق على الصُّورَة الْحَاصِلَة لَا على الْإِضَافَة والارتسام لَكَانَ أسلم وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه هُوَ الثَّانِي فَيكون من مقولة الانفعال وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه هُوَ الثَّالِث فَيكون من مقولة الْإِضَافَة، وَأما إِنَّه نفس حُصُول الصُّورَة فِي الذِّهْن فَلم يقل بِهِ أحد لِأَن الْعلم بِمَعْنى الْحُصُول معنى مصدري لَا يكون كاسبا وَلَا مكتسبا لِأَنَّهُ لايكون آلَة وعنوانا لملاحظة الْغَيْر كَمَا مر.
وَلِهَذَا قَالُوا إِن من عرف الْعلم بِحُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل تسَامح فِي الْعبارَة بِقَرِينَة أَنه قَائِل بِأَنَّهُ من مقولة الكيف فَعلم أَنه أَرَادَ الصُّورَة الْحَاصِلَة بِجعْل الْحُصُول بِمَعْنى الْحَاصِل وَالْإِضَافَة من قبيل جرد قطيفة لكنه قدم ذكر الْحُصُول تَنْبِيها على أَن
стр. 534
الْعلم مَعَ كَونه صفة حَقِيقِيَّة يسْتَلْزم إِضَافَة إِلَى مَحَله بالحصول لَهُ، وَالْحَاصِل أَن الصُّورَة من حَيْثُ هِيَ هِيَ لما لم تكن علما بل إِنَّمَا الْعلم هُوَ الصُّورَة بِصفة حُصُولهَا فِي الذِّهْن حمل حُصُولهَا على الْعلم مُبَالغَة تَنْبِيها على أَن مدَار كَونهَا علما هُوَ الْحُصُول نعم لَو أخر ذكر الْحُصُول وَقَالَ هُوَ الصُّورَة الْحَاصِلَة لحصل ذَلِك التَّنْبِيه لَكِن لَا فِي أول الْأَمر وَلَا يخفى أَن تَعْرِيفه بِحُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل مَعَ ذَلِك التسامح لَيْسَ بِجَامِع لِأَن الْمُتَبَادر من صُورَة الشَّيْء الصُّورَة الْمُطَابقَة وَلَا يَشْمَل الجهليات المركبة وَهِي الِاعْتِقَاد على خلاف مَا عَلَيْهِ الشَّيْء مَعَ الِاعْتِقَاد بِأَنَّهُ حق وَلِأَنَّهُ يخرج عَنهُ الْعلم بالجزئيات المادية عِنْد من يَقُول بارتسام صورها فِي القوى أَو الْآلَات دون نفس النَّفس.
وَالْعلم فِي فواتح كتب الْمنطق المنقسم إِلَى التَّصَوُّر والتصديق هُوَ الْعلم الحصولي لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ دخل فِي الاكتسابات التصورية والتصديقية واختصاص بهَا وَإِنَّمَا هُوَ الْعلم الحصولي وَلذَا قَالَ الْعَلامَة الرَّازِيّ فِي الرسَالَة المعمولة فِي التَّصَوُّر والتصديق أَن الْعلم الَّذِي هُوَ مورد الْقِسْمَة إِلَى التَّصَوُّر والتصديق هُوَ الْعلم المتجدد وَالْمرَاد بالمتجدد علم يتَحَقَّق كل فَرد مِنْهُ بعد تحقق الْمَوْصُوف بعدية زمانية وَهُوَ لَيْسَ إِلَّا الْعلم الحصولي، والحضوري وَإِن كَانَ بعض أَفْرَاده كَالْعلمِ الْمُتَعَلّق بالصورة العلمية متحققا بعد تحقق الْمَوْصُوف لَكِن جَمِيع أَفْرَاده لَيْسَ كَذَلِك فَإِن علم المجردات بذواتها وصفاتها حضوري وَهِي علل لعلومها وَلَا تنفك علومها عَنْهَا فَلَيْسَ بَين علومها ومعلوماتها بعدية زمانية وتعريفه الأشمل للجهليات وللمذهبين فِي الْعلم بالأشياء والأسلم عَن ارْتِكَاب الْمجَاز الصُّورَة الْحَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل.
وَإِن أردْت توضيح هَذَا التَّعْرِيف وتحقيقه وتنقيحه ودرجة كَونه أشمل وَأسلم من تَعْرِيفه بِأَنَّهُ حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل مَعَ أَن فِي هَذَا التَّعْرِيف ارْتِكَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف كَمَا مر بِخِلَاف التَّعْرِيف الْمَذْكُور فاستمع لما يَقُول هَذَا الْغَرِيب الْقَلِيل البضاعة أَن المُرَاد بالصورة إِمَّا نفس مَاهِيَّة الْمَعْلُوم أَي الْمَوْجُود الذهْنِي الَّذِي لَا تترتب عَلَيْهِ الْآثَار الخارجية فَإِن الْمَاهِيّة بِاعْتِبَار الْحُضُور العلمي تسمى صُورَة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْعَيْنِيّ أَي الْخَارِجِي تسمى عينا أَو المُرَاد بهَا ظلّ الْمَعْلُوم وشبحه الْمُخَالف لَهُ بِالْحَقِيقَةِ على اخْتِلَاف فِي الْعلم بالأشياء.
فَإِن الْمُحَقِّقين على أَن الْعلم بالأشياء بِأَعْيَانِهَا وَغَيرهم على أَنه بإظلالها وأشباحها الْمُخَالفَة لَهَا بالحقائق وعَلى الأول مَا هُوَ الْحَاصِل فِي الْعقل علم من حَيْثُ قِيَامه بِهِ وَمَعْلُوم بِالنّظرِ إِلَى ذَاته وعَلى الثَّانِي صُورَة الشَّيْء وظله علم وَذُو الصُّورَة مَعْلُوم وَمعنى علم الْأَشْيَاء بِأَعْيَانِهَا أَن مَا فِي الذِّهْن لَو وجد فِي الْخَارِج متشخصا بتشخص زيد مثلا لَكَانَ عين زيد وبتشخص عَمْرو لَكَانَ عين عَمْرو. وَالْحَاصِل من الْحَاصِل فِي الذِّهْن نفس الْمَاهِيّة بِحَيْثُ إِذا وجد فِي الْخَارِج كَانَ عين الْعين وَبِالْعَكْسِ لَكِن هَذَا وجود ظِلِّي
стр. 535
وَفِي الْخَارِج وجود أُصَلِّي وللكل أَحْكَام على حِدة وَلَا أَن مَا فِي الْخَارِج مَوْجُود فِي الذِّهْن بِعَيْنِه حَتَّى يلْزم كَون الْوَاحِد بالشخص سَوَاء كَانَ جوهرا أَو عرضا فِي مكانين فِي آن وَاحِد وَهُوَ محَال.
والوجود العلمي يُسمى وجودا ذهنيا وظليا وَغير أصيل أما تَسْمِيَته بالوجود الظلي على الْمَذْهَب الثَّانِي فَظَاهر، وَأما على الْمَذْهَب الأول فَلِأَن مُرَادهم أَنه وجود كوجود الظل فِي انْتِفَاء الْآثَار الخارجية المختصة بالوجود الْخَارِجِي كَمَا أَن الْوُجُود فِي مَا وَرَاء الذِّهْن يُسمى وجودا عينيا وأصيليا وخارجيا. فَإِن قيل إِن الْعلم بالأشياء بِأَعْيَانِهَا مُمْتَنع فَإِنَّهُ يسْتَلْزم كَون الذِّهْن حارا بَارِدًا مُسْتَقِيمًا معوجا عِنْد تصور الْحَرَارَة والبرودة والاستقامة والاعوجاج لِأَنَّهُ إِذا تصورت الْحَرَارَة تكون الْحَرَارَة حَاصِلَة فِي الذِّهْن وَلَا معنى للحار إِلَّا مَا قَامَت بِهِ الْحَرَارَة وَقس عَلَيْهِ الْبُرُودَة وَغَيرهَا وَهَذِه الصِّفَات منفية عَن الذِّهْن بِالضَّرُورَةِ وَأَيْضًا إِن حُصُول حَقِيقَة الْجَبَل وَالسَّمَاء مَعَ عظمها فِي الذِّهْن مِمَّا لَا يعقل قُلْنَا الْحَاصِل فِي الذِّهْن صُورَة وماهية مَوْجُودَة بِوُجُود ظِلِّي لَا بهوية عَيْنِيَّة مَوْجُودَة بِوُجُود أصيل والحار مَا تقوم بِهِ هوية الْحَرَارَة أَي ماهيتها الْمَوْجُودَة بِوُجُود عَيْني لَا مَا تقوم بِهِ الْحَرَارَة الْمَوْجُودَة بِوُجُود ظِلِّي فَلَا يلْزم اتصاف الذِّهْن بِتِلْكَ الصِّفَات المنفية عَنهُ والممتنع فِي الذِّهْن حُصُول هوية الْجَبَل وَالسَّمَاء وَغَيرهمَا من الْأَشْيَاء فَإِن ماهياتها مَوْجُودَة بِوُجُود خارجي يمْتَنع أَن يحصل فِي أذهاننا وَأما مفهوماتها الْكُلية وماهياتها الْمَوْجُودَة بالوجودات الظلية فَلَا يمْتَنع حُصُولهَا فِي الذِّهْن إِذْ لَيست مَوْصُوفَة بِصِفَات تِلْكَ الهويات لَكِن تِلْكَ الماهيات بِحَيْثُ لَو وجدت فِي الْخَارِج متشخصة بتشخص جبل الطّور وسماء الْقَمَر مثلا لكَانَتْ بِعَينهَا جبل طور وسماء قمر وَلَا نعني بِعلم الْأَشْيَاء بِأَعْيَانِهَا إِلَّا هَذَا.
وَالْحَاصِل أَن للموجود فِي الذِّهْن وجودا ظليا وَلذَلِك الْمَوْجُود فِي الْخَارِج وجود أُصَلِّي وَلكُل أَحْكَام على حِدة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ آنِفا وَالْمرَاد بِكَوْن الصُّورَة حَاصِلَة من الشَّيْء أَنَّهَا ناشئة مِنْهُ مُطَابقَة لَهُ أَو لَا بِخِلَاف صُورَة الشَّيْء فَإِن المُرَاد مِنْهَا الصُّورَة الْمُطَابقَة للشَّيْء لِأَن الْمُتَبَادر من إِضَافَة الصُّورَة إِلَى الشَّيْء مطابقتها لَهُ فتعريفه بِحُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل لَا يَشْمَل الجهليات المركبة بِخِلَاف التَّعْرِيف الْمَذْكُور كَمَا عرفت.
ثمَّ ننقل مَا حررنا فِي تعليقاتنا على حَوَاشِي عبد الله اليزدي على تَهْذِيب الْمنطق تَحْقِيقا للمرام وتفصيلا للمقام أَن الْعقل المرادف للنَّفس الناطقة هُوَ جَوْهَر مُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي ذَاته لَا فِي فعله وَالْعقل الَّذِي هُوَ مرادف الْملك جَوْهَر مُجَرّد فِي ذَاته وَفِي فعله. وَقد يُطلق على الْقُوَّة المدركة وَالْمرَاد بِهِ هَا هُنَا أما الأول أَو الثَّالِث. فَإِن قيل، على أَي حَال يخرج علم الله الْوَاجِب المتعال لعدم إِطْلَاق الْعقل عَلَيْهِ تَعَالَى، قُلْنَا،
стр. 536
المُرَاد بِهِ هَاهُنَا الْمدْرك والمجرد وَقيل الْمَقْصُود تَعْرِيف الْعلم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الِاكْتِسَاب أَي مَا يكون كاسبا أَو مكتسبا وَعلمه تَعَالَى لكَونه حضوريا منزه عَن ذَلِك فَلَا بَأْس بِخُرُوجِهِ لعدم دُخُوله فِي الْمُعَرّف فَإِن قيل قواعدهم كُلية عَامَّة وَهَذَا التَّخْصِيص يُنَافِي تَعْمِيم قواعدهم قُلْنَا تَعْمِيم الْقَوَاعِد إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الْحَاجة فَهَذَا التَّخْصِيص لَا يُنَافِي التَّعْمِيم الْمَقْصُود وَإِن كَانَ منافيا لمُطلق التَّعْمِيم فَلَا ضير وَقَوْلهمْ عِنْد الْعقل يعم المذهبين دون فِي الْعقل.
وتوضيحه أَن الْمُحَقِّقين اتَّفقُوا على أَن الْمدْرك للكليات والجزئيات المادية وَغَيرهَا هُوَ النَّفس الناطقة، وعَلى أَن نِسْبَة الْإِدْرَاك إِلَى قواها كنسبة الْقطع إِلَى السكين لَا أَن مدرك الكليات هُوَ النَّفس الناطقة ومدرك الجزئيات هُوَ الْآلَات كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمُتَأَخّرُونَ. ثمَّ بعد هَذَا الِاتِّفَاق اتَّفقُوا على أَن صور الكليات والجزئيات الْغَيْر المادية كمحبة عَمْرو وعداوة زيد ترتسم فِي النَّفس الناطقة وَاخْتلفُوا فِي أَن صور الجزئيات المادية ترتسم فِيهَا أَو فِي آلاتها. فَقَالَ بَعضهم إِنَّهَا ترتسم فِي آلاتها دون نَفسهَا لِأَن الصُّور الشخصية الجسمانية منقسمة فَلَو ارتسمت فِي النَّفس الناطقة لانقسمت بانقسامها لِأَن انقسام الْحَال يسْتَلْزم انقسام الْمحل وَهُوَ بَاطِل لِأَن النَّفس الناطقة بسيطة كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه، وَيرد عَلَيْهِم أَن تِلْكَ الصُّور المرتسمة فِي الْآلَات عُلُوم بِنَاء على التَّعْرِيف الْمَذْكُور وَأَن الْمدْرك هُوَ الْعقل فَيلْزم أَن لَا يكون مَا قَامَ بِهِ الْعلم عَالما وَأَن يكون مَا لم يقم بِهِ الْعلم عَالما وَكِلَاهُمَا خلف، وَأَيْضًا الْمَانِع من الارتسام فِي النَّفس الناطقة هُوَ الانقسام إِلَى الْأَجْزَاء المتبائنة فِي الْوَضع لَا مُطلق الانقسام وَذَلِكَ من تَوَابِع الْوُجُود الْخَارِجِي وخواصه فَلَا يلْزم الْفساد من ارتسامها وَلَو كَانَت صور الجزئيات الجسمانية على طبق تِلْكَ الجزئيات فِي الانقسام والصغر وَالْكبر لَا متنع ارتسامها فِي الْآلَات أَيْضا كَنِصْف السَّمَاء وَالْجِبَال والأودية وأمثالها. وَقَالَ بَعضهم أَن صور الجزئيات المادية كصورة زيد ترتسم فِي النَّفس الناطقة وَهِي مدركة للأشياء كلهَا إِلَّا أَن إِدْرَاكهَا للجزئيات المادية أَي الجسمانية بِوَاسِطَة الْآلَات لَا بذاتها وَذَلِكَ لَا يُنَافِي ارتسام الصُّور فِيهَا، ودليلهم الوجدان الْعَام بِأَنا إِذا رَجعْنَا إِلَى الوجدان علمنَا أَن لأنفسنا عِنْد إِدْرَاكهَا للجزئيات المادية حَالَة إدراكية انكشافية لم تكن حَاصِلَة قبل ذَلِك الْإِدْرَاك. فَإِن قيل إِن معنى عِنْد هُوَ الْمَكَان الْقَرِيب من الشَّيْء فَكيف يتَنَاوَل مَا ارتسم فِي النَّفس فَكَمَا أَن فِي الْعقل لَا يَشْمَل المذهبين كَذَلِك عِنْد الْعقل لَا يَشْمَل صور الكليات والجزئيات الْغَيْر المادية لحصولها فِي الْعقل دون مَكَان قريب مِنْهُ. وَأجِيب عَنهُ بِأَن كلمة عِنْد بِحَسب الْعرف لاخْتِصَاص شَيْء بمدخولها كَمَا يُقَال هَذِه الْمَسْأَلَة كَذَا عِنْد فلَان أَي لَهَا اخْتِصَاص بِهِ. وَلَا شكّ أَن للصورة الْحَاصِلَة اخْتِصَاص بِالْعقلِ من جِهَة الْإِدْرَاك لِأَنَّهُ الْمدْرك للصورة فَيتَنَاوَل مَا ارتسم فِي النَّفس والآلات فَثَبت أَن عِنْد الْعقل يَشْمَل
стр. 537
المذهبين دون فِي الْعقل لاخْتِصَاص كلمة فِي بالداخل. وَالْحمل على التَّوَسُّع بِحَيْثُ يتَنَاوَل الْحَاصِل فِي الْآلَات أَيْضا يدْفع الْمَحْذُور لكنه خلاف الظَّاهِر ومدار الْكَلَام على مُحَافظَة الظَّاهِر ورعاية الْمُتَبَادر فعلى هَذَا الْجَواب الْمَذْكُور إِنَّمَا يجدي نفعا لَو كَانَ عِنْد مَعَ رِعَايَة مَعْنَاهُ الْمُتَبَادر متناولا للمذهبين دونه فِي فِي - وَلَيْسَ كَذَلِك لما مر آنِفا.
ثمَّ اعْلَم أَن الصُّورَة من مقولة الكيف لكَونهَا عرضا لَا يَقْتَضِي لذاته قسْمَة وَلَا نِسْبَة فَيكون الْعلم الْمَعْرُوف بالصورة الْمَذْكُور من مقولة الكيف وَهُوَ الْمَذْهَب الْمَنْصُور كَمَا مر وَلَعَلَّ من ذهب إِلَى أَنه من مقولة الانفعال يَقُول بِأَنَّهُ من مقولة الكيف أَيْضا لَكِن لما كَانَ الْعلم أَي الصُّورَة الْمَذْكُورَة حَاصِلا بالانفعال أَي بانتقاش الذِّهْن بالصورة الناشئة من الشَّيْء وقبوله إِيَّاهَا قَالَ إِنَّه من مقولة الانفعال مُبَالغَة وتنبيها على أَن حُصُول الْعلم بالانفعال لَا بِغَيْرِهِ. وَاعْترض بِأَن الكيف من الموجودات الخارجية لِأَن الموجودات الخارجية تَنْقَسِم إِلَى الْجَوَاهِر الْخَمْسَة والأعراض التِّسْعَة فَكيف تكون الصُّورَة الذهنية أَي الْعلم من مقولة الكيف وَالْجَوَاب أَن الْعلم من الموجودات الخارجية والمعلوم من الموجودات الذهنية كَمَا مر. وَأجَاب عَنهُ جلال الْعلمَاء فِي الْحَوَاشِي الْقَدِيمَة على الشَّرْح الْجَدِيد للتجريد فِي مَبْحَث الْوُجُود الذهْنِي أَن عدهم إِيَّاهَا كيفا على سَبِيل الْمُسَامحَة وتشبيه الْأُمُور الذهنية بالأمور العينية فعلى هَذَا يكون الْعلم من الموجودات الذهنية.
فَإِن قيل الْأَشْيَاء حَاصِلَة فِي الذِّهْن بأنفسها فَيجب أَن يكون الْعلم بالجواهر جوهرا وبالكم كَمَا وبالكيف كيفا وَهَكَذَا وَلَا يُمكن أَن يكون من مقولة الكيف مُطلقًا قُلْنَا أجَاب شَارِح التَّجْرِيد بِالْفرقِ بَين الْقيام والحصول بِأَن حُصُول الشَّيْء فِي الذِّهْن لَا يُوجب اتصاف الذِّهْن وقيامه بِهِ كحصول الشَّيْء فِي الزَّمَان وَالْمَكَان فَمَا هُوَ جَوْهَر حَاصِل فِي الذِّهْن وموجود فِيهِ وَمَا هُوَ عرض وَكَيف قَائِم بِهِ وموجود فِي الْخَارِج وَكَون الْأَشْيَاء حَاصِلَة فِي الذِّهْن بأنفسها بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرنَا آنِفا لَا يُنَافِي هَذَا الْفرق وَمَا فِي هَذَا الْجَواب سيتلى عَلَيْك. وَالشَّيْخ أورد فِي الهيات الشِّفَاء إشكالين أَحدهمَا أَن الْعلم هُوَ المكتسب من صور الموجودات مُجَرّدَة عَن موادها وَهِي صور جَوَاهِر وإعراض فَإِن كَانَت صور الْإِعْرَاض إعْرَاضًا فصور الْجَوَاهِر كَيفَ تكون إعْرَاضًا فَإِن الْجَوْهَر لذاته
стр. 538
جَوْهَر فماهيته لَا تكون فِي مَوْضُوع الْبَتَّةَ وماهيته مَحْفُوظَة سَوَاء نسبت إِلَى إِدْرَاك الْعقل لَهَا أَو نسبت إِلَى الْوُجُود الْخَارِجِي.
فَنَقُول إِن مَاهِيَّة الْجَوْهَر جَوْهَر بِمَعْنى أَنه الْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان لَا فِي مَوْضُوع وَهَذِه الصّفة مَوْجُودَة لماهية الْجَوْهَر المعقولة فَإِنَّهَا مَاهِيَّة شَأْنهَا أَن تكون مَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان لَا فِي مَوْضُوع أَي إِن وجدت فِي الْأَعْيَان وجدت لَا فِي مَوْضُوع وَأما وجوده فِي الْعقل بِهَذِهِ الصّفة فَلَيْسَ ذَلِك فِي حَده من حَيْثُ هُوَ جَوْهَر أَي لَيْسَ حدا لجوهر أَنه فِي الْعقل لَا فِي مَوْضُوع بل حَده أَنه سَوَاء كَانَ فِي الْعقل أَو لم يكن فَإِن وجوده لَيْسَ فِي مَوْضُوع انْتهى.
وَحَاصِل الْجَواب أَنه لَا إِشْكَال فِي كَون الشي الْوَاحِد جوهرا وعرضا باعتبارين وتغاير وجودين فَإِن الْجَوْهَر على مَا عرف ماهيته إِذا وجدت فِي الْخَارِج كَانَت لَا فِي مَوْضُوع وَالْعرض هُوَ الْمَوْجُود فِي الْمَوْضُوع فالصورة الجوهرية لكَونهَا بِحَيْثُ إِذا وجدت فِي الْخَارِج كَانَت لَا فِي مَوْضُوع جَوْهَر وَمن حَيْثُ إِنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْمَوْضُوع عرض وَأَنت تعلم أَن بَين الْجَوْهَر وَالْعرض تباينا وتغايرا ذاتيا لَا اعتباريا.
وَأَيْضًا اعْترض الزَّاهِد فِي حَوَاشِيه على الرسَالَة القطبية المعمولة حَيْثُ قَالَ لَا يخفى عَلَيْك أَن القَوْل بعرضية الصُّورَة الجوهرية منَاف لحصر الْعرض فِي المقولات التسع لِأَن المقولات أَجنَاس عالية متبائنة بِالذَّاتِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مُرَادهم حصر الْأَعْرَاض الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج انْتهى. وَقَالَ فِي الْهَامِش قَوْله اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا الْجَواب غير تَامّ وَذَلِكَ لِأَن التَّحْقِيق عِنْدهم أَن الْإِضَافَة وَغَيرهَا من المقولات التسع لَيست مَوْجُودَة فِي الْخَارِج وَالصَّوَاب فِي الْجَواب أَن يُقَال مُرَادهم حصر الْأَعْرَاض الْمَوْجُودَة فِي نفس الْأَمر. وَالْمَوْجُود فِيهَا هَاهُنَا أَمْرَانِ الْحَقِيقَة العلمية والحقيقة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن من حَيْثُ هِيَ وكل مِنْهُمَا مندرج فِي مقولة. الأولى من مقولة الكيف، وَالثَّانيَِة فِي مقولة أُخْرَى من مقولة الْجَوْهَر وَغَيرهَا، وَأما الْحَقِيقَة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن من حَيْثُ إِنَّهَا مكيفة بالعوارض الذهنية بِأَن يكون التَّقْيِيد دَاخِلا والقيد خَارِجا أَو بِأَن يكون كل مِنْهُمَا دَاخِلا أَي الْمركب من الْعَارِض والمعروض فَلَا شكّ أَنَّهَا من الاعتبارات الذهنية وَلَيْسَ لَهَا وجود فِي نفس الْأَمر انْتهى. ضَرُورَة أَن التَّقْيِيد أَمر اعتباري فَكَذَا مَا هُوَ مركب مِنْهُ فَافْهَم. وَثَانِيهمَا أَنه إِذا حصلت حَقِيقَة جوهرية فِي الذِّهْن كَانَت تِلْكَ الْحَقِيقَة علما وعرضا فَيلْزم أَن يكون شَيْء وَاحِد علما ومعلوما وجوهرا وعرضا. وَأجَاب شَارِح التَّجْرِيد بِالْفرقِ بَين الْقيام والحصول إِلَى آخر مَا ذكرنَا آنِفا وَاعْترض عَلَيْهِ الزَّاهِد حَيْثُ قَالَ وَحَاصِله كَمَا يظْهر بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِق أَن الْقَائِم بالذهن شبح الْمَعْلُوم ومثاله وَالْحَاصِل فِيهِ عين الْمَعْلُوم وَنَفسه فَهُوَ جمع بَين المذهبين انْتهى.
стр. 539
ثمَّ اعْلَم أَن للزاهد فِي هَذَا الْمقَام فِي تصنيفاته تَحْقِيقا تفرد بِهِ فِي زَعمه وتفاخر بِهِ فِي ظَنّه وَتكلم عَلَيْهِ أَبنَاء الزَّمَان وجرحه بعض فضلاء الدوران وَأَنا شمرت بِقدر الوسع فِي تحريره وتفصيل مجملاته وَإِظْهَار مقاصده وإبراز مضمراته بعد إتْيَان كَلَامه ليظْهر على الناظرين علو مرامه.
فَأَقُول إِنَّه قَالَ فِي حَوَاشِيه على حَوَاشِي جلال الْعلمَاء على تَهْذِيب الْمنطق. اعْلَم أَن للْعلم مَعْنيين. الأول الْمَعْنى المصدري، وَالثَّانِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ الانكشاف. وَالْأول حُصُول الصُّورَة وَالثَّانِي هِيَ الصُّورَة الْحَاصِلَة وَلَا شكّ أَن الْغَرَض العلمي لم يتَعَلَّق بِالْأولِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كاسبا وَلَا مكتسبا فَالْمُرَاد بِحُصُول الصُّورَة هَاهُنَا الصُّورَة الْحَاصِلَة على سَبِيل الْمُسَامحَة هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ النّظر الْجَلِيّ. ثمَّ النّظر الدَّقِيق يحكم بِأَن المُرَاد بِحُصُول الصُّورَة الْمَعْنى الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ وَحَقِيقَته مَا يعبر عَنهُ بِالْفَارِسِيَّةِ (بدانش) وَهِي حَالَة إدراكية يتَحَقَّق عِنْد حُصُول الشَّيْء فِي الذِّهْن تِلْكَ الْحَالة الإدراكية تصدق على الْأَشْيَاء الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن صدقا عرضيا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا حصل فِي الذِّهْن شَيْء يحصل لَهُ وصف يحمل ذَلِك الْوَصْف عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُ صُورَة علمية وَهَذَا الْمَحْمُول لَيْسَ نفس الْمَوْضُوع وَإِلَّا لَكَانَ مَحْمُولا عَلَيْهِ حَال كَونه فِي الْخَارِج ضَرُورَة أَن الذَّات والذاتي لَا يَخْتَلِفَانِ باخْتلَاف الْوُجُود فَهَذَا الْحمل من قبيل حمل الْكَاتِب على الْإِنْسَان فالعرضي من مقولة الكيف سَوَاء كَانَ معروضه من هَذِه المقولة أَو من مقولة أُخْرَى انْتهى.
فَأَقُول مستعينا بِاللَّه الْملك العلام، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى الْحق فِي كل مقصد ومرام، أَن فِي تَحْقِيق الْعلم نظرين نظر جلي فويق، وَنظر دَقِيق خَفِي عميق. وبالقبول حري وحقيق، وَعَن الجروح الْمَذْكُورَة سليم وعتيق. أما الأول فَهُوَ أَن الْعلم هُوَ الصُّورَة الْحَاصِلَة والتعريف الْمَشْهُور أَعنِي حُصُول صُورَة الشَّيْء المُرَاد بِهِ الصُّورَة الْحَاصِلَة على الْمُسَامحَة لَا الْمَعْنى المصدري إِذْ لَا يتَعَلَّق بِهِ الْغَرَض العلمي لِأَنَّهُ لَا يكون كاسبا وَلَا مكتسبا كَمَا مر وَحِينَئِذٍ يرد الإشكالات الْمَذْكُورَة فَيحْتَاج فِي دَفعهَا إِلَى أجوبة لَا تَخْلُو عَن إِيرَاد كَمَا لَا يخفى وَأما الثَّانِي فَهُوَ أَن الْعلم هُوَ الْوَصْف الْعَارِض للصورة الْمَحْمُول عَلَيْهَا حملا عرضيا لَا ذاتيا وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَال وَلَا إِيرَاد.
وتفصيل هَذَا الْمُجْمل أَنَّك قد علمت فِيمَا مر أَن الْأَشْيَاء بعد حُصُولهَا فِي الأذهان تسمى صورا فَأَقُول إِنَّه يحصل لتِلْك الصُّور فِي الأذهان وصف لَيْسَ بحاصل لَهَا وَقت كَونهَا فِي الْأَعْيَان وَذَلِكَ الْوَصْف هُوَ الْحَالة الإدراكية أَي كَيْفيَّة كَون تِلْكَ الصُّور مدركة ومنكشفة وَهَذَا الْوَصْف هُوَ الْعلم وَإِذا حصل للصور الذهنية هَذَا الْوَصْف أَي الْحَالة الإدراكية يحصل بِسَبَب هَذَا الْوَصْف وصف آخر لتِلْك الصُّور وَهُوَ كَونهَا صورا علمية
стр. 540
وَذَلِكَ الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلم حَقِيقَة يحمل على الشَّيْء الْحَاصِل فِي الذِّهْن حملا عرضيا وَيصدق عَلَيْهِ صدقا عرضيا فَيُقَال للصورة الإنسانية مثلا علم وَكَذَا يُقَال عَلَيْهَا إِنَّهَا صُورَة علمية وَلَيْسَ كل من هذَيْن المحمولين نفس الْمَوْضُوع وَإِلَّا لَكَانَ مَحْمُولا عَلَيْهِ حَال كَونه فِي الْخَارِج ضَرُورَة أَن الذَّات والذاتي لَا يَخْتَلِفَانِ باخْتلَاف الْوُجُود فَهَذَا الْحمل من قبيل حمل الْكَاتِب على الْإِنْسَان فالعارض من مقولة الكيف سَوَاء كَانَ معروضه من هَذِه المقولة أَو من مقولة أُخْرَى.
فَالْحَاصِل أَن الْعلم بِحَسب الْحَقِيقَة لَيْسَ نفس الْحَاصِل فِي الذِّهْن بل عَارض لَهُ وَإِطْلَاق الْعلم على الْحَاصِل فِي الذِّهْن من قبيل إِطْلَاق الْعَارِض على المعروض مثل طَلَاق الضاحك على الْإِنْسَان فالعارض الَّذِي هُوَ الْعلم كَيفَ يصدق عَلَيْهِ رسمه والمعروض تَابع للموجود الْخَارِجِي فِي الجوهرية والكيفية وَغَيرهمَا لاتحاده مَعَه وَبِهَذَا التَّحْقِيق ينْحل كثير من الإشكالات الْمَذْكُورَة.
وَأَيْضًا ينْدَفع الْإِشْكَال الْمَشْهُور فِي التَّصَوُّر والتصديق وَهُوَ أَن الْمُحَقِّقين ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِحَسب الْحَقِيقَة وَإِذا تعلق التَّصَوُّر بالتصديق يلْزم اتحادهما لِاتِّحَاد الْعلم والمعلوم وَحَاصِل الدّفع أَن التَّصَوُّر والتصديق قِسْمَانِ لما هُوَ علم بِحَسب الْحَقِيقَة لَا لما صدق هُوَ عَلَيْهِ وَالْعلم الَّذِي هُوَ عين الْمَعْلُوم هُوَ مَا يصدق عَلَيْهِ الْعلم أَي مَا هُوَ حَاصِل فِي الذِّهْن وَإِن تَأَمَّلت فِيمَا حررنا ينْدَفع مَا قيل إِن قَوْله فَيُقَال لَهُ صُورَة علمية يشْعر بِأَن الْحَالة الإدراكية الَّتِي هِيَ علم بِالْحَقِيقَةِ هِيَ الْوَصْف أَي هَذَا الْمَحْمُول أَعنِي كَونهَا صُورَة علمية، وَلَا يخفى مَا فِيهِ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ مَفْهُوم لفظ هَذَا الْمَحْمُول فَظَاهر أَنه لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ من الكيفيات النفسانية العلمية، وَإِن أَرَادَ مصداقه فَهُوَ الصُّورَة الْحَاصِلَة فَهَذَا هُوَ الَّذِي فر عَنهُ.
وتوضيح الدّفع أَن هَاهُنَا وصفين متغائرين أَحدهمَا الْحَالة الإدراكية وَهِي علم فِي الْحَقِيقَة وَثَانِيهمَا كَون الْحَاصِل فِي الذِّهْن صُورَة علمية وَلَيْسَ أَحدهمَا عين الآخر نعم إِذا حصلت الْحَالة الإدراكية أَي الصّفة الأولى للصورة فِي الذِّهْن يحصل لتِلْك الصُّورَة بِسَبَب الصّفة الأولى صفة أُخْرَى وَهُوَ كَونهَا صُورَة علمية فالفاء فِي قَوْله فَيُقَال للتفريع والتعقيب أَي بعد حمل ذَلِك الْوَصْف الأول على الشَّيْء الْحَاصِل فِي الذِّهْن يُقَال لَهُ صُورَة علمية أَي يحمل هَذَا الْوَصْف الثَّانِي على ذَلِك الشَّيْء. فَإِن قلت الْمَقْصُود إِثْبَات زِيَادَة الْوَصْف الأول وعرضيته أَي الْكَيْفِيَّة الإدراكية الَّتِي هِيَ الْعلم وَلَا فَائِدَة فِي إِثْبَات الْوَصْف الثَّانِي وزيادته وعروضه مَعَ أَنه لَيْسَ بِعلم نعم لَكِن لما كَانَ إِثْبَات زِيَادَة الْوَصْف الثَّانِي وعرضيته توجب زِيَادَة الْوَصْف الأول وعرضيته لِأَن الْوَصْف الثَّانِي وَهُوَ كَون الْحَاصِل فِي الذِّهْن صُورَة علمية من لَوَازِم الْوَصْف الأول أَعنِي الْحَالة الإدراكية تعرض لإِثْبَات الْوَصْف الثَّانِي وزيادته وعرضيته. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْوَصْف الثَّانِي من لَوَازِم الْوَصْف
стр. 541
الأول لِأَن الْوَصْف الثَّانِي اللَّازِم مُنْتَفٍ فِي ظرف الْخَارِج لِأَن الشَّيْء فِي الْخَارِج لَا تطلق عَلَيْهِ الصُّورَة العلمية فالوصف الأول الْمَلْزُوم أَيْضا يكون منتفيا عَنهُ فِي الْخَارِج.
وَبَقِي هَاهُنَا اعْتِرَاض قوي تَقْرِيره أَن قَوْله يصدق إِلَى آخِره وَقَوله حصل إِلَى آخِره وَقَوله فالعرض من مقولة الكيف إِلَى آخِره نُصُوص وشواهد على أَن الْحَالة الإدراكية من عوارض الصُّورَة الْحَاصِلَة ومحمولاتها وصفاتها مَعَ أَنَّهَا الْعلم حَقِيقَة فَيلْزم أَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا عَالما حَقِيقَة لِأَن الْعَالم وكل مُشْتَقّ مِنْهُ يصدق على مَا قَامَ بِهِ مبدؤه ومأخذه وَهُوَ هَاهُنَا الصُّورَة الْحَاصِلَة فَتكون هِيَ عَالِمَة حَقِيقَة لَا النَّفس الناطقة الإنسانية اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن الْكَيْفِيَّة الإدراكية إِذا حصلت حصلت لَهَا جهتان جِهَة النِّسْبَة إِلَى النَّفس الناطقة وجهة النِّسْبَة إِلَى الصُّورَة الْحَاصِلَة كَمَا أَن للمصدر الْمُتَعَدِّي حِين حُصُوله نسبتان نِسْبَة إِلَى الْفَاعِل وَنسبَة إِلَى الْمَفْعُول كالضرب فَإِن لَهُ علاقَة بالضارب بالصدور وبالمضروب بالوقوع. والمصدر حَقِيقَة من عوارض الْفَاعِل وَمن صِفَاته فَإِن الضَّرْب حَقِيقَة صفة الضَّارِب لَكِن لَا بعد فِي أَن يعد من صِفَات الْمَفْعُول مجَازًا نظرا إِلَى العلاقة الثَّانِيَة فَيُقَال إِن الضَّرْب صفة الْمَضْرُوب كَمَا أَنه صفة الضَّارِب وَإِن كَانَ أَحدهمَا حَقِيقَة وَالْآخر تجوزا. وَلَا مشاحة أَيْضا فِي أَن يُقَال إِن الْمصدر مَحْمُول على الْمَفْعُول فِي ضمن مُشْتَقّ من مشتقاته فَإِن الضَّرْب مَحْمُول على الْمَفْعُول بِاعْتِبَار أَن مشتقا من مشتقاته مَحْمُول عَلَيْهِ.
وَحَاصِل هَذَا الْجَواب أَنه لَا بَأْس بِكَوْن الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن عَالِمَة وَيُمكن أَن يُقَال إِن الْعلم وصف للصورة الْحَاصِلَة بِحَال متعلقها لَا بِحَال نَفسهَا فَلَا يلْزم من كَون الْعلم وَصفا للصورة ومحمولا عَلَيْهَا كَونه وَصفا لَهَا على وزن الْمَوْصُوف بِحَال الْمَوْصُوف، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعلم وصف الصُّورَة بِحَال متعلقها لِأَن معنى الْحَالة الإدراكية الَّتِي هِيَ الْعلم حَقِيقَة حَالَة إِدْرَاك النَّفس الناطقة للصورة الْحَاصِلَة فِيهَا فَهِيَ وصف النَّفس بِحَال نَفسهَا وَالصُّورَة بِحَال متعلقها الَّذِي هُوَ النَّفس الناطقة المدركة لَهَا. والمشتق الْمَبْنِيّ للْفَاعِل إِنَّمَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ المأخذ، والمشتق الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول إِنَّمَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ المأخذ الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول. أَلا ترى أَن الضَّارِب لَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ الضَّرْب الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول. والمضروب لَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ الضَّرْب الْمَبْنِيّ للْفَاعِل. هَذَا مَا خطر بالبال، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الأشكال، لِأَن الْمُتَبَادر من الْإِدْرَاك الْمصدر الْمَبْنِيّ للْفَاعِل وَفِيه مَا فِيهِ أَيْضا وَلَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا.
وَلَا يخفى على الذكي الوكيع مَا يرد على الزَّاهِد من الأبحاث القوية أَحدهَا أَن الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ يكون مُؤَخرا عَن الْمصدر فَكيف يَصح أَن يُقَال إِن المُرَاد بِحُصُول الصُّورَة الْمَعْنى الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ وَجعل ذَلِك الْمَعْنى علما حَقِيقَة لِأَن الْعلم على مَا قَالَ مبدؤ الانكشاف ومقدم عَلَيْهِ فَلَو كَانَ الْعلم عبارَة عَن الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ يكون مُؤَخرا
стр. 542
عَن الْمصدر أَي عَن حُصُول الصُّورَة الملازم للانكشاف فَيلْزم أَن يكون الْعلم مُؤَخرا عَن الانكشاف أَيْضا. وَثَانِيها أَن الْعلم من الموجودات الخارجية فَلَو كَانَ وَصفا عارضا للصورة الذهنية يلْزم زِيَادَة الْعَارِض على المعروض فِي الْوُجُود فَإِن الْعَارِض فرض كيفا مَوْجُودا فِي الْخَارِج والمعروض مَوْجُود ذهني وَثَالِثهَا أَنه لَا يتَصَوَّر أَن يكون الْمَوْجُود الْخَارِجِي عارضا للوجود الذهْنِي فَإِن الْعَارِض يكون تَابعا لمعروضه فِي طرفه فَإِن وجود الْعَارِض الْمَحْمُول إِنَّمَا هُوَ وجود الْمَوْجُود الْمَوْضُوع فَيكون تَابعا لوُجُود الْمَوْضُوع وَوُجُود الْمَوْضُوع هَاهُنَا ذهني فَكيف يكون بعارضه الْمَحْمُول وجود خارجي. وَقد أجَاب عَنْهَا بعض أَبنَاء الزَّمَان بأجوبة مَا لَهَا خلاف ظَاهر بَيَان الزَّاهِد بل استحداث مَذْهَب آخر غير مذْهبه وَتَحْقِيق سوى تَحْقِيقه لم ألتفت إِلَيْهَا مَعَ أَن تردد البال وتشتت الْحَال لم يرخص أَيْضا بنقلها.
ثمَّ اعْلَم أَن هَاهُنَا تحقيقات وشبهات أذكرها للناظرين رَجَاء مِنْهُم دُعَاء بَقَاء الْإِيمَان، والتجاوز عَن جَزَاء الْعِصْيَان، قد أَشرت فِي العجالة إِلَى شُبْهَة مَشْهُورَة وجوابها بطرِيق الرَّمْز والألغاز وَهَاهُنَا أذكرها بتقرير وَاضح وتحرير لائح بِأَن البداهة والنظرية صفتان متبائنتان لَا يُمكن جَمعهمَا فِي شَيْء وَاحِد فالعلم لَا يكون إِلَّا بديهيا أَو نظريا على سَبِيل الِانْفِصَال الْحَقِيقِيّ وَهُوَ منقسم إِلَى التَّصَوُّر والتصديق المنقسمين إِلَى البديهي والنظري فَيلْزم انقسام الْعلم إِلَيْهِمَا أَيْضا فَإِن كَانَ نظريا كَمَا هُوَ الْحق أَو ضَرُورِيًّا كَمَا هُوَ مَذْهَب الإِمَام يلْزم انقسام الشَّيْء إِلَى نَفسه وَإِلَى غَيره وبطلانه أظهر من أَن يخفى. وَالْجَوَاب أَن الْعلم من حَيْثُ مَفْهُومه إِمَّا ضَرُورِيّ أَو كسبي وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون جَمِيع مَا صدق عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا أَو جَمِيع مَا صدق عَلَيْهِ كسبيا بل يجوز أَن يكون بعض مَا صدق عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا وَالْبَعْض الآخر كسبيا. وَحَاصِل الْجَواب أَن الضَّرُورِيّ أَو الكسبي هُوَ مَفْهُوم الْعلم والمنقسم إِلَيْهِمَا إِنَّمَا هُوَ مَا صدق عَلَيْهِ الْعلم وَلَا يلْزم من كَون مَفْهُوم شَيْء ضَرُورِيًّا أَو كسبيا أَن يكون جَمِيع مَا صدق عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْء أَيْضا كَذَلِك. أَلا ترى أَن الضَّرُورِيّ نَظَرِي مفهوما مَعَ أَن مَا صدق عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون ضَرُورِيًّا بديهيا. فَإِن قلت، قَوْلهم الْعلم إِمَّا تصور أَو تَصْدِيق مُنْفَصِلَة حَقِيقِيَّة أَو مَانِعَة الْجمع أَو مَانِعَة الْخُلُو فعلى الْأَوَّلين لَا يفهم أَن للْعلم قسمَيْنِ، وعَلى الثَّالِث لَا يحصل الْجَزْم بالقسمين مَعَ أَنه الْمَقْصُود. وَالْجَوَاب أَن هَذِه الْقَضِيَّة لَيست بمنفصلة وَإِنَّمَا هِيَ حملية شَبيهَة بالمنفصلة والمنافاة قد تعْتَبر فِي القضايا المنفصلات وَقد تعْتَبر فِي الْمُفْردَات بِحَسب صدقهَا على الذَّات وَهِي الحمليات الشبيهة بالمنفصلات.
وَفِي الرسَالَة القطبية فِي الْحِكْمَة العملية الْعلم هُوَ الْمَوْجُود المستلزم عدم الْغَيْبَة فَإِن كَانَ بِآلَة فَهُوَ الْعلم وَإِن كَانَ بِغَيْر وَاسِطَة فَهُوَ الْمُشَاهدَة وَإِن كَانَ بِآلَة روحانية فَهُوَ الْمَعْقُول والجازم الَّذِي لَيْسَ مطابقا هُوَ الْجَهْل الْمركب والمطابق الَّذِي لَا مُسْتَند لَهُ هُوَ
стр. 543
التَّقْلِيد الْحق وَالَّذِي لَهُ مُسْتَند وَكفى فِي التَّصْدِيق بِنِسْبَة أحد جزئيه إِلَى الآخر تصور أحد الطَّرفَيْنِ فَقَط فَهُوَ الفطري وَإِن لم يكف فَهُوَ الفكري وَإِن كَانَ غير جازم فأقرب الطَّرفَيْنِ إِلَى الْجَزْم ظن وأوسطها شكّ وأبعدهما وهم. والجازم المطابق الَّذِي لَهُ مُسْتَند إِن كَانَ برهَان الْآن فَهُوَ الْيَقِين وَإِن كَانَ ببرهان اللم فَهُوَ علم الْيَقِين، والمشاهدة إِن كَانَت على وَجه يُمكن أتم مِنْهَا فَهُوَ عين الْيَقِين، وَإِن كَانَ على وَجه لَا يُمكن أتم مِنْهَا فَهُوَ حق الْيَقِين انْتهى. قَالَ بعض الْحُكَمَاء لِابْنِهِ يَا بني خُذ الْعلم من أَفْوَاه الرِّجَال فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ أحسن مَا يسمعُونَ ويحفظون أحسن مَا يَكْتُبُونَ وَيَقُولُونَ أحسن مَا يحفظون.
الْعلم الحضوري وَالْعلم الحصولي قد عرفت تَعْرِيف كل مِنْهُمَا فِي تَحْقِيق الْعلم فَاعْلَم أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقِيقَة نوعية محصلة عِنْدهم ذاتي لما تَحْتَهُ مغائر للْآخر مُغَايرَة نوعية، وَالْعلم والمعلوم فِي الْعلم الحضوري متحدان بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَار. وَفِي الحصولي متحدان بِالذَّاتِ متغائران بِالِاعْتِبَارِ فَإِن الْعلم فِي الحصولي الْمَاهِيّة من حَيْثُ إِنَّهَا مكيفة بالعوارض الذهنية، والمعلوم فِيهِ الْمَاهِيّة مَعَ قطع النّظر عَن تِلْكَ الْحَيْثِيَّة. فَإِن قيل زعم بَعضهم أَن مَجْمُوع المعروض والعوراض الذهنية علم حصولي والمعروض فَقَط مَعْلُوم بِهِ فَيعلم من هَاهُنَا أَن التغاير بَينهمَا فِي الْعلم الحصولي بِالذَّاتِ، قُلْنَا، هَذَا المظنون غير صَحِيح لِأَن الْعلم عِنْدهم حَقِيقَة محصلة لَا أَمر اعتباري أَي لَيْسَ من الْأُمُور الَّتِي تحققها بِاعْتِبَار الْعقل واختراع الذِّهْن بل هُوَ أَمر مُحَقّق فِي نفس الْأَمر وَله حَقِيقَة محصلة مَوْجُودَة بِلَا اعْتِبَار واختراع فَلَو كَانَ الْعلم أَي مَا يصدق عَلَيْهِ الْكَيْفِيَّة العلمية مَجْمُوع الْعَارِض والمعروض مَجْمُوع الْإِنْسَان وعوارضه الذهنية مثلا يلْزم أَن يكون حَقِيقَة الْعلم ملتئمة عَن الْجَوْهَر وَالْعرض أَو عَن غَيرهمَا من المقولتين المتبائنتين.
وَلَا شكّ أَن كل حَقِيقَة مركبة كَذَلِك فَهُوَ أَمر اعتباري لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة وحدانية محصلة مَعَ أَن منَاط الانكشاف هُوَ أَن يحصل المعروض فَقَط لَا أَن يحصل مَجْمُوع المعروض والعوارض على مَا تشهد بِهِ الضَّرُورَة، أَلا ترى أَنه لَو حصل المعروض فِي الذِّهْن خَالِيا عَن الْعَوَارِض لتحَقّق الانكشاف فَإِن قيل زعم بَعضهم أَن التغاير بَين الْعلم والمعلوم فِي الحضوري تغاير اعتباري كتغاير المعالج والمعالج فَلَيْسَ بَينهمَا اتِّحَاد بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَار قُلْنَا التغاير على نَوْعَيْنِ تغاير بِاعْتِبَار المصداق أَي التغاير الَّذِي هُوَ مصداق تحقق المتغائرين وتغاير بعد تحقق المتغائرين وَالْمُعْتَبر فِي الِاتِّحَاد بِالذَّاتِ هُوَ نفي التغاير الأول فالتغاير الثَّانِي لَا يضر فِي ذَلِك الِاتِّحَاد فقد اشْتبهَ على هَذَا الزاعم التغاير الأول بالتغاير الثَّانِي. وتفصيل هَذَا الْإِجْمَال أَن فِي المعالج والمعالج حيثيتين حيثية الْقُوَّة الفعلية وحيثية الْقُوَّة الانفعالية وَيُقَال المعالج بِالْكَسْرِ بِالِاعْتِبَارِ الأول والحيثية الأولى والمعالج بِالْفَتْح بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي والحيثية الثَّانِيَة وَالْعلم الحضوري لَيْسَ كَذَلِك لِأَن منَاط الانكشاف فِي الْعلم الحضوري هُوَ الصُّورَة الخارجية الْحَاضِرَة. نعم هَذِه
стр. 544
الصُّورَة من حَيْثُ إِنَّهَا منَاط الانكشاف يُقَال لَهَا علم حضوري وَمن حَيْثُ إِنَّهَا منكشفة يُقَال لَهَا مَعْلُوم حضوري وَهَاتَانِ الحيثيتان متأخرتان عَن مصداق تحققهما وَهَذَا المصداق لَيْسَ إِلَّا وَاحِد، وَالْمرَاد باتحاد الْعلم والمعلوم فِي الْعلم الحضوري هُوَ الِاتِّحَاد بِاعْتِبَار المصداق وَهُوَ مُتحد فِي الْعلم الحضوري وَأَن تحدث بعد تحَققه حيثيتان بِخِلَاف المعالج والمعالج فَإِن مصداق تحققهما مُتَعَدد فيهمَا وَلَو كَانَ مصداق الْعلم والمعلوم فِي الْعلم الحضوري مُتَعَددًا بِأَن كَانَ التغاير بَينهمَا مَوْجُودا أَن تحققهما عِلّة لتحققهما مقدما على التغاير الَّذِي بعد تحققهما لَكَانَ الْعلم الحضوري صُورَة منتزعة من الْمَعْلُوم وَكَانَ علما حصوليا.
فَإِن قيل كَيفَ يكون الْعلم والمعلوم فِي الحصولي متحدين بِالذَّاتِ ومتغائرين بِالِاعْتِبَارِ قُلْنَا قَالَ الزَّاهِد أَن للشَّيْء الْحَاصِل صورته فِي الذِّهْن ثَلَاثَة اعتبارات الأول اعْتِبَاره من حَيْثُ هُوَ أَي مَعَ قطع النّظر عَن عوارضه الخارجية والذهنية وَالثَّانِي اعْتِبَاره من حَيْثُ الْعَوَارِض الخارجية وَالثَّالِث اعْتِبَاره من حَيْثُ الْعَوَارِض الذهنية وَذَلِكَ الشَّيْء بِالِاعْتِبَارِ الأول أَي من حَيْثُ هُوَ مَعْلُوم بِالْعلمِ الحصولي بِالذَّاتِ لحُصُول صورته فِي الذِّهْن وموجود فِي الْخَارِج لحصوله فِي الْخَارِج بِنَفسِهِ وموجود فِي الذِّهْن لحصوله فِي الذِّهْن بصورته الْحَاصِلَة فِيهِ وَالشَّيْء الْمَذْكُور بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي أَي من حَيْثُ الْعَوَارِض الخارجية مَعْلُوم بِالْعلمِ الحصولي بِالْعرضِ لِأَن الْعلم يتَحَقَّق عِنْد انتفائه. وَأَنت تعلم أَن الْعلم صفة ذَات إِضَافَة لَا بُد لَهُ من مَعْلُوم وموجود فِي الْخَارِج فَقَط لترتب الْآثَار الخارجية عَلَيْهِ دون الذهنية وَالشَّيْء المسطور بِالِاعْتِبَارِ الثَّالِث أَي من حَيْثُ الْعَوَارِض الذهنية علم حصولي لكَونه صُورَة ذهنية للاعتبار الأول وَعلم حضوري بِنَفس هَذَا الْعلم وَمَعْلُوم بِالْعلمِ الحضوري لكَونه صفة قَائِمَة بِالنَّفسِ وَعلمهَا بذاتها وصفاتها علم حضوري وموجود فِي الْخَارِج لترتب الْآثَار الخارجية واتصاف الذِّهْن بِهِ اتصافا انضماميا وَهُوَ يَسْتَدْعِي وجود الحاشيتين فِي الْخَارِج كَمَا حققناه فِي تَحْقِيق الاتصاف. وَلَا يخفى على الوكيع أَن جَمِيع مَا ذكر على تَقْدِير أَن يكون الْعلم الحصولي عبارَة عَن الصُّورَة الْحَاصِلَة لَا عَن كَيْفيَّة إدراكية، فَإِن قلت، إِن الْعلم الحضوري على مَا عرف بِكَوْن الصُّورَة العلمية فِيهِ الصُّورَة الخارجية وَنَفس الْعلم الحصولي أَي نفس الصُّورَة الْحَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل علم حضوري عِنْدهم لحضورها بِنَفسِهَا عِنْد الْعقل فَيلْزم أَن يكون تِلْكَ الصُّورَة خارجية وَغير خارجية قُلْنَا جَوَابه قد مر فِي تَحْقِيق الْعلم.
وَحَاصِله أَن الصُّورَة العلمية الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن من حَيْثُ إِنَّهَا صُورَة علمية حَاصِلَة فِي الذِّهْن لَهَا وجود يحذو حَذْو الْوُجُود الْخَارِجِي فِي ترَتّب الْآثَار الخارجية فَتلك الصُّورَة بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة خارجية وَلَا مُنَافَاة بَين كَونهَا خارجية بِهَذَا الْمَعْنى وَبَين كَونهَا لَيست بخارجية بِمَعْنى أَنَّهَا لَيست بموجودة فِي الْخَارِج أَي مَا وَرَاء الذِّهْن - فَالْمُرَاد
стр. 545
بالموجود الْخَارِجِي فِي الْعلم الحضوري أَعم مِمَّا لَهُ وجود خارجي حَقِيقَة وَمِمَّا لَهُ وجود خارجي حكما بِأَن يكون لَهُ وجود يحذو حَذْو الْوُجُود الْخَارِجِي فِي ترَتّب الْآثَار الخارجية. وَلَا شكّ أَن مَا لَهُ وجود فِي الْخَارِج كالنار مثلا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْآثَار الخارجية مثل الإحراق واللمعان كَذَلِك تترتب على الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن آثَار خارجية كالفرح والانبساط والحزن والانقباض وَمن أَرَادَ زِيَادَة التَّفْصِيل وَالتَّحْقِيق فَليرْجع إِلَى الْعلم والتصور والتصديق.
وَهَا هُنَا سُؤال مَشْهُور تَقْرِيره أَن الحضوري لما كَانَ عين الْمَوْجُود الْخَارِجِي وَعلم الْوَاجِب عينه فَيلْزم أَن يكون الْوَاجِب عين الممكنات وَالْجَوَاب أَن معنى كَون ذَاته تَعَالَى عين علمه أَنه يَتَرَتَّب على ذَاته مَا يَتَرَتَّب على الْعلم من انكشاف المعلومات كَمَا يُقَال إِن الْعَالم الْفُلَانِيّ عين الْكتاب أما سَمِعت أَن مقصودهم من نفي الصِّفَات عَن ذَاته تَعَالَى إِثْبَات غاياتها.
الْعلم المتحدد: علم يتَحَقَّق كل فَرد مِنْهُ بعد تَحْقِيق الْمَوْصُوف وَهُوَ لَيْسَ إِلَّا الْعلم الحصولي لِأَنَّهُ الصُّورَة الْحَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل، وَأَنت تعلم أَن الصُّورَة مُتَأَخِّرَة عَن ذِي الصُّورَة.
الْعلم الْأَعْلَى: فِي الإلهي.
الْعلم الْأَوْسَط: علم بأحوال مَا يفْتَقر إِلَى الْمَادَّة الْمَخْصُوصَة فِي الْوُجُود الْخَارِجِي دون التعقل كالكرة فَإِنَّهَا غير محتاجة إِلَى الْمَادَّة الْمَخْصُوصَة فِي التعقل أَو يُمكن تعقلها سَوَاء كَانَت من ذهب أَو فضَّة أَو خشب أَو حجر أَو مدر بِخِلَاف الْجِسْم الطبيعي فَإِن تعقل الْإِنْسَان مُحْتَاج إِلَى أَن يكون صورته من عظم وَلحم - وَهُوَ الْعلم الْمَنْسُوب إِلَى بطليموس وَإِنَّمَا كَانَ أَوسط لتنزهه عَن الْمَادَّة بِوَجْه وَهُوَ التعقل دون وَجه لاحتياجه إِلَيْهَا فِي الْخَارِج وَيُسمى بالرياضي والتعليمي. وَإِنَّمَا سمي بالرياضي لرياضة النُّفُوس بِهَذَا الْعلم إِذْ الْحُكَمَاء كَانُوا يفتتحون بِهِ فِي التَّعْلِيم وَسمي بالتعليمي لتعليمهم بِهِ أَولا وَلِأَنَّهُ يبْحَث فِيهِ عَن الْجِسْم التعليمي.
الْعلم الْكُلِّي: هُوَ الْعلم الإلهي وَإِنَّمَا سمي الإلهي علما كليا لكَونه كليا لتجرده عَن الِاحْتِيَاج إِلَى الْمَادَّة الَّتِي هِيَ منشأ الْجُزْئِيَّة وَلِأَنَّهُ يبْحَث فِيهِ عَن الْأُمُور الْعَامَّة الشاملة للموجودات وَتلك الْأُمُور كليات.
وَاعْلَم أَنه قد جعل بَعضهم مَا لَا يفْتَقر إِلَى الْمَادَّة أَي لَا فِي التعقل وَلَا فِي الْخَارِج قسمَيْنِ مَا لَا يقارنها مُطلقًا لَا فِي الْعقل وَلَا فِي الْخَارِج كالإله والعقول وَمَا يقارنها لَكِن لَا على وَجه الافتقار كالوحدة وَالْكَثْرَة وَسَائِر الْأُمُور الْعَامَّة فَإِن الْوحدَة مِنْهَا يَتَّصِف بهَا الْوَاجِب والممكن وَلَو كَانَت مفتقرة إِلَى الْمَادَّة لما اتّصف بهَا الْوَاجِب تَعَالَى
стр. 546
وَكَذَا الْكَثْرَة تتصف بهَا الْعُقُول الْعشْرَة والأمور المفتقرة إِلَى الْمَادَّة فِي التعقل والوجود الْخَارِجِي وَكَذَا سَائِر الْأُمُور الْعَامَّة فيسمى الْعلم بأحوال الأول الهيا وَالْعلم بأحوال الثَّانِي علما كليا وفلسفة أولى.
الْعلم الْفعْلِيّ: هُوَ الْعلم الخلاق الَّذِي يكون الْوُجُود الْخَارِجِي مستفادا مِنْهُ كَمَا يتَصَوَّر أَن يَبْنِي مَسْجِدا مثلا على هَيْئَة كَذَا ثمَّ يَبْنِي على وفْق مَا حصل فِي الْعقل.
الْعلم تَابع للمعلوم: فَإِن الْعلم صُورَة حَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل فَلَا يكون الْمَعْلُوم أَعنِي الشَّيْء حَاصِلا قبل حُصُول صورته الَّتِي هِيَ الْعلم فَمَعْنَى كَونه تَابعا للمعلوم أَنه لَا يتَعَلَّق بِهِ إِلَّا بعد وُقُوعه، وَعَلَيْك أَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي علمنَا لَا فِي علمه تَعَالَى. نعم إِن علمه تَعَالَى أَيْضا تَابع للمعلوم لَكِن لَا بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور بل بِمَعْنى أَن الْمُطَابقَة تعْتَبر من جِهَة الْعلم بِأَن يكون هُوَ على طبق الْمَعْلُوم وقوعا وَعدم وُقُوع فَلَا يرد الْمَنْع بِأَنا لَا نسلم كَون علمه تَعَالَى تَابعا للمعلوم بِمَعْنى أَنه لَا يتَعَلَّق بِهِ إِلَّا بعد وُقُوعه فَإِن الله تَعَالَى عَالم فِي الْأَزَل بِكُل شَيْء أَنه يكون أَو لَا يكون وَحِينَئِذٍ لزم الْوُجُوب والامتناع فَيبْطل الِاخْتِيَار والتكليف وَيثبت الْجَبْر.
وَأما الْعلم الْفعْلِيّ الخلاق فمقدم على الْمَعْلُوم مُطلقًا لَكِن فِي علمه تَعَالَى بِالذَّاتِ وَفِي علمنَا بِالزَّمَانِ، وَأَنت تعلم أَن علمه تَعَالَى حضوري لَا حصولي حَتَّى يتَصَوَّر هُنَاكَ صُورَة فَتَأمل.
الْعلم الانفعالي: هُوَ الْعلم الَّذِي يكون مستفادا من الْوُجُود الْخَارِجِي كعلمنا بالسماء وَالْأَرْض وَالْمَسْجِد الْمَصْنُوع الْمَوْجُود فِي الْخَارِج وَلذَا وَقع فِي بعض الْكتب الْعلم الْفعْلِيّ مَا لَا يُؤْخَذ من الْغَيْر. وَالْعلم الانفعالي مَا يُؤْخَذ من الْغَيْر.
علم الْخلاف: علم بكيفية بحث وطرق اسْتِدْلَال على المطالب لرعاية مَذْهَب بإلزام الْخصم.
علم المناظرة: علم باحث عَن كَيْفيَّة الْبَحْث صِيَانة للذهن عَن الضَّلَالَة.
علم الْخط: علم بكيفية تَصْوِير الْأَلْفَاظ بحروف الهجاء وبالأحوال الَّتِي تعرضها فِي الْكِتَابَة. وتعريف الْخط فِي الْخط.
الْعلم العادي: هُوَ الْعلم بالشَّيْء الْحَاصِل يجْرِي عَادَة الله تَعَالَى على إبْقَاء ذَلِك الشَّيْء على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر.
الْعلَّة: بِالْفَتْح الضرة وَمِنْه بَنو العلات كَمَا مر. وبالكسر فِي اللُّغَة هِيَ الْعرض الَّذِي إِذا حل فِي معروضه يتَغَيَّر بِهِ حَاله أَي حَال معروضه، وَفِي الطّلب الْعلَّة الْمَرَض
стр. 547
لِأَنَّهُ بحلوله يتَغَيَّر بِهِ حَال الشَّخْص الْمَرِيض من الْقُوَّة إِلَى الضعْف وَمن الْحَيَاة إِلَى الْمَمَات. وَعند النُّحَاة مَا يَنْبَغِي أَن يخْتَار الْمُتَكَلّم عِنْد حُصُوله أمرا يُنَاسِبه - وَذَلِكَ الْأَمر الْمُنَاسب حكمه وأثره لَا بِمَعْنى الْمُوجب.
وَعند الْأُصُولِيِّينَ الْعلَّة الْبَاعِث لَا على سَبِيل الْإِيجَاب أَي الْمُشْتَمل على حِكْمَة مَقْصُودَة للشارع فِي شَرْعِيَّة الحكم من جلب نفع إِلَى الْعباد أَو دفع ضَرَر. وَعلة الشَّيْء عِنْد الْحُكَمَاء مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْء وَهِي على ضَرْبَيْنِ الأول من أَجْزَائِهَا وَالثَّانِي
عِلّة الْوُجُود: وَهِي مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ اتصاف الْمَاهِيّة.
عِلّة الْمَاهِيّة: وَهِي مَا يتقوم بِهِ الْمَاهِيّة المتقومة بأجزائها بالوجود الْخَارِجِي. وتفصيلهما فِي الْفَصْل إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْعلَّة التَّامَّة: مَا يجب وجود الْمَعْلُول عِنْده، وَفِي تقدم الْعلَّة التَّامَّة على معلولها مغالطة مَشْهُورَة فِي التَّقَدُّم.
الْعلَّة النَّاقِصَة: مَا لَا يجب وجود الْمَعْلُول عِنْده وتفصيلهما أَنه لَا بُد فِي كل مركب مُمكن أَو بسيط مُمكن من عِلّة والإمكان عِلّة عِنْد الْحُكَمَاء. وَعند الْمُتَكَلِّمين عِلّة احْتِيَاج الْمَعْلُول إِلَى الْعلَّة الْحُدُوث الزماني كَمَا بَين فِي مَوْضِعه. وَمُطلق الْعلَّة مَا لَهُ مدْخل فِي وجود شَيْء آخر إِمَّا بِحَسب وجوده فَقَط كالفاعل وَالشّرط والمادة وَالصُّورَة فَيجب أَن يكون مَوْجُودا. وَإِمَّا بِحَسب عَدمه فَقَط كالمانع فَيجب أَن يكون مَعْدُوما، وَإِمَّا بِحَسب وجوده وَعَدَمه مَعًا كالمعد إِذْ لَا بُد من الطاري على وجوده فَيجب أَن يُوجد أَولا ثمَّ يعْدم - وَالْحق أَن الْعلَّة الْمعدة هِيَ الْعلَّة الَّتِي يتَوَقَّف وجود الْمَعْلُول عِنْدهَا من غير أَن يجب وجودهَا مَعَ وجوده فَيجوز أَن تكون مَعْدُومَة عِنْد وجود الْمَعْلُول أَو مَوْجُودَة كَمَا يفهم من حَوَاشِي السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره على شرح الشمسية.
ثمَّ الْعلَّة مُطلقًا على نَوْعَيْنِ نَاقِصَة وتامة. أما النَّاقِصَة فَهِيَ الْعلَّة المادية والفاعلية والصورية والغائية وَالشّرط وَعدم الْمَانِع والمعد. وَأما التَّامَّة فَهِيَ جملَة الْأُمُور الْمُعْتَبرَة فِي تحقق الْمَعْلُول فَعِنْدَ وجود الْعلَّة التَّامَّة يتَحَقَّق الْمَعْلُول بِالضَّرُورَةِ وتوارد العلتين التامتين مثلا محَال لِأَنَّك إِذا فرضت لمعلول وَاحِد شَخْصَيْنِ علتين مستقلتين تامتين. فَتَقول إِن لكل وَاحِد مِنْهُمَا تَأْثِيرا تَاما فَيلْزم الِاسْتِغْنَاء عَن الْأُخْرَى أَو تَأْثِيرا نَاقِصا فَكل وَاحِدَة مِنْهُمَا جُزْء الْعلَّة المستقلة التَّامَّة فَهَذَا الْمَجْمُوع عِلّة تَامَّة وَاحِدَة لَا كل وَاحِدَة مِنْهُمَا أَو لأَحَدهمَا تَأْثِير فَقَط فَهِيَ الْعلَّة التَّامَّة دون الْأُخْرَى. وعَلى أَي حَال يلْزم خلاف الْمَفْرُوض. وَأما تواردهما على سَبِيل الْبَدَل مَعَ امْتنَاع الِاجْتِمَاع إِذا لم يكن تعاقبهما فَلَا اسْتِحَالَة فِيهِ بِأَن يكون كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بِحَيْثُ لَو وجدت ابْتِدَاء وجد ذَلِك الْمَعْلُول
стр. 548
الشخصي فَإِذا وجدت إِحْدَاهمَا وجد الْمَعْلُول وَامْتنع حِينَئِذٍ وجود الْأُخْرَى إِذْ لَو أمكن تعاقبهما بِأَن يعْدم الأولى وَيُوجد الْأُخْرَى مثلا فَإِن عدم الْمَعْلُول بِعَدَمِ الأولى وَوجد بإيجاد الثَّانِيَة لزم إِعَادَة الْمَعْدُوم وَإِن لم يعْدم وَجب أَن يكون الثَّانِيَة مفيدة للمعلول لأصل وجود الْحَاصِل لَهُ بإيجاد الأولى فَيلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل.
فَإِن قيل تَأْثِير الْعلَّة فِي الْمَعْلُول وإفادة الْوُجُود فِيهِ محَال لِأَنَّهُ إِمَّا فِي حَالَة عَدمه أَو وجوده أَو وجوده وَعَدَمه مَعًا لَا مساغ إِلَى الأول للُزُوم اجْتِمَاع وجود شَيْء وَعَدَمه. وَلَا إِلَى الثَّانِي للُزُوم تَحْصِيل الْحَاصِل، وَلَا إِلَى الثَّالِث للُزُوم المحذورين مَعًا. قلت الْعلَّة تفِيد وجود الْمَعْلُول حَالَة وجوده الْحَاصِل من تِلْكَ الْعلَّة لَا الْحَاصِل قبل تأثيرها حَتَّى يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل فَمَعْنَى إِفَادَة الْوُجُود أَن وجود الْعلَّة يستتبع وجود الْمَعْلُول فِي حَالَة الْوُجُود كاستتباع حَرَكَة الْأصْبع حَرَكَة الْخَاتم إياك وَهَذِه المزلقة. وَقَرِيب مِنْهَا مَا قيل إِنَّه لَا يجوز أَن يُوجد شَيْء من الْأَشْيَاء الممكنة. بَيَان ذَلِك أَنه لَو وجد شَيْء من الْأَشْيَاء الممكنة فإمَّا أَن يكون حَال اتصافه بالوجود أَو بِالْعدمِ مَوْجُودا أَو مَعْدُوما أَو لَا هَذَا وَلَا ذَاك فعلى الأول يلْزم تَحْصِيل الْحَاصِل أَو الدّور أَو التسلسل. وعَلى الثَّانِي بِحَيْثُ يلْزم اجْتِمَاع النقيضين وعَلى الثَّالِث ارْتِفَاع النقيضين. وَمَا قيل فِي الْجَواب أَنا نَخْتَار أَن لُحُوق الْوُجُود للموجود فِي آن الاتصاف بذلك الْوُجُود بِمَعْنى أَن آن اتصافه بالوجود وآن لُحُوق صفة الْوُجُود آن وجود هُوَ أول ظرف زمَان الْوُجُود وَنِهَايَة زمَان الْعَدَم فَحِينَئِذٍ لَا يرد شَيْء من المحذورات. فَفِيهِ بحث لِأَن مَا ثَبت لَهُ الْوُجُود إِمَّا مَوْجُود أَو لَا. فعلى الأول يلْزم أحد المحذورات الثَّلَاثَة، وعَلى الثَّانِي يلْزم بطلَان الْقَاعِدَة المقررة من أَن ثُبُوت شَيْء لغيره فرع لثُبُوت ذَلِك الْغَيْر فِي ظرف ذَلِك الثُّبُوت، وَالْحق فِي الْجَواب اخْتِيَار الشق الأول والتزام التسلسل وَمنع بُطْلَانه فَإِن التسلسل فِي الموجودات الذهنية الانتزاعية لَيْسَ بباطل كَمَا مر فِي التسلسل فَافْهَم.
ثمَّ إِن الْمَعْلُول إِن كَانَ مركبا صادرا عَن فَاعل مُخْتَار لَا بُد لَهُ من عِلّة غائية وفاعلية ومادية وصورية إِذْ الْبَسِيط الصَّادِر عَن الْمُوجب لَا بُد لَهُ من عِلّة فاعلية فَقَط، والبسيط الصَّادِر عَن الْفَاعِل الْمُخْتَار لَا بُد لَهُ من عِلّة فاعلية وغائية. والمركب الصَّادِر عَن الْمُوجب لَا بُد لَهُ من عِلّة فاعلية ومادية وصورية وَأَن هَذِه الناقصات بعد اشتراكها فِي توقف الْمَعْلُول ممتاز كل وَاحِدَة مِنْهَا عَن الْأُخْرَى لِأَن مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ وجود الْمَعْلُول إِمَّا خَارج عَنهُ أَو دَاخل فِيهِ، وَالْأول إِمَّا أَن يكون وجوده صادرا عَنهُ فَهِيَ.
الْعلَّة الفاعلية: أَو لأجل تَحْصِيله فَهِيَ
الْعلَّة الغائية: وَالثَّانِي إِمَّا أَن يكون جُزْءا مِنْهُ وَيكون وجود الْمَعْلُول بِهِ بِالْقُوَّةِ فَهِيَ:
стр. 549
الْعلَّة المادية: أَو بِالْفِعْلِ فَهِيَ:
الْعلَّة الصورية: وَلَا يخفى عَلَيْك أَن الْعلَّة الغائية إِنَّمَا هِيَ عِلّة فِي الذِّهْن وَأما فِي الْخَارِج فَالْأَمْر بِالْعَكْسِ وَلِهَذَا يُقَال إِن الْعلَّة الغائية كالجلوس مُقَدّمَة على الْمَعْلُول فِي الذِّهْن - وَأما فِي الْخَارِج فالسرير عِلّة لَهُ - وَقد نبهناك على تعريفات هَذِه الْعِلَل فِي ارْتِفَاع الْمَانِع.
الْعلَّة المؤثرة: وَاعْلَم أَن الْعِلَل عِنْد أَصْحَاب أصُول الْفِقْه نَوْعَانِ طردية ومؤثرة - أما الْعلَّة المؤثرة مَا ظهر أَثَرهَا بِنَصّ أَو إِجْمَاع فِي جنس الحكم الْمُعَلل بهَا مثل التَّعْلِيل بعلة الطّواف فِي سُقُوط نَجَاسَة سور سواكن الْبيُوت اعْتِبَارا بالهرة - وَأما
الْعلَّة الطردية: فَهِيَ الْوَصْف الَّذِي اعْتبر فِيهِ دوران الحكم مَعَه وجودا فَقَط عِنْد الْبَعْض ووجودا وعدما عِنْد الْبَعْض من غير نظر إِلَى ثُبُوت أَثَره فِي مَوضِع بِنَصّ أَو إِجْمَاع وَالتَّفْصِيل فِي كتبهمْ.
الْعلَّة الْحَقِيقِيَّة: مَا يكون مؤثرا فِي الْمَعْلُول حَقِيقَة.
الْعلَّة العادية: مَا يَدُور عَلَيْهِ الشَّيْء وجودا وعدما كالنار للإحراق فَإِنَّهُ يَدُور مَعهَا وجودا وعدما لِأَن عَادَة الْمُؤثر الْحَقِيقِيّ وَهُوَ الله تَعَالَى قد جرت بِخلق الإحراق عِنْد مساس النَّار الْيَابِس.
الْعِلَل النحوية: لَيست عللا مُوجبَة بل نكات يقْصد بهَا نوع رُجْحَان للمستعمل فِي محاوراتهم.
علم الْجِنْس: مَا وضع لشَيْء بِعَيْنِه ذهنا كأسامة فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة للمعهود فِي الذِّهْن وتفصيله فِي اسْم الْجِنْس.
العلاقة: بِالْفَتْح تسْتَعْمل فِي المعقولات، وبالكسر فِي المحسوسات وَهِي الْحبّ اللَّازِم للقلب وَسمي علاقَة لتعليق الْقلب بالمحبوب، وَعند المنطقيين شَيْء بِسَبَبِهِ يستصحب أَي يسْتَلْزم أَمر أمرا. وَالْمرَاد بهَا فِي تَعْرِيف الْمُتَّصِلَة اللزومية شَيْء بِسَبَبِهِ يستصحب الْمُقدم التَّالِي كالعلية والتضايف. أما الْعلية فبأن يكون الْمُقدم عِلّة للتالي أَو بِالْعَكْسِ أَو يَكُونَا معلولي عِلّة وَاحِدَة كَقَوْلِنَا إِن كَانَت الشَّمْس طالعة فالنهار مَوْجُود. وَبِالْعَكْسِ وَإِن كَانَ النَّهَار مَوْجُودا فالأرض مضيئة. وَأما التضايف فتفسيره فِي التضايف مثل إِن كَانَ زيد أَبَا عَمْرو فَيكون عَمْرو ابْنه.
علم الْفَرَائِض: علم يعرف بِهِ مصارف تَركه الْمُتَوفَّى وحقوقها بهَا إِرْثا. وموضوعه الصّرْف من حَيْثُ تعلقه بتركة الْمُتَوفَّى من حَيْثُ الوراثة وَقيل تَرِكَة من حَيْثُ صرفهَا فِي مصارفها من تِلْكَ الْجِهَة. وغرضه يجوز أَن يكون أمورا مِنْهَا دفع الْحَاجة عِنْد
стр. 550
احْتِيَاج النَّاس إِلَيْهِ فَإِن احتياجهم بِهِ أَشد ومسائله أوقع وَمِنْهَا نيل السَّعَادَة وَالثَّوَاب لِأَنَّهُ نصف الْعلم من جِهَة الثَّوَاب قَالَ النَّبِي ﵊ تعلمُوا الْفَرَائِض وعلموها النَّاس فَإِنَّهَا نصف الْعلم. وَإِنَّمَا جعل الْعلم بهَا نصف الْعلم إِمَّا لاختصاصها بِإِحْدَى حالتي الْإِنْسَان وَهِي الْمَمَات، وَإِمَّا من جِهَة الثَّوَاب فَإِنَّهُ إِذا قَالَ رجل فِي الْمَقَابِر أَن رجلا مَاتَ وَترك ابْنا لَا غير فتركته لَهُ بعد التَّجْهِيز والتكفين وَأَدَاء الدُّيُون وتنفيذ الْوَصَايَا من ثلث مَاله بعد الدّين وَيجْعَل ثَوَاب هَذِه الْمَسْأَلَة لأهل الْقُبُور رفع الْعَذَاب مِنْهُم جَمِيعًا.
والفرائض بِهَذَا الْمَعْنى جمع فَرِيضَة وَهِي مَا قدر من السِّهَام فِي الْمِيرَاث وَإِنَّمَا سمي هَذَا الْعلم فَرَائض لِأَن الْفَرْض التَّقْدِير وسهام هَذَا الْعلم مقدرَة والعالم بِهِ فَرضِي كَذَا فِي الْكَافِي لِأَن فِي النِّسْبَة يرد الْجمع إِلَى الْوَاحِد ثمَّ ينْسب إِلَيْهِ بِحَذْف الْيَاء كَمَا يُقَال فِي ثَقِيف ثقفي. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره. وَلَا يبعد أَن يَجْعَل لفظ الْفَرَائِض فِي الِاصْطِلَاح جَارِيا مجْرى الْأَعْلَام كالأنصار فَيُقَال فِي النِّسْبَة فرائضي كَمَا يُقَال أَنْصَارِي وَإِن كَانَ قِيَاسه فِي أَصله أَن يُقَال فَرضِي. وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا قَالَ ﵇ نصف الْعلم باعبتار الْمَشَقَّة لِأَن فِي تَصْحِيح الْفَرَائِض مشقة كَثِيرَة وَفِي تَصْحِيح مسَائِل الْفِقْه لَيْسَ بِمَشَقَّة كَثِيرَة. وَالْحَاصِل أَن مشقة الْفِقْه مَعَ كَثْرَة أَجْزَائِهِ وَكَثْرَة مشقة الْفَرَائِض مَعَ قلَّة أَجْزَائِهِ نزلها منزلَة شَيْئَيْنِ متساويين فَيكون الْفَرَائِض نصف الْعلم بِاعْتِبَار هَذَا ومغالطات هَذَا الْعلم فِي الْفَرَائِض إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
علم الْمعَانِي: فِي الْمعَانِي.
علم الْعَرَبيَّة: الْمُسَمّى بِعلم الْأَدَب علم يحْتَرز بِهِ عَن الْخلَل فِي كَلَام الْعَرَب لفظا أَو كتابا. وينقسم على مَا صرح بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى (بقسطاس الْعَرُوس) إِلَى اثْنَي عشر قسما، مِنْهَا أصُول هِيَ الْعُمْدَة فِي ذَلِك الِاحْتِرَاز، وَمِنْهَا فروع. أما الْأُصُول فالبحث فِيهَا إِمَّا عَن الْمُفْردَات من حَيْثُ جواهرها فَعلم اللُّغَة يَعْنِي أَن جواهرها وموادها ملحوظة فِي مبَاحث اللُّغَة بخصوصياتها وَلَيْسَت ملحوظة فِي مبَاحث الصّرْف. أَو من حَيْثُ صورها وهيئاتها فَعلم الصّرْف، أَو من حَيْثُ انتساب بَعْضهَا إِلَى بعض بِالْأَصَالَةِ والفرعية فَعلم الِاشْتِقَاق وَإِمَّا عَن المركبات على الْإِطْلَاق أَي موزونة أَو غير موزونة. فَأَما بِاعْتِبَار هيئاتها التركيبية يَعْنِي تَقْدِيم بعض الْكَلم ورعاية الْإِعْرَاب وَالْبناء وَبِاعْتِبَار تأديتها لمعانيها الْأَصْلِيَّة فَعلم النَّحْو، أَو بِاعْتِبَار إفادتها لمعان مغائرة لأصل الْمَعْنى فَعلم الْمعَانِي، أَو بِاعْتِبَار كَيْفيَّة تِلْكَ الإفادة فِي مَرَاتِب الوضوح فَعلم الْبَيَان، أَو عَن المركبات الموزونة، فَأَما من حَيْثُ وَزنهَا فَعلم الْعرُوض، أَو من حَيْثُ أَوَاخِر أبياتها فَعلم القافية، وَأما الْفُرُوع فالبحث فِيهَا إِمَّا أَن يتَعَلَّق بنقوش الْكِتَابَة فَعلم الْخط، أَو يخْتَص بالمنظوم فَهُوَ الْعلم الْمُسَمّى بقرض الشّعْر، أَو بالمنثور فَعلم إنْشَاء
стр. 551
النثر، من الرسائل والخطب أَولا يخْتَص بِشَيْء مِنْهُمَا فَعلم المحاضرات أَي المجاوبات، وَمِنْه التواريخ.
العلاج: إِحْدَاث الْفِعْل بالجوارح والمداوة لدفع الْمَرَض.
علم الْعرُوض: فِي الْعرُوض.
علم الْمصدر: بِفَتْح الأول وَالثَّانِي هُوَ اسْم الْمصدر كالسبحان فَإِنَّهُ علم التَّسْبِيح مَوْضُوع لَهُ كوضع الْإِعْلَام لَا مصدر فَمَعْنَاه لفظ التَّسْبِيح وَمعنى التَّسْبِيح بِالْفَارِسِيَّةِ (باكى يادكردن) كالإسلام اسْم التَّسْلِيم، والوجهة اسْم التَّوَجُّه فَإِن أردْت زِيَادَة الْبَيَان فَانْظُر فِي السبحان.
الْعلم بِالْوَجْهِ: أَي بِوَجْه الشَّيْء.
وَعلم الشَّيْء بِالْوَجْهِ: أَي بِوَجْه ذَلِك الشَّيْء بَينهمَا فرق ظَاهر فَإِن الْوَجْه فِي الْعلم بِالْوَجْهِ مَقْصُود بِالذَّاتِ كَمَا أَنه مَعْلُوم بِالذَّاتِ وَفِي علم شَيْء بِالْوَجْهِ مَعْلُوم بِالذَّاتِ ومقصود بِالْعرضِ، وَالْعلم بِوَجْه الشَّيْء لَا يسْتَلْزم الْعلم بذلك الشَّيْء لِأَن الْوَجْه لم يَجْعَل آلَة لملاحظته.
وتفصيل هَذَا الْفرق أَن معنى الْعلم بِالْوَجْهِ أَن يحصل فِي الذِّهْن صُورَة تكون آلَة لملاحظة ذَلِك الْوَجْه فَالْوَجْه مَعْلُوم ومقصود بِالذَّاتِ وَصورته الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن علم وَمعنى الْعلم بالشَّيْء من ذَلِك الْوَجْه أَن يكون ذَلِك الْوَجْه آلَة لملاحظته فَالْحَاصِل فِي الذِّهْن نَفسه ذَلِك الْوَجْه والمعلوم بِوَاسِطَة ذَلِك الشَّيْء فَالْوَجْه مَعْلُوم بِالذَّاتِ ومقصود بِالْعرضِ وَالشَّيْء مَقْصُود بِالذَّاتِ وَمَعْلُوم بِالْعرضِ وَقس عَلَيْهِ الْفرق بَين
الْعلم بالكنه وَعلم الشَّيْء بالكنه: بِلَا تفَاوت.
علمه تَعَالَى شَامِل: أَي للممكنات والممتنعات وَلذَا قَالُوا إِن مَعْلُومَات الله تَعَالَى أَكثر من مقدوراته فَإِن قدرته تَعَالَى إِنَّمَا تتَعَلَّق بِمَا يُمكن تعلق الْقُدْرَة بِهِ وَهُوَ الْمُمكن وَالْعلم يتَعَلَّق بالممكن والممتنع فمعلوماته تَعَالَى أَكثر من مقدوراته فَإِن قلت لَا نسلم أَن علمه تَعَالَى شَامِل للممكنات والممتنعات لأَنهم قَالُوا إِن علمه تَعَالَى لَا يتَعَلَّق بمراتب الْأَعْدَاد الْغَيْر المتناهية إِذْ مَرَاتِب الْأَعْدَاد غير متناهية فِي الْوُجُود العلمي لَهُ تَعَالَى فَلَو كَانَ علمه تَعَالَى مُتَعَلقا بهَا مفصلة لزم عدم تناهيها لجَرَيَان برهَان التطبيق حِينَئِذٍ لكَون تِلْكَ الْمَرَاتِب وَنسبَة الانطباق بَينهَا معلومتان لَهُ تَعَالَى على مَا قُلْتُمْ من شُمُول علمه تَعَالَى بالممكن والممتنع قُلْنَا إِن علمه الشَّامِل للممكنات والممتنعات إِنَّمَا يَشْمَل مَا لَا يمْتَنع الْعلم بِهِ كَمَا أَن قدرته الشاملة إِنَّمَا تشْتَمل مَا لَا يمْتَنع وجوده وَإِمْكَان تعلق الْعلم بالمراتب الْغَيْر المتناهية مفصلة مَمْنُوع.
стр. 552
فَإِن قيل فَيلْزم الْجَهْل على الله تَعَالَى قُلْنَا الْجَهْل عدم الْعلم بِمَا يَصح تعلق الْعلم بِهِ كَمَا أَن الْعَجز عدم الْقُدْرَة بِمَا يَصح تعلقهَا بِهِ فَلَا يلْزم الْجَهْل من عدم علمه تَعَالَى بِتِلْكَ الْمَرَاتِب كَمَا لَا يلْزم الْعَجز من عدم تعلق الْقُدْرَة بِمَا يمْتَنع وجوده فِي الْخَارِج كاجتماع الضدين والنقيضين وَشريك الْبَارِي وَغير ذَلِك.
فَإِن قيل إِن الْقلَّة وَالْكَثْرَة من لَوَازِم التناهي فَكيف يَصح أَن يُقَال إِن معلوماته تَعَالَى أَكثر من مقدوراته مَعَ لَا تناهيهما قُلْنَا معنى لَا تناهي المعلومات والمقدورات وَكَذَا لَا تناهي الْأَعْدَاد أَنَّهَا لَا تَنْتَهِي إِلَى حد لَا يتَصَوَّر فَوْقه آخر لَا بِمَعْنى أَن مَا لَا نِهَايَة لَهُ يدْخل فِي الْوُجُود فَإِنَّهُ محَال فَإِن التناهي وَعَدَمه فرع الْوُجُود سَوَاء كَانَ ذهنا أَو خَارِجا وَلَيْسَ الْمَوْجُود من مَرَاتِب الْأَعْدَاد وَكَذَا من المعلومات والمقدورات إِلَّا قدرا متناهيا فإطلاق التناهي عَلَيْهَا مجازي بِاعْتِبَار أَنَّهَا لَو فرض وجودهَا بأسرها لكَانَتْ غير متناهية.
عَلَامَات الْقِيَامَة: فِي أَشْرَاط السَّاعَة.
الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة: كالصرف والنحو والمنطق وَغَيرهَا. اعْلَم أَن هَذِه الْأَسْمَاء قد تطلق على المعلومات الْمَخْصُوصَة كَمَا يُقَال فلَان يعلم النَّحْو، وَقد تطلق على إدراكات تِلْكَ المعلومات كَمَا يُقَال النَّحْو علم من الْعُلُوم الْمُدَوَّنَة، وَقد تطلق على الملكة الْحَاصِلَة من الممارسة بِتِلْكَ المعلومات.
الْعَلامَة: بتَخْفِيف اللَّام الْمَفْتُوحَة الأمارة وعلامة الشَّيْء مَا يعرف بِهِ. وَقد يُرَاد بهَا الْخَاصَّة كَمَا يُقَال وَمن عَلَامَات الِاسْم التَّنْوِين أَي من خواصه، وبتشديد اللَّام مُبَالغَة الْعَالم وَالتَّاء للْمُبَالَغَة وَلَا تطلق على الله تَعَالَى مَعَ أَنه تَعَالَى هُوَ الْحقيق بالمبالغة فِي الْعلم لتوهم التَّأْنِيث بل يُقَال العلام وَلَا يحترزون عَن توهم التَّذْكِير مَعَ أَنه تَعَالَى منزه عَن التَّذْكِير والتأنيث لِأَن الاهتمام بِرَفْع التَّأْنِيث أَكثر.
عَلَامَات التَّأْنِيث: ثَلَاث أَحدهَا التَّاء الساكنة الْمَوْقُوف عَلَيْهَا هَاء كالرحمة والظلمة وَثَانِيها الْألف الْمَقْصُورَة كحبلى وبشرى وَثَالِثهَا الْألف الممدودة كحمراء وصفراء. وَقَالَ بَعضهم أَنَّهَا أَربع بِزِيَادَة الْيَاء فِي ذِي وتي وَزعم أَنَّهَا للتأنيث لكنه مَمْنُوع لجَوَاز أَن تكون تِلْكَ الصِّيغَة مَوْضُوعَة للمؤنث مثل هِيَ وَأَنت بِالْكَسْرِ. وَاعْلَم أَن الأَصْل من هَذِه العلامات للمؤنث هُوَ التَّاء الْمَذْكُورَة دون الْأَلفَيْنِ الْمَذْكُورين إِذْ الْألف الْمَقْصُورَة تحذف وَتبقى الفتحة قبلهَا دَالَّة عَلَيْهَا مثل مصطفين وَقد تبدل بِالْيَاءِ مثل حبليين والممدودة تقلب واوا مثل حمراوين وَالْأَصْل فِي الْعَلامَة عدم التَّغَيُّر وَالتَّاء الْمَذْكُورَة لَا تَتَغَيَّر عَن حَالهَا فَهِيَ بَاقِيَة على أصالتها فَصَارَت أصلا من سَائِر العلامات وَلَا بُد للمبتدي من حفظ هَذَا المرام لِأَنَّهُ نَافِع لَهُ فِي عدَّة مقَام.
стр. 553
(بَاب الْعين مَعَ الْمِيم)
ف (٧٣)
العملي: سَيَأْتِي فِي النظري إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
الْعُمْرَى: بِضَم الْعين وَسُكُون الْمِيم وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة بِالْألف المقصوره على وزن قصوى اسْم لهبة شَيْء مُدَّة عمر الْمَوْهُوب لَهُ أَو الْوَاهِب بِشَرْط الِاسْتِرْدَاد بعد موت الْمَوْهُوب لَهُ أَو الْوَاهِب، أَو عَارِية شَيْء كَذَلِك كجعل الدَّار مثلا لأحد مُدَّة عمره كَمَا فِي كتب الْفِقْه فِي كتاب الْعَارِية وداري لَك سُكْنى أَي جعلت سكناهَا لَك مُدَّة عمرك أَو مُدَّة عمري ثمَّ تردها إِلَى ورثتي فعمرى مفعول لفعل مَحْذُوف تَقْدِيره أعمرتها لَك عمري وسكنى تَمْيِيزه. وَفِي حَوَاشِي كنز الدقائق فِي بَاب الْهِبَة الْعُمْرَى أَن يَقُول هَذِه الدَّار لَك عمرك أَي مُدَّة حياتك فَإِذا مت أَنْت فَهِيَ لي أَو يَقُول هَذِه الدَّار لَك عمرى فَإِذا مت أَنا أَخذهَا ورثتي مِنْك هَذَا صَحِيح وَالشّرط بَاطِل.
الْعمرَة: بِالضَّمِّ وَسُكُون الْمِيم هِيَ الْإِحْرَام وَالطّواف وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة ثمَّ الْحلق وَلَيْسَ فِيهَا وقُوف بِعَرَفَة.
الْعَمَل لَيْسَ بِجُزْء من الْإِيمَان عِنْد أهل السّنة: لِأَن حَقِيقَة الْإِيمَان هِيَ التَّصْدِيق كَمَا مر فِي الْإِيمَان فالأعمال أَي الطَّاعَات بالجوارح خَارِجَة عَنهُ خلافًا للخوارج والمعتزلة فَإِن الْخَوَارِج والعلاف وَعبد الْجَبَّار من الْمُعْتَزلَة ذَهَبُوا إِلَى أَن الْأَعْمَال جُزْء من الْإِيمَان فرضا كَانَ أَو نفلا وَذهب أَبُو عَليّ الجبائي وَابْنه أَبُو هَاشم من الْمُعْتَزلَة وَأكْثر معتزلة الْبَصْرَة إِلَى أَن الْأَعْمَال الْمَفْرُوضَة فَقَط جُزْء الْإِيمَان إِلَّا أَن الْخَوَارِج جعلُوا تَارِك الْأَعْمَال دَاخِلا فِي الْكفْر والمعتزلة جَعَلُوهُ خَارِجا عَن الْإِيمَان وَغير دَاخل فِي الْكفْر وَهُوَ منزلَة بَين المنزلتين.
الْعَمَل المتكرر فِي مهلة: قَالَ أَصْحَاب التصريف أَن بَاب التفعل قد يَجِيء للْعَمَل المتكرر فِي مهلة أَي لإِفَادَة أَن أصل الْفِعْل حصل مرّة بعد مرّة نَحْو تجرعه أَي شربه جرعة بعد جرعة - وتفهم أَي حصل لَهُ فهمه شَيْئا فَشَيْئًا.
الْعَمَل بِالْعَكْسِ: قد يُسمى بالتحليل والتعاكس لما فِي هَذَا الْعَمَل تَحْلِيل وتعاكس ولأرباب الْحساب ضوابط لاستخراج المجهولات العددية واستعلامها مِنْهَا الْعَمَل بِالْعَكْسِ وَهُوَ الْعَمَل بعكس مَا أعطَاهُ السَّائِل من التَّضْعِيف والتنصيف وَالْجمع والتفريق وَالضَّرْب والتقسيم وَغير ذَلِك بِأَن تنصف إِذا ضعف السَّائِل - أَو تنقص إِذا زَاد - أَو تقسم إِذا ضرب - أَو تربع إِذا جذر فَإِن التنصيف عكس التَّضْعِيف وَالْجمع عكس التَّفْرِيق وَالضَّرْب عكس التَّقْسِيم فالجذر عكس المجذور - وَإِن عكس السَّائِل فاعكس أَي
стр. 554
إِذا نصف فضعف أَو نقص فزد أَو قسم فَاضْرب أَو ربع فجذر واعمل هَذَا مبتدئا من آخر السُّؤَال ليحصل الْجَواب عَن سُؤَاله فَلَو قيل أَي عدد من الْأَعْدَاد إِذا ضرب فِي نَفسه وَزيد على الْحَاصِل من الضَّرْب اثْنَان وَضعف الْمُجْتَمع وَزيد على الْحَاصِل من التَّضْعِيف ثَلَاثَة وَقسم الْمُجْتَمع على خَمْسَة وَضرب الْخَارِج من الْقِسْمَة فِي عشرَة حصل خَمْسُونَ فاقسم الْخمسين على الْعشْرَة لِأَنَّهُ قَالَ ضرب الْخَارِج فِي الْعشْرَة وَاضْرِبْ الْخَمْسَة الْخَارِجَة من الْقِسْمَة فِي الْخَمْسَة - لِأَن السَّائِل قَالَ وَقسم الْمُجْتَمع على الْخَمْسَة وانقص من الْحَاصِل من الضَّرْب أَعنِي من خَمْسَة وَعشْرين ثَلَاثَة لِأَنَّهُ قَالَ زيد على الْحَاصِل ثَلَاثَة وأنقص من منصف الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرين الْبَاقِي اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ قَالَ وَضعف بعد قَوْله وَزيد على الْحَاصِل اثْنَان فأعكسهما وجذر التِّسْعَة الْبَاقِيَة جَوَاب لِأَنَّهُ قَالَ أَي عدد ضرب فِي نَفسه فالثلاثة هِيَ الْمَطْلُوب هَذَا مَا فِي خُلَاصَة الْحساب وَشَرحه.
الْعمد: هُوَ الْقَصْد مَعَ الْعقل فَلَا عمد للمجنون وَقَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ ﵀ فِي التَّلْوِيح فِي تَحْقِيق الْقُرْآن وَقيل من غير تعمد وَإِلَّا لَكَانَ مَجْنُونا فيداوى أَو زنديقا فَيقْتل انْتهى وَقَوله من غير تعمد وَإِلَّا إِلَى آخِره مَعْنَاهُ أَن يقْرَأ سَهوا وَإِن لم يقْرَأ سَهوا لَكَانَ مَجْنُونا فيداوى أَو زنديقا فَيقْتل فَلَا يرد أَنه لَا عمد للمجنون لما مر أَن الْعمد هُوَ الْقَصْد مَعَ الْعقل فَافْهَم.
العمود: يُطلق على كل وَاحِد من الخطين اللَّذين يقوم أَحدهمَا على الآخر بِحَيْثُ لَو أخرجَا على الاسْتقَامَة تحدث هُنَاكَ أَربع زَوَايَا مُتَسَاوِيَة.
الْعُمُوم: إحاطة الْأَفْرَاد دفْعَة وَعند الصُّوفِيَّة مَا يَقع بِهِ الِاشْتِرَاك فِي الصِّفَات سَوَاء كَانَ فِي صِفَات الْحق كالحياة وَالْعلم أَو صِفَات الْخلق كالغضب والضحك.
العماء: فِي اللُّغَة كورى وَعند الصُّوفِيَّة الأحدية.
عُمُوم السَّلب: هُوَ السَّلب الْكُلِّي مثل لَا شَيْء من الْإِنْسَان بِحجر وَالْفرق بَينه وَبَين سلب الْعُمُوم فِي سلب الْعُمُوم.
الْعُمُوم من وَجه مُمْتَنع بَين الْمقسم وأقسامه: بديهي بعد مُلَاحظَة مَفْهُوم التَّقْسِيم وَالْمرَاد بقولنَا الْحَيَوَان إِمَّا أَبيض أَو أسود الْحَيَوَان إِمَّا حَيَوَان أَبيض أَو حَيَوَان أسود وَمَا هُوَ الْمَشْهُور من جَوَاز ذَلِك قَول عَامي أَقُول إِن الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه وَإِن لم يجز بَين الْمقسم والأقسام لكنه جَائِز بل وَاقع بَين الْمقسم وقيود الْأَقْسَام أَلا ترى أَن الْأَبْيَض الَّذِي هُوَ قيد حصل للقسم للحيوان أَعم من الْحَيَوَان من وَجه كَانَ هَذَا الْقدر منشأ لذَلِك الْمَشْهُور فَافْهَم.
стр. 555
(بَاب الْعين مَعَ النُّون)
العناد: رد الْحق مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ حق.
العنادية: هم الَّذين يُنكرُونَ حقائق الْأَشْيَاء ويزعمون أَنَّهَا أَوْهَام أَو خيالات بَاطِلَة كالنقوش على المَاء وَعند المنطقيين قَضِيَّة يكون الحكم فِيهَا بالتنافي لذات الجزأيين مَعَ قطع النّظر عَن الْوَاقِع كَمَا بَين الْفَرد وَالزَّوْج وَالشَّجر وَالْحجر وَبَين زيد فِي الْبَحْر وَإِن لَا يغرق.
العندية: هم الَّذين يَقُولُونَ حقائق الْأَشْيَاء تَابِعَة للاعتقادات حَتَّى أَن اعتقدنا الشَّيْء جوهرا فجوهر وعرضا فَعرض أَو قَدِيما فقديم أَو حَادِثا فحادث فَالْفرق بَين العنادية والعندية مَعَ اشتراكهم واتفاقهم فِي إِنْكَار ثُبُوت الْحَقَائِق فِي نفس الْأَمر أَن العنادية ينفون ثُبُوت الْحَقَائِق فِي نفس الْأَمر مُطلقًا يَعْنِي يَقُولُونَ إِنَّه لَا ثُبُوت لَهَا فِي أَنْفسهَا وَلَا بتبعية الِاعْتِقَاد - والعندية ينفون ثُبُوتهَا فِي أَنْفسهَا فِي نفس الْأَمر وقائلون بثبوتها بتبعية الِاعْتِقَاد فَافْهَم.
عنفوان الشَّبَاب: أَوله وَلَو فرضا.
العنصر: فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة الأَصْل كالأسطقس فِي اللُّغَة اليونانية وَهُوَ الأَصْل الَّذِي يتألف مِنْهُ الْأَجْسَام الْمُخْتَلفَة الطبائع. وَجمعه.
العناصر: وَهِي أَرْبَعَة النَّار والهواء وَالْمَاء وَالْأَرْض وَهَذِه الْأَرْبَعَة تسمى بأَرْبعَة أَسمَاء العناصر والاسطقسات والأركان وأصول الْكَوْن وَالْفساد - لَكِن باعتبارات مُخْتَلفَة، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَة من حَيْثُ تتركب مِنْهَا المركبات تسمى اسطقسات - وَمن حَيْثُ إِنَّهَا تنْحَل إِلَيْهِ المركبات تسمى عناصر - فلوحظ فِي إِطْلَاق لفظ الاسطقس معنى الْكَوْن وَفِي إِطْلَاق العنصر معنى الْفساد - وَمن حَيْثُ إِنَّهَا أَجزَاء المركبات تسمى أركانا إِذْ ركن الشَّيْء جزؤه - وَمن حَيْثُ إِنَّهَا يَنْقَلِب كل مِنْهُمَا إِلَى الآخر تسمى أصُول الْكَوْن وَالْفساد وأسامي جُزْء الْمركب باعتبارات مُخْتَلفَة فِي الدَّاخِل.
العنصر الْخَفِيف: مَا كَانَ أَكثر حركته إِلَى جِهَة الفوق - فَإِن كَانَ جَمِيع حركته إِلَى الفوق فخفيف مُطلق وَهُوَ النَّار وَإِلَّا فخفيف بِالْإِضَافَة وَهُوَ الْهَوَاء.
العنصر الثقيل: مَا كَانَ حركته إِلَى الْأَسْفَل فَإِن كَانَ جَمِيع حركته إِلَيْهِ فثقيل مُطلق وَهُوَ الأَرْض وَإِلَّا فثقيل بِالْإِضَافَة وَهُوَ المَاء.
الْعنين: من لَا يقدر على الْجِمَاع لآفة أَصْلِيَّة أَو لمَرض أَو ضعف أَو كبر سنّ أَو سحر فَلَا يصل إِلَى النِّسَاء أصلا أَو يصل إِلَى الثّيّب دون الْأَبْكَار أَو يصل إِلَى غير زَوجته وَلَا يصل إِلَيْهَا فَهُوَ عنين فِي حق من لَا يصل إِلَيْهَا من عَن إِذا حبس فِي الْعنَّة
стр. 556
وَهِي حَظِيرَة الْإِبِل أَو من عِنْد إِذا عرض لِأَنَّهُ يعن يَمِينا وَشمَالًا وَلَا يقْصد إِلَى الْمَقْصد وَقيل يُسمى عنينا لِأَن ذكره يسترخي فيعن يَمِينا وَشمَالًا وَلَا يقْصد المأتي من الْمَرْأَة وَلَو وجدت زَوجهَا مجبوبا فرق فِي الْحَال وَأجل القَاضِي سنة لَو كَانَ عنينا أَو خَصيا لِأَن الطبائع الْأَرْبَع الَّتِي جبل عَلَيْهَا الْإِنْسَان لَا تتبدل عَادَة إِلَّا بِانْقِضَاء الْفُصُول الْأَرْبَعَة. وَاعْلَم أَن رجلا إِذا وطئ امْرَأَته مرّة ثمَّ عجز لَا خِيَار لَهَا.
العنقاء: هُوَ الهباء الَّذِي فتح الله تَعَالَى فِيهِ أجساد الْعَالم مَعَ أَنه لَا عين لَهُ فِي الْوُجُود إِلَّا بالصورة الَّتِي فتحت فِيهِ وَإِنَّمَا سمي بالعنقاء لِأَنَّهُ يسمع مذكوره وَيعْقل وَلَا وجود لَهُ فِي عينه.
العند: بِالْفَتْح فِي الصِّحَاح العناد والعند والمعاندة مُخَالفَة الْحق ورده مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ حق.
(بَاب الْعين مَعَ الْوَاو)
الْعود: بِالْفَتْح (بازكشتن) وَمِنْه عود الضَّمِير أَي رُجُوعه، وَفِي الرضى لَا يستنكر عود ضمير الِاثْنَيْنِ إِلَى الْمَعْطُوف بِأَو مَعَ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَإِن كَانَ المُرَاد أَحدهمَا لِأَنَّهُ لما اسْتعْمل أَو كثيرا فِي الْإِبَاحَة صَار كالواو وَفِي الْقُرْآن الْمجِيد وَإِن لم يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما. وعَلى هَذَا يجوز إرجاع ضمير الْوَاحِد الْمُؤَنَّث إِلَى شَيْئَيْنِ أَو أَشْيَاء بِاعْتِبَار كثرتهما فِي أَنفسهمَا وَإِن كَانَا اثْنَيْنِ من حَيْثُ الْعَطف وَقد تحير الناظرون فِي الإرجاع وَالْعود بِالضَّمِّ الْخشب الَّذِي يحرق للبخور وَله رَائِحَة طيبَة وَقت الحرق، وَأَيْضًا الْعود الْمَشْهُور خُصُوصا عِنْد المجاورين للمقابر سِيمَا عِنْد المجاورين فِي مغسل عالمكير اللَّهُمَّ احفظني مِنْهُم وَسَائِر الْمُسلمين بل الْكَافرين. وَأَيْضًا الْعود البربط كَمَا قَالَ قَائِل:
(فِي زَاوِيَة الْعِشْق أنيني عودي ... وَالْقلب فَوق نَار عشقي عودي)
(مَا نلْت مقاصدي وَلَا مقصودي ... يَا عافيتي عجزت عودي عودي)
وعودي أَمر من عَاد يعود للواحدة المخاطبة والأنين بِالْفَارِسِيَّةِ آو ازكريه.
عود الشَّيْء على مَوْضِعه بِالنَّقْضِ: كَون مَا شرع لمَنْفَعَة الْعباد فَيكون الْأَمر بِهِ للْإِبَاحَة فَلَو كَانَ الْأَمر بِهِ للْوُجُوب يعود الْأَمر على مَوْضِعه وبالنقض حَيْثُ يلْزم الْإِثْم والعقوبة بِتَرْكِهِ.
стр. 557
الْعَوْل: فِي اللُّغَة الْميل إِلَى الْجور وَالرَّفْع. وَعند أَرْبَاب الْفَرَائِض الْعَوْل زِيَادَة بعض السِّهَام على مخرجها وَقت ضيقه عَن الْوَفَاء بالفروض المجتمعة فِي ذَلِك الْمخْرج وَحِينَئِذٍ يدْخل النُّقْصَان عَلَيْهِم بِقدر حصصهم.
الْعَوَارِض الذاتية: هِيَ الْأُمُور الْخَارِجَة عَن الشَّيْء اللاحقة لَهُ لما هُوَ هُوَ أَي بِالذَّاتِ كالتعجب اللَّاحِق لذات الْإِنْسَان من غير وَاسِطَة أَمر آخر أَو لجزئه كالحركة بالإرادة اللاحقة للْإنْسَان بِوَاسِطَة كَونه حَيَوَانا أَو بِوَاسِطَة أَمر خَارج عَنهُ مسَاوٍ لَهُ كالضحك الْعَارِض للْإنْسَان بِوَاسِطَة التَّعَجُّب وَيحصل لَك التَّعَجُّب إِن نظرت فِي التَّعَجُّب وَمَا سوى هَذِه الْأَعْرَاض الْأَعْرَاض الغريبة.
الْعَوَارِض الغريبة: وَيُقَال لَهَا.
الْعَوَارِض الْعُرْفِيَّة: أَيْضا وَهِي الْعَوَارِض لأمر خَارج أَعم من المعروض كالحركة اللاحقة للأبيض بِوَاسِطَة أَنه جسم وَهُوَ أَعم من الْأَبْيَض وَغَيره. والعوارض للْخَارِج الْأَخَص كالضحك الْعَارِض للحيوان بِوَاسِطَة أَنه إِنْسَان وَهُوَ أخص من الْحَيَوَان. والعوارض بِسَبَب المبائن كالحرارة الْعَارِضَة للْمَاء بِسَبَب النَّار وَهِي مبائنة لَهُ.
الْعَوَارِض السماوية: مَا يثبت من قبل الشَّارِع وَلَا يكون لاختيار العَبْد فِيهِ مدْخل على أَنه نَازل من السَّمَاء وَهُوَ الصغر وَالْجُنُون والعته وَالنِّسْيَان وَالنَّوْم وَالْإِغْمَاء وَالرّق وَالْمَرَض وَالْحيض وَالنّفاس وَالْمَوْت.
الْعَوَارِض المكتسبة: هِيَ الَّتِي يكون لكسب العَبْد مدْخل فِيهَا بِمُبَاشَرَة الْأَسْبَاب وَهِي نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا من المكتسب بِصِيغَة اسْم الْفَاعِل وَثَانِيهمَا مَا من غَيره، وَأما الَّذِي مِنْهُ فالجهل والسفه وَالسكر والهزل وَالْخَطَأ وَالسّفر. وَأما الَّذِي من غَيره فالإكراه بِمَا فِيهِ الجاء وَبِمَا لَيْسَ فِيهِ الجاء وتفصيله فِي الْإِكْرَاه.
الْعَوْرَة: سوءة النِّسَاء وَمَا يستحيي مِنْهُ. وعورة الرجل مَا تَحت سرته إِلَى ركبته ويروى مَا دون سرته حَتَّى تجَاوز رُكْبَتَيْهِ وَبِهَذَا تبين أَن السُّرَّة لَيست من عَورَة الرجل وَالركبَة مِنْهَا وَكلمَة إِلَى لغاية إِسْقَاط مَا وَرَاء الرّكْبَة لِأَن صدر الْكَلَام أَعنِي مَا تَحت رُكْبَتَيْهِ وَكَذَا مَا بَين سرته وَكَذَا مَا دون سرته يتَنَاوَل الرّكْبَة وَمَا دونهَا فلولا الرّكْبَة لاستوعب الحكم الْكل. فَعلم أَن هَذِه الْغَايَة لإِسْقَاط مَا وَرَاءَهَا. وَعند الشَّافِعِي ﵀ السُّرَّة من الْعَوْرَة دون الرّكْبَة وبدن الْحرَّة كلهَا عَورَة إِلَّا وَجههَا وكفيها لَكِن على النَّاظر أَن لَا ينظر بِشَهْوَة وَهَذَا الْكَلَام بِظَاهِرِهِ يدل على أَن ظهر الْكَفّ عوره وَقَالَ شمس
стр. 558
الْأَئِمَّة هَذَا غلط لِأَن الْكَفّ اسْم لباطن الْيَد وظاهرها لَا للرسغ وَمَعْنَاهَا بِالْفَارِسِيَّةِ (نيجه) قَالَ ﵊ الْمَرْأَة عَورَة مستورة وَأما اسْتثِْنَاء العضوين الْمَذْكُورين فلدفع الْحَرج.
وَالْمرَاد بِالْمَرْأَةِ الْحرَّة لِأَنَّهَا تطلق على الْحرَّة عِنْد إِطْلَاقهَا لِأَنَّهَا أكمل أَفْرَاد الْمَرْأَة وَلِأَن الأهم بَيَان حكم الْحرَّة فَيَنْصَرِف إِلَيْهَا - وَفِي الْجَامِع الصَّغِير أَن قدم الْحرَّة أَيْضا لَيست بِعَوْرَة - وَالْأمة كَالرّجلِ وظهرها وبطنها عَورَة وَمَا سوى ذَلِك لَيْسَ بِعَوْرَة وَقَالَ الحبر الْمُحَقق أَبُو البركات صَاحب كنز الدقائق رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَاب ثُبُوت النّسَب والمعتدة أَن جحدت وِلَادَتهَا بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو لحبل ظَاهر أَو إِقْرَار بِهِ أَو تَصْدِيق الْوَرَثَة انْتهى.
فَإِن قيل كَيفَ يشْتَرط شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا يحل للرجل النّظر إِلَى مَوضِع الْولادَة قُلْنَا تقبل شَهَادَتهم لأَنهم لم يَقُولُوا تعمدنا النّظر لَكِن وَقع ذَلِك اتِّفَاقًا أَو هم رَأَوْا امْرَأَة فِي بَيت وَقد علمُوا أَنه لَيْسَ فِيهِ غَيرهَا ثمَّ أخرجت ولدا شهدُوا أَنَّهَا وَلدته على أَنا نقُول يُبَاح النّظر لتحمل الشَّهَادَة كَمَا فِي الزِّنَا - فَإِن شُهُود الزِّنَا لَو قَالُوا تعمدنا النّظر إِلَى فرج المزنية حسبَة حَتَّى يحل لنا أَدَاء الشَّهَادَة وَقَالُوا رَأَيْنَاهُ كالميل فِي المكحلة قبلت شَهَادَتهم وَإِن قَالُوا تعمدنا النّظر تلذذا لم تقبل شَهَادَتهم لأَنهم فسقوا بِهَذَا النّظر فَافْهَم.
الْعَوْرَة الغليظة: هِيَ الذّكر والخصيتان والفرج والدبر.
(بَاب الْعين مَعَ الْهَاء)
الْعهْدَة: مُشْتَرك قد تطلق على الصَّك الْقَدِيم وَهُوَ ملك البَائِع - وَقد تطلق على العقد لِأَن الْعهْدَة من الْعَهْد كالعقدة من العقد وَالْعقد والعهد وَاحِد - وَقد تطلق على حُقُوق العقد لِأَنَّهَا من ثمراته - وَقد تطلق على الدَّرك وَهُوَ تَسْلِيم الثّمن عِنْد اسْتِحْقَاق الْمَبِيع - وَقد تطلق على خِيَار الشَّرْط كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث عُهْدَة الرَّقِيق ثَلَاثَة أَيَّام، أَي خِيَار الشَّرْط وَلِهَذَا لَو اشْترى رجل عبدا فضمن لَهُ رجل بالعهدة وَلم يبين مَا هِيَ فَالضَّمَان بَاطِل وَإِنَّمَا بُطْلَانه للْجَهَالَة لِأَن الضَّمَان بالعهدة بِالْمَعْنَى الأول أَي ملك البَائِع مُتَعَذر لِأَن من ضمن بِتَسْلِيمِهِ إِلَى المُشْتَرِي فقد ضمن مَا لَا يقدر عَلَيْهِ فَلَا يَصح بِخِلَاف ضَمَان الدَّرك فَإِنَّهُ مُسْتَعْمل فِي ضَمَان الِاسْتِحْقَاق عرفا - وَفِي الْهِدَايَة وَلَو ضمن الْخَلَاص لَا يَصح عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ عبارَة عَن تَخْلِيص الْمَبِيع وتسليمه لَا محَالة وَهُوَ غير قَادر عَلَيْهِ وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَة الدَّرك وَهُوَ تَسْلِيم الْمَبِيع أَو قِيمَته فصح انْتهى. وَاعْلَم أَنه أَرَادَ بِالْقيمَةِ الثّمن لِأَن الْوَاجِب فِي صُورَة الِاسْتِحْقَاق الثّمن لَا الْقيمَة.
стр. 559
وَاعْلَم أَن هَاهُنَا ثَلَاث مسَائِل - ضَمَان الْعهْدَة - وَضَمان الدَّرك - وَضَمان الْخَلَاص - أما ضَمَان الْعهْدَة فَبَاطِل بالِاتِّفَاقِ لما ذكرنَا - وَضَمان الدَّرك فَجَائِز بالِاتِّفَاقِ - وَأما ضَمَان الْخَلَاص فمختلف فِيهِ - وَلَا يخفى على الوكيع أَن الْخلاف لَفْظِي لِأَن الْخَلَاص عِنْده ﵀ عبارَة عَن استخلاص الْمَبِيع عِنْد الِاسْتِحْقَاق فَيَقُول بِبُطْلَانِهِ لِأَن الْكَفِيل لَا يقدر على استخلاصه من الْمُسْتَحق وتسليمه إِلَى المُشْتَرِي وَعِنْدَهُمَا رَحمَه الله تَعَالَى عبارَة عَن الدَّرك فَيجوز أَنه وَقيل إِن الْعهْدَة عِنْدهمَا ضَمَان الدَّرك فَفِيهَا أَيْضا خلاف كَذَلِك فَتَأمل.
(بَاب الْعين مَعَ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة)
الْعِيد: عيدَان عيد الْفطر وَعِيد الضُّحَى. أما عيد الْفطر فَهُوَ الْيَوْم الأول من شَوَّال وَأما عيد الضُّحَى فَهُوَ الْيَوْم الْعَاشِر من ذِي الْحجَّة ثمَّ يستعار لكل يَوْم حصل فِيهِ الْبَهْجَة وَالسُّرُور - وَالْمُسْتَحب يَوْم عيد الْفطر للرِّجَال الِاغْتِسَال والسواك - وَلبس أحسن ثِيَابه - والتختم والتطيب - وَسُرْعَة الابكار وَهُوَ المسارعة إِلَى الْمصلى - والإفطار بالحلو قبل الصَّلَاة - وَأكل التمرات وترا أحب - وَأَدَاء صَدَقَة الْفطر قبل الصَّلَاة - وَالْخُرُوج إِلَى الْمصلى مَاشِيا وَالرُّجُوع فِي طَرِيق آخر.
والأضحى كالفطر فِي هَذِه الْأُمُور إِلَّا أَنه يتْرك الْأكل حَتَّى يُصَلِّي الْعِيد وَهُوَ أحب - وَإِن أكل لَا يكره وَهُوَ الْمُخْتَار - والمستحق أَن يَأْكُل من لُحُوم الْأَضَاحِي الَّتِي هِيَ ضِيَافَة الله تَعَالَى - وَبِنَاء الْمِنْبَر فِي الْجَبانَة لَا يكره على الصَّحِيح، وَخُرُوج النَّاس فِي الْعِيدَيْنِ إِلَى الْمصلى على السكينَة وَالْوَقار مَعَ غض الْبَصَر عَمَّا لَا يَنْبَغِي أَن يبصر، وَيكبر فِي الطَّرِيق جَهرا فِي الْأَضْحَى - وَتجب صَلَاة الْعِيدَيْنِ على كل من تجب عَلَيْهِ صَلَاة الْجُمُعَة وَيشْتَرط لصَلَاة الْعِيدَيْنِ مَا يشْتَرط للْجُمُعَة إِلَّا الْخطْبَة فَإِنَّهَا سنة بعد صَلَاة الْعِيدَيْنِ وَتجوز الصَّلَاة بِدُونِهَا بِخِلَاف صَلَاة الْجُمُعَة، وَالْخطْبَة قبل صَلَاة الْعِيدَيْنِ جَائِز مَعَ الْكَرَاهَة وَلَيْسَ لَهَا أَذَان وَإِقَامَة وَكره التَّنَفُّل فِي الْمصلى وَالْبَيْت قبلهَا لَا قَضَاء صَلَاة الْفجْر والفوائت، وَوقت صَلَاة الْعِيدَيْنِ من حِين تبيض الشَّمْس إِلَى أَن تَزُول - وَالْأَفْضَل تَعْجِيل الْأَضْحَى وَتَأْخِير الْفطر.
وَطَرِيق صَلَاة الْعِيدَيْنِ: وَهِي رَكْعَتَانِ أَن يكبر تَكْبِير التَّحْرِيم ثمَّ يقْرَأ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إِلَى آخِره ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ثمَّ يقْرَأ جَهرا ثمَّ يكبر تَكْبِير الرُّكُوع ثمَّ يرفع رَأسه بالتسميع أَو التَّكْبِير ثمَّ يسْجد سَجْدَتَيْنِ ثمَّ يقوم إِلَى الرَّكْعَة الثَّانِيَة فَيقْرَأ جَهرا ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ثمَّ يكبر للرُّكُوع فَيتم صلَاته فتكبيرات الزَّوَائِد سِتّ ثَلَاث فِي الرَّكْعَة الأولى بعد الاستفتاح وَثَلَاث فِي الثَّانِيَة بعد الْقِرَاءَة وَثَلَاث أصليات تَكْبِير التَّحْرِيم أَي الِافْتِتَاح وتكبيرتان للرُّكُوع،
стр. 560
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا من طَرِيق صَلَاة الْعِيدَيْنِ معنى قَوْلهم ويوالي بَين الْقِرَاءَتَيْن أَي لَا يفصل بَينهمَا بالتكبيرات الزَّوَائِد وَيرْفَع يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِد ويسكت بَين كل تكبيرتين مِقْدَار ثَلَاث تسبيحات وَيُرْسل الْيَدَيْنِ بَين التكبيرتين، ثمَّ يخْطب بعد الصَّلَاة خطبتين وَيجْلس بَينهمَا جلْسَة خَفِيفَة وافتتاح الْخطْبَة الأولى بتسع تَكْبِيرَات وَالثَّانيَِة بِسبع مُسْتَحبّ ويخطب يَوْم الْفطر بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيح والتهليل والتحميد وَالصَّلَاة على النَّبِي الْأُمِّي ﷺ َ - وَيعلم النَّاس صَدَقَة الْفطر وأحكامها وَهِي خَمْسَة على من تجب وَلمن تجب وَمَتى تجب وَكم تجب وَمِمَّا تجب وَقد ذَكرنَاهَا فِي صَدَقَة الْفطر.
وَفِي عيد الْأَضْحَى يكبر الْخَطِيب ويسبح ويعظ النَّاس وَيُعلمهُم أَحْكَام الذّبْح والنحر والقربان وَيعلم تَكْبِيرَات التَّشْرِيق وَإِذا كبر الإِمَام فِي الْخطْبَة يكبر الْقَوْم مَعَه وَإِذا صلى على النَّبِي ﷺ َ - يُصَلِّي النَّاس فِي أنفسهم امتثالا لِلْأَمْرِ - وسنيته الْإِنْصَات، وتؤخر بِعُذْر صَلَاة الْفطر إِلَى الْغَد فَقَط وَصَلَاة الْأَضْحَى إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ الْعذر مِنْهَا لنفي الْكَرَاهَة حَتَّى لَو أخروها إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام من غير عذر جَازَت الصَّلَاة وَقد أساؤوا. وَفِي الْفطر للْجُوَاز حَتَّى لَو أخروها إِلَى الْغَد من غير عذر لَا تجوز هَكَذَا فِي التَّبْيِين، وَإِذا نسي الإِمَام تَكْبِير الْعِيد حَتَّى قَرَأَ فَإِنَّهُ يكبر بعد الْقِرَاءَة أَو فِي الرُّكُوع مَا لم يرفع رَأسه كَذَا فِي التاتارخانية.
وَالسَّمَاء لَا تَخْلُو إِمَّا أَن يكون فِيهَا عِلّة مَانِعَة من رُؤْيَة الْهلَال كالغيم وَالْغُبَار أَو لَا فَإِن كَانَ يقبل خبر عدل وَلَو قِنَا أَو انثى لأجل صَوْم رَمَضَان وَشَهَادَة حُرَّيْنِ أَو حرَّة وحرتين للفطر وَيشْتَرط لفظ الشَّهَادَة كَذَا فِي خزانَة المفتيين وتشترط الْعَدَالَة كَذَا فِي النقاية. وَإِن لم يكن فِي السَّمَاء عِلّة لم تقبل إِلَّا شَهَادَة جمع كثير يَقع الْعلم بخبرهم فِي هِلَال رَمَضَان وَالْفطر، وهلال الْأَضْحَى كهلال الْفطر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَهُوَ الْأَصَح كَذَا فِي الْهِدَايَة، فِي فَتَاوَى عالمكيري إِن كَانَ بالسماء عِلّة فشهادة الْوَاحِد على رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان مَقْبُولَة إِذا كَانَ عدلا مُسلما عَاقِلا بَالغا حرا كَانَ أَو عبدا ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى وَكَذَا شَهَادَة الْوَاحِد على شَهَادَة الْوَاحِد وَشَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف بعد التَّوْبَة فِي ظَاهر الرِّوَايَة كَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان.
وَأما مَسْتُور الْحَال فروى الْحسن عَن أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى أَنه تقبل شَهَادَته وَهُوَ الصَّحِيح كَذَا فِي الْمُحِيط وَبِه أَخذ الحلوائي كَذَا فِي شرح النقاية وَتقبل شَهَادَة عبد على عبد فِي هِلَال رَمَضَان وَكَذَا الْمَرْأَة على الْمَرْأَة وَلَا يشْتَرط فِي هَذِه الشَّهَادَة لفظ الشَّهَادَة وَلَا الدَّعْوَى وَلَا حكم الْحَاكِم حَتَّى أَنه لَو شهد عِنْد الْحَاكِم وَسمع رجل شَهَادَته عِنْد الْحَاكِم وَظَاهره الْعَدَالَة وَجب على السَّامع أَن يَصُوم وَلَا يحْتَاج إِلَى حكم الْحَاكِم وَهل يستفسره فِي رُؤْيَة الْهلَال قَالَ أَبُو بكر الإسكاف إِنَّمَا تقبل إِذا فسر بِأَن قَالَ رَأَيْته خَارج الْمصر فِي الصَّحرَاء أَو فِي البلدتين خلال السَّحَاب وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنه يقبل
стр. 561
بِدُونِ هَذَا كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج وَإِن لم يكن فِي السَّمَاء عِلّة لم تقبل إِلَّا شَهَادَة جمع يُوجب إخباركم الْعلم كَذَا فِي الْمجمع وَهُوَ مفوض إِلَى رَأْي الإِمَام وَهُوَ الصَّحِيح كَذَا فِي الْمُخْتَار شرح الِاخْتِيَار وَسَوَاء فِي ذَلِك رَمَضَان وشوال وَذُو الْحجَّة كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج. وَذكر الطَّحَاوِيّ أَنه تقبل شَهَادَة الْوَاحِد إِذا جَاءَ من خَارج الْمصر وَكَذَا إِذا كَانَ على مَكَان مُرْتَفع. وَفِي الْهِدَايَة وعَلى قَول الطَّحَاوِيّ اعْتمد الإِمَام المرغيناني وَصَاحب الْأَقْضِيَة والفتاوى الصُّغْرَى كَذَا فِي الدِّرَايَة، وَلَو رأى الإِمَام وَحده أَو القَاضِي وَحده هِلَال رَمَضَان فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَين أَن ينصب من شهد عِنْده وَبَين أَن يَأْمر النَّاس بِالصَّوْمِ بِخِلَاف هِلَال الْفطر والأضحى كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج. إِذا رأى الْوَاحِد الْعدْل هِلَال رَمَضَان يلْزمه أَن يشْهد بهَا فِي ليلته حرا كَانَ أَو عبدا ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى حَتَّى الْجَارِيَة المخدرة تخرج وَتشهد بِغَيْر إِذن مَوْلَاهَا وَالْفَاسِق إِذا رَآهُ وَحده يشْهد لِأَن القَاضِي رُبمَا يقبل شَهَادَته لَكِن القَاضِي يردهُ كَذَا فِي الْوَجِيز للكردي انْتهى.
وَاعْلَم أَنه إِذا رَآهُ الْحَاكِم وَحده وَلم يصم فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي للْإِمَام إِذا رَآهُ وَحده أَن يَأْمر النَّاس بِالصَّوْمِ وَلَو شهد فَاسق وَقبلهَا الإِمَام وَأمر النَّاس بِالصَّوْمِ فَأفْطر الشَّاهِد أَو غَيره يلْزمه الْكَفَّارَة وَمن رأى هِلَال شَوَّال فِي تَاسِع وَعشْرين من رَمَضَان لَا يفْطر احْتِيَاطًا فِي الْعِبَادَة وَإِن أفطره قَضَاهُ وَلَا كَفَّارَة وَلَو رأى الإِمَام وَحده أَو القَاضِي وَحده هِلَال شَوَّال لَا يخرج إِلَى الْمصلى وَلَا يَأْمر النَّاس بِالْخرُوجِ وَلَا يفْطر لَا سرا وَلَا جَهرا كَذَا فِي السراج الْوَهَّاج وَسَائِر التفاصيل فِي كتب الْفِقْه، حُكيَ أَن صَبيا من الْعَرَب سَأَلَ يَا أبي مَتى الْعِيد فَأَجَابَهُ أَبوهُ مَتى كَانَ الْعين على الْيَد، وَلَا يخفى لطفه وَإِنَّمَا سمي كل من هذَيْن الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورين عيدا لعوده فِي كل سنة وَللَّه در الشَّاعِر.
(در روز عيد وصلت من هم براي زينت ... )
(بوشيده أم بصد رنكك حَال خراب خودرا ... )
الْعين: لمعان كَثِيرَة، الْجَارِيَة وَجمعه الْعُيُون، وَالْمَوْجُود فِي الْخَارِج وَجمعه الْأَعْيَان، والباصرة وَجمعه الْأَعْين وَغير ذَلِك كَمَا بَين فِي كتب اللُّغَة والأمور الحافظة لقُوَّة الْعين الباصرة والضارة لَهَا فِي الْبَصَر وَاعْلَم أَن الْعين الباصرة مركبة من سبع طَبَقَات وَثَلَاث رطوبات وَهِي الطَّبَقَة الصلبية والمشيمة والشبكية والرطوبة الزجاجية والرطوبة الجليدية والطبقة العنكبوتية والرطوبة البيضية والطبقة العينية والقرنية والمتلحمة وتفصيلها فِي الطِّبّ والتشريح.
العينية: الِاتِّحَاد فِي الذَّات، وَفِي الْفِقْه أَن يَأْتِي الرجل رجلا ليقرضه فَلَا يرغب الْمقْرض وَلَا يقْرض قرضا حسنا طَمَعا فِي الْفضل الَّذِي لَا يَنَالهُ بالقرض فَيَقُول أبيعك
стр. 562
هَذَا الثَّوْب بِاثْنَيْ عشر درهما إِلَى أجل وَقِيمَته عشرَة وَإِنَّمَا سمي عَيْنِيَّة لِأَن الْمقْرض أعرض عَن الْقَرْض إِلَى بيع الْعين.
عين الْيَقِين: مَا أعطَاهُ الْمُشَاهدَة والكشف.
الْعين الثَّابِتَة: هِيَ الْحَقِيقَة الْمَوْجُودَة فِي الحضرة العلمية لَيست بموجودة فِي الْخَارِج بل مَعْدُومَة فِيهِ ثَابِتَة فِي علم الله تَعَالَى كَمَا مر تَحْقِيقه فِي الْأَعْيَان الثَّابِتَة.
الْعَيْب: مَا يُوجب النُّقْصَان فِي الْعِزَّة وَالْحُرْمَة أَو الْقيمَة والمالية عِنْد التُّجَّار وَيُطلق على النُّقْصَان أَيْضا، وَفِي التحفه الْعُيُوب على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا مَا يُوجب فَوَات جُزْء من الْمَبِيع وتغيره من حَيْثُ الظَّاهِر دون الْبَاطِن - وَالثَّانِي مَا يُوجب النُّقْصَان من حَيْثُ الْمَعْنى دون الصُّورَة - أما الأول فكثير نَحْو الْعَمى والعور والصم والشلل والزمانة والأصبع النَّاقِصَة وَالسّن السَّاقِط وَالظفر الْأسود والخدش والكلم والقروح والشجاج والأمراض كلهَا الَّتِي فِي سَائِر الْبدن والحميات وَأما الثَّانِي فنحو السعال الْقَدِيم وارتفاع الْحيض فِي زمَان طَوِيل أدناه شَهْرَان فَصَاعِدا فِي الْجَوَارِي وَمِنْهَا صهوبة الشّعْر والشمط فِي العَبْد والجواري وَالْحَبل فِي الْجَارِيَة لَا فِي الْبَهَائِم وَالنِّكَاح فِي الْجَارِيَة والغلام عيب.
الْعِيَال: من الْعيلَة بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي بِالْفَارِسِيَّةِ (درويش شدن) وعيال الرجل من يسكن مَعَه وَتجب نَفَقَته عَلَيْهِ كغلامه وَامْرَأَته وَولده الصَّغِير.
ف (٧٤)
تمّ الْجُزْء الثَّانِي بِحَمْد الله وعونه
ويليه الْجُزْء الثَّالِث أَوله بَاب الْغَيْن مَعَ الْألف
وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ
стр. 563
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
( [حرف الْغَيْن] )
(بَاب الْغَيْن مَعَ الْألف)
الْغَايَة: اعْلَم أَن مَا يَتَرَتَّب على فعل إِن كَانَ تصَوره باعثا للْفَاعِل على صدوره عَنهُ يُسمى غَرضا وَعلة غائية وَإِلَّا يُسمى فَائِدَة وَمَنْفَعَة وَغَايَة. وَالْمرَاد بِكَوْن تصور الْفِعْل باعثا للْفَاعِل على صدوره مِنْهُ أَنه مُحْتَاج إِلَيْهِ فِي تَحْصِيل كَمَاله وَيكون بِدُونِهِ نَاقِصا بِالذَّاتِ وَمَعَهُ يكون مستكملا لغيره فَيكون تصور الْغَرَض مِمَّا لَا بُد للْفَاعِل مِنْهُ لِئَلَّا يبْقى نَاقِصا وَلذَا قَالُوا إِن أَفعَال الله تَعَالَى لَيست معللة بالأغراض وَإِن كَانَت فِيهَا فَوَائِد وَمَنَافع ومصالح وغايات فَافْهَم واحفظ.
الْغَالِب: وَالْفرق بَين الْغَالِب وَالْكثير أَن مَا لَيْسَ بِكَثِير نَادِر وكل مَا لَيْسَ بغالب لَيْسَ نَادِر بل قد يكون كثيرا وَاعْتبر بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَض والجذام فَإِن الأول غَالب وَالثَّانِي كثير وَالثَّالِث نَادِر.
ف (٧٥) :
(بَاب الْغَيْن مَعَ الْبَاء)
الغباوة: فِي الْعَدَالَة وَفِي الذكاوة أَيْضا.
الْغِبْطَة: بِالْكَسْرِ تمني حُصُول النِّعْمَة لَهُ كَمَا كَانَ حَاصِلا لغيره من غير تمني زَوَالهَا عَنهُ فَهِيَ ضد الْحَسَد وَمِمَّا لَا بَأْس بِهِ بِخِلَاف الْحَسَد.
الْغبن: النُّقْصَان.
الْغبن الْفَاحِش: مَا لَا يدْخل تَحت تَقْوِيم المقومين وَقيل مَا لَا يتَغَابَن النَّاس فِيهِ وَقيل حد الْفَاحِش فِي الْعرُوض نصف عشر الْقيمَة وَفِي الْحَيَوَان عشر الْقيمَة وَفِي الْعقار
стр. 564
خمس الْقيمَة وَقيل لَا يتَحَمَّل الْغبن الْيَسِير أَيْضا وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء هَذَا كُله إِذا كَانَ سعره غير مَعْرُوف بَين النَّاس وَيحْتَاج فِيهِ إِلَى تَقْوِيم المقومين - وَأما إِذا كَانَ مَعْرُوفا كالخبز وَاللَّحم والجوز والموز والجبن لَا يُعْفَى فِيهِ الْغبن وَإِن قل وَلَو كَانَ فلسًا وَاحِدًا.
الْغبن الْيَسِير: مَا يدْخل تَحت تَقْوِيم المقومين كَمَا لَو تقومه عدل عشرَة وَعدل آخر ثَمَانِيَة فِيمَا بَين الْعشْرَة وَالثَّمَانِيَة دَاخل تَحت تَقْوِيم المقومين.
الغب: بِالْكَسْرِ الْعَاقِبَة وَمن الْحمى مَا تَأْخُذ يَوْمًا وَتَدَع يَوْمًا.
ف (٧٦) :
(بَاب الْغَيْن مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)
الْغَدَاء: الْأكل من الْفجْر إِلَى الظّهْر.
الْغدر: الْخِيَانَة وَنقض الْعَهْد.
(بَاب الْغَيْن مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)
الْغرَّة: بِالْفَتْح الخداع يَعْنِي (فريفتن) - وبالضم (اول ماه ودوم وسوم وسبيدي بيشانى اسب كه زياده ازدرم باشد) . فِي الْقَامُوس الْغرَّة بِالضَّمِّ العَبْد وَالْأمة وَمن الشَّهْر لَيْلَة استهلال الْقَمَر - وَمن الْهلَال طلعته - وَمن الْأَسْنَان بياضها وأولها - وَمن الْمَتَاع خِيَاره - وَمن الْقَوْم شريفهم - وَمن الْكَرم مَا يسرعه من الكباسة - وَمن الرجل وَجهه - وكل مَا بدا لَك من ضوء أَو أصبح فقد بَدَت غرته - وَفِي الْكِفَايَة غرَّة المَال خِيَاره كالفرس وَالْبَعِير النجيب وَالْعَبْد وَالْأمة.
وَفِي الْمغرب غرَّة المَال خِيَاره - وَفِي الشَّرْع يُسمى بدل الْجَنِين وَهُوَ عبد أَو أمة قِيمَته نصف عشر الدِّيَة غرَّة لكَونه من خِيَار المَال - وَفِي مَبْسُوط فَخر الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى بدل الْجَنِين غرَّة لِأَن الْوَاجِب عبد وَالْعَبْد غرَّة - وَقيل لِأَنَّهُ أول مِقْدَار ظهر فِي بَاب الدِّيَة - وغرة الشَّيْء أَوله كَمَا يُسمى أول الشَّهْر غرَّة - وَسمي وَجه الْإِنْسَان غرَّة لِأَن أول شَيْء يظْهر مِنْهُ الْوَجْه انْتهى - فِي كنز الدقائق ضرب بطن امْرَأَة فَأَلْقَت جَنِينا مَيتا تجب غرَّة نصف عشر الدِّيَة انْتهى. قَوْله نصف عشر الدِّيَة يجوز أَن يكون بَدَلا من غرَّة - أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هِيَ نصف عشر الدِّيَة.
الْغَرَض: فِي الْغَايَة.
الغرابة: الندرة. وَعند أَصْحَاب الْمعَانِي كَون الْكَلِمَة وحشية أَي غير ظَاهِرَة الْمَعْنى وَلَا مأنوسة الِاسْتِعْمَال.
стр. 565
الْغُرَاب: أَنْوَاع - والحلال مِنْهَا غراب الزَّرْع وَهُوَ مَا لَا يَأْكُل الْجِيَف أصلا وَالتَّفْصِيل فِي كتب الْفِقْه. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الْغُرَاب الْجِسْم الْكل وَهُوَ أول صُورَة قبله الْجَوْهَر الهبائي وَبِه عمر الْخَلَاء وَهُوَ امتداد متوهم فِي غير جسم وَحَيْثُ قبل الْجِسْم الْكل الشكل من الأشكال الاستدارة علم أَن الْخَلَاء مستدير وَلما كَانَ هَذَا الْجِسْم أصل الصُّورَة الجسمية الْغَالِب عَلَيْهَا غسق الْإِمْكَان وسواده وَكَانَ فِي غَايَة الْبعد من عَالم الْقُدس والحضرة الأحدية سمي بالغراب الَّذِي مثل فِي الْبعد والسواد.
الْغَرِيب: الْمُحْتَاج وَالْمُسَافر وَالْأَمر النَّادِر - والغريب عِنْد أَصْحَاب الحَدِيث هُوَ الحَدِيث الَّذِي يكون إِسْنَاده مُتَّصِلا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ - وَلَكِن يرويهِ وَاحِد إِمَّا من التَّابِعين أَو أَتبَاع التَّابِعين .
الغرابية: قوم قَالُوا إِن مُحَمَّدًا بعلي أشبه من الْغُرَاب بالغراب والذباب بالذباب فَبعث الله تَعَالَى جِبْرَائِيل إِلَى عَليّ فغلط جِبْرَائِيل فِي تَبْلِيغ الرسَالَة من عَليّ إِلَى مُحَمَّد فيلعنون صَاحب الريش ويعنون بِهِ جِبْرَائِيل.
الْغرُور: سُكُون النَّفس إِلَى مَا يُوَافق الْهوى أَو يمِيل إِلَيْهِ الطَّبْع. وَفِي تَفْسِير القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى الْغرُور وَهُوَ إِظْهَار النَّفْع فِيمَا فِيهِ الضَّرَر.
(بَاب الْغَيْن مَعَ السِّين الْمُهْملَة)
الْغسْل: هُوَ الإسالة مَعَ التقاطر.
(بَاب الْغَيْن مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)
الغشاوة: وَهُوَ مَا يركب على وَجه مرْآة الْقلب من الصداء ويكل عين البصيرة ويعلو وَجه مرآتها.
(بَاب الْغَيْن مَعَ الصَّاد الْمُهْملَة)
الْغَصْب: فِي اللُّغَة أَخذ الشَّيْء من الْغَيْر على وَجه الْقَهْر وَالظُّلم مَالا كَانَ أَو غَيره يُقَال غصب زَوْجَة فلَان وخمر فلَان. وَفِي الشَّرْع إِزَالَة الْيَد المحقة بِإِثْبَات الْيَد المبطلة فِي مَال مُتَقَوّم مُحْتَرم قَابل للنَّقْل بِغَيْر إِذن مَالِكه عَلَانيَة - وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ أَخذ مَال مُتَقَوّم مُحْتَرم بِلَا إِذن مَالِكه بِلَا خُفْيَة. فالغصب لَا يتَحَقَّق فِي الْميتَة لِأَنَّهَا لَيست
следующие страницы →