Полный текст (1 034 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
قسموا قَوس الرّبع الْمُجيب على تسعين لِأَن خطّ معدل النَّهَار مقسوم على ثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ دَرَجَة فربعها تسعون.
قَوس قزَح: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة تركيب إضافي فكتابتها قَوس وقزح بِالْوَاو غلط. وَفِي بعض الْحَوَاشِي أَنه مركب كبعلبك. وَفِي كنز اللُّغَة قزَح اسْم جبل وَاسم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة فَمَعْنَى قَوس قزَح قَوس يحدث من وَرَاء ذَلِك الْجَبَل أَو قَوس إِبْلِيس وَسبب حدوثها مَذْكُور فِي كتب الْحِكْمَة. ثمَّ اعْلَم أَن الْحُكَمَاء اخْتلفُوا فِي قَوس قزَح وأمثالها كالهالة هَل هِيَ خيالات أم لَا - فَذهب المشاؤون إِلَى أَنَّهَا خيالات وَالْآخرُونَ إِلَى أَنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْخَارِج وَمعنى الخيال هَا هُنَا هُوَ أَن ترى صُورَة الشَّيْء مَعَ صُورَة شَيْء مظهر لَهُ كالمرآة فتظن أَن الصُّورَة حَاصِلَة فِيهِ فِي نفس الْأَمر قيل إِذا لم تكن الصُّورَة حَاصِلَة فِيهِ فَكيف يتَصَوَّر رويتها فِيهِ إِذْ الروية لَا تتَعَلَّق إِلَّا بالحاصل.
وَأجِيب بِأَن الصُّورَة وَإِن لم تكن فِي الْمظهر لَكِن الأشعة الْخَارِجَة عَن الْبَصَر تنعكس مِنْهُ وَلما كَانَت الروية بطرِيق الاسْتقَامَة لَا بطرِيق الانعكاس تظن أَن الصُّورَة حَاصِلَة فِيهِ.
وَاعْلَم أَن مَا ذكره الْفَاضِل الْحسن الميبذي رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح هِدَايَة الْحِكْمَة فِي بَيَان سَبَب حدوثها ثمَّ اعْترض عَلَيْهِ وَأجَاب عَنهُ مَوْقُوف على بَيَان عدَّة اصْطِلَاحَات وَبَعض مُقَدمَات. فَاعْلَم أَن دَائِرَة الْأُفق مَذْكُورَة فِي محلهَا وَأَن فِي الْأَجْزَاء الرشية بل فِي كل صَغِير جدا لَا يرى شكل الشَّمْس وَغَيرهَا بل ضوءها ولونها لِأَن الْجِسْم لَا يرى مُشكلا إِلَّا وَهُوَ بِحَيْثُ يقسمهُ الْحس فَكيف يرى شكلا مَا لَا يَنْقَسِم فِي الْحس وَلعدم إحاطة قَاعِدَة الشعاع المخروطي مِنْهُ سطحه فَإِن الْمرْآة إِذا صغرت جدا بِحَيْثُ لَا يُحِيط قَاعِدَة الشعاع المخروطي المنعكس مِنْهَا بسطح المرئي بل يبْقى من السَّطْح شَيْء من خَارج عَنْهَا فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تُؤدِّي شكل المرئي بل ضوءه ولونه فَقَط وَأَن معنى وُقُوع تِلْكَ الْأَجْزَاء على هَيْئَة الاستدارة كَونهَا بِحَيْثُ لَو أخرج من الشَّمْس خطّ مُسْتَقِيم إِلَى أحد من تِلْكَ الْأَجْزَاء وأدير على قطر الْأُفق الْمَار بدائرة ارْتِفَاع الشَّمْس مرت الدائرة المرتسمة من طرفه الْكَائِن عِنْد الْجُزْء الْمَذْكُور على جَمِيع تِلْكَ الْأَجْزَاء وكل من الْقطر ودائرة ارْتِفَاع الشَّمْس مَذْكُور فِي مَحَله وَأَنه إِذا وضع الضَّوْء من المضيء على جسم صقيل كَالْمَاءِ والمرآة لَا ينعكس ضوءه إِلَى كل جسم بل إِلَى الْجِسْم الَّذِي وَضعه من الصَّقِيل كوضع المضيء من الصَّقِيل كَمَا يرى انعكاس الضَّوْء من الشعاع النَّافِذ فِي الكوة الْوَاقِعَة على صقيل المَاء إِلَى الْجِدَار الْمُقَابل للكوة وَأَن زَاوِيَة الشعاع مَا يحدث على سطح المرئي من الْخط الشعاعي الْخَارِج من الْبَصَر الْوَاصِل على نقطة من سطحه.
стр. 632
وزاوية الانعكاس مَا يحدث من الْخط الانعكاسي الْخَارِج من تِلْكَ النقطة إِلَى الشَّمْس مثله هَكَذَا.
والزاوية الْوَاقِعَة على سطح الصَّقِيل بَين خطي الشعاع والانعكاس تسمى بالزاوية الأولى وَلَا بُد فِي انعكاس الضَّوْء من الشعاع النَّافِذ فِي الكوة مثلا الْوَاقِعَة صقيل المَاء إِلَى الْجِدَار الْمُقَابل للكوة من تَسَاوِي زاويتي الشعاع والانعكاس الحادثتين عَن جنبتي الزاوية الأولى على مَا يشْهد بِهِ الْحس فَإِذا لم تَجْتَمِع تِلْكَ الْأَجْزَاء الرشية على هَيْئَة الاستدارة لم ينعكس شُعَاع الْبَصَر مِنْهَا إِلَى الشَّمْس لعدم الْمُسَاوَاة الْمَذْكُورَة فَلَا يرى فِي الجو شَيْء غير مستدير على ألوان قَوس قزَح.
وَاعْلَم أَن كَيْفيَّة صيرورة الشَّيْء مرئيا فِي الْمرْآة أَنه يخرج من الحدقة شُعَاع ممتد إِلَى الْمرْآة يُقَال لَهُ شُعَاع مخروطي بَصرِي وَيُقَال لطرفه الَّذِي فِي الحدقة رَأسه وَالَّذِي فِي الْمرْآة قَاعِدَته ثمَّ ينعكس هَذَا الشعاع من الْمرْآة إِلَى المرئي وَيُقَال لَهُ الْخط الشعاعي المخروطي المنعكس وطرفه الَّذِي فِي الْمرْآة رَأسه وَالَّذِي فِي المرئي قَاعِدَته فَيرى الرَّائِي صور الْأَشْيَاء فِي المرايا بِهَذَا الْوَجْه.
القوامع: كل مَا يقمع الْإِنْسَان عَن مقتضيات الطَّبْع وَالنَّفس والهوى ويردعه عَنْهَا وَهِي الإمدادات الاسمائية والتأييدات الإلهية لأهل الْعِنَايَة فِي السّير إِلَى الله تَعَالَى.
القَوْل: مَشْهُور وَقد يسْتَعْمل بِمَعْنى الْحمل إِذا عدي بعلى مثل الْقيام مقول على زيد أَي مَحْمُول عَلَيْهِ. وَفِي الِاصْطِلَاح الْمركب لفظا أَو معنى فَهُوَ إِمَّا لفظ مركب كَمَا فِي الْقَضِيَّة الملفوظة أَو معنى مركب عَقْلِي كَمَا فِي الْقَضِيَّة المعقولة وَهُوَ بِالْمَعْنَى الاصطلاحي اسْم جامد لَا يشتق مِنْهُ المشتقات وَلَا يتَعَلَّق بِهِ شَيْء من الظّرْف وَالْجَار وَالْمَجْرُور فَهُوَ لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد. فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي الْقيَاس.
القَوْل بِمُوجب الْعلَّة من أَرْبَعَة وُجُوه دفع الْعِلَل الطردية عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَهُوَ
стр. 633
الْتِزَام مَا يلْزمه الْمُعَلل مَعَ بَقَاء الْخلاف أَي تَسْلِيم الدَّافِع دَلِيل الْمُعَلل وَحكم دَلِيله بِحَيْثُ لَا يرْتَفع الْخلاف من الْبَين بل يكون بَاقِيا على حَاله كَقَوْل الشَّافِعِيَّة فِي صَوْم رَمَضَان أَنه صَوْم فرض فَلَا يتَأَدَّى إِلَّا بِتَعْيِين النِّيَّة بِأَن يَقُول بِصَوْم غَد نَوَيْت لفرض رَمَضَان. فأوردوا الْعلَّة الطردية وَهِي الْفَرْضِيَّة للتعيين إِذْ أَيْنَمَا تُوجد الْفَرْضِيَّة يُوجد التَّعْيِين كَصَوْم الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة والصلوات الْخمس وَنحن ندفعه بِمُوجب علته. فَنَقُول سلمنَا أَن التَّعْيِين ضَرُورِيّ للْفَرض وَلَكِن التَّعْيِين نَوْعَانِ: تعْيين من جَانب العَبْد قصدا وَتَعْيِين من جَانب الشَّارِع وَإِنَّمَا جوزناه بِمُطلق النِّيَّة لِأَن هَذَا الْإِطْلَاق فِي حكم التَّعْيِين من جَانب الشَّارِع فَإِنَّهُ قَالَ إِذا انْسَلَخَ شعْبَان فَلَا صَوْم إِلَّا عَن رَمَضَان. فَإِن قَالَ الْخصم إِن التَّعْيِين القصدي هُوَ الْمُعْتَبر عندنَا كَمَا فِي الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة دون التَّعْيِين مُطلقًا. فَنَقُول لَا نسلم أَن التَّعْيِين القصدي مُعْتَبر وَلَا نسلم أَن عِلّة التَّعْيِين القصدي فِي الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة هُوَ مُجَرّد الْفَرْضِيَّة بل كَون وقته صَالحا لأنواع الصّيام بِخِلَاف رَمَضَان فَإِنَّهُ مُتَعَيّن كالمتوحد فِي الْمَكَان يتَعَيَّن بِالْخِطَابِ وَالْجَوَاب فَإِنَّهُ إِذا كَانَ فِي الدَّار زيد وَحده فَقَالَ آخر يَا إِنْسَان فَالْمُرَاد زيد لَا محَالة.
القَوْل بِالْمُوجبِ: من المحسنات المعنوية البديعية أَي القَوْل بِثُبُوت عِلّة الحكم من غير التَّعَرُّض لَهُ لَا نفيا وَلَا إِثْبَاتًا وَهُوَ على نَوْعَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن تقع صفة فِي كَلَام الْغَيْر كِنَايَة عَن شَيْء أثبت لذَلِك الشَّيْء حكم فَتثبت أَنْت فِي كلامك تِلْكَ الصّفة لغير ذَلِك الشَّيْء من غير تعرض لثُبُوت ذَلِك الحكم لذَلِك الْغَيْر أَو نَفْيه مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وَللَّه الْعِزَّة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ﴾ . فَإِن الْأَعَز صفة وَقعت فِي كَلَام الْمُنَافِقين كِنَايَة عَن فريقهم وَكَذَا الْأَذَل صفة وَقعت فِي كَلَامهم عبارَة عَن الْمُؤمنِينَ وأثبتوا لفريقهم حكما وَهُوَ إِخْرَاج الْمُؤمنِينَ عَن الْمَدِينَة فَجعلُوا صفة الْعِزَّة عِلّة لحكم هُوَ الْإِخْرَاج فَالله تَعَالَى رد عَلَيْهِم بِأَن أثبت صفة الْعِزَّة لغير فريقهم وَهُوَ الله وَرَسُوله والمؤمنون وَلم يتَعَرَّض لثُبُوت ذَلِك الحكم أَعنِي الْإِخْرَاج للموصوفين بِالْعِزَّةِ وَلَا لنفيه عَنْهُم فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ردا عَلَيْهِم إِن الْعِزَّة الَّتِي هِيَ عِلّة الْإِخْرَاج عنْدكُمْ ثَابِتَة لغيركم فَتكون الذلة ثَابِتَة لكم فالمخرج بِالْكَسْرِ وبالفتح وَاضح عنْدكُمْ.
وَثَانِيهمَا: حمل لفظ وَقع فِي كَلَام الْغَيْر على خلاف مُرَاده الَّذِي يحْتَملهُ ذَلِك اللَّفْظ وَلَا يحمل على خلاف مُرَاده إِلَّا بعد ذكر مُتَعَلق ذَلِك اللَّفْظ كَقَوْلِه:
(ثقلت إِذا أتيت مرَارًا قَالَ ... ثقلت كاهلي بالأيادي)
стр. 634
فَلفظ ثقلت وَقع فِي كَلَام الْغَيْر بِمَعْنى حَملتك المونة وثقلتك بالإتيان مرّة بعد أُخْرَى وَقد حمله على تثقيل عَاتِقه بالأيادي والمنن وَالنعَم فَتَأمل.
القواد: مُبَالغَة الْقَائِد وَهُوَ الَّذِي يجر النِّسَاء إِلَى الرِّجَال وَالرِّجَال إِلَى النِّسَاء.
القَوْل الشَّارِح: هُوَ الْمَعْلُوم التصوري الْموصل إِلَى مَجْهُول تصوري وَيُسمى مُعَرفا بِالْكَسْرِ أَيْضا كَمَا أَن الْحجَّة هِيَ الْمَعْلُوم التصديقي الْموصل إِلَى مَجْهُول تصديقي وَيُسمى دَلِيلا أَيْضا وَوجه التَّسْمِيَة على الطَّالِب المفكر موجه.
الْقود: الْقصاص.
(بَاب الْقَاف مَعَ الْهَاء)
القهقهة: مَا يكون مسموعا لَهُ ولجيرانه كَمَا مر فِي التبسم والضحك وقهقهة مصل بَالغ عمدا أَو نَاسِيا فِي صَلَاة ذَات رُكُوع وَسُجُود ناقضة للْوُضُوء على خلاف الْقيَاس لِأَنَّهَا لَيست بِنَجس حَتَّى يكون خُرُوجهَا ناقضا وَلِهَذَا لَا تكون حَدثا فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَسجْدَة التِّلَاوَة وخارج الصَّلَاة وَلِهَذَا لَا يَقُول الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى بنقضها وَلنَا قَوْله ﵊: " أَلا من ضحك مِنْكُم قهقهة فليعد الْوضُوء وَالصَّلَاة جَمِيعًا " وَهَذَا الحَدِيث ورد فِي صَلَاة ذَات رُكُوع وَسُجُود فَيقْتَصر عَلَيْهَا وَلَا يُقَاس غَيرهَا عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا بُد فِي الْقيَاس من مساعدة الْعقل وَالْقِيَاس وَفِي مثل هَذَا يقْتَصر على المورد.
وَاعْلَم أَنه إِذا اغْتسل للجنابة ثمَّ شرع فِي الصَّلَاة ثمَّ ضحك قهقهة لَا ينْتَقض الْوضُوء على الْمُخْتَار وَلَكِن يفْسد الصَّلَاة لِأَنَّهُ أثبت الْوضُوء ضمنا لَا قصدا هَكَذَا فِي فَتَاوَى قاضيخان وَالْمُحِيط وَشرح مُخْتَصر الْوِقَايَة لأبي المكارم وَفِي الْمُضْمرَات أَنَّهَا تبطل على قَول.
(بَاب الْقَاف مَعَ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة)
القيراط: خمس شعيرات كَذَا فِي التَّبْيِين وَفِيه اخْتِلَاف سَيَجِيءُ فِي المثقال إِن شَاءَ الله المتعال.
الْقَيْد تَحت النَّفْي: للتعميم والإدخال وَتَحْت الْإِثْبَات للتخصيص والإخراج اعْلَم أَن السِّرّ فِيهِ أَن النَّفْي إِذا كَانَ مُتَوَجها إِلَى الْمُقَيد يكون الْمُقَيد منفيا وَنفي الْمُقَيد يتَصَوَّر على وَجْهَيْن بِانْتِفَاء الْقَيْد والمقيد مَعًا وبانتفاء الْقَيْد دون الْمُقَيد بِخِلَاف الْقَيْد فِي الْإِثْبَات فَإِنَّهُ لَا احْتِمَال لَهُ سوى تَخْصِيص الْعَام وَتَقْيِيد الْمُطلق وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد
стр. 635
الشريف الشريف قدس سره فِي شرح المواقف فِي تَعْرِيف الضدين فِي الْمَقْصد التَّاسِع من المرصد الرَّابِع من الْأُمُور الْعَامَّة وَهُوَ قيد للمنفي فحقه أَن يُفِيد تَعْمِيم الْحَد وَإِدْخَال شَيْء فِيهِ لَا تَخْصِيصه وَإِخْرَاج شَيْء عَنهُ انْتهى. وَأَنت تعلم أَنه يفهم من هَا هُنَا أَن الْقَيْد تَحت النَّفْي لَا يُوجب التَّعْمِيم والإدخال لِأَنَّهُ قد يكون لنفي الْقَيْد فَقَط وَلذَا قَالَ أهل الْبَيَان إِن كل كَلَام فِيهِ قيد يكون الْمَقْصُود بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات ذَلِك الْقَيْد وَلَعَلَّ الأول فِي الْمقَام البرهاني وَالثَّانِي فِي الْمقَام الْخطابِيّ. وَإِنَّمَا قُلْنَا يفهم من هُنَا إِلَى آخِره لِأَنَّهُ قدس سره قَالَ فحقه وَلم يقل فَالْوَاجِب أَن يُقيد الخ فَيُفِيد تَعْمِيم الْحَد الخ.
وَقَالَ قدس سره فِي حَوَاشِيه على المطول فِي الْحَقِيقَة الْعَقْلِيَّة وَاعْلَم أَن القَوْل بِكَوْن الْقُيُود فِي الْإِثْبَات مخصصة إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَ الْقَيْد أخص مِمَّا قيد بِهِ كَمَا هُوَ الظَّاهِر من الْقُيُود فِي سَائِر الْحُدُود مثل الْحَيَوَان النَّاطِق وَلَفظ وضع لِمَعْنى مُفْرد. وَأما إِذا كَانَ الْقَيْد أَعم كالإنسان الْمَاشِي أَو مُسَاوِيا كالحيوان الْمَاشِي كَانَ الْمُقَيد مُسَاوِيا للمطلق فِي الصدْق قطعا أما الأول فَظَاهر وَأما الثَّانِي فَلِأَن المُرَاد بالماشي فِي الْإِنْسَان الْمَاشِي هُوَ الْإِنْسَان الْمَاشِي لَا الْمَاشِي مُطلقًا فَلَا خَفَاء فِي كَون الْمُقَيد مُسَاوِيا للمطلق فِي الصدْق فِي الصُّورَتَيْنِ إِلَّا أَن التَّخْصِيص بِحَسب الْمَفْهُوم لَازم للتَّقْيِيد مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ الْقَيْد أَعم من الْمُقَيد أَو أخص فَإِن صُورَة التَّقْيِيد تفِيد التَّخْصِيص بِحَسب الْمَفْهُوم وَإِن كَانَ بَين الْقَيْد والمقيد مُسَاوَاة فِي الصدْق. أَلا ترى أَن بَين الْحَيَوَان قبل تَقْيِيده بالماشي وَبعد تَقْيِيده بِهِ فرقا ظَاهرا بِحَسب الْفَهم والملاحظة.
وَقَالَ الْفَاضِل المدقق ملا مرزاجان رَحمَه الله تَعَالَى فَإِن قلت: هَذَا اللُّزُوم غير مُسلم لِأَن الْإِنْسَان إِذا قيد بِالْحَيَوَانِ لم يكن الْمُقَيد أخص من الْقَيْد لَا بِحَسب الْوَاقِع وَلَا بِحَسب الْمَفْهُوم أما الأول فَظَاهر وَأما الثَّانِي فَلِأَن الْعقل لم يجوز تحقق الْكل بِدُونِ الْجُزْء فِي بَادِي النّظر أَيْضا قلت: هَا هُنَا لَا تَقْيِيد حَقِيقَة إِذْ مَعْنَاهُ قريب من التَّخْصِيص أَو نقُول الْإِنْسَان الْمُقَيد بِالْحَيَوَانِ اعْتبر فِيهِ الْحَيَوَان مرّة وَاحِدَة وَالْعقل يجوز تحقق مَا اعْتبر فِيهِ الْحَيَوَان مرّة بِدُونِ مَا اعْتبر فِيهِ الْحَيَوَان مرَّتَيْنِ فَيكون الْمُطلق أَعم مفهوما من الْمُقَيد وَقس عَلَيْهِ نَظَائِره انْتهى.
ثمَّ اعْلَم أَنه قد تكون الْقُيُود الْوَاقِعَة تَحت النَّفْي مفيدة لدُخُول مَا كَانَ خَارِجا عَن الْحَد بِدُونِهَا فَمن هُنَا يعْتَرض بِأَن زِيَادَة الْقُيُود على مَا فِي حيّز النَّفْي يُوجب تعميما وتناولا لما كَانَ خَارِجا بِدُونِ الْقَيْد لِأَن نفي الْأَخَص أَعم من نفي الْأَعَمّ.
وَأما الْقُيُود فِي الْإِثْبَات فَيجب أَن تكون مخصصة فَكيف يتَصَوَّر أَن تكون الْقُيُود الْوَاقِعَة تَحت النَّفْي مُوجبَة لِأَن يدْخل فِي الْحَد مَا كَانَ خَارِجا عَنهُ بِدُونِهَا. فيجاب بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ تَقْيِيد فِي الْحَقِيقَة بل تَغْيِير للعبارة السَّابِقَة عَن مَعْنَاهَا الْمُتَبَادر مِنْهَا إِلَى معنى آخر وَإِن كَانَت تتراءى قيود هُنَاكَ. فَإِن أردْت وضوح هَذَا الْمقَال فَعَلَيْك بمطالعة حَاشِيَة
стр. 636
السَّنَد السَّنَد قدس سره هُنَاكَ المعنونة بقوله هَذَا ليدْخل فِيهِ مَا يُطَابق الِاعْتِقَاد دون الْوَاقِع. وَقَالَ الشَّيْخ بهاء الدّين العاملي صرح كثير من محققي أَئِمَّة الْمعَانِي أَن النَّفْي إِنَّمَا يتَوَجَّه إِلَى الْقَيْد إِذا صَحَّ كَون الْقَيْد قيدا فِي الْإِثْبَات أما إِذا لم يَصح فَلَا فَإِذا قلت زيد لَا يحب المَال محبته للفقر مثلا لم يكن النَّفْي مُتَوَجها إِلَى الْقَيْد كَمَا لَا يخفى - وعَلى هَذَا فَلَا احْتِيَاج إِلَى تَأْوِيل قَول من قَالَ لم أبلغ فِي اخْتِصَار لَفظه تَقْرِيبًا لتعاطيه بترك الْمُبَالغَة كَمَا وَقع فِي المطول وَغَيره تَأمل.
الْقيَاس: فِي اللُّغَة التَّقْدِير يُقَال قست الأَرْض بالقصبة إِذا قدرتها بهَا والمساواة يُقَال قَاس النَّعْل بالنعل إِذا حاذاه فساواه. وتعديته بعلى بتضمين معنى الْبناء فَإِن انْتِقَال الصِّلَة للتضمين.
وَعند المنطقين الْقيَاس قَول مؤلف من قضايا إِذا سلم يلْزم لذاته قَول آخر. اعْلَم أَن المُرَاد بالْقَوْل الأول الْمركب ملفوظا أَو معقولا وَالْقَوْل الثَّانِي مُخْتَصّ بالمعقول إِذْ لَا يجب تلفظ الْمَدْلُول من تلفظ الدَّلِيل وَلَا من تعقله والمؤلف لكَونه من الألفة أَعم من الْمركب بِعَدَمِ اعْتِبَار الألفة والمناسبة بَين أَجْزَائِهِ فَفِي ذكر الْمُؤلف بعد القَوْل إِشَارَة إِلَى أَن التَّأْلِيف مُعْتَبر فِي الْقيَاس دون التَّرْكِيب مُطلقًا وَإِن كَانَ جِنْسا لَهُ على أَنه لَو قيل الْقيَاس قَول من قضايا لما تعلق من قضايا بالْقَوْل لِأَنَّهُ بِالْمَعْنَى الاصطلاحي اسْم جامد كَمَا مر فِي القَوْل فَلَا بُد من ذكر الْمُؤلف بعده ليَصِح التَّعَلُّق وَأَيْضًا لَو لم يذكر لتوهم أَن كلمة من للتَّبْعِيض فَلَا يكون تَعْرِيف الْقيَاس مَانِعا لصدقه على قَضِيَّة مستلزمة لعكسها المستوي وَعكس النقيض فَإِن قلت: إِن القَوْل لما كَانَ أَعم فَيكون تَعْرِيف الْقيَاس شَامِلًا للملفوظ والمعقول فالاستلزام مَمْنُوع فَإِن تلفظ الدَّلِيل لَا يسْتَلْزم بالمدلول أَي الْمَطْلُوب قُلْنَا إِذا أُرِيد بالْقَوْل الملفوظ فَالْمُرَاد بالاستلزام الاستلزام عِنْد الْعَالم بِالْوَضْعِ. فَمَعْنَى التَّعْرِيف الْمَذْكُور أَنه كلما تلفظ بِهِ الْعَالم بِالْوَضْعِ لزمَه الْعلم بمطلوب جزئي فالاستلزام لَيْسَ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى بعض الْأَشْخَاص وَهُوَ لَا يضرنا إِذْ لَا ندعي الْكُلية.
وَاعْلَم أَن الْقيَاس لَا يتألف إِلَّا من مقدمتين إِمَّا الْمُقدمَات فقياسات محصلة لقياس ينْتج الْمَطْلُوب - فَإِن صرح بنتائجها فموصولة النتائج وَإِلَّا فمفصولة النتائج. وَالْقِيَاس عِنْد الْأُصُولِيِّينَ مُسَاوَاة فرع الأَصْل فِي عِلّة حكمه. وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ إِثْبَات مثل حكم مَعْلُوم فِي مَعْلُوم آخر لاشْتِرَاكهمَا فِي عِلّة الحكم عِنْد الْمُثبت وَهَذِه الْمُسَاوَاة أَو الْإِثْبَات الْمَذْكُور يُسمى عِنْد المنطقيين بالتمثيل الْمُعَرّف عِنْدهم بِأَنَّهُ مُشَاركَة جزئي لآخر فِي عِلّة الحكم لإِثْبَات حكم كلي. وَفِي التَّحْقِيق شرح الحسامي والمعول عَلَيْهِ أَي الْمُعْتَمد عَلَيْهِ فِي تَحْدِيد الْقيَاس مَا نقل عَن الشَّيْخ أبي مَنْصُور أَنه إبانة مثل حكم أحد الْمَذْكُورين بِمثل علته فِي الآخر. وَاخْتَارَ لفظ الْإِبَانَة أَي الْإِظْهَار دون الْإِثْبَات لِأَن الْقيَاس مظهر لَا مُثبت فَإِن الْمُثبت هُوَ الله تَعَالَى. وَذكر مثل الحكم وَمثل الْعلَّة احْتِرَازًا عَن لُزُوم القَوْل
стр. 637
بانتقال الْأَوْصَاف فَإِنَّهُ لَو لم يذكر لفظ الْمثل للَزِمَ ذَلِك. وَذكر لفظ الْمَذْكُورين ليشْمل الْقيَاس بَين الْمَوْجُودين والمعدومين كقياس عديم الْعقل بِسَبَب الْجُنُون على عديم الْعقل بِسَبَب الصغر فِي سُقُوط خطاب الْإِدْرَاك عِنْده بِالْعَجزِ عَن فهم الْخطاب وَأَدَاء الْوَاجِب - وَحكم الْقيَاس تَعديَة حكم النَّص إِلَى مَا لَا نَص فِيهِ ليثبت مثل حكمه فِيمَا لَا نَص فِيهِ بغالب الرَّأْي على احْتِمَال الخطاء وَلِهَذَا قَالُوا إِن الْقيَاس لَا يُفِيد الْقطع وَالْيَقِين.
وَاعْلَم أَن الْقيَاس وَالتَّعْلِيل مُتَرَادِفَانِ عندنَا فَالْحكم بِأَن التَّعْدِيَة حكم لَازم للْقِيَاس حكم بِأَنَّهَا لَازِمَة للتَّعْلِيل وَبِالْعَكْسِ عندنَا لِأَنَّهُ لَا يجوز التَّعْلِيل بِدُونِ التَّعْدِيَة عندنَا وَعند الشَّافِعِي يجوز التَّعْلِيل بِدُونِهَا فَإِن التَّعْلِيل بِالْعِلَّةِ القاصرة جَائِز عِنْده لَا عندنَا وَالتَّفْصِيل أَن الحكم فِي النَّص إِمَّا مَنْصُوص الْعلَّة أَو لَا وعَلى الأول لَا حَاجَة إِلَى التَّعْلِيل وعَلى الثَّانِي يُعلل لَكِن عندنَا لغَرَض إِثْبَات ذَلِك الحكم وتعديته إِلَى مَا لَا نَص فِيهِ لَا لإِثْبَات ذَلِك الحكم لِأَن النَّص مُثبت لَهُ فَلَا حَاجَة إِلَى إثْبَاته إِلَى أَمر آخر وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى يجوز التَّعْلِيل لإِثْبَات الحكم نَفسه لَا للتعدية وَفَائِدَته أَن يصير الحكم أقرب إِلَى الْقبُول فالتعليل عِنْده قد يكون للتعدية كالقياس وَقد لَا يكون فالتعليل عِنْده عَام وَالْقِيَاس خَاص عَنهُ وَنَوع مِنْهُ فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي الْأُصُول الحسامي.
الْقيَاس الاقتراني: مَا لَا يكون عين النتيجة وَلَا نقيضها مَذْكُورا فِيهِ بِالْفِعْلِ مثل الْعَالم متغير وكل متغير حَادث فالعالم حَادث. ثمَّ هُوَ على نَوْعَيْنِ: حملي وشرطي لِأَن مقدمتيه إِن كَانَتَا حمليتين مثل الْمِثَال الْمَذْكُور فاقتراني حملي - وَإِلَّا فاقتراني شرطي مثل إِن كَانَت الشَّمْس طالعة فالنهار مَوْجُود وَكلما كَانَ النَّهَار مَوْجُودا كَانَت الأَرْض مضيئة ينْتج كلما كَانَت الشَّمْس طالعة كَانَت الأَرْض مضيئة - وَالتَّفْصِيل أَن الْقيَاس بِحَسب الصُّورَة استثنائي إِن ذكر فِيهِ النتيجة أَو نقضيها. وَإِلَّا فاقتراني لعدم فصل مقدماته بأداة الِاسْتِثْنَاء بِخِلَاف الاستثنائي ثمَّ الاقتراني حملي إِن تألف من الحمليات الصرفة وَإِلَّا فشرطي وبحسب الْمَادَّة إِن أَفَادَ تخيلا فشعري. أَو تَصْدِيقًا ظنيا فخطابي. أَو يَقِينا فبرهاني أَو مَبْنِيا على اعْتِرَاف النَّاس أَو الْخصم فجدلي وَإِلَّا فسفسطي ومغالطة.
الْقيَاس الاستثنائي: مَا يكون عين النتيجة أَو نقيضها مَذْكُورا فِيهِ بِالْفِعْلِ مثل إِن كَانَ هَذَا إنْسَانا كَانَ حَيَوَانا لكنه إِنْسَان ينْتج أَنه حَيَوَان أَو لكنه لَيْسَ بحيوان ينْتج أَنه لَيْسَ بِإِنْسَان. فَإِن قيل كلما كَانَ هَذَا إنْسَانا فَهُوَ ضَاحِك بِالْفِعْلِ لكنه لَيْسَ بضاحك بِالْفِعْلِ لَا يصدق فَلَيْسَ بِإِنْسَان قُلْنَا: إِن نقيض الْمُطلقَة الْعَامَّة الدائمة.
قِيَاس الْمُسَاوَاة: كل قِيَاس يتركب من قضيتين بِحَيْثُ يكون مُتَعَلق مَحْمُول أولاهما مَوْضُوع الْأُخْرَى كَقَوْلِنَا: (أ) مسَاوٍ (لب) و (ب) مسَاوٍ (لج) وَيلْزم من هذَيْن الْقَوْلَيْنِ أَن (أ) مسَاوٍ (لج) لَكِن لَا لذاتيهما بل بِوَاسِطَة مُقَدّمَة أَجْنَبِيَّة وَهِي أَن كل مساوي الْمسَاوِي للشَّيْء مَا وَلذَلِك الشَّيْء وَحَيْثُ لَا تصدق الْمُقدمَة الْأَجْنَبِيَّة لَا يتَحَقَّق الاستلزام
стр. 638
كَمَا فِي قَوْلك (أ) نصف (لب) و (ب) نصف (لج) فَلَا يصدق (أ) نصف (لج) لِأَن نصف النّصْف لَيْسَ بِنصفِهِ بل ربعه. وَلِهَذَا قِيَاس الْمُسَاوَاة خَارج عَن الْقيَاس الْمُعَرّف عِنْد المنطقيين بقول مؤلف من قضايا يلْزم لذاته قَول آخر.
قِيَاس الْخلف: فِي الْخلف.
الْقيَاس الْمركب: قِيَاس مركب من مُقَدمَات ينْتج مقدمتان مِنْهَا نتيجة وَهِي مَعَ الْمُقدمَة الْأُخْرَى نتيجة أُخْرَى وهلم جرا إِلَى أَن يحصل الْمَطْلُوب وَهُوَ على قسمَيْنِ لِأَنَّهُ إِن صرح بنتائج تِلْكَ القياسات فموصول النتائج لوصل تِلْكَ النتائج بالمقدمات وَإِن لم يُصَرح بِتِلْكَ النتائج بل فصلت عَن الْمُقدمَات وَتركت فِي الذّكر فمفصول النتائج والأمثلة فِي كتب الْمنطق.
قِيَاس الطَّرْد: أَن يَجْعَل عكس الْمَقِيس عَلَيْهِ مقدم الشّرطِيَّة والمقيس تاليا للملازمة وَالْقِيَاس بَيَانا لَهَا مِمَّا يُقَال لَو كَانَ التَّذَكُّر يُولد لَكَانَ النظير يُولد بَيَانه أَن النّظر كالتذكر.
قِيَاس الْعَكْس: مَا يثبت فِيهِ فِي الْفَرْع بنقيض حكم الأَصْل بنقيض علته كَقَوْل الأشعرية فِي خلق الْأَعْمَال لَو كَانَ العَبْد قَادِرًا على الإيجاد لَكَانَ قَادِرًا على الْإِعَادَة كالباري تَعَالَى وَلما لم يكن قَادِرًا على الْإِعَادَة اتِّفَاقًا لم يكن قَادِرًا على الإيجاد أَيْضا. وَإِن أردْت تَفْصِيل هذَيْن القياسين فَارْجِع إِلَى الْمَقْصد الْخَامِس من المرصد السَّادِس من الْموقف من شرح المواقف.
القياسي: مَا يُمكن أَن يذكر فِيهِ ضابطة عِنْد وجود تِلْكَ الضابطة يُوجد هُوَ.
الْقيمَة: مَا يدْخل تَحت تَقْوِيم مقوم من الدَّرَاهِم أَو الدَّنَانِير.
الْقِيَامَة: بِالْفَارِسِيَّةِ (رستخيز) وخلاصة مَا فِي إحْيَاء الْعُلُوم أَن الْقِيَامَة قيامتان الْقِيَامَة الْكُبْرَى وَهُوَ يَوْم الْحَشْر وَالْقِيَامَة الصُّغْرَى وَهِي حَالَة الْمَوْت وَإِلَيْهِ أَشَارَ نَبِي آخر الزَّمَان ﵊: " من مَاتَ فقد قَامَت قِيَامَته ". وَفِي هَذِه الْقِيَامَة يكون الْإِنْسَان وَحده وَعِنْدهَا يُقَال لَهُ لقد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة وَأما فِي الْقِيَامَة
стр. 639
الْكُبْرَى الجامعة لأصناف الْخَلَائق فَلَا يكون وَحده وأهوال الْقِيَامَة الصُّغْرَى تحاكي وتماثل أهوال الْقِيَامَة الْكُبْرَى. إِلَّا أَن أهوال الصُّغْرَى تخصك وَحدك وأهوال الْكُبْرَى تعم الْخَلَائق أَجْمَعِينَ. وَقد تعلم أَنَّك أَرض مَخْلُوق من التُّرَاب وحظك الْخَالِص من التُّرَاب بدنك خَاصَّة وَأما بدن غَيْرك فَلَيْسَ حظك وَالَّذِي يخصك من زَلْزَلَة الأَرْض زَلْزَلَة بدنك فَقَط الَّذِي هُوَ أَرْضك فَإِن انْهَدَمت بِالْمَوْتِ أَرْكَان بدنك فقد زلزلت الأَرْض زِلْزَالهَا. وَلما كَانَت عظامك جبال أَرْضك ورأسك سَمَاء أَرْضك وقلبك شمس أَرْضك وسمعك وبصرك وَسَائِر حواسك نُجُوم سمائك والعرق بَحر أَرْضك فَإِذا رمت الْعِظَام فقد نسفت الْجبَال نفسا. وَإِذا أظلم قَلْبك عِنْد الْمَوْت فقد كورت الشَّمْس تكويرا. وَإِذا بَطل سَمعك وبصرك وَسَائِر حواسك فقد انكدرت النُّجُوم انكدارا فَإِذا انْشَقَّ دماغك فقد انشقت السَّمَاء انشقاقا فَإِذا انفجر من هول الْمَوْت عرق جبينك فقد فجرت الْبحار تفجيرا فَإِذا الْتفت أحد ساقيك بِالْأُخْرَى وهما مطياتك فقد عطلت العشار تعطيلا فَإِذا فَارق الرّوح الْجَسَد فقد أَلْقَت الأَرْض مَا فِيهَا وتخلت.
وَاعْلَم أَن أهوال الْقِيَامَة الْكُبْرَى أعظم بِكَثِير من أهوال هَذِه الصُّغْرَى وَهَذِه الْأَمْثِلَة لأهوال تِلْكَ فَإِذا قَامَت عَلَيْك هَذِه بموتك فقد جرى عَلَيْك مَا كَأَنَّهُ جرى على كل الْخَلَائق فَهِيَ أنموذج للقيامة الْكُبْرَى. فَإِن حواسك إِذا عطلت فَكَأَنَّمَا الْكَوَاكِب انتثرت إِذْ الْأَعْمَى يَسْتَوِي عِنْده اللَّيْل وَالنَّهَار وَمن انْشَقَّ رَأسه فقد انشقت السَّمَاء فِي حَقه إِذْ من لَا رَأس لَهُ لَا سَمَاء لَهُ. وَنسبَة الْقِيَامَة الصُّغْرَى إِلَى الْقِيَامَة الْكُبْرَى كنسبة الْولادَة الصُّغْرَى وَهِي الْخُرُوج من الصلب والترائب إِلَى فضاء الرَّحِم إِلَى الْولادَة الْكُبْرَى وَهِي الْخُرُوج من الرَّحِم إِلَى فضاء الدُّنْيَا وَنسبَة سَعَة عَالم الْآخِرَة الَّذِي تقدم عَلَيْهِ العَبْد بِالْمَوْتِ إِلَى فضاء الدُّنْيَا كنسبة فضاء الدُّنْيَا إِلَى الرَّحِم بل أوسع وَأعظم بِمَا لَا يُحْصى.
قيام الشَّيْء بِذَاتِهِ وَقيام الشَّيْء بِغَيْرِهِ: فِي الْأَعْيَان.
стр. 640
( [حرف الْكَاف] )
(بَاب الْكَاف مَعَ الْألف)
الْكَافِر: من الْكفْر وَهُوَ السّتْر وَالْكَافِر لما ستر الْحق سمي بِهِ وَهُوَ ضد الْمُؤمن. فِي خزانَة المفتيين الْكَافِر إِذا أقرّ بِخِلَاف مَا اعتقده حكم بِإِسْلَامِهِ فَمن يُنكر الوحدانية كالثنوي وَعَبدَة الْأَوْثَان وَالْمُشْرِكين إِذا قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أَو قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أَو قَالَ أسلمت أَو آمَنت بِاللَّه وَأَنا على دين الْإِسْلَام أَو على الحنيفية فَهَذَا كُله إِسْلَام. وَفِي الْمُحِيط الْكفَّار على نَوْعَيْنِ مِنْهُم من يجْحَد الْبَارِي عز شَأْنه. وَمِنْهُم من يقربهُ إِلَّا أَنه يُنكر وحدانيته تَعَالَى كعبدة الْأَوْثَان فَمن أنكر إِذا أقرّ بِهِ يحكم بِإِسْلَامِهِ وَمن أقرّ بوحدانيته تَعَالَى وَجحد رِسَالَة مُحَمَّد ﷺ َ - إِذا أقرّ برسالته يحكم بِإِسْلَامِهِ. وَفِي فَتَاوَى قاضيخان الوثني الَّذِي لَا يقر بوحدانية الله تَعَالَى إِذا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يصير مُسلما حَتَّى لَو رَجَعَ عَن ذَلِك يقتل وَلَو قَالَ الله لَا يصير مُسلما وَلَو قَالَ أَنا مُسلم يصير مُسلما وَمذهب أَصْحَاب الشَّرْع الظَّاهِر أَن الْكفَّار مخلدون فِي النَّار. وَقَالَ قدوة الْمُحَقِّقين الشَّيْخ محيي الدّين بن الْعَرَبِيّ ﵀ فِي فص يونسي أما أهل النَّار فمآلهم إِلَى النَّعيم لَكِن فِي النَّار إِذْ لَا بُد لصورة النَّار بعد انْتِهَاء مُدَّة الْعقَاب أَن يكون بردا وَسلَامًا على من فِيهَا وَهَذَا هُوَ النَّعيم وَهُوَ ﵀ يزْعم أَنه لم يرد نَص بخلود عَذَابهمْ بل بخلودهم فِي النَّار. وَقَالَ القيصري فِي شرح فصوص الحكم اعْلَم أَن من اكتحلت عينه بِنور الْحق يعلم أَن الْعَالم بأسره عباد الله وَلَيْسَ لَهُم وجود وَصفَة وَفعل إِلَّا بِاللَّه وَحَوله وقوته وَكلهمْ محتاجون إِلَى رَحمته وَهُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم وَمن شَأْن من هُوَ مَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات أَن لَا يعذب أحدا عذَابا أبديا وَلَيْسَ ذَلِك الْمُقدر من الْعَذَاب إِلَّا لأجل إيصالهم إِلَى كمالاتهم الْمقدرَة كَمَا يذاب الذَّهَب وَالْفِضَّة بالنَّار لأجل الْخَلَاص مِمَّا يكدرهما وَينْقص عيارهما وَهُوَ يتَضَمَّن أَمن اللطف وَالرَّحْمَة كَمَا قيل.
(وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى ... وقطعكم وصل وجوركم عدل)
وَقَالَ ﵀ فِي فص اسمعيلي الثَّنَاء بِصدق الْوَعْد والحضرة الإلهية يطْلب الثَّنَاء الْمَحْمُود بِالذَّاتِ فيثني عَلَيْهَا بِصدق الْوَعْد لَا يصدق الْوَعيد بل بالتجاوز فَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله. وَلم يقل ووعيده بل قَالَ ويتجاوز عَن سيئاتهم مَعَ أَنه يوعد على
стр. 641
ذَلِك. ويلائم هَذَا الْكَلَام. حَدِيث شَفِيع الْأَنَام. عَلَيْهِ وعَلى آله الصَّلَاة وَالسَّلَام. سَيَأْتِي على جَهَنَّم زمَان ينْبت فِي قعرها الجرجير.
كائنات الجو: مَا يحدث من العناصر بِلَا مزاج والجو فِي الجو.
كَانَ: بتَخْفِيف النُّون الْمَفْتُوحَة تكون نَاقِصَة تَارَة فَتكون محتاجة إِلَى الْغَيْر وتامة أُخْرَى فَلَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَتَكون بِمَعْنى ثَبت وَوجد يَعْنِي يكون حِينَئِذٍ حَاصِل مَعْنَاهُ ثَبت وَوجد فَلَا يردان كَون كَانَ بِمَعْنى ثَبت مُسلم. وَأما كَونه بِمَعْنى وجد فَمَمْنُوع لِأَنَّهُ مَعْرُوف وَوجد مَجْهُول وَبَينهمَا مباينة فَلَا يَصح أَن يُفَسر أَحدهمَا بِالْآخرِ وَكَانَ ممتاز عَن سَائِر الْأَفْعَال لِأَن دلَالَته على الزَّمَان الْمَاضِي لَا تنفك عَنهُ أبدا لقُوَّة دلَالَته على الْمُضِيّ - أَلا ترى أَن كثيرا من النُّحَاة ذكرُوا أَنه إِذا أُرِيد إبْقَاء معنى الْمَاضِي مَعَ أَن جعل الشَّرْط لفظ كَانَ نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصه قد من قبل﴾ . فَإِن قيل مَا وَجه قُوَّة دلَالَته على الْمُضِيّ وَعدم انفكاكه عَنهُ. قُلْنَا سَائِر الْأَفْعَال تدل على الْحَدث وَالزَّمَان وَالنِّسْبَة إِلَى فَاعل مَا كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فبضاعة الْأَفْعَال مَجْمُوع هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة. وَلما كَانَ الْحَدث الْمُطلق الَّذِي هُوَ مَدْلُول كَانَ يُسْتَفَاد من خَبره صَار الْحَدث الْمَذْكُور مسلوبا عَنهُ فَكَانَت النِّسْبَة إِلَى فَاعل مَا أَيْضا مسلوبة عَنهُ فتمحض وتلخص للزمان الْمَاضِي فَلم يجوزوا عِنْد حرف الشَّرْط سلب الزَّمَان الْمَاضِي عَنهُ الَّذِي بَقِي من بضاعته تَحَرُّزًا عَن الظُّلم والجور وترحما على ذلة حَاله وَقلة مَاله فَلَا يَنْفَكّ دلَالَته على الزَّمَان الْمَاضِي. حُكيَ أَن رجلا أرسل خادمه إِلَى رجلَيْنِ أعورين استخبارا عَن حَالهمَا فَأخْبر عَنْهُمَا بِأَنَّهُ قَالَ كَانَا يأكلان الطَّعَام وَلَا يخفى لطفه على الْهِنْدِيّ.
وَاعْلَم أَن رجلا كَانَ فِي الْهِنْد اسْمه كَانَ وَله أَسمَاء شَتَّى عِنْد البراهمة كالكشن وَغير ذَلِك وولادته فِي متهراونشوه ونماؤه فِي (كوكل) وكل مِنْهُمَا اسْم معمورة فِي الْهِنْد بَينهمَا وَبَين الدهلي مَسَافَة أَرْبَعِينَ فرسخا. قيل إِنَّه كَانَ صَاحب الاستدراج وَالْكفَّار يعتقدونه ويذكرون لَهُ خوارق الْعَادَات وَكَانَ أسود اللَّوْن سوادا شَدِيدا. قيل إِنَّه كَانَ نَبيا وتمسكوا فِي ذَلِك بِمَا فِي تَفْسِير المدارك فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهُم من قَصَصنَا عَلَيْك وَمِنْهُم من لم نَقْصُصْ عَلَيْك﴾ . وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعث الله نَبيا أسود فَهُوَ لم يذكر قصَّته فِي الْقُرْآن. أَقُول لَا نَص فِيهِ على أَن ذَلِك الْأسود هُوَ كَانَ الْمَذْكُور فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون غير كَانَ المسطور. وَسمعت عَن من لَا وثوق عَلَيْهِ إِنَّه ﵊ قَالَ لَو كَانَ نَبيا فِي الْهِنْد لَكَانَ أسود. فعلى تَقْدِير صِحَّته وَكَون المُرَاد بالأسود هُوَ كَانَ يعلم إِن كَانَ لم يكن نَبيا بل إيمَانه مَشْكُوك بل مَرْجُوح. قيل: سُئِلَ عَن إيمَانه عَن مَعْدن اللطائف الأنسية - مخزن المعارف القدسية أَمِير خسرو الدهلوي رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعَلى مرشده سُلْطَان الْمَشَايِخ نظام الْملَّة وَالدّين الدهلوي البداوني فَأجَاب.
стр. 642
(رنكك درونش شده بيرون نشين ... كفت خدا كَانَ من الْكَافرين)
وَلِهَذَا الْكَلَام عِنْد ذَوي الإفهام معَان وَلكُل وجهة هُوَ موليها لَا نتعرض بذكرها خوفًا عَن الإطناب وَهُوَ ملهم الصدْق وَالصَّوَاب.
الكاهن: هُوَ الَّذِي يخبر عَن الكوائن فِي مُسْتَقْبل الزَّمَان وَيَدعِي معرفَة الْأَسْرَار والاطلاع على المغيبات سَوَاء كَانَ بِلَا وَاسِطَة أَو بِوَاسِطَة القاء الْجِنّ.
الكاملية: أَصْحَاب أبي كَامِل يكفر الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم بترك بيعَة عَليّ وَيكفر عليا كرم الله وَجهه بترك طلب الْحق.
الْكَاتِب: من يكْتب ويخط الْخط وشاع اسْتِعْمَال الْكِتَابَة فِي عرف البلغاء فِي تأليف كَلَام منثور حسن فالكاتب عِنْدهم من يؤلف كلَاما منثورا حسنا وَهُوَ المنشئ فِي عرفنَا يُقَال كَاتب فصيح أَي منشئ فصيح.
كَأَن: بِالتَّشْدِيدِ من الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ وَقد يَجِيء للشَّكّ فِي الحكم كَمَا فِي قَول الامرأة الخارجية ترثي أخاها كَمَا مر فِي تجاهل الْعَارِف وَهُوَ سوق الْمَعْلُوم فِي سِيَاق الْمَجْهُول وَقد يسْتَعْمل للتحقيق لَا للظن والتشبيه كَمَا فِي (مُغنِي اللبيب) وَمن هَذَا الْقَبِيل كَانَ فِي قَول الزَّاهِد فِي حَوَاشِيه على حَوَاشِي جلال الْعلمَاء الدواني رَحمَه الله تَعَالَى على (تَهْذِيب الْمنطق) حَيْثُ قَالَ وَكَأن معنى الْأَخيرينِ بِعَيْنِه معنى الْأَوَّلين كَمَا حققناه فِي الْحَوَاشِي على تِلْكَ الْحَوَاشِي.
(بَاب الْكَاف مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)
الْكَبِيرَة: مَا كَانَ حَرَامًا مَحْضا شرع عَلَيْهَا عُقُوبَة بِنَصّ قَاطع فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَفِي تعدادها اخْتِلَاف فَإِنَّهُ روى عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهَا تسع الشّرك بِاللَّه - وَقتل النَّفس بِغَيْر حق - وَقذف المحصنة - وَالزِّنَا - والفرار من الزَّحْف - وَالسحر - وَأكل مَال الْيَتِيم - وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين - والإلحاد فِي الْحرم -.
وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أكل الرِّبَا - وَزَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه السّرقَة - وَشرب الْخمر - وَلَيْسَ المُرَاد بالشرك القَوْل بالإلهين بل المُرَاد بِهِ الْكفْر مُطلقًا سَوَاء كَانَ بإنكار الألوهية أَو النُّبُوَّة أَو شَيْء من أَحْكَامهَا وَإِنَّمَا خص بِالذكر لِكَثْرَة وجوده فِي بِلَاد الْعَرَب أَو لكَونه أَعلَى أَفْرَاد الْكفْر. قيل المُرَاد بِالسحرِ الْعَمَل بِهِ. وَأما التَّعْلِيم والتعلم فجوزه بَعضهم وَمنعه بَعضهم. وَالْحق أَن المُرَاد بِهِ التَّعْلِيم والتعلم وهما
стр. 643
حرامان لَا الْعَمَل بِهِ فَإِنَّهُ كفر بالِاتِّفَاقِ وَحِينَئِذٍ ينْدَفع الِاعْتِرَاض بِأَن انحصار الْكَبِيرَة فِي التسع بَاطِل لِأَن المُرَاد بالشرك أما مُطلق الْكفْر فالسحر دَاخل فِيهِ فَتكون ثَمَانِي لَا تسعا وَإِلَّا فَتبقى أَنْوَاع الْكفْر سوى اعْتِقَاد الشَّرِيك فِي وجوب الْوُجُود كاتخاذ الْوَلَد وإنكار النُّبُوَّة وَإِثْبَات الحيز والجهة لله تَعَالَى خَارِجَة عَن الْكَبِيرَة فَافْهَم.
وَقَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْكَرِيم رَحمَه الله تَعَالَى وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا يَعْنِي أَن المُرَاد بِالسحرِ هَا هُنَا تعلمه وتعليمه مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي طَالب الْمَكِّيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْكَبِيرَة سَبْعَة عشر وَبَينهَا إِلَى أَن قَالَ أَرْبَعَة فِي اللِّسَان هِيَ شَهَادَة الزُّور - وَقذف المحصنة - وَالْيَمِين الْغمُوس - وَالسحر - حَيْثُ جعل السحر من الْكَبِيرَة الَّتِي فِي اللِّسَان وَمَا فِي اللِّسَان إِلَّا تَعْلِيمه وتعلمه انْتهى.
وَلَا يخفى أَن هَذَا إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ الْعَمَل بِالسحرِ فِي غير اللِّسَان وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَا بُد فِي الْعَمَل بِهِ من القَوْل بِاللِّسَانِ كأسامي الشَّيَاطِين وَغَيرهَا. وَقيل إِن الصَّغِيرَة والكبيرة اسمان إضافيان حَتَّى أَن كل سَيِّئَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقهَا صَغِيرَة وبالنسبة إِلَى مَا دونهَا كَبِيرَة. وَالْحق أَن الْكَبَائِر مُمَيزَة عَن الصَّغَائِر بِالذَّاتِ كَمَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ﴾ لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر حِين كَونهمَا إضافيين اجْتِنَاب الْكَبَائِر إِلَّا بترك جَمِيع المنهيات سوى وَاحِدَة هِيَ دون الْكل وَهَذَا خَارج عَن طوق الْبشر.
ف (٩٢) :
الْكبر: بِالضَّمِّ وَسُكُون الثَّانِي وَقع فِي الحَدِيث الشريف وَهُوَ قَوْله ﵊ " الْوَلَاء للكبر ". وَالْمرَاد بِهِ الْقرب أَي يقدم فِي اسْتِحْقَاق الْوَلَاء أقرب بني الْمُعْتق يَوْم مَوته حَتَّى أَن مَاتَ الْمُعْتق عَن ابْن وَابْن ابْن آخر كَانَ الْوَلَاء لِابْنِهِ لِأَنَّهُ أقرب. وَالْكبر بِالْكَسْرِ الرّفْعَة والشرف وَالْعَظَمَة وَمِنْه الْكِبْرِيَاء وَللَّه در الشَّاعِر:
(مرا مسوز كه نازت ز كبريا افتد ... جو خس تَمام شود شعله هم زبا افتد)
(بَاب الْكَاف مَعَ التَّاء الْفَوْقِيَّة)
الْكِتَابَة: فِي اللُّغَة لمعان مِنْهَا بِالْفَارِسِيَّةِ نوشتن. وَفِي الشَّرْع تَحْرِير الْمَمْلُوك يدا وتصرفا فِي الْحَال ورقبة فِي المَال عِنْد أَدَاء المَال. وَإِنَّمَا سمي هَذَا العقد بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهَا بِمَعْنى الْجمع. وَفِي الْمُكَاتبَة ضم حريَّة الْيَد إِلَى حريَّة الرّقية أَو لِأَن فِيهِ جمعا بَين نجمين فَصَاعِدا أَو لِأَن كل وَاحِد من الْعَاقِدين أَي الْمولى والمملوك يكْتب الْوَثِيقَة عَادَة
стр. 644
وَهُوَ أظهر كَذَا فِي التَّبْيِين وَالْفرق بَين الْمكَاتب وَالْمُعتق على المَال مَوْجُود لفظا وَمعنى. أما لفظا فلاشتراط لفظ الْكِتَابَة أَو مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ دون الْمُعْتق. وَأما معنى فلَان الْمكَاتب بِالْعَجزِ يعود رَقِيقا دون الْمُعْتق على مَال وَإِن اشْتَركَا فِي كَونهمَا عاقدين لاحتياجهما إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول.
الْكِتَابِيّ: فِي الْمُنَافِق.
الْكتاب الْمُبين: اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهُوَ المُرَاد بقوله تَعَالَى: ﴿لَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ .
الْكتاب: مصدر وَكثير إِمَّا يُرَاد بِهِ الْمَكْتُوب وَالْكتاب الْمُؤلف. إِمَّا عبارَة عَن الْأَلْفَاظ الْمعينَة الدَّالَّة على الْمعَانِي الْمَخْصُوصَة وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر. وَإِمَّا عَن النقوش الدَّالَّة على تِلْكَ الْمعَانِي بتوسط تِلْكَ الْأَلْفَاظ. وَإِمَّا عَن الْمعَانِي الْمَخْصُوصَة لَكِن لَا مُطلقًا بل من حَيْثُ إِنَّهَا مدلولة لتِلْك الْأَلْفَاظ والنقوش. وَإِمَّا عَن الْمركب عَن الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة أَو عَن الِاثْنَيْنِ مِنْهَا. وَإِذا كَانَ الْكتاب عبارَة عَن أَمر من هَذِه الْأُمُور يكون كل جُزْء مِنْهُ كالمقدمة والأقسام والأبواب والفصول عبارَة عَن ذَلِك الْأَمر بديهية. وَعَلِيهِ مدَار اندفاع الِاعْتِرَاض باتحاد الظّرْف والمظروف فِي قَوْلهم الْمُقدمَة فِي حد الْعلم أَي رسمه. وَالْغَرَض مِنْهُ وموضوعه. فَإِن الْمَعْنى أَن هَذِه الْأَلْفَاظ أَو النقوش أَو مجموعهما فِي بَيَان تِلْكَ الْمعَانِي وَقس على هَذَا قَوْلهم الْكتاب الْفُلَانِيّ فِي علم كَذَا وَالْقسم الأول مِنْهُ فِي كَذَا وأبوابه فِي كَذَا هَذَا إِذا كَانَ الْكتاب عبارَة عَن الْأَلْفَاظ أَو النقوش أَو مجموعهما. وَأما إِذا كَانَ عبارَة عَن تِلْكَ الْمعَانِي فقد يُوَجه قَوْلهم الْمُقدمَة فِي كَذَا أَن مَفْهُوم الْمُقدمَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشُّرُوع فِي الْعلم على بَصِيرَة وَهَذَا مَفْهُوم كلي منحصر فِيمَا يذكر فِيهَا من الْأُمُور الثَّلَاثَة أَو الْأَرْبَعَة إِذا ضم إِلَيْهَا مبَاحث الْأَلْفَاظ فَكَأَنَّهُ قيل هَذَا الْكُلِّي منحصر فِي هَذَا الجزئي وَهَكَذَا مَفْهُوم الْقسم الأول أَو الْبَاب الأول أَو الْفَصْل الأول مثلا كلي منحصر فِيمَا ذكر فِيهِ. وَلَهُم توجيهات أخر كَمَا ذكرهَا السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي حَوَاشِيه على المطول.
(بَاب الْكَاف مَعَ الثَّاء الْمُثَلَّثَة)
الْكَثْرَة: فِي الْوحدَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 645
(بَاب الْكَاف مَعَ الْحَاء الْمُهْملَة)
الْكحل: بِالضَّمِّ المَال الْكثير والإثمد. وكل مَا يوضع فِي الْعين للشفاء والجلاء.
ف (٩٣) :
(بَاب الْكَاف مَعَ الدَّال الْمُهْملَة)
الكدم: العض بِمقدم الْأَسْنَان وَضرب الشَّيْء بجسده أَي بِنَفسِهِ.
(بَاب الْكَاف مَعَ الذَّال الْمُعْجَمَة)
الْكَذِب: يعلم من الصدْق.
كذب الْخَبَر: عدم مطابقته للْوَاقِع أَي الْإِخْبَار لَا على مَا عَلَيْهِ الْمخبر عَنهُ فِي نفس الْأَمر.
(بَاب الْكَاف مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)
الْكَرِيم: صَاحب الْكَرم وَاسم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَمن أَسمَاء النَّبِي ﵊ أَيْضا وَهُوَ من يُوصل النَّفْع بِلَا عوض. فالكرم هُوَ إِفَادَة مَا يَنْبَغِي لَا لغَرَض فَمن يهب المَال لعوض جلبا للنفع أَو خلاصا من الذَّم فَلَيْسَ بكريم. قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه النَّاس خَمْسَة أَقسَام - مِنْهُم الكرماء - وَمِنْهُم الأسخياء - وَمِنْهُم البخلاء - وَمِنْهُم اللؤماء - وَمِنْهُم الأشقياء - فَأَما الْكَرِيم فَلَا يَأْكُل وَيُعْطِي - والسخي يَأْكُل وَيُعْطِي - والبخيل يَأْكُل وَلَا يُعْطي - واللئيم لَا يَأْكُل وَلَا يُعْطي - والشقي لَا يَأْكُل وَلَا يُعْطي وَيمْنَع.
الْكَرَامَة: فِي الخارق للْعَادَة.
الكرة: جسم يُحِيط بِهِ سطح مستدير يُمكن أَن يفْرض فِي دَاخله نقطة يكون جَمِيع الخطوط المستقيمة الْخَارِجَة مِنْهَا إِلَيْهِ مُتَسَاوِيَة وَتلك النقطة مركزها.
الْكر: بِالضَّمِّ وَتَشْديد الرَّاء اثْنَا عشر وسْقا - والوسق سِتُّونَ صَاعا - والصاع أَرْبَعَة أَمْدَاد - وَالْمدّ رَطْل وَثلث رَطْل - وَهَذَا صَاع حجازي ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى. وَأما الصَّاع عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فعراقي وَهُوَ ثَمَانِيَة أَرْطَال.
الكراثي: لون مركب من الْحمرَة والسواد.
стр. 646
الْكَرَاهِيَة: مصدر كرهت الشَّيْء كَرَاهَة وكراهية فَهُوَ مَكْرُوه إِذا لم يردهُ وَلم يرضه. وَفِي حل الرموز وَهِي فِي الأَصْل منسوبة إِلَى الكره بِالضَّمِّ فَغير وَعوض الْألف عَن أحد اليائين وَاسْتعْمل كالكراهة مصدر كره الشَّيْء بِالْكَسْرِ أَي لم يردهُ فَهُوَ كَارِه وَشَيْء كره كنصر وخجل وكريه أَي مَكْرُوه كَمَا فِي الْقَامُوس وَغَيره. وَشرعا مَا كَانَ تَركه أولى وَهُوَ على نَوْعَيْنِ كَرَاهَة تَحْرِيم وَكَرَاهَة تَنْزِيه - (ثمَّ الْمَكْرُوه كَرَاهَة التَّحْرِيم) حرَام عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى يَعْنِي اعْتقد أَنه كالحرام فِي الْعقُوبَة بالنَّار وَنَصّ أَن كل مَكْرُوه حرَام أَي كالحرام وَحكمه حكم الْحَرَام وَلَكِن لم يُطلق مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى لفظ الْحَرَام على الْمَكْرُوه لعدم وجدان الدَّلِيل الْقَاطِع على حرمته فَإِن الْحَرَام مَا منع عَنهُ بِدَلِيل قَطْعِيّ وَتَركه فرض كشرب الْخمر - وَالْمَكْرُوه كَرَاهَة التَّحْرِيم مَا منع عَنهُ بِدَلِيل ظَنِّي وَتَركه وَاجِب كَأَكْل الضَّب واللعب بالشطرنج كَمَا فِي الْكَشْف - والبدعة مرادفة للمكروه عِنْد مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى كَمَا فِي العمان وَعند الشَّيْخَيْنِ أَي أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله تَعَالَى الْمَكْرُوه الْمَذْكُور أقرب إِلَى الْحَرَام من الْحَلَال فالمكروه عِنْدهمَا مَا لم يمْنَع عَنهُ عُقُوبَة فَاعله وَهُوَ الْمُخْتَار كَمَا فِي الْخُلَاصَة والمضمرات والكبرى والتجنيس وَغَيرهَا وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا فِي الْجَوَاهِر - وَالْأَصْل فِي الْفرق بَين الكراهتين أَنه إِن كَانَ الأَصْل فِيهِ حُرْمَة أسقطت لعُمُوم الْبلوى فتنزيه وَإِلَّا فتحريم كسور الْهِرَّة وَلحم الْحمار وَإِن كَانَ إِبَاحَة غلب على الظَّن وجود الْمحرم فتحريم وَإِلَّا فتنزيه كسور الْبَقَرَة الْجَلالَة وسور سِبَاع الطير كَمَا فِي الْجَوَاهِر.
الْأكل من الْحَلَال: على وُجُوه. أكل فرض إِن دفع بِهِ هَلَاكه فيؤجر عَلَيْهِ أَن كَانَ بنية بَقَاء ذَاته لأَدَاء الشَّرَائِع. وَأكل مأجور عَلَيْهِ إِن مكنه من أَدَاء صلَاته قَائِما وَمن أَدَاء صَوْمه وَنَحْوه وَهُوَ نوى ذَلِك. ومباح إِلَى الشِّبَع ليزِيد قوته. وَحرَام فَوْقه لَا لقُوَّة صَوْم الْغَدَاء وَلِئَلَّا يستحيي ضَيفه. فِي التَّاج الشِّبَع كالعنب سيرشدن من علم.
الكرامية: أَصْحَاب عبد الله بن مُحَمَّد الْكِرَام.
(بَاب الْكَاف مَعَ السِّين الْمُهْملَة)
الْكسر: شكستن وَحَقِيقَته فِي الْجُزْء الَّذِي لَا يتجزئ. وَفِي اصْطِلَاح أَرْبَاب الْحساب كميته تنْسب إِلَى جملَة تفرض وَاحِدًا والمنسوب إِلَيْهِ يُسمى مخرجا وَلذَا قَالُوا الْكسر هُوَ الْعدَد الْمُضَاف. ثمَّ الْكسر على نَوْعَيْنِ منطق وأصم - أما الْمنطق فَهُوَ الْكسر الَّذِي يكون مخرجه منطقا بِهِ كالكسور التِّسْعَة وَهِي النّصْف وَالثلث وَالرّبع وَالْخمس وَالسُّدُس والسبع وَالثمن وَالتسع وَالْعشر فَإِن مخارجها ناطقة بهَا من غير إِضَافَة الكسور إِلَيْهَا - وَأما الْأَصَم فَهُوَ الْكسر الَّذِي لَا يكون مخرجه ناطقا بِهِ وَلَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ إِلَّا
стр. 647
بالجزء كجزء من أحد عشر وجزء من خَمْسَة عشر. وَمن هَذَا يَتَّضِح لَك إِن وصف الْكسر بالْمَنْطق والأصم من قبيل وصف الشَّيْء بِحَال مُتَعَلّقه.
ولتحصيل الْمخْرج الْوَاحِد للكسور التِّسْعَة الْمَذْكُورَة ضوابط. أشرفها وأشهرها مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَسد الله الْغَالِب الْمَطْلُوب لكل طَالب أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه كَمَا حُكيَ أَنه كرم الله وَجهه سُئِلَ عَن مخرج تِلْكَ الكسور فَقَالَ فِي جَوَابه فَوْرًا وبداهة. اضْرِب أَيَّام أسبوعك فِي أَيَّام سنتك أَي اضْرِب السَّبْعَة الَّتِي عدد أَيَّام أسبوعك فِي ثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ هِيَ الَّتِي عدد أَيَّام سنتك - وَالْحَاصِل أَعنِي أَلفَيْنِ وَخمْس مائَة وَعشْرين مطلوبك أَي مخرج تِلْكَ الكسور.
وَقَالَ الْفَاضِل الخلخالي. وَاعْلَم أَنهم اخْتلفُوا فِي عدَّة أَيَّام السّنة. فَعِنْدَ أهل الشَّرْع قريب من ثَلَاث مائَة وَأَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا. وَعند أهل الْفرس ثَلَاث مائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا. وَعند حكماء الرّوم ثَلَاثَة مائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَكسر من يَوْم وَهُوَ ربع من الْيَوْم إِلَّا جُزْءا وَاحِدًا من ثَلَاث مائَة جُزْء مِنْهُ وَعند بعض الْمُتَأَخِّرين ثَلَاث مائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَربع يَوْم. فَحمل عدد أَيَّام السّنة على ثَلَاث مائَة وَسِتِّينَ لَا يكون إِلَّا بِحَسب الْمَشْهُور فِيمَا بَين الْعَوام وَفِي كَلَامه كرم الله وَجهه إِشْعَار بِكَوْن السَّائِل من الْعَوام لَا من الْخَواص وَإِنَّمَا أجَاب بِمَا اعْتقد بِهِ السَّائِل إيثارا لما رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه قَالَ: " كلم النَّاس على قدر عُقُولهمْ ". وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال انْتهى. إِنَّمَا قَالَ عِنْد أهل الشَّرْع قريب من ثَلَاث مائَة إِلَى آخِره لِأَنَّهُ زَائِد عَلَيْهَا بثمان سَاعَات وثمان وَأَرْبَعين دقائق - وَالْكَسْر عِنْد النُّحَاة حَرَكَة من الحركات البنائية لَا تطلق على الْحَرَكَة الإعرابية وَلَا على حرف من حُرُوف الْإِعْرَاب.
والكسرة: بِالتَّاءِ بعد اختصاصها بالحركة تطلق على الْحَرَكَة الإعرابية أَيْضا وَإِنَّمَا سميت تِلْكَ الْحَرَكَة كسرا لِأَن الشّفة السُّفْلى عِنْد التَّلَفُّظ بهَا تسْقط وتنكسر أَي تميل إِلَى السُّقُوط والسفل.
الْكسْب: هُوَ الْفِعْل المفضي إِلَى اجتلاب نفع أَو دفع ضَرَر وَلَا يُوصف فعل الله تَعَالَى بِأَنَّهُ كسب لكَونه منزها عَن جلب نفع أَو دفع ضَرَر. وَأَيْضًا الْكسْب هُوَ مُبَاشرَة الْأَسْبَاب بِالِاخْتِيَارِ وَهُوَ المعني بقَوْلهمْ الْكسْب صرف العَبْد قدرته فَإِن قيل مَا الْفرق بَين الْكسْب والخلق قُلْنَا صرف العَبْد قدرته وإرادته إِلَى الْفِعْل وإيجاد الله تَعَالَى الْفِعْل عقيب ذَلِك الصّرْف خلق والمقدور الْوَاحِد دَاخل تَحت القدرتين لَكِن بجهتين مختلفتين فالفعل مَقْدُور الله تَعَالَى بِجِهَة الإيجاد ومقدور العَبْد بِجِهَة الْكسْب فَلَا يلْزم توارد العلتين المستقلتين على الْمَعْلُول الْوَاحِد الشخصي وَهُوَ محَال. وللمتكلمين فِي الْفرق بَينهمَا عِبَارَات مثل أَن الْكسْب يَقع بِآلَة والخلق لَا بِآلَة وَالْكَسْب مَقْدُور الكاسب يَقع فِيمَا هُوَ قَائِم بالكاسب كَمَا فِي الْحَرَكَة والسكون القائمين بالمتحرك والساكن فَكَانَ الْكسْب وَقع
стр. 648
فِي ذَات الكاسب وَلِهَذَا قَالُوا إِن الْكسْب مَقْدُور وَقع فِي مَحل قدرته أَي قدرَة الْكسْب والخلق مَقْدُور لَكِن لَا يَقع فِي مَا هُوَ قَائِم بالخالق بل فِيمَا هُوَ غير قَائِم بِهِ فَإِن خلق الله تَعَالَى وإيجاده إِنَّمَا هُوَ وَاقع فِي زيد وَعَمْرو مثلا وهما ليسَا بقائمين بالخالق فالخلق غير وَاقع فِي الْخَالِق. وَمثل أَن الْكسْب لَا يَصح انْفِرَاد الْقَادِر بِهِ أَي لَا يَصح استقلاله فِي كَسبه بِأَن لَا يحْتَاج فِي كَسبه إِلَى أَمر بل العَبْد الكاسب يكون مُحْتَاجا فِيهِ إِلَى أُمُور كخلق الله تَعَالَى الْقُدْرَة عِنْد إِرَادَته الْفِعْل وَغير ذَلِك بِخِلَاف الْخلق فَإِنَّهُ يَصح انْفِرَاد الْقَادِر على الْخلق بِهِ وَعدم احْتِيَاجه فِي الْخلق إِلَى غَيره. وَتَحْقِيق صرف العَبْد قدرته فِي مَوْضِعه فاطلب هُنَاكَ. فَإِن قيل إِن العَبْد مُخْتَار فِي فعله أم مجبور قُلْنَا مُخْتَار لِأَنَّهُ يفعل بِالِاخْتِيَارِ بِوَاسِطَة الْكسْب الْمَذْكُور. فَإِن قيل ذَلِك الْكسْب فعل أم لَا وَلَا سَبِيل إِلَى الثَّانِي لِأَن كل فعل اخْتِيَاري مَخْلُوق الله تَعَالَى فَيلْزم الْجَبْر. أَقُول إِن الْكسْب فعل لَكِن لَيْسَ بمخلوق الله تَعَالَى وَلَا يلْزم بطلَان الْكُلية لِأَن المُرَاد بِالْفِعْلِ فِيهَا الْفِعْل الْمَوْجُود وَالْكَسْب من الْأُمُور اللاموجودة واللامعدومة أَو نقُول إِن المُرَاد من الْفِعْل فِي تِلْكَ الْكُلية مَا يصدر بعد الْكسْب وَالِاخْتِيَار وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا. نعم إِن الْكسْب مَخْلُوق الله تَعَالَى بِمَعْنى أَنه تَعَالَى خلق قدرَة يصرفهَا العَبْد إِلَى كل من الْأَفْعَال وَالتّرْك على سَبِيل الْبَدَل. ثمَّ صرفهَا إِلَى وَاحِد معِين فعل العَبْد فَهُوَ مَخْلُوق الله تَعَالَى بِمَعْنى استناده لَا على سَبِيل الْوُجُوب ليلزم الْجَبْر إِلَى موجودات هِيَ مخلوقة الله تَعَالَى لَا أَن الله تَعَالَى خلق هَذَا الصّرْف قصدا فَلَا يلْزم الْجَبْر كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُؤثر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وتفصيل هَذَا المرام فِي الْمُقدمَات الْأَرْبَع فِي التَّلْوِيح قَالُوا إِن الله تَعَالَى خَالق لأفعال الْعباد كلهَا اعْلَم أَن المُرَاد بالأفعال المفعولات لَا الْمَعْنى المصدري لِأَنَّهُ أَمر اعتباري لَا يتَعَلَّق بِهِ الْخلق وَلَا تحقق لَهُ فِي الْخَارِج وَإِلَّا لزم التسلسل فِي الإيقاعات وَأَيْضًا لَيْسَ المُرَاد بالمفعول الْجَوَاهِر لِأَنَّهُ لَيْسَ الْخلاف إِلَّا فِيمَا يُوجد بكسب العَبْد ويستند إِلَيْهِ من الْأَعْرَاض مثل الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَإِلَّا فالسرير مثلا أَيْضا مفعول بِالنِّسْبَةِ إِلَى النجار ومعموله لِأَنَّهُ تعلق بِهِ فعله وَعَمله لكنه مَخْلُوق الله تَعَالَى بالِاتِّفَاقِ.
الْكُسُوف: بِالضَّمِّ (كرفتكى آفتاب) وَسَببه حيلولة الْقَمَر بَين الشَّمْس والناظر وتفصيله فِي كتب الْهَيْئَة.
الكستيج: هُوَ حَبل غليظ بِقدر الاصبع من الصُّوف يشده الذِّمِّيّ على وَسطه وَهُوَ غير الزنار.
الْكسر بعد الزِّيَادَة يصير كسرا فَوْقه للمجتمع: تَوْضِيحه أَن كل عدد إِذا زيد عَلَيْهِ نصفه كَانَ ذَلِك النّصْف ثلث الْمُجْتَمع وَلِهَذَا قَالُوا ثلث الْمُجْتَمع مسَاوٍ لنصف
стр. 649
الْمَزِيد عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ إِذا زيد على الْأَرْبَعَة نصفه كَانَ ثلث الْمُجْتَمع وَهُوَ السِّتَّة أَعنِي الِاثْنَيْنِ مُسَاوِيا لنصف الْأَرْبَعَة. وَإِذا زيد على الشَّيْء ثلثه كَانَ ذَلِك الثُّلُث ربع الْمُجْتَمع أَو نقُول كَانَ ربع الْمُجْتَمع مُسَاوِيا لثلث السِّتَّة وَهَكَذَا إِذا زيد على الشَّيْء ربعه كَانَ خمس الْمُجْتَمع مُسَاوِيا لربع الْمَزِيد عَلَيْهِ وَهَكَذَا إِلَى غير النِّهَايَة.
(بَاب الْكَاف مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)
الْكَشْف: فِي اللُّغَة رفع الْحجاب. وَفِي الِاصْطِلَاح هُوَ الِاطِّلَاع على مَا وَرَاء الْحجاب من الْمعَانِي الْعلية والأمور الْخفية وجودا وشهودا.
الكشخان: من تساهل فِي أَمر الْغيرَة وَلَا يَخْلُو عَن نوع غيرَة بِخِلَاف الديوث.
(بَاب الْكَاف مَعَ الْعين الْمُهْملَة)
الكعب: (باي وباشنه ومرد نجس وشوم وشتالنكك) وَفِي بَاب الْجَبْر والمقابلة يُسمى الْمَجْهُول شَيْئا وَيُسمى مضروبه فِي المَال كَعْبًا.
الْكَعْبِيَّة: طَائِفَة أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد الكعبي كَانَ من معتزلة بَغْدَاد قَالُوا فعل الرب وَاقع بِغَيْر إِرَادَته وَلَا يرى نَفسه وَلَا غَيره إِلَّا بِمَعْنى أَنه يُعلمهُ.
(بَاب الْكَاف مَعَ الْفَاء)
الْكَفّ: الْمَنْع وَمِنْه مَا الكافة أَي الْمَانِعَة عَن الْعَمَل. وَفِي الْعرُوض حذف الْحَرْف السَّابِع السَّاكِن وَيُسمى مَا فِيهِ الْحَذف مكفوفا.
الْكَفَاءَة: الْمُمَاثلَة. وَفِي الشَّرْع كَون الزَّوْج نظيرا للزَّوْجَة.
الكفو: النظير.
الكفاف: مَا كَانَ بِقدر الْحَاجة من غير زِيَادَة وَإِنَّمَا سمي كفافا لِأَنَّهُ يكف السُّؤَال ويمنعه.
الْكَفَّارَة: إِسْقَاط مَا لزم على الذِّمَّة بِسَبَب الذَّنب وَالْجِنَايَة.
الكفران: ستر نعْمَة الْمُنعم بالإنكار صَرِيحًا أَو دلَالَة كمخالفة الْمُنعم وَالْعَمَل
стр. 650
بِخِلَاف رِضَاهُ بل وَصرف الهمة فِي إيذائه بِقدر الوسع كَمَا يرى فِي هَذَا الزَّمَان لبَعض التلاميذ والإخوان.
الْكفَالَة: فِي اللُّغَة الضَّم مُطلقًا. وَفِي الشَّرْع ضم ذمَّة الْكَفِيل إِلَى ذمَّة الْأَصِيل مُطَالبَة دون الدّين فَيكون الدّين بَاقِيا فِي ذمَّة الْأَصِيل كَمَا كَانَ وَقَالَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى يبرأ الْأَصِيل وَقيل فِي الدّين وَهُوَ قَول الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فَيصير دين الْوَاحِد دينين.
الْكَفَن: للرجل سنة ثَلَاثَة أَثوَاب لفافة وَإِزَار وقميص - و (اللفافة) مَا يلتف بِهِ وَهِي من الْفرق إِلَى الْقدَم. (والإزار) أَيْضا كَذَلِك لَكِن تكون اللفافة فَوْقه - (والقميص) مَا يكون من أصل الْعُنُق إِلَى الْقدَم بِلَا حبيب وَلَا دخريص وَلَا كمين وَلَيْسَ فِي الْكَفَن عِمَامَة فِي ظَاهر الرِّوَايَة - واستحسنها الْمُتَأَخّرُونَ لمن كَانَ عَالما وَيجْعَل ذنبها على وَجهه بِخِلَاف حَال الْحَيَاة. وكفايته ثَوْبَان إِزَار ولفافة - وَقيل قَمِيص ولفافة - وَالْأول أصح - والكفن ضَرُورَة للرجل وَالْمَرْأَة مَا يُوجد وكفن الْمَرْأَة سنة خَمْسَة أَثوَاب - درع - وَإِزَار - وخمار - ولفافة - وخرقة - ترْبط بهَا ثدياها وعرضها مَا بَين الثدي إِلَى السُّرَّة - وَالْأولَى أَن تكون الْخِرْقَة من الثديين إِلَى الْفَخْذ كَذَا فِي الْجَوْهَرَة النيرة.
والدرع هُوَ الْقَمِيص لكنه للنِّسَاء يُسمى درعا - وللرجال قَمِيصًا - وكفاية زار ولفافة وخمار. وَيكرهُ الِاقْتِصَار على ثَوْبَيْنِ لَهَا وَكَذَا للرجل على ثوب وَاحِد إِلَّا للضَّرُورَة. ويكفن الرجل بِمثل ثِيَابه فِي الْحَيَاة لخُرُوج الْعِيدَيْنِ وَالْمَرْأَة بِمثل ثِيَابهَا إِذا خرجت إِلَى زِيَارَة أَبَوَيْهَا.
وَأحب الأكفان الثِّيَاب الْبيض. والخلق والجديد فِي التَّكْفِين سَوَاء وَلَا بَأْس بالبرد والكتان والقصب. وَفِي حق النِّسَاء بالحرير والإبرسيم والمعصفر والغلام الْمُرَاهق وَالْجَارِيَة المراهقة بِمَنْزِلَة الْبَالِغ - وَإِن كَانَ لم يراهق كفن بِهِ فِي خرقتين إِزَار ورداء - وَإِن كفن فِي إِزَار وَاحِد أجزاه - وَالْخُنْثَى الْمُشكل الْمُرَاهق لَا يغسل رجلا وَلَا امْرَأَة وَلَا يغسلهَا رجل وَلَا امْرَأَة ويتيم وَرَاء ثوب ويكفن كَمَا تكفن الْمَرْأَة احْتِيَاطًا. ويكفن الْمحرم كَمَا يُكفن الْحَلَال أَي يطيب ويغطى وَجهه وَرَأسه وَكَيْفِيَّة التَّكْفِين أَن يبسط للرِّجَال اللفافة ثمَّ يبسط عَلَيْهَا إِزَار ثمَّ قَمِيص ثمَّ يوضع الْمَيِّت على الْقَمِيص فيقمص وَيُوضَع الحنوط فِي رَأسه ولحيته وَسَائِر جسده وَلَا بَأْس بِسَائِر الطّيب غير الزَّعْفَرَان والورس فِي حق الرِّجَال وَيُوضَع الكافور على مساجده أَي جَبهته وَأَنْفه وَيَديه وركبتيه وقدميه ثمَّ يلف الْإِزَار عَلَيْهِ من قبل الْيَسَار ثمَّ من قبل الْيَمين ثمَّ اللفافة كَذَلِك وَإِن خيف انتشار الْكَفَن يعْقد بِشَيْء. وَأما الْمَرْأَة فتبسط لَهَا اللفافة والإزار على مَا بَينا للرجل ثمَّ الدرْع ثمَّ تُوضَع عَلَيْهِ وتلبس الدرْع وَيجْعَل شعرهَا ضفيرتين على صدرها فَوق الدرْع ثمَّ يَجْعَل الْخمار فَوق ذَلِك ثمَّ يعْطف الْإِزَار ثمَّ اللفافة كَمَا بَينا فِي الرجل ثمَّ الْخِرْقَة بعد
стр. 651
ذَلِك ترْبط فَوق الأكفان فَوق الثديين ويجمر الأكفان قبل أَن يدرج فِيهَا وترا مرّة أَو ثَلَاثًا أَو خمْسا. وَلَا يُزَاد على هَذَا.
وَجَمِيع مَا يجمر فِيهِ الْمَيِّت ثَلَاثَة مَوَاضِع عِنْد خُرُوج روحه لإِزَالَة الرَّائِحَة الكريهة وَعند غسله - وَعند تكفينه. وَلَو مَاتَ رجل بَين النِّسَاء تيَمّمه ذَات رحم محرم مِنْهُ أَو زَوجته أَو أمته بِغَيْر ثوب وَغَيرهَا بِثَوْب. وَلَو مَاتَت امْرَأَة بَين الرِّجَال ييممها ذُو رحم مِنْهَا وَإِن لم يكن فالأجنبي يلف على يَدَيْهِ خرقَة ثمَّ ييممها.
(بَاب الْكَاف مَعَ اللَّام)
الْكَلْب: بِسُكُون اللَّام (سِكَك) وَبِفَتْحِهَا (سِكَك ديوانه) . وَأَيْضًا يشبه الْجُنُون يحدث للْإنْسَان من عض الْكَلْب الْكَلْب وَهُوَ الْكَلْب الَّذِي يَأْكُل لُحُوم النَّاس وَيَأْخُذهُ من ذَلِك شبه جُنُون وَلَا يعَض إنْسَانا إِلَّا كلب وَلَا دَوَاء لَهُ أنجع من شرب دم ملك أَي سيد صَحِيح النّسَب من ولد عَليّ وَفَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَطَرِيقَة شرب الدَّم أَن يشد الْأصْبع من الرجل الْيُسْرَى من السَّيِّد الْأَصِيل النجيب الصَّحِيح النّسَب فَيُؤْخَذ من دَمه قَطْرَة على تَمْرَة يطعم بهَا المعضوض فَيبرأ بِإِذن الله تَعَالَى. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ إِذا قرئَ حِين الملاقات بالكلب الْكَلْب أَو تحفظ مَكْتُوبَة لَا يُؤْذِيه بِإِذن الله تَعَالَى وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي التذْكَار فِي أفضل الْأَذْكَار بلغنَا عَن من تقدم أَن فِي سُورَة الرَّحْمَن آيَة تقْرَأ على الْكَلْب إِذا حمل على الْإِنْسَان وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا من أقطار السَّمَوَات وَالْأَرْض فانفذوا لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان﴾ فَإِنَّهُ لَا يُؤْذِيه بِإِذن الله تَعَالَى.
الْكَلم: بِفَتْح الأول وَكسر الثَّانِي جنس مِمَّا الْفَارِق بَينه وَبَين واحده التَّاء كتمر وَتَمْرَة فوزانه تمر بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمْرَة فلفظه مُفْرد - وَإِنَّمَا سمي جمعا نظرا إِلَى مَعْنَاهُ الجنسي فَهُوَ بِاعْتِبَار لَفظه مُفْرد وَبِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الجنسي جمع ولاعتبار جَانِبي اللَّفْظ وَالْمعْنَى يجوز فِي وَصفه التَّذْكِير والتأنيث ثمَّ لما غلب اسْتِعْمَال الْكَلم على ثَلَاثَة وَمَا فَوْقهَا بِحَيْثُ لَا يسْتَعْمل فِي الْوَاحِد والاثنين أصلا توهم بَعضهم أَنَّهَا جمع كلمة وَلَيْسَ
стр. 652
مثل ثَمَر وَتَمْرَة - وَالْحق أَنه لَيْسَ بِجمع لأمرين: أَحدهمَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ - بتذكير الْوَصْف فَإِنَّهُم أَجمعُوا على امْتنَاع وصف الْجمع بالمفرد الْمُذكر - وعَلى أَن هَذَا الْوَصْف هُوَ الْفَارِق بَين الْجمع وَاسم الْجمع. وَالثَّانِي: أَن لفظ الْكَلم لَيْسَ على وزن من أوزان الْجمع فَلَا يَنْبَغِي أَن يشك فِي جمعية الْكَلم بِاعْتِبَار مَعْنَاهُ الجنسي كَمَا لَا يشك فِي جمعية تمر وَركب بذلك الِاعْتِبَار فَإِن جمعية الْكَلم وَالتَّمْر والركب بِهَذَا الْمَعْنى يقيني مَقْطُوع بِهِ. وَأَيْضًا لَا يَنْبَغِي أَن لَا يشك فِي عدم جمعية الْكَلم حَقِيقَة بِاعْتِبَار اللَّفْظ كَمَا لَا يشك فِي جمعية نسب ورتب جمع نِسْبَة ورتبة فَإِنَّهُمَا جمعان حقيقيان لفظا لِأَن جمعية الْكَلم بِهَذَا الْمَعْنى منتفية قطعا - فالكلم مثل تمر وَركب وَلَيْسَ مثل نسب ورتب وَلِهَذَا قَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي التَّلْوِيح فَفِي قَوْله والكلم إِن كَانَ جمعا حزازة وَالصَّوَاب وَإِن كَانَ بِالْوَاو. وَوجه الحزازة أَي القباحة على مَا نقل عَنهُ أَنه يشْعر بالتردد وَلَا تردد فِيهِ أَي فِي جمعية الْكَلم بِالْمَعْنَى الجنسي إِذْ الجمعية بِهَذَا الْمَعْنى ثَابِتَة فِيهِ والجمعية اللفظية منتفية فِيهِ لما مر وَإِنَّمَا كَانَ وَإِن كَانَ بِالْوَاو صَوَابا لدلالته هِيَ الْقطع بالجمعية - والجمعية بِاعْتِبَار معنى الجنسية مَقْطُوع بهَا فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ نَافِع فِي التَّلْوِيح.
الْكَلِمَة: مُشْتَقَّة من الْكَلم بِسُكُون اللَّام بِمَعْنى الْجرْح. وَهِي عِنْد أهل الْحق مَا يكنى بِهِ عَن كل وَاحِدَة من الماهيات والأعيان. وَعند النُّحَاة لفظ وضع لِمَعْنى مُفْرد. وَعند المنطقيين مرادف للْفِعْل يَعْنِي كلمة دلّت على معنى فِي نَفسهَا مقترن بِأحد الْأَزْمِنَة الثَّلَاثَة - وَأما إِن كَون كل فعل عِنْد النُّحَاة كلمة عِنْد المنطقيين أَو لَا فمسئلة معركة الآراء - وَإِن أردْت الِاطِّلَاع عَلَيْهَا فَانْظُر فِي لَيْسَ كل فعل عِنْد الْعَرَب كلمة عِنْد المنطقين، وَفِي الشَّرْع الْكَلِمَة الطّيبَة أَعنِي لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله. وفضائلها أَكثر من أَن تحصى وَبَعضهَا مَذْكُور فِي الْقَبْر فَانْظُر فِيهِ فَإِنَّهُ ينفعك لبَقَاء الْإِيمَان فَإِن قيل إِن أُرِيد بِلَفْظ إِلَه فِي الْكَلِمَة الطّيبَة المعبود الْمُطلق لم يَصح الحكم بِالنَّفْيِ. وَإِن أُرِيد المعبود بِالْحَقِّ لزم اسْتثِْنَاء الشَّيْء عَن نَفسه أَقُول: إِنَّا نَخْتَار الثَّانِي وَلَا نسلم الْمَحْذُور الْمَذْكُور لِأَن المعبود بِالْحَقِّ أَعم من الله تَعَالَى مفهوما وَإِن كَانَ مُسَاوِيا لَهُ صدقا وَعُمُوم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ صدقا يَكْفِي فِي صِحَة الِاسْتِثْنَاء. وَكلمَة لَا لنفي الْجِنْس وإله اسْمهَا وخبرها مَحْذُوف فَإِن قيل خَبَرهَا الْمَحْذُوف إِمَّا مَوْجُودا وممكن وَلَا يَصح الأول وَلَا الثَّانِي. أما الأول: فَلِأَن تَقْدِير الْكَلَام حِينَئِذٍ لَا إِلَه مَوْجُود إِلَّا الله وَنفي الْوُجُود لَا يسْتَلْزم نفي الْإِمْكَان بِخِلَاف الْعَكْس فَيبقى إِمْكَان تِلْكَ الْأَفْرَاد المتعددة على حَاله فَلَا يكون توحيدا مَحْضا لِأَن الْمَقْصُود إِثْبَات امْتنَاع شريك الْبَارِي لَا نفي وجوده مَعَ إِمْكَانه. وأمال الثَّانِي: فَلِأَن الْمَعْنى حِينَئِذٍ فِي لَا إِلَه مُمكن إِلَّا الله. وَأَنت تعلم أَن الْإِمْكَان لَا يسْتَلْزم الْوُجُود فَلَا يعلم حِينَئِذٍ إِلَّا إِمْكَانه تَعَالَى لَا وجوده تَعَالَى. وللعلماء فِي جَوَاب هَذَا الْإِشْكَال
стр. 653
أنحاء شَتَّى ذكرتها فِي نظام الْجَوَاهِر مَعَ مَا سنح لي فِي دَفعه وَهُوَ أَن هَذِه الْقَضِيَّة سالبة ضَرُورِيَّة بِمَعْنى أَنه حكم فِيهَا بِسَبَب الْمَحْمُول الثَّابِت للموضوع بِالضَّرُورَةِ فَلَا إِشْكَال لِأَن الْمَعْنى حِينَئِذٍ لَا إِلَه مَوْجُود بِالضَّرُورَةِ إِلَّا الله فَإِنَّهُ مَوْجُود بِالضَّرُورَةِ فَتَأمل حَتَّى يظْهر لَك حسن هَذَا الْمقَال وَلَا تذْهب إِلَى مَا قيل أَو يُقَال.
أَلا ترى أَن من قَالَ فِي التفصي عَن هَذَا الْمقَال إِن كلمة لَا هَذِه لَيست لنفي الْجِنْس حَتَّى يحْتَاج إِلَى حذف الْخَبَر حَتَّى يرد الْإِشْكَال بل هِيَ للنَّفْي دَالَّة بِمَعْنى معبود مُبْتَدأ وَالله خَبره مثل لَا ضَارب زيد فَكَانَ لَا إِلَه إِلَّا الله فِي الأَصْل معبود الله - ثمَّ جِيءَ بِلَا النافية وبألا للحصر فَالْمَعْنى أَن المعبود هُوَ الله لَا غير.
يرد عَلَيْهِ أَن كلمة لَا لما كَانَت للنَّفْي فإمَّا هِيَ نَافِيَة لذات الْإِلَه أَو لوُجُوده لَا سَبِيل إِلَى الأول لِأَن نفي الذَّات لَا يكون إِلَّا بِاعْتِبَار تقرره وثبوته لَا نَفسه وَلَا إِلَى الثَّانِي لوُرُود الْمَحْذُور الْمَذْكُور. وَأَيْضًا لَا بُد لكلمة إِلَّا من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَهُوَ إِمَّا مَوْجُود أَو مُمكن فَيَعُود الْإِشْكَال بحذافيره.
الْكَلَام: كالكلمة فِي الِاشْتِقَاق من الْكَلم بتسكين اللَّام وَهُوَ الْجرْح. وَقد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا يتَكَلَّم بِهِ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا. وَفِي اصْطِلَاح النُّحَاة لفظ تضمن كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ مُطلقًا يَعْنِي سَوَاء كَانَ ذَلِك الْإِسْنَاد مَقْصُودا لذاته أَو لَا فَحِينَئِذٍ بَين الْكَلَام وَالْجُمْلَة ترادف كَمَا ذهب إِلَيْهِ صَاحب اللّبَاب وَصَاحب الْمفصل وَإِلَيْهِ يشْعر كَلَام الْعَلامَة ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى حَيْثُ لم يُقيد الْإِسْنَاد بِالْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ وَإِذا قيد بِهِ فبينهما عُمُوم وخصوص مُطلقًا.
وَقَالَ القَاضِي شهَاب الدّين الْهِنْدِيّ رَحمَه الله تَعَالَى: إِن المُرَاد بِالْإِسْنَادِ فِي كَلَام الْعَلامَة هُوَ الْإِسْنَاد الْمُقَيد لِأَن اللَّام للْعهد يُشِير إِلَيْهِ وَأَيْضًا أَن الْجُمْلَة أَعم مُطلقًا من الْكَلَام من جِهَة أَنَّهَا عبارَة عَن كَلِمَتَيْنِ أسندت إِحْدَاهمَا إِلَى الْأُخْرَى سَوَاء أَفَادَ فَائِدَة تَامَّة كَقَوْلِك زيد قَائِم أَو لم يفد كَقَوْلِك إِن يكرمني زيد - فَإِنَّهُ جملَته لَا تفِيد إِلَّا بعد مَجِيء الْجَواب وَلَيْسَ بِكَلَام فَيكون الْجُمْلَة حِينَئِذٍ أَعم من الْكَلَام مُطلقًا وَعلم الْكَلَام علم بِأُمُور يحصل مَعَه حصولا دَائِما عاديا قدرَة تَامَّة على إِثْبَات العقائد الدِّينِيَّة على الْغَيْر وإلزامه إِيَّاهَا بإيراد الْحجَج عَلَيْهَا وَدفع الشّبَه عَنْهَا. وَالْمرَاد بالعقائد مَا يقْصد فِيهِ نفس الِاعْتِقَاد كَقَوْلِنَا الله تَعَالَى عَالم قَادر سميع بَصِير وَهَذِه تسمى اعتقادية وأصلية وعقائد. وَقد دون علم الْكَلَام لحفظها فَإِنَّهَا مضبوطة محصورة لَا تتزايد فِيهَا أَنْفسهَا فَلَا يتَعَذَّر الْإِحَاطَة بهَا والاقتدار على إِثْبَاتهَا وَإِنَّمَا يتكثر وُجُوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها - وَالثَّانِي مَا يقْصد بِهِ الْعَمَل كَقَوْلِنَا الْوتر وَاجِب وَالزَّكَاة فَرِيضَة وَهَذِه تسمى عملية وفرعية وأحكامها ظاهرية. وَقد دون علم الْفِقْه لَهَا وَأَنَّهَا لَا تكَاد تَنْحَصِر فِي عدد بل تتزايد بتعاقب الْحَوَادِث الْعَقْلِيَّة فَلَا يَتَأَتَّى أَن يحاط بهَا كلهَا وَإِنَّمَا مبلغ من يعلمهَا هُوَ
стр. 654
التهيؤ التَّام لَهَا أَعنِي أَن يكون عِنْده مَا يَكْفِيهِ فِي استعلامها إِذا رَجَعَ إِلَيْهِ وَالْمرَاد بالعقائد الدِّينِيَّة العقائد المنسوبة إِلَى دين مُحَمَّد ﷺ َ - وموضوعه الْمَعْلُوم وَمن حَيْثُ إِنَّه يتَعَلَّق بِهِ إِثْبَات العقائد الدِّينِيَّة تعلقا قَرِيبا أَو بَعيدا وَذَلِكَ لِأَن مسَائِل هَذَا الْعلم. إِمَّا عقائد دينية كإثبات الْقدَم والوحدة للصانع وَإِثْبَات الْحُدُوث وَصِحَّة الْإِعَادَة للأجسام. وَإِمَّا قضايا تتَوَقَّف عَلَيْهَا تِلْكَ العقائد كتركب الْأَجْسَام من الْجَوَاهِر الفردة وَجَوَاز الْخَلَاء وكإنشاء الْحَال وَعدم تمايز المعدومات الْمُحْتَاج إِلَيْهَا فِي اعْتِقَاد كَون صِفَاته تَعَالَى مُتعَدِّدَة مَوْجُودَة فِي ذَاته والشامل لموضوعات هَذِه الْمسَائِل هُوَ الْمَعْلُوم المتناول للموجود والمعدوم وَالْحَال فَإِن حكم على الْمَعْلُوم بِمَا هُوَ من العقائد الدِّينِيَّة تعلق بِهِ إِثْبَاتهَا تعلقا قَرِيبا. وَإِن حكم عَلَيْهِ بِمَا هُوَ وَسِيلَة إِلَيْهَا تعلق بِهِ إِثْبَاتهَا تعلقا بَعيدا وللبعد مَرَاتِب مُتَفَاوِتَة.
وَقَالَ القَاضِي الأرموي: مَوْضُوع الْكَلَام ذَات الله تَعَالَى إِذْ يبْحَث فِيهِ عَن أعراضه الذاتية أَعنِي عَن صِفَاته الثبوتية والسلبية وَعَن أفعالها. وَأما فِي الدُّنْيَا كأحداث الْعَالم. وَأما فِي الْآخِرَة كالحشر للأجساد مثلا وَهَذَا مَنْظُور فِيهِ لِأَنَّهُ يبْحَث فِي علم الْكَلَام عَن أَحْوَال الْجَوَاهِر والأعراض لَا من حَيْثُ هِيَ مستندة إِلَيْهِ تَعَالَى حَتَّى يُمكن إدراجها فِي الْبَحْث عَن الْأَعْرَاض الذاتية. وَقيل الْكَلَام هُوَ الْعلم الباحث عَن أَحْوَال البدء والمعاد على نهج قانون الْإِسْلَام وَيفهم مِمَّا قَالَ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح العقائد النسفية إِن علم الْكَلَام مَا يُفِيد معرفَة العقائد عَن أدلتها وَأَشَارَ رَحمَه الله تَعَالَى هُنَاكَ إِلَى وَجه تَسْمِيَة هَذَا الْعلم بالْكلَام بِوُجُوه شَتَّى مِنْهَا قَوْله وَلِأَنَّهُ أول مَا يجب من الْعُلُوم الَّتِي إِنَّمَا تعلم وتتعلم بالْكلَام فَأطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم لذَلِك ثمَّ خص بِهِ وَلم يُطلق على غَيره تمييزا انْتهى. وَقَالَ صَاحب الخيالات اللطيفة قَوْله فَأطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم أَي أَولا إِذْ لَو لم يُقيد بِهِ لضاع أما قيد الأول فِي الأول الخ، اعْلَم أَن قَوْله إِذْ لَو لم يُقيد الخ حَاصله أَن قَول الشَّارِع الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى لذَلِك أما إِشَارَة إِلَى كَون الْكَلَام من الْعُلُوم الَّتِي إِنَّمَا تعلم وتتعلم بالْكلَام فَحِينَئِذٍ لفظ الأول فِي قَوْله: وَلِأَنَّهُ أول إِمَّا يجب إِلَى آخِره زَائِد لَا فَائِدَة فِيهِ كَمَا لَا يخفى ولظهوره تَركه الْمحشِي وَإِمَّا إِشَارَة إِلَى كَون الْكَلَام أول مَا يجب إِلَى آخِره فَحِينَئِذٍ لَا حجَّة إِلَى قَوْله ثمَّ خص بِهِ إِذْ لَا شركَة إِلَى آخِره بِخِلَاف مَا إِذا قيد الْإِطْلَاق بقولنَا أَو لَا فَحِينَئِذٍ يكون قَوْله ذَلِك إِشَارَة إِلَى كَون الْكَلَام من تِلْكَ الْعُلُوم فَالْمَعْنى أَنه أطلق عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم لذَلِك أَي لكَونه من تِلْكَ الْعُلُوم إطلاقا أَولا لِأَنَّهُ أول مَا يجب أَن يعلم إِلَى آخِره فَحِينَئِذٍ قَوْله ثمَّ خص إِلَى آخِره جَوَاب سُؤال مُقَدّر كَأَنَّهُ قيل لما كَانَ وَجه إِطْلَاق هَذَا الِاسْم كَون الْكَلَام من تِلْكَ الْعُلُوم وَهَذَا الْوَجْه مُشْتَرك بَين هَذَا الْعلم أَي الْكَلَام وَغَيره فَمَا وَجه التَّخْصِيص فَأجَاب بقوله ثمَّ خص بِهِ إِلَى آخِره وَقَوله وَأما احْتِمَال تَسْمِيَة الْغَيْر إِلَى آخِره جَوَاب عَن سُؤال
стр. 655
مُقَدّر كَأَنَّهُ قيل إِنَّا نَخْتَار الْإِشَارَة إِلَى كَون الْكَلَام أول مَا يجب وَلَا يلْزم حِينَئِذٍ ضيَاع قَوْله ثمَّ خص بِهِ إِلَى آخِره لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون لدفع احْتِمَال أَن يُسمى غير الْكَلَام بِهَذَا الِاسْم لغير هَذَا الْوَجْه فَأجَاب الْمحشِي ﵀ بِأَن هَذَا الِاحْتِمَال قَائِم فِي بَاقِي الْوُجُوه الْمَذْكُورَة أَيْضا فَافْهَم هَذَا مَا ذكرنَا فِي الْحَوَاشِي على الْحَوَاشِي الخيالية.
وَفِي خزانَة الْمُفْتِينَ فِي الرَّوْضَة: وَيمْنَع الصَّلَاة خلف من يَخُوض فِي علم الْكَلَام وَإِن تكلم بِحَق. وَرُوِيَ عَن الشَّافِعِي ﵀ أَن رجلا إِذا أوصى بكتب الْعلم لشخص لَا تدخل كتب الْكَلَام فِي الْوَصِيَّة لِأَن الْكَلَام لَيْسَ بِعلم. وَقَالَ مَالك ﵁ لَا يجوز شَهَادَة أهل الْبدع والأهواء وَقَالَ أَصْحَابه إِنَّه ﵁ أَرَادَ بِأَهْل الْأَهْوَاء أهل الْكَلَام على أَي مَذْهَب كَانُوا. وَقَالَ أَبُو يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى: من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل ﵁: عُلَمَاء الْكَلَام زنادقة.
وَاعْلَم أَن أكَابِر الْمُتَكَلِّمين لم يثبتوا وَلم يصححوا عقائد بالدلائل الكلامية إِذْ لَيْسَ الْغَرَض من الْكَلَام إِلَّا إفحام الجاحد وإلزام المعاند فمأخذ أنوار عقائدهم مشكوة النُّبُوَّة لَا غير.
(علم دين فقه است وَتَفْسِير وَحَدِيث ... هركه خواند غير ازين كردد خَبِيث)
وَاعْلَم أَن الْكَلَام من صِفَاته تَعَالَى الأزلية الْقَدِيمَة وَأَن أَرْبَاب الْملَل لما رَأَوْا اجْتِمَاع النتيجتين المتنافيتين الحاصلتين من قَوْلهم الْكَلَام صفة الله تَعَالَى وكل مَا هُوَ صفته تَعَالَى فَهُوَ قديم فَالْكَلَام قديم وَالْكَلَام مُرَتّب الْأَجْزَاء مقدم بَعْضهَا على بعض وكل مَا هُوَ كَذَلِك فَهُوَ حَادث فَالْكَلَام حَادث. منع كل طَائِفَة مُقَدّمَة فِيهَا كالمعتزلة للاولى والكرامية للثَّانِيَة والأشاعرة للثالثة والحنابلة للرابعة. وَالْحق أَن الْكَلَام يُطلق على مَعْنيين على الْكَلَام النَّفْسِيّ وعَلى الْكَلَام اللَّفْظِيّ اللساني وَقد يقسم الْأَخير إِلَى حالتين مَا للمتكلم بِالْفِعْلِ وَمَا للمتكلم بِالْقُوَّةِ ويتبين الْكل بالضد كالنسيان للْأولِ وَالسُّكُوت للثَّانِي والخرس للثَّالِث. وَالْمعْنَى يُطلق على مَعْنيين الْمَعْنى الَّذِي هُوَ مَدْلُول اللَّفْظ وَالْمعْنَى الَّذِي هُوَ الْقَائِم بِالْغَيْر. فالشيخ الْأَشْعَرِيّ لما قَالَ الْكَلَام هُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ فهم الْأَصْحَاب مِنْهُ أَن المُرَاد مِنْهُ مَدْلُول اللَّفْظ حَتَّى قَالُوا بحدوث الْأَلْفَاظ وَله لَوَازِم كَثِيرَة فَاسِدَة. كَعَدم التَّكْفِير لمنكري كَلَامه تَعَالَى مَا بَين الدفتين لكنه علم بِالضَّرُورَةِ من الدّين أَنه كَلَام الله تَعَالَى. وكلزوم عدم الْمُعَارضَة والتحدي بالْكلَام. بل نقُول المُرَاد بِهِ الْكَلَام النَّفْسِيّ بِالْمَعْنَى الثَّانِي شَامِلًا للفظ وَالْمعْنَى قَائِما بِذَات الله تَعَالَى وَهُوَ مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف مقروء بالألسنة مَحْفُوظ فِي الصُّدُور وَهُوَ غير الْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة وَالْحِفْظ الْحَادِثَة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور من أَن الْقِرَاءَة غير المقروء. وَقَوْلهمْ إِنَّه مترتب الْأَجْزَاء قُلْنَا. لَا نسلم
стр. 656
بل الْمَعْنى الَّذِي فِي النَّفس لَا ترَتّب فِيهِ وَلَا تَأَخّر كَمَا هُوَ قَائِم بِنَفس الْحَافِظ وَلَا ترَتّب فِيهِ. نعم الترتب إِنَّمَا يحصل فِي التَّلَفُّظ لضَرُورَة عدم مساعدة الْآلَة وَهُوَ حَادث مِنْهُ وَتحمل الْأَدِلَّة على الْحُدُوث على حُدُوثه جمعا بَين الْأَدِلَّة وَهَذَا الْبَحْث وَإِن كَانَ ظَاهره خلاف مَا عَلَيْهِ متأخروا الْقَوْم لَكِن بعد التَّأَمُّل يعرف حَقِيقَته وَالْحق أَن هَذَا الْمحمل محمل صَحِيح لكَلَام الشَّيْخ وَلَا غُبَار عَلَيْهِ.
الْكَلَام اللَّفْظِيّ: هُوَ الْمركب من الْأَلْفَاظ والحروف الدَّالَّة على معنى فِي نفس الْمُتَكَلّم.
الْكَلَام النَّفْسِيّ: هُوَ معنى فِي نفس الْمُتَكَلّم يدل عَلَيْهِ بالعبارة أَو الْكِتَابَة أَو الْإِشَارَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الأخطل.
(إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا)
وَالْمرَاد بِالْمَعْنَى مَا يُقَابل النّظم والألفاظ لَا مَا فِيهِ يُقَابل الذَّات.
كُله سر: فِي الطلسم فَارْجِع إِلَيْهِ حَتَّى يظْهر لَك سره.
الْكَلم من الْكَلِمَة: أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكَلِمَة بِمَنْزِلَة التَّمْر من الثَّمَرَة يفرق بَين الْجِنْس وواحده بِالتَّاءِ فكلمة من فِي مثل هَذَا الْمقَام لبَيَان معنى النِّسْبَة وَقيل كلمة من فِي الْمَوْضِعَيْنِ ابتدائية إِلَّا أَن الِابْتِدَاء بِاعْتِبَار الِاتِّصَال وَالْمعْنَى أَن الْكَلم حَال كَونه ناشئا من الْكَلِمَة مُتَّصِلا بهَا بِمَنْزِلَة التَّمْر حَال كَونه ناشئا من التمرة مُتَّصِلا بهَا. وَمُلَخَّصه أَن اتِّصَال الْكَلم بِالْكَلِمَةِ مثل اتِّصَال التَّمْر بالتمرة وَالْأول أولى لأَنهم قَالُوا إِن أصل هَذَا التَّرْكِيب لما وَقع فِي النِّسْبَة بِالْقربِ والبعد شاع اسْتِعْمَاله بِمن فَافْهَم واحفظ فَإِنَّهُ نَافِع فِي التَّلْوِيح.
الْكَلِمَات الْحَقِيقِيَّة: والكلمات الوجودية، اعْلَم أَن المنطقيين سموا مَا هُوَ فعل عِنْد النُّحَاة كلمة وَقَالُوا إِن الْكَلِمَات على نَوْعَيْنِ: حَقِيقِيَّة إِن دلّت على نِسْبَة شَيْء دَاخل فِي مدلولها إِلَى مَوْضُوع مَا وعَلى زمانها كضرب مثلا - ووجودية إِن دلّت على نِسْبَة شَيْء خَارج عَن مدلولها وعَلى زمانها ككان مثلا.
الْكَلَالَة: الإعياء وَذَهَاب الْقُوَّة هَذَا فِي أصل اللُّغَة ثمَّ استعيرت لقرابة من عدا الْوَلَد وَالْوَالِد أَي لهَذِهِ الْقَرَابَة الْمقيدَة كَانَ هَذِه الْقَرَابَة كلا ضَعِيفَة بِالْقِيَاسِ إِلَى قرَابَة الْوَلَد وَالْوَالِد. وَيُطلق أَيْضا على من لَا يخلف ولدا وَلَا والدا وَأَيْضًا على من لَيْسَ بِولد وَلَا وَالِد من الْمُخلفين.
وَاعْلَم أَن أهل اللُّغَة اخْتلفُوا فِي الْكَلَالَة وَاخْتَارَ أهل الْبَصْرَة أَنه اسْم لمَيت لَيْسَ لَهُ ولد وَلَا وَالِد - وَاخْتَارَ اهل الْكُوفَة وَالْمَدينَة أَنه اسْم لوَرَثَة لَيْسَ فيهم ولد وَلَا وَالِد -
стр. 657
وَالْأول أصح لتفسير النَّبِي ﵊ لما رُوِيَ أَنه ﷺ َ - وَصَحبه وَسلم قَالَ الْكَلَالَة من لَيْسَ لَهُ ولد وَلَا وَالِد .
كل مِقْدَار وسط فِي النِّسْبَة فَهُوَ ضلع مَا يُحِيط بِهِ الطرفان: فِي الْمِقْدَار إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
كل مركب مُمكن: أَي مفتقر إِلَى الْأَجْزَاء وكل مفتقر إِلَى الْغَيْر مُمكن وَلَيْسَ فِي طباع الْمركب ضَرُورِيَّة الفعلية أَو الْبطلَان حَتَّى يكون وَاجِبا أَو مُمْتَنعا وَهَا هُنَا شكّ يبتنى على ضابطة كُلية وَهِي أَن الْكُلِّي كَمَا يُطلق على وَاحِد من أَفْرَاده بِصدق وَاحِد كَذَلِك يصدق على كثيرين من أَفْرَاده بِصدق وَاحِد كَمَا فصلناها فِي الْفَصْل - وَتَقْرِير الشَّك أَن قَوْلهم كل مركب مُمكن بَاطِل لاستلزامه كَون الْمُمْتَنع مُمكنا فَإِن شريك الْبَارِي كَمَا يصدق على وَاحِد من أَفْرَاده أَعنِي شريك الْبَارِي كَذَلِك يصدق على مَجْمُوع شَرِيكي الْبَارِي بِحكم تِلْكَ الضابطة فبعض شريك الْبَارِي مركب فَلَو كَانَ كل مركب مُمكنا لزم كَون شريك الْبَارِي مُمكنا وَهُوَ مُمْتَنع بِالذَّاتِ. وَلَا يخفى على المستيقظ إِيرَاد هَذَا الشَّك لنقض تِلْكَ الضابطة أَيْضا - وَالْجَوَاب الَّذِي ذكره القَاضِي محب الله فِي السّلم لما كَانَ مُجملا أردْت تَفْصِيله وتوضيحه مستعينا بِاللَّه الْهَادِي إِلَى الصَّوَاب - فَأَقُول إِن اللَّازِم من هَذَا الشَّك هُوَ إِمْكَان مَفْهُوم مَجْمُوع شَرِيكي الْبَارِي لافتقاره إِلَى الْأَجْزَاء للتأليف والاجتماع بِحَسب تقوم نفس ماهيته فِي الْوُجُود الفرضي وَهَذَا الْإِمْكَان لَا يضر الِامْتِنَاع الذاتي فِي نفس الْأَمر فَلَا يكون مُمكنا فِي نفس الْأَمر حَتَّى يُنَافِي الِامْتِنَاع الذاتي -.
والسر فِيهِ أَن الافتقار نَوْعَانِ: الأول: افتقار الْمَاهِيّة فِي الصُّدُور إِلَى جاعلها - وَالثَّانِي: افتقارها إِلَى المقومات والافتقار الأول يسْتَوْجب التباين الْحَقِيقِيّ بِالذَّاتِ والوجود بَين المفتقر والمفتقر إِلَيْهِ والافتقار الثَّانِي لَا يَقْتَضِي التباين الْمَذْكُور بل يَكْفِيهِ التغاير فِي نَحْو من اللحاظ كلحاظ الْإِبْهَام والتحصل والتعين وَأَيْضًا الأول يَقْتَضِي الْإِمْكَان الذاتي دون الثَّانِي حَتَّى لَو فرض انسلاخ الْمَاهِيّة المركبة عَن الْإِمْكَان الذاتي والافتقار الأول لَا يَنْسَلِخ عَنْهَا الافتقار الثَّانِي فيجامع الافتقار الثَّانِي مَعَ عدم الْإِمْكَان الذاتي فَلَا يُنَافِيهِ. فللماهية المركبة الممكنة افتقاران افتقار فِي الصُّدُور والمجعولية إِلَى الْجَاعِل من جِهَة الْإِمْكَان الذاتي. وافتقار إِلَى المقومات من جِهَة التَّرْكِيب والتأليف. وللماهية البسيطة الممكنة افتقار وَاحِد هُوَ افتقارها فِي المجعولية إِلَى الْجَاعِل من جِهَة إمكانها الذاتي. فالتركيب لَا يسْتَلْزم فِي نفس الْأَمر. وَأما إِمْكَانه وافتقاره من حَيْثُ التَّأْلِيف والتقوم على فرض التقرر والوجود فَلَا يَقْتَضِي الْإِمْكَان الذاتي فَلَا يُنَافِي الِامْتِنَاع الذاتي. فَيجوز أَن يكون شَيْئا مُمْتَنعا بِالذَّاتِ وممكنا بِحَسب التَّأْلِيف على فرض الْوُجُود. وَيكون مَفْهُوم مَجْمُوع شَرِيكي الْبَارِي من هَذَا الْقَبِيل.
وَلَك أَن تَقول فِي تَقْرِير الْجَواب أَنه إِن أُرِيد أَن الْمركب مُمكن مفتقر فِي صدوره
стр. 658
ووجوده إِلَى الْجَاعِل. فَقَوْلهم كل مركب مُمكن مَمْنُوع لجَوَاز أَن يكون بعض الْمركب مُمْتَنعا بِالذَّاتِ. وَإِن أُرِيد أَن الْمركب مُمكن مفتقر إِلَى مقوماته الَّتِي تدخل فِي قوام ماهيته فَمُسلم. لَكِن هَذَا الْإِمْكَان والافتقار لَا يُوجب الْإِمْكَان الذاتي الْمنَافِي للامتناع الذاتي. فَيجوز أَن يكون مَجْمُوع شَرِيكي الْبَارِي مُمكنا بِاعْتِبَار التَّرْكِيب والافتقار إِلَى المقومات مُمْتَنعا بِالذَّاتِ.
وَاعْلَم أَنه لما ثَبت أَن الافتقار على نَوْعَيْنِ يكون المفتقر إِلَيْهِ وَهُوَ الْعلَّة الَّتِي تفْتَقر إِلَيْهَا الْمَاهِيّة الممكنة أَيْضا على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: جاعلها الَّذِي يصدر عَنهُ نَفسهَا أَو اتصافها بالوجود على الِاخْتِلَاف فِي الْجعل. فافتقارها إِلَيْهِ افتقار صُدُور وَخُرُوج من الليس إِلَى الأيس من حَيْثُ إفادته فعليتها وقوامها بِحَسب إمكانها. وَهَذَا هُوَ عِلّة الْوُجُود. وَثَانِيهمَا: مقوماتها الَّتِي تدخل فِي قوامها ويتألف جوهرها مِنْهَا وافتقار الْمَاهِيّة إِلَيْهَا لَيْسَ افتقار صُدُور لِاسْتِحَالَة كَون ذَات الْمَاهِيّة مجعولة لجزئها بل افتقارها افتقار التَّأْلِيف والتركيب فِي تقوم ذَاتهَا. وَهَذَا هُوَ عِلّة الْمَاهِيّة بِالْمَعْنَى الاصطلاحي. وافتقار الشَّيْء إِلَى هَذِه الْعلَّة لَا يُوجب إِمْكَانه الذاتي وَقد يُقَال إِن عِلّة الْمَاهِيّة نَوْعَانِ الْجَاعِل والمقوم. فَلَا يُرَاد بهَا الْمَعْنى الاصطلاحي بل يُرَاد بهَا الْمَعْنى اللّغَوِيّ أَي مَا تفْتَقر إِلَيْهِ الْمَاهِيّة مُطلقًا أَي من غير تقيد بالصدور أَو القوام هَذَا وَلَعَلَّ عِنْد غَيْرِي أحسن من هَذَا.
الْكل: فِي اللُّغَة الْمَجْمُوع الْمعِين. وَفِي الِاصْطِلَاح مَا يتركب من الْأَجْزَاء. وَأَيْضًا الْكل اسْم للحق تَعَالَى بِاعْتِبَار الحضرة الوحدية الإلهية الجامعة للأسماء وَلِهَذَا يُقَال إحدي بِالذَّاتِ كلي بالأسماء.
وَاعْلَم أَن الْكل يسْتَلْزم جزءه بِدُونِ الْعَكْس. وَهَا هُنَا مغالطة وَهِي أَن الْكل لَا يسْتَلْزم جزءه لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مستلزما لزم صدق قَوْلنَا كلما تحقق النقيضان تحقق أَحدهمَا مَعَ أَن هَذِه الْقَضِيَّة كَاذِبَة. إِذْ لَو كَانَت صَادِقَة لزم صدق عكسها المستوى اللَّازِم لَهَا وَهُوَ قد يكون إِذا تحقق أحد النقيضين تحقق النقيضان مَعَ أَن هَذَا الْعَكْس كَاذِب بداهة. وحلها منع عدم صدق هَذَا الْعَكْس وَلَا يلْزم مِنْهُ تَسْلِيم اجْتِمَاع النقيضين فِي نفس الْأَمر لجَوَاز أَن يكون بعض الزَّمَان الَّذِي فرض تحقق أحد النقيضين فِيهِ محالا فقد اجْتمع النقيضان فِي هَذَا الزَّمَان الْمحَال فَافْهَم. ثمَّ الْكل على نَوْعَيْنِ: (مجموعي) مثل كل إِنْسَان لَا يشبعه هَذَا الرَّغِيف - (وإفرادي) مثل كل إِنْسَان حَيَوَان - فَفِي الأول يكون الحكم بِإِثْبَات الْمَحْمُول لمجموع أَفْرَاد الْمَوْضُوع أَو نَفْيه عَنهُ - وَفِي الثَّانِي يكون الحكم بِإِثْبَات الْمَحْمُول لكل وَاحِد وَاحِد من أَفْرَاد مَوْضُوعه ونفيه عَنهُ.
الْكُلِّي: عِنْد المنطقيين مَا لَا يمْنَع نفس تصَوره من وُقُوع الشّركَة فِيهِ كالحيوان. وَإِنَّمَا سمي كليا لِأَن كُلية الشَّيْء إِنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الجزئي. والكلي يكون جُزْء الجزئي غَالِبا فَيكون ذَلِك الشَّيْء مَنْسُوبا إِلَى الْكل والمنسوب إِلَى الْكل كلي كَمَا فصلنا
стр. 659
هَذَا المرام فِي الجزئي. وَمعنى اشْتِرَاك الْمَاهِيّة بَين كثيرين أَن صورتهَا الْعَقْلِيَّة مُطَابقَة لكل وَاحِد من جزئياتها. وَمعنى الْمُطَابقَة مُنَاسبَة مَخْصُوصَة لَا تكون لسَائِر الصُّور الْعَقْلِيَّة. فَإنَّا إِذا تعقلنا زيدا حصل فِي عقلنا أثر لَيْسَ ذَلِك الْأَثر هُوَ بِعَيْنِه الْأَثر الَّذِي يحصل فِي الْعقل عِنْد تعقلنا فرسا معينا. وَمعنى الْمُطَابقَة لكثيرين أَنه لَا يحصل من تعقل كل وَاحِد مِنْهَا أثر متجدد بل يكون الْحَاصِل فِي الْعقل من تعقل كل هُوَ الصُّورَة الْوَاحِدَة على تِلْكَ النِّسْبَة الْمَخْصُوصَة. فَإنَّا إِذا رَأينَا زيدا حصل مِنْهُ فِي أذهاننا الصُّورَة الإنسانية المعراة عَن المشخصات واللواحق. وَإِذا أبصرنا بعد ذَلِك خَالِدا لم تقع مِنْهُ صُورَة أُخْرَى بل الصُّورَة الْحَاصِلَة الأولى بِعَينهَا. بِخِلَاف مَا إِذا رَأينَا فرسا معينا فَافْهَم.
فَإِن قيل تَعْرِيف الْكُلِّي لَيْسَ بمانع لصدقه على الصُّورَة الخيالية من الْبَيْضَة الْمعينَة تنطبق على كل من البيضات بِحَيْثُ يجوز الْعقل أَن يكون هِيَ هِيَ. وَأَن ضَعِيف الْبَصَر يرى شبحا من بعيد وَيجوز عقله أَن يكون زيدا وعمرا إِلَى غير ذَلِك. وَأَن الطِّفْل فِي مبدأ الْولادَة لنُقْصَان الْحس الْمُشْتَرك لَا يَأْخُذ الصُّورَة عَمَّا هُوَ فِي الْخَارِج بِخُصُوصِهِ. وَلَا يفرق بَين أمه عَن غَيرهَا وَأَبِيهِ عَن غَيره بل يدْرك شبحا وَاحِدًا لَا يتَمَيَّز فِيهِ أَبَاهُ وَأمه عَن الْغَيْر. فَيلْزم أَن تكون هَذِه الصُّور كُلية مَعَ أَنهم عدوها من الجزئيات.
قُلْنَا المُرَاد وُقُوع الشّركَة على سَبِيل الِاجْتِمَاع لَا على الْبَدَلِيَّة والترديد وَصدق تِلْكَ الصُّور على الْكَثْرَة واشتراكها فِيهَا لَيْسَ على سَبِيل الِاجْتِمَاع بل على سَبِيل الْبَدَلِيَّة كَمَا لَا يخفى. فَإِن قيل إِن الصُّورَة الخارجية لزيد مثلا جزئي حَقِيقِيّ وَيصدق عَلَيْهَا تَعْرِيف الْكُلِّي لِأَنَّهَا تصدق وتطابق على سَبِيل الِاجْتِمَاع على الصُّور الْحَاصِلَة فِي أذهان طَائِفَة تصوروا زيدا كَمَا أَن كل وَاحِد من الصُّور الْحَاصِلَة فِي تِلْكَ الأذهان تطابق لتِلْك الصُّورَة الخارجية. فَإِن الْمُطَابقَة من الْجَانِبَيْنِ - وَالْعقل يجوز الْمُطَابقَة فِيمَا بَينهمَا على سَبِيل الِاجْتِمَاع. فَإِن التَّحْقِيق أَن حُصُول الْأَشْيَاء بأنفسها فِي الذِّهْن لَا بأشباحها وإظلالها. فَإِن الدَّلَائِل الدَّالَّة على الْوُجُود الذهْنِي للأشياء إِنَّمَا تدل على وجودهَا حَقِيقَة لَا بِاعْتِبَار الشبح والمثال الَّذِي هُوَ وجودهَا مجَازًا. وَأَيْضًا أَن الصُّورَة الذهنية لزيد جزئي حَقِيقِيّ وَتصدق على الصُّور الْحَاصِلَة فِي أذهان طَائِفَة تصوروا زيدا وتطابقها.
قُلْنَا لَا نسلم صدق الجزئي الْحَقِيقِيّ على شَيْء فضلا عَن أَن تصدق الصُّورَة الخارجية الْجُزْئِيَّة على الذهنية كَيفَ فَإِن الْحمل الْمُعْتَبر فِي حمل الْكُلِّي على جزئياته هُوَ الْحمل بالمواطأة - وَهُوَ أَن المتغايرين مفهوما متحدان ذاتا. وَهَذَا الْحمل بَين الصُّورَة الخارجية والذهنية مُنْتَفٍ. وَإِن سلمنَا فَنَقُول إِن الْكُلِّي والجزئي قِسْمَانِ للمفهوم الْعقلِيّ لأَنهم قَالُوا إِن الْمَفْهُوم أَي مَا حصل فِي الْعقل إِمَّا كلي وَإِمَّا جزئي. فالكلي على هَذَا هُوَ الْمَفْهُوم الْعقلِيّ الَّذِي لَا يمْنَع نفس تصَوره عَن وُقُوع الشّركَة فِيهِ وَالْمرَاد بِالشّركَةِ لَيست هِيَ الْمُطَابقَة مُطلقًا بل مُطَابقَة الْحَاصِل فِي الْعقل لكثيرين بِحَسب الْخَارِج بِأَن
стр. 660
يتكثر ذَلِك الْمَفْهُوم بِحَسب خَارج الذِّهْن بِمُجَرَّد النّظر إِلَيْهِ من حَيْثُ تصَوره فَقَط مَعَ الإغماض عَمَّا وَرَاه من برهَان التَّوْحِيد والخصوصيات الْمَانِعَة من التكثير فِي الْخَارِج وَالصُّورَة المتكثرة الْحَاصِلَة من زيد بِاعْتِبَار تكْثر الأذهان تستحيل أَن تتكثر فِي الْخَارِج عَن الذِّهْن بل كلهَا هوية زيد بِنَاء على أَنَّهَا لَو وجدت فِي الْخَارِج لكَانَتْ عين زيد. وَهَذَا معنى قَوْلهم حُصُول الْأَشْيَاء بأنفسها وبأعيانها فِي الذِّهْن لَا بأشباحها وأمثالها. فَإِن قيل فعلى هَذَا يخرج الكليات الْفَرْضِيَّة الَّتِي لَا تكْثر فِيهَا أصلا. والمعقولات الثَّانِيَة الَّتِي لَا يُحَاذِي لَهَا أَمر فِي الْخَارِج. وَالْحَاصِل أَنكُمْ اعتبرتم فِي الْكُلية تكْثر الْمَفْهُوم بِحَسب الْخَارِج وَهُوَ إِنَّمَا يتَحَقَّق فِي الكليات الْحَقِيقِيَّة الَّتِي لَهَا أشخاص مَوْجُودَة فِي الْخَارِج فَيخرج مَا سوى هَذِه الكليات عَن تَعْرِيف الْكُلِّي. قُلْنَا إِن الْعقل بِمُجَرَّد تصور تِلْكَ الْأُمُور وَالنَّظَر إِلَيْهَا مَعَ الإغماض عَن الخصوصيات الْخَارِجَة عَنْهَا يجوز تكثرها بِحَسب الْخَارِج. لِأَن الْمَانِع من هَذَا التجويز لَيْسَ إِلَّا اشْتِمَال الْمَفْهُوم على الهذية وَهُوَ مَفْقُود هَا هُنَا. فَتكون تِلْكَ الْأُمُور المنقوضة بهَا كليات لَا جزئيات. فَإِن قيل لَا نسلم أَن ارْتِفَاع ذَلِك الْمَانِع كَاف فِي ذَلِك التجويز. لم لَا يجوز أَن يكون هُنَاكَ مَانع آخر كَيفَ فَإِن خُصُوصِيَّة عنوان اللاشيء مثلا وَكَون الصُّورَة الذهنية من المعقولات الثَّانِيَة عِلّة مُسْتَقلَّة لِامْتِنَاع وجود أفرادهما فِي الْخَارِج ومانعة من ذَلِك التجويز. . نعم لَو لم يكن هُنَاكَ مَانع عَن ذَلِك التجويز سوى الهذية للَزِمَ من انتفاءها انْتِفَاء امْتنَاع تَجْوِيز التكثر بِحَسب الْخَارِج. قُلْنَا إِن الْكُلية من الْأُمُور الإضافية الْمَحْضَة يَعْنِي لَيْسَ فِي نفس الْمَوْصُوف بهَا أَمر متقرر يكون منشأ لانتزاعها بل إِذا نسب شَيْء إِلَى جزئياته الْمَوْجُودَة أَو الموهومة بصدقه عَلَيْهَا وتطابقه لَهَا يكون موصوفاتها وَحكم عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ. فالكلي مَا جوز الْعقل تكثره من حَيْثُ خُصُوص عنوانه مَعَ عزل النّظر عَمَّا هُوَ خَارج عَنهُ بِحَسب الْوَاقِع. والأفراد الَّتِي بِالْقِيَاسِ إِلَيْهَا كُلية ذَلِك الْكُلِّي مَا لَا يَأْبَى هُوَ نفس مَفْهُومه وخصوص عنوانه عَن الِاتِّحَاد مَعهَا مَوْجُودَة كَانَت أَو مَعْدُومَة وَهِي الْأَفْرَاد النَّفس الأمرية. وَأما الْفَرْضِيَّة الْمَحْضَة الَّتِي يَأْبَى هُوَ بِخُصُوص عنوانه عَن الِاتِّحَاد عَنْهَا فَلَيْسَتْ لَهَا حَظّ من الفردية بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْفَرْضِ البحت. وَتلك الكليات المنقوضة بهَا بِخُصُوص عنواناتها لَا تمنع الْعقل عَن تَجْوِيز كثرتها بِحَسب الْحمل على أفرادها فِي نفس الْأَمر وَإِن كَانَت متوهمة أَو ممتنعة. هَذَا مَا ذكره بعض الْفُضَلَاء. قيل فِي اندراج الكليات الْفَرْضِيَّة تَحت الْكُلِّي خَفَاء إِذْ الْكُلِّي مَا لَا يمْنَع تصَوره عَن الشّركَة. والتصور هُوَ حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل فَلَو كَانَت كليات لكَانَتْ أَشْيَاء قبل الشَّيْء الْمَأْخُوذ فِي تَعْرِيف التَّصَوُّر بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ الشَّامِل للموجود والمعدوم واللاشيء واللاممكن. فَإِن قيل يلْزم فِي الْكُلِّي سلب الشَّيْء عَن نَفسه لِأَن مَفْهُوم الْكُلِّي يصدق على نَفسه صدقا عرضيا لِأَن مَفْهُوم الْكُلِّي أَيْضا كلي كَمَا لَا يخفى. فَهُوَ فَرد من نَفسه ومعروض لَهُ فَهُوَ غير نَفسه لِأَن المعروض لَيْسَ نفس الْعَارِض فَهُوَ لَيْسَ نَفسه فَلَزِمَ سلب الشَّيْء عَن نَفسه
стр. 661
وَهُوَ محَال. قُلْنَا كُلية الْكُلِّي وَكَونه صَادِقا على نَفسه وعارضا لَهَا بِاعْتِبَار الْإِطْلَاق. وَكَونه فَردا لنَفسِهِ ومعروضا لَهَا بِاعْتِبَار الخصوصية. وَاعْتِبَار المعروضية غير اعْتِبَار العارضية ويتفاوت الِاعْتِبَار بتفاوت الْأَحْكَام. أما سَمِعت لَوْلَا الاعتبارات لبطلت الْحِكْمَة لِأَن أَكثر مسائلها مَبْنِيّ على الْأُمُور الاعتبارية فَافْهَم.
الكليات خمس: لِأَن الْكُلِّي إِذا نسب إِلَى أَفْرَاده إِمَّا عين حَقِيقَتهَا أَو جُزْء حَقِيقَتهَا أَو خَارج عَن حَقِيقَتهَا. الأول: النَّوْع كالإنسان. وَالثَّانِي: إِن كَانَ تَمام الْمُشْتَرك بَين حَقِيقَة أَفْرَاده وَبَين حَقِيقَة أَفْرَاد غَيره أَو لَا. الأول الْجِنْس كالحيوان والجسم النامي. وَالثَّانِي الْفَصْل فَإِن لم يكن مُشْتَركا أصلا. ففصل قريب كالناطق. أَو كَانَ مُشْتَركا لَكِن لَا يكون تَمام الْمُشْتَرك. ففصل بعيد كالحساس. وعَلى الثَّالِث إِن كَانَ خَاصّا بماهية وَاحِدَة. فخاصة كالضاحك وَإِلَّا فَعرض عَام كالماشي. وَهَذَا الْقدر يَكْفِي للضبط فاحفظ.
الْكُلِّي المنطقي: هُوَ مَفْهُوم لفظ الْكُلِّي من غير اعْتِبَار تَقْيِيده بمادة من الْموَاد كَمَا مر. وَهَذَا الْمَفْهُوم يَقع مَوْضُوعا فِي الْمسَائِل المنطقية الَّتِي يبْحَث فِيهَا عَن المعقولات الثَّانِيَة من حَيْثُ الإيصال ويورد عَلَيْهِ أَحْكَام لتَكون تِلْكَ الْأَحْكَام عَامَّة شَامِلَة لجَمِيع مَا صدق عَلَيْهِ مَفْهُوم الْكُلِّي. وَلذَا سمي منطقيا لنسبته إِلَيْهِ وَلِأَن المنطقي إِنَّمَا يُرِيد بِلَفْظ الْكُلِّي ذَلِك الْمَفْهُوم الْمَذْكُور. وَمَا يُوجد فِي كتب الْمُتَأَخِّرين أَن الْكُلية هِيَ الْكُلِّي المنطقي غلط بل هِيَ مبدأ كَمَا ذكره الْعَلامَة الرَّازِيّ فِي رسَالَته.
وَاعْلَم أَنَّك إِذا قلت الْحَيَوَان كلي فهناك أُمُور ثَلَاثَة. أَحدهَا: الْحَيَوَان من حَيْثُ هُوَ هُوَ وَهُوَ معروض لمَفْهُوم لفظ الْكُلِّي. وَالثَّانِي: هُوَ مَفْهُوم لفظ الْكُلِّي من غير إِشَارَة إِلَى مَادَّة من الْموَاد أَعنِي مَا لَا يمْنَع نفس تصَوره عَن وُقُوع الشّركَة. وَهَذَا الْمَفْهُوم عَارض للكليات. وَالثَّالِث: الْحَيَوَان الْكُلِّي أَي المعروض مَعَ الْعَارِض. وَالْأَمر الثَّانِي هُوَ الْكُلِّي المنطقي كَمَا عرفت. وكليته لما ستعرف فِي الْكُلِّي الطبيعي وَالْأَمر الأول هُوَ.
الْكُلِّي الطبيعي: فَهُوَ معروض الْكُلِّي المنطقي وَإِنَّمَا سمي كليا طبيعيا لِأَنَّهُ طبيعة من الطبائع أَي حَقِيقَة من الْحَقَائِق أَو لِأَنَّهُ مَوْجُود فِي الطبيعة أَي فِي الْخَارِج. وَأما كليته فَلِأَنَّهُ يصلح لِأَن يكون معروض الْكُلية أَي عدم منع تصَوره عَن وُقُوع الشّركَة بَين كثيرين وَهِي أَفْرَاده. وَأما الْكُلِّي المنطقي فَلَيْسَ بكلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَفْرَاد الْكُلِّي الطبيعي بل كلي بِالنِّسْبَةِ إِلَى فراده وموضوعاته فَإِن الْإِنْسَان مثلا كلي طبيعي وافراده زيد وَعَمْرو وَبكر. والكلي المنطقي لَا يصدق على هَذِه الْأَفْرَاد فالكلي المنطقي لَيْسَ بكلي بِالْقِيَاسِ إِلَيْهَا بل بِالْقِيَاسِ إِلَى مَوْضُوعَاته أَعنِي مَفْهُوم الْإِنْسَان وَالْفرس وَالْبَقر وَغير ذَلِك وَالْأَمر الثَّالِث هُوَ.
الْكُلِّي الْعقلِيّ: فَهُوَ عبارَة عَن الْمَجْمُوع من الْعَارِض والمعروض كالحيوان
стр. 662
الْكُلِّي. وَإِنَّمَا سمي عقليا إِذْ لَا وجود لَهُ إِلَّا فِي الْعقل إِذْ الْعَارِض الَّذِي هُوَ جزؤه عَقْلِي لَا وجود لَهُ فِي الْخَارِج. وَانْتِفَاء الْجُزْء فِي الْخَارِج يسْتَلْزم انْتِفَاء الْكل فِيهِ فَلَا وجود للْكُلّ من حَيْثُ هُوَ هُوَ إِلَّا فِي الْعقل.
وَاعْلَم أَن الْكُلِّي الْعقلِيّ اعتباري مَحْض. وكليته لَيست إِلَّا بِاعْتِبَار أَن جزءه كلي وَهُوَ لَيْسَ بكلي أصلا إِذْ لَيْسَ لَهُ فَرد فضلا عَن أَن يكون لَهُ أَفْرَاد. وَمَا قيل إِن الْكُلِّي الْعقلِيّ كالإنسان الْكُلِّي مثلا كلي وأفراده الرُّومِي الْكُلِّي والحبشي الْكُلِّي يبعد عَن الْحق بمراحل. فَإِنَّهُ جُزْء الْكُلِّي الْعقلِيّ الْمَذْكُور وَهُوَ الْكُلِّي إِنَّمَا يحمل على أَنْوَاعه لَا على أَنْوَاع مَوْضُوعه. والرومي الْكُلِّي مثلا لَيْسَ بفرد من الْإِنْسَان الْكُلِّي الْمركب من الْمَوْضُوع والمحمول لِأَن الْكُلِّي من حَيْثُ إِنَّه صَادِق على الْإِنْسَان لَا يصدق على مَا تَحْتَهُ. فالكلي الصَّادِق على الرُّومِي غير الصَّادِق على الْإِنْسَان بِاعْتِبَار فَلَا يكون هَذَا الْمَجْمُوع الاعتباري أَعنِي الرُّومِي الْكُلِّي فَرد الْإِنْسَان.
وتوضيحه أَن الْكُلِّي إِنَّمَا يصدق على الْإِنْسَان بِاعْتِبَار أَن نفس تصَوره لَا يمْنَع وُقُوع الشّركَة بَين كثيرين وَهِي أَفْرَاده الشخصية والكلي إِنَّمَا يصدق على الرُّومِي بِاعْتِبَار أَن نفس تصَوره لَا يمْنَع وُقُوع الشّركَة بَين أَفْرَاده لَا بِاعْتِبَار أَن الرُّومِي فَرد الْإِنْسَان الَّذِي يصدق عَلَيْهِ الْكُلِّي كَمَا يظْهر بِأَدْنَى تَأمل. هَذَا مَا حررناه فِي الْحَوَاشِي على الْحَوَاشِي للفاضل اليزدي على تَهْذِيب الْمنطق.
وَقَالَ الْعَلامَة الرَّازِيّ فِي رسَالَته فِي تَحْقِيق الكليات. وَأما الْكُلِّي الْعقلِيّ فَهُوَ لَيْسَ بكلي أصلا لِأَنَّهُ لَا فَرد لَهُ. وَمن هَا هُنَا ترى عُلَمَاء الْمنطق قسموا الجزئي إِلَى جزئي بالتشخص وجزئي بِالْعُمُومِ. وعدوا مثل قَوْلنَا الْإِنْسَان نوع وَالْحَيَوَان جنس من القضايا الْمَخْصُوصَة انْتهى.
وَاعْلَم أَن لفظ الْكُلِّي مَوْضُوع لكل وَاحِد من الْكُلِّي المنطقي والطبيعي والعقلي بِوَضْع على حِدة فَيكون مُشْتَركا بَينهَا بالاشتراك اللَّفْظِيّ.
الْكُلية: إِمْكَان فرض الِاشْتِرَاك والجزئية استحالته.
الْكُلِّي الذاتي: هُوَ مَا لَيْسَ بعرضي أَي الْكُلِّي الَّذِي لَا يكون خَارِجا عَن حَقِيقَة جزئياته سَوَاء كَانَ عين حَقِيقَتهَا كالإنسان أَو جُزْءا مِنْهَا كالحيوان والناطق وَقد يُفَسر بِأَنَّهُ الَّذِي يكون دَاخِلا فِي حَقِيقَة جزئياته فَحِينَئِذٍ يلْزم الْوَاسِطَة بَين الْكُلِّي الذاتي والعرضي بالنوع كالإنسان.
وَيشكل على الأول بِأَن الذاتي هُوَ المنتسب إِلَى الذَّات فَلَا يجوز أَن يكون نفس الْمَاهِيّة ذاتية وَإِلَّا لزم انتساب الشَّيْء إِلَى نَفسه وَهُوَ ظَاهر الْبطلَان لوُجُوب التغاير بَين الْمَنْسُوب والمنسوب إِلَيْهِ. وَالْجَوَاب أَن للذاتي مَعْنيين: أَحدهمَا: لغَوِيّ وَهُوَ كَون
стр. 663
الشَّيْء مَنْسُوبا إِلَى الذَّات. وَثَانِيهمَا: اصطلاحي كَمَا ذكرنَا وَعدم كَون نفس الْمَاهِيّة ذاتية بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ مُسلم لَكِن لَا يضرنا لِأَن تَسْمِيَتهَا ذاتية لَيست بلغوية أَي بِالْمَعْنَى اللّغَوِيّ حَتَّى يلْزم الْمَحْذُور الْمَذْكُور بل إِنَّمَا هِيَ اصطلاحية أَي بِالْمَعْنَى الاصطلاحي وَلَا ريب فِي كَونهَا ذاتية بِهَذَا الْمَعْنى لِأَنَّهَا مَا لَيْسَ بعرضي بالتفسير الْمَذْكُور فَإِن قيل مَا الْمُنَاسبَة بَين الْمَعْنى اللّغَوِيّ والاصطلاحي قُلْنَا أَكثر أَفْرَاد الذاتي كَذَلِك أَي منسوبة إِلَى الذَّات كالجنس والفصل نعم أَن النَّوْع نفس الْمَاهِيّة وَلَيْسَ مَنْسُوبا إِلَى الذَّات وَهَذَا لَا يضر فِي وَجه التَّسْمِيَة.
الْكُلِّي العرضي: هُوَ الْكُلِّي الَّذِي لَا يدْخل فِي حَقِيقَة جزئياته بل يكون خَارِجا عَنْهَا كالضاحك والماشي للْإنْسَان.
الكليات الْفَرْضِيَّة: هِيَ الَّتِي لَا يُمكن صدقهَا فِي نفس الْأَمر على شَيْء من الْأَشْيَاء الخارجية والذهنية كاللاشيء واللاموجود واللاممكن بالإمكان الْعَام فَإِن كل مَا يفْرض فِي الْخَارِج فَهُوَ شَيْء فِي الْخَارِج ضَرُورَة وكل مَا يفْرض فِي الذِّهْن فَهُوَ شَيْء فِي الذِّهْن ضَرُورَة فَلَا يصدق فِي نفس الْأَمر على شَيْء مِنْهُمَا أَنه لَا شَيْء وكل مَا فِي الْخَارِج يصدق عَلَيْهِ أَنه مَوْجُود فِيهِ وكل مَا فِي الذِّهْن يصدق عَلَيْهِ أَنه مَوْجُود فِي الذِّهْن فَلَا يُمكن صدق نقيضه أَعنِي اللاموجود على شَيْء أصلا وَكَذَا كل مَفْهُوم يصدق عَلَيْهِ فِي نفس الْأَمر أَنه مُمكن بالإمكان الْعَام فَيمْتَنع صدق نقيضه أَعنِي اللاممكن بالإمكان الْعَام على مَفْهُوم من المفهومات.
(بَاب الْكَاف مَعَ الْمِيم)
الْكَمَال: مَا خرج من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل دفْعَة أَو تدريجا وَمَا يتم بِهِ الشَّيْء وَمَا يكمل بِهِ النَّوْع فِي ذَاته أَو صِفَاته. وَمَا يكمل بِهِ فِي ذَاته هُوَ:
الْكَمَال الأول: وَمَا يكمل بِهِ فِي صِفَاته هُوَ:
الْكَمَال الثَّانِي: لتأخره عَن النَّوْع وَيُقَال لَهُ التَّمام فالكمال مَا يتم بِهِ الشَّيْء فِي ذَاته والتمام مَا يتم بِهِ الشَّيْء فِي صِفَاته.
الْكمّ: هُوَ الْعرض الْقَابِل للانقسام بِالذَّاتِ وَهُوَ على نَوْعَيْنِ مُتَّصِل وَكم مُنْفَصِل أما الْكمّ الْمُتَّصِل فَهُوَ مَا يكون بَين أَجْزَائِهِ الْمَفْرُوضَة حد مُشْتَرك وَالْحَد الْمُشْتَرك مَا يكون نسبته إِلَى الجزئين نِسْبَة وَاحِدَة كالنقطة بِالْقِيَاسِ إِلَى جزئي الْخط والكم الْمُنْفَصِل مَا لَا يكون بَين أَجْزَائِهِ الْمَفْرُوضَة حد مُشْتَرك وَهُوَ الْعدَد لَا غير قيل انحصار الْكمّ الْمُنْفَصِل فِي الْعدَد غير بَين لَا برهَان عَلَيْهِ كَيفَ والجسم مَعَ سطحه والسطح مَعَه خطه لَيْسَ بَينهمَا حد مُشْتَرك وليسا بِعَدَد وَالْجَوَاب أَنهم قد استدلوا على الانحصار بِأَن الْكمّ
стр. 664
الْمُنْفَصِل مركب من متفرقات والمتفرقات مُفْرَدَات والمفردات أحاد وَالْوَاحد إِمَّا أَن يُؤْخَذ من حَيْثُ هُوَ وَاحِد فَقَط أَو من حَيْثُ إِنَّه إِنْسَان أَو حجر فَإِن أَخذ من حَيْثُ إِنَّه وَاحِد فَقَط لم يكن الْحَاصِل من اجْتِمَاع أَمْثَاله إِلَّا الْعدَد وَإِن أَخذ من حَيْثُ إِنَّه إِنْسَان أَو حجر فَإِنَّهُ لَا يُمكن اعْتِبَار كَون الأناسي الْحَاصِلَة من اجْتِمَاع الْإِنْسَان الْوَاحِد وَبِاعْتِبَار كَون الْأَحْجَار الْحَاصِلَة من اجْتِمَاع الْحجر الْوَاحِد كميات مُنْفَصِلَة إِلَّا عِنْد اعْتِبَار كَونهَا مَعْدُودَة بالآحاد الَّتِي فِيهَا فَهِيَ إِنَّمَا تكون كميات مُنْفَصِلَة من حَيْثُ كَونهَا مَعْدُودَة بالآحاد الَّتِي فِيهَا فَلَيْسَ الْكمّ مُنْفَصِلا إِلَّا الْعدَد وَمَا عداهُ إِنَّمَا يكون كَمَا مُنْفَصِلا بِوَاسِطَة وَهُوَ الْمَطْلُوب.
وَذهب بعض النَّاس إِلَى أَن القَوْل كم مُنْفَصِل غير قار الذَّات كَمَا أَن الْعدَد كم مُنْفَصِل قار الذَّات كَمَا سَيَجِيءُ وَالْحق أَن القَوْل إِنَّمَا يكون لأجل الْكَثْرَة الَّتِي فِيهِ ولولاها لم يكن كَمَا فَهُوَ كم مُنْفَصِل بِالْعرضِ وَأما الْجِسْم مَعَ سطحه فَهُوَ أَيْضا كم مُنْفَصِل بِالْعرضِ وَإِن كَانَ كل وَاحِد من جزئيه كَمَا مُتَّصِلا بِالذَّاتِ وَكَذَا الْحَال فِي السَّطْح مَعَ خطه.
ثمَّ اعْلَم أَن الْكمّ الْمُتَّصِل إِن كَانَ ذَا امتداد وَاحِد وَهُوَ الْخط أَو ذَا امتدادين وَهُوَ السَّطْح أَو ذَا امتدادات ثَلَاثَة وَهُوَ الْجِسْم التعليمي وَهَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة للكم الْمُتَّصِل القار الذَّات أَي مُجْتَمع الاجزاء. وَأما الْكمّ الْمُتَّصِل الْغَيْر القار الذَّات فَهُوَ الزَّمَان كَمَا حققنا فِي الزَّمَان. فالكم الْمُتَّصِل على نَوْعَيْنِ قار الذَّات وَغير قار الذَّات ثمَّ قار الذَّات ثَلَاثَة الْخط والسطح والجسم التعلمي وَفِي هِدَايَة الْحِكْمَة وينقسم إِلَى كم مُنْفَصِل كالعدد وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن الْكَاف للتمثيل وَهُوَ يَقْتَضِي تعدد أَقسَام الْمثل لَهُ وَهُوَ الْكمّ الْمُنْفَصِل وَقد ذكرُوا أَنه منحصر فِي الْعدَد فالكاف لَيْسَ بِصَحِيح. وتوجيهه أَن الْكَاف للْبَيَان لَا للتشبيه كَمَا فِي قَول ابْن الْحَاجِب كَمَا مَعَ غير الطّلب وَيُمكن أَن يُقَال إِن التَّمْثِيل بِاعْتِبَار أَنْوَاع الْعدَد لَا بِاعْتِبَار أَنْوَاع الْكمّ الْمُنْفَصِل حَتَّى لَا يَصح فَالْمُرَاد من قَوْله كالعدد كالخمسة والستة وَغير ذَلِك - قَالَ الشَّارِح الْقَدِيم لَعَلَّ المُصَنّف تبع فِي ذَلِك مَا قَالَه بعض الْمُتَقَدِّمين من أَن الْكمّ الْمُنْفَصِل إِمَّا قار وَهُوَ الْعدَد أَو غير قار وَهُوَ القَوْل فَإِن أجزاءه لَا تُوجد مَعًا وَلَيْسَ بَينهَا حد مُشْتَرك فصح التَّمْثِيل وَقد مر جَوَابه آنِفا.
كَمَا: كلمة مَا فِي كَمَا مَصْدَرِيَّة وَالْكَاف للتشبيه وَفِي مثل كَمَا إِذا قُلْنَا كَافَّة وروى التِّرْمِذِيّ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ َ - إِذا استجد ثوبا سَمَّاهُ عِمَامَة أَو قَمِيصًا أَو رِدَاء ثمَّ يَقُول: " اللَّهُمَّ لَك الْحَمد كَمَا كسوتنيه أَسأَلك خَيره وَخير مَا صنع لَهُ وَأَعُوذ بك من شَره وَشر مَا صنع لَهُ ". وَقَالَ الْفَاضِل المدقق عِصَام الدّين ﵀ فِي شَرحه الْكَاف فِي كَمَا للتشبيه كَمَا هُوَ الظَّاهِر يَعْنِي اخْتِصَاص الْحَمد كاختصاص الْكسْوَة بك أَو لَك الْحَمد منا كالكسوة لنا بِمَعْنى كَمَا أَن كسوتنا لَا لغَرَض وَلَا لعوض
стр. 665
بل لاسْتِحْقَاق بالفقر وَالْحَاجة نحمدك لَا لعوض وَلَا لغَرَض بل لاستحقاقك بالغنا والاستغناء. فَإِن هَذَا بَيَان بديع من خَصَائِص هَذَا الْكتاب وَلمن سبق توجيهات أخر ووجيهات غرر. أَحدهَا: تَشْبِيه الْحَمد بِالنعْمَةِ فِي الْمِقْدَار. وَثَانِيها: كَون الْكَاف لِلْقُرْآنِ كَمَا فِي سلم دخل أثْبته الْمُغنِي. وَثَالِثهَا: للتَّعْلِيل جوزه الْمُغنِي. وَرَابِعهَا: كَونهَا للظرفية الزمانية نقل عَن الإِمَام الْغَزالِيّ ﵀ وَرُبمَا يجوز تعلقه بأسألك.
الكمية: فِي اسْم الْعدَد.
(بَاب الْكَاف مَعَ النُّون)
الكنية: فِي الِاسْم.
كنه الشَّيْء: فِي اللُّغَة نهايته ودقته. وَفِي الِاصْطِلَاح حَقِيقَته وَجَمِيع ذاتياته قَالُوا تصور الْحَد التَّام بكنهه هُوَ الْمُفِيد لتصور الْمَحْدُود بكنهه أَي بِجَمِيعِ ذاتياته. وتفصيله أَن معرف الشَّيْء مَا يسْتَلْزم تصَوره بِالنّظرِ تصور ذَلِك الشَّيْء فها هُنَا تصوران: أَحدهمَا: كاسب وَهُوَ تصور الْمُعَرّف بِالْكَسْرِ. وَثَانِيهمَا: مكتسب مِنْهُ وَهُوَ تصور الْمُعَرّف بِالْفَتْح. ثمَّ تصور كل مِنْهُمَا على ضَرْبَيْنِ بالكنه وَبِغير الكنه. والمعرف أَرْبَعَة - حد تَامّ - وحد نَاقص - ورسم تَامّ - ورسم نَاقص وتصور الْمُعَرّف بِالْفَتْح بِغَيْر الكنه إِنَّمَا يحصل بِمَا عدا الْحَد التَّام سَوَاء تصور مَا عداهُ بالكنه أَو بِغَيْرِهِ كَمَا أَن تصور الْمُعَرّف بالكنه إِنَّمَا يحصل بِالْحَدِّ التَّام المتصور بكنهه لَا مُطلقًا. أما الأول فَلِأَن مَا عداهُ لَيْسَ بِجَامِع لجَمِيع ذاتيات الْمُعَرّف. وَأما الثَّانِي فَلِأَن تصور الشَّيْء بالكنه عبارَة عَن تصور جَمِيع ذاتياته وأجزائه بالكنه ومجموع تصورات أَجْزَائِهِ بالكنه هُوَ الْحَد التَّام المتصور بكنهه الَّذِي هُوَ عين الْمَحْدُود. وَإِنَّمَا الْفرق بالإجمال وَالتَّفْصِيل فَمن قَالَ إِن الْحَد التَّام يَكْفِي فِي إفادته كنه الْمَحْدُود تصورات أَجْزَائِهِ وذاتياته مفصلة. أما بالكنه أَو بِغَيْرِهِ فقد ضل ضلالا بَعيدا لِأَنَّهُ إِذا لم يكن بعض ذاتيات الْمَحْدُود مَعْلُوما بالكنه لم يكن الْمَحْدُود مَعْلُوما بكنهه بِالضَّرُورَةِ فضلا عَن أَن لَا يكون جَمِيع ذاتياته مَعْلُوما بالكنه.
فَاعْلَم أَن تصور الْإِنْسَان بالكنه يكون مكتسبا من تصور الْحَيَوَان النَّاطِق بالكنه بِأَن تصور الْحَيَوَان بجوهر جسم إِلَى آخِره والناطق بمدرك المعقولات. وَأما إِذا تصورا بِغَيْر كنههما بِأَن تصور الْحَيَوَان بالماشي والناطق بالمتعجب لَا يحصل تصور الْإِنْسَان بكنه لِأَن الْمُعَرّف فِي الْحَقِيقَة حِينَئِذٍ هُوَ الْمَاشِي المتعجب وهما ليسَا بذاتيين للْإنْسَان هَكَذَا يَنْبَغِي توضيح المرام لينْتَفع بِهِ الْخَواص والعوام فَافْهَم واحفظ وَكن من الشَّاكِرِينَ.
الْكِنَايَات: جمع الْكِنَايَة وَهِي فِي اللُّغَة عبارَة عَن تَعْبِير أَمر معِين بِلَفْظ غير صَرِيح فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ بغرض من الْأَغْرَاض كالإبهام على السامعين. واصطلح النُّحَاة
стр. 666
على هَذَا الْمَعْنى اللّغَوِيّ بِلَا تفَاوت. ومرادهم بِالْكِنَايَةِ فِي المبنيات اسْم يكنى بِهِ من كم وَكَذَا وَغير ذَلِك لَا كل اسْم يكنى بِهِ وَلَا كل بعض مِنْهُ بل بعض معِين اصْطَلحُوا عَلَيْهِ فِي بَاب المبنيات كَمَا بَين فِي كتب النَّحْو.
وَالْكِنَايَة: عِنْد عُلَمَاء الْبَيَان تطلق على مَعْنيين: أَحدهمَا: الْمَعْنى المصدري الَّذِي هُوَ فعل الْمُتَكَلّم أَعنِي ذكر اللَّازِم وَإِرَادَة الْمَلْزُوم مَعَ جَوَاز إِرَادَة اللَّازِم أَيْضا فاللفظ يكنى بِهِ وَالْمعْنَى مكنى عَنهُ. وَالثَّانِي: اللَّفْظ الَّذِي أُرِيد لَازم مَعْنَاهُ مَعَ جَوَاز إِرَادَة ذَلِك الْمَعْنى مَعَ لَازمه كَلَفْظِ طَوِيل النجاد وَالْمرَاد بِهِ لَازم مَعْنَاهُ أَعنِي طَوِيل الْقَامَة مَعَ جَوَاز أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَة طول النجاد أَيْضا وَمثل فلَان كثير الرماد وجبان الْكَلْب ومهزول الفصيل أَي كثير الضَّيْف. وَقد عرفت الْفرق بَين الْمجَاز وَالْكِنَايَة فِي الْمجَاز بِأَنَّهُ لَا بُد فِي الْمجَاز من قرينَة مَانِعَة عَن إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ بِخِلَاف الْكِنَايَة فَإِنَّهُ لَا يجوز فِي قَوْلنَا رَأَيْت أسدا يَرْمِي مثلا أَن يُرَاد بالأسد الْحَيَوَان المفترس. وَيجوز فِي طَوِيل النجاد أَن يُرَاد لَازم مَعْنَاهُ أَعنِي طَوِيل الْقَامَة مَعَ إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ أَعنِي طول النجاد.
والسكاكي فرق بَين الْكِنَايَة وَالْمجَاز بِأَن الِانْتِقَال فِي الْكِنَايَة يكون من اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم كالانتقال من طول النجاد الَّذِي هُوَ لَازم لطول الْقَامَة إِلَيْهِ والانتقال فِي الْمجَاز يكون من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم كالانتقال من الْغَيْث الَّذِي هُوَ ملزوم النبت إِلَى النبت وَمن الْأسد الَّذِي هُوَ ملزوم الشجاع إِلَى الشجاع. وَهَذَا الْفرق يَنْبَغِي أَن يوضع على الْفرق تَحت الْمِيزَاب حَتَّى يحصل لَهُ الْفرق لِأَن اللَّازِم مَا لم يكن ملزوما لم ينْتَقل مِنْهُ لِأَن اللَّازِم من حَيْثُ إِنَّه لَازم يجوز أَن يكون أَعم من الْمَلْزُوم وَلَا دلَالَة للعام على الْخَاص بل إِنَّمَا يكون ذَلِك على تَقْدِير تلازمهما وتساويهما وَإِذا كَانَ اللَّازِم ملزوما يكون الِانْتِقَال من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم كَمَا فِي الْمجَاز فَلَا يتَحَقَّق الْفرق. والسكاكي قد اعْترف بِأَنَّهُ مَا لم تكن الْمُسَاوَاة بَين اللَّازِم والملزوم أَي الْمُلَازمَة لَا يُمكن الِانْتِقَال والانتقال حِينَئِذٍ من اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم يكون بِمَنْزِلَة الِانْتِقَال من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم.
وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الْكِنَايَة كل مَا استتر المُرَاد مِنْهُ بِالِاسْتِعْمَالِ وَإِن كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهرا فِي اللُّغَة سَوَاء كَانَ المُرَاد مِنْهُ الْحَقِيقَة أَو الْمجَاز فَيكون تردد فِيمَا أُرِيد بِهِ فَلَا بُد من النِّيَّة أَو مَا يقوم مقَامهَا من دلَالَة الْحَال كَحال مذاكرة الطَّلَاق ليزول التَّرَدُّد وَيتَعَيَّن المُرَاد.
وَاعْلَم أَن كنايات الطَّلَاق مثل أَنْت بَائِن أَنْت حرَام يُطلق عَلَيْهَا لفظ الْكِنَايَة مجَازًا لَا حَقِيقَة فَإِن حَقِيقَة الْكِنَايَة مَا استتر المُرَاد بِهِ ومعاني هَذِه الْأَلْفَاظ ظَاهِرَة غير مستترة لَكِنَّهَا شابهت الْكِنَايَة من جِهَة الْإِبْهَام فِيمَا يتَعَلَّق بمعانيها فَإِن الْبَائِن مثلا مَعْنَاهُ ظَاهر غير مستتر وَهُوَ الْبَيْنُونَة لَكِنَّهَا مُبْهمَة من حَيْثُ متعلقها فَإِنَّهُ لَا يعلم أَن الْبَيْنُونَة إِمَّا عَن النِّكَاح أَو غَيره فَالنِّكَاح وَغَيره من متعلقات الْبَيْنُونَة. وَالْكِنَايَة عِنْد عُلَمَاء الْبَيَان هِيَ أَن يعبر عَن
стр. 667
شَيْء لفظا كَانَ أَو معنى بِلَفْظ غير صَرِيح فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ لغَرَض من الْأَغْرَاض كالإبهام على السَّامع نَحْو جَاءَنِي فلَان أَو لنَوْع فصاحة نَحْو فلَان كثير الرماد انْتهى.
الْكَنْز: فِي الرِّكَاز.
الْكَنْز المخفي: هُوَ الهوية الأحدية الْمكنون فِي الْغَيْب. الكنود: من يعد المصائب وينسى الْمَوَاهِب.
الكنيف: المستراح.
(بَاب الْكَاف مَعَ الْوَاو)
كَوْكَب الخرقاء: الخرقاء اسْم امْرَأَة نسب الْكَوْكَب إِلَيْهَا لظُهُور جدها فِي تهيئة ملابس الشتَاء بتفريقها قطنها فِي قرائبها ليغزل لَهَا فِي زمَان طلوعه الَّذِي هُوَ ابْتِدَاء الْبرد.
وَقَالَ الْفَاضِل الجلبي فِي الْحَوَاشِي على المطول قَوْله نَحْو كَوْكَب الخرقاء تلميح إِلَى قَول الشَّاعِر:
(إِذْ كَوْكَب الخرقاء لَاحَ بسحرة ... سُهَيْل أذاعت غزلها فِي القرائب)
الخرقاء اسْم الْمَرْأَة الَّتِي فِي عقلهَا خفَّة وَبهَا حَمَاقَة وَكَانَت هَذِه الخرقاء امْرَأَة تضيع وَقتهَا طول الصَّيف فَإِذا طلع سُهَيْل وَهِي كَوْكَب بِقرب الْكَوْكَب الجنوبي يطلع عِنْد ابْتِدَاء الْبرد تنبهت لمجيء الشتَاء وَفرقت قطنها الَّذِي يصير غزلا فِي مَا يؤول إِلَيْهِ فِي قرائبها اسْتِعْدَادًا لَهُ السَّحَرَة بِالضَّمِّ السحر سُهَيْل رفع بَدَلا من كَوْكَب أَو عطف بَيَان وأذاعت بِمَعْنى فرقت.
الْكَوَاكِب: جمع الْكَوْكَب وَهِي أجسام بسيطة مركوزة فِي الأفلاك عِنْد الْحُكَمَاء كالفص فِي الْخَاتم كلهَا مضيئة بذاتها إِلَّا الْقَمَر فَإِنَّهُ يستضيء من الشَّمْس وَهِي سيارة وثوابت. أما السيارة فسبعة الْقَمَر وَعُطَارِد والزهرة وَالشَّمْس والمريخ وَالْمُشْتَرِي وزحل وَمَا عدا هَذِه السَّبْعَة ثوابت. وَإِنَّمَا سميت تِلْكَ السَّبْعَة سيارة وَمَا عَداهَا ثوابت لسرعة سَيرهَا وبطء مَا سواهَا أَو لثبات أوضاع بَعْضهَا من بعض فِي الْقرب والبعد والمحاذاة قَالَ قَائِل:
(قمر است وَعُطَارِد وزهره ... شمس ومريخ ومشتري وزحل)
стр. 668
والثوابت الَّتِي يخيلون الصُّور بالخطوط الْوَاصِلَة ألف وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ كوكبا. وَإِن أردْت شرف الْكَوَاكِب وهبوطها وفرحها ومنازلها فَارْجِع إِلَى شرف الْكَوَاكِب.
وَالْقَمَر على الْفلك الأول أَي فلك الدُّنْيَا. وَعُطَارِد على الثَّانِي. والزهرة على الثَّالِث. وَالشَّمْس على الرَّابِع. والمريخ على الْخَامِس. وَالْمُشْتَرِي على السَّادِس. وزحل على السَّابِع. والثوابت على الثَّامِن. والفلك التَّاسِع هُوَ الْفلك الأطلس أَي الساذج عَن الْكَوَاكِب وَهُوَ فلك الأفلاك وأسامي الْكَوَاكِب السَّبْعَة بِالْفَارِسِيَّةِ ماه - عُطَارِد - ناهيد - خورد - بهْرَام - برجيس - كيوان.
ثمَّ اعْلَم أَن يَوْم الْأَحَد مَنْسُوب إِلَى الشَّمْس فَإِنَّهَا صاحبته وتتصرف فِيهِ بآثارها وَيَوْم الِاثْنَيْنِ إِلَى الْقَمَر وَالثُّلَاثَاء إِلَى المريخ وَالْأَرْبِعَاء إِلَى عُطَارِد وَالْخَمِيس إِلَى المُشْتَرِي وَالْجُمُعَة إِلَى الزهرة والسبت إِلَى زحل. وَاعْلَم أَن المربوب بِكُل كَوْكَب معمورة خَاصَّة كَمَا قَالَ قَائِل:
(شدّ زحل هندوستان برجيس جين بهْرَام شام ... )
(خور خُرَاسَان نيز جيهون ماه ترك وزهره زنكك ... )
وَأما اللَّيَالِي فليلة يَوْم الْأَحَد لعطارد وَلَيْلَة يَوْم الِاثْنَيْنِ للْمُشْتَرِي وَلَيْلَة يَوْم الثُّلَاثَاء للزهرة وَلَيْلَة يَوْم الْأَرْبَعَاء لزحل وَلَيْلَة الْخَمِيس للشمس وَالْجُمُعَة للقمر والسبت للمريخ.
ثمَّ اعْلَم أَن الشَّمْس وَالْقَمَر من السَّبْعَة السيارة تسميان بالنيرين والباقية مِنْهَا بالخمسة الْمُتَحَيِّرَة. ثمَّ عُطَارِد والزهرة من الْخَمْسَة تسميان بالسفليتين لِكَوْنِهِمَا أَسْفَل من الشَّمْس. وزحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ تسمى بالعلويات لكَونهَا أَعلَى من الشَّمْس. وَالْقَمَر هُوَ النير الْأَصْغَر. وَعُطَارِد يُسمى بالكاتب أَيْضا. والزهرة تسمى بالسعد الْأَصْغَر أَيْضا. وَالشَّمْس هِيَ النير الْأَعْظَم - والمريخ يُسمى بالأحمر أَيْضا وَهُوَ النحس الْأَصْغَر - وَالْمُشْتَرِي هُوَ السعد الْأَكْبَر - وزحل يُسمى بكيوان أَيْضا وَهُوَ النحس الْأَكْبَر - وَفِي شرح الجغمني الْكَوْكَب جرم كري مركوز فِي الْفلك مُنِير فِي الْجُمْلَة أَي سَوَاء كَانَ إنارته بِالذَّاتِ كَمَا سوى الْقَمَر أَو بالواسطة كَالْقَمَرِ وَقَوله تنير احْتِرَاز عَن التداوير لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت مركوزة فِي الْفلك لَكِنَّهَا لَيست منيرة فَافْهَم فَإِن قيل مَا وَجه تَسْمِيَة تِلْكَ الْكَوَاكِب الْخَمْسَة بالمتحيرة قُلْنَا إِن لَهَا سرعَة وبطأ واستقامة وَإِقَامَة ورجوعا كَأَنَّهَا متحيرة فِي سَيرهَا.
فِي الفتوحات المكية فِي الْبَاب التَّاسِع وَالسِّتِّينَ وَهُوَ الْبَاب الْمَعْقُود لبَيَان أسرار الصَّلَاة مَا يدل بصريحه على أَن أنوار جَمِيع الْكَوَاكِب مستفادة من نور الشَّمْس وَعَلِيهِ المتكلمون وَكَلَام الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي رَحمَه الله تَعَالَى فِي هياكل النُّور يدل
стр. 669
على ذَلِك. وَقَالَ الْمُحَقق الدواني فِي شَرحه هَذَا هُوَ الْحق وأجوبة الْمُخَالفين فِي المطولات. وَفِي المثنوي للعارف الرُّومِي قدس سره مَا يدل على ذَلِك فَافْهَم واحفظ.
الْكَوْن: بِالْفَتْح وَهُوَ اسْم لما حدث دفْعَة كانقلاب المَاء هَوَاء فَإِن الصُّورَة الهوائية كَانَت للْمَاء بِالْقُوَّةِ فَخرجت مِنْهَا إِلَى الْفِعْل دفْعَة كَمَا مر فِي الْحَرَكَة وَقيل الْكَوْن اسْم لحُصُول الصُّورَة فِي الْمَادَّة بعد أَن لم تكن حَاصِلَة فِيهَا.
والكون: عِنْد أَرْبَاب السلوك عبارَة عَن وجود الْعَالم من حَيْثُ هُوَ عَالم لَا من حَيْثُ هُوَ حق وَعند أهل النّظر بِمَعْنى المكون.
الْكَوْثَر: الْأَصَح أَنه نهر فِي الْجنَّة وَقَالَ بَعضهم أَنه حَوْض كَمَا قَالَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ إِلَى آخِره والحوض حق لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ . وَلقَوْله ﵊: " حَوْضِي مسيرَة شهر وزواياه سَوَاء " أَي طوله وَعرضه وماؤه أَبيض من اللَّبن وريحه أطيب من الْمسك وكيزانه أَكثر من نُجُوم السَّمَاء من يشرب مِنْهَا فَلَا يظمأ أبدا. وَالْأَحَادِيث فِيهِ كَثِيرَة انْتهى وعَلى هَذَا ثَبت أَن الْكَوْثَر لَيْسَ بمدور فَإِن المدور لَا يُسمى نهر أَو أَن الزوايا لَا تتَصَوَّر فِي المدور.
ف (٩٥) :
وَأجِيب عَنهُ بِأَن الْكَوْثَر مربع لِأَن الشَّيْخ الْأَجَل جلال الدّين السُّيُوطِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابه البدور السافرة أخرج أَحْمد وَالْبَزَّار عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ -: " أَنا على حَوْضِي أنظر من يرد عَليّ والحوض مسيرَة شهر وزواياه على السوية " انْتهى.
أَقُول لم لَا يجوز أَن يكون مثلثا مثلا متساوي الأضلاع فَلَا يتم التَّقْرِيب لِأَن الْمُدَّعِي أَن الْكَوْثَر مربع وبمساواة الزوايا لَا يثبت المربع كَمَا لَا يخفى نعم عدم تَمام التَّقْرِيب إِنَّمَا هُوَ على تَقْدِير دَعْوَى الْمُجيب بِأَنَّهُ مربع لَكِن بِالنّظرِ إِلَى دَعْوَى الْمَحْمُود الصّباغ أَنه مدور فَهُوَ تَامّ لِأَن الزوايا لَا تتَصَوَّر فِي المدور فضلا عَن مساواتها فبتساوي الزوايا يثبت أَنه لَيْسَ بمدور وَهُوَ مدعى الْمُجيب فَافْهَم.
(بَاب الْكَاف مَعَ الْهَاء)
الكهولة: التجاوز عَن أَرْبَعِينَ سنة وَقيل عَن ثَلَاثِينَ كَمَا يعلم مِمَّا ذكرنَا فِي الصَّبِي فَافْهَم واحفظ.
стр. 670
(بَاب الْكَاف مَعَ الْيَاء)
الكيمياء: فِي الطلسم.
كيمياء السَّعَادَة: تَهْذِيب النَّفس باجتناب الرذائل وتزكيتها عَنْهَا واكتساب الْفَضَائِل وتحليها بهَا. وَاسم كتاب صنفه الإِمَام الْهمام مُحَمَّد الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى.
كيمياء الْعَوام: استبدال الْمَتَاع الأخروي الْبَاقِي بالحطام الدنيوي الفاني.
كيمياء الْخَواص: تَخْلِيص الْقلب عَن الْكَوْن باستئثار المكون.
الكيف: عرض لَا يَقْتَضِي لذاته قسْمَة وَلَا نِسْبَة والقيد الأول احْتِرَاز عَن الْكمّ لاقْتِضَائه الْقِسْمَة بِالذَّاتِ وَالثَّانِي عَن الْبَوَاقِي فَإِن الْإِضَافَة كالأبوة تَقْتَضِي النِّسْبَة إِلَى الْأَب وَمَتى يَقْتَضِي نِسْبَة حُصُول الشَّيْء فِي الزَّمَان وعَلى هَذَا قِيَاس الْبَوَاقِي. وَإِنَّمَا قُلْنَا لذاته ليدْخل فِي الكيف الكيفيات الْمُقْتَضِيَة للْقِسْمَة أَو للنسبة بِوَاسِطَة اقْتِضَاء محلهَا ذَلِك.
اعْلَم أَن القدماء رسموا الكيف بِأَنَّهُ هَيْئَة قارة لَا تَقْتَضِي قسْمَة وَلَا نِسْبَة لذاتها وَالْمرَاد بالقارة الثَّابِتَة. والمتأخرون بِأَنَّهُ عرض لَا يتَوَقَّف تصَوره على تصور غَيره وَلَا يَقْتَضِي الْقِسْمَة واللاقسمة فِي مَحَله اقْتِضَاء أوليا. وَلَا يخفى أَن هَذَا التَّعْرِيف أحسن من تَعْرِيف القدماء لِأَن فِي تعريفهم خللا من وُجُوه ثَلَاثَة: الأول: إِن فِي لفظ الْهَيْئَة والقارة خَفَاء. وَالثَّانِي: أَنه يخرج الْأَصْوَات لِأَنَّهَا إِمَّا آنِية أَو زمانية فَلَيْسَتْ بقارة أَي ثَابِتَة فِي محلهَا مَعَ أَنَّهَا من الكيفيات. وَالثَّالِث: أَنه يرد على تعريفهم أَنه لَيْسَ بمانع لصدقه على النقطة والوحدة على قَول من قَالَ إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا لَيْسَ من مقولة الكيف. وَقَوْلهمْ لَا يَقْتَضِي قسْمَة أَي قبُول الْقِسْمَة الوهمية ليخرج الْكمّ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي قبُولهَا. وَقَوْلهمْ اللاقسمة ليخرج الْوحدَة والنقطة على الْأَصَح فَإِنَّهُمَا تقتضيان اللاقسمة. وَقَوْلهمْ فِي مَحَله ظرف مُسْتَقر حَال عَن فَاعل لَا يَقْتَضِي وَالْمعْنَى لَا يَقْتَضِي الْقِسْمَة واللاقسمة حَال كَونه فِي مَحَله. وَفَائِدَة التَّقْيِيد الْإِشَارَة إِلَى أَن عدم اقْتِضَاء الْقِسْمَة واللاقسمة لَيْسَ بِاعْتِبَار التَّصَوُّر بِأَن يكون تصَوره مستلزما لتصور الْقِسْمَة واللاقسمة بل بِاعْتِبَار الْوُجُود والألم يخرج الْكمّ لعدم اقتضائه الْقِسْمَة فِي الذِّهْن ضَرُورَة أَن تصَوره لَا يسْتَلْزم تصور الْقِسْمَة واللاقسمة وَالْمرَاد بالاقتضاء الأول الِاقْتِضَاء الذاتي وَإِنَّمَا قيد بِهِ ليدْخل الكيف الَّذِي يَقْتَضِي اللاقسمة لَكِن لَا لذاته الْعلم الْبَسِيط الْحَقِيقِيّ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اللاانقسام لَكِن لَا لذاته وَلِئَلَّا تخرج الكيفيات الْمُقْتَضِيَة للْقِسْمَة بِسَبَب عروضها للكميات كالبياض الْقَائِم بالسطح وَأَنت تعلم أَنه لَا اقْتِضَاء هَا هُنَا وَإِنَّمَا هُوَ قبُول الْقِسْمَة بالتبع.
والكيفيات أَنْوَاع أَرْبَعَة: الأول: الكيفيات المحسوسة بالحواس الظَّاهِرَة وَهِي
следующие страницы →