﴿السِّجِلِّ﴾ (١٠٤)
ومن ذلك قراءة أبى زرعة: «السجلّ» (١) بضم السين والجيم، مشددة. وهذا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وكان قد قرأ على أبى هريرة.
وقرأ: «كطىّ السّجل» (٢)، بكسر السين، ساكنة الجيم، خفيفة اللام-الحسن، وأجازه أبو عمرو، وحكاه عن أهل مكة.
وقرأ أبو السّمال: «السّجل» (٣)، بفتح السين والجيم ساكنة، واللام خفيفة.
قال أبو الفتح: السّجلّ: الكتاب، ويقال: هو كتاب العهدة ونحوها. وقال قوم: هو فارسى معرب، وأنكر ذلك أصحابنا: أبو عبيدة وكافة أصحابنا، وقالوا: بل هو عربى، وهذه اللغات بعد مسموعة فيه. وقال قوم: هو ملك، وقال آخرون: هو كاتب كان للنبى ﷺ ، وذلك مدفوع؛ لأن كتابه معروفون.
ويشبه أن يكون هذان القولان إنما قاد إليهما توهم من ظن أن السجلّ هنا فاعل فى المعنى، وإنما هو مفعول فى المعنى. وهو كقولك: كطىّ الكتاب للكتابة، وقوله: «للكتاب» كقولك: للكتابة، أى كطى الكتاب لأن يكتب فيه.
***
﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ الأنبياء: (١٠٩) ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ الأنبياء: (١١١)
ومن ذلك ما رواه أيوب عن يحيى عن ابن عامر أنه قرأ: «وإن أدرى لعلّه» (٤)، «وإن أدرى أقريب»، بفتح الياء فيهما جميعا.
قال أبو الفتح: أنكر ابن مجاهد تحريك هاتين الياءين، وظاهر الأمر لعمرى كذلك؛ لأنها لام الفعل بمنزلة ياء أرمى وأقضى، إلا أن تحريكها بالفتح فى هذين الموضعين لشبهة عرضت هناك، وليس خطأ ساذجا بحتا.
стр. 562
وذلك أنك إذا قلت: أدرى فلك هناك ضمير وإن كان فاعلا، فأشبه آخره، آخر مالك فيه ضمير وإن كان مضافا إليه، كقولك: غلامى ودارى. فلما تشابه الآخران بكونهما ياءين، وهناك أيضا للمتكلم ضميران، وهما المرفوع فى «أدرى» والمجرور فى «دارى» و «غلامى» -أشبه آخر «أدرى» -لما ذكرنا-آخر «دارى» و «صاحبى»، ففتحت الياء فى «أدرى» كما تفتح فى نحو «دارى»، و «غلامى».
ولا تستبعد فى الشبه نحو هذا، فقد همزوا مصائب لمّا أشبه حرف اللين فى مصيبة- وإن كانت عينا-حرف اللين فى صحيفة وإن كان زائدا. وقالوا ما هو أعلى من هذا، وهو أنهم تركوا صرف أحمد وأصرم لمّا أشبها بالمثال نحو أركب وأذهب، وقالوا أيضا: مسيل، وهو من سال يسيل وياؤه عين، ثم عاملوها معاملة ياء فعيل الزائدة، فقالوا: أمسلة، كما قالوا: أجربة، قالوا: سالت معنانه، فحذفوا ياء معين، وهو من العيون، وأجروها مجرى ياء قفيز وقفزان الزائدة، هذا هو الظاهر. فأما قولهم: مسيل ومسل، وأمعن بحقه: إذا أجاب إليه وانقاد له-فقد يجوز أن يكون إنما ساغ ذلك لما سمعوهم يقولون: معنان وأمسلة، كما قال أبو بكر-فى قولهم. ضفن الرجل يضفن-: إذا جاء ضيفا مع الضيف-: لما قالوا: ضيفن، فأشبه فيعلا، فصارت النون فى ضيفن كالأصل، إلا أن فيعلا أكثر من فعلن، فاشتق منه على أقوى ما يجب فى مثله، فثبتت النون فى ضفن لا ما وإن كانت فى ضيفن زائدة، فكذلك شبهوا ياء «أدرى» بياء «غلامى» و «دارى» من حيث ذكرنا، فاعرفه كالعذر أو عذرا.
***
﴿قالَ رَبِّ اُحْكُمْ﴾ (١١٢)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «قل ربّ احكم» (١)، بضم الباء، والألف ساقطة على أنه نداء مفرد.
قال أبو الفتح: هذا عند أصحابنا ضعيف، أعنى حذف حرف النداء مع الاسم الذى يجوز أن يكون وصفا لأى، ألا تراك لا تقول: رجل أقبل، لأنه يمكنك أن تجعل الرجل وصفا لأىّ، فتقول: يأيها الرجل؟ ولهذا ضعف عندنا قول من قال فى قوله تعالى:
стр. 563
﴿هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ (١): إنه أراد يا هؤلاء، وحذف حرف النداء من حيث كان «هؤلاء» من أسماء الإشارة، وهو جائز أن يكون وصفا فى نحو قوله (٢):
ألا أيّها ذا المنزل الدّارس الّذى … كأنّك لم يعهد بك الحىّ عاهد (٣)
و «ربّ» مما يجوز أن يكون وصفا لأىّ، ألا تراك تجيز يأيها الربّ؟ قال أصحابنا: فلم يكونوا ليجمعوا عليه حذف موصوفه وهو «أى»، وحذف حرف النداء جميعا.
وعلى أن هذا قد جاء فى المثل، وهو قولهم: افتد مخنوق، وأصبح ليل، وأطرق كرا. يريد يا مخنوق، ويا ليل، ويا كروان. وعلى أن الأمثال عندنا وإن كانت منثورة، فإنها تجرى فى تحمّل الضرورة لها مجرى المنظوم فى ذلك.
قال أبو على: لأن الغرض فى الأمثال إنما هو التسيير، كما أن الشعر كذلك؛ فجرى المثل مجرى الشعر فى تجوّز الضرورة فيه، ومن الشعر قوله:
عجبت لعطّار أتانا يسومنا … بدسكرة المرّان دهن البنفسج
فقلت له عطّار هلاّ أتيتنا … بنور الخزامى أو بخوصة عرفج
أراد يا عطار.
وقد ذكرنا هذا فى غير موضع من كتبنا، وإنما قال ابن مجاهد: والألف ساقطة لأجل قراءة ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر والجحدرى والضحاك وابن محيصن: «ربّى أحكم بالحقّ» (٤)، بياء ثابتة، وفتح الألف والكاف، ورفع الميم.
***
стр. 564
سورة الحج
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَتَرَى النّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى﴾ (٢)
ومن ذلك قراءة الأعرج والحسن، بخلاف: «وترى النّاس سكرى وما هم بسكرى» (١). وروينا عن أبى زرعة أنه قرأها أيضا: «سكرى» بضم السين والكاف ساكنة، كما رواه ابن مجاهد عن الحسن والأعرج.
قال أبو الفتح: يقال رجل سكران وامرأة سكرى، كغضبان وغضبى. وقد قال بعضهم: سكرانة، كما قال بعضهم: غضبانة، والأول أقوى وأفصح. فأما فى الجميع فيقال: سكارى بفتح السين، وسكارى بضمها، وسكرى كصرعى وجرحى؛ وذلك لأن السكر علّة لحقت عقولهم، كما أن الصّرع والجرح علة لحقت أجسامهم. وفعلى فى التكسير مما يختص به المبتلون، كالمرضى، والسّقمى، والموتى، والهلكى. وبكلّ قد قرأ الناس. فأما «سكارى»، بفتح السين فتكسير لا محالة، وكأنه منحرف به عن سكارين، كما قالوا: ندمان وندامى، وكان أصله ندامين، وكما قالوا فى الاسم: حومانة وحوامين، ثم إنهم أبدلوا النون ياء، فصار فى التقدير سكارىّ، كما قالوا: إنسان وأناسىّ، وأصله أناسين، فأبدلوا النون ياء، وأدغموا فيها ياء فعاليل. فلما صار سكارىّ حذفوا إحدى الياءين تخفيفا. فصار سكارى، ثم أبدلوا من الكسرة فتحة ومن الياء ألفا، فصار سكارى، كما قالوا فى مدار وصحار ومعاى: مدارى وصحارى ومعايا.
ويدل على أنه قد كان فى الأصل أن يقال فى تكسير سكران: سكارين بالنون ما أنشده الفراء:
إن يهبط الضّبّ أرض النّون ينصره … يهلك ويعل عليه الماء والطّين
&
стр. 565
أو يهبط النّون أرض الضّبّ ينصره … يهلك ويأكله قوم غراثين
فهذا تكسير غرثان، ومؤنثه غرثى. أخبرنا أبو على عن الفراء بقول الشاعر:
ممكورة غرثى الوشاح السّالس … تضحك عن ذى أشر عضارس
وأما «سكارى» بالضم فى السين فظاهره أن يكون اسما مفردا غير مكسّر كجمادى وحمادى وسمانى وسلامى.
وقد يجوز أن يكون مكسّرا مما جاء على فعال: كالظؤار، والعراق، والرخال، والثناء، والتؤام، والرّباب، إلا أنه أنث بالألف كما أنث بالهاء فى قولهم: النّقاوة. قال أبو علىّ: وهو جمع نقوة، وأنّث كما أنّث فعال فى نحو: حجارة وذكارة وعيارة.
وأما «سكرى»، بضم السين فاسم مفرد على فعلى، كالحبلى؛ والبشرى. وبهذا أفتانى أبو على، وقد سألته عن هذا.
***
﴿وَرَبَتْ﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «وربأت» بالهمز (١)، ورويت عن أبى عمرو بن العلاء.
قال أبو الفتح: المسموع فى هذا المعنى ربت؛ لأنه من ربا يربو: إذا ذهب فى جهاته زائدا، وهذه حال الأرض إذا ربت. وأما الهمز فمن ربأت القوم: إذا أشرفت مكانا عاليا لتنظر لهم وتحفظهم. وهذا إنما فيه الشخوص والانتصاب، وليس له دلالة على الوفور والانبساط، إلا أنه يجوز أن يكون ذهبه إلى علوّ الأرض؛ لما فيه من إفراط الرّبوّ، فإذا وصف علوّها دل على أن الزيادة قد شاعت فى جميع جهاتها؛ فلذلك همز، وأخذه من ربأت القوم؛ أى: كنت لهم طليعة. وهذا مما يذكر أحد أوصافه، فيدل على بقية ذلك وما يصحبه. ألا ترى إلى قوله:
كأنّ أيديهنّ بالموماة … أيدى جوار بتن ناعمات (٢)
ولم يرد الشاعر أنّ أيدى الإبل ناعمة، وكيف يريد؟، ذلك وإنما المعتاد المألوف فى
стр. 566
ذلك وصف الأيدى بالشدة والسلاطة ألا ترى إلى قوله (١):
ترمى الأماعيز بمجمرات … بأرجل روح محنّبات (٢)
وقوله:
ترمى الحصا بمناسم … صمّ صلادمة صلاب
والأمر فى ذلك أشهر، وإنما أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، فذكر نعمة اليد؛ لأنها مما يصحبها الخضاب.
وعليه قال الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق … أيدى عذار يتعاطين الورق (٣)
فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهنّ الخضاب، فأراد انخضاب أيدى الإبل بالدم. وهذا ونحوه من لمحات العرب، وإيماءاتها التى تكتفى بأيسرها مما وراءه. ألا ترى إلى قول الهذلى (٤):
أمنك البرق أرقبه فهاجا … فبتّ أظنّه دهما خلاجا؟ (٥)
أى: فإذا اختلجت عنها أولادها حنّت إليها، فشبه حنينهن بصوت الرعد، فقدّم ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه-وهو كثير، فكذلك قراءته: «وربأت»، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط الذى فى قراءة الجماعة: ﴿وَرَبَتْ﴾.
***
стр. 567
﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد بن قيس: «خاسر الدّنيا والآخرة» (١).
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال؛ أى: انقلب على وجهه خاسرا، وقراءة الجماعة: ﴿خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ﴾ تكون هذه الجملة بدلا من قوله: ﴿اِنْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ،﴾ فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة، ومثله من الجمل التى تقع وهى من فعل وفاعل بدلا من جواب الشرط قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ﴾ (٢)؛ وذلك لأن مضاعفة العذاب هى لقىّ الأثام، وعليه قول الآخر (٣):
إن يجبنوا أو يغدروا … أو يبخلوا لا يحفلوا (٤)
يغدوا عليك مرجّلي … ن كأنّهم لم يفعلوا (٥)
فقوله: يغدوا عليك مرجّلين بدل من قوله: لا يحفلوا.
***
﴿وَالدَّوَابُّ﴾ (١٨)
ومن ذلك قراءة الزّهرى: «والدّواب» (٦)، خفيفة الباء. ولا أعلم أحدا خففها سواه.
стр. 568
قال أبو الفتح: لعمرى إن تخفيفها قليل وضعيف قياسا وسماعا.
أما القياس؛ فلأن المدة الزائدة فى الألف عوض من اجتماع الساكنين حتى كأن الألف حرف متحرك، وإذا كان كذلك فكأنه لم يلتق ساكنان. ويدل على أن زيادة المد فى الألف جار مجرى تحريكها أنك لو أظهرت التضعيف فقلت: دوابب لقصرت الألف، وإذا أدغمت أتممت صدى الألف فقلت: دوابّ، فصارت تلك الزيادة فى الصوت عوضا من تحريك الألف.
وأما السماع فإنه لا يعرف فيه التخفيف، لكن له من بعد ذلك ضرب من العذر؛ وذلك أنهم إذا كرهوا تضعيف الحرف فقد يحذفون أحدهما، من ذلك قولهم: ظلت، ومست، وأحست. يريدون: ظللت، ومسست، وأحسست، قال أبو زبيد:
خلا أنّ العتاق من المطايا … أحسن به فهنّ إليه شوس (١)
وقال (٢):
قد كنت عندك حولا لا تروّعنى … فيه روائع من إنس ولا جان
يريد: جانّ، فحذف إحدى النونين. وأنشدنا أبو على:
حتّى إذا ما لم أجد غير الشّر … كنت امرأ من مالك بن جعفر
أراد: غير الشرّ، فحذف الراء الثانية. وإذا كانوا قد حذفوا بعض الكلمة من غير تضعيف فحذف ذلك مع التضعيف أحرى. ألا ترى إلى قول لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان؟ (٣) …
وقال علقمة بن عبدة:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف … مفدّم بسبا الكتّان ملثوم (٤)
أراد بسبائب الكتّان.
وقد ذكرنا نحو ذلك، إلا أن هذا باب إنما يحمله الشعر، غير أن فيه لتخفيف الدواب عذرا ما، هو أولى من أن يتلقى بالردّ وقد وجدت له وجها.
***
стр. 569
﴿يُحَلَّوْنَ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة ابن عباس: «يحلون» (١)، بفتح الياء وتخفيف اللام، من حلى يحلى.
قال أبو الفتح: هذا من قولهم: لم أحل منه بطائل؛ أى: لم أظفر منه بطائل، فجعل ما يحلّون به هناك أمرا ظفروا به، وأوصلوا إليه. والحلية راجعة المعنى إليه؛ وذلك أن النفس تعتدها مظفورا به موصلا إليه. وليست الحلية من لفظ حلى الشئ بعينى؛ لأن الحلية من الحلى، فهى من الياء. وحلى بعينى من الواو لقولهم: حلى بعينى يحلى حلاوة، فهى كشقى يشقى شقاوة، وغبى يغبى غباوة. ولكن قولهم: امرأة حالية؛ أى: ذات حلى من الياء، فحالية إذا من قوله: «يحلون» على هذه القراءة، وهما من الياء، فكأنه أقوى عندى من قولهم: ما حليت منه بطائل؛ لأن ذلك لا يستعمل إلا فى غير الواجب. لا يقولون: حليت منه، ولا حليت بكذا. فأما المثل وهو قولهم: حلأت حالئة عن كوعها فهو مهموز، وأمره ظاهر.
***
﴿وَلُؤْلُؤاً﴾
ومن ذلك قراءة الحسن والجحدرىّ وسلاّم ويعقوب: «ولؤلؤا»، بالنصب.
قال أبو الفتح: هو محمول على فعل يدل عليه قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ؛﴾ أى: ويؤتون لؤلؤا، ويلبسون لؤلؤا.
ومثله قراءة أبىّ: «وحورا عينا» (٢)؛ أى: ويؤتون حورا عينا، ويزوّجون حورا عينا.
ومثله مما نصب على إضمار فعل يدل عليه ما قبله قوله (٣):
جئنى بمثل بنى بدر لقومهم … أو مثل أسرة منظور بن سيّار (٤)
стр. 570
فكأنه قال: أو هات مثل أسرة. وعليه قول الآخر (١):
بينا نحن نرقبه أتانا … معلّق وفضة وزناد راع (٢)
فكأنه قال: وحاملا زناد راع، ومعلقا زناد راع، وهو كثير.
***
﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ﴾ (٢٧)
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيصن: «وأذن فى الناس» بالتخفيف.
قال أبو الفتح: «أذن» معطوف على «بوّأنا»، فكأنه قال: وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت، وأذن. فأما قوله على هذا: ﴿يَأْتُوكَ رِجالاً﴾ فإنه انجزم؛ لأنه جواب قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ،﴾ وهو على قراءة الجماعة جواب قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ﴾.
***
﴿رِجالاً﴾ (٢٧)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى مجلز ومجاهد وعكرمة والحسن وأبى عبد الله جعفر ابن محمد: «رجّالا» (٣).
وقرأ: «رجالا» (٤)، بضم الراء، وتخفيف الجيم منونة-عكرمة وابن أبى إسحاق وأبو مجلز والحسن البصرى والزهرى.
стр. 571
وقرأ: «رجالى» (١)، على فعال مخففة-عكرمة.
قال أبو الفتح: أما «رجّالا» فجمع راجل، ككاتب وكتّاب، وعالم وعلاّم، وعامل وعمّال.
وأما «رجالا»، مضمومة الراء، خفيفة الجيم، منونة، فغريب. وهو مما ذكرناه مما جاء من الجمع على فعال: كظؤار، وعراق، ورخال.
وأما «رجالى» فمثل: حبارى، وسكارى. ويقال: أراجل، وأراجيل، ورجالى، ورجالى، ورجلان. قال كثيّر (٢):
له بجنوب القادسيّة فالشّبا … مواطن لا يمشى بهنّ الأراجل
وقال أبو الأسود:
كأنّ مصامات الأسود ببطنه … مراغ وآثار الملاعيب ملعب
وأنشد الأصمعى:
ومركب يخلطنى بالرّكبان … يقى به الله أذاة الرّجلان
وروينا عن ابن الأعرابى: رجل رجلان، ورجل أى: راجل.
وقراءة الكافة: ﴿رِجالاً﴾ جمع راجل أيضا، كصائم وصيام، وصاحب وصحاب.
***
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ (٣٥)
ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق والحسن، ورويت عن أبى عمرو: «والمقيمى الصلاة»، بالنصب.
قال أبو الفتح: أراد «المقيمين»، فحذف النون تخفيفا، لا لتعاقبها الإضافة، وشبّه ذلك بالّلذين والذين فى قوله:
فإنّ الّذى حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد (٣)
стр. 572
حذف النون من الذين تخفيفا لطول الاسم، فأما الإضافة فساقطة هنا، وعليه قول الأخطل:
أبنى كليب إنّ عمّىّ اللّذا … قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا (١)
حذف نون «اللذان» لما ذكرنا، لكنّ الغريب من ذلك ما حكاه أبو زيد عن أبى السّمال أو غيره أنه قرأ: «غير معجزى الله»، بالنصب. فهذا يكاد يكون لحنا؛ لأنه ليست معه لام التعريف المشابهة للذى ونحوه، غير أنه شبه «معجزى» بالمعجزى، وسوغ له ذلك علمه بأن «معجزى» هذه لا تتعرف بإضافتها إلى اسم الله تعالى، كما لا يتعرف بها ما فيه الألف واللام، وهو «المقيمى الصلاة» فكما جاز النصب فى «المقيمى الصلاة» كذلك شبه به «غير معجزى الله». ونحو «المقيمى الصلاة» بيت الكتاب (٢):
الحافظو عورة العشيرة لا … يأتيهم من ورائهم نطف (٣)
بنصب «العورة» على ما ذكرت لك. وقال آخر:
قتلنا ناجيا بقتيل عمرو … وخير الطّالبى التّرة الغشوم
ومثل قراءة من قرأ: «غير معجزى الله»، بالنصب قول سويد (٤):
ومساميح بما ضنّ به … حابسو الأنفس عن سوء الطّمع (٥)
وقرأ بعض الأعراب: «إنّكم لذائقو العذاب الأليم» (٦)، بالنصب.
&
стр. 573
وأخبرنا أبو علىّ، عن أبى بكر، عن أبى العباس، قال: سمعت عمارة يقرأ: «ولا اللّيل سابق النهار» (١)، فقلت له: ما أردت؟ فقال: أردت سابق النهار، فقلت له: فهلا قلته. فقال: لو قلته لكان أوزن، يريد: أقوى وأقيس. وقد ذكرنا هذا ونحوه فى كتابنا الخصائص وغيره من كتبنا.
***
﴿صَوافَّ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وإبراهيم وأبى جعفر محمد بن على والأعمش، واختلف عنهما، وعطاء بن أبى رباح والضحاك والكلبى: «صوافن» (٢).
وقرأ: «صوافى» (٣) أبو موسى الأشعرى والحسن وشقيق وزيد بن أسلم وسليمان التيمى، ورويت عن الأعرج.
قال أبو الفتح: هى «الصافنات» فى قول الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ (٤)، إلاّ أنها استعملت هنا فى الإبل. والصافن: الرافع إحدى رجليه، واعتماده منها على سنبكها. قال عمرو بن كلثوم (٥):
تركنا الخيل عاكفة عليه … مقلّدة أعنّتها صفونا (٦)
стр. 574
و «صوافى» أى: خوالص لوجهه وطاعته. قال العجّاج (١):
حتّى إذا ما آض ذا أعراف … كالكودن المشدود بالوكاف
قال الّذى عندك لى صوافى
***
﴿الْقانِعَ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «القنع» (٢).
قال أبو الفتح: يريد القانع، وهى قراءة العامة، إلا أنه حذف الألف تخفيفا وهو يريدها. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وأنشدنا فيه قوله:
أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا
إلاّ عرادا عردا … وصلّيانا بردا
وعنكثا ملتبدا (٣) …
يريد عاردا وباردا. ونحوه ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر:
ألا لا بارك الله فى سهيل … إذا ما الله بارك فى الرّجال (٤)
أراد لا بارك الله، فحذف الألف تخفيفا. وعليه قول الآخر:
مثل النّقا لبّده ضرب الطّلل (٥) …
يريد الطّلال، كما قال القحيف العقيلى:
ديار الحىّ تضربها الطّلال … بها أهل من الخافى ومال (٦)
***
стр. 575
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وعمرو بن عبيد: «والمعترى» (١) خفيفة، من اعتريت.
قال أبو الفتح: يقال: عراه يعروه عروا فهو عار، والمفعول معروّ. واعتراه يعتريه اعتراء فهو معتر، والمفعول معترى. وعرّه يعرّه عرا فهو عارّ، والمفعول معرور. واعترّه يعترّه اعترارا فهو معترّ، والمفعول معترّ أيضا. لفظ الفاعل والمفعول به سواء، وكله: أتاه وقصده، والقانع: السائل، المعترّ: المتعرض لك من غير مسألة. قال ابن أحمر (٢):
ثمّ تعرّ الماء فيمن يعر
وقال طرفة (٣):
فى جفان تعترى نادينا … وسديف حين هاج الصّنّبر (٤)
***
﴿وَصَلَواتٌ﴾ (٤٠)
ومن ذلك قراءة الجحدرى بخلاف: «وصلوت» (٥)، بضم الصاد واللام، وإسكان الواو، والتاء.
وروى عنه: «وصلوات» (٦)، بكسر الصاد، وجزم اللام بعد الواو، بالتاء.
стр. 576
وقرأ: «وصلوت» أبو العالية-بخلاف-والحجاج بن يوسف-بخلاف-والكلبى.
وقرأ: «وصلوب» الحجاج، ورويت عن الجحدرى.
وقرأ: «وصلوات» (١) جعفر بن محمد.
وقرأ: «وصلوتا» مجاهد (٢).
وقرأ: «وصلوات» الجحدرى والكلبىّ، بخلاف.
وقرأ: «وصلويتا» عكرمة (٣).
قال أبو الفتح: اعلم أن أقوى القراءات فى هذا الحرف هو ما عليه العامة، وهو: «صلوات» ويلى ذلك «صلوات» و «صلوات» و «صلوات». فأما بقية القراءات فيه فتحريف وتشبث باللغة السريانية واليهودية.
وذلك أن الصلاة عندنا من الواو، يدلك على ذلك ما كان رآه أبو على فيها، وذلك أنها من الصّلوين وهما مكتنفا ذنب الفرس وغيره مما يجرى مجرى ذلك، قال واشتقاقه منه أن تحريك الصلوين أول ما يظهر من أفعال الصلاة. فأما الاستفتاح ونحوه من القراءة والقيام فأمر لا يظهر، ولا يخص ما ظهر منه الصلاة، لكن الركوع أول ما يظهر من أفعال المصلّى. وقولهم أيضا فى الجمع: صلوات، قاطع بكون اللام واوا، وإنما ذكرنا وجه اشتقاقها من الصلوين. فصلوات جمع صلاة، كقنوات من قناة.
وأما «صلوات» و «صلوات» فجمع صلوة، وإن كانت غير مستعملة. ونظيرها حجرة وحجرات وحجرات. وأما «صلوات» فكأنه جمع صلوة كرشوة ورشوات، وهى أيضا مقدّرة وغير مستعملة، كتقدير «صلوة». وقد تكون «صلوات» بفتح اللام أيضا جمع صلاة، كطلاة وطليات. وإنما بدأنا بقولنا إنها جمع صلوة كحجرات جمع حجرة، ولم نقدم ذكر صلاة المتقدرة؛ ليقل تقدير ما لم يخرج إلى الاستعمال.
ومعنى «صلوات» هنا: المساجد، وهى على حذف المضاف؛ أى: مواضع «الصلوات»، ومنه قولهم: صلّى المسجد؛ أى: أهله. وأذّن المسجد؛ أى: مؤذنه. وقال (٤):
стр. 577
نبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت … واستبّ بعدك يا كليب المجلس (١)
قال أبو حاتم: ضاقت صدروهم لما سمعوا هدّمت صلوات، فعدلوا إلى بقية القراءات، وقال الكلبى: «صلوت»: مساجد اليهود، وقال الجحدرى: «صلوت»: مساجد النصارى، وعندنا من خارج باب الموصل بيوت يدفن فيها النصارى تعرف بالباصلوث، بثاء منقوطة بثلاث، وقال قطرب: صلوث بالثاء: بعض بيوت النصارى، قال: والصلوث: الصوامع الصغار لم يسمع لها بواحد، قال: وقال ابن عباس: «صلوات»: كنائس اليهود، وصوامع الرهبان، وبيع النصارى.
وقال أبو حاتم: قال الحسن: تهديمها: تعطيلها، وقول الله سبحانه: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى،﴾ ثم قال: ﴿وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٢)، فهذا يدل على أن المراد: لا تقربوا المسجد، فقال: «الصلاة».
***
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (٤٥)
ومن ذلك قراءة الجحدرىّ: «وبئر معطلة»، ساكنة العين (٣).
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ذلك على عطلت أو أعطلت أو فهى عاطل، وأعطلتها فهى معطلة، فيكون منقولا من ثلاثىّ على فعلت أو فعلت، والفتح أولى بالعين فيه من الكسر؛ لأن عطل يقال للمرأة إذا عطلت من الحلى، كما قال فى ضده: حليت فهى حالية، وقالوا: امرأة عاطل بلا هاء، كأخواتها من طاهر وطامث.
***
﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ﴾ (٦٧)
ومن ذلك قراءة لاحق بن حميد: «فلا ينزعنّك» (٤).
قال أبو الفتح: ظاهر هذا فلا يستخفنّك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة
стр. 578
المنزوع عن شئ إلى غيره. ومنه قول الله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١)، ونحوه قول يونس فى قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ (٢)، ألا تراه كيف ذهب إلى تعليق ينزع فى هذا الموضع؟ ولو كان بمنزلة نزع الرّجل الرّجل من الخف أو المسمار من الجذع ونحوه لما جاز تعليقه.
قال أبو علىّ: فإنما هو إذا كقولك: لنميّزنّهم بالاعتقاد والعلم فنخصّهم باستحقاق الذم بما يجب اعتقاده فى مثلهم. هذا محصول ما كان يقوله أبو على فيه وإن لم يحضرنى الآن صورة لفظه. فكذلك إذا قوله: «لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ» أى: فاثبت على دينك ولا يمل بك هواك إلى اعتقاد دين غيرك.
وأما قراءة العامة: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أى: فاثبت على يقينك فى صحة دينك ولا تلتفت إلى فساد أقوالهم، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك ولم ينازعوك، فلفظ النهى لهم ومعناه له ﷺ . ومثله قولهم: لا أرينك هاهنا، ألا ترى أن معناه: لا تكن هنا فأراك؟ فالنهى فى اللفظ لنفسه، ومحصول معناه للمخاطب. ومثله قول النابغة (٣):
لا أعرفا ربربا حورا مدامعها … كأنّ أبكارها نعاج دوّار (٤)
أى لا تدن منى كذلك فأعرفها، وكلام العرب كثير الانحرافات ولطيف المقاصد والجهات، وأعذب ما فيه تلفته وتثنيه.
***
стр. 579
سورة المؤمنون
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ﴾ (١٤)
قرأ: «عظما»، واحدا ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظامَ﴾ (١) جماعة-السّلمىّ وقتادة والأعرج والأعمش، واختلف عنهم.
وقرأ: «عظاما» جماعة «فكسونا العظم» (٢) واحدا-مجاهد.
قال أبو الفتح: أما من وحّد فإنه ذهب إلى لفظ إفراد الإنسان والنّطفة والعلقة، ومن جمع فإنه أراد أن هذا أمر عام فى جميع الناس. وقد شاع عنهم وقوع المفرد فى موضع الجماعة، نحو قول الشاعر:
كلوا فى بعض بطنكم تعفّوا … فإنّ زمانكم زمن خميص (٣)
وقول طفيل:
فى حلقكم عظم وقد شجينا (٤) …
وهو كثير وقد ذكرناه، إلاّ أن من قدّم الإفراد ثم عقب بالجمع أشبه لفظا؛ لأنه جاور بالواحد لفظ الواحد الذى هو «إنسان» و «سلالة» و «نطفة» و «علقة» «ومضغة»، ثم عقب بالجماعة؛ لأنها هى الغرض. ومن قدّم الجماعة بادر إليها إذ كانت هى المقصود،
стр. 580
ثم عاد فعامل اللفظ المفرد بمثله، والأول أجرى على قوانينهم. ألا تراك تقول: من قام وقعدوا إخوتك؟، فيحسن لانصرافه عن اللفظ إلى المعنى، وإذا قلت: من قاموا وقعد إخوتك ضعف لأنك قد انتحيت بالجمع على المعنى وانصرفت عن اللفظ فمعاودة اللفظ بعد الانصراف عنه تراجع وانتكاث، فاعرفه وابن عليه فإنه كثير جدا.
***
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة الزهرى والحسن والأعرج: «تنبت» (١)، برفع التاء، ونصب الباء.
وفى قراءة عبد الله: «تخرج بالدّهن» (٢).
قال أبو الفتح: الباء هنا فى معنى الحال؛ أى: تنبت وفيها دهنها، فهو كقولك: خرج بثيابه، أى: وثيابه عليه، وسار الأمير فى غلمانه، أى: وغلمانه معه، وكأنه قال: خرج لابسا ثيابه، وسار مستصحبا غلمانه، وكذلك قول الهذلىّ (٣):
يعثرن فى حدّ الظّبات كأنّما … كسيت برود بنى تزيد الأذرع (٤)
أى: يعثرن كابيات فى حد الظبات، أو مجروحات فى حد الظبات. ومثله ما أنشده الأصمعى من قوله (٥):
ومستنّة كاستنان الخرو … ف قد قطع الحبل بالمرود
أى: قطع الحبل ومروده فيه؛ أى: متصلا به مروده، فكذلك قوله: «تنبت بالدّهن»،
&
стр. 581
أى: تنبت ودهنها فيها، وكذلك من قرأ: «تنبت»، أى: تنبت على هذه الحال، وكذلك أيضا من قرأ: «تنبت بالدهن» (١) قد حذف مفعولها، أى: تنبت ما تنبته ودهنها فيها. وذهبوا فى قول زهير (٢):
. . . حتّى إذا أنبت البقل (٣) …
إلى أنه فى معنى نبت وأنها لغة: فعلت وأفعلت. وقد يجوز أن يكون على هذا؛ أى: محذوف المفعول، أى: حتى إذا أنبت البقل ثمره. ونحن نعلم أيضا أن الدهن لا ينبت الشجرة، وإنما ينبتها الماء. ويؤكد ذلك أيضا قراءة عبد الله: «تخرج بالدّهن»، أى: تخرج من الأرض ودهنها فيها.
فأما من ذهب إلى زيادة الباء، أى: تنبت الدهن، فمضعوف المذهب، وزائد حرفا لا حاجة به إلى اعتقاد زيادته مع ما ذكرناه من صحة القول عليه، وكذلك قول عنترة (٤):
شربت بماء الدّحرضين. . . . (٥) …
стр. 582
ليس عندنا على زيادة الباء، وإنما هو على شربت فى هذا الموضع ماء، فحذف المفعول. وما أكثر وأعذب وأعرب حذف المفعول وأدلّه على قوة الناطق به!.
***
﴿لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ (٢١)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «لعبرة تسقيكم» (١).
قال أبو الفتح: ليس قوله: «تسقيكم» صفة لعبرة كقولك: لعبرة ساقية. ألا ترى أنه ليست العبرة الساقية؟، وإنما هناك حضّ وبعث على الاعتبار بسقياها لنا أو بسقيا الله سبحانه إيانا منها فالوقف إذا على قوله: «لعبرة»، ثم استأنف تعالى تفسير العبرة، فقال: «تسقيكم» هى، أو «نسقيكم» نحن «مما ففى بطونها». وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أحد ما يدل على قوة شبه الظرف بالفعل. ألا تراه معطوفا على قوله: «نسقيكم»؟، والعطف نظير التثنية، والتثنية تقتضى تساوى حال الاسمين وتشابهما. ومثله فى ذلك قول الآخر أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب (٢):
زمان علىّ غراب غداف … فطيّره الشّيب عنّى فطارا (٣)
فعطف «طيّره» على «علىّ» وهو ظرف.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ (٤)، فوجود معنى الشرط فى الظرف أقوى دليل على قوة شبهه بالفعل؛ لأن الشرط لا يصح إلاّ به. وسوّغ ذلك أيضا أنّ قوله: «تسقيكم مما فى بطونها» فى معنى قوله: لكم فى بطونها سقيا، ولكم فيها منافع.
***
стр. 583
﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر والثقفى: «هيهات هيهات» (١)، بكسر التاء غير منونة.
وقرأ: «هيهات هيهات» عيسى بن عمر (٢).
وقرأ: «هيهات هيهات» رفع منون-أبو حيوة (٣).
وقرأ: «هيهات هيهات» مرسلة التاء (٤) عيسى الهمدانى، ورويت عن أبى عمرو.
قال أبو الفتح: أما الفتح-وهى قراءة العامة-فعلى أنه واحد، وهو اسم سمى به الفعل فى الخبر، وهو اسم «بعد»، كما أن شتّان اسم «افترق»، وأوّتاه اسم «أتألّم»، وأفّ اسم «أتضجّر» وقد ذكرنا فى «أفّ» طرفا صالحا من هذا الحديث.
ومن كسر فقال: «هيهات» منونا أو غير منون فهو جمع هيهات وأصله هيهيات: إلا أنه حذف الألف؛ لأنها فى آخر اسم غير متمكن، كما حذفت ياء الذى فى التثنية إذا قلت: اللذان، وألف ذا، إذا قلت: ذان.
ومن نوّن ذهب إلى التنكير، أى: بعدا بعدا.
ومن لم ينوّن ذهب إلى التعريف، أراد: البعد البعد.
ومن فتح وقف بالهاء؛ لأنها كهاء أرطاة وسعلاة.
ومن كسر كتبها بالتاء؛ لأنها جماعة، والكسرة فى الجماعة بمنزلة الفتحة فى الواحد، كما أن سقوط النون من ضربا بمنزلة الفتحة فى ضرب طردا على سقوط النون فى لن يضربا بمنزلة الفتحة فى أن يضرب. فلفظ البناء فى هذا كلفظ الإعراب.
ومن قال: «هيهاة هيهاة» فإنه يكتبها بالهاء؛ لأن أكثر القراءة «هيهاة» بالفتح، والفتح
стр. 584
يدل على الإفراد، والإفراد بالهاء كهاء أرطاة وعلقاة، غير أن من رفع فقال:
«هيهاة» فإنه يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون أخلصها اسما معربا فيه معنى البعد، ولم يجعله اسما للفعل فيبنيه كما بنى الناس غيره، وقوله: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ خبر عنه، كأنه قال: البعد لوعدكم، كما يقول القائل: الخلف لموعدك، والضلال لإرشادك، والخيبة لانتجاعك.
والآخر أن تكون مبنية على الضم، كما بنيت نحن عليه، وكما بنيت حوب عليه فى الزجر، ثم اعتقد فيه التنكير فلحقه التنوين على ما مضى. ونحو من ذلك ما حكى عن بعضهم من ضمة نون التثنية فى الزيدان والعمران.
وأما «هيهات هيهات»، ساكنة بالتاء فينبغى أن يكون جماعة، وتكتب بالتاء؛ وذلك أنها لو كانت هاء كهاء علقاة وسماناة للزم فى الوقف عليها أن يلفظ بالهاء كما يوقف مع الفتح فيقال: هيهاه هيهاه، فبقاء التاء فى الوقف مع السكون دليل على أنها تاء، وإذا كانت تاء فهى للجماعة، وهو أمثل من أن يعتقد فيها أنها أجريت فى الوقف مجراها فى الوصل من كونها تاء كقولنا: ﵇ والرّحمت، وقوله:
بل جوزتيهاء كظهر الحجفت (١) …
لقلة هذا وكثرة الأول، وكذلك يقف الكسائىّ عليها، وهو عندى حسن لما ذكرته.
وعذر من وقف بالتاء كونها فى أكثر الأمر مصاحبة للأخرى من بعدها؛ ولأنها أيضا تشبه الفعل، والفعل أبدا متطاول إلى الفاعل، وهذا طريق الوصل؛ ولأن الضمير فيها لم يؤكد قط، فأشبهت الفعل الذى لا ضمير فيه، فكان ذلك أدعى فى اللفظ إلى إدراجها بالتوقع له.
والذى حسن الوقوف عليها حتى نطق بالهاء فيها ما أذكره لك، وهو أن هيهاه جارية مجرى الفعل فى اقتضائها الفاعل، فإذا قال: هيهات فكأنه قال: بعد بعثكم، بعد إنشاؤكم، بعد إخراجكم. فإذا وقف عليه أعلم أن فيه فاعلا مضمرا وأن الكلمة قد استقلت بالضمير الذى فيها، وإذا وصلها بالأخرى أوهم حاجة الأولى إلى الآخرة فآذن بالوقوف عليها باستقلالها وغنائها عن الأخرى من بعدها، فافهم ذلك. ولا يجوز أن يكون قوله: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾ هو الفاعل؛ لأن حرف الجر لا يكون فاعلا، ولا يحسن اعتقاد زيادة اللام هنا حتى كأنه قال: بعد ما توعدون؛ لأنه لم تؤلف زيادة اللام فى
стр. 585
نحو هذا، وإنما زيدت فى الموضع الذى الغرض بزيادتها فيه تمكين معنى الإضافة، كقوله:
يا بؤس للحرب الّتى … وضعت أراهط فاستراحوا (١)
وكقوله:
يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام (٢) …
وإذا لم يكن لها بدّ من الفاعل ولم يكن الظاهر بعدها فاعلا لها ففيها ضمير فاعل لا محالة، وهو ما قدّمنا ذكره. ومما نوّن وهو مبنى على الضم قوله (٣):
سلام الله يا مطر عليها … وليس عليك يا مطر السّلام (٤)
ومنه قولهم فى الضجر: أفّ، فيمن ضم ونونّ، ويؤنسك باستعمالهم من هذا اللفظ اسما معربا قول رؤبة (٥):
هيهات من منخرق هيهاؤه (٦) …
فكأنه قال: بعد بعده، وهو كقولهم: جنّ جنونه، وضلّ ضلاله، وقولهم: موت مائت، وشعر شاعر على طريقة المبالغة. وهيهاؤه إذا فعلاله، كزلزاله وقلقاله، والهمزة فيه منقلبة عن ياء؛ لأنه من باب حاحيت وعاعيت. وقريب من لفظه ومعناه ما أنشدناه أبو على من قول بعضهم:
فأرفع الجفنة بالهيه الرّثع (٧) …
فالهيه: المرقّع من الناس المرذول الذى يقال له فى إبعاده: هيه، فسمى بالصوت الذى يقال، كما قال الآخر (٨):
стр. 586
إذا حملت بزّتى على عدس … فما أبالى من مضى ومن جلس
يعنى البغل؛ لأنه يقال له فى الزجر: عدس. قال (١):
عدس ما لعبّاد عليك إمارة … نجوت وهذا تحملين طليق
فالهيه-كما ترى-ثلاثى، وهيهات-على ما مضى-رباعىّ، فاللفظان أخوان، والمعنيان متقاربان؛ لأن هيهاة اسم بعد، وهيه زجر وإبعاد، ونظير هيه وهيهاه قولهم: سلس وسلسل، وقلق وقلقل، وجرج وجرجر. وسألنى أبو علىّ يوما فقال: أى شئ مثل غوغاء وغوغاء؟ فقلت له: قولهم للمنخوب: هوه وهوهاءة. وينبغى أن يضاف إلى ذلك ما ذكرناه الآن من قولهم: هيه وهيهات.
***
﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ (٥٦)
ومن ذلك قراءة الحرّ النحوىّ: «نسرع لهم» (٢)، وقرأ عبد الرحمن بن أبى بكرة: «يسارع لهم» (٣)، وروى عنه أيضا: «يسارع لهم» (٤) بفتح الراء، والذى قبله بكسر الراء. وقراءة الناس: ﴿نُسارِعُ﴾ بالنون والألف.
قال أبو الفتح: هنا على قراءة الكافة إلا عبد الرحمن، ضمير محذوف؛ أى: أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم به فى الخيرات، أو نسرع لهم به، أو يسارع لهم به فى الخيرات؟ فحذفت «به» للعلم بها، كما حذف الضمير فى قولهم: السمن منوان، بدرهم: أى: منوان منه بدرهم، فكأنه «به» المتقدمة فى الصلة من قوله: «نمدهم به» صارت عوضا من اللفظ بها ثانية. ومعناه أنا لا نقدمه لهم إرادة للخير، بل هو إملاء واستدراج لهم كقوله جل وعز: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ﴾ (٥)، إلى آخر ذلك وغيره من الآى فى معناه.
стр. 587
وأما قراءة عبد الرحمن بن أبى بكرة: «يسارع» بكسر الراء، وبالياء فلا حاجة به إلى تقدير حذف الضمير؛ لأن فى الفعل ضميرا يعود على «ما» من قوله: ﴿أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾.
***
﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ (٦٠)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وعائشة وابن عباس وقتادة والأعمش: «يأتون ما أتوا» قصرا (١).
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم-فيما روينا عنه-يأتون ما أتوا، قصرا؛ أى: يعملون العمل وهم يخافونه ويخافون لقاء الله ومقام الله، قال: ومعنى قوله: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يعطون الشئ فيشفقون ألاّ يقبل منهم. وحكى عن إسماعيل بن خلف قال: دخلت مع عبيد الله بن عمير الليثى على عائشة رضى الله عنها، فرحّبت به، فقال لها: جئتك لأسألك عن آية فى القرآن. قالت أىّ آية هى؟ فقال: «الذين يأتون ما أتوا»، أو ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا؟﴾ فقالت: أيّتهما أحب إليك؟ قال: فقلت: لأن تكون «يأتون ما أتوا» أحب إلىّ من الدنيا جميعا، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتون ما أتوا» ولكن الهجاء حرّف.
***
﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ (٦١)
ومن ذلك قراءة الحرّ: «أولئك يسرعون فى الخيرات» (٢)، أى يكونون سراعا.
قال أبو الفتح: يقال سرع إلى الشئ وأسرع إليه، وقوله: «يسرعون فى الخيرات»؛ أى: يكونون سراعا إليها وفى عملها. وأما ﴿يُسارِعُونَ﴾ فيسابقون، فمفعوله إذا محذوف؛ أى: يسارعون من يسارعهم إليها، كقولك: يسابقون إليها وفيها؛ أى: يسابقون من يسابقهم إليها.
***
стр. 588
﴿سامِراً تَهْجُرُونَ﴾ (٦٧)
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس وعكرمة: «سمّرا يهجّرون» (١).
وروى عن ابن محيصن: «سمّرا يهجرون».
قال أبو الفتح: السمّر جمع سامر، والسامر: القوم يسمرون؛ أى: يتحدثون ليلا. قال ذو الرمة (٢):
وكم عرّست بعد السّرى من معرّس … به من عزيف الجنّ أصوات سامر
وروينا عن قطرب أن السامر قد يكون واحدا وجماعة وأما «يهجرون»، بسكون الهاء، وضم الياء فتفسيره: يفحشون القول، ويقال: هجر الرجل فى منطقه إذا: هذى، وأهجر: أفحش. قال الشماخ:
كما جدة الأعراق قال ابن ضرّة … عليها كلاما جار فيه وأهجرا (٣)
وقال الحسن فى «تهجرون»؛ أى: تهجرون كتابى نبي. وأما «تهجّرون» (٤) فينبغى والله أعلم أن يكون تكثرون من الهجر، وهو الهذيان، أو هجر النبى ﷺ وكتاب الله، أو تكثرون من الإهجار، وهو إفحاش القول؛ لأن فعّل تأتى للتكثير.
وروينا عن أبى حاتم قال: قرأ: «سمّارا» أبو رجاء (٥)، فهذا ككاتب وكتّاب، وشارب وشرّاب. ولو ذهب ذاهب إلى أن معنى «تهجّرون»، أى: تكثرون من الهذيان حتى تكونوا-وأنتم فى سواد الليل لقلة احتشامكم لظهور ذاك عليكم-كأنكم مهجّرون؛ أى: مبادون به غير مسايرين له، كالذى يهجّر فى مسيره؛ أى: يسير فى الهاجرة، فهذا كقولك لصاحبك: أنت مساترا معلن، وأنت محسنا مسئ، أى: أنت فى حال مساترتك معلن، وأنت فى حال إحسانك عندى مسئ-لكان وجها.
***
&
стр. 589
﴿وَلَوِ اِتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ﴾ (٧١)
ومن ذلك قراءة يحيى: «ولو اتّبع الحقّ أهواءهم»، بضم الواو (١).
قال: الضم فى هذه الواو قليل، وإنما بابها الكسر كقراءة الجماعة، غير أن من ضمها شبهها-لسكونها وانفتاح ما قبلها-بواو الجمع، كقول الله تعالى: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ (٢)، كما شبه بعضهم واو الجمع هذه بها فقرأ: «اشتروا الضلالة» (٣)، ومثل ضم هذه الواو ضم واو قوله: [. . . . .] (٤).
وقرأ بعضهم: «اشتروا الضلالة»، بفتح الواو، كل ذلك لالتقاء الساكنين. فمن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين، ومن ضم فلأجل واو الجمع، ومن فتح تبلّغ بالفتحة لخفتها.
***
﴿بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ (٧١)
ومن ذلك قراءة قتادة: «بل أتيناهم نذكّرهم»، و «بل أتيتهم بذكرهم» (٥)، و «بل أتيتهم بذكرهم» (٦)، بكلّ قد قرئ؛ وذلك أنه إذا أتاهم بذكرهم فإنه قد ذكّرهم به، فالمعنى إذا واحد.
***
﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (١٠٨) ﴿إِنَّهُ﴾ (١٠٩)
ومن ذلك قراءة أبىّ: «ولا تكلّمون أنّه» (٧)، بفتح الألف.
قال هارون: كيف شئت «إنّه»، و «أنّه».
стр. 590
وفى قراءة ابن مسعود: «ولا تكلّمون كان فريق»، بغير «أنه».
وقال يونس عن هارون فى حرف أبىّ: «ولا تكلمون أن كان فريق».
قال أبو الفتح: قراءة ابن مسعود: «كان فريق» بغير «أنه» تشهد للمكسر؛ لأنه موضع استئناف، والكسر أحق بذلك. والقراءة «أن كان فريق» تشهد ل «أنه»، ألا ترى أن معناه: ولا تكلمون لأنه كان فريق كذا؟.
***
﴿عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (١١٧)
ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: «عند ربّه أنّه لا يفلح الكافرون» (١)، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: معناه-والله أعلم-أن حسابه يؤخر إلى أن يلقى ربّه، فيحاسب حينئذ؛ وذلك أنه لا تنفع فيه الموعظة ولا التذكير فى الدنيا، فيؤخر الحساب إلى أن يحاسب عند ربه لعدم انتفاعه بالوعظ له والتضييق عليه فى الدنيا، وهذا كقوله عز اسمه: ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (٢).
***
стр. 591
سورة النور
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُورَةٌ﴾ (١)
قراءة أم الدرداء وعيسى الثقفى وعيسى الهمدانى، ورويت عن عمر بن عبد العزيز (١): «سورة» (٢)، بالنصب.
قال أبو الفتح: هى منصوبة بفعل مضمر، ولك فى ذلك طريقان:
أحدهما: أن يكون ذلك المضمر من لفظ هذا المظهر، ويكون المظهر تفسيرا له، وتقديره:
أنزلنا سورة، فلما أضمره فسره بقوله: ﴿أَنْزَلْناها﴾. كما قال (٣):
стр. 592
أصبحت لا أحمل السّلاح ولا … أملك رأس البعير إن نفرا
والذئب أخشاه إن مررت به … وحدى وأخشى الرّياح والمطرا (١)
أى: وأخشى الذئب، فلما أضمره فسره بقوله: أخشاه.
والآخر: أن يكون الفعل الناصب ل «سورة» من غير لفظ الفعل بعدها، لكنه على معنى التحضيض، أى: اقرءوا سورة، أو تأملوا وتدبروا سورة أنزلناها، كما قال تعالى: ﴿فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها﴾ (٢)، أى: احفظوا ناقة الله. ويؤنس بإضمار ذلك ظهوره فى قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٣). فإذا كان تقديره هذا فقوله: ﴿أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها﴾ إلى آخر ذلك، منصوب الموضع لكونه صفة ل «سورة». وإذا جعلت «أنزلناها» تفسيرا للفعل الناصب المضمر فلا موضع له من الإعراب أصلا، كما أنه لا موضع من الإعراب لقوله: أنزلنا سورة؛ لأنه لم يقع موقع المفرد، وهذا واضح.
وأما قراءة الجماعة ﴿سُورَةٌ،﴾ بالرفع فمرفوعة بالابتداء، أى: فيما ينزل إليكم وما يتلى عليكم سورة من أمرها كذا، فالجملة بعدها إذا فى موضع رفع؛ لأنها صفة ل «سورة».
***
﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي﴾ (٢)
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى: «الزانية والزانى» (٤)، بالنصب.
قال أبو الفتح: وهذا منصوب بفعل مضمر أيضا، أى: اجلدوا الزانية والزانى، فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. وجاز
стр. 593
دخول الفاء فى هذا الوجه لأنه موضع أمر، ولا يجوز زيدا فضربته؛ لأنه خبر. وساغت الفاء مع الأمر لمضارعته الشرط، ألا تراه دالا على الشرط؟ ولذلك انجزم جوابه فى قولك: زرنى أزرك؛ لأن معناه زرنى؛ فإنك إن تزرنى أزرك. فلما آل معناه إلى الشرط جاز دخول الفاء فى الفعل المفسّر للمضمر، فعليه تقول: بزيد فامرر، وعلى جعفر فانزل.
ولا موضع لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ؛﴾ لأنه تفسير، ولا يكون وصفا ل «الزانية» و «الزانى» من حيث كانت المعرفة لا توصف بالنكرة، وكل جملة فهى نكرة.
وأيضا فإن الأمر لا يوصف به كما لا يوصف بالنهى ولا بالاستفهام؛ لاستبهام كل واحد من ذلك لعدم الخبر منه. وأيضا فإن الموصوف لا تعرض بينه وبين صفته الفاء، لا تقول: مررت برجل فيضرب زيدا؛ وذلك لأن الصفة تجرى مجرى الجزء من الموصوف، وجزء الشئ لا يعطف على ما مضى منه.
فإن قلت: فقد أقول: مررت برجل قام فضرب زيدا، فكيف جاز العطف هنا؟ قيل: إنما عطفت صفة على صفة، ولم تعطف الصفة على الموصوف من حيث كان الشئ لا يعطف على نفسه لفساده.
***
﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ (٤)
ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار وأبى زرعة بن عمرو بن جرير «بأربعة شهداء»، بالتنوين (١).
قال أبو الفتح: هذا حسن فى معناه؛ وذلك أن أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، لا يقال: عندى ثلاثة ظريفين إلا فى ضرورة إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وليس ذلك فى حسن وضع الاسم هناك، والوجه عندى ثلاثة ظريفون. وكذلك قوله: «بأربعة شهداء» لتجرى «شهداء» على «أربعة» وصفا؛ فهذا هذا.
فأما وجه قراءة الجماعة: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ بالإضافة فإنما ساغ ذلك لأنهم قد استعملوا ال «شهداء» استعمال الأسماء، كقولهم: إذا دفن الشهيد صلت عليه الملائكة، وعدّ الشهداء يومئذ فكانوا كذا وكذا، ومنزلة الشهيد عند الله مكينة. فلما اتسع ذلك عنهم جرى عندهم مجرى الاسم؛ فحسنت إضافة اسم العدد إليه حسنها إذا أضيف إلى الاسم الصريح أو قريبا من ذلك.
стр. 594
واعلم من بعد أن الصفات لا تتساوى أحوالها فى قيامها مقام موصوفاتها، بل بعضها فى ذلك أحسن من بعض، فمتى دلت الصفة على موصوفها حسنت إقامتها مقامه، ومتى لم تدل على موصوفها قبحت إقامتها مقامه. فمن ذلك قولك: مررت بظريف، فهذا أحسن من قولك: مررت بطويل؛ وذلك أن الظريف لا يكون إلا إنسانا مذكرا ورجلا أيضا، وذلك أن الظّرف إنما هو حسن العبارة، وأنه أمر يخص اللسان؛ فظريف إذا مما يختص الرجال دون الصبيان؛ لأن الصبى فى غالب الأمر لا تصح له صفة الظرف، وليس كذلك قولنا: مررت بطويل؛ لأن الطويل قد يجوز أن يكون رجلا، وأن يكون رمحا، وأن يكون حبلا وجذعا، ونحو ذلك. فهذا هو الذى يقبح، والأول هو الذى يحسن، فإن قام دليل من وجه آخر على إرادة الموصوف ساغ وضع صفته موضعه، فاعرف ذلك واعتبره بما ذكرنا.
وإنما قبح حذف الموصوف من موضعين:
أحدهما: أن الصفة إنما لحقت الموصوف إما للتخصيص والبيان، وإما للإسهاب والإطناب، وكل واحد من هذين لا يليق به الحذف، بل هو من أماكن الإطالة والهضب.
واعلم أن الصفة كما تفيد فى الموصوف فكذلك قد يفيد الموصوف فى صفته، ألا تراك إذا قلت: مررت بغلام طويل فقد علم أن طويلا هنا إنسان؟ ولو لم يتقدم ذكر الغلام لم يعلم أنه لإنسان أو غيره: من الرمح، أو الجذع، ونحوهما. وكذلك قد علم بقولك: طويل أن الرجل طويل وليس بربعة ولا قصير، وهذا أحد ما خلط الموصوف بصفته حتى صارت معه كالجزء منه، وذلك لتساويهما فى إفادة كل واحد منهما فى صاحبه ما لولا مكانه لم يفد فيه.
***
﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (٧) ﴿أَنَّ غَضَبَ اللهِ﴾ (٩)
ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف وأبى رجاء وقتادة وعيسى وسلاّم وعمرو بن ميمون، ورويت عن عاصم: «أن لعنة الله» (١) «وأن غضب الله» (٢).
стр. 595
وقرأ: «أن لعنة الله» رفع وخفف النون، و «أنّ غضب الله» نصب-يعقوب.
قال أبو الفتح: أما من خفف ورفع فإنها عنده مخففة من الثقيلة وفيها إضمار محذوف للتخفيف، أى: أنّه لعنة الله عليه وأنّه غضب الله عليها، فلما خففت أضمر اسمها وحذف، ولم يكن من إضماره بدّ؛ لأن المفتوحة إذا خففت لم تصر بالتخفيف حرف ابتداء، إنما تلك «إن» المكسورة، وعليه قول الشاعر:
فى فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كلّ من يخفى وينتعل (١)
أى: أنه هالك كل من يحفى وينتعل.
وسبب ذلك أن اتصال المكسورة باسمها وخبرها اتصال بالمعمول فيه، واتصال المفتوحة باسمها وخبرها اتصالان: أحدهما اتصال العامل بالمعمول، والآخر اتصال الصلة بالموصول.
ألا ترى أن ما بعد المفتوحة صلة لها؟ فلما قوى مع الفتح اتصال «أن» بما بعدها لم يكن لها بد من اسم مقدر محذوف تعمل فيه، ولما ضعف اتصال المكسورة بما بعدها جاز إذا خففت أن تفارق العمل وتخلص حرف ابتداء، ولا يجوز أن تكون «أن» هنا بمنزلة أى للعبارة، كالتى فى قول سبحانه: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ (٢)، معناه أى: امشوا. قال سيبويه: لأنها لا تأتى إلاّ بعد كلام تام، وقوله: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ كلام تام، وليست «الخامسة» وحدها كلاما تاما فتكون «أن» بمعنى أى، ولا تكون «أن» هنا زائدة كالتى فى قوله:
ويوما توافينا بوجه مقسّم … كأن ظبية تعطوالى وارق السّلم (٣)
لأن معناه: «والخامسة» أن الحال كذلك، يدل على ذلك قراءة الكافة: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ و ﴿أَنَّ غَضَبَ اللهِ﴾.
***
﴿كِبْرَهُ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وحميد ويعقوب وسفيان الثورى وعمرة بنت
стр. 596
عبد الرحمن (١) وابن قطيب: «كبره» (٢)، بضم الكاف.
قال أبو الفتح: من قرأ كذلك أراد عظمه، ومن كسر فقال: ﴿كِبْرَهُ﴾ أراد وزره وإثمه.
قال قيس بن الخطيم:
تنام عن كبر شأنها فإذا … قامت رويدا تكاد تنغرف
أى عن معظم شأنها.
***
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ (١٥)
ومن ذلك قراءة عائشة وابن عباس رضى الله عنهما وابن يعمر وعثمان الثقفى: «إذ تلقونه» (٣).
وقرأ: «إذ تلقونه» -من ألقيت-ابن السّميفع (٤).
وقرأ: «إذ تتقفّونه» أمّ ابن عيينة. قال ابن عيينة: سمعت أمى تقرأ كذلك، وكانت على قراءة عبد الله.
&
стр. 597
وروى أيضا عن ابن عيينة، قال: سمعت أمى تقرأ: «إذ تثقّفونه» (١)، قال: وكان أبوها يقرأ كما يقرأ عبد الله.
وقراءة الناس: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾.
قال أبو الفتح: أما «تلقونه» فتسرعون فيه، وتخفّون إليه. قال الراجز (٢):
جاءت به عنس من الشّام تلق (٣) …
أى تخف وتسرع، وأصله تلقون فيه أو إليه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ (٤)، أى: من قومه؛ والهاء ضمير الإفك الذى تقدم ذكره.
وأما «تلقونه» فمعناه تلقونه من أفواهكم. وأما تتقفّونه فتجمعونه وتحطبونه من عند أنفسكم، ولا أصل له عند الله تعالى. وعليه القراءة الأخرى «تثقّفونه» من ثقفت الشئ إذا طلبته فأدركته، أى تتصيّدون الكلام فى الإفك من هنا ومن هنا.
***
﴿ما زَكى﴾ (٢١)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر وشيبة وعيسى الهمدانى وعيسى الثقفى، ورويت عن عاصم والأعمش أيضا: «ما زكا»، بالإمالة (٥).
стр. 598
قال أبو الفتح: من الواو، لقولهم فيه: زكوت تزكو، فأميلت ألفه، فإن كانت من الواو من حيث كان فعلا، والأفعال أقعد فى الاعتلال من الأسماء من حيث كانت كثيرة التصرف، وله وضعت، والإمالة ضرب من التصرف. ولو كان اسما لم تحسن إمالته حسنها فى الفعل، وذلك نحو العفا: ولد الحمار الوحشى، والسّنا: الذى يأتى من مكة. وقد تقدم نحو هذا، فهذا مثال يقاس به بإذن الله.
***
﴿خُطُواتِ﴾ (٢١)
ومن ذلك قراءة علىّ والأعرج وعمرو بن عبيد وسلام: «خطؤات» بالهمز.
وقرأ: «خطوات» أبو السّمّال.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك فيما مضى.
***
﴿يَأْتَلِ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة عباس بن عياش بن أبى ربيعة وأبى جعفر وزيد بن أسلم: «يتألّ» (١) يتفعّل.
قال أبو الفتح: تألّيت على كذا إذا حلفت، والألوة والإلوة والألوة والأليّة: اليمين.
أنشد الأصمعى:
عجّاجة هجاجة تألّى … لأصبحنّ الأحقر الأذلا (٢)
أى: ولا يحلف أولو الفضل منكم والسعة ألاّ يؤتوا أولى القربى. ومن قرأ: «ولا يأتل» فمعناه: ولا يقصّر، وهو يفتعل من قولهم: ما ألوت فى كذا أى: ما قصرت.
***
стр. 599
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ (٢٢)
ومن ذلك ما يروى عن النبى ﷺ : «ولتعفوا ولتصفحوا» (١) بالتاء، وروى عنه بالياء.
قال أبو الفتح: هذه القراءة بالتاء كالأخرى المأثورة عنه ﵇: «فبذلك فلتفرحوا» (٢)، وقد ذكرنا ذلك وأنه هو الأصل، إلا أنه أصل مرفوض؛ استغناء عنه بقولهم: اعفوا واصفحوا وافرحوا، ولا وجه لإعادته.
***
﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة مجاهد وأبى روق: «يومئذ يوفّيهم الله دينهم الحقّ»، (٣) رفعا.
قال أبو الفتح: «الحق» هنا وصف الله «سبحانه»، أى: يومئذ يوفّيهم الله الحقّ دينهم وجاز وصفه «تعالى» بالحق لما فى ذلك من المبالغة، حتى كأنه يجعله هو هو على المبالغة، فهو كقولنا: رجل خصم، وقوم زور، وقوله (٤):
. . . فهم رضا وهم عدل (٥) …
وعليه قوله تعالى: ﴿إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ (٦).
***
стр. 600
﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ (٢٧)
ومن ذلك قول ابن عباس: أخطأ الكاتب، إنما هى «تستأذنوا» (١)، يعنى قوله: ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾.
وكذلك يروى عن عبد الله، وروى عن أبىّ: «حتى تسلّموا أو تستأذنوا»، وكذلك قرأ ابن عباس.
قال أبو الفتح: «تستأنسوا» هنا معناه تطلبوا وتلتمسوا الأنس، كما أن «تستأذنوا» إنما معناه تطلبوا الإذن. فأما قولهم: قد استأنست بفلان فليس من هذا، إنما ذاك معناه أنست به، وليس المراد فيه طلبت الأنس منه. وأنس فى هذا واستأنس كسخر واستسخر، وهزئ واستهزأ، وعجب واستعجب، وقرّ واستقر، وعلا واستعلى. قال أوس بن حجر (٢):
ومستعجب ممّا يرى من أناتنا … ولو زبنته الحرب لم يترمرم (٣)
***
﴿مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٣)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير: «من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم» (٤).
قال أبو الفتح: اللام فى «لهن» متعلقة ب «غفور»؛ لأنها أدنى إليها؛ ولأن فعولا أقعد فى التعدى من فعيل، فكأنه قال: فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن. ويجوز أن تكون أيضا متعلقة ب «رحيم»؛ وذلك أن ما لا يتعدى قد يتعدى بحرف الجر، ألا تراك تقول: هذا مارّ بزيد أمس، فتعمل اسم الفاعل وهو لما مضى؛ لأن هناك حرف الجر، وإن كنت لا تعديه فتنصب به وهو لما مضى؟ فكذلك يجوز تعلق اللام فى «لهن» بنفس