← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فراقا كقيص السنّ فالصّبر إنه … لكلّ أناس عثرة وجبور (١) يجوز أن يكون جبور جمع جبرة، كبدرة وبدور، ومأنة ومئون. وقد قالوا: قضته فانقاض، أى: هدمته فانهدم، بالضاد معجمة. قال: كأنّها هدم فى الجفر منقاض (٢) … وقيض البيضة: قشرها الذى انفلق عن الفرخ. وقراءة العامة: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أشبه أوّلا منها بآخر؛ لأن الإرادة فى اللفظ له، والانقضاض أيضا كذلك. وأما ينقضّ فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ينفعل من القضّة، وهى الحصا الصغار، وقال أبو زيد: يقال: طعام قضض: إذا كانت فيه القضّة. والآخر: أن يكون يفعلّ من نقضت الشئ، كقراءة النبى ﷺ : «يريد أن ينقض». ويكون يفعلّ هنا من غير الألوان والعيوب كيزورّ ويرعوى، وقد مضى ذلك. وقراءة عبد الله والأعمش: «يريد لينقض» إن شئت قلت: إن اللام زائدة، واحتججت فيه بقراءة النبى ﷺ ، وإن شئت قلت: تقديره إرادته لكذا، كقولك: قيامه لكذا، وجلوسه لكذا، ثم وضع الفعل موضع مصدره، كما أنشد أبو زيد (٣): فقالوا ما تشاء؟ فقلت ألهو … إلى الإصباح آثر ذى أثير (٤) أى: اللهو، فوضع «ألهو» موضع مصدره، وأنشد أيضا: وأهلكنى لكم فى كلّ يوم … تعوّجكم علىّ وأستقيم أى: واستقامتى، واللام هنا اللام فى قوله (٥): أريد لأنسى ذكرها فكأنّما … تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل تحتمل اللام هنا الوجهين اللذين تقدم ذكرهما.

стр. 527

﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ (٨٠) ومن ذلك قراءة أبى سعيد الخدرى: «وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنان» (١). قال أبو الفتح: يجوز فى الرفع هنا تقديران: أحدهما: أن يكون اسم «كان» ضمير الغلام، أى: فكان هو أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر كان. والآخر: أن يكون اسم «كان» مضمرا فيها، وهو ضمير الشأن والحديث، أى: فكان الحديث أو الشأن أبواه مؤمنان، والجملة بعده خبر «لكان» على ما مضى، إلا أنه فى هذا الوجه الثانى لا ضمير عائدا على اسم «كان»؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يحتاج من الجملة التى هى بعده خبر عنه إلى ضمير عائد عليه منها، من حيث كان هو الجملة فى المعنى. وقد مضى ذلك آنفا، ومثله قول النبى ﷺ : «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهوّدانه وينصّرانه». إن شئت كان ضمير المولود فى «كان» اسما لها، وأبواه ابتداء، و «هما» فصل لا موضع لها من الإعراب، و «اللذان» خبر «لكان»، والعائد على اسم كان الضمير فى «أبواه»؛ لأنه أقرب إليه مما بعده. وإن شئت جعلت اسم «كان» على ما كان عليه، وجعلت «أبواه» ابتداء، والجملة بعدهما خبرا عنها، وهى مركبة من مبتدإ وخبر: فالمبتدأ «هما»، وخبرهما اللذان، و «هما» وخبره خبر عن «أبواه»، و «أبواه» وما بعدهما خبر «كان». وإن شئت كان فى «كان» ضمير الشأن والحديث، وما بعده خبر عنه. وإن شئت رفعت «أبواه» لأنهما اسم «كان» وجعلت ما بعدهما الخبر على ما مضى: من كون «هما» فصلا إن شئت، ومبتدأ إن شئت، ويجوز فيه هما اللذين. ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾ (٩٦) ومن ذلك قراءة الماجشون: «الصّدفين» (٢)، بفتح الصاد، وضم الدال. قال أبو الفتح: فيها لغات: صدفان، وصدفان، وصدفان، وصدفان. وقد قرئ

стр. 528

بجميعها، إلا أنهما الجبلان المتقابلان، فكأن أحدهما صادف صاحبه، ولذلك لا يقال ذلك لما انفرد بنفسه عن أن يلاقى مثله من الجبال. ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة على وابن عباس ﵉ وابن يعمر والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن كثير بخلاف، ونعيم بن ميسرة والضحاك ويعقوب وابن أبى ليلى: «أفحسب الّذين» (١). قال أبو الفتح: أى أفحسب الذين كفروا وحظّهم ومطلوبهم أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء؟ بل يجب أن يعتدّوا أنفسهم مثلهم، فيكونوا كلهم عبيدا وأولياء لى. ونحوه قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢)؛ أى: اتخذتهم عبيدا لك، وهذا أيضا هو المعنى إذا كانت القراءة: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا،﴾ إلا أن «حسب» ساكنة السين أذهب فى الذم لهم؛ وذلك لأنه جعله غاية مرادهم ومجموع مطلبهم، وليست القراءة الأخرى كذا. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (١٠٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش-بخلاف-ومجاهد وسليمان التيمى: «ولو جئنا بمثله مدادا» (٣). قال أبو الفتح: «مدادا» منصوب على التمييز؛ أى: بمثله من «المداد»؛ فهو كقولك: لى مثله عبدا؛ أى: من العبيد، وعلى التمرة مثلها زبدا، أى: من الزّبد. وأما «مددا» فمنصوب على الحال، كقولك: جئتك بزيد عونا لك ويدا معك، وإن شئت نصبته على المصدر بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾ كأنه قال: ولو أمددناه «به» إمدادا، ثم وضع «مددا» موضع إمداد، ولهذا نظائر كثيرة. ***

стр. 529

سورة مريم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كهيعص﴾ (١) قرأ أبو جعفر: «كاف ها يا عين صاد» (١). وقرأ: «كاف ها يا عين صاد» (٢)، بفتح «الهاء»، ورفع «الياء» -الحسن. وقرأ: «كاف ها يا عين صاد» بضم الهاء (٣) وفتح الياء-الحسن أيضا. قال أبو الفتح: أما على الجملة فإن الإمالة والتفخيم فى حروف المعجم ضرب من الاتساع؛ وذلك أن الإمالة والتفخيم ضربان. من ضروب التصرف، وهذه الحروف جوامد لا حظّ لها فى التصرف؛ لأنها ك «ما» و «لا» و «هل» و «قد» و «بل» و «إنما». وإنما أتاها ذانك من قبل أنها إذا فارقت موضعها من الهجاء صارت أسماء، كقولنا: الهاء حرف هاو، والواو والياء والألف حروف الإعلال، وفى الصاد والزاى والسين صفير، والميم حرف ثقيل. فلما كانت تفارق كونها هجاء إلى الاسمية دخلها ضرب من القوة، فتصرفت، فحملت الإمالة والتفخيم. فمن فتح ولم يفخم ولم يمل فعلى ظاهر الأمر، ومن أمال أو فخّم اعتمد ما ذكرنا: من جواز كونها أسماء، فمن قال «يا» فأمال-جنح بالإمال إلى الياء، كما جنح بها إليها فى نحو قولك: السّيال والهيام. ومن فخّم تصور أن عين الفعل فى الياء انقلبت عن الواو، كالباب والدار والمال والحال؛ وذلك أن هذه الألفات-وإن كانت مجهولة

стр. 530

أنه لا اشتقاق لها-فإنها تحمل على ما هو فى اللفظ مشابه لها، والألف إذا وقعت عينا فجهلت فالواجب فيها أن تعتقد منقلبة عن الواو. على ذلك وجدنا سرد اللغة عند اعتبارنا له؛ ولذلك حمل الخليل ألف آءة على أنها من الواو، فقال: كأنها من أؤت. وبمثل ذلك ينبغى أن يحكم فى راءة وصاءة، حتى كأنها فى الأصل روأة وصوأة. فهذا قول جامع فى هذا الضرب من الألفات، فاغن به عما وراءه. *** ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ (٢) ومن ذلك قراءة الحسن أيضا: «ذكّر رحمة ربّك» (١). قال أبو الفتح: فاعل ذكّر ضمير ما تقدم؛ أى: هذا المتلوّ من القرآن الذى هذه الحروف أوله وفاتحته يذكّر رحمة ربك، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢). وعلى هذا أيضا يرتفع قوله: «ذكر رحمة ربك» أى هذا القرآن ذكر رحمة ربك. وإن شئت كان تقديره: مما يقصّ عليك، أو يتلى عليك: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾. *** ﴿خِفْتُ الْمَوالِيَ﴾ (٥) ومن ذلك قراءة عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاص وابن يعمر وسعيد بن جبير وعلى بن الحسين ومحمد بن علىّ وشبيل بن عزرة (٣): «خفّت الموالى» (٤)، بفتح الخاء والتاء مكسورة. قال أبو الفتح: أى قلّ بنو عمى وأهلى، ومعنى قوله-والله أعلم- ﴿مِنْ وَرائِي،﴾

стр. 531

أى من أخلّفه بعدى. قوله: ﴿مِنْ وَرائِي﴾ حال متوقعة محكية، أى: خفّوا متوقّعا متصوّرا كونهم بعدى. ومثله مسأله الكتاب: مررت برجل معه صقر صائدا؛ أى: متصوّرا صيده به غدا، ومثله قول الله تعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ (١)؛ أى متصوّرا خلودهم فيها مدة دوام السموات والأرض. فإذ أشفقت من ذلك فارزقنى ولدا يخلفنى. *** ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٦) ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب وابن عباس ﵉، وابن يعمر وأبى حرب بن أبى الأسود والحسن والجحدرى وقتادة وأبى نهيك وجعفر بن محمد: «يرثنى وارث من آل يعقوب» (٢). قال أبو الفتح: هذا ضرب من العربية غريب، ومعناه التجريد؛ وذلك أنك تريد: فهب لى من لدنك وليّا يرثنى منه أو به وارث من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، فكأنه جرّد منه وارثا. ومثله قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ﴾ (٣)، فهى نفسها دار الخلد، فكأنه جرّد من الدار دارا، وعليه قول الأخطل: بنزوة لصّ بعد ما مرّ مصعب … بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل ومصعب نفسه هو الأشعث، فكأنه استخلص منه أشعث. ومثله قول الأعشى (٤): . . . أم من … جاء منها بطائف الأهوال (٥) وهى نفسها طائف الأهوال. وقد أفردنا لهذا الضرب من العربية بابا من كتاب

стр. 532

الخصائص (١) فاعرفه، فإنه موضع غريب لطيف وطريف. وقد ذكرناه أيضا فيما مضى. *** ﴿الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (٨) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «الكبر عتيّا» (٢)، بفتح العين. وكذلك قرأ أيضا: «أولى بها صليّا»، بفتح الصاد. وقال ابن مجاهد: لا أعرف لهما فى العربية أصلا. قال ابن مجاهد: ويقرأ مع ذلك «بكيّا»، بضم الباء. قال أبو الفتح: لا وجه لإنكار ابن مجاهد ذلك لأن له فى العربية أصلا ماضيا، وهو ما جاء من المصادر على فعيل نحو: الحويل، والزويل، والشخير، والنخير. فأما «البكىّ» فجماعة، وهى فعول: كالحثىّ، والدنّى، والفلىّ، جمع فلاة، والحلىّ. *** ﴿فَأَجاءَهَا﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة شبيل بن عزرة: «فأجأها» (٣)، مثل فألجأها. قال أبو الفتح: رواها ابن مجاهد أيضا أنها من المفاجأة، إلا أن ترك همزها إنما هو بدل لا تخفيف قياسىّ. وقد يجوز أن تكون القراءة على التخفيف القياسى، إلا أنه لطفت لضعف الهمزة بعد الألف؛ فظنها القراء ألفا ساكنة مدة، إلا أن قوله: مثل ألجأها يشهد لقراءة الجماعة: ﴿فَأَجاءَهَا﴾. وقد يمكن أن يكون أراد مثل أجاءها إذا أبدلت همزته ألفا فيكون التشبيه لفظيا لا معنويا. *** ﴿نَسْياً﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة محمد بن كعب وبكر بن حبيب السهمى: «نسئا» (٤)، بفتح النون مهموزة. &

стр. 533

قال أبو الفتح: قال أبو زيد: نسأت اللبن أنسؤه نسئا، وذلك أن تأخذ حليبا فتصب عليه ماء، واسمه النّسء والنّسئ، وأنشد: سقونى نسيئا قطّع الماء متنه … يبيل على ظهر الفراش ويعجل فتأويل هذه القراءة-والله أعلم-يا ليتنى متّ قبل هذا، وكنت كهذا اللبن المخلوط. بالماء فى قلته وصغارة حاله، كما أن قوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا،﴾ أى: كنت كالشئ المحتقر ينساه أهله، ونزارة أمره. *** ﴿تُساقِطْ﴾ (٢٥) ومن ذلك قراءة مسروق: «يساقط» (١)، بالياء خفيفة. قال أبو الفتح: يساقط هنا بمعنى يسقط، إلا أنه شيئا بعد شئ، وعليه قول ضابئ البرجمىّ: يساقط عنه روقه ضارياتها … سقاط حديد القين أخول أخولا (٢) أى يسقط قرن هذا الثور ضاريات كلاب الصيد لطعنه إياها، شيئا بعد شئ. *** ﴿رُطَباً جَنِيًّا﴾ (٢٥) ومن ذلك قراءة طلحة (٣): «رطبا جنيّا»، بكسر الجيم (٤). قال أبو الفتح: أتبع فتحة الجيم من «جنيّا» كسرة النون، وشبه النون وإن لم تكن من حروف الحلق بهن فى نحو صأى الفرخ صئيّا، وفى نحو الشّخير، والنخير، والنّغيق والشّعير، والبعير، والرّغيف. وحكى أبو زيد عنهم: ذلك لمن خاف وعيد الله. وله فى تشبيهه النون بالحرف الحلقىّ عذر ما؛ وذلك لتفاوتهما، فالنون متعالية، كما أنهن سوافل: فكلّ فى شقّه مضاه لصاحبه، ألا ترى أن أبا العباس قال فى همزة

стр. 534

صحراء وبطحاء ونحوهما: صحراوان وبطحاوان وصحراوات وبطحاوات؟ شبهت الهمزة بالواو؛ لأن كل واحدة منهما طارفة فى جهتها؛ فجعل تناهيهما فى البعد طريقا إلى تلاقيهما فى الحكم. وبعد فالعرب تجرى الشئ مجرى نقيضه، كما تجريه مجرى نظيره. ألا تراها قالت: طويل كما قالت: قصير، وشبعان كجوعان، وكرم كلؤم، وعلم كجهل؟ ولأجل هذا قال بعضهم: إنّ قوى فعل فى الأصل حملا على نظيره الذى هو ضعف، وفى هذا كاف من غيره. ونحو من معناه قول المنجّمين فى النحسين إذا تقابلا: استحالا سعدا، وعليه قول الناس: عداوة أربعين سنة مودّة. والمعانى فى هذا العالم متلاقية على تفاوتها، ومجتمعة مع ظاهر تفرقها، لكنها محتاجة إلى طبّ بها وملاطف لها. *** ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة طلحة: «فإمّا ترين» (١). وروى عن أبى عمرو: «ترئنّ»، بالهمز (٢). قال أبو الفتح: الهمز هنا ضعيف؛ وذلك لأن الياء مفتوح ما قبلها، والكسرة فيها لالتقاء الساكنين؛ فليست محتسبة أصلا، ولا يكثر مستثقله، وعليه قراءة الجماعة: ﴿تَرَيِنَّ،﴾ بالياء لما ذكرنا. غير أن الكوفيين قد حكوا الهمز فى نحو هذا، وأنشدوا: كمشترئ بالحمد أحمرة بترا (٣) … نعم، وقد حكى الهمز فى الواو التى هى نظيرة الياء فى قول الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ﴾ (٤)، فشبّه الياء لكونها ضميرا وعلم تأنيث بالواو، من حيث كانت ضميرا وعلم تذكير. وهذا تعذّر ما وليس قويا، ولا ترينّ هذه الهمزة هى همزة رأيت، تلك قد

стр. 535

حذفت للتخفيف فى أصل الكلمة «ترأين»، فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على الراء فصارت «ترين»، فالهمزة الأصلية إذا محذوفة، وغير هذه الملفوظ بها. وأما قراءة طلحة: «فإمّا ترين» فشاذة، ولست أقول إنها لحن لثبات علم الرفع، وهو النون فى حال الجزم، لكن تلك لغة: أن تثبت هذه النون فى الجزم، وأنشد أبو الحسن: لولا فوارس من قيس وأسرتهم … يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار (١) كذا أنشده «يوفون» بالنون، وقد يجوز أن يكون على تشبيه «لم» بلا. *** ﴿وَبَرًّا﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة أبى نهيك وأبى مجلز: «وبرّا» (٢)، بكسر الباء. قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع الجار والمجرور من قوله: ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ (٣)، كأنه قال: وألزمنى برّا، وأشعرنى برّا بوالدتى؛ لأنه إذا أوصاه به، فقد ألزمه إياه. وعليه بيت الكتاب: يذهبن فى نجد وغورا غائرا أى: ويسلكن غورا، وبيته أيضا (٤): فإن لم تجد من دون عدنان والدا … ودون معدّ فلتزعك العواذل (٥) عطف «دون» الثانية على موضع «من دون» الأولى، ونظائره كثيرة جدا. وإن شئت

стр. 536

حملته على حذف المضاف؛ أى: وجعلنى ذا برّ، وإن شئت جعلته إياه على المبالغة، كقولها (١): فإنّما هى إقبال وإدبار (٢) … على غير حذف المضاف. *** ﴿وَرِءْياً﴾ (٧٤) ومن ذلك قراءة طلحة: «وريا» (٣)، خفيفة بلا همز. وقرأ «وزيّا»، بالزاى: سعيد بن جبير ويزيد البربرى والأعسم المكى (٤). قال أبو الفتح: النظر من ذلك فى «وريّا»، خفيف بلا همز؛ وذلك أنه فى الأصل فعل إما من رأيت وإما من رويت، فأصله-وهو من الهمز- «ورئيا» كرعيا، على قراءة أبى عمرو وغيره؛ فأريد تخفيف الهمز، فأبدلت الهمزة ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم أدغمت الياء المبدلة من الهمزة فى الياء الثانية التى هى لام الفعل، فصارت «وريا». ويجوز أن يكون من رويت. قال أبو على: وذلك لأن للريّان نضارة وحسنا، فيتفق إذا معناه معنى «وزيّا» بالزاى. وأصله على هذا «روى»، فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فى الياء بعدها، فصارت «وريّا». حدثنا أبو على عن ابن مجاهد أن القراءة فيها على ثلاثة أضرب: «ورئيا»، «وريّا»، «وزيّا» فهذا هذا. فأما «ريا»، مخففة غير مهموزة فتحتمل أمرين:

стр. 537

أحدهما: أن تكون مقلوبة من فعل إلى فلع، فصارت فى التقدير «ريئا»، ثم خفف على هذا، فحذفت الهمزة، فألقيت حركتها على الياء، فصارت «ريا»، كقولك فى تخفيف نئ: أكلت طعاما نيا، وفى تخفيف الجيئة: الجية. فإن خففت البيئة من قولهم: بات بيئة سوء قلت فيها: البوة، وذلك أنها فى الأصل بوءة؛ لأنها فعلة من تبوّأت، فانقلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت بيئة، فإذا ألقيت عليها فتحة الهمزة قويت بها، فرجعت الواو لقوة الحرف بالحركة، فقلبت «بوة» وقد استقصينا هذا الموضع من كتابنا المعرب، فهذا أحد الوجهين فى «ريا» بالتخفيف. والآخر: أن يكون يريد «ريا» من رويت، ثم يخفف الكلمة بحذف إحدى الياءين، كما قال: أتانى القوم لا سيما زيد بتخفيف الياء، وقولهم فى الطّيّة والنّيّة: الطية والنية، بحذف إحدى الياءين. وينبغى أن تكون المحذوفة من ذلك كله هى الياء الثانية؛ لأمرين: أحدهما: أنها المكررة، وبها وقع الاستثقال، وإياها ما حذف. والآخر: أنها لام، وقد كثر حذف اللام حرف علة: كمائة، ورئة، وفئة. وقلّما تحذف العين، فهذا هذا. وأما «الزّى»، بالزاى ففعل من زويت؛ وذلك أنه لا يقال لمن له شئ واحد من آلته: زىّ، حتى تكثر آلته المستحسنة، فهى إذا من زويت؛ أى: جمعت. ومن قول النبى ﷺ : «زويت لى الأرض» (١)؛ أى: جمعت، ومن قول الأعشى (٢): يزيد يغضّ الطّرف دونى كأنّما … زوى بين عينيه علىّ المحاجم (٣) وأصلها زوى، فقلبت الواو على ما مضى، وأدغمت فى الياء. ***

стр. 538

﴿كَلاّ سَيَكْفُرُونَ﴾ (٨٢) ومن ذلك قراءة أبى نهيك: «كلاّ سيكفرون» (١)، بالتنوين. قال أبو الفتح: ينبغى أن تكون «كلاّ» هذه مصدرا، كقولك كلّ السيف كلاّ، فهو إذا منصوب بفعل مضمر، فكأنه لما قال: سبحانه: ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ قال الله سبحانه رادا عليهم: ﴿كَلاّ؛﴾ أى: كلّ هذا الرأى والاعتقاد كلاّ، ورأوا منه رأيا كلاّ، كما يقال: ضعفا لهذا الرأى وفيالة، فتم الكلام، ثم قال تعالى مستأنفا القول: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا،﴾ والوقف إذا على ﴿عِزًّا﴾ ثم استأنف فقال: كلّ رأيهم كلاّ، ووقف، ثم قال من بعد: ﴿سَيَكْفُرُونَ،﴾ فهناك إذا وقفان: أحدهما «عزّا»، والآخر «كلاّ»، من حيث كان منصوبا بفعل مضمر، لا من حيث كان زجرا وردّا وردعا. *** ﴿شَيْئاً إِدًّا﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة السّلمى: شيئا أدّا (٢)، بالفتح. قال أبو الفتح: الأدّ، بالفتح: القوة. قال: نضون عنّى شرّة وأدّا … من بعد ما كنت صملاّ نهدا فهو إذا على حذف المضاف، فكأنه قال: لقد جئتم شيئا ذا أدّ؛ أى: ذا قوة. فهو كقولهم: رجل زور وعدل وضيف، تصفه بالمصدر إن شئت على حذف المضاف، وإن شئت على وجه آخر أصنع من هذا وألطف، وذلك أن تجعله نفسه هو المصدر للمبالغة، كقول الخنساء: ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت … فإنّما هى إقبال وإدبار (٣) إن شئت على ذات إقبال وإدبار، وإن شئت جعلتها نفسها هى الإقبال والإدبار؛

стр. 539

أى: مخلوقة منهما: ويدلك على أن هذا معنى عندهم لا على حذف المضاف؛ بل لأنهم جعلوه الحدث نفسه قولهم، أنشدناه أبو علىّ: ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل … وضنّت علينا والضّنين من البخل (١) أى: هو مخلوق من البخل، ولا تحمله على القلب؛ أى: والبخل من الضنين؛ لصغر معناه إلى المعنى الآخر، ولأنه مع ذلك أيضا نزول عن الظاهر وأنشدنا أيضا: وهنّ من الإخلاف قبلك والمطل (٢) … وأنشدنا أيضا: وهنّ من الإخلاف والولعان (٣) … ويكفى من هذا كله قول الله سبحانه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ؛﴾ أى: من العجلة، لا من الطين كما يقول قوم؛ لقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٤). ***

стр. 540

سورة طه ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طه﴾ (١) قرأ الضحاك وعمرو بن فائد: «طاوى» (١) مبيّض. *** ﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها﴾ [طه:١٥] ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير، ورويت عن الحسن ومجاهد: «أخفيها» (٢)، بفتح الألف. قال أبو الفتح: أخفيت الشئ: كتمته، وأظهرته جميعا. وخفيته بلا ألف: أظهرته البتة. فمن ذلك قراءة من قرأ: «أخفيها». قالوا: معناه أظهرها. قال أبو على: الغرض فيه أزيل عنها خفاءها، وهو ما تلف فيه القربة ونحوها: من كساء، وما يجرى مجراه، قال: وعليه قول الشاعر: لقد علم الأيقاظ أخفية الكرى … تزجّجها من حالك واكتحالها (٣) قال: أراد الأيقاظ عيونا، فجعل العين كالخفاء للنوم؛ لأنها تستره، قال: من ألفاظ السلب: فأخفيته: سلبت عنه خفاءه، وإذا زال عنه ساتره ظهر لا محالة، ومثله من السلب: أشكيت الرجل: إذا أزلت عنه ما يشكوه، وقد سبق نحو هذا وحديث السلب فى اللغة. &

стр. 541

فأما «أخفيها» بفتح الألف فإنه أظهرها. قال امرؤ القيس (١): خفاهنّ من أنفاقهنّ كأنّما … خفاهنّ ودق من عشىّ مجلّب (٢) فهذا إذا أكاد أظهرها. وقيل: أكاد أخفيها من نفسى. وفى هذا ضرب من التصوف وقيل. أكاد أخفيها: أريد أخفيها. وأنشد أبو الحسن شاهدا له: كادت وكدت وتلك خير إرادة … لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى (٣) فكأنه قال: أرادت وأردت: لقوله: وتلك خير إرادة. وقيل: أكاد هنا زائدة، أى: أخفيها وأنشدوا فيه لحسّان (٤): وتكاد تكسل أن تجئ فراشها … فى جسم خرعبة وحسن قوام (٥) فإذا كان «أخفيها» بالفتح أو «أخفيها»» بمعنى أظهرها فاللام فى قوله: «لتجزى» معلّقة بنفس «أخفيها»، ولا يحسن الوقف دونها. وإذا كان من معنى الإخفاء والستر فاللام متعلقة بنفس «آتية»، أى: إن الساعة آتية لتجزى كل نفس بما تسعى، أكاد أخفيها. فالوجه أن تقف بعد «أخفيها» وقفة قصيرة، أما الوقفة فلئلا يظن أن اللام معلقة بنفس «أخفيها»، وهذا ضد المعنى؛ لأنها إذا لم تظهر لم يكن هناك جزاء، إنما الجزاء مع ظهورها. فأما قصر الوقفة فلأن اللام متعلقة بنفس «آتية»، فلا يحسن إتمام الوقف دونها؛ لاتصال العامل بالمعمول فيه. وهذه الوقفة القصيرة ذكرها أبو الحسن، وما أحسنها وألطف الصنعة فيها!. ***

стр. 542

﴿هِيَ عَصايَ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى عمرو-بخلاف عنهما-: «هى عصاى» (١) بكسر الياء، مثل غلامى. وقرأ: «عصاى» (٢) ابن أبى إسحاق أيضا. قال أبو الفتح: كسر الياء فى نحو هذا ضعيف؛ استثقالا للكسرة فيها وهربا إلى الفتحة، «كهداى» (٣)، و «يا بشراى» (٤)، إلا أن للكسرة وجها ما. وذلك أنه قد قرأ حمزة: «ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخىّ» (٥)، فكسر الياء لالتقاء الساكنين مع أن قبلها كسرة وياء، والفتحة والألف فى «عصاى» أخف من الكسرة والياء فى «مصرخىّ». وروينا عن قطرب وجماعة من أصحابنا: قال لها هل لك يا تافيّى أراد «فىّ»، ثم أشبع الكسرة للإطلاق، وأنشأ عنها ياء نحو منزلى وحوملى، وروينا عنه أيضا (٦): علىّ لعمرو نعمة بعد نعمة … لوالده ليست بذات عقارب وروينا عنه أيضا (٧): إنّ بنىّ صبية صيفيّون … أفلح من كان له ربعيّون

стр. 543

وقول ابن مجاهد: مثل غلامى لا وجه له؛ لأن الكسرة فى ياء «عصاى» لالتقاء الساكنين، والكسرة فى ميم «غلامى» هى التى تحدثها ياء المتكلم. أفترى أن فى «عصاى» بعد ياء المتكلم ياء له أخرى حتى يكون للمتكلم ياءان؟ وهذا محال، وإنما غرضه أن الياء فى «عصاى» مكسورة كما أن ميم غلامى مكسورة، وأساء التمثيل على ما ترى. *** ﴿وَأَهُشُّ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة عكرمة، «وأهسّ» (١) بالسين. وقرأ إبراهيم: «وأهشّ»، بكسر الهاء، وبالشين (٢). قال أبو الفتح: أما «أهشّ»، بكسر الهاء، وبالشين معجمة فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أميل بها على غنمى، إما لسوقها، وإما لتكسير الكلأ لها بها، كقراءة من قرأ: «أهشّ» بضم الشين معجمة، يقال: هشّ الخبز يهشّ: إذا كان جافا يتكسر لهشاشته. والآخر: أن يكون أراد أهشّ بضم الهاء، أى أكسر بها الكلأ لها، فجاء به على فعل يفعل وإن كان مضاعفا ومتعديا. فقد مرّ بنا نحو ذلك، منه: هرّ الشئ يهرّه: إذا كرهه، ومنه قول عنترة (٣): حتى تهرّوا العواليا أى: تكرهوها، وهو من قول قيس بن ذريح (٤): نهارى نهار النّاس حتّى إذا بدا … لى اللّيل هرّتنى إليك المضاجع (٥)

стр. 544

أى: كرهتنى، فنبت بى، وهزّتنى بالزاى تصحيف عندهم، ومثله: حب الشئ يحبّه بكسر الحاء ألبتة، ولم يضموها، وغذّ العرق الدم يغذّه ويغذّه، ونمّ الحديث ينمّه وينمّه، وشد الحبل يشدّه ويشدّه، فى أحرف سوى هذه، وكذلك يكون «أهشّ» كقراءة من قرأ: «أهشّ»، بضم الهاء، وبالشين معجمة. وأما «أهسّ» بالسين غير معجمة فمعناه أسوق: رجل هسّاس، أى: سوّاق. فإن قلت: فكيف قال: «أهسّ بها على غنمى؟»، وهلاّ قال: أهسّ بها غنمى، كقولك: أسوق بها غنمى؟. قيل: لمّا دخل السّوق معنى الانتحاء لها والمميل بها عليها استعمل معها «على»، حملا على المعنى، وقد ذكرنا من هذا فيما مضى صدرا صالحا، ومن ذلك قولهم: كفى بالله، أى كفى الله، إلا أنهم زادوا الباء حملا على معناه، إذ كان فى معنى اكتف بالله، ولذلك قالوا: حسبك به لمّا دخله معنى اكتف به، ولذلك أيضا حذفوا خبره فى قولهم: حسبك لمّا دخله معنى اكتف، والفعل لا يخبر عنه، ونظائره كثيرة جدا. *** ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى﴾ (٣٩) ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «ولتصنع على» (١) بجزم اللام والعين. وقرأ: «ولتصنع»، بفتح التاء والعين، وكسر اللام-أبو نهيك. قال أبو الفتح: ليس دخول لام الأمر هنا كدخولها فى قراءة النبى ﷺ وغيره ممن قرأها معه: «فبذلك فلتفرحوا» (٢) بالتاء، وفرق بينهما أن المأمور فى «فلتفرحوا» مخاطب، وعرف ذلك وعادته أن يحذف حرف المضارعة فيه، كقولنا: قم، واقعد، وخذ، وسر، وبع. وأما «ولتصنع» فإن المأمور غائب غير مخاطب، فإنما هو كقولنا: ولتعن بحاجتى، ولتوضع فى تجارتك؛ لأن العانى بها والواضع فيها غيرهما، وهما المخاطبان، فهذا كقولك: ليضرب زيد ولتضرب هند.

стр. 545

وأما قول الرجل لصاحبه: خذ طرفك ولآخذ طرفى، وقولهم: لنمش كلّنا، ولنقم إلى فلان، ونحو ذلك فإنما جاء باللام لأنه لم يكثر أمر الإنسان نفسه، فلما قل استعماله لم يخفف بحذف اللام كما يكثر أمر المأمور الحاضر، فخفف نحو قم، وسر، وبع، وخف، ونم. وأما: «ولتصنع على عينى» ففسّره أحمد بن يحيى، أى: لتكون حركتك وتصرّفك على عين منى، قال: ومعنى «ولتصنع على عينى»، بضم التاء: لتربّ وتغذّى بمرأى منى. *** ﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾ (٤٥) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «أن يفرط» (١) بفتح الراء. قال أبو الفتح: هذا منقول من قراءة من قرأ: «أن يفرط علينا»، أى: يسبق ويسرع، فكأنه أن يفرطه مفرط، أى: يحمله حامل على السرعة علينا وترك التأنى بنا، فكأنه قال: أن يحمل على العجلة فى بابنا. *** ﴿مَكاناً سُوىً﴾ (٥٨) ومن ذلك قراءة الحسن: «مكانا سوى» (٢)، غير منون. قال أبو الفتح: ترك صرف «سوى» ها هنا مشكل؛ وذلك أنه وصف على فعل، وذلك مصروف عندهم: كمال لبد، ورجل حطم، ودليل ختع، وسكع، إلا أنه ينبغى أن يحمل عليه أنه محمول على الوقف عليه، فجاء بترك التنوين. فإن وصل على ذلك فعلى نحو من قولهم: سبسبّا وكلكلاّ، فجرى فى الوصل مجراه فى الوقف. ***

стр. 546

﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ (٥٩) ومن ذلك قراءة الحسن والأعمش والثقفى، ورويت عن أبى عمرو: «يوم الزّينة» (١)، بالنصب. قال أبو الفتح: أما نصب «يوم الزينة» فعلى الظرف، كقولنا: قيامك يوم الجمعة، فالموعد إذا ها هنا مصدر، والظرف بعده خبر عنه. وهو عندى على حذف المضاف، أى: إنجاز موعدنا إياكم فى ذلك اليوم. ألا ترى أنه لا يراد أنه فى ذلك اليوم نعدكم؟ كيف ذا والوعد قد وقع الآن؟ وإنما يتوقع إنجازه فى ذلك اليوم، لكن فى قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ النظر، فظاهر حاله أن يكون مجرور الموضع حتى كأنه قال: موعدكم يوم الزينة وحشر الناس ضحى، أى: يوم هذا وهذا؛ فيكون «أَنْ يُحْشَرَ» معطوفا على الزينة. وقد يجوز أن يكون مرفوع الموضع عطفا على الموعد، فكأنه قال: إنجاز موعدكم وحشر الناس ضحى فى يوم الزينة، أى: هذان الفعلان فى يوم الزينة، فكأنه جعل الموعد عبارة عن جميع ما يتحدد ذلك اليوم: من الثواب، والعقاب، وغيرهما سوى الحشر. ألا تراه عطفه عليه؟ وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد معهم؛ لأن الشئ لا يعطف على نفسه وكذلك قول الله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ (٢) لا يكون «جِبْرِيلَ» و «مِيكالَ» داخلين فى جملة الملائكة؛ لأنهما معطوفان عليهم، فلا بد أن يكونا خارجين منهم، فأما قوله (٣): أكرّ عليهم دعلجا ولبانه … إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما (٤) فيروى «لبانه» رفعا ونصبا، فمن رفعه فلا نظر فيه؛ لأنه مبتدأ وما بعده خبر عنه. وأما النصب فعلى أنه أخرج عن الجملة «لبانه»، ثم عطفه عليه؛ وساغ له ذلك لأنه

стр. 547

مازه من جملته إكبارا له وتفخيما منه، كما ماز «جِبْرِيلَ» و «مِيكالَ» من جملة الملائكة تشريفا لهما، فكذلك قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ ليس فى جملة ما دل عليه الموعد لما قدمناه، كأنه مميّز من الزينة فى اعتقادك إياه مجرورا؛ لأنه معطوف عليها. وأما من رفع فقال: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ فإن الموعد عنده ينبغى أن يكون زمانا، فكأنه قال: وقت وعدى يوم الزينة، كقولنا: مبعث الجيوش شهر كذا؛ أى: وقت بعثها حينئذ، والعطف عليه بقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ يؤكد الرفع؛ لأنّ «أن» لا تكون ظرفا. ألا ترى أن من قال: زيارتك إياى مقدم الحاج، لا يقول: زيارتك إياى أن يقدم الحاج؟ وذلك أن لفظ المصدر الصريح أشبه بالظرف من «أن» وصلتها التى بمعنى المصدر، إذا كان اسما لحدث، والظرف اسم للوقت، والوقت يكاد يكون حدثا. وعلى كل حال فلست تحصل من ظرف الزمان على أكثر من الحدث الذى هو حركات الفلك، فلما تدانيا هذا التدانى ساغ وقوع أحدهما موقع صاحبه. وأما «أن» فحرف موصول، جعل بدل لفظه على أنه فى معنى المصدر. وما أبعد هذا عن الظرفية! وقد استقصينا القول على ذلك فى كتابنا الخصائص وغيره من مصنفاتنا، وينبغى أيضا أن يكون على حذف المضاف، أى: وقت وعدكم يوم الزينة ووقت حشر الناس؛ لأن الحشر فى الحقيقة ليس وقتا، كما أن قولك: ورودك مقدم الحاج، إنما هو على حذف المضاف، أى: وقت مقدم الحاج، وكذلك خفوق النجم وخلافة فلان، فاعرف ذلك. *** ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ (٥٩) ومن ذلك قراءة ابن مسعود والجحدرى وأبى عمران الجونى وأبى نهيك وأبى بكرة وعمرو بن فائد: «وأن يحشر النّاس ضحى» (١). قال أبو الفتح: الفاعل هنا مضمر، أى: وأن يحشر الله الناس، فهذا كقوله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ (٢)، وجميع هذا يراد به العموم، أى: يحشرهم قاطبة وطرا

стр. 548

ولا يكون حالا كقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ﴾ (١) ويدل عليه أيضا قوله: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (٢). *** ﴿يُخَيَّلُ﴾ (٦٦) ومن ذلك قراءة الحسن والثقفى: «تخيّل» (٣)، بالتاء. قال أبو الفتح: هذا يدل على أن قوله تعالى: ﴿أَنَّها تَسْعى﴾ بدل من الضمير فى «تخيّل» وهو عائد على الحبال والعصىّ، كقولك: إخوتك يعجبوننى أحوالهم، فأحوالهم بدل من الضمير العائد عليهم بدل الاشتمال. ومنه قوله تعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ﴾ (٤) فيمن جعل «الْأَبْوابُ» بدلا من الضمير فى «مُفَتَّحَةً»، وهذا أمثل من أن يعتقد خلوّ «تخيّل» من ضمير يكون ما بعده بدلا منه، لكن يؤنث الفعل لتضمن ما بعد أن لفظ التأنيث، كقراءة من قرأ: «لا تنفع نفسا إيمانها» (٥) لأنه أسهل وأسرح من إتعاب الإعراب والتعسف به من باب إلى باب. *** ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ (٩٦) ومن ذلك قراءة ابن مسعود وأبى بن كعب وعبد الله بن الزبير ونصر بن عاصم والحسن وقتادة وابن سيرين، بخلاف، وأبى رجاء، بخلاف: «فقبصت قبصة» (٦)، بالصاد فيهما. &

стр. 549

وقرأ: «قبصة» (١)، بالصاد وضم القاف-الحسن، بخلاف. قال أبو الفتح: القبض بالضاد معجمة باليد كلها، وبالصاد غير معجمة بأطراف الأصابع. وهذا مما قدمت إليك فى نحوه تقارب الألفاظ لتقارب المعانى، وذلك أن الضاد لتفشيها واستطالة مخرجها ما جعلت عبارة عن الأكثر، والصاد لصفائها وانحصار مخرجها وضيق محلها ما جعلت عبارة عن الأقل. ولعلنا لو جمعنا من هذا الضرب ما مرّ بنا منه لكان أكثر من ألف موضع هذا مع أننا لا نتطلبه ولا نتقرى مواضعه، فكيف لو قصدنا وانتحينا وجهه وحراه؟ نسأل الله أن يجعل ما علمنا منه لوجهه مدنيا من رضاه، ومبعدا من غضبه بقدرته وماضى مشيئته. وأما «القبصة» بالضم فالقدر المقبوص، كالحسوة للمحسوّ، والحسوة فعلك أنت، والقبضة والقبصة جميعا على ذلك إنما هما حدثان موضوعان موضع الجثة، كالخلق فى معنى المخلوق، وضرب الأمير، ونسج اليمن، فى معنى مضروبه ومنسوجه. *** ﴿لا مِساسَ﴾ (٩٧) ومن ذلك قراءة أبى حيوة: «لا مساس» (٢). قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لا مِساسَ﴾ فواضحة؛ لأنه المماسّة: ماسسته مساسا كضاربته ضرابا، لكنّ فى قراءة من قرأ: «لا مساس» نظرا؛ وذلك أن «مساس» هذه كنزال ودراك وحذار، وليس هذا الضرب من الكلام-أعنى ما سمّى به الفعل- مما تدخل «لا» النافية للنكرة عليه، نحو لا رجل عندك ولا غلام لك ف «لا» إذا فى قوله: «لا مساس» نفى للفعل، كقولك: لا أمسّك ولا أقرب منك، فكأنه حكاية قول القائل: مساس كدراك ونزال، فقال: لا مساس؛ أى: لا أقول: مساس. وكان أبو على ينعم التأمل لهذا الموضع لما ذكرته لك، وقال الكميت: لا همام لى لا همام (٣) …

стр. 550

أى: لا أقول: همام فكأنه من بعد لا أهم بذلك، ولا بد من الحكاية أن تكون مقدرة. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لا اضرب، فتنفى «بلا» لفظ الأمر؛ لتنافى اجتماع الأمر والنهى. فالحكاية إذا مقدرة معتقدة. فإن قال قائل: فأنت لا تقول: مساس فى معنى امسس، فيا ليت شعرى ما الذى بنيت؟ قيل: ليس هذا أول معتقد معتزم تقديرا، وإن لم يخرج إلى اللفظ استعمالا. ألا ترى إلى ملامح وليال فى قول سيبويه ومذاكير ومشابه: لا آحاد لها مستعملة، وإنما هى مرادة متصوّرة معتقدة، فكأن الواحد ملمحة ومشبه وليلاة ومذكار أو مذكير أو نحو ذلك، فكذلك «لا مساس»، جاء على أنه قد استعمل منه فى الأمر مساس فنفى على تصور الحكاية والقول وإن لم يأت به مسموع، ونظائره كثيرة، وكذلك القول فى «همام» من بيت الكميت. *** ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ (٩٧) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف: «لن نخلفه» (١) بالنون. وقرأ: «لن يخلفه» أبو نهيك (٢). قال أبو الفتح: أما قراءة الجماعة: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فمعناه: لن تصادفه مخلفا، كقول الأعشى: فمضى وأخلف من قتيلة موعدا (٣) … وقد مضى هذا مستقصى. وأما «نخلفه» بالنون فتقديره: لن نخلفك إياه؛ أى: لن ننقض منه ما عقدناه لك. وأما «يخلفه» أى لا يخلف الموعد الذى لك عندنا ما أنت عليه من محنتك فى الدنيا بأن يكون نقيضه ومزيلا لحكمه، بل تكون فى الآخرة كحالك فى الدنيا. كما قال سبحانه: ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً﴾ (٤)، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي﴾

стр. 551

﴿هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (١)، ومنه قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً﴾ (٢)، أى: يحضر أحدهما فيخلف الآخر، بأن ينقض حاله ويستأثر بالأمر دونه. والهاء فى «يخلفه» عائدة على «أن تقول لا مساس»، أو «لا مساس». *** ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ (٩٧) ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس ﵉ وعمرو بن فائد: «لنحرقنّه» (٣)، بفتح النون، وضم الراء. قال أبو الفتح: حرقت الحديد: إذا بردته، فتحّا وتساقط، ومنه قولهم: إنه ليحرق علىّ الأرّم؛ أى: يحك أسنانه بعضها ببعض غيظا علىّ. قال (٤): نيوبهم علينا يحرقونا وقال زهير (٥): أبى الضّيم والنعمان يحرق نابه … عليه فأفضى والسّيوف معاقله وأنشد أبو زيد، ورويناه عنه: نبّئت أحماء سليمى أنّما … باتوا غضابا يحرقون الأرّما إن قلت أسقى عاقلا فأظلما … جونا وأسقى الحرّتين الدّيما (٦) فكأن «لنحرقنّه» على هذا: لنبردنّه ولنحتّنّه حتّا، ثم لننسفنّه فى اليمّ نسفا.

стр. 552

ومن ذلك عندى تسميتهم هذا الزورق حرّاقة، وهو كقولهم لها: سفينة؛ لأنها تسفن وجه الماء، فكذلك تحرقه أيضا. *** ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (٩٨) ومن ذلك قراءة مجاهد وقتادة: «وسّع كلّ شئ علما» (١). قال أبو الفتح: معناه-والله أعلم: -خرّق كلّ مصمت بعلمه؛ لأنه بطن كل مخفى ومستبهم، فصار لعلمه فضاء متّسعا، بعد ما كان متلاقيا مجتمعا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما﴾ (٢)، فهذا العمل، وذلك فى العلم. *** ﴿فِي الصُّورِ﴾ (١٠٢) ومن ذلك قراءة عياض: «فى الصّور» (٣)، بفتح الواو. قال أبو الفتح: هذا جمع صورة، وقد يقال: فيها صير وأصلها صور. فقلبت الواو ياء للكسرة قبلها استحسانا. وقد أفردنا فى الخصائص بابا للاستحسان. قال ذو الرمة: أشبهن من بقر الخلصاء أعينها … وهنّ أحسن من صيرانه صيرا (٤) وصورا. قال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، كصوف جمع صوفة. ويقال: الصّور: القرن، ويقال: فيه ثقب بعدد أنفس البشر، فإذا نفخ فيه قام الناس بالأرماس. *** ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ (١١٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «أو يحدث لهم ذكرا» (٥)، ساكنة الثاء.

стр. 553

قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا مما يسكن استثقالا للضمة، كقول جرير، أنشدناه أبو علىّ: سيروا بنى العمّ فالأهواز منزلكم … ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب (١) أى: ولا تعرفكم، وقد مضى ذكره نحوه. *** ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ﴾ (١١٥) ومن ذلك قراءة الأعمش: «فنسى ولم» (٢)، لا ينصب الياء. قال أبو الفتح: قد قدمنا القول على سكون هذه الياء فى موضع النصب والفتح وأنه عند أبى العباس من أحسن الضرورات، حتى إنه لو جاء به جاء فى النثر لكان قياسا. *** ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى﴾ (١٢٤) ومن ذلك ما يروى عن أبان بن تغلب: «ونحشره يوم القيامة أعمى» (٣)، بالجزم. قال أبو الفتح: هو معطوف على موضع قوله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً،﴾ وموضع ذلك جزم لكونه جواب الشرط الذى هو قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي،﴾ فكأنه قال: ومن أعرض عن ذكرى يعش عيشة ضنكا ونحشره، كما تقول: من يزرنى فله درهم وأزده على ذلك؛ أى: من يزرنى يجب له درهم علىّ وأزده عليه. وعليه قراءة أبى عمرو بن العلاء: «فأصّدّق وأكون من الصّالحين». ***

стр. 554

سورة الأنبياء ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ (٢٤) قراءة يحيى بن يعمر وطلحة بن مصرف: «هذا ذكر من معى وذكر من قبلى» (١)، بالتنوين فى «ذكر»، وكسر الميم من «من». قال أبو الفتح: هذا أحد ما يدل على أن «مع» اسم، وهو دخول «من» عليها. حكى صاحب الكتاب وأبو زيد ذلك عنهم: جئت من معهم، أى: من عندهم، فكأنه قال: هذا ذكر من عندى ومن قبلى، أى: جئت أنا به، كما جاء به الأنبياء من قبلى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢). *** ﴿الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيصن: «الحقّ فهم معرضون» (٣). قال أبو الفتح: الوقف فى هذه القراءة على قوله تعالى: «لا يَعْلَمُونَ»، ثم يستأنف: «الحقّ»، أى هذا الحقّ، أو هو الحق، فيحذف المبتدأ، ثم يوقف على «الحقّ»، ثم يستأنف فيقال: فهم معرضون، أى: فهم معرضون، أى: أكثرهم لا يعلمون. ***

стр. 555

﴿فَذلِكَ نَجْزِيهِ﴾ (٢٩) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: «فذلك نجزيه» (١)، برفع الهاء والنون. قال ابن مجاهد: لا أدرى ما ضمّ النون؟ لا يقال إلا جزيت، كما قال: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ (٢). قال أبو الفتح: هو لعمرى غريب عن الاستعمال، إلا أن له وجها أنا أذكره. وذلك أنه يقال: أجزأنى الشئ: كفانى، وهذا يجزئنى من كذا؛ أى: يكفينى منه، فكأنه فى الأصل نجزئ به جهنم، أى: نكفيها به، ومعناه: نمكنها منه، فتأتى عليه، كأنها تطلب باستيفائها إياه الاكتفاء بذلك، ثم حذف حرف الجر، فصار نجزئه جهنم؛ أى: نطعمه جهنم، كما حذف الحرف فى قوله تعالى: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ (٣)؛ أى: من «قَوْمَهُ»، ثم أبدلت الهمزة من نجزئه ياء على حد أخطيت وقريت، فصارت ياء ساكنة: نجزيه، وأقرت الهاء على ضمتها وهو الأصل، كما قرأ أهل الحجاز: «فخسفنا بهو وبدار هو الأرض» (٤). وزاد فى حسن الضمة هنا أن الأصل الهمز، والهاء مع الهمزة هنا مضمومة، أى: نجزئه، فلما أبدلت الهمزة على غير قياس صارت الهاء كأن لا ياء قبلها؛ لأنه ليس هناك مسّوغ للهمز لولا حمله على قريت وبابه، فبقيت الهاء على ضمتها تنبيها على أن الهمز ياء فى الحكم، وأن ما عرض فيه من البدل لم يكن عن قوىّ عذر، فهذا طريق الصنعة فيه، وهو أمثل من أن يحمل على إعطاء اليد فى بابه بما لا طريق إلى تسهيل طريقه. *** ﴿رَتْقاً﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفى وأبى حيوة: «رتقا» (٥)، بفتح التاء. قال أبو الفتح: قد كثر عنهم مجئ المصدر على فعل ساكن العين. واسم المفعول منه

стр. 556

على فعل مفتوحها، وذلك قولهم: النفض للمصدر والنفض للمنفوض، والخبط المصدر والخبط الشئ المخبوط، والطّرد المصدر والطّرد المطرود. وإن كان قد يستعمل مصدرا، نحو الحلب والحلب. فقراءة الجماعة: ﴿كانَتا رَتْقاً﴾ كأنه مما وضع من المصادر موضع اسم المفعول، كالصّيد فى معنى المصيد، والخلق بمعنى المخلوق. وأما «رتقا»، بفتح التاء فهو المرتوق، أى: كانتا شيئا واحدا مرتوقا، فهو إذا كالنّفض والخبط، بمعنى المنفوض والمخبوط. ونحو من ذلك مجيئهم بالمصدر على فعل مفتوح الفاء، واسم المفعول على فعل بكسرها، نحو رعيت رعيا والرّعى: المرعىّ، وطحنت الشئ طحنا، والطحن: المطحون، ونقضت الشئ نقضا، والنّقض: التعب، فكأنه منقوض، وسوغ الانحراف عن المصدر تارة إلى فعل والأخرى إلى فعل-تعاقب فعل وفعل فى أماكن صالحة على المعنى الواحد، وهو المثل والمثل، والبذل والبدل، والشّبه والشّبه. ومن المعتل القيل والقال، والرّير والرّار، والكيح والكاح، والقير والقار. وقالوا أيضا صغوه معك وصغاه معك، وكذلك عندى ما عدلوا بفعل تارة إلى فعل، وأخرى إلى فعل، وذلك قولهم: بنت على فعل وأخت على فعل. وأصل كل واحد منهما فعل: بنو، وأخو، فلما نالوا إلى التأنيث جاءوا «ببنات» على فعل، و «أخت» على فعل؛ فصارا فى التقدير بنو وأخو، ثم أبدلوا الواو تاء كتجاه وتراث، فصارتا بنتا وأختا. وقد مالوا أيضا ببعضه إلى فعل، فقالوا: هنت، وأصله فعل: هنو، فأصاروه إلى هنو، ثم أبدلوا الواو تاء، فقالوا: هنت. وقابل ذلك أيضا من كلامهم ما كان فيه ثلاث لغات، نحو الشّرب والشّرب والشّرب، والزّعم والزّعم والزّعم. وقالوا شنئته شنئا وشنئا وشنئا. وقال أبو عبيدة: هو قطب الرحى وقطب وقطب، فهذا طريق مقابلة صنعة اللغة، ولفظة واحدة منه فى هذا الحد، وعلى هذا التّنبّه وتدارك الوضع-يقوم مقام كتاب لغة يحفظ، هكذا سردا، ولا تبلّ النفس بنحو ذلك من لطيف الصنعة فيه يدا. *** ﴿أَتَيْنا﴾ (٤٧) ومن ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والعلاء بن سيابة وجعفر بن محمد وابن سريج الأصبهانى (١): «آتينا بها»، بالمد (٢). &

стр. 557

قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «آتينا» هنا فاعلنا لا أفعلنا؛ لأنه لو كانت أفعلنا لما احتيج إلى الباء ولقيل: آتيناها، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (١)، فآتينا إذا من قوله: «آتينا بها» فاعلنا، ومضارعها يواتى كيهاتى فى قول الجماعة إلا أبا علىّ فإنه كان يقول فى هات: غير ما يقول الناس فتصريف هذا الفعل آتينا نواتى مواتاة، وأنا موات، وهو مواتى. ومن قال: ضاربت ضرابا قال: إتاء، ومن قال: ضيرابا قال: إيتاء؛ فإيتاء على فيعال كضيراب، ومن قال (٢): أقاتل حتى لا أرى لى مقاتلا (٣) … قال: مواتى. *** ﴿الْفُرْقانَ وَضِياءً﴾ (٤٨) ومن ذلك قراءة ابن عباس، وعكرمة والضحاك: «الفرقان ضياء» (٤)، بغير واو. قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «ضياء» هنا حالا، كقولك: دفعت إليك زيدا مجمّلا لك ومسدّدا من أمرك، وأصحبتك القرآن دافعا عنك ومؤنسا لك. فأما فى قراءة الجماعة: ﴿وَضِياءً﴾ بالواو، فإنه عطف على الفرقان، فهو مفعول به على ذلك. *** ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً﴾ (٥٨) ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى نهيك وأبى السّمّال: «فجعلهم جذاذا» (٥). قال أبو الفتح: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد، عن أبى بكر محمد بن هارون، عن أبى حاتم قال: فيها لغات: جذاذا، وجذاذا، وجذاذا. قال: وأجودها الضم،

стр. 558

كالحطام والرفات، وكذلك روينا عن قطرب: جذّ الشئ يجذّه جذّا [١٠٢ ظ] وجذاذا وجذاذا وجذاذا. *** ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ (٩٢) ومن ذلك قراءة الحسن وابن أبى إسحاق، والأشهب، ورويت عن أبى عمرو: «أمّتكم أمّة واحدة» (١). قال أبو الفتح: تكون «أمّة واحدة» بدلا من «أمّتكم»، كقولك: زيد أخوك رجل صالح، حتى كأنه قال: أخوك رجل صالح. ولو قرئ «أمتكم» بالنصب بدلا وتوضيحا «لهذه»، ورفع «أمة واحدة» لأنه خبر إن؛ لكان وجها جميلا حسنا. *** ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ﴾ (٩٥) ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة: «وحرم على قرية» (٢). وقرأ: «وحرم» ابن عباس-بخلاف-وأبو العالية وعكرمة (٣). وقرأ: «وحرم على قرية» قتادة ومطر الوراق (٤). وقرأ: «وحرم»، بفتح الحاء، وكسر الراء، والتنوين فى الميم عكرمة، بخلاف. وقرأ: «وحرم» بفتح الحاء، وسكون الراء، والتنوين (٥) ابن عباس، بخلاف.

стр. 559

قال أبو الفتح: أما «حرم» فالماضى من حرم، كقلق من قلق، وبطر من بطر. قالوا: حرم زيد، وهو حرم وحارم: إذا قمر ماله، وأحرمته: قمرته. قال زهير (١): وإن أتاه خليل يوم مسألة … يقول لا غائب مالى ولا حرم وأما «حرم» فأمره فى الاستعمال ظاهر. ومن جهة أحمد بن يحيى: «وحرم على قرية»، أى: واجب وحرام، معناه: حرّم ذلك عليها، فلا تبعث إلى يوم القيامة. وهذا على زيادة «لا»، وحرم الرجل: إذا لجّ فى شئ ومحك وأما «حرم» فمن حرمته الشئ: إذا منعته إياه، فقد عاد إذا إلى معنى: «وحرام على قرية». وأما «حرم»، بفتح الحاء، وتسكين الراء فمخفف من حرم على لغة بنى تميم، فهو كبطر من بطر، وفخذ من فخذ، وكلمة من كلمة. وقال أبو وعلة: لا تأمنن قوما ظلمتهم … وبدأتهم بالشّرّ والحرم فكسر، فهذا يصلح أن يكون من معنى اللجاج والمحك، ويصلح أن يكون من معنى الحرمان، أى: ناصبتهم وحرمتهم إنصافك. *** ﴿حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (٩٦) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «من كلّ جدث ينسلون» (٢). قال أبو الفتح: هو القبر بلغة أهل الحجاز، والجدف بالفاء لبنى تميم. وقالوا: أجدثت له جدثا، ولم يقولوا: أجدفت، فهذا يريك أن الفاء فى «جدف» بدل من الثاء فى جدث. ألا ترى الثاء أذهب فى التصرف من الفاء؟ وقد يجوز أن يكونا أصلين، إلا أن أحدهما أوسع تصرفا من صاحبه، كما قالوا: وكّدت عهده وأكّدته، إلا أن الواو أوسع تصرفا من الهمزة. ألا تراهم قالوا: قد وكد وكده؛ أى: شغل به، ولم يقولوا: أكد أكده؟ فالواو إذا أوسع تصرفا، وعليه قالوا: مودّة وكيدة، ولم يقولوا: أكيدة.

стр. 560

وقالوا: وكّدت السّرج، والوكاد، ولم تستعمل هنا الهمزة، فهذا مذهب مقتاس على ما أريتك هنا. *** ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٩٨) ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «حصب جهنّم»، ساكنة الصاد (١). وقرأ: «حضب»، بالضاد مفتوحة-ابن عباس (٢). وقرأ: «حضب»، ساكنة الضاد (٣) كثيّر عزّة. وقرأ: «حطب جهنّم» (٤) علىّ بن أبى طالب وعائشة ﵉ وابن الزبير وأبىّ ابن كعب وعكرمة. قال أبو الفتح: أما الحضب بالضاد مفتوحة، وكذلك بالصاد غير معجمة فكلاهما الحطب، ففيه ثلاث لغات: حطب، وحضب، وحصب، وإنما يقال: حصب إذا ألقى فى التنوّر والموقد. فأما ما لم يستعمل فلا يقال له: حصب. وقال أحمد بن يحيى: أصل الحصب الرمى، حطبا كان أو غيره، فهذا يؤكد ما ذكرناه من كونه المرمىّ فى النار. قال الأعشى (٥): فلا تك فى حربنا محضبا … لتجعل قومك شتّى شعوبا فأما «الحصب» ساكنا بالصاد والضاد فالطرح، فقراءة من قرأ: «حضب جهنم» و «حصب جهنم» بإسكان الثانى منهما إنما هو على إيقاع المصدر موقع اسم المفعول، كالخلق فى معنى المخلوق والصيد فى معنى المصيد. وقد تقدم ذكر ذلك. ***

стр. 561

﴿السِّجِلِّ﴾ (١٠٤) ومن ذلك قراءة أبى زرعة: «السجلّ» (١) بضم السين والجيم، مشددة. وهذا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وكان قد قرأ على أبى هريرة. وقرأ: «كطىّ السّجل» (٢)، بكسر السين، ساكنة الجيم، خفيفة اللام-الحسن، وأجازه أبو عمرو، وحكاه عن أهل مكة. وقرأ أبو السّمال: «السّجل» (٣)، بفتح السين والجيم ساكنة، واللام خفيفة. قال أبو الفتح: السّجلّ: الكتاب، ويقال: هو كتاب العهدة ونحوها. وقال قوم: هو فارسى معرب، وأنكر ذلك أصحابنا: أبو عبيدة وكافة أصحابنا، وقالوا: بل هو عربى، وهذه اللغات بعد مسموعة فيه. وقال قوم: هو ملك، وقال آخرون: هو كاتب كان للنبى ﷺ ، وذلك مدفوع؛ لأن كتابه معروفون. ويشبه أن يكون هذان القولان إنما قاد إليهما توهم من ظن أن السجلّ هنا فاعل فى المعنى، وإنما هو مفعول فى المعنى. وهو كقولك: كطىّ الكتاب للكتابة، وقوله: «للكتاب» كقولك: للكتابة، أى كطى الكتاب لأن يكتب فيه. *** ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ الأنبياء: (١٠٩) ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ الأنبياء: (١١١) ومن ذلك ما رواه أيوب عن يحيى عن ابن عامر أنه قرأ: «وإن أدرى لعلّه» (٤)، «وإن أدرى أقريب»، بفتح الياء فيهما جميعا. قال أبو الفتح: أنكر ابن مجاهد تحريك هاتين الياءين، وظاهر الأمر لعمرى كذلك؛ لأنها لام الفعل بمنزلة ياء أرمى وأقضى، إلا أن تحريكها بالفتح فى هذين الموضعين لشبهة عرضت هناك، وليس خطأ ساذجا بحتا.

стр. 562

وذلك أنك إذا قلت: أدرى فلك هناك ضمير وإن كان فاعلا، فأشبه آخره، آخر مالك فيه ضمير وإن كان مضافا إليه، كقولك: غلامى ودارى. فلما تشابه الآخران بكونهما ياءين، وهناك أيضا للمتكلم ضميران، وهما المرفوع فى «أدرى» والمجرور فى «دارى» و «غلامى» -أشبه آخر «أدرى» -لما ذكرنا-آخر «دارى» و «صاحبى»، ففتحت الياء فى «أدرى» كما تفتح فى نحو «دارى»، و «غلامى». ولا تستبعد فى الشبه نحو هذا، فقد همزوا مصائب لمّا أشبه حرف اللين فى مصيبة- وإن كانت عينا-حرف اللين فى صحيفة وإن كان زائدا. وقالوا ما هو أعلى من هذا، وهو أنهم تركوا صرف أحمد وأصرم لمّا أشبها بالمثال نحو أركب وأذهب، وقالوا أيضا: مسيل، وهو من سال يسيل وياؤه عين، ثم عاملوها معاملة ياء فعيل الزائدة، فقالوا: أمسلة، كما قالوا: أجربة، قالوا: سالت معنانه، فحذفوا ياء معين، وهو من العيون، وأجروها مجرى ياء قفيز وقفزان الزائدة، هذا هو الظاهر. فأما قولهم: مسيل ومسل، وأمعن بحقه: إذا أجاب إليه وانقاد له-فقد يجوز أن يكون إنما ساغ ذلك لما سمعوهم يقولون: معنان وأمسلة، كما قال أبو بكر-فى قولهم. ضفن الرجل يضفن-: إذا جاء ضيفا مع الضيف-: لما قالوا: ضيفن، فأشبه فيعلا، فصارت النون فى ضيفن كالأصل، إلا أن فيعلا أكثر من فعلن، فاشتق منه على أقوى ما يجب فى مثله، فثبتت النون فى ضفن لا ما وإن كانت فى ضيفن زائدة، فكذلك شبهوا ياء «أدرى» بياء «غلامى» و «دارى» من حيث ذكرنا، فاعرفه كالعذر أو عذرا. *** ﴿قالَ رَبِّ اُحْكُمْ﴾ (١١٢) ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «قل ربّ احكم» (١)، بضم الباء، والألف ساقطة على أنه نداء مفرد. قال أبو الفتح: هذا عند أصحابنا ضعيف، أعنى حذف حرف النداء مع الاسم الذى يجوز أن يكون وصفا لأى، ألا تراك لا تقول: رجل أقبل، لأنه يمكنك أن تجعل الرجل وصفا لأىّ، فتقول: يأيها الرجل؟ ولهذا ضعف عندنا قول من قال فى قوله تعالى:

стр. 563

﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (١): إنه أراد يا هؤلاء، وحذف حرف النداء من حيث كان «هؤلاء» من أسماء الإشارة، وهو جائز أن يكون وصفا فى نحو قوله (٢): ألا أيّها ذا المنزل الدّارس الّذى … كأنّك لم يعهد بك الحىّ عاهد (٣) و «ربّ» مما يجوز أن يكون وصفا لأىّ، ألا تراك تجيز يأيها الربّ؟ قال أصحابنا: فلم يكونوا ليجمعوا عليه حذف موصوفه وهو «أى»، وحذف حرف النداء جميعا. وعلى أن هذا قد جاء فى المثل، وهو قولهم: افتد مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرا. يريد يا مخنوق، ويا ليل، ويا كروان. وعلى أن الأمثال عندنا وإن كانت منثورة، فإنها تجرى فى تحمّل الضرورة لها مجرى المنظوم فى ذلك. قال أبو على: لأن الغرض فى الأمثال إنما هو التسيير، كما أن الشعر كذلك؛ فجرى المثل مجرى الشعر فى تجوّز الضرورة فيه، ومن الشعر قوله: عجبت لعطّار أتانا يسومنا … بدسكرة المرّان دهن البنفسج فقلت له عطّار هلاّ أتيتنا … بنور الخزامى أو بخوصة عرفج أراد يا عطار. وقد ذكرنا هذا فى غير موضع من كتبنا، وإنما قال ابن مجاهد: والألف ساقطة لأجل قراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر والجحدرى والضحاك وابن محيصن: «ربّى أحكم بالحقّ» (٤)، بياء ثابتة، وفتح الألف والكاف، ورفع الميم. ***

стр. 564

سورة الحج ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾ (٢) ومن ذلك قراءة الأعرج والحسن، بخلاف: «وترى النّاس سكرى وما هم بسكرى» (١). وروينا عن أبى زرعة أنه قرأها أيضا: «سكرى» بضم السين والكاف ساكنة، كما رواه ابن مجاهد عن الحسن والأعرج. قال أبو الفتح: يقال رجل سكران وامرأة سكرى، كغضبان وغضبى. وقد قال بعضهم: سكرانة، كما قال بعضهم: غضبانة، والأول أقوى وأفصح. فأما فى الجميع فيقال: سكارى بفتح السين، وسكارى بضمها، وسكرى كصرعى وجرحى؛ وذلك لأن السكر علّة لحقت عقولهم، كما أن الصّرع والجرح علة لحقت أجسامهم. وفعلى فى التكسير مما يختص به المبتلون، كالمرضى، والسّقمى، والموتى، والهلكى. وبكلّ قد قرأ الناس. فأما «سكارى»، بفتح السين فتكسير لا محالة، وكأنه منحرف به عن سكارين، كما قالوا: ندمان وندامى، وكان أصله ندامين، وكما قالوا فى الاسم: حومانة وحوامين، ثم إنهم أبدلوا النون ياء، فصار فى التقدير سكارىّ، كما قالوا: إنسان وأناسىّ، وأصله أناسين، فأبدلوا النون ياء، وأدغموا فيها ياء فعاليل. فلما صار سكارىّ حذفوا إحدى الياءين تخفيفا. فصار سكارى، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء ألفا، فصار سكارى، كما قالوا فى مدار وصحار ومعاى: مدارى وصحارى ومعايا. ويدل على أنه قد كان فى الأصل أن يقال فى تكسير سكران: سكارين بالنون ما أنشده الفراء: إن يهبط الضّبّ أرض النّون ينصره … يهلك ويعل عليه الماء والطّين &

стр. 565

أو يهبط النّون أرض الضّبّ ينصره … يهلك ويأكله قوم غراثين فهذا تكسير غرثان، ومؤنثه غرثى. أخبرنا أبو على عن الفراء بقول الشاعر: ممكورة غرثى الوشاح السّالس … تضحك عن ذى أشر عضارس وأما «سكارى» بالضم فى السين فظاهره أن يكون اسما مفردا غير مكسّر كجمادى وحمادى وسمانى وسلامى. وقد يجوز أن يكون مكسّرا مما جاء على فعال: كالظؤار، والعراق، والرخال، والثناء، والتؤام، والرّباب، إلا أنه أنث بالألف كما أنث بالهاء فى قولهم: النّقاوة. قال أبو علىّ: وهو جمع نقوة، وأنّث كما أنّث فعال فى نحو: حجارة وذكارة وعيارة. وأما «سكرى»، بضم السين فاسم مفرد على فعلى، كالحبلى؛ والبشرى. وبهذا أفتانى أبو على، وقد سألته عن هذا. *** ﴿وَرَبَتْ﴾ (٥) ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «وربأت» بالهمز (١)، ورويت عن أبى عمرو بن العلاء. قال أبو الفتح: المسموع فى هذا المعنى ربت؛ لأنه من ربا يربو: إذا ذهب فى جهاته زائدا، وهذه حال الأرض إذا ربت. وأما الهمز فمن ربأت القوم: إذا أشرفت مكانا عاليا لتنظر لهم وتحفظهم. وهذا إنما فيه الشخوص والانتصاب، وليس له دلالة على الوفور والانبساط، إلا أنه يجوز أن يكون ذهبه إلى علوّ الأرض؛ لما فيه من إفراط الرّبوّ، فإذا وصف علوّها دل على أن الزيادة قد شاعت فى جميع جهاتها؛ فلذلك همز، وأخذه من ربأت القوم؛ أى: كنت لهم طليعة. وهذا مما يذكر أحد أوصافه، فيدل على بقية ذلك وما يصحبه. ألا ترى إلى قوله: كأنّ أيديهنّ بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات (٢) ولم يرد الشاعر أنّ أيدى الإبل ناعمة، وكيف يريد؟، ذلك وإنما المعتاد المألوف فى
следующие страницы →