Полный текст (1 034 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فَيُوضَع اللَّفْظ بِإِزَاءِ ذَلِك الْمَفْهُوم الْكُلِّي وَهَذَا هُوَ الْوَضع الْخَاص والموضوع لَهُ الْعَام وَالْحق أَنه رَاجع إِلَى الْوَضع الْعَام.
والوضع عِنْد أَرْبَاب الْمَعْقُول هُوَ الْقبُول للْإِشَارَة الحسية - وَقيل التحيز بِالذَّاتِ وَلذَا قَالُوا فِي تَعْرِيف الْجَوْهَر الْفَرد جَوْهَر ذُو وضع أَي قَابل للْإِشَارَة الحسية وَقيل أَي متحيز بذواته. وَقد يُطلق الْوَضع عِنْدهم على الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للجسم بِنِسْبَة بعض أَجْزَائِهِ إِلَى أَجزَاء آخر مِنْهُ. وَقد يُطلق على الْهَيْئَة الْحَاصِلَة للجسم بِنِسْبَة بعض أَجْزَائِهِ إِلَى أَجزَاء جسم آخر أَي إِلَى الْأُمُور الْخَارِجَة عَنهُ كالقيام وَالْقعُود فَإِن كلا مِنْهُمَا هَيْئَة عارضة للشَّخْص بِسَبَب أَعْضَائِهِ بَعْضهَا إِلَى بعض وَإِلَى الْأُمُور الْخَارِجَة عَنهُ وَلكُل مقَام عِنْدهم. والوضع بِهَذَا الْمَعْنى عرض مقولة من المقولات التسع للعرض. وَقد يُرَاد بِالْوَضْعِ الْحَالة الَّتِي تحصل للمقدم بِسَبَب اقترانه مَعَ الْأُمُور الممكنة الِاجْتِمَاع مَعَه وتحقيقه فِي الأوضاع.
الْوَضع الجزئي: بِأَن يُلَاحظ الْمَوْضُوع والموضوع لَهُ بخصوصهما فَإِن خُصُوصِيَّة الْإِضَافَة بِاعْتِبَار خُصُوصِيَّة الطَّرفَيْنِ.
الْوَضع الْكُلِّي: بِأَن يُلَاحظ الْمَوْضُوع لَهُ بِوَجْه أَعم كَمَا فِي المشتقات فَإِنَّهُم قَالُوا مثلا إِن اسْم الْفَاعِل مَوْضُوع لمن قَامَ بِهِ الْفِعْل. أَو بِأَن يُلَاحظ الْمَوْضُوع لَهُ بِوَجْه أَعم كَمَا فِي الْحُرُوف - والمضمرات - والمبهمات - وتفصيل هَذَا الْمقَام فِي كتَابنَا جَامع الغموض.
الوضعي: الْمَنْسُوب إِلَى الْوَضع. وَعند أَرْبَاب الْأُصُول الحكم بِالسَّبَبِ وَالشّرط وتفصيله فِي الحكم.
الْوضُوء: بِالضَّمِّ مصدر من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن. وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن غسل الْأَعْضَاء الْمَخْصُوصَة وَالْمسح على الرَّأْس. وَفِي شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة لأبي المكارم الْوضُوء بِالضَّمِّ مصدر بِمَعْنى التوضئ - وبالفتح المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ كَذَا عِنْد جُمْهُور أهل اللُّغَة. وَذهب بَعضهم مِنْهُم الْخَلِيل إِلَى أَنه بِالْفَتْح فيهمَا. وَحكي الضَّم فيهمَا - وَذكر الْأَخْفَش الْفَتْح فِي الْمصدر. وَعَن أبي عمرَان الْقبُول بِالْفَتْح مصدر لم أسمع غَيره - وَقيل الْقبُول وَالرُّكُوع بِالْفَتْح مصدران شَاذان وَمَا سواهُمَا فبالضم. - وَإِن أردْت تَحْقِيق دُخُول الْمرَافِق والكعبين فِي غسل الْأَيْدِي والأرجل فِي الْوضُوء فَانْظُر فِي الصَّوْم.
стр. 877
(بَاب الْوَاو مَعَ الطَّاء الْمُهْملَة)
الوطر: بِالتَّحْرِيكِ الْحَاجة.
الوطن الْأَصْلِيّ: قَالُوا الأوطان ثَلَاثَة الوطن الْأَصْلِيّ وَهُوَ مولد الرجل فِي الْبَلَد - وَقيل مَا يكون بالتوطن بالأهل أَو بالمولد.
ووطن الْإِقَامَة: وَهُوَ مَوضِع يَنْوِي أَن يسْتَقرّ فِيهِ خَمْسَة عشر يَوْمًا أَو أَكثر من غير أَن يَتَّخِذهُ مسكنا.
ووطن السُّكْنَى: وَهُوَ مَوضِع يَنْوِي فِيهِ الْإِقَامَة أقل من خَمْسَة عشر يَوْمًا.
(بَاب الْوَاو مَعَ الْعين الْمُهْملَة)
الْوَعْظ: هُوَ التَّذْكِير بِالْخَيرِ والنصيحة.
(بَاب الْوَاو مَعَ الْفَاء)
الْوَفَاء: مُلَازمَة طَرِيق الْمُسَاوَاة ومحافظة العهود وَحفظ مراسم الْمحبَّة والمخالطة سرا وَعَلَانِيَة حضورا وغيبة. نعم الشَّاعِر.
(بدل كفتم كدامين شيوه دشوار است انجامش ... )
(دلم درخون طببد وكفت باس اشنائي هَا ... )
(بَاب الْوَاو مَعَ الْقَاف)
الْوَقْف: مصدر وَقفه أَي حَبسه فَهُوَ وَاقِف وهم وقُوف وَذَاكَ مَوْقُوف وَقد يُطلق على الْمَوْقُوف تَسْمِيَة بِالْمَصْدَرِ فَيجمع على الْأَوْقَاف وَيَتَعَدَّى بِنَفسِهِ وَلَا يتَعَدَّى فَلَا يُقَال أوقفهُ إِلَّا على لُغَة ردية كَمَا فِي الْمغرب.
وَفِي الشَّرِيعَة عِنْد أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ هُوَ حبس الْعين بالْقَوْل حَال كَونهَا مقتصرة على ملك الْوَاقِف والتصديق بِالْمَنْفَعَةِ على الْفُقَرَاء أَو على وَجه من وَجه الْخَيْر. وَالْمرَاد بحبسها ومنعها على ملك الْوَاقِف أَن لَا يتَجَاوَز إِلَى ملك غَيره من الْعباد
стр. 878
فَلَا يشكل بوقف الْمَسْجِد فَإِنَّهُ حبس على ملك الله تَعَالَى بِالْإِجْمَاع وَملك الْوَاقِف عَن الْمَوْقُوف إِنَّمَا يَزُول بِقَضَاء القَاضِي بِحَيْثُ لَا يَنْتَهِي إِلَى يَد مَالك من الْخلق. وَلَا يتم الْوَقْف حَتَّى يقبض الْمُتَوَلِي ويفرز وَيجْعَل آخِره بِجِهَة لَا تَنْقَطِع أَي على طَريقَة لَا تَنْقَطِع تِلْكَ الطَّرِيقَة بِأَن يَقُول وقفت على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين لَا على أَوْلَاده فَإِنَّهُم ينقطعون. وَإِنَّمَا قُلْنَا بالْقَوْل لِأَنَّهُ لَو كتب صُورَة الوقفية على الشَّرَائِط بِلَا تلفظ لم تصر وَقفا بالِاتِّفَاقِ. وَصُورَة حكم الْحَاكِم مَا ذكره فِي فَتَاوَى قَاضِي خَان وَهِي أَن يسلم الْوَاقِف مَا وَقفه إِلَى الْمُتَوَلِي ثمَّ يُرِيد أَن يرجع عَنهُ فنازعه بعلة اللُّزُوم فيختصمان إِلَى القَاضِي فَقضى القَاضِي بلزومه. -
وَالْوَقْف عِنْد عُلَمَاء الصّرْف: قطع الْكَلِمَة عَمَّا بعْدهَا أَي على تَقْدِير أَن يكون بعْدهَا شَيْء وَإِنَّمَا فسرناه بِهَذَا لِأَنَّهُ قد يقف وَلَا يكون بعد ذَلِك شَيْء - وَقَالَ بَعضهم الْوَقْف قطع الْكَلِمَة عَن الْحَرَكَة. وَأورد عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ بواضح لِأَنَّهُ قد لَا يكون متحركا وَجَوَاب هَذَا يحصل بتفسيره بِمثل مَا مر أَي على تَقْدِير أَن يكون متحركا.
ثمَّ اعْلَم أَن الْوَقْف ضد الِابْتِدَاء فَيجب أَن يكون علامته ضد عَلامَة الِابْتِدَاء فَلَو وقفت على متحرك كَانَ خطأ بل الْمَوْقُوف عَلَيْهِ لَا يكون إِلَّا سَاكِنا أَو فِي حكمه إِلَّا أَن الِابْتِدَاء بالمتحرك ضَرُورِيّ لما بَين فِي الِابْتِدَاء بالساكن. وَالْوَقْف على السَّاكِن استحساني عِنْد كلال اللِّسَان من ترادف الْأَلْفَاظ والحروف - والحركات.
وَفِي كتب التجويد أَن الْوَقْف فِي الْقِرَاءَة عبارَة من قطع الصَّوْت زَمَانا بِمِقْدَار التنفس عَادَة بنية اسْتِئْنَاف الْقِرَاءَة وَهُوَ على أَرْبَعَة أَقسَام - تَامّ - وكاف - وَحسن - وقبيح - أما التَّام فَهُوَ مَا يكون على الْكَلَام المقطع عَمَّا بعده وَذَلِكَ يُوجد غَالِبا فِي أَوَاخِر الْقَصَص كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ . فَإِنَّهُ آخر قصَّة الْمُتَّقِينَ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ . فَإِنَّهُ آخر قصَّة الْكَافرين - وَقَوله تَعَالَى: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ . فَإِنَّهُ آخر صِفَات الله تَعَالَى - وَقد يُوجد فِي رُؤُوس الْآي كَمَا مر وَقبل رؤوسها وَبعد رؤوسها كَقَوْلِه تَعَالَى: حِكَايَة عَن بلقيس ﴿وَجعلُوا أعزة أَهلهَا أَذِلَّة﴾ . هُوَ التَّام. ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى: تقريرا لكلامها ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وَهَذَا هُوَ رَأس الْآيَة - وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكُمْ لتمرون عَلَيْهِم مصبحين﴾ . هَذَا هُوَ رَأس الْآيَة وبالليل. هَذَا هُوَ التَّام.
وَأما الْكَافِي فَهُوَ مَا يكون على الْكَلَام الْمُتَعَلّق بِمَا بعده فِي الْمَعْنى وَيُرَاد بِهِ التَّفْسِير وَذَلِكَ يُوجد فِي رَأس الْآيَة وَغير رَأسهَا كَمَا تَقول فِي مِثَال رَأس الْآيَة ﴿أم لم تنذرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ . فالوقف على قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤمنُونَ﴾ كَاف لِأَنَّهُ مُتَعَلق بقوله تَعَالَى: ﴿ختم الله﴾ . من حَيْثُ الْمَعْنى. وَتقول فِي مِثَال غير رَأس الْآيَة ﴿وآمنوا بِمَا أنزلت مُصدقا لما مَعكُمْ﴾ - فالوقف على قَوْله تَعَالَى: ﴿لما مَعكُمْ﴾ كَاف لِأَنَّهُ مُتَعَلق
стр. 879
بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ﴾ . فِي الْمَعْنى وَيجوز الْوَقْف على هذَيْن النَّوْعَيْنِ والابتداء بِمَا بعدهمَا.
وَأما الْحسن فَهُوَ مَا يكون على الْكَلَام الْمُتَعَلّق بِمَا بعده فِي اللَّفْظ وَأُرِيد بِهِ الْإِعْرَاب وَيُسمى هَذَا الْقسم حسنا لِأَنَّهُ يُوجد على الْكَلَام يفهم مِنْهُ معنى يحسن السُّكُوت عَلَيْهِ. وَهَذَا النَّوْع يُوجد فِي رَأس الْآيَة وَغير رَأسهَا فَإِن وجد فِي رَأس الْآيَة يجوز الْوَقْف عَلَيْهِ والابتداء بِمَا بعده فَيجوز للقارئ أَن يقف على قَوْله تَعَالَى: ﴿رب العلمين﴾ ويبتدئ بقوله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَن﴾ وَكَذَلِكَ يقف على قَوْله تَعَالَى: ﴿الرَّحِيم﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ . وَأَيْضًا يقف على قَوْله: ﴿هدى لِلْمُتقين﴾ ويبتدئ بقوله تَعَالَى: ﴿الَّذين يُؤمنُونَ﴾ وَمَا أشبه ذَلِك. وَإِن وجد فِي غير رَأس الْآيَة نَحْو: ﴿بِسم الله﴾ ﴿وَالْحَمْد لله وَسبح اسْم رَبك﴾ . جَازَ الْوَقْف عَلَيْهِ وَلَا يجوز الِابْتِدَاء بِمَا بعده وَإِنَّمَا جَازَ الْوَقْف على رَأس الْآي والابتداء بِمَا يعقبها وَإِن كَانَت مُتَعَلقَة بِمَا بعْدهَا فِي اللَّفْظ لما رُوِيَ عَن أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كَانَ النَّبِي ﷺ َ - إِذا قَرَأَ قطع قِرَاءَته آيَة آيَة فَيَقُول: ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ . ثمَّ يقف. ﴿الْحَمد لله رب العلمين﴾ . ثمَّ يقف. ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ . ثمَّ يقف. ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ . ثمَّ يقف هَكَذَا.
وَأما الْقَبِيح فَهُوَ وقُوف الْقَارئ على القَوْل دون الْمَقُول نَحْو قَالَ إِنِّي عبد الله وعَلى الشَّرْط دون الْجَواب نَحْو وَمَا تَفعلُوا من خير. وعَلى اسْم أَن دون خَبَرهَا نَحْو إِن الله. وعَلى اسْم كَانَ دون خَبَرهَا نَحْو وَكَانَ الله - وعَلى الْمُبْتَدَأ دون خَبره نَحْو الْحَمد من قَوْله تَعَالَى: ﴿الْحَمد لله﴾ وَمَا أشبه ذَلِك فَلَا يكون الْوَقْف على شَيْء من ذَلِك اخْتِيَارا - فَإِن اضْطر الْقَارئ ووقف على شَيْء عَن ذَلِك أعَاد الْكَلَام وَوصل بعضه بِبَعْض.
وَاعْلَم أَن للْوَقْف عَلَامَات فِي الْمُصحف الْمجِيد فالميم (م) عَلامَة الْوَقْف اللَّازِم والوصل عِنْده فِي بعض الْمَوَاضِع يُوجب تغير الْمَعْنى بل يُفْضِي إِلَى الْكفْر وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّاعِر:
(مِيم وقف لَازم است مكذر ازو ... كرّ كذشتى بيم كفراست اندرو)
كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم أَصْحَاب النَّار (م﴾ الَّذين يحملون الْعَرْش﴾ . فَمن لم يقف على قَوْله تَعَالَى: ﴿النَّار﴾ وَوصل الَّذين يكون الْمَوْصُول مَعَ صلته صفة لقَوْله: ﴿أَصْحَاب النَّار﴾ وَهُوَ بَاطِل. والطاء (ط) عَلامَة الْوَقْف الْمُطلق غير الْمُقَيد بِكُل وَاحِد من اللُّزُوم وَالْجَوَاز والرخصة وَغَيرهَا. وَهَذَا الْوَقْف يكون فِي آخر الْكَلَام الَّذِي إِن قطع
стр. 880
عَمَّا بعده فمستحسن وثواب. وَإِن وصل بِهِ لَا يُغير الْمَعْنى. والوقفة (وَقْفَة) بِالتَّاءِ عَلامَة الْقطع. وَالْحَلقَة المدروة (هـ) تعبر بِالْآيَةِ مثله إِن لم يكن مَعهَا شَيْء وَإِذا كَانَت مَعهَا (لَا) فالوجهان الْوَصْل وَالْوَقْف لَكِن الأول أفضل - وَإِذا كَانَ مَعهَا شَيْء من الْجِيم (ج) وَالزَّاي (ز) وَالْمِيم (م) وَالصَّاد (ص) وَغَيرهَا فَهِيَ تَابِعَة لَهُ فِي حكمه وَكلمَة (قف) عَلامَة الْوَقْف بِخِلَاف (صلى) فَإِنَّهُ عَلامَة أَن الْوَصْل أولى. وَالْجِيم (ج) فِيهِ وَجْهَان الْوَقْف والوصل إِلَّا أَن الأول أولى - الزَّاي (ز) يجوز عِنْده الْوَقْف والوصل لَكِن الثَّانِي أفضل - وَالصَّاد (ص) عَلامَة المرخص يَعْنِي رخص الْقَارئ فِي الْوَقْف عِنْده للضَّرُورَة - وَالْقَاف (ق) عَلامَة قيل لِأَن بعض الْقُرَّاء يقفون عِنْده لَا الْجُمْهُور فالوصل عِنْده أنسب بِخِلَاف (فَلَا) فَإِن أَكْثَرهم يقفون عِنْده فالوقف عِنْده أولى. وَالْوَقْف بِغَيْر التَّاء (وقف) وَالسِّين (س) كل وَاحِد مِنْهُمَا عَلامَة السكتة وَهِي عبارَة عَن قطع الصَّوْت زَمَانا دون زمَان الْوَقْف عَادَة من غير التنفس. وَإِذا وجدت كلمة (لَا) فَقَط فالوصل وَاجِب. وَمن وقف عِنْده يجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة بالوصل من رَأس الْآيَة الَّتِي مِنْهَا كلمة (لَا) و (الْكَاف) (ك) بِمَعْنى كَذَلِك. فَحكمهَا كَحكم الْوَقْف الَّذِي مر قبلهَا (وَكلمَة) صل بِغَيْر الْيَاء عَلامَة أَنه قد يُوصل فَيجوز الْوَقْف عِنْده.
وَالْوَقْف فِي الْعرُوض إسكان الْحَرْف السَّابِع المتحرك.
الْوُقُوف الزماني: عِنْد الصُّوفِيَّة عبارَة عَن المحاسبة يَعْنِي دريابنده نفس خودشدن كه بِحُضُور ميكذرديا بغفلت.
الْوُقُوف العددي: عِنْد الصُّوفِيَّة عبارَة عَن رِعَايَة الْعدَد فِي ذكره تَعَالَى - (حضرت خواجه بزركك بهَا الدّين نقشبند قدس سره فرمودهاند كه رعايت عدد ذكر قلبِي براى جمع خواطر مُتَفَرِّقه است) .
الْوُقُوف القلبي: عِنْد الصُّوفِيَّة عبارَة عَن التنبه وَحُضُور الْقلب فِي جنابه تَعَالَى وَالْقِيَام على هَذَا الْمقَام بِحَيْثُ لَا يخْطر فِي قلبه غَيره تَعَالَى.
وَقت الْفجْر: فِي الصُّبْح الصَّادِق.
وَقت الظّهْر: فِي الْفَيْء.
الْوَقار: بِالْفَتْح التأني فِي التَّوَجُّه نَحْو الْمَطْلُوب.
الوقتية: هِيَ الْقَضِيَّة الَّتِي حكم فِيهَا بِثُبُوت الْمَحْمُول للموضوع أَو بضرورة سلبه عَنهُ فِي وَقت معِين من أَوْقَات وجود الْمَوْضُوع مُقَيّدا باللادوام بِحَسب الذَّات مثل كل
стр. 881
قمر منخسف بِالضَّرُورَةِ وَقت الْحَيْلُولَة لَا دَائِما وَلَا شَيْء من الْقَمَر بمنخسف بِالضَّرُورَةِ وَقت التربيع لَا دَائِما.
(بَاب الْوَاو مَعَ الْكَاف)
الْوكَالَة: بِفَتْح الأول وكسره اسْم للتوكيل وَهُوَ الْحِفْظ والاعتماد. وَمِنْه الْوَكِيل فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَهُوَ فعيل بِمَعْنى الْفَاعِل على الأول أَي الْحَافِظ. وَبِمَعْنى الْمَفْعُول على الثَّانِي أَي الْمُعْتَمد عَلَيْهِ. - وَفِي الشَّرْع تَفْوِيض التَّصَرُّف فِي أَمر شَرْعِي إِلَى غَيره أَي إِقَامَة الْغَيْر مقَام نَفسه فِي التَّصَرُّف مِمَّن يملك التَّصَرُّف.
الْوَكِيل: هُوَ الَّذِي فوض إِلَيْهِ التَّصَرُّف بِإِقَامَة الْمُفَوض أَي الْمُوكل إِيَّاه مقَام نَفسه فِي التَّصَرُّفَات.
(بَاب الْوَاو مَعَ اللَّام)
الْولَايَة: الْقرْبَة وَالتَّصَرُّف والقرابة الْحَاصِلَة من الْعتْق. أَو من الموالات - وَعند أَرْبَاب السلوك مرتبَة علية لخواص الْمُؤمنِينَ المقربين فِي الحضرة الصمدية تحصل بالمواظبة على الطَّاعَات والاجتناب عَن السَّيِّئَات.
ف (١١١) :
الْوَلَاء: بِالْكَسْرِ لُغَة الْمُتَابَعَة. وَشرعا مُتَابعَة فعل بِفعل بِحَيْثُ لَا يجِف الْعُضْو الأول مثلا فِي الْوضُوء عِنْد اعْتِدَال الْهَوَاء. فَلَو جفف الْوَجْه وَالْيَد بالمنديل قبل غسل الرجل لم يتْرك الْوَلَاء. بِخِلَاف مَا فِي التُّحْفَة وَالِاخْتِيَار من أَن لَا يشْتَغل بَين الْأَفْعَال بِعبَادة أُخْرَى بغَيْرهَا. فَإِنَّهُ على هَذَا لَو جفف لترك الْوَلَاء. وَلذَا منع عَنهُ الْمَشَايِخ كَذَا فِي الزَّاهدِيّ. وَهُوَ سنة مُؤَكدَة فِي الْوضُوء.
وَفِي بعض شُرُوح كنز الدقائق الْوَلَاء أَن يغسل الْأَعْضَاء على سَبِيل التَّعَاقُب بِحَيْثُ لَا يجِف الْعُضْو الأول. وبالفتح لُغَة الْقَرَابَة يُقَال بَينهمَا وَلَاء أَي قرَابَة حكمِيَّة حَاصِلَة من الْعتْق. وَقيل الْوَلَاء بِالْفَتْح النُّصْرَة والمحبة. وَفِي الْكِفَايَة الْوَلَاء من الْوَلِيّ بِمَعْنى الْقرب يُقَال بَينهمَا وَلَاء أَي قرَابَة. وَمِنْه قَوْله ﵊ " الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث ". أَي وصلَة كوصلة النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث أَي بطرِيق الْفَرْضِيَّة - وَأما بطرِيق الْعُصُوبَة فيورث. وَفِي الشَّرْع هُوَ التناصر سَوَاء كَانَ وَلَاء عتاقة أَو وَلَاء مُوالَاة. فالتناصر يُوجب الْإِرْث أَو الْعقل. فَمَا وَقع فِي شرح الْوِقَايَة هُوَ مِيرَاث يسْتَحقّهُ الْمَرْء بِسَبَب عتق شخص فِي ملكه أَو بِسَبَب عقد الْمُوَالَاة بَيَان
стр. 882
للمعنى الْعرفِيّ وَحكمه. فَالْمُرَاد بِالْوَلَاءِ فِي الحَدِيث الشريف الْمَذْكُور التناصر بالاعتاق من قبيل ذكر الْمُسَبّب وَإِرَادَة السَّبَب أَي الاعتاق وصلَة وقرابة كوصلة النّسَب وقرابته لَا يُبَاع أَي سَببه وَقس عَلَيْهِ.
ثمَّ اعْلَم أَن الْوَلَاء نَوْعَانِ - الأول وَلَاء عتاقة وَيُسمى وَلَاء نعْمَة. وَسبب هَذَا الْوَلَاء الاعتاق عِنْد الْجُمْهُور. وَالأَصَح أَن سَببه الْعتْق على ملكه سَوَاء حصل بالاعتاق كَمَا هُوَ الظَّاهِر - أَو بِسَبَب الشِّرَاء كَمَا فِي شِرَاء ذِي رحم محرم مِنْهُ.
وَالثَّانِي وَلَاء الْمُوَالَاة وَسَببه العقد الَّذِي يجْرِي بَين اثْنَيْنِ. وَصُورَة مولى الْمُوَالَاة شخص مَجْهُول النّسَب قَالَ لآخر أَنْت مولَايَ ترثني إِذا مت وتعقل عني إِذا جنيت وَقَالَ الآخر قبلت. فعندنا يَصح هَذَا العقد وَيصير الْقَائِل وَارِثا عَاقِلا وَيُسمى بِهِ كَمَا يُسمى أَيْضا بمولى الْمُوَالَاة. وَإِذا كَانَ الآخر أَيْضا مَجْهُول النّسَب وَقَالَ للْأولِ مثل ذَلِك وَقَبله ورث كل مِنْهُمَا صَاحبه وعقل عَنهُ. وللمجهول أَن يرجع عَن عقد الْمُوَالَاة مَا لم يعقل عَنهُ مَوْلَاهُ.
وَكَانَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول: إِذا أسلم رجل على يَدي رجل ثمَّ وَالَاهُ صَحَّ - قَالَ شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ: لَيْسَ الْإِسْلَام على يَدَيْهِ شرطا فِي صِحَة الْمُوَالَاة - وَإِنَّمَا ذكره فِيهِ على سَبِيل الْعَادة - وَكَانَ الشّعبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول لَا وَلَاء إِلَّا وَلَاء الْعتَاقَة. وَبِه أَخذ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ مَذْهَب زيد بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَمَا ذهب إِلَيْهِ الحنفيون مَذْهَب عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ.
وَاعْلَم أَن الْعقل بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف الدِّيَة - فَإِن قيل مَا وَجه كَون الْعتْق سَبَب الْوَلَاء والقرابة كقرابة النّسَب - قُلْنَا إِن الْحُرِّيَّة حَيَاة للْإنْسَان إِذْ بهَا يثبت لَهُ صفة الْمَالِكِيَّة الَّتِي امتاز بهَا عَن سَائِر مَا عداهُ من الْحَيَوَانَات والجمادات والرقية تلف وهلاك -.
أَلا ترى أَن الرَّقِيق لَا يملك شَيْئا وَلَا تقبل شَهَادَته ومحجور عَن التَّصَرُّفَات. فالمعتق بِالْكَسْرِ سَبَب إحْيَاء الْمُعْتق بِالْفَتْح. كَمَا أَن الْأَب سَبَب لإيجاد الْوَلَد فَكَمَا أَن الْوَلَد يصير مَنْسُوبا إِلَى أَبِيه بِالنّسَبِ وَإِلَى أقربائه بالتبعية. كَذَلِك الْمُعْتق بِالْفَتْح يصير مَنْسُوبا إِلَى مُعْتقه بِالْوَلَاءِ وَإِلَى عصبته بالتبعية. فَكَمَا يثبت الْإِرْث بِالنّسَبِ كَذَلِك يثبت بِالْوَلَاءِ وَيجوز إِعْطَاؤُهُ لبِنْت الْمُعْتق أَيْضا كَمَا مر فِي الْعصبَة من جِهَة السَّبَب.
الْوَلِيّ: بِفَتْح الأول وَسُكُون الثَّانِي الْقرب. وَمِنْه الْوَلِيّ على وزن فعيل وَهُوَ الْقَرِيب. وَجَاء الْوَلِيّ بِمَعْنى الحري أَي اللَّائِق وَبِمَعْنى الْمُجيب. فِي جَامع الزمور الْوَلِيّ لُغَة الْمَالِك وَشرعا وَارِث مُكَلّف كَمَا فِي الْمُحِيط. وَفِي الْفِقْه فِي بَاب النِّكَاح الْوَلِيّ من
стр. 883
لَهُ ولَايَة التَّزْوِيج. فِي كنز الدقائق الْوَلِيّ الْعصبَة بترتيب الْإِرْث أَي التَّرْتِيب فِي الْعَصَبَات فِي ولَايَة الْإِنْكَاح كالترتيب فِي الْإِرْث فالأبعد مَحْجُوب بالأقرب. فأقرب الْأَوْلِيَاء الابْن للمجنونة. ثمَّ ابْن الابْن وَإِن سفل. ثمَّ الْأَب - ثمَّ الْجد أَب الْأَب وَإِن علا - ثمَّ الْأَخ لأَب وَأم - ثمَّ الْأَخ لأَب - ثمَّ ابْن الْأَخ لأَب وَأم - ثمَّ ابْن الْأَخ لأَب - ثمَّ الْعم لأَب وَأم - ثمَّ الْعم لأَب - ثمَّ ابْن الْعم لأَب وَأم - ثمَّ ابْن الْعم لأَب - ثمَّ الْمُعْتق بِالْكَسْرِ - وَإِن لم يكن عصبَة فالولاية للْأُم - ثمَّ للْأُخْت لأَب وَأم - ثمَّ لأَب - ثمَّ لولد الْأُم - ثمَّ لِذَوي الْأَرْحَام - ثمَّ للْحَاكِم أَي القَاضِي.
وَالْوَلِيّ عِنْد أَرْبَاب السلوك قدس الله تَعَالَى أسرارهم هُوَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى وَصِفَاته المواظب على الطَّاعَات المجتنب عَن الْمعاصِي المعرض عَن الانهماك فِي اللَّذَّات والشهوات وكرامته ظُهُور أَمر خارق للْعَادَة من قبله غير مُقَارن لدعوى النُّبُوَّة.
وَبِهَذَا يمتاز عَن المعجزة وبمقارنته الِاعْتِقَاد وَالْعَمَل الصَّالح والتزام مُتَابَعَته النَّبِي ﵊ عَن الاستدراج وَعَن مؤكدات تَكْذِيب الْكَذَّابين.
الْولَايَة أفضل من النُّبُوَّة: قَول بعض الصُّوفِيَّة وَقيل حَدِيث نبوي وأفضليتها من النُّبُوَّة بِخَمْسَة وُجُوه: أَحدهَا: أَن الْولَايَة صفة الْخَالِق. والنبوة صفة الْمَخْلُوق. وَثَانِيها: أَن اشْتِغَال الْولَايَة إِلَى الْحق - واشتغال النُّبُوَّة إِلَى الْخلق. وَثَالِثهَا: أَن الْولَايَة أَمر بَاطِن - والنبوة أَمر ظَاهر. وَرَابِعهَا: أَن الْولَايَة أَمر خَاص - والنبوة أَمر عَام. وخامسها: أَن الْولَايَة لَا انْتِهَاء لَهَا - والنبوة لَهَا انْتِهَاء.
وَفِي شرح الْمَقَاصِد حُكيَ عَن بعض الكرامية أَن الْوَلِيّ قد يبلغ دَرَجَة النَّبِي بل أَعلَى. وَعَن بعض الصُّوفِيَّة أَن الْولَايَة أفضل من النُّبُوَّة لِأَنَّهَا تنبئ عَن الْقرب والكرامة كَمَا هُوَ شَأْن خَواص الْملك المقربين مِنْهُ. والنبوة عَن الأنباء والتبليغ كَمَا هُوَ حَال من أرْسلهُ الْملك إِلَى الرعايا لتبليغ أَحْكَامه. إِلَّا أَن الْوَلِيّ لَا يبلغ دَرَجَة النَّبِي لِأَن النُّبُوَّة لَا تكون بِدُونِ الْولَايَة. وَفِي كَلَام بعض العرفاء إِن مَا قيل الْولَايَة أفضل من النُّبُوَّة لَا يَصح مُطلقًا. وَلَيْسَ من الْأَدَب إِطْلَاق القَوْل بِهِ بل لَا بُد من التَّقْيِيد وَهُوَ أَن ولَايَة النَّبِي أفضل من نبوته لِأَن النُّبُوَّة مُتَعَلقَة بمصلحة الْوَقْت وَالْولَايَة لَا تعلق لَهَا بِوَقْت دون وَقت بل قَامَ سلطانها إِلَى قيام السَّاعَة بِخِلَاف النُّبُوَّة فَإِنَّهَا بجناب أقدس مُحَمَّد الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَصَحبه وَسلم حَيْثُ ظَاهرهَا الَّذِي هُوَ الإنباء وَإِن كَانَت دائمة من حَيْثُ بَاطِنهَا الَّذِي هُوَ الْولَايَة أَعنِي التَّصَرُّف فِي الْخلق بِالْحَقِّ. فَإِن الْأَوْلِيَاء من أمة مُحَمَّد ﷺ َ - لَهُم تصرف فِي الْخلق بِالْحَقِّ إِلَى قيام السَّاعَة. وَلِهَذَا كَانَت علامتهم الْمُتَابَعَة إِذْ لَيْسَ الْوَلِيّ إِلَّا مظهر تصرف النَّبِي.
وَعَن أهل الْإِبَاحَة والإلحاد أَن الْوَلِيّ إِذا بلغ الْغَايَة فِي الْمحبَّة وصفاء الْقلب
стр. 884
وَكَمَال الْإِخْلَاص سقط عَنهُ الْأَمر وَالنَّهْي وَلم يضرّهُ الذَّنب وَلَا يدْخل النَّار بارتكاب الْكَبِيرَة. وَالْكل فَاسد بِإِجْمَاع الْمُسلمين ولعموم الخطابات. وَلِأَن أكمل النَّاس فِي الْمحبَّة وَالْإِخْلَاص هم الْأَنْبِيَاء سِيمَا حبب الله خَاتم رسل الله تَعَالَى ﵊ مَعَ أَن التكاليف فِي حَقهم أتم وأكمل حَتَّى يعاتبون بِأَدْنَى زلَّة بل بترك الأولى وَالْأَفْضَل. نعم حُكيَ عَن بعض الْأَوْلِيَاء أَنه استعفى الله تَعَالَى عَن التكاليف وَسَأَلَهُ الاعتاق عَن ظواهر الْعِبَادَات فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك بِأَن سلبه الْعقل الَّذِي هُوَ منَاط التكاليف. وَمنع ذَلِك من علو الْمرتبَة على مَا كَانَ.
ولد الزِّنَا: هُوَ الْمَوْلُود من الزِّنَا. وَمن أنكر أَبَاهُ فقد أقرّ على نَفسه بِأَنَّهُ مَوْلُود من غير نِكَاح - وَمن كَانَ مولودا بِغَيْر النِّكَاح فَهُوَ ولد الْحَرَام. فَمَا حَال من أنكر أستاذه الَّذِي هُوَ خير الْآبَاء. أما سَمِعت خير الأباء من علمك سَوَاء كَانَ إِنْكَاره صَرَاحَة كَمَا هُوَ الظَّاهِر أَو دلَالَة كَمَا إِذا كَانَ طاعنا عَلَيْهِ ومصرا على إيذائه ومغموما عِنْد وُصُول الْخَيْر إِلَيْهِ. ومسرورا لَدَى نزُول الشَّرّ عَلَيْهِ. وَسمعت من غير وَاحِد من الثِّقَات أَن من أنكر الْأُسْتَاذ ابتلاه الله تَعَالَى بِثَلَاث بليات نِسْيَان مَا قَرَأَ وضيق الْمَعيشَة وَزَوَال الْإِيمَان عِنْد الْمَوْت. اللَّهُمَّ خرب عاقبته وأسلب عافيته.
الْوَلِيمَة: طَعَام الزفاف وَغَيره. وَهِي ثَمَانِيَة مَذْكُورَة فِي هَذَا الشّعْر:
(وَلِيمَة عرس ثمَّ خرس ولادَة ... عقيقة مَوْلُود وكيرة ذِي بِنَا)
(وضيمة موت ثمَّ اعذار خاتن ... نقيقة سفر والمأدب للثنا)
(بَاب الْوَاو مَعَ الْهَاء)
الْوَهم: بِفَتْح الأول وَالثَّانِي الْغَلَط. وبسكون الثَّانِي الطّرف الْمَرْجُوح من طرفِي الْخَبَر. وَقُوَّة مرتبَة فِي الدِّمَاغ كُله لَكِن الْأَخَص بهَا هُوَ آخر التجويف الْأَوْسَط من الدِّمَاغ يدْرك الْمعَانِي الْجُزْئِيَّة الْمَوْجُودَة فِي المحسوسات كالقوة الحاكمة فِي الشَّاة بِأَن الذِّئْب مهروب عَنهُ أَو الْوَلَد مَعْطُوف عَلَيْهِ - وَالْمرَاد بالمعاني هِيَ مَا لَا يدْرك بالحواس الظَّاهِرَة.
الوهميات: قضايا كَاذِبَة يحكم بهَا الْوَهم فِي أُمُور غير محسوسة كَالْحكمِ بِأَن مَا وَرَاء الْعَالم فضاء لَا يتناهي. وَالْقِيَاس الْمركب مِنْهَا يُسمى سفسطة.
стр. 885
( [حرف الْهَاء] )
(بَاب الْهَاء مَعَ الْألف)
الهالة: دَائِرَة بَيْضَاء تَامَّة أَو نَاقِصَة ترى حول الْقَمَر. وَسبب حدوثها فِي الْحِكْمَة وَنقض هَذَا التَّعْرِيف بهالة الشَّمْس وَيُجَاب بِأَنَّهَا طفاوة لَا هَالة. وَبَعْضهمْ زَاد قيدا فِي التَّعْرِيف - وَقَالَ حول الْقَمَر وَغَيره فَافْهَم نعم الشَّاعِر:
(كسى كه رُوِيَ تو در آينه ديد كريان است ... )
(جوماه هاله نمايد دَلِيل باران است ... )
الهالة: فِي الشجاج.
هَذَا مركب من (هَاء) التَّنْبِيه - و (ذَا) اسْم الْإِشَارَة. وَاعْلَم أَنه كثيرا مَا يَقع فِي الْعبارَات هَذَا فَيقدر خُذ أَي خُذ هَذَا - وَلَا يخفى على الذكي الوكيع الظريف اللَّطِيف أَن تَقْدِير هَذَا بِهَذَا لَا يقبله الطَّبْع السَّلِيم. والذهن الْمُسْتَقيم. وَتكره سَمَاعه الآذان. أعوذ بِاللَّه من وساوس الشَّيْطَان. فالتقدير بافهم أَو اعْلَم أَو احفظ هَذَا أَو هَذَا تَحْقِيق المرام أَو الْمقَام أَو هَذَا كَمَا ذكر أَو كَمَا ترى أحسن عِنْد الورى كَمَا ترى. لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. وَبِه نستعين وَلَا نعْبد إِلَّا إِيَّاه.
الهاوي: من الْهَوِي بِضَم الْهَاء وَهُوَ الصعُود وَبِفَتْحِهَا وَهُوَ النُّزُول. والحرف الهاوي الْألف لِأَنَّهُ يهوي فِي مخرجه الَّذِي هُوَ أقْصَى الْحلق إِذا مددته من غير عمل عُضْو فِيهِ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ رَحمَه الله تَعَالَى هُوَ حرف يتبع لهواء الصَّوْت مخرجه أَشد من اتساع مخرج الْوَاو وَالْيَاء لِأَنَّك قد تضم شفتيك فِي الْوَاو وترفع فِي الْيَاء لسَانك جَانب الحنك يَعْنِي أَن الْوَاو وَالْيَاء مثل الْألف لِأَنَّك قد تضم الشفتين فِي الْوَاو وترفع لسَانك نَحْو الحنك فِي الْيَاء فَيحصل فِيهِ عمل الْعُضْو وَالْألف لَيْسَ كَذَلِك. فَإنَّك تَجِد فِيهِ الْفَم وَالْحلق منفتحتين وَقيل إِنَّمَا سمي الْألف هاويا لِأَنَّهُ ذُو الْهَوَاء.
стр. 886
(بَاب الْهَاء مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)
الْهِبَة: مصدر وهب يهب كوعد يعد عدَّة. فِي اللُّغَة التَّبَرُّع والتفضل وإيصال النَّفْع إِلَى الْغَيْر مَالا كَانَ أَو غير مَال. وَفِي الشَّرْع تمْلِيك الْعِوَض بِلَا مَال. وَأما الْهِبَة بِشَرْط الْعِوَض فَلَيْسَتْ هبة خَالِصَة ساذجة فَإِنَّهَا هبة ابْتِدَاء أَي قبل الْقَبْض وَبيع انْتِهَاء أَي بعد الْقَبْض حَتَّى لَو تقابضا صَحَّ العقد وَصَارَ فِي حكم البيع. وَلما كَانَت هبة ابْتِدَاء شَرط التَّقَابُض فِي الْعِوَضَيْنِ فِي الْمجْلس أَو بعده بِإِذْنِهِ لِأَن كل وَاحِد فِي هَذِه الْهِبَة واهب من جِهَة وموهوب لَهُ من جِهَة وَالْقَبْض شَرط صِحَة الْهِبَة وَتبطل بالشيوع بِأَن وهب شِقْصا مشَاعا بِشَرْط الْعِوَض فَإِنَّهَا لَا تجوز. وَلما كَانَت بيعا انْتِهَاء ترد بِالْعَيْبِ وَخيَار الروية وَيُؤْخَذ بِالشُّفْعَة لَو كَانَ الْمَوْهُوب بِالْعِوَضِ عقارا.
ثمَّ اعْلَم أَن الْهِبَة إِنَّمَا تصح بِثَلَاثَة أُمُور. بِإِيجَاب من الْوَاهِب - وَقبُول من الْمَوْهُوب لَهُ - وبقبضه الْمَوْهُوب فِي مجْلِس الْهِبَة - سَوَاء كَانَ بِإِذن الْوَاهِب أَو بِغَيْر إِذْنه أَو بِقَبْضِهِ الْمَوْهُوب بعد مجْلِس الْهِبَة بِإِذن الْوَاهِب. وَلَا تصح الْهِبَة إِلَّا فِي محوز أَي مفرغ عَن ملك الْوَاهِب خلقَة. فَلَا تجوز هبة الثَّمَرَة على الشَّجَرَة وَلَا فِي كل محوز بل فِي حوز مقسوم أَي محوز حصل فِيهِ التَّعْيِين والتشخص بِسَبَب التَّقْسِيم. فَلَا يجوز فِي المحوز الْمشَاع كَنِصْف الدَّار أَو ثلثه مثلا. وَلَيْسَ عدم جَوَاز الْهِبَة فِي كل مشَاع بل فِي مشَاع يقبل الْقِسْمَة.
وَأما فِي الْمشَاع الَّذِي لَا يقبل الْقِسْمَة بِأَن لَا يبْقى مشفعا بِهِ بعد الْقِسْمَة فالهبة فِيهِ صَحِيحَة بالِاتِّفَاقِ كَهِبَة نصف رحى وَنصف الْحمام مثلا. وَقد يُقَال للْمَوْهُوب هبة وموهوبة - وَالْجمع هبات ومواهب - وَإِنَّمَا شَرط فِي صِحَّتهَا الْإِيجَاب وَالْقَبُول لِأَنَّهَا عقد لقَوْله ﵊ " تهادوا تحَابوا " - وَالْعقد إِنَّمَا ينْعَقد بهما وَيصِح الرُّجُوع فِي الْهِبَة. وَالْمَانِع عَنهُ مدلولات حُرُوف (دمع خزقة) كَمَا مر فِي مَوْضِعه. وَأما فِي الْهِبَة بِالْعِوَضِ فَلَا يَصح الرُّجُوع. وَالتَّفْصِيل فِي كتب الْفِقْه.
هبوط الْكَوَاكِب: عبارَة عَن دناءة أحوالها وانتقاص تسلطها وتأثيراتها. وَإِن أردْت التَّوْضِيح فَانْظُر فِي شرف الْكَوَاكِب.
(بَاب الْهَاء مَعَ الْجِيم الْمُعْجَمَة)
الهجاء: فِي التهجي وأصل الْحُرُوف الْعَرَبيَّة تِسْعَة وَعِشْرُونَ حرفا وَهِي حُرُوف الهجاء كَمَا مر فِي الْمخْرج وَلها بِحَسب الصِّفَات انقسامات كَثِيرَة. - ذكر بَعضهم أَرْبَعَة وَأَرْبَعين وَزَاد بَعضهم وَنقص بَعضهم - وَالْمَشْهُور مَا ذكره الشَّيْخ ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله
стр. 887
تَعَالَى فِي الشافية حَيْثُ قَالَ - وَمِنْهَا المجهورة والمهموسة - وَمِنْهَا الشَّدِيدَة والرخوة وَمَا بَينهمَا. وَمِنْهَا المطبقة والمنفتحة - وَمِنْهَا المستعلية والمنخفضة - وَمِنْهَا حُرُوف الذلاقة والمصمتة - وَمِنْهَا حُرُوف القلقلة والصفير واللينة والمنحرف والمكرر والهاوي والمهتوت انْتهى.
وَإِن أردْت تَعْرِيف كل فاطلب فِي مَوضِع كل. وَفَائِدَة هَذِه الصِّفَات الْفرق بَين ذَوَات الْحُرُوف لِأَنَّهُ لَوْلَا هِيَ لَا تحدث أصواتها فَكَانَت كأصوات الْبَهَائِم لَا تدل على معنى. فسبحان من كنز وأودع جَوَاهِر حكمه البديعة فِي كل شَيْء.
الهجو: الشتم بالشعر - والشتم بِغَيْرِهِ لَا يُسمى هجوا. وَعِنْدِي أَنه لَا شَيْء أقبح وأضر مِنْهُ. - أما سَمِعت طعن اللِّسَان أَشد من ضرب السنان. سِيمَا الشتم والطعن بالشعر فَإِنَّهُ إِذا لم يكن بالشعر لم يحفظ بِعَيْنِه. وَأما إِذا كَانَ بِهِ فَيكون مقروءا بِاللِّسَانِ. ومحفوظا فِي الأذهان. فيفضي إِلَى دوَام الشتم وإفشائه بل إِلَى شتم كل شخص - كلما قرئَ ذَلِك الشّعْر - اللَّهُمَّ احفظني من سوء اللِّسَان المفضي إِلَى الْعد وَإِن نعم مَا قَالَ الشَّاعِر:
(برخود درهجو وذم نمى بايد زد ... بيرون از حد قدم نمى بايد زد)
(عَالم همه آئنه حسن ازلي است ... مي بايد ديد وَدم نمى بايدزد)
نعم هجو أَعدَاء الله ومنكري رَسُول الله ﵇ أولى وَأحسن بل أَرْجُو أَن يكون الهاجي مثابا ممدوحا.
ف (١١٢) :
(بَاب الْهَاء مَعَ الدَّال)
الْهِدَايَة: عِنْد الأشاعرة إراءة الطَّرِيق الْموصل فِي نفس الْأَمر إِلَى الْمَطْلُوب - وَعند الْمُعْتَزلَة هِيَ الدّلَالَة الموصلة أَي الإيصال إِلَى الْمَطْلُوب وكل مِنْهَا منقوض. وَيُمكن دفع الانتقاض وَالْكل مَذْكُور فِي حَوَاشِي تَهْذِيب الْمنطق. ومختار الطوسي أَن الْهِدَايَة مَوْضُوعَة للقدر الْمُشْتَرك بَين الْمَعْنيين الْمَذْكُورين لِأَنَّهَا مستعملة بَينهمَا فَالْقَوْل بِكَوْنِهَا مَوْضُوعَة لأَحَدهمَا بخصوصة يُوجب الِاشْتِرَاك أَو الْحَقِيقَة والمجازوالأصل ينفيهما.
ف (١١٣) :
الْهَدِيَّة: مَا يُؤْخَذ وَيُرْسل بِلَا شَرط الْإِعَانَة.
стр. 888
(بَاب الْهَاء مَعَ الذَّال الْمُعْجَمَة)
الهذيلية: أَصْحَاب أبي الْهُذيْل من الْمُعْتَزلَة قَالُوا بِفنَاء مقدورات الله تَعَالَى وَإِن أهل الْخلد يَنْقَطِع حركاتهم ويصيرون إِلَى خمود دَائِم وَسُكُون.
(بَاب الْهَاء مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)
ف (١١٤) :
(بَاب الْهَاء مَعَ الزَّاي)
الهزال: بِالضَّمِّ انْتِقَاض عَن الْأَجْزَاء الزَّائِدَة.
الْهزْل: إِن لَا يُرَاد بِاللَّفْظِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ وَلَا الْمجَازِي. وَالْجد بِكَسْر الْجِيم ضِدّه.
الْهزْل الَّذِي يُرَاد بِهِ الْجد: مُسْتَغْنى عَن التَّفْسِير وَهُوَ من المحسنات المعنوية البديعية. وَحَاصِله أَن تذكر الشَّيْء على سَبِيل اللّعب والمزاح والمطايبة بِحَسب الظَّاهِر. وَالْغَرَض أَمر صَحِيح بِحَسب الْحَقِيقِيَّة.
(بَاب الْهَاء مَعَ الشين الْمُعْجَمَة)
الهشيم: فِي الصِّحَاح هُوَ النَّبَات الْيَابِس المنكسر. وَفِي الترجمان الْحُسَيْنِي (هشيم كياه ريزه خشك) .
الهشامية: أَصْحَاب هِشَام بن عمر والقرطي قَالُوا الْجنَّة وَالنَّار لم يخلقا بعد وَقَالُوا لَا دلَالَة فِي الْقُرْآن على حَلَال وَحرَام والإمامة لَا تَنْعَقِد مَعَ الِاخْتِلَاف.
(بَاب الْهَاء مَعَ اللَّام)
الْهلَال: هُوَ الطّرف المرئي من النّصْف المضيء من الْقَمَر عِنْد بعده من الشَّمْس اثْنَتَا عشرَة دَرَجَة أَو أقل أَو أَكثر. وتفصيله فِي كتب الْهَيْئَة - وَفِي شرح قصيدة الْبردَة أَن الْهلَال إِلَى ثَلَاثَة لَيَال وَبعد ذَلِك يُسمى قمرا إِلَى أَن يُسمى بَدْرًا. والهلال فِي قَوْلهم الْهلَال وَالله مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هَذَا الْهلَال وَالله - لَا مُبْتَدأ مَحْذُوف
стр. 889
الْخَبَر لِأَن الْمَقْصُود تعْيين شَيْء بِالْإِشَارَةِ ثمَّ الحكم عَلَيْهِ بالهلالية. وَلَكِن فِي شرح الأوراد كنز الْعباد فِي الْكُبْرَى إِذْ رَأَوْا الْهلَال يكره أَن يشيروا إِلَيْهِ لِأَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَلِك وَللَّه در الشَّاعِر:
(شدّ مبارك باد هر سوليك بِي لبرويء يار ... ماه نوامشب بداغ كهنهء مَا ناخن است)
وَأَيْضًا:
(مهت جو بدر شود بادلم جه خواهد كرد ... هِلَال يكشبهء ابروي توكتانم سوخت)
هَلُمَّ: الْهَاء فِيهِ للتّنْبِيه وَلم بِضَم اللَّام وَفتح الْمِيم الْمُشَدّدَة اسْم فعل لَازم أَو مُتَعَدٍّ وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بيابيا - وَصَارَ بعد التَّرْكِيب بِمَعْنى أقبل أَو أحضر من الْإِحْضَار - وجرا فِي قَوْلهم هَلُمَّ جرا مفعول لَهُ أَو مصدر جر كَذَا فِي حَاشِيَة شيخ الْإِسْلَام على التَّلْوِيح - وَقيل هَلُمَّ من أَسمَاء الْأَفْعَال يُقَال كَانَ كَذَا عَام كَذَا وهلم جرا يَعْنِي (بكش كشيدني) .
الْهَلَاك: أَعم من الفناء وَلِهَذَا قَالُوا إِن الْهَلَاك لَا يسْتَلْزم الفناء وَهُوَ يسْتَلْزم الْهَلَاك لِأَن الْهَلَاك هُوَ خُرُوج الشَّيْء عَن الِانْتِفَاع الْمَقْصُود بِهِ أَي عَن مَنَافِعه الْمَطْلُوبَة بِهِ سَوَاء لم يبْق أصلا بِأَن يصير مَعْدُوما بِذَاتِهِ وأجزائه وَهُوَ الفناء أَو يبْقى وَلَكِن لَا يبْقى مُنْتَفعا بِهِ كالمشربة الْمَكْسُورَة الْمَطْلُوب بهَا شرب المَاء والجواهر الفردة المنثورة الْمَطْلُوب بهَا انضمام بَعْضهَا إِلَى بعض ليحصل الْجِسْم. وَالشَّمْس الْمظْلمَة الْمَطْلُوب بهَا الضَّوْء. وَلما قيدنَا الِانْتِفَاع بِالْمَقْصُودِ لَا يرد الِاعْتِرَاض بِأَن الْمشْربَة الْمَكْسُورَة بل كل مَوْجُود مُمكن يدل على وجود الصَّانِع وَهِي من أعظم الْمَنَافِع فَلَا يخرج عَن الِانْتِفَاع أصلا. فالهلاك هُوَ فنَاء الشَّيْء بِالْكُلِّيَّةِ لَا خُرُوجه عَن الِانْتِفَاع. وَمن عرف الْهَلَاك لم يهْلك بالتناقض فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأكلها دَائِم﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وكل شَيْء هَالك إِلَّا وَجهه﴾ .
وَقد يدْفع بِأَن المُرَاد بالدوام هَا هُنَا اسْتِمْرَار الشَّيْء وبقاؤه إِلَّا لَحْظَة وَهُوَ لَا يُنَافِي الْهَلَاك لَحْظَة وَهُوَ الدَّوَام التجددي بِأَنَّهُ إِذا فني شَيْء جِيءَ بِبَدَلِهِ شَيْء آخر مثله بِلَا مهلة يَعْنِي لَيْسَ التَّنَاقُض إِلَّا إِذا أُرِيد بالدوام الدَّوَام الْحَقِيقِيّ وَهُوَ عدم طريان الْعَدَم مُطلقًا. وَأما إِذا أُرِيد بِهِ الدَّوَام الْعرفِيّ وَهُوَ عدم طريان الْعَدَم زَمَانا يعتبد بِهِ فَلَا. وَالْجَوَاب بِأَن المُرَاد بِهِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيّ وبدوام أكل الْجنَّة دوَام أَنْوَاعهَا لَا أشخاصها. وَيجوز أَن لَا يَنْقَطِع النَّوْع أصلا مَعَ هَلَاك الْأَشْخَاص أَن يكون هَلَاك كل شخص معِين من الْأكل بعد
стр. 890
وجود مثله صَحِيح على مَذْهَب الْجُمْهُور من أَن الْجنَّة وَالنَّار لَا يطْرَأ عَلَيْهِمَا الْعَدَم وَلَو لَحْظَة لَا على مَا قيل من جَرَيَان الْعَدَم عَلَيْهِمَا لَحْظَة لِأَنَّهُ يلْزم حِينَئِذٍ انْقِطَاع النَّوْع جزما هَكَذَا فِي الْحَوَاشِي الحكيمية على شرح العقائد النسفية.
(بَاب الْهَاء مَعَ الْمِيم)
هما: ضمير مُشْتَرك بَين تَثْنِيَة الْمُذكر والمؤنث فَإِن قيل قَالَ جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ صَاحب الْكَشَّاف فِي ميزَان الصّرْف فِي بَيَان معنى فعلا كردندآن دومردان صِيغَة تثينه مُذَكّر غَائِب لفظ إِثْبَات فعل ماضي مَعْرُوف هما درومضمر است. وَكَذَا قَالَ فِي فعلوا هم درومضمر است. وَهَكَذَا فِي فعلن وَفعلت إِلَى فعلت وَفعلنَا.
وَلَا يخفى أَن الْألف فِي فعلا وَالْوَاو فِي فعلوا وَكَذَا النُّون فِي فعلن وَالتَّاء المتحركة فِي فعلت وَسَائِر الصِّيَغ ضمائر بارزة وَلَيْسَ فَاعل هَذِه الْأَفْعَال ضميرا مستترا فَكيف صِحَة هَذَا الْمقَال. قلت مَا ذكره على مذْهبه لَا على مَذْهَب الْجُمْهُور فَإِن مذْهبه أَن الْألف فِي فعلا وَالْوَاو فِي فعلوا وَكَذَا سَائِر الضمائر البارزة عِنْد الْجُمْهُور عَلَامَات تذكير الْفَاعِل وتأنيثه وَجمعه وخطابه. وضمائر الْفَاعِل مستترة فِي هَذِه الصِّيَغ. وَمذهب الْجُمْهُور إِنَّهَا ضمائر الْفَاعِل بارزة وَلَيْسَ فاعلها بمنوي مستتر فالزيدان فِي مثل ضربا الزيدان والزيدون فِي ضربوا الزيدون فَاعل عِنْد الزَّمَخْشَرِيّ ومبتدأ مُؤخر أَو بدل عَن الْفَاعِل عِنْد الْجُمْهُور فَافْهَم.
الْهم: الْغم وَالْقَصْد أَي عقد الْقلب على فعل شَيْء قبل أَن يفعل من خير أَو شَرّ.
الهمة: توجه الْقلب وقصده بِجَمِيعِ قواه الروحانية إِلَى جَانب الْحق تَعَالَى أَو غَيره لحُصُول الْكَمَال لَهُ أَو لغيره.
(بَاب الْهَاء مَعَ النُّون)
ف (١١٥) :
(بَاب الْهَاء مَعَ الْوَاو)
الهوية: هِيَ الْحَقِيقَة الْجُزْئِيَّة حَيْثُ قَالُوا الْحَقِيقَة الْجُزْئِيَّة تسمى هوية يَعْنِي أَن الْمَاهِيّة إِذا عتبرت مَعَ التشخص سميت هوية. وَقد تسْتَعْمل الهوية بِمَعْنى الْوُجُود الْخَارِجِي وَقد يُرَاد بهَا التشخص. وَقَالُوا الهوية مَأْخُوذَة من الهو هُوَ وَهِي فِي مُقَابلَة الغيرية.
стр. 891
الْهوى: ميلان النَّفس إِلَى مَا تستلذه من غير دَاعِيَة الشَّرْع جمعه إِلَّا هَوَاء يُقَال بِخِلَاف أهل الْأَهْوَاء.
الْهَوَاء: عنصر من العناصر الْأَرْبَعَة حَار رطب فَوق كرة المَاء وَتَحْت كرة النَّار.
وَاعْلَم أَنهم قد ذكرُوا أَن للهواء أَربع طَبَقَات: الأولى: مَا يمتزج مَعَ النَّار وَهِي الَّتِي يتلاشى ويضمحل فِيهَا الأدخنة المرتفعة عَن السّفل ويتكون وَيحصل فِيهَا الْكَوَاكِب ذَوَات الأذناب والنيازك وَمَا يشبهها كذوات الذوائب والرماح والأعمدة. الثَّانِيَة: الْهَوَاء الْغَالِب وَهِي الَّتِي يحدث فِيهَا الشهب. الثَّالِثَة: الْهَوَاء الْبَارِد اللَّطِيف الْمُخْتَلط بالأجزاء المائية وَلَا يصل إِلَيْهَا أثر شُعَاع الشَّمْس بالانعكاس من وَجه الأَرْض وَتسَمى طبقَة زمهريرية وَهِي منشأ السَّحَاب والرعد والبرق والصاعقة - الرَّابِعَة: الْهَوَاء الكثيف الَّذِي يصل إِلَيْهِ أثر شُعَاع الشَّمْس. والطبقتان الأوليان مِنْهَا مجاورتان للنار والأخريان للْمَاء. وَالْفرق بَين الرّيح والهواء بالحركة والسكون فَمَا كَانَ سَاكِنا فَهُوَ هَوَاء وَمَا كَانَ متحركا فَهُوَ ريح.
ف (١١٦) :
(بَاب الْهَاء مَعَ الْيَاء التَّحْتَانِيَّة)
الهيولى: فِي عرف الْحُكَمَاء هِيَ الْجَوْهَر الْقَابِل للاتصال والانفصال وَهِي مَحل للصورتين أَي الجسمية والنوعية وَهِي الهيولى الأولى - وَأما الهيولى الثَّانِيَة فَهِيَ جسم تركب مِنْهُ جسم آخر كَقطع الْخشب الَّتِي تركب مِنْهَا السرير. والهيولى لفظ يوناني مَعْنَاهُ الأَصْل والمادة. وَقَالَ بَعضهم الهيولى فِي الأَصْل هَيْئَة أولى والهيئة هَا هُنَا بِمَعْنى الْجَوْهَر.
الهيميا: فِي الطلسم.
الْهَيْئَة: هِيَ الْعرض إِلَّا أَن اعْتِبَار الْحُصُول فِي الْهَيْئَة وَالْعرُوض فِي الْعرض يَعْنِي أَن الْعرض يُقَال بِاعْتِبَار عروضه أَي حُصُوله فِي شَيْء آخر والهيئة بِاعْتِبَار حُصُوله أَي فِي نَفسه - وَقد يُقَال الْهَيْئَة على الْجَوْهَر كَمَا مر آنِفا فِي الهيولى وَعلم الْهَيْئَة هُوَ الَّذِي يبْحَث فِيهِ عَن أَحْوَال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية من حَيْثُ الكمية والكيفية والوضع وَالْحَرَكَة اللَّازِمَة لَهَا أبدية أَو ممتنعة الانفكاك وَمَا يلْزم مِنْهَا.
الهيواء: هِيَ الْحَالة الظَّاهِرَة للمتهيئ - وَفِي الشَّرْع أَن يتواضعوا على أَمر فتراضوا بِهِ وَحَقِيقَته أَن يرضى الشُّرَكَاء بهيئة وَاحِدَة أَن ينْتَفع هَذَا بِهَذَا النّصْف المفرز وَذَاكَ بِذَاكَ النّصْف أَو هَذَا بكله فِي كَذَا من الزَّمَان وَذَاكَ بِقدر مُدَّة الأول - وَالْحَاصِل أَنَّهَا فِي الشَّرْع عبارَة عَن قسْمَة الْمَنَافِع.
стр. 892
( [حرف الْيَاء] )
(بَاب الْيَاء مَعَ الْألف)
الْيَأْس إِحْدَى الراحتين: مثل يضْرب بِهِ فِي الْعَرَب لمن يسْعَى ويرجى مرامه من رجل يقبل إيصاله إِلَيْهِ وَلَكِن لَا يُوصل فَتحصل لَهُ من ذَلِك صعوبة وملال. وَاعْلَم أَن الرَّاحَة راحتان: الأولى: الْوُصُول إِلَى الْمَطْلُوب. وَالثَّانيَِة: الخيبة واليأس مِنْهُ فَإِن صَاحب السَّعْي عِنْد الْيَأْس يجر رجْلي التَّرَدُّد وَالْمَشَقَّة فِي ذيل الرَّاحَة والاطمئنان.
(يادداشت) و (يادكرد) در (هوش دردم) .
يَأْجُوج وَمَأْجُوج: اسمان عجميان بِدَلِيل منع الصّرْف كَذَا فِي المدارك. وَفِيه أَن يَأْجُوج من التّرْك وَمَأْجُوج من الْجَبَل والديلم - وَفِي شرح الْمَقَاصِد وَأما يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَقيل من أَوْلَاد يافث بن نوح ﵇ وَقيل جمع كثير من أَوْلَاد آدم ﵇ أَضْعَاف سَائِر بني آدم لَا يَمُوت الرجل مِنْهُم حَتَّى ينظر إِلَى مائَة ذكر من صلبه يحملون السِّلَاح. فَمنهمْ من هُوَ فِي غَايَة الطول خَمْسُونَ ذِرَاعا وَقيل سَبْعُونَ وَقيل مائَة وَعِشْرُونَ. وَمِنْهُم من طوله وَعرضه كَذَلِك. وَمِنْهُم من هُوَ فِي غَايَة الْقصر مِقْدَار شبر كَانُوا يخرجُون أَيَّام الرّبيع إِلَى قوم صالحين بقربهم فيهلكون زُرُوعهمْ ويقتلونهم فَجعل ذُو القرنين سدا دونهم فيحفرون كل يَوْم ذَلِك السد حَتَّى إِذا كَادُوا يرَوْنَ شُعَاع الشَّمْس قَالَ الَّذِي عَلَيْهِم ارْجعُوا فستحفرونه غَدا فيعيده الله تَعَالَى كَمَا كَانَ حَتَّى إِذا بلغت مدتهم حفروا حَتَّى إِذا كَادُوا يرَوْنَ شُعَاع الشَّمْس - قَالَ الَّذِي عَلَيْهِم ارْجعُوا فستحفرونه غَدا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فيعودون وَهُوَ كَهَيْئَته فيحفرون وَيخرجُونَ مقدمهم بِالشَّام ومؤخرهم بخراسان فيشربون الْمِيَاه ويتحصن النَّاس مِنْهُم فِي حصونهم وَلَا يقدرُونَ على إتْيَان مَكَّة وَبَيت الْمُقَدّس فَيُرْسل الله تَعَالَى نغفا فِي أَعْنَاقهم فيهلكون جَمِيعًا فَيُرْسل طيرا تلقيهم فِي الْبَحْر فَيُرْسل مَطَرا يغسل الأَرْض. وخروجهم يكون بعد خُرُوج الدَّجَّال وَقتل عِيسَى ﵇ إِيَّاه انْتهى.
стр. 893
(بَاب الْيَاء مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)
اليبوسة: كَيْفيَّة فِي الْجِسْم تَقْتَضِي صعوبة الشكل والتفرق والاتصال.
(بَاب الْيَاء مَعَ التَّاء الْفَوْقِيَّة)
الْيُتْم: بِالضَّمِّ وَالْفَتْح وَسُكُون الثَّانِي. وَقد جَاءَ ضم الأول مَعَ ضم الثَّانِي بِي بدرشدن إِنْسَان قبل ازبلوغ وَبِي مادرشدن جَار بايه قبل از استغنا وَبِي نَظِير بودن درلآلى.
الْيَتِيم: يعلم من هَذَا الْبَيَان لكَونه صفة مشبهة مِنْهُ.
يتقه: بِسُكُون الْقَاف مضارع مَعْرُوف اتَّصل بِهِ ضمير الْمُذكر الْغَائِب أَو هَاء السكتة من اتَّقى يَتَّقِي. وَيعلم من بادئ النّظر اعْتِرَاض فِي سكونها لِأَن الْقيَاس كسرهَا وسكونها باقتضاء هَذِه الْقَاعِدَة وَهِي أَن كل اسْم من الثلاثي الْمُجَرّد إِذا كَانَ عينه مكسورا جَازَ إسكان عينه تَخْفِيفًا. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْكَتف بِكَسْر تَاء الْكَتف وبسكونها ثمَّ وزن كتف بِكَسْر التَّاء إِذا وجد فِي فعل فَحِينَئِذٍ أَيْضا يجوز إسكان عين ذَلِك الْفِعْل مشابهة لكتف وَإِن لم يكن لتركيب جَمِيع حُرُوف ذَلِك الْفِعْل دخل فِي ذَلِك الْوَزْن بل لتركيب بَعْضهَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ويتقه﴾ أَصله يَتَّقِي فحذفت لَام الْكَلِمَة للجزم وَهِي الْيَاء لكَونه مَعْطُوفًا على المجزوم السَّابِق.
فالقراء متفقون على كسر الْقَاف وَحذف الْيَاء الأحفص فَإِنَّهُ ذهب بعد حذف الْيَاء إِلَى إسكان الْقَاف لِأَن تقه فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يتقه﴾ على وزن كتف فأسكن الْعين وَهِي الْقَاف مشابهة لكتف كَمَا جَاءَ فِي انْطلق بِكَسْر اللَّام وَسُكُون الْقَاف انْطلق بِسُكُون اللَّام وَفتح الْقَاف فَإِن طلق فِي انْطلق على وزن كتف فأسكن اللَّام مشابهة لكتف فَاجْتمع الساكنان اللَّام وَالْقَاف فحركت الْقَاف لِأَنَّهَا أخف الحركات. ثمَّ حَفْص بعد إسكان الْقَاف فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يتقه﴾ قَائِل فِي هائه بقولين: أَحدهمَا: أَن الْهَاء للسكتة فعلى هَذَا التَّقْدِير كَانَت الْهَاء سَاكِنة فِي الأَصْل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أدريك ماهيه﴾ . فَاجْتمع الساكنان الْقَاف وَالْهَاء فحركت الْهَاء بِالْكَسْرِ لِأَن السَّاكِن إِذا حرك حرك بِالْكَسْرِ - وَثَانِيهمَا: أَن الْهَاء ضمير للمذكر الْغَائِب فَلَا يلْزم على هَذَا التَّقْدِير التقاء الساكنين للمشابهة الْمَذْكُورَة وَالْهَاء متحركة لكَونه ضميرا لَكِن القَوْل الأول أَضْعَف وَالثَّانِي أقوى.
هَكَذَا فِي الرسَالَة الْمُسَمَّاة بالمصارف فِي علم الصّرْف للسَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره. ثمَّ خطر على بَال الْفَقِير وَجه آخر وَهُوَ أَن الْقَاف من أقْصَى اللِّسَان وَالْهَاء من الْحلق فَكل وَاحِد مِنْهُمَا ثقيل فِي التَّلَفُّظ والكسرة على كل مِنْهُمَا أَيْضا ثَقيلَة -
стр. 894
وَقَاعِدَة التجويد أَن هَاء الضَّمِير للمفرد الْمُذكر الْغَائِب إِذا كَانَ مكسورا وَمَا قبله أَيْضا مكسورا فَحِينَئِذٍ يكون صلَة ذَلِك الضَّمِير بِالْيَاءِ مثل بهي فَلَو كَانَت الْقَاف مَكْسُورَة يُوصل هَاء الضَّمِير بِالْيَاءِ فَلَزِمَ توالي كسرات مَعَ ثقل الْقَاف وَالْهَاء - فَإِن كسر الْقَاف وَالْهَاء مَعَ يَاء الصِّلَة كسرات لِأَن الْيَاء أَيْضا بِمَنْزِلَة الكسرتين فاسكن الْقَاف حَتَّى لَا يلْزم الْمَحْذُور الْمَذْكُور هَذَا مَا حررنا فِي أَوَان الشَّبَاب لبَعض الأحباب.
(بَاب الْيَاء مَعَ الرَّاء الْمُهْملَة)
اليرقان: هُوَ تغير من لون الْبدن فَاحش إِلَى صفرَة أَو سَواد لجَرَيَان الْخَلْط الْأَصْفَر وَالْأسود إِلَى الْجلد وَمَا يَلِيهِ بِلَا عفونة. وتفصيله فِي كتب الطِّبّ.
ف (١١٧) :
(بَاب الْيَاء مَعَ الْقَاف الْمُعْجَمَة)
الْيَقِين: عِنْد أَرْبَاب السلوك ظُهُور نور الْحَقِيقَة فِي الموقن حَال كشف الأستار البشرية بِشَاهِد الوجد والذوق لَا بِدلَالَة الْعقل وَالنَّقْل. فالإيمان نور من وَرَاء الْحجاب - وَالْيَقِين نور عِنْد كشف الْحجاب. وَاعْلَم أَنهم أَجمعُوا على أَنه كلما وجد حكم وجد تَصْدِيق إِمَّا غير جازم فَظن. أَو جازم صَادِق راسخ فيقين. أَو غير راسخ فتقليد. أَو جازم كَاذِب فجهل مركب.
وتفصيل هَذَا الْإِجْمَال أَن الْيَقِين فِي الْعرف هُوَ التَّصْدِيق الْجَازِم المطابق الثَّابِت وَبِعِبَارَة أُخْرَى هُوَ اعْتِقَاد الشَّيْء بِأَنَّهُ لَا يُمكن إِلَّا كَذَا مطابقا للْوَاقِع غير مُمكن الزَّوَال. وبالقيد الأول يخرج الظَّن فَإِنَّهُ اعْتِقَاد الشَّيْء بِأَنَّهُ كَذَا مَعَ احْتِمَال مَرْجُوح لنقيضه. وبالقيد الثَّانِي أَعنِي مطابقا للْوَاقِع يخرج الْجَهْل الْمركب وبالقيد الثَّالِث يخرج اعْتِقَاد الْمُقَلّد فَإِنَّهُ غير راسخ مُمكن الزَّوَال بتشكيك المشكك. وَالشَّكّ عبارَة عَن تَسَاوِي طرفِي الْخَبَر أَي وُقُوعه وَلَا وُقُوعه - وَقد يذكر الشَّك وَيُرَاد بِهِ الظَّن كَمَا قَالُوا أَفعَال الْقُلُوب تسمى أَفعَال الشَّك وَالْيَقِين. وَأَرَادُوا بِالشَّكِّ هَا هُنَا الظَّن وَإِلَّا فَلَا شَيْء من هَذِه الْأَفْعَال بِمَعْنى الشَّك الْمُقْتَضِي لتساوي الطَّرفَيْنِ. وَإِن لم يتساويا فالطرف الرَّاجِح ظن والمرجوح وهم. وَقد مر تَحْقِيق حقيق لهَذِهِ الْأُمُور فِي الْعلم فَاعْلَم.
الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ: بِالنَّقْلِ وَالْعقل. أما الأول فَمَا رَوَاهُ مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرْفُوعا " إِذا وجد أحدكُم فِي بَطْنه شَيْئا فأشكل عَلَيْهِ أخرج مِنْهُ شَيْء أَو لَا فَلَا يخْرجن من الْمَسْجِد حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا ". وَأما الْعقل فَإِن
стр. 895
عدم إِمْكَان الزَّوَال مُعْتَبر فِي مَفْهُوم الْيَقِين كَمَا مر. فَإِن قيل لَا نسلم أَن الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ بِسَنَد زَوَال النَّجَاسَة المتيقنة بِالشَّكِّ فِي إِزَالَتهَا.
وتوضيحه أَنه إِذا تنجس طرف من أَطْرَاف الثَّوْب وَنسي مَحل النَّجَاسَة فَغسل طرفا من أَطْرَافه بتحر أَو بِلَا تحر حكم بِطَهَارَة الثَّوْب وَهُوَ الْمُخْتَار كَمَا فِي (التاتارخانيه) نَاقِلا عَن الْكُبْرَى. وَإِن كَانَ الْأَحْوَط غسل كُله كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّة وَبِسَنَد مسئلة (السّير الْكَبِير) وَهِي إِذا فتحنا حصنا وَفِيهِمْ ذمِّي لَا يعرف لَا يجوز قَتلهمْ لقِيَام الْمَانِع بِيَقِين فَلَو قتل الْبَعْض أَو أخرج حل قتل الْبَاقِي للشَّكّ فِي قيام الْمحرم - فَلَو كَانَ الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ لما حكم بِزَوَال النَّجَاسَة الَّتِي ثُبُوتهَا يقيني بِالشَّكِّ فِي زَوَالهَا عِنْد غسل طرف من أَطْرَاف الثَّوْب.
وَأجِيب بِأَن الأَصْل الْمُتَيَقن طَهَارَة الثَّوْب وَوَقع الشَّك فِي قيام النَّجَاسَة بعد ذَلِك الْغسْل لاحْتِمَال كَون المغسول محلهَا فَلَا يقْضِي وَلَا يحكم بِالنَّجَاسَةِ. فَثَبت أَن الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ وَلَكِن لَك أَن تَقول إِن النَّجَاسَة إِذا وصلت ثوبا فنجاسته يقينية فَلَا بُد أَن لَا يحكم بِطَهَارَتِهِ عِنْد ذَلِك الْغسْل بِالشَّكِّ فِي زَوَالهَا لاحْتِمَال كَون المغسول محلهَا فَلَا يقْضِي وَلَا يحكم بِالنَّجَاسَةِ فَثَبت أَن الْيَقِين لَا يَزُول بِالشَّكِّ. فَالْجَوَاب أَن نَجَاسَة النَّجس وطهارة الطَّاهِر مَا علمنَا إِلَّا بِبَيَان الشَّارِع الْحَكِيم الْعَالم بالمصالح فَلَمَّا حكم بِطَهَارَة الثَّوْب عِنْد غسل طرف مِنْهُ علم أَنه حكم بِأَن ذَلِك الطّرف المغسول هُوَ مَحل النَّجَاسَة يقيني دفعا للْحَرج أَو لمصَالح عِنْده. فَكَمَا أَن النَّجَاسَة يقينية زَوَالهَا أَيْضا يقيني بِحكم الشَّارِع لَا مَشْكُوك فَلم يلْزم زَوَال الْيَقِين بِالشَّكِّ هَذَا وَلَعَلَّ عِنْد غَيْرِي أحسن من هَذَا.
فَإِن قلت: فَلَو صلى مَعَ هَذَا الثَّوْب صلوَات ثمَّ ظهر أَن النَّجَاسَة فِي الطّرف الآخر يجب عَلَيْهِ إِعَادَة تِلْكَ الصَّلَوَات أم لَا؟ قلت: تجب كَمَا فِي الْخُلَاصَة أَقُول: لِأَن حكم الشَّارِع بِنَجَاسَة ذَلِك الطّرف المغسول كَانَ مَشْرُوطًا بِالنِّسْيَانِ فَإِذا تذكر يعود نَجَاسَة الثَّوْب على مَا كَانَ من وَقت اللوث وَالطُّهْر المتخلل بَين النجاستين نَجَاسَة كالطهر بَين الدمين دم. فَإِن قلت لما كَانَ عدم الزَّوَال مأخوذا فِي مَفْهُوم الْيَقِين فَالْوَاجِب أَن لَا يَزُول أصلا. أَقُول لَيْسَ مُطلق عدم الزَّوَال مأخوذا فِي مَفْهُومه بل عدم الزَّوَال بالتشكيك مَأْخُوذ فِيهِ فَيجوز زَوَاله بِيَقِين آخر وَلَا يخفى لطفه.
(بَاب الْيَاء مَعَ الْمِيم)
الْيَمين: دست راست وَقُوَّة وتوانائي. - وَفِي الشَّرْع تَقْوِيَة أحد طرفِي الْخَبَر بالمقسم بِهِ وَجمعه الْإِيمَان. وَفِي مجمع الْحَوَاشِي الْيَمين تَقْوِيَة مَا عزم عَلَيْهِ من تَحْصِيل
стр. 896
فعل أَو امْتِنَاعه عَنهُ بِذكر اسْم الله تَعَالَى سَوَاء كَانَ ذَلِك وَاجِبا أَو مُبَاحا أَو حَرَامًا انْتهى.
ثمَّ الْيَمين بِاللَّه ثَلَاثَة أَقسَام - غموس - ولغو - ومنعقد. إِنَّه إِن حلف على إِثْبَات أَمر مَاض كذبا عمدا فَهُوَ غموس وجزاءه الْإِثْم والغموس هَا هُنَا هُوَ الدُّخُول فِي النَّار. - وَإِن حلف على ذَلِك الْإِثْبَات ظنا فَهُوَ لَغْو لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا إِثْم - وَإِن حلف على أَمر آتٍ فِي الْمُسْتَقْبل مُنْعَقد - وَفِيه كَفَّارَة فَقَط وَلَو مكْرها أَو مجبورا أَو نَاسِيا أَو حنث كَذَلِك - ثمَّ تطلق الْأَيْمَان على التعليقات أَيْضا لِأَن فِيهَا أَيْضا تَقْوِيَة أحد طرفِي الْخَبَر بِالشّرطِ أَو لِأَنَّهَا أَيْمَان التزاما وَلذَا قَالُوا الشَّرْط فِي مثل إِن فعلت كَذَا فعبده حر أَو امْرَأَته طَالِق للْيَمِين على تَحْقِيق نقيض مَضْمُون الشَّرْط -. فَإِن كَانَ الشَّرْط مثبتا مثل إِن ضربت رجلا فَكَذَا فَهُوَ يَمِين للْمَنْع بِمَنْزِلَة قَوْلك وَالله لَا أضْرب رجلا. وَإِن كَانَ منفيا مثل إِن لم أضْرب رجلا فَكَذَا فَهُوَ يَمِين للْحَمْل بِمَنْزِلَة قَوْلك وَالله لَأَضرِبَن رجلا. وَالْحَاصِل أَن الْيَمين فِي الْإِثْبَات للْمَنْع - وَفِي النَّفْي للْحَمْل. فَمَعْنَى إِن ضربت رجلا فَعَبْدي حر وَالله لَا أضْرب رجلا. وَمعنى إِن لم أضْرب رجلا فَعَبْدي حر وَالله أضْرب رجلا. وَشرط الْبر فِي الأول أَن لَا يضْرب أحدا من الرِّجَال - وَفِي الثَّانِي ضرب أحد من الرِّجَال.
وَاعْلَم أَن بَين أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَالك رَحِمهم الله تَعَالَى اخْتِلَاف فِي أَلْفَاظ الْأَيْمَان وَالْأَصْل أَن الْأَلْفَاظ المستعملة فِي الْأَيْمَان مَبْنِيَّة على الْعرف عندنَا. وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى تبتنى على الْحَقِيقَة. وَعند مَالك رَحمَه الله تَعَالَى تبتنى على كلم الْقُرْآن.
ثمَّ اعْلَم أَن الْيَمين على نَوْعَيْنِ شَرْعِي وعرفي أما الْيَمين الشَّرْعِيّ فَهُوَ الَّذِي يُوجب الْإِثْم وَالْكَفَّارَة وَهُوَ لَا يجوز إِلَّا بِاللَّه تَعَالَى وكفارته تَحْرِير رَقَبَة فَإِن لم يجد فإطعام عشرَة مَسَاكِين أَو كسوتهم وَإِن لم يسْتَطع فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام مُتَوَالِيَة. وَأما الْيَمين الْعرفِيّ فَهُوَ مَا اعتاده النَّاس من الْقسم بالعمر والبقاء والقدم وَغير ذَلِك لتأكيد الحكم وَهَذِه الْكَلِمَات بِمَنْزِلَة الْحُرُوف الْمُؤَكّدَة فاليمين الْعرفِيّ بِغَيْر اسْم الله تَعَالَى جَائِز لَيْسَ بمنهي عَنهُ.
اليمانين: جمع يمَان وَهُوَ فِي الأَصْل يمني بياء النِّسْبَة ثمَّ حذفت للتَّخْفِيف كَمَا فِي بصر وعوضت بِالْألف قبل النُّون الْمَكْسُورَة إبْقَاء للكسرة الدَّالَّة عَلَيْهَا. وَقَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين مَوْلَانَا عبد الْحَكِيم رَحمَه الله تَعَالَى فِي حَوَاشِي المطول أصل يمَان يمنى حذفت الْيَاء المدغمة وَعوض عَنْهَا الْألف قبل النُّون على خلاف الْقيَاس فَصَارَ يماني وَحذف الْألف لالتقاء الساكنين كَذَا قَالُوا وَإِلَّا ظهر أَنه حذف يَاء النِّسْبَة وَعوض عَنْهَا قبل النُّون على خلاف الْقيَاس لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَالتَّخْفِيف.
стр. 897
(بَاب الْيَاء مَعَ الْوَاو)
يَوْم: ﴿يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا إيمَانهَا لم تكن آمَنت من قبل أَو كسبت فِي إيمَانهَا خيرا﴾ اسْتدلَّ جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ صَاحب الْكَشَّاف بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة على مذْهبه وَهُوَ أَن مُجَرّد الْإِيمَان بِدُونِ الْعَمَل غير نَافِع. وتوجيهه على مَا قَرَّرَهُ الْمُحَقق التَّفْتَازَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي التَّلْوِيح أَن كلمة أَو هَا هُنَا لإيقاع أحد الشَّيْئَيْنِ وَأَنَّهَا تفِيد عدم الشُّمُول للُزُوم التّكْرَار على تَقْدِير الشُّمُول - وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا نفي الْإِيمَان كَانَ كسب الْخَيْر فِيهِ منفيا لِأَن كسب الْخَيْر فِي الْإِيمَان وَلَا إِيمَان محَال. فَلَا بُد أَن يَنْتَفِي كسب الْخَيْر فِيهِ فَإِذا نفي كَانَ تَكْرَارا. أَو معنى الْآيَة أَن النَّفس الَّتِي انْتَفَى مِنْهَا مَجْمُوع الْإِيمَان مَعَ كسب الْخَيْر وَهِي إِمَّا نفس كَافِرَة أَو مُؤمنَة لم تكتسب الْخَيْر فِي إيمَانهَا لَا ينفع إيمَانهَا.
وتوضيحه أَن عِنْد ظُهُور أَشْرَاط السَّاعَة تكون النَّفس ثَلَاثًا. أَحدهَا: الَّتِي آمَنت وكسبت الْخَيْر وَهَذِه ينفعها إيمَانهَا بِاتِّفَاق بَيْننَا وَبينهمْ. وَثَانِيها: الَّتِي آمَنت قبل ظُهُور أَشْرَاط السَّاعَة وَلم تكتسب الْخَيْر وَهَذِه ينفعها إيمَانهَا عندنَا خلافًا للمعتزلة. وَالثَّالِثَة: الَّتِي لم تؤمن قبل ظُهُور أَشْرَاط السَّاعَة وَآمَنت عِنْد ظُهُورهَا وَهَذِه لَا ينفع إيمَانهَا بالِاتِّفَاقِ لِأَن إِيمَان الْيَأْس غير مَقْبُول وَأَن الْآيَة بيّنت حكم الْأَخِيرَتَيْنِ فَلم يفرق بَينهمَا - وَقَالَ الطَّيِّبِيّ لَا يتم مَا ذكره من الِاسْتِدْلَال فَإِن هَذَا الْكَلَام فِي البلاغة يلقب باللف وَأَصله يَوْم يَأْتِي بعض آيَات رَبك لَا ينفع نفسا لم تكن مُؤمنَة قبل إيمَانهَا بعد وَلَا نفسا لم تكتسب فِي إيمَانهَا خيرا قبل مَا كسبت من الْخَيْر بعد.
وَالْمَقْصُود من الْآيَة أَن الْإِيمَان بعد ظُهُور الْآيَات الملجية وَالْعَمَل الصَّالح غير نافعين. هَذَا مَا ذكره قدوة الْمُحَقِّقين زبدة الواصلين حضرت شاه وجيه الْحق وَالْملَّة وَالدّين الْعلوِي الأحمدآبادي قدس سره وَنور مرقده - وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام يرد على تَوْجِيه جَار الله الْآيَة أَن الْخَيْر نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فتعم - فَيلْزم أَن يكون نفع الْإِيمَان بِمُجَرَّد خير وَلَو وَاحِدًا وَلَيْسَ كَذَلِك عِنْد الْمُعْتَزلَة - فَإِن جَمِيع الْأَعْمَال الصَّالِحَة دَاخِلَة فِي الْإِيمَان عِنْدهم. ثمَّ إِنَّه لَا يخفى أَن اسْتِدْلَال الْمُعْتَزلَة لَا يَخْلُو عَن قُوَّة. فَأجَاب أهل السّنة تَارَة بِأَن المُرَاد بِالْخَيرِ الْإِخْلَاص وبالإيمان ظَاهره من القَوْل وَالْعَمَل وَفِيه بعد. وَتارَة بِأَن الْآيَة من اللف التقديري أَي لَا ينفع نفسا إيمَانهَا وَلَا كسبها فِي الْإِيمَان فيوافق الْأَحَادِيث والآيات الشاهدة بِأَن مُجَرّد الْإِيمَان نَافِع ويلائم مَقْصُود الْآيَة حَيْثُ وَردت تخسيرا للَّذين أخْلفُوا مَا أوعدوا من الرسوخ فِي الْهِدَايَة عِنْد إِنْزَال الْكتب حَيْثُ كذبُوا بِهِ وصدفوا عَنهُ. وَفِيه أَنه ذكر فِي خُلَاصَة الْفَتْوَى وَغَيره من كتب الْفِقْه أَن تَوْبَة اليائس مَقْبُولَة وَإِن لم يكن إِيمَان الْيَأْس مَقْبُولًا لَكِن ذكر فِي جَامع الْمُضْمرَات خلاف
стр. 898
ذَلِك. وَالْأَظْهَر أَن يُجَاب عَن الِاسْتِدْلَال بِأَن المُرَاد بالنفع كَمَاله أَعنِي الْوُصُول إِلَى رفع الدَّرَجَات والخلاص عَن الدركات بِالْكُلِّيَّةِ انْتهى.
اليونسية: أَصْحَاب ابْن يُونُس بن عبد الرَّحْمَن قَالُوا الله تَعَالَى على الْعَرْش تحمله الْمَلَائِكَة.
يَوْم التَّرويَة: هُوَ الْيَوْم الثَّامِن من ذِي الْحجَّة. وَوجه تَسْمِيَته بِهِ فِي التَّرويَة.
يَوْم نحس مُسْتَمر: يَوْم الْأَرْبَعَاء آخر الشَّهْر.
الْيَوْم: حَقِيقَة فِي النَّهَار فَإِذا اقْترن مَعَ فعل ممتد يُرَاد بِهِ النَّهَار لَا غير لصِحَّة حمله على الْحَقِيقَة حِينَئِذٍ. وَإِذا اقْترن مَعَ فعل غير ممتد فيراد بِهِ الْوَقْت الْمُطلق مجَازًا. وَهَذَا تَفْصِيل مَا قَالُوا إِنَّه حَقِيقَة فِي النَّهَار ومجاز فِي الْوَقْت الْمُطلق سَوَاء كَانَ جُزْء اللَّيْل أَو النَّهَار. وَكَلَام الْمُحِيط مشْعر باشتراكه بَين النَّهَار وَمُطلق الْوَقْت إِلَّا أَن الْمُتَعَارف اسْتِعْمَاله فِي النَّهَار إِذا اقْترن مَعَ فعل ممتد. - وَإِذا اقْترن بِفعل غير ممتد يُرَاد بِهِ الْوَقْت مُطلقًا سَوَاء كَانَ جُزْء اللَّيْل أَو النَّهَار لِأَن ظرف الزَّمَان إِذا تعلق بِالْفِعْلِ بِلَا كلمة فِي يكون معيارا لَهُ كَقَوْلِك صمت السّنة بِخِلَاف قَوْلنَا صمت فِي السّنة. فَإِذا كَانَ الْفِعْل ممتدا كالأمر بِالْيَدِ كَانَ المعيار ممتدا فيراد بِالْيَوْمِ النَّهَار. وَإِن كَانَ الْفِعْل غير ممتد كوقوع الطَّلَاق كَانَ المعيار غير ممتد فيراد بِالْيَوْمِ الْوَقْت مُطلقًا.
ثمَّ اعْلَم أَن الامتداد وَعَدَمه إِنَّمَا يعْتَبر أَن فِي عَامل الْيَوْم لَا فِي مَا أضيف إِلَيْهِ عِنْد الْمُحَقِّقين وَبَعض الْمَشَايِخ اعتبروهما فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ. وَفِي شرح الْوِقَايَة فَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا غير ممتد كَقَوْلِك أَنْت طَالِق يَوْم يقدم زيد يُرَاد بِالْيَوْمِ مُطلق الْوَقْت وَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا أَي عَامله وَمَا أضيف إِلَيْهِ ممتدا نَحْو أَمرك بِيَدِك يَوْم أسكن هَذِه الدَّار يُرَاد بِالْيَوْمِ النَّهَار وَإِن كَانَ الْفِعْل الَّذِي تعلق بِهِ الْيَوْم أَي عَامله غير ممتد وَالْفِعْل الَّذِي أضيف إِلَيْهِ الْيَوْم ممتدا نَحْو أَنْت طَالِق يَوْم أسكن هَذِه الدَّار أَو بِالْعَكْسِ نَحْو أَمرك بِيَدِك يَوْم يقدم زيد يَنْبَغِي أَن يُرَاد بِالْيَوْمِ النَّهَار تَرْجِيحا لجَانب الْحَقِيقَة. وَفِي التَّحْقِيق شرح الحسامي. وَاعْلَم أَن لفظ الْيَوْم يُطلق على بَيَاض النَّهَار بطرِيق الْحَقِيقَة اتِّفَاقًا وعَلى مُطلق الْوَقْت بطرِيق الْحَقِيقَة عِنْد الْبَعْض فَيصير مُشْتَركا وبطريق الْمجَاز عِنْد الْأَكْثَر وَهُوَ الصَّحِيح لِأَن حمل الْكَلَام على الْمجَاز أولى من حمله على الِاشْتِرَاك عِنْد التَّعَارُض بَين كَونه حَقِيقَة وَكَونه مجَازًا لِأَن الْمجَاز فِي الْكَلَام أَكثر فَيحمل على الْأَغْلَب وَلِأَن الْحمل على الْمجَاز لَا يفْتَقر إِلَى إِثْبَات الْوَضع بِخِلَاف الْحمل على الْحَقِيقَة فَإِنَّهُ مفتقر إِلَيْهِ والغني أولى من الْفَقِير وَلِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى إِيهَام المُرَاد لِأَن اللَّفْظ إِن خلا عَن قرينَة الْمجَاز فالحقيقة متعينة وَإِن لم يخل عَنْهَا فَالَّذِي تدل عَلَيْهِ الْقَرِينَة وَهُوَ الْمجَاز مُتَعَيّن بِخِلَاف الِاشْتِرَاك فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال فِي الْكَلَام لعدم إفهام المرام ثمَّ لَا شكّ أَن
стр. 899
الْيَوْم ظرف على كلا التَّقْدِيرَيْنِ عِنْد الْفَرِيقَيْنِ فيترجح أحد محتمليه لمظروفه. فَإِن كَانَ مظروفه مِمَّا يَمْتَد وَهُوَ مَا يَصح فِيهِ ضرب الْمدَّة أَي يَصح تَقْدِيره بِمدَّة كاللبس وَالرُّكُوب والمساكنة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يَصح أَن يقدر بِزَمَان يُقَال لبست هَذَا الثَّوْب يَوْمًا وَركبت هَذِه الدَّابَّة يَوْمًا وسكنت فِي الدَّار وَاحِدَة شهرا يحمل على بَيَاض النَّهَار لِأَنَّهُ يصلح مِقْدَارًا فَكَانَ الْحمل عَلَيْهِ أولى وَإِن كَانَ مظروفه مِمَّا لَا يَمْتَد كالخروج وَالدُّخُول والقدوم فَإِنَّهَا لكَونهَا آنِية لَا يَصح تقديرها بِزَمَان يحمل على مُطلق الْوَقْت اعْتِبَارا للتناسب انْتهى. وكل من الْفِعْل الممتد وَغير الممتد والمعيار فِي مَحَله وَالْيَوْم الَّذِي وَصفه الله تَعَالَى بنحس مُسْتَمر أَي مُسْتَمر شؤمه هُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء آخر الشَّهْر.
وَاعْلَم أَن اللَّيْل وَالْيَوْم يكونَانِ متساويين بِأَدْنَى تفَاوت بِاعْتِبَار اللمحات إِذا كَانَت الشَّمْس فِي الْحمل مثلا ثمَّ يتفاوتان فَإِن أردْت أَن تعلم الْمُسَاوَاة والتفاوت بَينهمَا فَاعْلَم أَولا أَن اللَّيْل وَالْيَوْم كِلَاهُمَا يكونَانِ سِتِّينَ طاسا وَهِي أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ سَاعَة والساعة عبارَة عَن طاسين وَنصف طاس والطاس بِالْفَارِسِيَّةِ (كهري) وَهُوَ يكون سِتِّينَ لمحة وَهِي بِالْفَارِسِيَّةِ يانيئول وبالهندية بل بِالْبَاء الفارسية الْمَفْتُوحَة فَإِذا كَانَ الْيَوْم ثَلَاثِينَ طاسا يكون اللَّيْل أَيْضا ثَلَاثِينَ طاسا وَإِذا كَانَ الْيَوْم أقل من ثَلَاثِينَ طاسا أَو أَكثر يكون اللَّيْل مَا بَقِي من سِتِّينَ طاسا وَإِن أردْت معرفَة زِيَادَة مِقْدَار اللَّيْل وَالنَّهَار فِي الْفُصُول الْأَرْبَعَة فَارْجِع إِلَى الْفَصْل وَإِن أردْت أَن تعلم الْمُسَاوَاة والتفاوت بَين الْأَيَّام والليالي بسهولة فَانْظُر إِلَى الجداول الثَّلَاثَة فَإِنَّهَا لم تتْرك شَيْئا وأسامي البروج اثْنَي عشر بالعربي (حمل) (ثَوْر) (جوزاء) (سرطان) (أَسد) (سنبله) (ميزَان) (عقرب) (قَوس) (جدي) (دلو) (حوت) .
وأسامي الشُّهُور بالفارسي (فروردي) (اردي بهشت) (خورداد) (تير) (امرداد) (شهر يور) (مهر) (آبان) (آذر) (دي) (بهمن) (اسفندار) . وبالهندي ويساك - جيته - اسار - سارون - بهادون - آسين - كاتك - اكهن. بوس - ماهو - بهاكن - جيت - وَتلك الجداول هَذِه.
ف (١١٨) :
اعلموا أَن الْمسَائِل والدلائل والتحقيقات والتدقيقات والسؤالات والجوابات غير متناهية فَمن ادّعى الإحاطاة فقد خسر خسرانا مُبينًا - وَمن تكلّف جمعهَا بالتحرير فقد جعل نَفسه بالمحال رهينا - وَالْمُحِيط بهَا من هُوَ بِكُل شَيْء مُحِيط - والعليم بهَا من هُوَ بِكُل شَيْء عليم - فتبت واستغفرت من الدَّعَاوَى إِلَى الله الْغفار التواب - وختمت بِحسن
стр. 900
توفيقه هَذَا الْكتاب - يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر من الْمحرم الْحَرَام المنتظم فِي سلك شهور ألف وَمِائَة وَثَلَاث وَسبعين من الْهِجْرَة المقدسة فِي الْبَلدة الطّيبَة أَحْمد نكر من مضافات أَو رنكك آباد خجسته بنياد عمرهما الله تَعَالَى إِلَى يَوْم التناد - اللَّهُمَّ اغْفِر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي فِي أَمْرِي وَأَنت أعلم بِهِ مني اللَّهُمَّ اغْفِر لي جدي وهزلي وخطائي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ . ﴿رَبنَا لَا تزع قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ - رَبنَا تب علينا إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم - الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْمُرْسلين وَآله الطيبين وَأَصْحَابه الطاهرين وَالتَّابِعِينَ وَتبع التَّابِعين أَجْمَعِينَ.
تمّ الْجُزْء الثَّالِث من دستور الْعلمَاء
ويليه الْجُزْء الرَّابِع والأخير
وَهُوَ " ضميمة دستور الْعلمَاء "
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ
стр. 901
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
(] حرف الْألف [)
(بَاب الْألف مَعَ الْألف)
الأحمد: وَفِي حديقة الْحَقِيقَة للحكيم السنائي رَحْمَة الله عَلَيْهِ:
(قَالَ أَحْمد عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم ... أَن اسْمِي أَحْمد وَلكنه خَال من الْمِيم)
(وَلما سمع عَليّ الْكَلَام وَالْقَوْل السرمدي ... اسْتمع إِلَى كَلَام الرّوح بحكمة)
(قَالَ إِن مَحْمُود من دون الْوَاو ... فقد وضع للحق سر غيبَة لي)
الْآل: خطب عمر ﵁ أم كُلْثُوم ابْنة عَليّ ﵁ لكنه اعتذر لصِغَر سنّهَا وَبِأَن لَهُ رَأْي بِأَن يُعْطِيهَا لِابْنِ أَخِيه جَعْفَر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْدهَا قَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لم أرد من هَذَا التَّزْوِيج الباه وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ َ - يَقُول: ((كل سَبَب وَنسب يَنْقَطِع يَوْم الْقِيَامَة، سوى سببي ونسبي)) وكل أَبنَاء الْبِنْت ينسبون لأبائهم سوى أَبنَاء فَاطِمَة. فَعَلَيْكُم أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ بحب بني فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وتعظيمهم وتكريمهم وإعانتهم بالجنان وَاللِّسَان والأبدان. نعم الْقَائِل.
(هم السَّادة الْعِظَام وأوصافهم جلية ... )
(أَبنَاء الْمُصْطَفى وَقطعَة من كبد عَليّ ... )
(لَا تنظر أَيهَا الْقلب إِلَى أفعالهم بِجَهْل ... )
стр. 902
(الصالحون لله والطالحون لي ... )
وَأَيْضًا:
(هم السَّادة المنورون وأعيان الْعَالم ... من حُرْمَة مُحَمَّد وَعزة عَليّ)
(غَدا يصبح طَعَاما لمعدة جَهَنَّم كل فَرد ... لم تمتلء جنبتاه وخباياه من محبتهم)
(وَإِذا مَا صدرت زلَّة من أحدهم ... )
(لَا يُمكن أَن تنكسر حرمتهم من الْجَهْل ... )
(وَمن بِفضل قَول سيد الكونين ... )
(الصالحون لله والطالحون لي ... )
قَالَ الْفَاضِل السَّيِّد غُلَام عَليّ آزاد بلكرامي سلمه الله تَعَالَى فِي رسَالَته الْمُسَمَّاة: ((أفضل السعادات فِي حسن خَاتِمَة السادات)) أَن مَا وصل إِلَى كَاتب هَذِه الأوراق فِي بَاب بِشَارَة السَّادة أَعلَى الله درجاتهم ووفقهم لِلْخَيْرَاتِ وَإِن كَانَ غير خَافَ على أَصْحَاب الفطنة والذكاء ثمَّ إِن قرَابَة وشفاعة رَسُول الله ﷺ َ - تطال العاصين من أهل الْبَيْت وَهِي ثَابِتَة ومقررة، وَلَيْسَ هُنَاكَ شكّ من أَن النَّهْي قد صدر عَن ذَات الرَّسُول فِي النَّهْي عَن الْمعاصِي وَالْعَمَل خلاف الَّذِي يرضيه ﷺ َ - وَإِذا مَا فعل أحد من السَّادة أفعالا غير مرضية وَغير مَقْبُولَة فَإِن خاطره الشريف يتكدر ويغلي لِأَن أحد أَوْلَاده اخْتَار طَرِيقا غير طَرِيقه وَيعْمل على اضلال وضلال الْأمة. وَفِي الْحَقِيقَة أَن السَّادة الَّذين سلكوا طَرِيقا مُخَالفَة لطريقة جدهم الْعَظِيم، وَسَارُوا فِي طَرِيق العقوق والمخالفة عَن معرفَة وَعلم فَإِنَّهُم يسببون الخجل للرسول بِالْقربِ من الْعَزِيز تَعَالَى شَأْنه معَاذ الله مِنْهَا وعندما يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة يُرِيدُونَ شَفَاعَة مِنْهُ، وَهَذَا الْأَمر بعيد عَن الْإِنْصَاف بمراحل كَبِيرَة، وَخير مَا قيل:
(لَيْسَ ابْن النَّبِي من لَيْسَ على طَرِيق النَّبِي ... )
كَمثل الْآيَة المنسوخة.
وصلنا أَن الرَّسُول الأكرم ﷺ َ - أعْطى صلَة الرَّحِم الرِّعَايَة الْكُبْرَى من توجهه الْمُقَدّس وتحدث عَن أَثَرهَا فِي الشَّفَاعَة وَمَا لَهَا من مكانة ووجاهة لَدَى الْإِخْوَة والأقران، وَهَذَا مَا جعل اهتمام الرَّسُول ﷺ َ - ينصب على صلحاء أهل الْبَيْت فِي الدرجَة الأولى يليهم فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة العصاة وَالدُّعَاء بهدايتهم. وَأَن الاهتمام الأول طبيعي أما الثَّانِي فَإِنَّهُ قسري، لِأَن الطَّائِفَة الأولى مِنْهُم مكانتها فِي الْمقَام الرفيع فِي الْجنَّة يتنعمون بِهِ أما الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَإِنَّهَا غارقة فِي الخجالة والندامة وَقد قَالَ الشَّاعِر (عرفي) :
(كل وَاحِد كَانَ محروما من لَذَّة الطَّاعَة ... )
فَأَنا فأكيد أَنه سَيكون فِي الْجنَّة يتلضى بحرمانه ... )
إِذن على السَّادة أَن يشكروا طهر الطينة وَبشَارَة الْمَغْفِرَة ويعتبروها ويختاروها وَسِيلَة الْمجد الْأَشْرَف وَأَن يثبتوا أَقْدَامهم على إتباع الْمَأْمُور بِهِ وَاجْتنَاب الْمُحرمَات وَأَن
стр. 903
يهدوا الْأمة إِلَى طَرِيق الشَّرْع القويم حَتَّى يَكُونُوا كمنطوق القَوْل ((الْوَلَد الْحر يَقْتَدِي بآبائه الغر)) ، وَمن الْحق والأجدر بهم اتِّبَاع طَرِيق النُّبُوَّة وعدالة الشَّرِيعَة. حَتَّى لَا يعتمدوا على شرف النّسَب وينحرفوا عَن الطَّرِيق ويذهبوا فِي تيه الْمعاصِي وَالْمُنكر وَقد قَالَ الْحق : ﴿إِن أكْرمكُم عِنْد الله أَتْقَاكُم﴾ . وَالْمرَاد بِأَهْل الْبَيْت فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ . أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ - لدلَالَة مَا قبل هَذِه الْآيَة وَمَا بعْدهَا. وَمَا روى مُسلم فِي صَحِيحه أَنه خرج النَّبِي ﷺ َ - غَدَاة وَعَلِيهِ مرط مرجل من شعر أسود فجَاء الْحسن بن عَليّ فَأدْخلهُ فِيهِ ثمَّ جَاءَ الْحُسَيْن فَأدْخلهُ مَعَه ثمَّ جَاءَت فَاطِمَة فَأدْخلهَا ثمَّ جَاءَ عَليّ فَأدْخلهُ ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله﴾ الْآيَة يدل على أَنهم أهل بَيت لَا على أَنهم لَيْسَ غَيرهم لِأَن تَخْصِيص أهل الْبَيْت بهم لَا يُنَاسب مَا قبل الْآيَة الْمَذْكُورَة وَمَا بعْدهَا كَمَا لَا يخفى على المتأمل وَالضَّمِير فِي يطهركم على التغليب لِأَن النَّبِي ﷺ َ - دَاخل فِي هَذَا الحكم وَكَلَام القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ صَرِيح فِيمَا ذكرنَا وَفِي التَّفْسِير الْحُسَيْنِي.
وَقَالَ صَاحب عين الْمعَانِي أَن ظَاهر تَفْسِير الْآيَة يدل على أَن الْمَقْصُود هُنَا أَزوَاج النَّبِي. وَلَكِن نقل عَن عَائِشَة وَأم سَلمَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَن أهل الْبَيْت هم فَاطِمَة وَعلي وَالْحسن وَالْحُسَيْن رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.
وَجَاء فِي أَسبَاب النُّزُول عَن أم سَلمَة رَضِي تَعَالَى عَنْهَا أَن فَاطِمَة ﵂ أَتَت الرَّسُول ﷺ َ - بِطَعَام (سنبوسات أَو لحم) فَقَالَ لَهَا الرَّسُول ﷺ َ -: يَا فَاطِمَة نَادِي على عَليّ وولديك حَتَّى يشاركوني فِي هَذَا الطَّعَام وَقد كَانَ الْمُصْطَفى ﷺ َ - يضع بردته عَلَيْهِ وَقَالَ يَا رب هَؤُلَاءِ أهل بَيْتِي فَأذْهب عَنْهُم الرجس وطهرهم فَنزلت هَذِه الْآيَة، وَقد كنت مَوْجُودَة وحاولت أَن أَضَع رَأس تَحت الْبردَة وَقلت يَا رَسُول الله أَلَسْت من أهل الْبَيْت فَقَالَ لي ﷺ َ -: ((أَنْت على خير)) . وَمن هَذَا المنطلق فَإِن آل الْبَيْت خَمْسَة أشخاص. (انْتهى) . وَأَنت تعلم أَن القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ لم يطلع على شَأْن نزُول هَذِه الْآيَة الَّذِي ذكره صَاحب عين الْمعَانِي أَو أغمض عَنهُ أَو لم يثبت عِنْده وَإِن ثَبت أَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة نزلت مرَّتَيْنِ مرّة فِي حَادِثَة الْأزْوَاج المطهرة وَمرَّة فِي هَذِه الْحَادِثَة الَّتِي روتها عَائِشَة ﵂ وَغَيرهَا فَلَا إِشْكَال وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
الْآيَة: وَقَالَ الْعَارِف النامي مَوْلَانَا الشَّيْخ نور الدّين عبد الرَّحْمَن الجامي قدس سره السَّامِي:
(إِن آيَات الْقُرْآن جَيِّدَة وجميلة وَهِي ... )
(وَهِي سِتَّة الآف وستمائه وَسِتَّة وَسِتِّينَ آيَة ... )
(ألف مِنْهَا للوعد والوعيد ... )
стр. 904
(وَألف لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي ... )
(وَألف للأمثال والعبر ... )
(وَألف للقصص والتذكر ... )
(خَمْسمِائَة لمباحث الْحَلَال وَالْحرَام ... )
(وَمِائَة للتسبيح فِي الصَّباح والمساء ... )
(وَسِتَّة وَسِتُّونَ للناسخ والمنسوخ ... )
(فَافْهَم وَالله أعلم بِالصَّوَابِ ... )
(بَاب الْألف مَعَ الْبَاء الْمُوَحدَة)
أَبُو الْقَاسِم: كنية نَبينَا مُحَمَّد ﷺ َ - وَإِنَّمَا يكنى بِهِ لِأَن ابْنه ﵊ كَانَ قاسما من خَدِيجَة الْكُبْرَى رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا .
أَبُو بكر الصّديق: اسْمه عبد الله بن أبي قُحَافَة عُثْمَان بن عَامر بن عمر بن كَعْب بن لؤَي وَهُوَ أول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعد رَسُول الله ﷺ َ - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَمُدَّة خِلَافَته سنتَانِ وَثَلَاثَة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام وَقيل سنتَانِ وشهران. توفّي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين الْمغرب وَالْعشَاء لثمان مَضَت من جُمَادَى الآخر سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة. وَله ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة. وَكَانَ سَبَب مَوته حزنا لحقه على مُفَارقَة رَسُول الله ﷺ َ -. وَكَانَ مُدَّة شدَّة مَرضه خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَدفن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي حجرَة أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ َ - رَأسه عِنْد صَدره ﵊. وَفِي شرح الْمَقَاصِد مرض أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَرضه الَّذِي توفّي فِيهِ فِي جُمَادَى الآخر سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة بَعْدَمَا انْقَضتْ من خِلَافَته سنتَانِ وَأَرْبَعَة أشهر أَو سِتَّة أشهر فَشَاور الصَّحَابَة وَجعل الْخلَافَة لعمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ انْتهى . فَإِن قيل إِن النَّبِي ﷺ َ - توفّي فِي ربيع الأول بِلَا خلاف وَهُوَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ توفّي فِي جُمَادَى الآخر فَيكون خِلَافَته سنتَيْن وَأَرْبَعَة أشهر لَا سِتَّة فَمَا وَجه الشَّك قُلْنَا إِن ابْتِدَاء السّنة يحْتَسب من الْمحرم فَإِن احتسب خِلَافَته من الْمحرم بِاعْتِبَار ان ابْتِدَاء السّنة مِنْهُ كَانَ سِتَّة وَإِن احتسب من وَفَاة النَّبِي ﷺ َ - كَانَ أَرْبَعَة وَلكُل وجهة يفهم من مارس كتب التواريخ. وَإِنَّمَا سمي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عتيقا لجماله وكماله. والعتيق الْكَرِيم من كل شَيْء وَالْخيَار مِنْهُ. وَيُقَال إِن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَهُ أَنْت عَتيق الرَّحْمَن من النَّار. وَقيل لِأَن أمه كَانَ لَا يعِيش لَهَا ولد فَلَمَّا عَاشَ سمته عتيقا لِأَنَّهُ عتق من الْمَوْت.
أبجد: نعم النَّاظِم:
(الْآحَاد عدهَا من ابجد حَتَّى حرف حطي ... وَكَذَلِكَ من كلمن حَتَّى سعفص بالعشرات ... )
стр. 905
(وَلَكِن من قرشت إِلَى ضنطغ بالمئات ... وَهَكَذَا يُمكن استخلاص حِسَاب الْجمل)
أَبُو مَنْصُور الماتريدي: هُوَ تلميذ أبي نصر العياض أبي بكر الْجِرْجَانِيّ. تلميذ مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ من أَصْحَاب الإِمَام الْأَعْظَم أبي حنيفَة رَحِمهم الله تَعَالَى كَذَا فِي شرح الْمَقَاصِد وَمَا تُرِيدُ قَرْيَة من قرى سَمَرْقَنْد.
أَبُو حنيفَة: كنية الإِمَام الْهمام الْأَعْظَم نعْمَان بن ثَابت رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وِلَادَته فِي سنة ثَمَانِينَ وَتُوفِّي فِي شهر رَجَب أَو شعْبَان فِي سنة مائَة وَخمسين من الْهِجْرَة. والمنصور الْخَلِيفَة جعله مسجونا فَمَاتَ فِي السجْن سَاجِدا وَدفن فِي بَغْدَاد فِي مَقْبرَة خيزران رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَرُوِيَ عَن الإِمَام الشَّافِعِي ﵁:
(بَان النَّاس فِي فقه عِيَال ... على فقه الإِمَام أبي حنيفه)
وَفِي الْمُضْمرَات رُوِيَ عَن كَعْب الْأَحْبَار رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ إِنَّا نجد فِي التَّوْرَاة الَّتِي أنزلهَا الله تَعَالَى على مُوسَى ﵇ أَن الله تَعَالَى سَيكون فِي أمة مُحَمَّد ﷺ َ - نورا يكنى بِأبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَهُوَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على طَريقَة أبي الْمَنْصُور الماتريدي وَالشَّافِعِيّ رَحْمَة الله تَعَالَى على طَريقَة أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَفِي الْبَحْر الرَّائِق شرح كنز الدقائق قد حُكيَ فِي المناقب أَن أَبَا حنيفَة رأى النَّبِي ﵊ فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ أوجبت على من صلى عَليّ سُجُود السَّهْو فَأجَاب لكَونه صلى عَلَيْك سَاهِيا فَاسْتَحْسَنَهُ.
ابْن الْحَاجِب رَحمَه الله تَعَالَى: هُوَ أَبُو عمر عُثْمَان بن عمر بن أبي بكر الْمَشْهُور بِابْن الْحَاجِب. وَمن مصنفاته (الشافية) و (الكافية) و (مُخْتَصر الْأُصُول الحاجبي) وَكَانَ مالكيا ولد فِي سنة سبعين وَخمْس مائَة فِي اسنا من مضافات مصر وَتُوفِّي يَوْم الْأَرْبَعَاء فِي سِتَّة وَعشْرين من شَوَّال سنة سِتّ وَأَرْبَعين وست مائَة فِي الْإسْكَنْدَريَّة وَصَارَ مَدْفُونا خَارج بَاب الْبَحْر.
أَبُو مُضر: بِفَتْح الْمِيم وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة أستاذ جَار الله الزَّمَخْشَرِيّ كَانَ عَالما وحدانيا فِي عصره وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مرئيته:
(وقائلة مَا هَذِه الدُّرَر الَّتِي ... تساقطها عَيْنَاك سمطين سمطين)
(فَقلت هِيَ الدّرّ اللواتي حَشا بهَا ... أَبُو مُضر اذني تناثر من عَيْني)
قَوْله وقائلة أَي رب طَائِفَة أَو جمَاعَة تَقول لي مثل هَذَا وتناثر فِي الأَصْل تتناثر
стр. 906
بِحَذْف إِحْدَى التائين للتَّخْفِيف وَرُوِيَ تساقط مَكَان تناثر.
أَبُو عَليّ: حُسَيْن بن عبد الله بن سينا ولد فِي ولَايَة بُخَارى فِي سنة سبعين وَثَلَاث مائَة وَكَانَ تَابعا للنَّفس الْإِمَارَة فِي الشَّهَوَات وَاللَّذَّات وَصَاحب نوح بن مَنْصُور الساماني واستفاد من كتبه وَلما احترقت صَار مُتَّهمًا بالاحراق وَلما أَرَادَ السُّلْطَان مَحْمُود قَتله فر إِلَى هَمدَان ثمَّ صَار وَزِير شمس الدولة ثمَّ بعد وَفَاته صَاحب عَلَاء الدولة وَالِي أصفهان وَقَالَ الإِمَام اليافعي أَنه حفظ الْقُرْآن الْمجِيد وَتُوفِّي فِي رَمَضَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبع مائَة. وَاعْلَم أَن الإِمَام مُحَمَّد الْغَزالِيّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ كفر رجلَيْنِ وهما (أَبُو نصر الفارابي) و (أَبُو عَليّ) فِي رسَالَته المنقذ من الضلال وهما كَانَا من أكَابِر الْحُكَمَاء الْمَشَّائِينَ وَإِنَّمَا كفرهما بِسَبَب نفيهما علم الله تَعَالَى بالجزئيات وَنفي حشر الأجساد وَإِيجَاب قدم الْعَالم وَكَانَ تَكْفِير أبي عَليّ فِي حَيَاته كَمَا حُكيَ أَنه لما سمع تكفيره قَالَ:
(ان اتهمَ بالْكفْر أحدا لَيْسَ سهلا ... فَلَيْسَ اثْبتْ من إيماني إِيمَان)
(وَإِذا كنت فِي الدَّهْر وَاحِدًا وهم كافرون ... إِذا لَيْسَ فِي الدَّهْر أَي مُسلما وَاحِدًا)
ومصنفات أبي نصر فِي الْحِكْمَة كَثِيرَة وَكَانَ تَارِكًا للدنيا وَتُوفِّي فِي سنة أَرْبَعِينَ وَثَلَاث مائَة. قَالَ الْعَارِف النامي مَوْلَانَا الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الجامي قدس سره السَّامِي فِي (نفحات الطّيب من حضرات الْقُدس) فِي كَلَامه عَن أَحْوَال الشَّيْخ مجد الدّين الْبَغْدَادِيّ قدس سره أَن الشَّيْخ مجد الدّين الْبَغْدَادِيّ قَالَ إِنَّه فِي الْحَادِثَة سَأَلَ حَضْرَة صَاحب الرسَالَة السماوية ﷺ َ - مَا تَقول فِي حق ابْن سينا، قَالَ ﷺ َ - هُوَ رجل أَرَادَ أَن يصل إِلَى الله بِلَا واسطتي فَحَجَبَتْهُ بيَدي هَكَذَا فَسقط فِي النَّار. وَهَذِه الْحِكَايَة قصصتها على أستاذنا ومولانا جمال الدّين الجلبي فتعجب مِنْهَا. وَقَالَ بعْدهَا كنت مُسَافِرًا من بَغْدَاد إِلَى الشَّام لأذهب من بعْدهَا إِلَى بِلَاد الرّوم، وعندما وصلت إِلَى الْموصل قصدت الْمَسْجِد الْجَامِع وَرَأَيْت فِيمَا يرَاهُ النَّائِم أَن وَاحِدًا يَقُول لي أَنَّك لن تذْهب إِلَى الْمَكَان الَّذِي تقصده وَلَا فَائِدَة فِي ذَلِك، وَنظرت حَولي فَرَأَيْت جمَاعَة يعقدون حَلقَة وَفِي وَسطهمْ شخص جَالس يشع مِنْهُ نور مُتَّصِل بالسماء يخْطب فيهم وهم سامعون، فَقلت من هَذَا، قَالُوا إِنَّه الْمُصْطَفى ﷺ َ -، فَذَهَبت إِلَيْهِ وسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام وافسحوا لي فِي حلقتهم وَبعد أَن جَلَست سَأَلت الرَّسُول فَقلت: يَا رَسُول الله مَا تَقول فِي حق ابْن سينا، فَقَالَ: اضله الله على علم، فَقلت: مَا تَقول فِي حق شيخ شهَاب الدّين الْمَقْتُول، قَالَ: هُوَ من متبعيه، بعْدهَا سَأَلت عَن عُلَمَاء الْإِسْلَام. سَأَلته: مَا تَقول فِي حق فَخر الدّين الرَّازِيّ، فَقَالَ: هُوَ رجل معاتب، قلت: مَا تَقول فِي حق إِمَام الْحَرَمَيْنِ عبد الْملك ضِيَاء الدّين أبي الْمَعَالِي رَحمَه الله تَعَالَى، قَالَ: هُوَ مِمَّن نصر ديني. قلت: مَا تَقول فِي حق أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ، قَالَ: أَنا قلت وَقَوْلِي صدق الْإِيمَان وَالْحكمَة
стр. 907
يَمَانِية. بعْدهَا همزني شخص كَانَ جَالِسا بقربي قَائِلا مَا الْفَائِدَة الَّتِي تجنيها من وَرَاء هَذِه الأسئلة، لماذا لَا تسأله أَن يعلمك دُعَاء يفيدك فِيمَا بعد، فَقلت: يَا رَسُول الله ﷺ َ - عَلمنِي دُعَاء. فَقَالَ: قل: ((اللَّهُمَّ تب عَليّ حَتَّى أَتُوب، واعصمني حَتَّى أَعُود، وحبب إِلَيّ الطَّاعَات وَكره إِلَيّ الطَّيِّبَات) . انْتهى .
أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ: كنية حجَّة الْإِسْلَام زين الدّين مُحَمَّد الطوسي الْغَزالِيّ قدس سره صَاحب إحْيَاء الْعُلُوم وكيمياء السَّعَادَة وَله قدس سره مصنفات كَثِيرَة قَالُوا من أَرَادَ أَن يضع الْقدَم فِي سلوك مَسْلَك الدقائق والحقائق ولطائف المعارف فَلَا بُد لَهُ من مُنَاسبَة بهَا أَلا ترى أَن من الاستفادة من مجْلِس الشُّعَرَاء فَإِن كَانَ لَهُ طبع مَوْزُون يُمكن لَهُ الإستفادة مِنْهُم وَمن كتبهمْ وَإِلَّا فَلَا فَمن كَانَ حَرِيصًا على مطالعة كَلَام العرفاء وَيُرِيد الْكَمَال مثلهم فَإِن كَانَ لَهُ مُنَاسبَة بهم وبمذاقهم واستعداد لأنوارهم يَرْجُو أَن تشرق عَلَيْهِ شمس الْمعرفَة وَإِلَّا فحاله مثل من لَيْسَ لَهُ طبع مَوْزُون وَيُرِيد أَن يكون شَاعِرًا بمطالعة كتب الْعرُوض وعلامة الْمُنَاسبَة أَن يطالع أَولا من كتب حجَّة الْإِسْلَام قدس سره سِيمَا احياء الْعُلُوم وكيمياء السَّعَادَة فَإِن وجد فِي نَفسه سُرُورًا وشوقا وتنفرا من الدُّنْيَا وميلا إِلَى مُلَازمَة أَرْبَاب الْكَمَال وَأَصْحَاب الْحَال فَإِنَّهُ عَلامَة تِلْكَ الْمُنَاسبَة الشَّرِيفَة وَله قدس سره كمالات وخوارق فِي كتب السّير وَقَالَ الإِمَام عبد الله بن أسعد اليافعي ﵀ فِي الْإِرْشَاد أَنه قَالَ الشَّيْخ ابْن عَسَاكِر فِي حَدِيث رَسُول الله ﷺ َ - إِن الله يبْعَث لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لهاديتها أَنه بعث على رَأس الْمِائَة الأولى عمر بن عبد الْعَزِيز وعَلى رَأس الْمِائَة الثَّانِيَة الإِمَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وعَلى رَأس الْمِائَة الثَّالِثَة أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ وعَلى رَأس الْمِائَة الرَّابِعَة أَبُو بكر الباقلاني ﵀ وعَلى رَأس الْمِائَة الْخَامِسَة أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ ﵀ وولادته فِي سنة خمسين وَأَرْبع مائَة فِي طوس وتلمذ فِي نيسابور من الإِمَام الْحَرَمَيْنِ عبد الْملك ضِيَاء الدّين أبي الْمَعَالِي ﵀ وَخرج مِنْهَا بعد مَوته وَورد بِبَغْدَاد وفوض إِلَيْهِ تدريس النظامية وَكَانَ يحضر مجْلِس درسه ثَلَاث مَائه من الْأَعْيَان المدرسين فِي بَغْدَاد وَمن أَبنَاء الْأُمَرَاء أَكثر من مَائه ثمَّ ترك جَمِيع ذَلِك وتزهد وآثر الْعُزْلَة واشتغل بِالْعبَادَة وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وفيهَا صنف الْأَحْيَاء ثمَّ انْتقل إِلَى الْقُدس ثمَّ إِلَى مصر وَأقَام بالاسكندرية ثمَّ ألْقى عَصَاهُ بوطنه الْأَصْلِيّ طوس وآثر الْخلْوَة وصنف الْكتب المفيدة وَتُوفِّي صبح يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَخمْس مائَة. وَقَالَ السَّمْعَانِيّ فِي كتاب الْأَنْسَاب أَن الْغَزالِيّ بتَخْفِيف الزَّاي الْمُعْجَمَة والغزالة قَرْيَة من قريات طوس وَقَالَ ابْن خلكان أَن الْغَزالِيّ بتَشْديد الزَّاي الْمُعْجَمَة على عَادَة أهل خوارزم وجرجان فَإِنَّهُم يَقُولُونَ للعصار عصارى وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
ابْن جني: هُوَ أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني الْموصِلِي، كَانَ نحويا مُجْتَهدا فِي
стр. 908
النَّحْو، توفّي فِي بَغْدَاد فِي صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَثَلَاث مائَة وَله مصنفات كَثِيرَة فِي النَّحْو.
أَبُو الْفضل: كنيته أَحْمد بن حُسَيْن بن يحيى بن سعيد الْهَمدَانِي الْمَشْهُور ببديع الزَّمَان مُصَنف (المقامات البديعة) كتب صَاحب ((منتخب التَّارِيخ)) يَقُول إِنَّه فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَثَلَاث مائَة توفّي أَبُو الْفضل فِي مَدِينَة هرات على أثر سكتة قلبية على مَا قيل، وعجلوا بدفنه، وأثناء اللَّيْل سمع صَوت من نَاحيَة قَبره، فنبشوا الْقَبْر فوجدوه قَابِضا على لحيته وَهُوَ ميت من هول الْقَبْر. وَكَذَلِكَ الشَّيْخ أَبُو الْفضل والفضول ولد الملا الْمُبَارك وَأَخُوهُ الْأَكْبَر أَبُو الْفَيْض الفيضي كَانَ من أَصْحَاب الْملك الْحَاكِم على (دلهي) جلال الدّين مُحَمَّد أكبر. وَفِي تَارِيخ يَوْم الْجُمُعَة الرَّابِع من شهر ربيع الأول سنة ١٠١١ هجرية توجه أَبُو الْفضل الَّذِي كَانَ فِي (الدكن) إِلَى (اكرا) بِنَاء على أوَامِر وصلته، وعَلى بعد نصف ميل من سراي (سنير) والسراي تبعد عَن (اكرا) نَحْو ٦ أَمْيَال انقض عَلَيْهِ عبد مَجْنُون وَقَتله بِنَاء على أوَامِر الْأَمِير سليم:
(إِن شفرة اعجاز الرَّسُول الله قطعت رَأس الْبَاغِي ... فالتاريخ الْكَاذِب هُوَ منتحب التَّارِيخ)
(بَاب الْألف مَعَ الْحَاء)
الأحمد: قد ذكر فِي أول الْكتاب تيمنا وتبركا، قيل إِن عَلَاء الدّين سُلْطَان دلهي كتب إِلَى السُّلْطَان أَحْمد سُلْطَان الكجرات يَقُول:
(أَنا الْعَلَاء وعَلى حرف جر ... فَهَل يُمكن أَن يجر عَليّ)
لما وصل الْمَكْتُوب إِلَى السُّلْطَان أَحْمد كتب فِي الْجَواب:
(اسْم أَحْمد مَمْنُوع من الصّرْف ... وَلَيْسَ مُمكنا أَن يجر عَليّ)
أَحْمد نكر بَلْدَة طيبَة فِي (الدكن) من مضافات (اورنك) عامرة الْبُنيان حفظهما الله تَعَالَى عَن الْآفَات وَالشَّر وعمرهما مدى الْأَيَّام والشهور، وَبِمَا أَن الْبَلدة الْمَذْكُورَة هِيَ مَوضِع ولادَة العَبْد الْفَقِير، وَبِمَا أنني فِي قَضَائهَا وعشت فِيهَا مُدَّة الْعُمر فِي رخاء وَيسر ونشأة وترعرعت فِيهَا فَكَانَ من حَقّهَا عَليّ أَن أسرد بَعْضًا أَو نفحات من تاريخها الَّذِي استنبطه أَو وصل لي من خلال الرِّوَايَات المتواترة المحققة.
هَذِه الْبَلدة بناها أَحْمد نظام شاه البحري عَلَيْهِ شآبيب سَحَاب الرَّحْمَة والغفران وَأحمد نظام شاه البحري هُوَ ابْن ملك نَائِب بحري، وَهُوَ من أَوْلَاد برهمنان بيجانكر واسْمه الْأَصْلِيّ تيمابهت وَاسم وَالِده بهريون، زمن سُلْطَان أَحْمد شاه بهمني من أَوْلَاد
стр. 909
بهمن بن اسفنديار الَّذِي كَانَ يحكم منْطقَة (مُحَمَّد آباد بيدر) وَقع أَسِيرًا أَيَّام ملك بيجانكر وَعرف بِملك حسن وَدخل فِي سلك غلْمَان المملكة، وعندما رأى السُّلْطَان أَحْمد مَا لَدَى ملك حسن من علم وَمَعْرِفَة واطلاع وعقل ورأي أهداه إِلَى وَلَده الْأَكْبَر مُحَمَّد شاه بهمني وأرسله إِلَى الْكتاب لتعلم الْخط والعلوم الفارسية الَّتِي برع فِيهَا ملك حسن بِسُرْعَة وَفِي مُدَّة قَصِيرَة واشتهر بعْدهَا ب (ملك حسن بهريور) فأغدق عَلَيْهِ العطايا والمراكز الْعَالِيَة والممتازة وَتَوَلَّى قيادة الحرس الْخَاص للقصر واصطفاه وقربه مِنْهُ واستبدل كلمة (بهريور) بِكَلِمَة (بحري) وخلع عَلَيْهِ لقب (نظام أشرف هايون الْملك بحري) بِمُوجب فرمان همايوني شرِيف مِمَّا عَاد على أَوْلَاده بالشرف الرفيع وعلو الْقيمَة وَالْقدر، وَبعد وَفَاة أَحْمد شاه بهمني، تحول الْملك إِلَى أكبر أَوْلَاده مُحَمَّد شاه بهمني، فَأصْبح (أشرف همايون نظام الْملك بحري) وَكيلا للسلطنة بِنَاء لوَصِيَّة أَحْمد شاه بهمني، فعين وَلَده (ملك أَحْمد) قائدا للجيش وأقطعه (ويركنات) مِمَّا يَلِي قلعة (دولت آباد) وفوضه أمرهَا.
ووصلت سلطة ملك أَحْمد إِلَى حُدُود (جنير) واهتم بإدارتها وضبطها غير أَن قلعة (سنير) الْوَاقِعَة على بعد ميل من (جنير) لجِهَة الغرب وقلعة (جوند) و (هرسل) وَغَيرهَا من القلاع وَالَّتِي كَانَت أَيَّام سُلْطَان أَحْمد شاه بهمني تَحت سيطرة (مرهته هاي) ، لم تدخل تَحت نُفُوذه على الرغم من الفرمانات والقرارات الَّتِي اصدرها وَكيل السلطنة وَالَّتِي تقضي بِوُجُوب تَسْلِيم القلاع إِلَى ملك أَحْمد، لَكِن (مرهته هاي) اعتذر عَن ذَلِك مَا دَامَ مُحَمَّد شاه بهمني لم يبلغ سنّ الرشد والتمييز وَيُصْبِح صاحبا لملكه وقادرا على ادارته، عِنْد ذَلِك يُطِيع الْأَوَامِر وَيسلم القلاع. غير أَن ملك أَحْمد كَانَ صَاحب قَرَار وعزم فقرر الِاسْتِيلَاء على قلعة (سنير) فَعمد إِلَى محاصرتها لمُدَّة سِتَّة أشهر بعْدهَا خرج آمُر القلعة وَسلم مَفَاتِيح القلعة إِلَى ملك أَحْمد، فاستولى على جَمِيع الْأَمْوَال والأشياء الَّتِي كَانَت تحويها القلعة وَالَّتِي كَانَت كَثِيرَة وَلَا تحصى وافتخر بذلك أَيّمَا افتخار وطارت أخباره بذلك، مِمَّا دفع القلاع الْأُخْرَى (جوند) و (هرسل) و (جيودهن) وَغَيرهَا إِلَى التَّسْلِيم لَهُ قهرا فسيطر بذلك على ملك (كوكن) وَعَن قلعة (سنير) يَقُول مُحَمَّد قَاسم فرشته واصفا، أَنَّهَا تقع على رَأس قمة جبل شَاهِق تعانق السَّحَاب وَلَا يصلها النسْر فِي تحليقه.
وَقد زار الْكَاتِب قلعة ((سنير)) فِي الفترة الَّتِي كَانَ حَاكما عَلَيْهَا ابْن عبد الْعَزِيز الَّذِي كَانَ يتحلى بِصِفَات الشجَاعَة وَالْكَرم وَالْوَفَاء. وَالَّذِي أصبح قائدا لقلعة ((سنير)) بعد وَفَاة مَحْمُود عَالم خَان، وَفِي عهد مُحَمَّد فرخ سير قَائِد دلهي عقد اتِّفَاق بَينه وَبَين أَمِير
стр. 910
الْأُمَرَاء سيد حُسَيْن عَليّ خَان المشرف على (دكن) بعد تدخل من سنكراجي ملها رزناردار ١١٢٩ وَكَانَ من شُرُوطه عدم الانقلاب والثورة على الْملك وَعدم التَّعَرُّض إِلَى سبل النَّقْل (الطّرق) والاحتفاظ بِخَمْسَة عشر ألف رَاكب تَحت إمرة المسؤول عَن (الدكن) وَأسْندَ إِلَيْهِ أَو جوتهه وسرد بسمكى النواحي السِّتَّة من (الدكن) وَتفرد غنيم بِملك (كوكن) وَمَا حولهَا من الْمَوَاشِي والأبقار وقصبات وأمصار وبلاد وبقاع. وَأصْبح كَذَلِك مسيطرا على ملك كجرات ومالوة وفنديس وَمَا وَرَاء الدكن وأغلب أَرَاضِي الْهِنْد والبنغال. وبسبب ضعف جيوش الْإِسْلَام بلغ الْأَمر إِزَالَة الشعارات والعلامات الإسلامية من الْقرى والامصار الَّتِي سيطر عَلَيْهَا وهدمت الْمَسَاجِد وَمنع ذبح الأبقار. وَبلغ الْأَمر أَنهم قطعُوا أَيدي القصابين فِي بَلْدَة برهَان بوركو وأخرجوهم مِنْهَا ... وَبعد انتصار غنيم حاصر قلعة ((سنير)) الَّتِي كَانَت لمحمود عَالم خَان الَّذِي رأى أَن الْأَصْحَاب والأتباع وَمن يُؤَيّد مُحَمَّد حُسَيْن نويته الَّذِي كَانَ صَاحب الرَّأْي لَدَى مَحْمُود عَالم خَان قد تفَرقُوا بعد أَن وصلوا إِلَى الْهَلَاك وَلم تصلهم امدادات جيوش الْإِسْلَام قرر وبشكل مزاجي أَن يفضل الْحَيَاة الدُّنْيَوِيَّة على الشَّهَادَة والحياة الأبدية فَاخْتَارَ مَا يلطخ الجبين إِلَى الْأَبَد فقرر فِي السَّادِس عشر من شهر جُمَادَى الأولى سنة ١١٧٠ تَسْلِيم القلعة إِلَى غنيم فَخرجت السيطرة عَن القلعة بذلك من يَد الْمُسلمين وَمَات بعْدهَا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون.
وصلنا إِلَى أصل الْمَوْضُوع ذَلِك أَن أشرف همايون نظام الْملك بحري قد توفّي فتسمى ابْنه الْملك أَحْمد بِأَحْمَد نظام الْملك شاه بحري وَبسط لِوَاء سلطته، وعندما وصل هَذَا الْخَبَر إِلَى مسامع السُّلْطَان مُحَمَّد شاه بهمني وَجه إِلَيْهِ جَيْشًا جرارا بقيادة جهانكير خَان، الَّذِي وصل إِلَى قَصَبَة (بهنكار) عابرا من ((تلِي كانون)) فَتوجه أَحْمد نظام الْملك شاه بحري من قَصَبَة (جيور) إِلَى ملاقاته، فَنزل الجيشان تفصل بَينهمَا مَسَافَة سِتَّة فراسخ لمُدَّة شهر تَقْرِيبًا، وَفِي هَذِه الْأَثْنَاء علم جهانكير خَان أَن جَيش أَحْمد نظام شاه بحري لَا يملك التنظيم وَلَيْسَ لَهُ قدرَة على المواجهة، وَكَانَت الْأَيَّام تِلْكَ مُنَاسبَة لإِقَامَة الملذات ومجالس الطَّرب وَالشرَاب فَعمد إِلَى إِقَامَتهَا. وصلت أَخْبَار هَذِه الْمجَالِس الَّتِي يقيمها جهانكير خَان إِلَى مسامع أَحْمد نظام شاه بحري الَّذِي اغتنم الفرصة وتحرك بجيشه الَّذِي يَقُودهُ أعظم خَان لَيْلَة الثَّالِث من رَجَب المرجب سنة ٨٩٥ عبر جبال قَصَبَة (جيور) فوصل مَعَ الصُّبْح إِلَى قَصَبَة (بهنكار) وَنزل كالصواعق على جَيش جهانكير خَان فَقَتلهُمْ وَأسر من بَقِي مِنْهُم فأركبهم أَحْمد نظام شاه بحري على ظُهُور الأبقار وأطلقهم وسط عسكره مشهرا بهم، وَأعْطى الْأمان لمن بَقِي بِالْقربِ من (مُحَمَّد آباد بيدر) ، وَأما الْمَكَان الَّذِي جرت فِيهِ المعركة وَفتح الله لَهُ فِيهَا فقد أَقَامَ حديقة وسماها حديقة نظام وَلذَلِك فَإِن هَذِه المعركة عرفت بمعركة (الحديقة) . وحول هَذِه الحديقة زرعت الغابات والأزهار وبنيت العمارات الشاهقة وَسميت ((نكينه مَحل)) و ((سون مَحل)) وجر إِلَيْهَا نَهرا
стр. 911
من السوَاد فِي محلّة (كافور باري) تنبع من بِئْر مَشْهُور باسم (ناكابائين) وَمَعَ الْوَقْت أَصبَحت هَذِه الحديقة تعرف ((بروضة الرضْوَان)) .
بعد ذَلِك وَمن بَاب الشُّكْر لله على فتح قَصَبَة (جيور) وَمَعَهَا قَرْيَة (إِمَام بور) عمد أَحْمد نظام الشاه بحري إِلَى جعل هَذِه النَّاحِيَة وَقفا على الْمَشَايِخ وَالْعُلَمَاء، وغادر بعْدهَا منصورا مظفرا إِلَى (بجنير) . ثمَّ أَزَال اسْم السُّلْطَان مَحْمُود شاه بهمن من الْخطْبَة بعد أَن أَشَارَ عَلَيْهِ بذلك يُوسُف عَادل خَان واستبدله باسمه وَركب جملا أَبيض وَهَذَا الرَّسْم كَانَ من خصوصيات سُلْطَان دلهي وكجرات، بعد ذَلِك راوده حلم السيطرة على قلعة (دولت آباد) ، وأرقه وجود أَفْوَاج السلاطين فِي (بيجابور) و (حيدر آباد) و (بيدر) فَخرج من (جنير) لمواجهتهم ولصعوبة هَذِه المهمة ومقتضيات الْأُمُور عمد إِلَى بِنَاء مَدِينَة فِي الْوسط مَا بَين (دولت آباد) و (جنير) وسماها (دَار السلطنة) والعاصمة وَذَلِكَ فِي شهور سنة (٩٠٠) فِي الْمُقَابل من (حديقة نظام) إِلَى الْجَانِب الغربي على نهر (السِّين) . وَكَانَ يُرِيد أَن يُطلق عَلَيْهَا اسْم (أَحْمد آباد) وَلكنه بعد أَن علم أَن عَاصِمَة ملك كجرات سُلْطَان أَحْمد شاه كجرات كَائِن على هَذَا الِاسْم نَفسه، وَهِي مستمدة من اسْمه وَهُوَ اسْم يُوَافق اسْم وزيره الْقَدِير وقاضيه الْعَادِل، فَعدل عَن ذَلِك، إِلَى اسْم (أَحْمد نكر) الَّذِي يتوافق مَعَ اسْمه وَالِاسْم الْأَصْلِيّ لنصير الْملك ووزير الممالك وقاضي الْعَسْكَر ظفر بيكر، وأصدر أوامره إِلَى جَمِيع الْأُمَرَاء وَالْأَصْحَاب والقادة الْكِبَار وَأَصْحَاب الخدمات بِبِنَاء العمائر الْكَبِيرَة والضخمة، فبنوها على النمط الْمصْرِيّ والبغدادي وارفقوها بالعديد من الْمَسَاجِد والحمامات وجروا إِلَيْهَا عدَّة أنهر وزرعوا عدَّة حدائق جميلَة ورائعة تخلب الأنظار والقلوب مَعًا فَأَصْبَحت (أَحْمد نكر) خضراء أَكثر وَأفضل من (كشمير) وهواها ألطف وأرق من سَائِر الْبِلَاد.
وَبعد وَفَاة ملك أشرف صَاحب قلعة (دولت آباد) ضم أَحْمد نظام شاه بحري هَذِه القلعة إِلَى سلطته فَبنى مَا تهدم مِنْهَا وترفق بِالنَّاسِ ثمَّ قفل إِلَى مَدِينَة (أَحْمد نكر) منصورا مظفرا. فِي هَذِه الفترة مَاتَ وزيره نصير الْملك كجراتي فعين مَكَانَهُ كَمَال خَان دكهني، بعْدهَا مرض أَحْمد نظام شاه بحري وَاسْتمرّ مَرضه مُدَّة ثَلَاثَة أشهر، فَجمع أَرْكَان دولته إِلَيْهِ وأعلن ابْنه الْأَمِير وليا لعهده الْبَالِغ من الْعُمر سبع سنوات. حكم أَحْمد نظام شاه مُدَّة أَرْبَعِينَ سنة وَتُوفِّي سنة (٩٠٤) . فارتعدت السَّمَاء وَالْأَرْض عِنْد مَوته وَحمل نعشه الطَّاهِر السَّادة والفضلاء والأمراء بِجلَال ووقار السلطنة إِلَى الْقرب من نهر (السِّين) حَيْثُ دفن هُنَاكَ:
(أَيهَا الْمَوْت لقد دمرت آلَاف الْبيُوت ... وخطفت الْأَرْوَاح من عَالم الْوُجُود)
(وكل درة نفيسة أَتَت إِلَى هَذِه الدُّنْيَا ... أَخَذتهَا ووضعتها تَحت التُّرَاب)
بني على قبر أَحْمد نظام شاه بحري قبَّة عالية وأحيط بسور كَبِير ووسيع أطلق عَلَيْهِ
стр. 912
اسْم (حديقة الرَّوْضَة) وَفِي دَاخل هَذَا السُّور هُنَاكَ قُبُور عديدة وعدة قبب صَغِيرَة، أما الأَرْض خَارج السُّور فَهِيَ مليئة بالقبور لمساحة رمية سَهْمَيْنِ أَو أَكثر لجِهَة الْجنُوب حَتَّى يُمكن القَوْل أَن لَيْسَ فِيهَا وجبا وَاحِدًا خَالِيا من قبر.
لقد تحولت هَذِه الْمقْبرَة إِلَى مقصد للْعُلَمَاء لطلاب الْعلم الَّذين يَجْلِسُونَ تَحت قبَّة قبر أَحْمد نظام شاه بحري إِلَى الْمِحْرَاب الْوَاقِع لجِهَة الشمَال حَيْثُ يعقدون الحلقات، وأبرز هَؤُلَاءِ الْعلمَاء المرحوم مير عنايت الله ولد مير طَاهِر جنيري الَّذِي قبل الانتساب إِلَى بيُوت الْفقر من أجل تَحْصِيل الْعلم فَقضى مُعظم أوقاته فِي تِلْكَ الْمقْبرَة.
وَلَقَد اسميت هَذَا الْمُحب السعيد بالشهيد لِأَنَّهُ فِي شهر رَمَضَان الْمُبَارك من هَذِه السّنة جَاءَ إِلَى منزلي وَقَالَ إِنَّه إِذا ربح بطيخة فَأولى لَهُ أَن يربح أَو يكْسب الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة فَقبلت مَعَه فَقضيت مَعَه شهر رَمَضَان فِي تكْرَار درس ((شرح الْوِقَايَة)) بحاشية ((الْجبلي)) فِي ذَلِك الْمِحْرَاب.
وَكنت فِي بعض الأحيان اذْهَبْ إِلَى ((حديقة الرَّوْضَة)) لزيارة الْقُبُور وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة على العظماء المدفونين فِيهَا وأجلس إِلَى قبر حَافظ مُحَمَّد عبد الله التلميذ النجيب لوالد المرحوم المدفونين دَاخل سور الحديقة. الَّذِي كَانَ لَهُ الِاطِّلَاع الْوَاسِع والمعرفة الْحجَّة والبصيرة الواسعة والفكر الصائب، وَقَالَ كلَاما مجيدا وَوَجهه إِلَى الْمُلُوك الْمُخْتَلِفين وَكَانَ لَهُ اطلَاع وَاسع على علم الْقِرَاءَة وصنف رِسَالَة فِي التجويد شعرًا ونثرا. وَقد اسْتَفَدْت مِنْهُ فِي دراسة ((شرح الملا)) وَبَعض أَبْوَاب ((كنز الْفَوَائِد)) اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وَأَنت الْغفار الرَّحِيم.
وَظهر يَوْم الْأَحَد من سنة ١١٦٤ اسْتشْهد محبي لله مير عنايت الله فِي المعركة الَّتِي نشبت بَين هدايت محيي الدّين خَان ((وفاغنة)) والقصة أَن مكمل خَان انفق جهدا كَبِيرا فِي تربية وَتَعْلِيم وتأديب برهَان نظام شاه ولمدة عشرَة سنوات الَّتِي كَانَت كَافِيَة وجيدة لاتقان الْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة بِخَط جميل بشكل جيد.
وَكتب ((مُحَمَّد قَاسم)) يَقُول إِن برهَان نظام شاه كتب رِسَالَة فِي علم الْأَخْلَاق وسلوك الْمُلُوك ووصلت إِلَيْهِ وَقد كتب فِي آخرهَا هَذِه الْجُمْلَة ((كَاتبه الشَّيْخ برهَان بن أَحْمد الملقب بنظام الْملك بحري)) . وَقد كَانَ برهَان نظام شاه مَعْرُوفا بالشجاعة وَالتَّقوى وَالصَّلَاح وَالْكَرم وفريدا فِي عصره. وَيُقَال إِنَّه كَانَ عِنْدَمَا يركب فرسه وَيخرج إِلَى السُّوق فِي مَدِينَة (أَحْمد نكر) مَعَ أَصْحَابه، فَإِنَّهُ لَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا يسارا، وعندما سَأَلَهُ أحد المقربين عَن عدم التفاتة إِلَى الْأَطْرَاف والجوانب قَالَ لَهُ: عِنْدَمَا أعبر فَإِن كثيرا من الرِّجَال وَالنِّسَاء يقفون لمشاهدة هَذَا الفاني، وَأَنا أَخَاف. أَن تلفت أَن تقع عَيْني على شَيْء حرَام فَينزل عَليّ وبال ذَلِك.
стр. 913
وَلما كَانَ هَذَا الْملك الْعَظِيم شَابًّا ومغامرا فِي أَوَائِل سلطنته أَرَادَ أَن يسيطر على قلعة (كاويل) ، فَخرج من أجل ذَلِك من دَار السلطنة فِي (أَحْمد نكر) باتجاه تِلْكَ القلعة وسيطر عَلَيْهَا، وَكَانَ من جملَة الأسرى الَّذين وَقَعُوا فِي يَد قَائِد جَيْشه جَارِيَة بَالِغَة الْحسن وَالْجمال تشابه الْقَمَر أَو المُشْتَرِي، فَلَمَّا وَقع نظره على وَجه الْملاك هَذَا فشاهد الْمُسْتَقْبل فِي مرْآة وَجههَا تملكه الوله والحيرة وَلم يملك سَبِيلا إِلَّا أَن يحملهَا إِلَى السُّلْطَان وَيرى أَثَرهَا عَلَيْهِ، وَفِي خلْوَة بَينهمَا قَالَ نصير الْملك للسُّلْطَان دَامَ ضله أَنه قد حجب عَن بَاقِي الْعَسْكَر وَالنَّاس فاتنه من بَين الأسرى لَا مثيل لَهَا وَلَا تلِيق إِلَّا بالسلطان فَإِذا أَمر السُّلْطَان فَإِنَّهُ يبْعَث بهَا إِلَى الْجنَاح الليلي، فتملك شهريار حَالَة من الانشراح والفرح فَاسْتحْسن نصير الْملك ذَلِك وَلما ذهبت هَذِه الْجَارِيَة إِلَى الْجنَاح الليلي كَانَت تضع على رَأسهَا شادورا كحليا مقصبا بِالذَّهَب وَكَأَنَّهَا ملاك يسير باتجاه برهَان نظام شاه، وَلما تمّ اللِّقَاء بَينهمَا، شرفها الشاه بِالْحَدِيثِ مَعهَا فَسَأَلَهَا من أَي قوم هِيَ وَإِلَى من تنْسب وَمن يتَّصل بهَا بِالْقَرَابَةِ أيتها الوردة الجميلة الخالية من الشوك. فأجابت، روحي فدَاء للعلي الْقَدِير أَنا من قَبيلَة (فلَان) وَأبي وَأمي وَزَوْجي هم فعلا فِي قَبْضَة السُّلْطَان. فَلَمَّا سمع الْملك اسْم زَوجهَا سيطرت عَلَيْهِ الحمية وَاجْتنَاب الْمعاصِي فذوت شَهْوَته وَقَالَ لَهَا مطيبا خاطرها سَوف أطلق سراح والدك ووالدتك وزوجك وأهبك إيَّاهُم. عِنْدهَا ركعت الْجَارِيَة وَقبلت الأَرْض بَين يَدَيْهِ وشرعت بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالثنَاء عَلَيْهِ. وَفِي الصَّباح عِنْدَمَا دخل عَلَيْهِ نصير الْملك يُرِيد تهنئته بِهَذِهِ اللَّيْلَة الجميلة، فَضَحِك ((يُوسُف زَمَانه)) وَقَالَ: لقد سترنا عَورَة هَذَا الشّرف الْكَرِيم وأعطيتها وَعدا أَن أعيدها إِلَى زَوجهَا فَلذَلِك أحضر لي والدها ووالدتها وَزوجهَا إِلَى هَذَا الْمجْلس فأنعم عَلَيْهِم وأغدق ووهبهم لَهَا.
وَفِي عهد برهَان نظام شاه ازدهرت مَدِينَة (أَحْمد نكر) وَأخذت رونقا جَدِيدا فَاجْتمع فِيهَا الْعلمَاء والسادات والأكابر وَالشعرَاء أَصْحَاب الْفُنُون والحرف والفقراء.
التقى الملا بير مُحَمَّد الشيرواني من كبار عُلَمَاء الْمَذْهَب السّني وأستاذ الْملك الْمُعظم عَن طَرِيق الِاتِّفَاق بالشاه طَاهِر دكنهي عِنْد جهان كاوان الَّذِي كَانَ ركن السلطنة لَدَى مُحَمَّد شاه بهمني فِي قلعة (بريندا) ، ودرس عَلَيْهِ كتاب (المجسطي) فِي علم الْهَيْئَة لمُدَّة سنة وعندما عَاد إِلَى (أَحْمد نكر) سَأَلَهُ برهَان نظام شاه عَن سَبَب توقفه هُنَاكَ. فَقَالَ لَهُ الملا بير مُحَمَّد ظَاهر أَنه كَانَ طول هَذِه الْمدَّة برفقة عَالم محلق فِي الْفَهم الإنساني، وَلَيْسَ من طَرِيق إِلَى إِدْرَاك سر كَمَاله وعقله يزن عقول أهل زَمَانه وَلَا أحد يبلغ شرف مرتبَة علمه، فاعتبرت ذَلِك فوزا عَظِيما أَن أَقرَأ عَلَيْهِ كتاب (المجسطي) الَّذِي يعْتَبر محك امتحان الْفُضَلَاء لَا بل ميزَان معركة حكماء اليونان وَالْعراق وَأنْشد فِي وصف شاه طَاهِر هذَيْن الْبَيْتَيْنِ:
стр. 914
(لقد حَار الْعُقَلَاء فِي وصف كَمَاله ... فَلَا يُدْرِكهُ لَا بقراط الْحَكِيم وَلَا أَبُو عَليّ)
(مَعَ علمهمْ وحكمتهم وفضلهم وكمالهم ... فَإِنَّهُم جَمِيعًا يدرسون علم الْألف فِي صفه)
لقد رغب برهَان نظام شاه بمصاحبة الْعلمَاء والفضلاء، وخصوصا صُحْبَة شاه طَاهِر فَأرْسل لَهُ رِسَالَة حملهَا شوقه وحبه واحترام مَعَ الملا بير مُحَمَّد، وعندما وصلت الرسَالَة إِلَى شاه طَاهِر فِي (بريندا) فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَن اطلع (خواجه جهان) على الرسَالَة الَّذِي لم ير بدا من مركب السّفر لشاه طَاهِر وَيبْعَث بِهِ إِلَى مَدِينَة (أَحْمد نكر) ، فَخرج أَعْيَان وأمراء وأقرباء الْملك من الْمَدِينَة لمسافة أَرْبَعَة فراسخ لاستقباله بِكُل اعزاز وإكرام وأدخلوه الْمَدِينَة. وَبعد أَن التقاه برهَان نظام شاه وَكَرمه وعظمه اعترافا بِقَدرِهِ ومنزلته، الَّتِي ادركها شاه طَاهِر من بَين جَمِيع المقربين، وَبعد أَن فرغ من مراسم الِاسْتِقْبَال والمهمات مَعَ السُّلْطَان (بهادر الكجراتي) ، اتخذ لَهُ مَكَانا فِي أَسْفَل قلعة (أَحْمد نكر) للدرس الَّذِي تحول فِيمَا بعد إِلَى مَسْجِد جَامع فَجَلَسَ للدرس يَوْمَيْنِ فِي الْأُسْبُوع يدرس الْعلمَاء الْكِبَار ويطلعهم على الْكتب الدراسية. وَقد حضر دروسه كل من السَّيِّد جَعْفَر أَخ الشاه طَاهِر، وشاه حسن الْجواد، والملا مُحَمَّد النيشابوري، والملا حيدر الاسترآبادي، وَالسَّيِّد حسن المشهدي، والملا عَليّ كلمش الاسترآبادي، والملا ولي مُحَمَّد، والملا رستم الْجِرْجَانِيّ، والملا عَليّ المازندراني، وَأَبُو الْبركَة والملا عَزِيز الله الكيلاني، والملا مُحَمَّد الأسترآبادي، وَالْقَاضِي زين العابدين وقاضي الْعَسْكَر ظفر بيكر وَالسَّيِّد عبد الْحق (كَاتب بركنه ((انبر)) ) وَالشَّيْخ جَعْفَر، ومولانا عبد الأول وَالْقَاضِي مُحَمَّد نور الْمُخَاطب بِأَفْضَل خَان وَالشَّيْخ عبد الله القَاضِي، وَآخَرين من الْفُضَلَاء وطلاب الْعلم وَقد جلس إِلَيْهِ فِي درسه كَذَلِك كل من برهَان نظام شاه واستاذه الملا بير مُحَمَّد الشرواني فَكَانَ يجلس من أول الدَّرْس إِلَى آخِره وَيسْأل ويجيب ويناقش ويعارض.
وَلما كَانَ شاه طَاهِر على مَذْهَب الإمامية، فَإِن برهَان نظام شاه قد اخْتَار مَذْهَب الإمامية هُوَ وَجَمِيع أَهله وَعِيَاله والمقربين لَهُ، وَبعد النقاش الَّذِي دَار بَين شاه طَاهِر وَجمع من الْفُضَلَاء حول هَذَا الْمَذْهَب عمد برهَان نظام شاه إِلَى قتل قَاضِي (انبر) ، وَلَيْسَ هُنَا مقَام الْكَلَام على هَذَا الْمَوْضُوع.
لقد توفّي الشاه طَاهِر فِي زمن سلطنة برهَان نظام شاه سنة ٩٥٦ وَدفن دَاخل سور حديقة الرَّوْضَة خَارج قبَّة نظام شاه بحري إِلَى الْجَانِب الشمالي. وَقد عمد هاني نظام شاه بعد مُدَّة إِلَى نقل رفاة شاه طَاهِر إِلَى كربلاء المعظمة. وَخلف شاه طَاهِر وَرَاءه أَرْبَعَة أَبنَاء هم: شاه حيدر وشاه رفيع الدّين حُسَيْن وشاه أَبُو الْحسن وشاه أَبُو طَالب وَثَلَاثَة بَنَات بقيت اسماميهن مستورة كَمَا كن هن مستورات. وَبَقِي أَوْلَاد شاه طَاهِر حَتَّى زمن كِتَابَة هَذِه الْكَلِمَات يسكنون فِي عمارات عامرة فِي مَكَان اقامة شاه طَاهِر فِي مَدِينَة (أَحْمد نكر) ويتولون تصريفها وادارتها، وَالْحَال أَن الْكَاتِب قد اشْترى منزلا من وَرَثَة
стр. 915
شاه طَاهِر فِي منطقته، وَقد عمد برهَان نظام شاه بعد جُلُوسه على عرش السلطة سنة (٩٠٨) إِلَى بِنَاء قلعة من الْحجر الْمَطْبُوخ فِي أَرَاضِي (حديقة نظام) وَبنى فِيهَا أَرْبَعَة أبراج وَأعْطى كل برج وتوابعه إِلَى أحد الْأُمَرَاء المرموقين، وَمَعَ مُرُور وَقت قصير أَصبَحت قلعة (أَحْمد نكر) من القلاع النادرة وَبلا نَظِير وشيرازة (نِسْبَة إِلَى شيراز) ملك الدكن، فَكَانَت فِي بنائها وصقل أحجارها وتدويرها وأسلوب أَحْكَامهَا فريدة بَين قلاع الأَرْض وأصبحت مَدِينَة (أَحْمد نكر) مَدِينَة مَشْهُورَة بِطيب هوائها ومائها ومناخها بَين جَمِيع الْخلق من الْخَاصَّة والعامة فِي جَمِيع الْبِلَاد والأمصار.
وَقد بنى أَحْمد نظام شاه بحري إِلَى جَانب الشمالي من مَدِينَة (أَحْمد نكر) حديقة سميت بحديقة (فيض نجش) والمشهورة بحديقة (الْجنَّة) وَبنى دَاخل الحديقة حوضا ضخما مثمن الاضلاع، وَفِي دَاخل الْحَوْض بنى عمَارَة كمنزل لَهُ مثمن الاضلاع، وَإِلَى جَانب الْحَوْض بنى إيوانه وحماما جميلا ومترفا. وَفِي أَيَّام التعطيل نَذْهَب مَعَ الطّلبَة الرفقاء إِلَى تِلْكَ الحديقة لصيد السّمك والتفرج والنزهة، لَكِن النَّهر خرب هَذَا الْحَوْض وأصبحت الحديقة تعاني من قلَّة المَاء فآلت إِلَى الخراب، فأصبحنا عِنْدَمَا نعبر هَذِه الحديقة تتملكنا الْحَسْرَة والندم عَلَيْهَا.
أما برهَان نظام شاه فقد بنى حديقة إِلَى الْجَانِب الجنوبي من (أَحْمد نكر) وأسماها حديقة (فَرح نجش) وَبنى دَاخل الحديقة (حوضا) مربع وَبنى وسط هَذَا الْحَوْض (جبوتره) مثمنة وواسعة، وَبنى فَوق (جبوتره) بِنَاء عَالِيا ومثمن من طبقتين بطراز غَرِيب وَعَجِيب يعجز الْقَلَم وَاللِّسَان عَن وَصفه ويحتار بِهِ، وَلَا يَسْتَطِيع عقل المهندسين ادراك عَظمَة تصميمه، وَكم حاول وسعى شاه طَاهِر لوصفه وتكلف الْمَشَقَّة غير أَنه لم يصل إِلَى إيفائه حَقه، وَمِمَّا قَالَه قصيدة طَوِيلَة فِي سِتَّة وَعشْرين بَيْتا يصف فِيهَا عَظمَة الْبناء وعظمة الْبَانِي وَالْقُدْرَة على تصميمه وَأَن لَا أحد من الْمُلُوك العظماء من سبق يَسْتَطِيع انجاز مَا أنْجز فِي هَذَا الْبناء حَتَّى أَن ديوَان كسْرَى وكلستان خسرو لَا يُمكن لَهما أَن يصلا إِلَى مستوى هَذَا الْبناء.
وَفِي حديقة (فَرح نجش) نهر عَظِيم يصل إِلَيْهَا من السوَاد من مَوضِع يُقَال لَهُ (كافور باري) ويدخلها من تَحت السُّور ويصل إِلَى خزان للمياه عَظِيم، وَقد خطّ تأريخ لهَذِهِ الحديقة على لوح رُخَام قرب خزان المَاء كتب عَلَيْهِ مَا مَعْنَاهُ. اسْمهَا (فَرح نجش) اشتق من طيب هوائها ومائها فاشتهرت بذلك:
(لتكن النِّعْمَة مرافقة للساعي ببنائها ... فَجَمِيع سَعْيه مشكور)
(أردْت أَن أأرخ لهَذَا الْكَبِير والحكيم ... فَقلت يَا رب لتكن عامرة إِلَى الْأَبَد)
следующие страницы →