← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الهمدانى وقتادة والربيع بن أنس وعمرو بن فائد: «من قطرآن» (١). قال أبو الفتح: القطر: الصّفر والنحاس، وهو أيضا الفلزّ. رويناه عن قطرب، وهو أيضا الصاد. ومنه قدور الصّاد، أى: قدور الصّفر. والآنى: الذى قد أنى وأدرك. وأنى الشئ يأنى أنيّا وإنى مقصور، ومنه قول الله سبحانه: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ (٢): أى بلوغه وإدراكه. قال أبو على: ومنه الإناء؛ لأنه الظرف الذى قد بلغ غايته المرادة فيه من خرز أو صياغة أو نحو ذلك. قال أمية: وسليمان إذ يسيل له القطر … على ملكه ثلاث ليال وأما القطران ففيه ثلاث لغات: قطران على فعلان، وهو أحد الحروف التى جاءت على فعلان، وهى: ثلثان، وبدلان، والشّقران. ويقال أيضا: قطران، بفتح القاف وإسكان الطاء، وقطران بكسر القاف وإسكان الطاء. والأصل فيها قطران فأسكنا على ما يقال فى كلمة: كلمة وكلمة، لغة تميمية. قال أبو النجم: جون كأن العرق المنتوحا … لبّسه القطران والمسوحا وقال النابغة (٣): وتخضب لحية غدرت وخانت … بأحمر من نجيع الجوف آن (٤) *** ﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾ (٥٢) ومن ذلك قراءة يحيى بن عمر الذارع (٥) وأحمد بن يزيد بن أسيد السّلمى: «ولينذروا به» (٦)، بفتح الياء والذال.

стр. 492

قال أبو الفتح: يقال نذرت بالشئ: إذا علمت به فاستعددت له، فهو فى معنى فهمته، وعلمت به، وطبنت له، وفى وزن ذلك. ولم تستعمل العرب لقولهم: نذرت بالشئ مصدرا، كأنه من الفروع المهجورة الأصول. ومنه عسى لا مصدر لها، وكذلك ليس. وكأنهم استغنوا عنه بأن والفعل، نحو: سرنى أن نذرت بالشئ، ويسرنى أن تنذر به. *** &

стр. 493

سورة الحجر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١٥) قرأ الزّهرى-بخلاف-: «سكرت» (١). قال أبو الفتح: أى جرت مجرى السّكران فى عدم تحصيله، فلذلك قال: «سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون». والسّكر عندنا من: سكر العربة ونحوها. وذلك أنه يعترض على الماء، ويسد عليه مذهبه ومتسرّبه، وكذلك حال السكران فى وقوف فكره، والاعتراض عليه بما ينغصه ويحيره؛ فلا يجد مذهبا، وينكفئ مضطربا. *** ﴿صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤١) ومن ذلك قراءة أبى رجاء وابن سيرين وقيس بن عبادة وقتادة والضحاك ويعقوب وابن شرف ومجاهد وحميد وعمرو بن ميمون (٢) وعمارة بن أبى حفصة: «صراط علىّ مستقيم» (٣). قال أبو الفتح: «علىّ» -هنا-كقولهم: كريم، وشريف. وليس المراد به علوّ الشخوص والنّصبة: قال أبو الحسن فى قراءة الجماعة: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ:﴾ هو كقولك:

стр. 494

الدلالة اليوم علىّ، أى: هذا صراط فى ذمتى وتحت ضمانى، كقولك: صحّة هذا المال علىّ، وتوفية عدّته علىّ. وليس معناه عنده أنه مستقيم علىّ، كقولنا: قد استقام علىّ الطريق، واستقر علىّ كذا. وما أحسن ما ذهب إليه أبو الحسن فيه. *** ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٤٤) ومن ذلك قراءة الزّهرىّ: «لكلّ باب منهم جزّ مقسوم» (١). قال أبو الفتح: هذه لغة مصنوعة، وليست على أصل الوضع. وأصلها «جزء» فعل من جزأت الشئ، وهو قراءة الجماعة إلا أنه خفف الهمزة، فصارت «جز»؛ لأنه حذفها وألقى حركتها على الزاى قبلها، ثم نوى الوقف على لغة من شدّد نحو ذلك فى الوقف، فقال: هذا خالدّ وهو يجعلّ، فصارت فى الوقف «جزّ»، ثم أطلق وهو يريد نيّة الوقف وأقر التشديد بحاله فقال: «جزّ»، كما قالوا فى الوصل: سبسبّا، وكلكلاّ. وقد أنشدنا شواهد نحو ذلك فيما مضى. ومثله الخبّ فيمن وقف عليه بالتشديد، يريد تخفيف الخبء (٢)، وهو مشروح فى باب الهمز. *** ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ (٥٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «لا توجل» (٣). قال أبو الفتح: هذا منقول من وجل يوجل، وجل وأوجلته، كفزع وأفزعته، ورهب وأرهبته. ***

стр. 495

﴿مِنَ الْقانِطِينَ﴾ (٥٥) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش وطلحة بن مصرّف، ورويت عن أبى عمرو: «من القنطين» (١). قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون فى الأصل ﴿الْقانِطِينَ﴾ كقراءة الجماعة؛ إلا أن العرب قد تحذف ألف فاعل فى نحو هذا تخفيفا. قال الراجز: أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا إلا عرادا عردا … وصلّيانا بردا وعنكثا ملتبدا (٢) … يريد عاردا وباردا، فحذف الألف تخفيفا. ألا ترى أن أبا النّجم قال: كأنّ فى الفرش القتاد العاردا (٣) … أى القوىّ الخشن، وقد ذكرنا نحو هذا. وقد يجوز فى «القنطين» غير هذا، وذلك أنهم قد قالوا: قنط يقنط، فقد يكون «القنطين» من قنط يقنط هذه، ويكون القانطون من قنط. *** ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة الأشهب: «ومن يقنط» (٤)، بضم النون. قال أبو الفتح: فيه لغات: قنط يقنط، وقنط يقنط، وقنط يقنط. وقد حكيت أيضا:

стр. 496

قنط يقنط، ومثله من فعل يفعل: ركن يركن، وأبى يأبى، وغسا (١) الليل يغسا، وجبا (٢) يجبا، وقالوا: عضضت تعضّ. قال ابن يحيى: قد قالوا فى «شممت» وصببت ونحوه بفتح الثانى هربا من الكسر مع التضعيف. *** ﴿يَنْحِتُونَ﴾ (٨٢) ومن ذلك قراءة الحسن «ينحتون»؛ بفتح الحاء. (٣) قال أبو الفتح: أجود اللغتين نحت ينحت، بكسر الحاء، وفتحها لأجل حرف الحلق الذى فيها، كسحر يسحر. وينبغى أن ينظر إلى ما أورده ليكون إلى نحوه طريقا وسلّما. أعلم أن العرب تقارب بين الألفاظ والمعانى إذ كانت عليها أدلة، وبها محيطة. فمن ذلك ما نحن عليه، وهو نحت ينحت، والتاء أخت الطاء، وقد قالوا: نحط ينحط، إذا زفر فى بكائه، فكأن ذلك الضغط الذى يصحب الصوت ينال من آلة النفس، ويحنّها ويسفنها (٤)؛ فيكون كالنحت لما ينحت؛ لأنه تحيّف له وأخذ منه. ونحو من ذلك قولهم فى تركيب «ع ص ر»: «ع س ر»: «ع ز ر». فالعصر شدة تلحق المعصور. والعسر شدة الخلق والتعزير للضرب، وذلك شدة لا محالة؛ فالشدة جامعة للأحرف الثلاثة ومنه تركيب «ج ب ر»، «ج ب ل»، «ج ب ن»، المعنى الجامع لها اجتماع الأجزاء وتراجعها. من ذلك جبرت العظم؛ أى: وصلت ما تفرّق من أجزائه، ومنه الجبل لاجتماع أجزائه، ومنه جبن الإنسان؛ أى: تراجع بعضه إلى بعض واجتمع. وإنما نبذت هنا طرفا من هذا الأمر تنبيها على أمثاله، حتى إذا هى اجتازت بك أحسست بها، ولم تطوك غير حافل بمعانيها وأوضاعها. ***

стр. 497

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاّقُ﴾ (٨٦) ومن ذلك قراءة مالك بن دينار والجحدرى والأعمش: «إنّ ربّك هو الخالق» (١). قال أبو الفتح: فى هذه القراءة دليل على أن فعل الخفيفة فيها معنى الكثرة كفعّل الثقيلة، ألا ترى إلى قراءة الجماعة: ﴿الْخَلاّقُ؟﴾ وهذا للكثرة لا محالة. نعم، وقد قرن به العليم، وفعيل للكثرة. وكأن الخلاّق الموضوع للكثرة أشبه بعليم؛ لأنه موضوع لها، فلولا أدن فى خلق معنى الكثرة لما عبّر بخالق عن معنى خلاّق. ومنه قوله: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ﴾ (٢) ألا تراها فى معنى غفار وقبّال؟ وعليه ما أنشده أبو الحسن: أنت الفداء لقبلة هدّمتها … ونقرتها بيديك كلّ منقّر فوضع «نقرت» موضع نقّرت، وعليه جاء بالمصدر، فقال: كل منقّر. وعلة هذا هو ما تعلم من وقوع المصدر دالا على الجنس، وإذا أفضت بك الحال إلى عموم الجنسية فقد اغترقت وتجاوزت حد الشّياع والكثرة. ***

стр. 498

سورة النحل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿دِفْءٌ﴾ (٥) قرأ الزهرىّ: «دف». بغير همز (١). قال أبو الفتح: هذه القراءة أقيس من قراءته الأخرى التى هى قول الله : «جزّ مقسوم» (٢)، بتشديد الزاى؛ وذلك أنه هنا خفف لا غير. فحذف الهمزة وألقى حركتها على الفاء قبلها. كقولك فى مسألة: مسلة. وفى يلؤم: يلم، وفى يزئر: يزر. فكان قياس هذا أن يقول: «جز مقسوم»، إلا أنه سلك فى كل من القراءتين طريقا إحداهما أقوى من الأخرى. *** ﴿بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٧) ومن ذلك قراءة أبى جعفر وعمرو بن ميمون وابن أرقم، ورويت عن أبى عمرو: «بشقّ الأنفس» (٣). بفتح الشين. قال أبو الفتح: الشّق، بفتح الشين بمعنى الشّق بكسرها وكلاهما المشقة، قرأت على أبى علىّ فى نوادر أبى زيد لعمرو بن ملقط، وهو جاهلى: الخيل قد تجشم أربابها الشّ … قّ وقد تعتسف الراوية (٤)

стр. 499

هكذا الرواية بفتح الشين، وكلاهما من الشّق فى العصا ونحوها؛ لأنه آخذ منها وواصل إليها، كالمشقة التى تلحق الإنسان. *** ﴿لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ (٨) ومن ذلك قراءة أبى عياض: «لتركبوها زينة»، بلا واو (١). قال أبو الفتح: لك فى نصب «زينة» وجهان: إن شئت كان معلّقا بما قبله، أى: خلقها زينة لتركبوها، وإن شئت كان على قولك: لتركبوها زينة، فزينة هنا حال من «ها» فى «لتركبوها»، ومعناه: كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ﴾ (٢). *** ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة الحسن: «وبالنّجم هم يهتدون» (٣)، وقرأ يحيى: «وبالنّجم» (٤)، بضم النون ساكنة الجيم. قال أبو الفتح: النجم جمع نجم، ومثله مما كسّر من فعل على فعل: سقف وسقف، ورهن ورهن ونحوه، ثطّ وثطّ. وقال أبو حاتم: سمعت أبا زيد يقول: رجل أثطّ، فقلت له: أتقولها؟ فقال: سمعتها-وكثّ اللحية وكثّ، وفرس ورد وخيل ورد، وسهم حشر وسهام حشر. وإن شئت قلت: أراد النجوم، فقصر الكلمة فحذف واوها، فقال: النجم ومثله من المقصور من فعول قول أبى بكر فى أسد: إنه مقصور من أسود، فصار أسد، ثم أسكن فقال: أسد. ومثله قوله أيضا فى ثيرة جمع ثور: إنه مقصور من ثيارة؛ فلذلك وجب

стр. 500

عنده قلب الواو من ثور ياء، ولو كان مكسرا على فعلة لوجب تصحيحه فقيل: ثورة، كزوج وزوجة، وعود وعودة. وقال الراجز: إنّ الفقير بيننا قاض حكم … أن ترد الماء إذا غاب النّجم (١) يريد النجوم. وقال الأخطل: كلمع أيدى مثاكيل مسلّبة … يندبن ضرس بنات الدهر والخطب (٢) يريد الخطوب. وقد ذكرنا نحو هذا فيما مضى. وعليه أيضا قراءة يحيى: «وبالنّجم» ساكنة الجيم، كأنه مخفف من النّجم كلغة تميم فى قولهم: رسل، وكتب. *** ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢١) ومن ذلك قراءة السّلمى: «إيّان يبعثون» (٣). قال أبو الفتح: فيه لغتان: أيّان، وإيّان، بالفتح والكسر وقد مضى فيما قبل. *** ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة مجاهد: «فخرّ عليهم السقف من فوقهم» (٤)، و «لبيوتهم سقفا» (٥). قال أبو الفتح: الذى قلناه آنفا فى «النّجم» هو شرح لهذه القراءة. *** &

стр. 501

﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ (٣٧) ومن ذلك قراءة الحسن وإبراهيم وابن خيرة: «إن تحرص»، بفتح الراء (١). قال أبو الفتح: فيه لغتان: حرص يحرص وهى أعلاهما، وحرصت أحرص. وكلاهما من معنى السحابة الحارصة، وهى التى تقشر وجه الأرض. وشجّة حارصة: التى تقشر جلدة الرأس، فكذلك الحرص، كأنه ينال صاحبه من نفسه لشدة اهتمامه بما هو حريص عليه، حتى يكاد يحت (٢) مستقر فكره. *** ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ (٤١) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ بالباء، وروى عن علىّ ﵇: «لنثوينّهم»، بالثاء (٣). قال أبو الفتح: نصب الحسنة هنا، أى: يحسن إليهم إحسانا، وضع حسنة موضع إحسان، كأنه واحد من الحسن دال عليه، ودل قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ على ذلك الفعل؛ لأنه إذا أقرهم فى الأرض بإطالة مدّتهم ومدة خلفهم فقد أحسن إليهم، كما قال سبحانه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤) وذلك ضدّ ما يعمل بالعاصين الذين يسحت أعمارهم، ويصطلمهم بذنوبهم وجرائم أفعالهم. *** ﴿يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ (٤٨) ومن ذلك قراءة الثقفى: «تتفيّأ ظلله» (٥)، وقراءة الناس: ﴿ظِلالُهُ﴾.

стр. 502

قال أبو الفتح: الظلل: جمع ظلّة، كحلّة وحلل، وجلّة وجلل. وقد يكون ظلال جمع ظلّة أيضا، كجلّة وجلال. وقالوا أيضا: حلّة وحلال، بالحاء غير معجمة. وقد يكون ظلال جمع ظلّ، كشعب وشعاب، وبئر وبئار، وذئب وذئاب. *** ﴿تَجْئَرُونَ﴾ (٥٣) ومن ذلك قراءة الزّهرىّ: «تجرون»، بغير همز (١). قال أبو الفتح: هذا فى قوة القياس كقراءته أيضا: «لكم فيها دف» (٢)، وأصله «تجأرون»، فخفف الهمزة بأن ألقاها ونقل فتحتها إلى الجيم، فصار «تجرون»، كقولك فى تخفيف يسألون: يسلون، وفى يسأمون: يسمون. ونظائره كثيرة قوية. *** ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ﴾ (٥٤) ومن ذلك ما يروى عن قتادة: «ثمّ إذا كاشف الضّرّ»، بألف (٣). قال أبو الفتح: قد جاء عنهم فاعل من الواحد يراد به فعل، نحو طارقت النعل؛ أى: طرقتها، وعاقبت اللص، وعافاه الله، وقانيت اللون؛ أى: خلطته، فى أحرف غير هذه، فكذلك يكون «ثمّ إذا كاشف الضرّ» أى: كشف. ونحو منه فى المعنى والمثال: راخيت من خناقه؛ أى: أرخيت. *** ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥٥) ومن ذلك قراءة مكحول عن أبى رافع، قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : «فيمتّعوا فسوف يعلمون»، بالياء (٤).

стр. 503

قال أبو الفتح: هو معطوف على الفعل المنصوب قبله؛ أى: «ليكفروا بما آتيناهم فيمتعوا»، ثم قال من بعد: «فسوف يعلمون». *** ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ (٦٢) ومن ذلك قراءة معاذ: «وتصف ألسنتهم الكذب» بضم الكاف والذال والباء (١). قال أبو الفتح: هو وصف الألسنة، جمع كاذب أو كذوب. ومفعول تصف قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى،﴾ وهو على قراءة الجماعة ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول تصف، و ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى﴾ بدل من الكذب؛ لأنه فى المعنى كذب. *** ﴿سائِغاً﴾ (٦٦) ومن ذلك قراءة الثّقّفىّ: «سيغا» (٢)، وقراءة الناس: ﴿سائِغاً﴾. قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «سيغ» هذا محذوفا من سيّغ، كميت وميّت، وهين وهيّن؛ وذلك أنه من الواو، لقولهم ساغ شرابهم يسوغ. ولو كان سيغ فعلا لكان «سوغا». ومنه قولهم: هو أخوه سوغه؛ أى: قابل له غير متباعد عنه، كالشراب إذا قبلته نفس شاربه، ولم تنب عنه. *** ﴿أَيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾ (٧٦) ومن ذلك قراءة ابن مسعود وعلقمة ويحيى ومجاهد وطلحة: «أينما يوجّه» (٣)، وروى عن علقمة: «يوجّه»، بفتح الجيم (٤).

стр. 504

قال أبو الفتح: أمّا «يوجّه»، بكسر الجيم فعلى حذف المفعول؛ أى أينما يوجّه وجهه؛ فحذف للعلم به. وأما «يوجّه»، بفتح الجيم، أى أينما يرسل أو يبعث لا يأت بخير. *** ﴿بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ (١٠٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «بشر اللّسان الذى يلحدون إليه»، بألف ولام (١). قال أبو الفتح: ليس قوله: اللسان الذين يلحدون إليه أعجمىّ جملة فى موضع صفة «بشر»، ألا تراها خالية من ضميره؟ وكذلك أيضا هى خالية منه فى قراءة الجماعة: ﴿بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ؛﴾ ولأن المعنى أيضا ليس على كونها وصفا، وإنما الوقف على قوله: «بشر»، ثم استأنف الله تعالى القول ردّا عليهم، فقال: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ أى: يميلون بالتهمة إليه أعجمىّ، ﴿وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ؛﴾ أى: فكيف يعلّم الأعجمىّ العربية. ولهذا قال سبحانه: ﴿أَعْجَمِيٌّ،﴾ ولم يقل: عجمىّ؛ وذلك أن الأعجمى؛ هو الذى لا يفصح وإن كان عربيا، والعجمى هو المنسوب للعجم وإن كان فصيحا، ألا ترى أن سيبويه كان عجميا [فإن كان لسان اللغة العربية فقال الله تعالى] (¬*): لسان هذا المتهم بأنه يعلّمه أعجم، فكيف يجوز أن يعلّم العربية وهو لا يفصح؟ فأعجمى من أعجم بمنزلة أحمرىّ من أحمر، وأشقرىّ من أشقر، ودوّارىّ من دوّار، وكلاّبىّ من كلاّب. وقد مضى ذلك. *** ﴿أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ (١١٦) ومن ذلك قراءة الأعرج وابن يعمر والحسن-بخلاف-وابن أبى إسحاق وعمرو ونعيم بن ميسرة: «ألسنتكم الكذب» (٢).

стр. 505

وقرأ «الكذب» يعقوب (١)، وقرأ «الكذب» (٢) مسلمة بن محارب، وقراءة الناس: ﴿الْكَذِبَ﴾. قال أبو الفتح: أما «الكذب» بالجرّ فبدل من «ما» فى قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ﴾ أى: لا تقولوا للكذب الذى تصف ألسنتكم. وأما «الكذب» بالنصب فجمع كذاب، ككتاب وكتب. يقال: كذب الرجل يكذب كذبا وكذابا، وهو رجل كيذبان، وكيذبان، وكذبذب. ويقال أيضا: مكذبان، كملكعان. وجاز جمع الكذاب لأنه ذهب به مذهب النوع، ولو أريد به الجنس لكان جمعه مستحيلا. والكذب وصف الألسنة، وقد تقدم مثله. *** ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا﴾ (١٢٦) ومن ذلك قراءة ابن سيرين: «وإن عقّبتم فعقّبوا» (٣). قال أبو الفتح: معناه إن تتبعتم فتتبعوا بقدر الحق الذى لكم، ولا تزيدوا عليه. قال لبيد (٤): حتى تهجّر فى الرّواح وهاجه … طلب المعقّب حقّه المظلوم (٥) أى هاجه طلبا مثل طلب المعقّب حقه المظلوم؛ أى عاذه ومنعه المظلوم، ف «حقّه»

стр. 506

على هذا فعل: حقّه يحقّه؛ أى لواه حقّه. ويجوز طلب المعقّب حقه، فتنصب «حقّه» بنفس الطلب مع نصب «طلب» كما تنصبه؛ أى الحق مع رفعه، أى الطلب. والمظلوم صفة المعقّب على معناه دون لفظه؛ أى أن طلب المعقب المظلوم حقه فى الموضعين جميعا. ***

стр. 507

سورة بنى إسرائيل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ (٣) قد ذكرنا ما فى «ذرّيّة» و «ذرّيّة» و «ذرّيّة» فيما مضى من الكتاب. *** ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ (٤) ومن ذلك قراءة ابن عباس ونصر بن عاصم وجابر بن يزيد: «لتفسدنّ» (١)، بضم التاء، وفتح السين. وقرأ: «لتفسدنّ» (٢)، بفتح التاء، وضم السين والدال-الفعل لهم- عيسى الثقفى. قال أبو الفتح: إحدى هاتين القراءتين شاهدة للأخرى؛ لأنهم إذا أفسدوا فقد فسدوا. *** ﴿عِباداً لَنا﴾ (٥) ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب، رضى الله عنه: «عبيدا لنا» (٣). قال أبو الفتح: أكثر اللغة أن تستعمل العبيد للناس والعباد لله. قال تعالى: ﴿إِنَّ﴾

стр. 508

﴿عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (٢)، وهو كثير. وقال: ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣). ومن أبيات الكتاب: (٤) أتوعدنى بقومك يابن حجل … أشابات يخالون العبادا؟ (٥) بما جمّعت من حضن وعمرو … وما حضن وعمرو والجيادا؟ (٦) أى يخالون عبيدا؛ أى مماليك. ويقال: العباد قوم من قبائل شتى من العرب، اجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يسمّوا العبيد. فقالوا: نحن العباد. *** ﴿فَجاسُوا﴾ (٥) ومن ذلك قراءة أبى السّمّال: «فحاسوا»، بالحاء (٧). قال أبو الفتح: قال أبو زيد، أو غيره: قلت له: إنما هو «فجاسوا»، فقال: حاسوا وجاسوا واحد، وهذا يدل على أن بعض القراءة يتخير بلا رواية، ولذلك نظائر. *** ﴿لِيَسُوؤُا﴾ (٧) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب: «لنسوءا»، بالتنوين (٨). &

стр. 509

قال أبو الفتح: لم يذكر أبو حاتم التنوين، لكنه قال: وبلغنى أنها فى مصحف أبىّ: «ليسئ»، بالياء مضمومة بغير واو. فأما التنوين فى: «لنسوءا» فطريق القول عليه أن يكون أراد الفاء فحذفها، كما قال فى موضع آخر، أى «فلنسوءا وجوهكم» على لفظ الأمر، كما تقول: إذا سألتنى فلأعطينك، كأنك تأمر نفسك، ومعناه فلأعطينك. واللامان بعده للأمر أيضا، وهما: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ. .﴾. ﴿. . . وَلِيُتَبِّرُوا﴾ (١). ويقوى ذلك أنه لم يأت لإذا جواب فيما بعد، فدل على أن تقديره فلنسوءا وجوهكم، أى فلنسوءنّ وجوهكم. *** ﴿أَمَرْنا﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة على بن أبى طالب ﵇: «آمرنا» (٢) فى وزن عامرنا، واختلف عن ابن عباس والحسن وأبى عمرو وأبى العالية وقتادة وابن كثير وعاصم والأعرج، وقرأ بها ابن أبى إسحاق وأبو رجاء والثقفى وسلام وعبد الله بن أبى يزيد والكلبى. وقرأ «أمّرنا» مشدّدة الميم (٣)، ابن عباس بخلاف، وأبو عثمان النهدىّ، وأبو العالية بخلاف، وأبو جعفر محمد بن على-بخلاف-والحسن-بخلاف وأبو عمرو- بخلاف-والسّدّى وعاصم، بخلاف. وقرأ: «أمرنا»، بكسر الميم، بوزن عمرنا (٤) -الحسن ويحيى بن يعمر. قال أبو الفتح: يقال: أمر القوم إذا كثروا، وقد أمرهم الله؛ أى: كثّرهم. وكان أبو

стр. 510

على يستحسن قول الكسائى فى قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ (١): أى كثيرا، من قول الله: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها،﴾ ومن قولهم: أمر الشئ، إذا كثر. ومنه قولهم: خير المال سكّة مأبورة، أو مهرة مأمورة (٢). فالسّكة الطريقة من النخل، ومأبورة؛ أى: ملقحة، ومهرة مأمورة؛ أى: مكثرة النسل. وكان يجب أن يقال: مؤمرة لأنه من آمرها الله، لكنه أتبعها قوله: مأبورة، كقولهم: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا. هذا على قول الجماعة إلا ابن الأعرابىّ وحده، فإنه قال: الغدايا جمع غديّة، كما أن العشايا جمع عشيّة. ولم يكن يرى أن الغدايا ملحق بقولهم: العشايا، وأنشد شاهدا لذلك: ألا ليت حظّى من زيارة أمّيه … غديّات قيظ أو عشيّات أشتيه (٣) وقد قالوا أيضا: أمرها الله مقصورا خفيفا، بوزن عمرها، فيكون مأمورة على هذا من هذا، ولا تكون ملحقة بمأبورة. وأما «أمّرنا مترفيها» فقد يكون منقولا من أمر القوم؛ أى: كثروا، كعلم وعلّمته، وسلم وسلّمته. وقد يكون منقولا من أمر الرجل: إذا صار أميرا، وأمر علينا فلان: إذا ولى. وإن شئت كان «أمّرنا» كثّرنا، وإن شئت كان من الأمر والإمارة. فأما «أمرنا» فعلنا، بكسر الميم، فأخبرنا أبو إسحاق وإبراهيم بن أحمد القرميسينىّ عن أبى بكر محمد بن هارون الرويانىّ عن أبى حاتم قال: قال أبو زيد: يقال: أمر الله ماله وآمره. قال أبو حاتم: ورووا عن الحسن أن رجلا من المشركين قال للنبى ﷺ : إنى أرى أمرك هذا حقيرا، فقال ﵇: إنه سيأمر (٤) أى ينتشر، قال: وقال أبو عمرو: معنى أمرنا مترفيها، أى: أمرناهم بالطاعة، فعصوا. وقال زهير: والإثم من شرّ ما يصال به … والبرّ كالغيث نبته أمر وأنشد أبو زيد، رويناه عنه وعن جماعة غيره:

стр. 511

أمّ جوار ضنؤها غير أمر … صهصلق الصوت بعينيها الصّبر (١) وقال لبيد (٢): إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا … يوما يصيروا للهلك والنّفد ومن بعد فالأمر من «أم ر»، وهى محادّة للفظ «ع م ر» ومساوقة لمعناها؛ لأن الكثرة أقرب شئ إلى العمارة. وما أكثر وأظهر هذا المذهب فى هذه اللغة! ومن تنبه عليه حظى بأطرف الطريف، وأظرف الظريف. *** ﴿أُفٍّ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة أبى السّمال: «أفّ» مضمومة غير منونة (٣)، وقرأ: «أف» خفيفة-ابن عباس. قال هارون النحوى (٤): ويقرأ: «أف» (٥)، ولو قرئت «أفّا» لكان جائزا، ولكن ليس فى الكتاب ألف. قال أبو الفتح: فيها ثمانى لغات: أفّ، وأفّ، وأفّ، وأفّا، وأفّ، وأف، وأفى، ممال. وهى التى يقول لها العامة: أفّى، بالياء. وأف خفيفة ساكنة. وأما «أف» خفيفة مفتوحة فقياسها قياس رب خفيفة مفتوحة، وكان قياسها إذا خففت أن يسكن آخرها؛ لأنه لم يلتق فيها ساكنان فتحرك، لكنهم بقّوا الحركة مع التخفيف أمارة ودلالة على أنها قد كانت مثقلة مفتوحة، كما قال: لا أكلمك حيرى دهر، فأسكن الياء فى موضع النصب فى غير ضرورة شعر؛ لأنه أراد التشديد فى حيرى دهر، فكما أنه لو أدغم الياء الأولى فى الثانية لم تكن إلا ساكنة، فكذلك إذا حذف الثانية تخفيفا أقرّ الأولى على سكونها دلالة وتنبيها على إرادة الإدغام الذى لا بدّ معه من سكون الأولى.

стр. 512

هذا هنا كذاك ثمة، وقد مر بنا مما أريد غير ظاهره، فجعل كأنه هو المراد به-كثير نحو من عشرة أشياء، وفى هذا مع ما نحن عليه من الإيجاز وتنكّب الإكثار كاف بإذن الله. *** ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير فى جماعة غيرهما: «جناح الذّلّ» (١). قال أبو الفتح: الذّلّ فى الدابة: ضد الصعوبة، والذّلّ للإنسان، وهو ضد العز. وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة؛ لأن ما يلحق الإنسان أكبر قدرا مما يلحق الدابة، واختاروا الضمة لقوتها للإنسان، والكسرة لضعفها للدابة. ولا تستنكر مثل هذا ولا تنب عنه؛ فإن من عرف أنس، ومن جهل استوحش. وقد مر بنا من هذا ما لا يحصى كثرة. من ذلك قولهم: حلا الشئ فى فمى يحلو، وحلى بعينى، فاختاروا البناء للفعل على فعل فيما كان لحاسّة الذوق؛ لتظهر فيه الواو، وعلى فعل فى حلى يحلى لتظهر الياء والألف، وهما خفيفتان ضعيفتان إلى الواو؛ لأن لو كان حس لكان أشبه حصّة الناظر أضعف من حسّ الذوق بالفم. وقالوا أيضا: جمام المكّوك دقيقا وجمام القدح ماء؛ وذلك لأن الماء لا يصح أن يعلو على رأس القدح كما يعلو الدقيق ونحوه على رأس المكّوك، فجعلوا الضمة لقوتها فيما يكثر حجمه، والكسرة لضعفها فيما يقلّ بل يعدم ارتفاعه. وقالوا: النضح بالحاء غير معجمة للماء السخيف يخف أثره، وقالوا: النضخ بالخاء لما يقوى أثره فيبلّ الثوب ونحوه بللا ظاهرا؛ وذلك لأن الخاء أوفى صوتا من الحاء. ألا ترى إلى غلظ الخاء ورقة الحاء؟ وقد ثبت فى كتاب الخصائص (٢) من هذا الضرب ونحوه وما جرى مجراه وأحاط به شئ كثير. وقد قال شاعرنا (٣):

стр. 513

وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم (٢) ولكن تأخذ الأذهان منه (١) … على قدر القرائح والعلوم (٣) *** ﴿خِطْأً﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة الحسن: «خطاء»، بخلاف (٤). وقرأ: «خطا» غير ممدود، والخاء منصوبة خفيفة-الحسن، بخلاف (٥). وقرأ: «خطا» -بكسر الخاء غير ممدود-أبو رجاء والزهرى (٦). وقرأ: «خطئا» -فى وزن خطعا-ابن عامر، بخلاف (٧). قال أبو الفتح: أما «خطاء» فاسم بمعنى المصدر، والمصدر من أخطأت: إخطاء، والخطاء من أخطأت كالعطاء من أعطيت. ويقال: خطئ يخطأ خطئا وخطأ، هذا فى الدّين، وأخطأت الغرض ونحوه. وقد يتداخلان فيقال: أخطأت فى الدّين، وخطئت فى الرأى ونحوه. قال (٨):

стр. 514

ذرينى إنما خطئى وصوبى … علىّ وإنّ ما أهلكت مال وقال عبيد (١): والناس يلحون الأمير إذا هم … خطئوا الصواب ولا يلام المرشد (٢) وقال فى الدين أمية (٣): عبادك يخطئون وأنت ربّ … بكفّيك المنايا والحتوم وأما «خطا» و «خطا»، فتخفيف خطئا وخطئا على القياس. *** ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٣٣) ومن ذلك قراءة أبى مسلم صاحب الدولة: «فلا يسرف فى القتل» (٤). قال أبو الفتح: رفع هذا على لفظ الخبر بمعنى الأمر، كقولهم: يرحم الله زيدا، فهذا لفظ الخبر، ومعناه الدعاء؛ أى: ليرحمه الله، ومثله قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (٥)؛ أى: ليتربّصن. وإن شئت كان معناه دون الأمر؛ أى ينبغى ألاّ يسرف، وينبغى أن يتربصن. وعليه قوله (٦): على الحكم المأتىّ يوما إذا قضى … قضّيته ألاّ يجور ويقصد (٧)

стр. 515

فرفعه على الاستئناف، ومعناه ينبغى أن يقصد. *** ﴿وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ﴾ (٣٦) ومن ذلك قراءة الجرّاح: «والبصر والفواد»، بفتح الفاء (١). قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم فتح الفاء، ولم يذكر هو ولا ابن مجاهد الهمز ولا تركه. وقد يجوز ترك الهمز مع فتح الفاء، كأنه كان «الفؤاد» بضمها والهمز، ثم خففت فخلصت فى اللفظ واوا، وفتحت الفاء على ما فى ذلك فبقيت واوا. *** ﴿صَرَّفْنا﴾ (٤١) ومن ذلك قراءة الحسن «صرفنا»، بتخفيف الراء (٢). قال أبو الفتح: «صرفنا» هنا بمعنى صرّفنا مشدّدا على ما بيناه قبل من كون فعل خفيفة فى معنى فعّل. ومنه قوله: ونقرتها بيديك كلّ منقّر (٣) … أى نقّرتها. *** ﴿لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا﴾ (٦١) ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «للملائكة اسجدوا» (٤) قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر هذا البتة فيما مضى فى البقرة. ***

стр. 516

﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٦٤) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى عمرو-بخلاف-وعاصم-بخلاف-: «بخيلك ورجلك»، بكسر الجيم. قال أبو الفتح: روينا عن قطرب هذه القراءة عن أبى عبد الرحمن، وقال: الرجل: الرّجال، وعليه قراءة عكرمة وقتادة: «ورجالك» (١). وقالوا: ثلاثة رجلة ورجلة، ومثله الأراجيل والمرجل. وكان يونس يرى أن الرجلة للعبيد أكثر، وقال الشاعر (٢): وأيّة أرض لا أتيت سراتها … وأيّة أرض لم أردها بمرجل (٣) أى برجال. ويقال: رجل جمع راجل كتاجر وتجر، وهذا عند سيبويه اسم للجمع غير مكسّر بمنزلة الجامل والباقر، وهو عند أبى الحسن تكسير راجل وتاجر، وقال زهير (٤): هم ضربوا عن فرجها بكتيبة … كبيضاء حرس فى جوانبها الرّجل (٥) ويكون الرجال جمع راجل كتاجر وتجار، قال الله تعالى: ﴿فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾ (٦). *** &

стр. 517

﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة الحسن: «يوم يدعو كلّ أناس»، بضم الياء، وفتح العين (١). قال أبو الفتح: هذا على لغة من أبدل الألف فى الوصل واوا، نحو أفعو، وحبلو. ذكر ذلك سيبويه، وأكثر هذا القلب إنما هو فى الوقف؛ لأن الوقف من مواضع التغيير، وهو أيضا فى الوصل محكىّ عن حاله فى الوقف. ومنهم من يبدلها ياء، وبهذه اللغة يحتج ليونس فى البيت الذى أنشده صاحب الكتاب شاهدا عليه بأنّ ياء لبّيك ياء التثنية ردّا على يونس فى أنها ألف بمنزلة ألف على ولدى، والبيت قوله: دعوت لما نابنى مسورا … فلبّى فلبّى يدى مسور (٢) قال سيبويه: «فلبّى» بالياء دلالة على أنها ياء التثنية، قال: ولو كانت كألف على ولدى لقال: فلبّى يدى مسور، كقولك: على يدى مسور، فليونس أن يقول: جاء هذا على قولهم فى الوصل: هذه أفعى. وقد ذكرنا هذا فى غير هذا الموضع من كتبنا، فكذلك يكون «يدعو» مرادا به يدعى على أفعو. *** ﴿فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ﴾ (١٠٦) ومن ذلك قراءة علّى وابن عباس وابن مسعود وأبىّ بن كعب رضى الله عنهم والشّعبى والحسن-بخلاف-وأبى رجاء وقتادة وحميد وعمرو بن فائد وعمر بن ذرّ وأبى عمرو، بخلاف: «وقرآنا فرّقناه»، بالتشديد. (٣). قال أبو الفتح: تفسيره: فصّلناه، ونزّلناه شيئا بعد شئ، ودليله تعالى: ﴿عَلى مُكْثٍ﴾. ***

стр. 518

سورة الكهف ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ (٥) قرأ «كبرت كلمة» رفعا (١) يحيى بن يعمر والحسن وابن محيصن وابن أبى إسحاق والثّقفى والأعرج-بخلاف-وعمرو بن عبيد. قال أبو الفتح: أخلص الفعل «لكلمة» هذه الظاهرة، فرفعها، وسمّى قولهم: ﴿اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ -كما سمّوا القصيدة وإن كانت مائة بيت- «كلمة». وهذا كوضعهم الاسم الواحد على جنسه، كقولهم: أهلك الناس الدرهم والدينار، وذهب الناس بالشاة والبعير. ولله فصاحة الحجّاج، وكثرة قوله على منبره: يأيها الرجل، وكلّكم ذلك الرجل! ألا تراه لما أشفق أن يظن به أنه يريد رجلا واحدا بعينه قال: وكلكم ذلك الرجل؟. *** ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «بورقكم»، (٢) مكسورة الواو، مدغمة. قال أبو الفتح: هذا ونحوه عند أصحابنا مخفى غير مدغم، لكنه أخفى كسرة القاف، فظنها القراء مدغمة. ومعاذ الله لو كانت مدغمة لوجب نقل كسرة القاف إلى

стр. 519

الراء، كقولهم: يردّ ويفرّ ويصبّ. ألا ترى أن الأصل يردد ويفرر ويصبب، فلمّا أسكن الأول ليدغمه نقل حركته إلى الساكن قبله؟. وللقراء فى نحو هذا عادة: أن يعبّروا عن المخفّى بالمدغم؛ وذلك للطف ذلك عليهم. منه قولهم فى قول الله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ (١): إنه أدغم نون «نَحْنُ» فى نون «نَزَّلْنَا» حتى كأنهم لم يسمعوا أن هذا ونحوه مما لا يجوز مع الانفصال، وأنه أمر يختص به المتصل. فاستدل صاحب الكتاب على أنه إخفاء بقولهم: اسم موسى وابن نوح، قال: فلو كان إدغام لوجب تحريك سين «اسم» وباء «ابن»، ولو تحركتا لإدغام ما بعدهما لسقطت ألف الوصل من أولهما، وهذا واضح. وإذا جاز مثل هذا على قطرب مع تخصصه حتى جرى فى بعض ألفاظه-فالقراء بذلك أولى، وهم فيه أظهر عذرا. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وإنما هى «بورقكم»، بإخفاء كسرة القاف، كأنه يريد الإدغام تخفيفا ولا يبلغه. وحكى أبو حاتم-فيما روينا عنه-أن ابن محيصن قرأ: «بورقكم» مدغمة (٢)، ولم يحك قراءة أبى رجاء بالإدغام، وهذا لا نظر فى جوازه. *** (تزاور) (١٧) ومن ذلك قراءة الجحدرى: «تزوارّ» (٣). قال أبو الفتح: هذا افعالّ وتزاور تفاعل. وقلما جاءت افعالّ إلا فى الألوان، نحو: اسوادّ وابياضّ واحمارّ واصفارّ، أو العيوب الظاهرة، نحو: احولّ واحوالّ واعورّ واعوارّ واصيدّ واصيادّ. وقد جاءت افعالّ وافعلّ، وهى مقصورة من افعالّ-فى غير الألوان، قالوا: ارعوى وهو افعل، واقتوى أى: خدم، وساس. قال يزيد بن الحكم (٤):

стр. 520

تبدّل خليلا بى كشكلك شكله … فإنى خليلا صالحا بك مقتوى فمقتو مفتعلّ من القتو، وهو الخدمة. قال: إنى امرؤ من بنى خزيمة لا … أحسن قتو الملوك والحفدا (١) وخليلا عندنا منصوب بفعل مضمر يدل عليه «مقتو»؛ وذلك أن افعلّ لا يتعدى إلى المفعول به، فكأنه قال: فإنى أخدم، أو أسوس، أو أتعهد، أو أستبدل بك خليلا صالحا. ودل مقتو على ذلك الفعل. وقالوا: اضرابّ الشئ؛ أى: املسّ، وقالوا: اشعانّ رأسه؛ أى: تفرّق شعره، فى أحرف غير هذه. *** ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة الحسن: «وتقلّبهم»، بفتح التاء والقاف، وضم اللام، وفتح الباء (٢). قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل دل عليه ما قبله من قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ (٤): فهذه أحوال مشاهدة، فكذلك «تقلّبهم»، داخل فى معناه، فكأنه قال: وترى أو تشاهد تقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال. فإن قيل: إن التقلب حركة، والحركة غير مرئية، قيل: هذا غور آخر ليس من القراءة فى شئ إلا أنك تراهم يتقلبون، والمعنى مفهوم. وليس كل أحد يقول: إن الحركة لا ترى ولا غرض فى الإطالة هنا، لكن ما أوردناه قد مضى على الغرض فيه والمراد منه. *** ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢٢) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «ثلاتّ رابعهم كلبهم»، بإدغام ثاء ثلاثة فى التاء التى تبدل فى الوقف هاء من ثلاثة (٥).

стр. 521

قال أبو الفتح: الثاء لقربها من التاء تدغم فيها، كقولك: ابعث تّلك، وأغث تّلك. وجاز الإدغام وإن كان قبل الأول ساكن لأنه ألف، فصارت كشابّة ودابّة، ولم يدغمها فيها إلا ابن محيصن وحده. *** ﴿خَمْسَةٌ﴾ (٢٢) ومن ذلك أنه لم يقرأ أحد «خمسة»، بفتح الميم (١) إلا ابن كثير وحده فى رواية حسن بن محمد عن شبل. قال أبو الفتح: لم يحرّك ميم خمسة إلا عن سماع، وينبغى أن يكون أتبعت عشرة، وليس يحسن أن يقال إنه أتبع الفتح الفتح، كقول رؤبة: مشتبه الأعلام لمّاع الخفق (٢) … وهو يريد «الخفق»؛ لأن هذا أمر يختص به ضرورة الشعر. قال أبو عثمان الأصمعى: سألت أعرابيا-ونحن بالموضع الذى ذكره زهير فى قوله (٣): ثمّ استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم … ماء بشرقىّ سلمى فيد أو ركك (٤) أتعرف رككا هذا؟ فقال: قد كان ها هنا ماء يسمى «ركّا»، فعلمت أن زهيرا احتاج إليه فحرّكه، وقد يجوز أن يكونا لغتين: ركّ وركك، كالقصّ والقصص، والنشز والنّشز. وقد كان يجب على الأصمعى ألا يسرع إلى أنه ضرورة. ***

стр. 522

﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ (٢٨) ومن ذلك قراءة الحسن: «ولا تعد عينيك» (١). قال أبو الفتح: هذا منقول من عدت عيناك، أى: جاوزتا. من قولهم: جاء القوم عدا زيدا؛ أى: جاوز بعضهم زيدا، ثم نقل إلى أعديت عينى عن كذا؛ أى: صرفتها عنه. قال (٢): حتّى لحقنا بهم تعدى فوارسنا … كأنّنا رعن قفّ يرفع الآلا (٣) أى: تعدى فوارسنا خيلهم عن كذا، فحذف المفعول بعد المفعول. وتعديها من عدا الفرس، كقولنا: جرى، وعلى أن أصلهما واحد؛ لأن الفرس إذا عدا فقد جاوز مكانا إلى غيره. *** ﴿أَغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ (٢٨) ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد: «من أغفلنا قلبه» (٤). قال أبو الفتح: يقال: أغفلت الرجل: وجدته غافلا، كقول عمرو بن معديكرب: ولله يا بنى سليم لقد قاتلناكم فما أجبنّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم؛ أى: لم نجدكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين. وكقول الأعشى (٥):

стр. 523

أثوى وقصّر ليلة ليزوّدا … فمضى وأخلف من قتيلة موعدا أى صادفه مخلفا. وقال رؤبة: وأهيج الخلصاء من ذات البرق (١) … أى صادفها هائجة النبت. وقال الآخر: فأتلفنا المنايا وأتلفوا (٢) … أى: صادفناها متلفة. فإن قيل: فكيف يجوز أن يجد الله غافلا؟ قيل: لمّا فعل أفعال من لا يرتقب ولا يخاف صار كأن الله سبحانه غافل عنه، وعلى هذا وقع النفى عن هذا الموضع، فقال: ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)؛ أى: لا تظنوا الله غافلا عنكم. وقال تعالى: ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ (٥)، ونحو هذا فى القرآن كثير، فكأنه قال: ولا تطع من ظنّنا غافلين عنه. وعليه قول الآخر: أخشى عليها طيّئا وأسدا … وخاربين خربا فمعدا لا يحسبان الله إلاّ رقدا (٦) … وهذا هو ما نحن فيه البتة. *** ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «من سندس واستبرق»، بوصل الألف (٧). قال أبو الفتح: هذا عندنا سهو أو كالسهو، وسنذكره فى سورة الرحمن بإذن الله. ***

стр. 524

﴿لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ (٣٨) ومن ذلك قراءة أبى بن كعب والحسن: «لكن أنا هو الله ربّى» (١). وقرأ: «لكن هو الله ربّى» -ساكنة النون من غير ألف- (٢) عيسى الثقفى. قال أبو الفتح: قراءة أبىّ هذه أصل قراءة أبى عمرو وغيره: «لكنّا هو الله ربّى»، فخففت همزة «أنا» بأن حذفت وألقيت حركتها على ما قبلها، فصارت «لكننا»، ثم التقت النونان متحركتين، فأسكنت الأولى، وأدغمت فى الثانية، فصارت «لكنّ» فى الإدراج. فإذا وقفت ألحقت الألف لبيان الحركة، فقلت: «لكنّا»، ف «أنا» على هذا مرفوع بالابتداء وخبره الجملة، وهى مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ «هو»، وهو ضمير الشأن والحديث، والجملة بعده خبر عنه، وهى مركبة من مبتدأ وخبر، فالمبتدأ «الله»، والخبر «ربى»، والجملة خبر عن «هو»، و «هو» وما بعده من الجملة خبر عن «أنا»، والعائد عليه من الجملة بعده الياء فى «ربّى»، كقولك: أنا قائم غلامى. فإن قلت: فما العائد على «هو» من الجملة بعده التى هى خبر عنه؟ فإنه لا عائد على المبتدأ أبدا إذا كان ضمير الشأن والقصة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٣)، ف ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ خبر عن «هو»، وهو ضمير الشأن والحديث، ولا عائد عليه من الجملة بعده التى هى الله أحد، وإنما كان كذلك من قبل أن المبتدأ إنما احتاج إلى العائد من الجملة بعده إذا كانت خبرا عنه؛ لأنها ليست هى المبتدأ، فاحتاجت إلى عود ضمير منها عليه؛ ليلتبس بذلك الضمير بجملته. وأما «هو» من قولنا: هو الله ربى ونحوه، فهو الجملة نفسها، ألا تراه ضمير الشأن، وقولنا: الله ربى شأن وحديث فى المعنى؟ فلما كانت هذه الجملة هى نفس المبتدأ لم يحتج إلى عائد عليه منها، وليس كذلك زيد قام أخوه؛ لأن زيد ليس بقولك: قام أخوه فى المعنى، فلم يكن له بدّ من أن يعود عليه ضمير منه ليلتبس به، فيصير خبرا عنه. ومن قرأ: «لكن هو الله ربّى» ف «هو» ضمير الشأن، والجملة بعده خبر عنه على ما مضى آنفا، وهذا واضح. *** &

стр. 525

﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار: «مجمع البحرين» (١). قال أبو الفتح: المصدر من فعل يفعل والمكان والزمان كلهن على مفعل بالفتح، كقولك: ذهبت مذهبا؛ أى: ذهابا، ومذهبا؛ أى: مكانا يذهب فيه. وهذا مذهبك؛ أى: زمان ذهابك، وكذلك سأل يسأل مسألا، فهو مصدر ومكان وزمان، وبعث يبعث مبعثا هو مصدر ومكان وزمان. ومنه مبعث الجيوش، هو زمان بعثها، إلا أنه قد جاء المفعل بكسر العين موضع المفتوح، منه: المشرق، والمغرب، والمنسك، والمطلع. وبابه فتح عينه؛ لأنه من يفعل، يشرق، ويغرب، وينسك، ويطلع. فعلى نحو من هذا يكون «مجمع البحرين»، وهو مكان-كما ترى-من جمع يجمع، فقياسه مجمع، لولا ما ذكرنا من الحمل على نظيره. ﴿جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٧٧) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ : «جدارا يريد أن ينقض»، برفع الياء وبالضاد. وقرأ: «ينقاص» بالصاد غير معجمة، وبالألف-علىّ بن أبى طالب وعكرمة وأبو شيخ الهنائىّ ويحيى بن يعمر. وفى قراءة عبد الله: «يريد لينقض»، وكذلك روى عن الأعمش. قال أبو الفتح: معناه: قد قارب أن ينقض، أو شارف ذلك. وهو عائد إلى معنى يكاد، وقد جاء ذلك عنهم. أنشد أبو الحسن: كادت وكدت وتلك خير إرادة … لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى (٢) وحسن هنا لفظ الإرادة لأنه أقوى فى وقوع الفعل؛ وذلك لأنها داعية إلى وقوعه، وهى أيضا لا تصح إلا مع الحياة، ولا يصح الفعل إلا لذى الحياة. وليس كذلك كاد؛ لأنه قد يقارب الأمر ما لا حياة فيه، نحو مميل الحائط وإشراق ضوء الفجر، فاعرف ذلك. و «ينقاص» مطاوع قصته فانقاص؛ أى: كسرته فانكسر. قال (٣):

стр. 526

فراقا كقيص السنّ فالصّبر إنه … لكلّ أناس عثرة وجبور (١) يجوز أن يكون جبور جمع جبرة، كبدرة وبدور، ومأنة ومئون. وقد قالوا: قضته فانقاض، أى: هدمته فانهدم، بالضاد معجمة. قال: كأنّها هدم فى الجفر منقاض (٢) … وقيض البيضة: قشرها الذى انفلق عن الفرخ. وقراءة العامة: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أشبه أوّلا منها بآخر؛ لأن الإرادة فى اللفظ له، والانقضاض أيضا كذلك. وأما ينقضّ فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ينفعل من القضّة، وهى الحصا الصغار، وقال أبو زيد: يقال: طعام قضض: إذا كانت فيه القضّة. والآخر: أن يكون يفعلّ من نقضت الشئ، كقراءة النبى ﷺ : «يريد أن ينقض». ويكون يفعلّ هنا من غير الألوان والعيوب كيزورّ ويرعوى، وقد مضى ذلك. وقراءة عبد الله والأعمش: «يريد لينقض» إن شئت قلت: إن اللام زائدة، واحتججت فيه بقراءة النبى ﷺ ، وإن شئت قلت: تقديره إرادته لكذا، كقولك: قيامه لكذا، وجلوسه لكذا، ثم وضع الفعل موضع مصدره، كما أنشد أبو زيد (٣): فقالوا ما تشاء؟ فقلت ألهو … إلى الإصباح آثر ذى أثير (٤) أى: اللهو، فوضع «ألهو» موضع مصدره، وأنشد أيضا: وأهلكنى لكم فى كلّ يوم … تعوّجكم علىّ وأستقيم أى: واستقامتى، واللام هنا اللام فى قوله (٥): أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل تحتمل اللام هنا الوجهين اللذين تقدم ذكرهما.

стр. 527

﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (٨٠) ومن ذلك قراءة أبى سعيد الخدرى: «وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنان» (١). قال أبو الفتح: يجوز فى الرفع هنا تقديران: أحدهما: أن يكون اسم «كان» ضمير الغلام، أى: فكان هو أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر كان. والآخر: أن يكون اسم «كان» مضمرا فيها، وهو ضمير الشأن والحديث، أى: فكان الحديث أو الشأن أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر «لكان» على ما مضى، إلا أنه فى هذا الوجه الثانى لا ضمير عائدا على اسم «كان»؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يحتاج من الجملة التى هى بعده خبر عنه إلى ضمير عائد عليه منها، من حيث كان هو الجملة فى المعنى. وقد مضى ذلك آنفا، ومثله قول النبى ﷺ : «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه». إن شئت كان ضمير المولود فى «كان» اسما لها، وأبواه ابتداء، و «هما» فصل لا موضع لها من الإعراب، و «اللذان» خبر «لكان»، والعائد على اسم كان الضمير فى «أبواه»؛ لأنه أقرب إليه مما بعده. وإن شئت جعلت اسم «كان» على ما كان عليه، وجعلت «أبواه» ابتداء، والجملة بعدهما خبرا عنها، وهى مركبة من مبتدإ وخبر: فالمبتدأ «هما»، وخبرهما اللذان، و «هما» وخبره خبر عن «أبواه»، و «أبواه» وما بعدهما خبر «كان». وإن شئت كان فى «كان» ضمير الشأن والحديث، وما بعده خبر عنه. وإن شئت رفعت «أبواه» لأنهما اسم «كان» وجعلت ما بعدهما الخبر على ما مضى: من كون «هما» فصلا إن شئت، ومبتدأ إن شئت، ويجوز فيه هما اللذين. ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ (٩٦) ومن ذلك قراءة الماجشون: «الصّدفين» (٢)، بفتح الصاد، وضم الدال. قال أبو الفتح: فيها لغات: صدفان، وصدفان، وصدفان، وصدفان. وقد قرئ

стр. 528

بجميعها، إلا أنهما الجبلان المتقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا يقال ذلك لما انفرد بنفسه عن أن يلاقى مثله من الجبال. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة على وابن عباس ﵉ وابن يعمر والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن كثير بخلاف، ونعيم بن ميسرة والضحاك ويعقوب وابن أبى ليلى: «أفحسب الّذين» (١). قال أبو الفتح: أى أفحسب الذين كفروا وحظّهم ومطلوبهم أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء؟ بل يجب أن يعتدّوا أنفسهم مثلهم، فيكونوا كلهم عبيدا وأولياء لى. ونحوه قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢)؛ أى: اتخذتهم عبيدا لك، وهذا أيضا هو المعنى إذا كانت القراءة: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ إلا أن «حسب» ساكنة السين أذهب فى الذم لهم؛ وذلك لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم، وليست القراءة الأخرى كذا. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (١٠٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش-بخلاف-ومجاهد وسليمان التيمى: «ولو جئنا بمثله مدادا» (٣). قال أبو الفتح: «مدادا» منصوب على التمييز؛ أى: بمثله من «المداد»؛ فهو كقولك: لى مثله عبدا؛ أى: من العبيد، وعلى التمرة مثلها زبدا، أى: من الزّبد. وأما «مددا» فمنصوب على الحال، كقولك: جئتك بزيد عونا لك ويدا معك، وإن شئت نصبته على المصدر بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾ كأنه قال: ولو أمددناه «به» إمدادا، ثم وضع «مددا» موضع إمداد، ولهذا نظائر كثيرة. ***

стр. 529

سورة مريم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كهيعص﴾ (١) قرأ أبو جعفر: «كاف ها يا عين صاد» (١). وقرأ: «كاف ها يا عين صاد» (٢)، بفتح «الهاء»، ورفع «الياء» -الحسن. وقرأ: «كاف ها يا عين صاد» بضم الهاء (٣) وفتح الياء-الحسن أيضا. قال أبو الفتح: أما على الجملة فإن الإمالة والتفخيم فى حروف المعجم ضرب من الاتساع؛ وذلك أن الإمالة والتفخيم ضربان. من ضروب التصرف، وهذه الحروف جوامد لا حظّ لها فى التصرف؛ لأنها ك «ما» و «لا» و «هل» و «قد» و «بل» و «إنما». وإنما أتاها ذانك من قبل أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء، كقولنا: الهاء حرف هاو، والواو والياء والألف حروف الإعلال، وفى الصاد والزاى والسين صفير، والميم حرف ثقيل. فلما كانت تفارق كونها هجاء إلى الاسمية دخلها ضرب من القوة، فتصرفت، فحملت الإمالة والتفخيم. فمن فتح ولم يفخم ولم يمل فعلى ظاهر الأمر، ومن أمال أو فخّم اعتمد ما ذكرنا: من جواز كونها أسماء، فمن قال «يا» فأمال-جنح بالإمال إلى الياء، كما جنح بها إليها فى نحو قولك: السّيال والهيام. ومن فخّم تصور أن عين الفعل فى الياء انقلبت عن الواو، كالباب والدار والمال والحال؛ وذلك أن هذه الألفات-وإن كانت مجهولة

стр. 530

أنه لا اشتقاق لها-فإنها تحمل على ما هو فى اللفظ مشابه لها، والألف إذا وقعت عينا فجهلت فالواجب فيها أن تعتقد منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة عند اعتبارنا له؛ ولذلك حمل الخليل ألف آءة على أنها من الواو، فقال: كأنها من أؤت. وبمثل ذلك ينبغى أن يحكم فى راءة وصاءة، حتى كأنها فى الأصل روأة وصوأة. فهذا قول جامع فى هذا الضرب من الألفات، فاغن به عما وراءه. *** ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ (٢) ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: «ذكّر رحمة ربّك» (١). قال أبو الفتح: فاعل ذكّر ضمير ما تقدم؛ أى: هذا المتلوّ من القرآن الذى هذه الحروف أوله وفاتحته يذكّر رحمة ربك، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢). وعلى هذا أيضا يرتفع قوله: «ذكر رحمة ربك» أى هذا القرآن ذكر رحمة ربك. وإن شئت كان تقديره: مما يقصّ عليك، أو يتلى عليك: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾. *** ﴿خِفْتُ الْمَوالِيَ﴾ (٥) ومن ذلك قراءة عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاص وابن يعمر وسعيد بن جبير وعلى بن الحسين ومحمد بن علىّ وشبيل بن عزرة (٣): «خفّت الموالى» (٤)، بفتح الخاء والتاء مكسورة. قال أبو الفتح: أى قلّ بنو عمى وأهلى، ومعنى قوله-والله أعلم- ﴿مِنْ وَرائِي،﴾
следующие страницы →