← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وروى عنه أيضا: «يحطّمنّكم» (١)، بفتح الياء، وكسر الحاء، والتشديد. قال أبو الفتح: أما الأصل فيهما فيحتطمنّكم، يفتعل من الحطم، وهو الكسر، أى: يقتلنكم. وآثر إدغام التاء فى الطاء لقرب مخرجيهما، فأسكنها، وأبدلها طاء، وأدغمها فى الطاء بعدها، ونقل الفتحة من التاء إلى الحاء، فقال: «يحطّمنّكم». ومن كسر الحاء فإنه لمّا أسكن التاء للإدغام كسر الحاء، لسكونها وسكون التاء بعدها ثم أدغم فصار «يحطّمنّكم». ويجوز فى العربية كسر الياء أيضا إتباعا لكسرة الحاء؛ فيقال: «يحطّمنّكم». ومثله قول العجلى: تدافع الشّيب ولم تقتّل (٢) … يريد: تقتتل، ثم غير ذلك على ما تقدم. يقال: حطمه يحطمه حطما: إذا كسره، وحطّمه يحطّمه، واحتطمه يحتطمه احتطاما ويغيّر الماضى واسم الفاعل والمصدر على الصنعة التى تقدمت فى «يحطّمنّكم». فمن قال: يحطّم قال: حطّم، ومن قال: يحطّم قال: حطّم. ومن أتبع الأول يحطّم أتبع هنا، فقال: حطّم. وعليه أنشد قطرب فيما روينا عنه أو غيره. لا حطّب القوم ولا القوم سقى (٣) … يريد: احتطب. ويقول فى اسم الفاعل على يحطّم: محطّم، وعلى يحطّم: محطّم. ومن كسرها الأول إتباعا، فقال: يحطّم لم يكسر الميم؛ لأن اسم المفعول والفاعل من هذا ونحوه لا يكون إلا مضموم الأول، وعليه قال: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ (٤)، و «الْمُعَذِّرُونَ». وتتبع العين الميم، فيقال: «الْمُعَذِّرُونَ». وعليه أيضا يقال: مخطّف: والأصل فى جميعه المتعذرون. ويقول فى المصدر على يحطّم ويحطّم جميعا: حطّاما. ومن كسر هناك لالتقاء الساكنين كسر هنا أيضا، فقال: حطّاما؛ لئلا تنكسر الطاء،

стр. 632

فتبدل الألف بعدها ياء، فتقول: حطّيما، فيزول حديث المصدر بانقلاب ألفه. وليس فى حطّم ألف، فتنقلب لكسرة الطاء إلى غيرها. ومن قال: «وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ»، فضم العين لم يقل حطاما؛ لأنه ليس معه فى حطّاما ضمة مثل الميم فتتبعها الحاء مضمومة، وكذلك «مردّفين» و «مردّفين» و «مردّفين»، الحكم واحد. *** ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة محمد بن السّميفع: «فتبسّم ضحكا من قولها» (١)، بفتح الضاد بغير ألف. قال أبو الفتح: «ضحكا» منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه تبسم، كأنه قال: ضحك ضحكا. هذا مذهب صاحب الكتاب، وقياس قول أبى عثمان فى قولهم: تبسّمت وميض البرق أنه منصوب بنفس «تبسمت»؛ لأنه فى معنى: أو مضت، ويكون «ضحكا» منصوبا بنفس «تبسم»؛ لأنه فى معنى ضحك. ويدل على مذهب صاحب الكتاب أنه قد ثبت أن الماضى والمضارع واسم الفاعل والمصدر يجرى كل واحد منها مجرى صاحبه، حتى كأنه هو. ويجب أن تكون كلها من لفظ واحد، كضرب يضرب ضربا وهو ضارب، فكما لا يجوز أن يقول: قعد يجلس وإن كانا فى معنى واحد دون أن يكونا من لفظ واحد، وهو قعد يقعد، ولا يجوز تبسم يومض؛ لاختلاف لفظيهما، وإن كان معنياهما واحدا-فكذلك لا يجوز تبسمت وميض البرق؛ لاختلاف لفظيهما، كما لا يجوز تبسمت أومض، لكن دل تبسمت على أومضت، فكأنه قال: أومضت وميض البرق، فاعرف ذلك وقسه بإذن الله. *** ﴿أَلاّ تَعْلُوا﴾ [النمل:٣١] ومن ذلك قراءة ابن عباس فى رواية وهب بن منبه: «أن لا تغلوا» (٢)، بالغين معجمة.

стр. 633

قال أبو الفتح: غلا فى قوله غلوّا، وغلا السعر يغلوا غلاء. فصلوا بينهما فى المصدر وإن اتفقا فى الماضى، وهذا أحد ما يدل على ما قدمناه أيضا من أن الماضى والمضارع واسم الفاعل والمصدر تجرى مجرى المثال الواحد، فإذا خولف فيها بين المصادر قام ذلك الخلاف مقام ما كان يجب من اختلاف الأمثلة لاختلاف ما تحتها من المعانى المقصودة؛ وذلك أن أعدل اللغة اختلاف الألفاظ لاختلاف المعانى، فإن اتفقت الألفاظ اختلفت الأمثلة، فإن اتفقت الألفاظ والأمثلة، ووقع التغيير فى بعض المثل قام مقام تغييرها كلها. وذلك نحو: غلا يغلو، فى القول والسعر. فلما اتفق اللفظان والمثلان فى الماضى والمضارع خالفوا بين مصدريهما؛ ليكون ذلك كالخلاف بين مثاليهما أنفسهما، فقالوا: غلوّا، وغلاء على ما مضى. وكذلك قولهم فى نظائر هذا: وجدت الشئ وجودا، ووجدت فى الحزن وجدا، ووجدت من الغنى وجدا ووجدا ووجدا وجدة، ووجدت على الرجل موجدة، ووجدت الضالة وجدانا، فجعلوا اختلاف المصادر فيها عوضا مما كان يقتضيه أصل وضع اللغة من اختلافها أنفسها، فهذا مقاد يقتاس ويرجع فى نظائره إليه. نعم، وخصوا غلا فى القول بالغلوّ؛ لأن لفظ فعول أقوى من لفظ فعال، للواوين والضمتين، وضعف الألف والفتحتين؛ وذلك أن الغلوّ فى القول أعلى وأعنى عندهم من غلاء السعر، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٢)؟ وأما غلاء السعر فلا يدخل النار، ولا يحرّم الجنة، ثم إنهم قالوا: غلت القدر تغلى غليانا، فلما صغر هذا المعنى فى أنفسهم أخذوه من الياء؛ لأنها تنحط عن الواو والضمة إلى الياء والكسرة. فإن قلت: فقد قالوا: علوت فى المكان أعلو علوّا وعليت فى الشرف علاء؛ فجعلوا الشرف دون ارتفاع النّصبة. قيل: لم يجف الشرف عندهم، ولا تبشّع تبشّع الكفر والغلوّ فى القول المعاقب

стр. 634

عليه، والمنهىّ عنه؛ فلان جانبه، ونعم وعذب فى أنفسهم؛ فبنوه على فعل لتنقلب الواو ياء، ومصدره على الفعال؛ لعذوبته بالفتحتين والألف. وهذه أماكن إن رفقت بها، وسانيتها، وتأنّيتها، ولم تبء عليها وتختبطها-أولتك جانبها، وأركبتك ذروتها، وقبلتك لها ضيفا، وبسطتك يدا وسيفا. وإن أخلدت بها إلى ضد هذا أخلدت بك إلى ضده، فتلافيا ورفقا، لا مغالاة ولا خرقا. *** ﴿عِفْرِيتٌ﴾ (٣٩) ومن ذلك قراءة أبى رجاء وعيسى الثقفىّ: «عفرية» (١). قال أبو الفتح: هو العفريت. يقال: رجال عفرية نفرية إتباعا: إذا كان خبيثا داهيا. وقالوا: تعفرت الرجل: إذا صار عفريتا، أى خبيثا. وهذا مثال غريب؛ لأن وزنه تفعلت. ونحوه من المثل الغريبة فى الفعل قولهم: يرنأ الرجل لحيته: إذا صبغها باليرنّاء، وهو الحناء؛ فيرنأ على ما ترى يفعل، ومضارعه ييرنئ ييفعل، واسم الفاعل ميرنئ، وهو ميفعل. وأصل العفريت من العفر، وهو التراب، كأنه يختل قرنه فيصرعه إلى العفر. ومنه قيل للأسد: عفرنى، وللناقة الشديدة: عفرناة. قال الأعشى (¬*١): بذات لوث عفرناة إذا عثرت … فالنّعس أدنى لها من أن أقول لعا ومنه عفرية الرأس: للشعر الذى عليه؛ وذلك لأن قصاراه أن يحلق فيصير إلى التراب، أو يصير ترابا ومنه اليعفور لولد الظبية؛ لأنه لصغره ما يلزق بالتراب، أو لأن لونه لون التراب. ومنه ليث عفرّين؛ لأنه دابة يلزم التراب. *** ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة الحسن: «فما كان جواب قومه» (٢) برفع الباء.

стр. 635

قال أبو الفتح: أقوى من هذا: ﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾ بالنصب، ويجعل اسم كان قوله: ﴿أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ:﴾ لشبه أن بالمضمر، من حيث كانت لا توصف كما لا يوصف. والمضمر أعرف من هذا المظهر، وقد تقدم القول فى ذلك. *** ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة الأعمش، وقد اختلف عنه-: «أمن خلق»، خفيفة الميم. قال أبو الفتح: «من» هنا خبر بمنزلة الذى، وليست باستفهام كقراءة الجماعة: «أم من خلق» فكأنه قال: الذى خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها خير أم ما تشركون، ثم حذف الخبر الذى هو خير أم ما تشركون؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله تعالى: ﴿آللهُ خَيْرٌ﴾ أم ما ﴿يُشْرِكُونَ﴾ (١) وما يحذف خبره لدلالة ما هناك عليه أكثر من أن يحصى، فابن على هذا. *** ﴿أَيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٦٥) ومن ذلك قراءة السّلمى: «إيّان يبعثون» (¬*١) بكسر الهمزة. قال أبو الفتح: قد تقدم القول على كسر هذه الهمزة فيما مضى من الكتاب. *** ﴿بَلِ اِدّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ (٦٦) ومن ذلك قراءة سليمان بن يسار وعطاء بن السائب: «بل ادرك علمهم» (٢)، بفتح اللام، ولا همز، ولا ألف.

стр. 636

وروى عنهما: «بل ادّرك» (١)، بفتح اللام، ولا همز، وتشديد الدال، وليس بعد الدال ألف. وقرأ: «بل آدرك» (٢) -الحسن وأبو رجاء وابن محيصن وقتادة. وقرأ: «بلى» بياء «آدرك» ممدودا-ابن عباس. وقرأ: «بل ادّرك» (٣)، مخفوضة اللام، مشددة الدال-الحسن. وقرأ: «بل تدارك» (٤) -أبىّ بن كعب. وقراءة الناس: «بل أدرك علمهم» (٥)، و ﴿بَلِ اِدّارَكَ﴾ (٦)، فذلك ثمانية أوجه: قال أبو الفتح: أما «بل ادرك» فعلى تخفيف الهمزة بحذفها، وإلقاء حركتها على اللام الساكنة قبلها، كقولك: فى ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ (٧): «قد افلح» (٨). وأما «بل ادّرك»، بفتح اللام فكان قياسه: بل ادّرك؛ بكسر اللام لسكونها وسكون &

стр. 637

الدال بعدها، إلا أنه فتحت اللام؛ لأن فى ذلك إزالة لالتقاء الساكنين، وعدولا إلى الفتحة لخفتها، كما روينا عن قطرب: أن منهم من يقول: «قُمِ اللَّيْلَ» (١)، وبع الثوب. وأما «بل آدرك» فإن «بل» استئناف، وما بعدها استفهام، كما تقول: أزيد عندك؟ بل أجعفر عندك؟ تركا للأول إلى غيره، لا تراجعا عنه، لكن للانتحاء من بعده على غيره. وأما «بلى» فكأنه جواب، وذلك أنه لما قال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ فكأن قائلا قال: ما الأمر كذلك، فقيل له: «بلى»، ثم استؤنف فقيل: «آدرك علمهم فى الآخرة». وأما «بل ادّرك» فلا سؤال مع كسر اللام؛ لسكونها، وسكون الدال بعدها. وأما «بل تدارك» فإنه أصل قراءة، من قرأ: «ادّارك»؛ وذلك أنه فى الأصل تدارك، ثم آثر إدغام التاء فى الدال؛ لأنها أختها فى المخرج، فقلبها إلى لفظها، وأسكنها، وأدغمها فيها، واحتاج إلى ألف الوصل؛ لسكون الدال بعدها، ومثله: ﴿قالُوا اِطَّيَّرْنا بِكَ﴾ (¬*١) و ﴿فَادّارَأْتُمْ فِيها﴾ (٢). *** ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ (٧٢) ومن ذلك قراءة الأعرج: «ردف لكم» (٣)، بفتح الدال. قال أبو الفتح: من قال «ردف» فهو فى وزن تبع، ومن قال: «ردف» فهو بمنزلة تلا، وشفع، والكسر أفصح، وهو أكثر اللغة. *** ﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ (٧٤) ومن ذلك قراءة ابن السّميفع وابن محيصن: «تكنّ صدورهم» (٤) بفتح التاء، وضم الكاف.

стр. 638

قال أبو الفتح: المألوف فى هذا أكننت الشئ: إذا أخفيته فى نفسك، وكننته: إذا سترته بشئ، فأكننت كأضمرت، وكننت كسترت. فأما هذه القراءة: «تكنّ صدورهم» فعلى أنه أجرى الضمير لها مجرى الجسم الساتر لها مبالغة؛ وذلك لأن الجسم أقوى من العرض، وهذا نحو من قوله: وحاجة دون أخرى قد عرضت لها … جعلتها للّتى أخفيت عنوانا (١) فأجرى ما يخفيه الضمير ويبرزه البوح به مجرى ما يدرك باللمس؛ تنويها به، ومباداة للحس بإدراكه. وقد مر به بعض المولدين، فقال: حبّى له جسم وحب … ب النّاس كلّهم عرض وعليه قول الآخر: تغلغل حبّ عثمة فى فؤادى … فباديه مع الخافى يسير (٢) ألا تراه كيف وصفه بما توصف به الجواهر من السروب والتغلغل؟ ومر به الطائى الكبير، إلا أنه عكسه فقال: مودّة ذهب أثمارها شبه … وهمّة جوهر معروفها عرض والباب واسع، والطريق مسهب، إلا أن هذا سمته. *** ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ (٨٢) ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والجحدرى وأبى زرعة: «تكلمهم» (¬*١). قال أبو الفتح: «تكلمهم»: تجرحهم بأكلها إياهم، وهذا شاهد لمن ذهب فى قوله: «تكلّمهم» إلى أنه بمعنى تجرحهم بأكلها إياهم. ألا ترى أن «تكلمهم» لا يكون إلاّ من الكلم، وهو الجرح. وهذه المادة مما وضعته العرب عبارة عن الشدة هى وتقاليبها الستة: «ك ل م»، «ك م ل»، «م ل ك»، «ل ك م»، «م ك ل»، «ل م ك». وقد ذكرناها فى كتابنا

стр. 639

الخصائص (١) أول باب منه، وهو باب القول على فرق بين الكلام والقول. ويشهد لمن قال فى قوله: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ إلى أنه من الكلام قراءة أبى: «تنبّئهم» (٢)، ويشهد لهذا التأويل أيضا قراءة ابن مسعود: «تكلّمهم بأنّ النّاس كانوا بآياتنا لا يوقنون» (٣). وإن شئت كان هذا شاهدا لمن ذهب إلى أن «تكلّمهم»: تجرحهم، أى: تفعل بهم ذلك بكفرهم، وزوال يقينهم. *** ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٨٧) ومن ذلك قراءة قتادة: «وكلّ أتاه داخرين» (٤). قال أبو الفتح: حمل «أتاه» على لفظ «كلّ»؛ إذ كان مفردا، و «داخرين» على معناها. ولو قلب ذلك لم يحسن، لو قال: وكلّ أتوه داخرا قبح وضعف؛ وذلك أنك لمّا قلت: وكلّ، فقد جئت بلفظ مفرد، فإذا قلت: أتوه فقد حملت على المعنى وانصرفت عن اللفظ، ثم إذا قلت: من بعد داخرا، فأفردت فقد تراجعت إلى ما انصرفت عنه، فكان ذلك قلقا فى الصنعة وانتكاثا عن المحجة المصير إليها المعتزمة. وعلى ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٥). فلو قال: من بعد: حتى إذا خرج من عندك لم يحسن؛ وذلك لأنه قد ترك لفظ «مَنْ» إلى معناها بقوله: «يَسْتَمِعُونَ». فلو عاد إليه بعد انصرافه عنه فقال: خرج عاد إلى ما كان قد رغب عنه، واعتزم غيره عوضا منه. وكذلك قول الفرزدق (٦):

стр. 640

تعشّ فإن عاهدتنى لا تخوننى … نكن مثل من ياذيب يصطحبان (١) فلو قال بعد يصطحبان: فلا تنكر صحبته، أو فلا تذم عشرته؛ عودا إلى لفظ «من» وإفراده لكان فيه ما ذكرنا من كراهيته. واعلم أن مقاد الاستعمال فى «كلّ» أنها إذا كانت مفرده أخبر عنها بالجميع، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ،﴾ (٢) و ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (٣)، «وكلّ آتوه داخرين» (٤) فى قراءة الكافة. فإن كانت مضافة إلى الجماعة أتى الخبر عنها مفردا كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ (٥)، وذلك أن أحد علمى الجمع كاف عندهم من صاحبه، وابن على ذلك. ***

стр. 641

سورة القصص ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (٧) قرأ عمرو بن عبد الواحد: «أن ارضعيه» (١)، بكسر النون، ولا همز بعدها. قال أبو الفتح: هذا على حذف الهمزة اعتباطا لا تخفيفا، كما قرأ ابن محيصن «فجاءته أحداهما» (٢) بحذف همزة «إحداهما» ألبتة، فلما حذف الهمزة على ما ذكرنا كسر النون من «أن»؛ لسكونها وسكون الراء من بعدها، كما قال الله سبحانه: ﴿أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ﴾ (٣). ولو كان على التخفيف القياسى لقال: «أن ارضعيه»، بفتح النون بحركة الهمزة من «ارضعيه» ومثله مما حذف منه الهمزة اعتباطا هكذا لا تخفيفا قياسيا ما أنشده أبو الحسن: تضبّ لثات الخيل فى حجراتها … وتسمع من تحت العجاج لها ازملا (٤) يريد: لها أزملا. *** ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة فضالة بن عبد الله (٥) والحسن وأبى الهذيل وابن قطيب: «وأصبح فؤاد أمّ موسى فزعا» (٦).

стр. 642

وقرأ: «قرعا» (١) بالقاف والراء-ابن عباس. وحكى قطرب عن بعض أصحاب النبى ﷺ : «فرغا» (٢). وحكى فيها أيضا: «مؤسى»، بالهمز. قال أبو الفتح: أما «فزعا» بالفاء والزاى فمعناه قلقا، يكاد يخرج من غلافه فينكشف ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٣)، أى: كشف عنها. وأما «قرعا» بالقاف والراء فراجع إلى معنى فارغا، وذلك أن الرأس الأقرع هو الخالى من الشعر، وإذا خلا من الشئ فقد انكشف منه وعنه. وأما «فرغا» فكقولك: هدرا وباطلا، يؤكد ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ (¬*١). قال: فإن تك أذواد أصبن ونسوة … فلن تذهبوا فرغا (¬*٢) بقتل حبال ومعنى فارغا، أى: خاليا من الحزن؛ لعلمها أنه لا يغرق، وقال ابن عباس: فارغا أى: خاليا من كل شئ إلاّ من ذكر موسى. وأما همز «موسى» ففيه صنعة تصريفية؛ وذلك أن الساكن إذا جاور المتحرك فكثيرا ما تقدّر العرب أن تلك الحركة كأنها فى الساكن، فكأن ضمة «موسى» فى الواو، والواو إذا انضمت ضما لازما فهمزها جائز، كأعد وأجوه. وكذلك أيضا قولهم فى المرأة والكمأة: المرأة والكماة، فقلبوا الهمزة ألفا؛ لأنهم قدّروا فتحة الهمزة فى الراء والميم قبلها، فصار كأنه المرأة والكمأة، فقيل فيه: مراة وكماة، كما يقال فى تخفيف رأس وكأس: راس وكاس، ومنه أيضا قول بعضهم فى الوقف: هذا بكر ومررت ببكر، فنقلوا الضمة والكسرة إلى الساكن قبل الراء، وهو الكاف. فكأن الراء محركة بحركة الكاف لأنها تجاورها، ففى ذلك شيئان: أحدهما: الشح على حركة الإعراب أن يستهلكها الوقف. والآخر: الاستراحة من اجتماع ساكنين، وهذا ونحوه-مما تركناه تحاميا للإطالة به-

стр. 643

يدلك على أن حركة الحرف تحدث معه وأن الحركة إذ جاورت الساكن صارت كأنها فيه، فعليه جاء همز مؤسى. أنشدنا شيخنا أبو على: لحبّ المؤقدان إلىّ مؤسى (١) … *** ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ (١١) ومن ذلك قراءة النعمان بن سالم: «عن جانب» (٢). وقرأ: «عن جنب» (٣) -الأعرج وقتادة والحسن. قال أبو الفتح: المعنى فيهما جميعا فبصرت به مزورّة مخايلة، فالباء والفاء يلتقيان فى هذا المعنى؛ لاجتماعهما فى كونهما من الشفة. فمن ذلك قولهم: تجانف عن الشئ أى: مال عنه، وفيه جنف، أى: ميل. ومنه قوله: لم يركبوا الخيل إلاّ بعد ما هرموا … فهم ثقال على أعجازها جنف ومن أبيات الكتاب: (¬*١) تجانف عن جوّ اليمامة نافقتى … وما قصدت من أهلها لسوائكا (¬*٢) وأنشد أبو زيد: (¬*٣) تجانف رضوان عن ضيفه … ألم يأت رضوان عنّى النّذر؟ *** ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما﴾ (٢٥) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «فجاءته احداهما» (٤)، بإسقاط الهمزة.

стр. 644

قال أبو الفتح: قد قدمنا ذكر ضعف ذلك، وأنه إنما يجوز فى الشعر لا فى التنزيل. *** ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ (٢٨) ومن ذلك قراءة الحسن: «أيما الأجلين» (١)، خفيفة الياء. قال أبو الفتح: فى تخفيف هذه الياء طريقان يكادان يعذران: أحدهما: تضعيف الحرف، وقد امتد عنهم حذف أحد المثلين إذا تجاورا، نحو أحست، ومست، وظلت. وحكى ابن الأعرابى: ظنت فى ظننت. والآخر: أن الياء حرف ثقيل منفردة، فكيف بها إذا ضعّفت؟ غير أن فى واجب الصنعة شيئا أذكره لك، وذلك أن «أيّا» عندنا مما عينه واو ولامه ياء، وهذا من باب أويت، هكذا موجب القياس والاشتقاق جميعا. أما القياس فلأن ما عينه واو ولامه ياء أضعاف ما لامه وعينه ياءان، ألا ترى إلى كثرة باب لويت وشويت وطويت وعويت يده وزويت جانبه، وإلى قلة باب عييت وحييت؟. فأصل «أىّ» على هذا «أوى»، فاجتمع الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون؛ فقلبت ياء، وأدغمت فى الياء؛ فصارت «أىّ»، كقولهم: طويت الثوب طيّا، وزوى وجهه زيّا. وأما الاشتقاق فلأن «أيّا» أين وقعت غير متبلّغ بها؛ فإنها بعض من كل، كقولنا: أى الناس عندك؟ وأيّهم قام قمت معه، وأيّهم يقوم زيد وبعض الشئ آو إلى جميعه: ألا ترى إلى قول العجلى فى صفة البعير: يأوى إلى ملط له وكلكل (¬*١) … أى يتساند إليها، ويعتمد عليها. هذا فى المعنى كقول طفيل: وآلت إلى أجوازها وتقلقلت … قلائد فى أعناقها لم تقضّب وهذا واضح، فأصل «أىّ» على هذا أوى، ثم أدغمت الواو فى الياء على ما مضى؛ &

стр. 645

فصارت «أىّ» فإذا حذفت الياء تخفيفا فإنها الثانية، فإذا زالت الثانية أوجب القياس أن تعود الأولى إلى أصلها وهى الواو، فيقال: أو ما الأجلين قضيت. والذى حسّن عندى إظهار العين هنا ياء مع زوال الياء القالبة لها من بعدها-أنها إنما حذفت اللام تخفيفا وهى منوية مرادة معتقدة؛ فأقرّت العين مقلوبة ياء؛ دلالة على إرادة الياء التى هى لام، وإشادة بها، كما صحت الواو الثانية فى قوله: وكحل العينين بالعواور (١) … دلالة على إرادة الياء فى عواوير، وأنها إنما حذفت استحسانا وتخفيفا، لا وجوبا وتصميما. وكما قالوا: اضتقطت النوى، فصحّت التاء، ولم تقلب طاء لوقوع الضاد قبلها، كما قلبت فى اضطراب واضطمر؛ دلالة على أن الضاد فيها بدل من شين اشتقطت، فقد قالوهما جميعا: اضتقطت، واشتقطت. وكما قالوا: كان من الأمر ذيت وكيت. فأقروا الياء بحالها دلالة على أن التاء فيها بدل من ياء ذيّة وكيّة؛ فتركت الياء دلالة على إرادة التثقيل. ويجب-على ما قدمنا-أن «ذيّة» من باب طويت على ما مضى، فكان يجب إذا حذفت اللام التى هى الياء أن تعاد الواو إلى أصلها، فيقال: ذوت، وكذلك القول فى كيت، والعلة فى الجميع واحدة. وأنشدنا أبو علىّ للفرزدق: تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما … علىّ من الغيث استهلّت مواطره (٢) فهذا كقراءة الحسن: «أيما الأجلين» سواء. *** ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة الحسن: «عضدك» (٣). قال أبو الفتح: فيها خمس لغات: عضد، وعضد، وعضد، وعضد، وعضد. وأفصحها وأعلاها عضد بوزن رجل، وعضد مسكن من عضد، وعضد منقول الضمة من الضاد إلى العين، وعضد بالضمتين جميعا كأنه تثقيل عضد. وقد شاع عنهم نحو ذلك، كقولهم فى تكسير أحمر: حمر، قال طرفة:

стр. 646

ورادا وشقر (١) … يريد: شقرا. وأما عضد فلغة صريحة غير مصنوعة، ونظيرها رجل وقل ووقل، ووظيف عجر وعجر. من العضد قولهم: عضدت فلانا إذا قويته؛ وذلك لأن العضد أقوى اليد، ومنه عضادتا الباب: جانباه؛ لأنهما كالعضدين له، وعليه بقية الباب. *** ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥٧) ومن ذلك قراءة أبان بن تغلب: «ثمرات»، بضمّتين. قال أبو الفتح: الواحدة ثمرة، كخشبة، وثمر، كخشب، ومثله أكمة وأكم، ثم ضمت الميم إشباعا وتمكينا، كقولهم فى برد: برد وفى قفل قفل، ثم جمع ثمر على ثمرات جمع التأنيث؛ لأنه لمّا لم يعقل جرى مجرى المؤنث، وذلك عندنا لتخضّع ما لا عقل له، فلحق بذلك بضعفة التأنيث، فعليه قالوا: يا لثارات فلان: جمع ثار لما لم يكن من ذوى العلم. ونحوه قول أبى طالب: أسد تهدّ بالزّئيرات الصّفا جمع زئير، والعلة واحدة. وقد ذكرنا هذا مستقصى فى تفسير ديوان المتنبى عند قوله (٢): ففى النّاس بوقات لها وطبول (٣) … ومنه ما أنشده الأصمعىّ من قول الراجز: واردد إلى حورات حور شقّه فجمع حورا على حورات لما ذكرنا. ***

стр. 647

﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ (٧٦) ومن ذلك قراءة بديل بن ميسرة: «ما إنّ مفاتحه لينوء» (١)، بالياء. قال أبو الفتح: ذهب فى التذكير إلى ذلك القدر والمبلغ، فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه، فقال: «لينوء». ونحوه قول الراجز: مثل الفراخ نتفت حواصله أى: حواصل ذلك، أو حواصل ما ذكرنا. وأخبرنا شيخنا أبو علىّ قال: قال أبو عبيدة لرؤبة فى قوله (٢): فيها خطوط من سواد وبلق … كأنّه فى الجلد توليع البهق إن كنت أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن كنت أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال رؤبة: أردت: كأن ذاك، ويلك! هذا مجموع الحكاية، وهى متلقّاة مقبولة، كما يجب فى «ذلك». ولو قال قائل: إن الهاء فى «كأنه» عائدة على «البلق» وحده لكان مصيبا؛ لأن فى «البالق» ما يحتاج إليه من تشبيهه بالبهق، فلا ضرورة هناك إلى إدخال السواد معه. ونحو القراءة قول الآخر: ألا إنّ جيرانى العشيّة رائح (٣) … فأخبر عنه بلفظ الواحد؛ لأنه أجراه مجراه. وتجاوزوا هذا إلى أن أضافوا إلى لفظ الجماعة، فقالوا: أنصارىّ؛ لأنه جعل الأنصار جاريا مجرى الأب، أو الأم، أو البلد. وقال الآخر: مشوّه الخلق كلابىّ الخلق (٤) … فنسب إلى جنس الكلاب، ولولا ذلك لقال: كلبىّ، وفى الأنصارى: ناصرىّ، كما تقول فى الإضافة إلى الفرائض: فرضى، وإلى السفائن: سفنىّ. ***

стр. 648

﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٢) ومن ذلك قراءة يعقوب: «ويك»، يقف عليها، ثم يبتدئ (١)، فيقول: «أنه»، وكذلك الحرف الآخر مثله. قال أبو الفتح: فى «ويكأنّه» ثلاثة أقوال: منهم من جعلها كلمة واحدة، فقال: «ويكأنّه»، فلم يقف على «وى». ومنهم من يقف على «وى». ويعقوب على ما مضى-يقول: «ويك»، وهو مذهب أبى الحسن. والوجه فيه عندنا قول الخليل وسيبويه (¬*١)، وهو أنّ «وى» على قياس مذهبهما اسم سمى به الفعل فى الخبر، فكأنه اسم أعجب، ثم ابتدأ فقال: «كأنه لا يفلح الكافرون»، و «وى كأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده». ف «كأنّ» هنا إخبار عار من معنى التشبيه، ومعناه: أن الله يبسط الرزق لمن يشاء. و «وى» منفصلة من «كأنّ» وعليه بيت الكتاب (٢): وى كأن من يكن له نشب يح … بب ومن يفتقر يعش عيش ضر ومما جاءت فيه «كأن» عارية من معنى التشبيه ما أنشدناه أبو على: كأنّنى حين أمسى لا تكلّمنى … متيّم يشتهى ما ليس موجودا أى: أنا حين أمسى «متيم» من حالى كذا وكذا. ومن قال: إنها «ويك» فكأنه قال: أعجب لأنه لا يفلح الكافرون، وأعجب لأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، وهو قول أبى الحسن. وينبغى أن تكون الكاف هنا حرف خطاب لا اسما، بل هى بمنزلة الكاف فى ذلك وأولئك؛ وذلك أنّ «وى» ليست مما يضاف.

стр. 649

ومن وقف على «ويك»، ثم استأنف فينبغى أن يكون أراد أن يعلم أن الكاف من جملة «وى»، وليست بالتى فى صدر «كأن»، فوقف شيئا لبيان هذا المعنى. ويشهد لهذا المذهب قول عنترة: ولقد شفى نفسى وأبرأ سقمها … قيل الفوارس ويك عنتر أقدم (١) وقال الكسائى-فيما أظن-: أراد: ويلك، ثم حذف اللام، وهذا يحتاج إلى خبر نبىّ ليقبل. وقول من قال: إن «ويكأنّه» كلمة واحدة إنما يريد به أنه لا يفصل بعضه من بعض. *** ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا﴾ (٨٢) ومن ذلك الأعرج وشيبة ومجاهد وعاصم فى رواية أبان والحجاج بن أرطأة (¬*١) والحسن وأبى رجاء وسلام ويعقوب وحسن بن حى (٢) وعطية بن سعد وعبد الله بن يزيد «لخسف بنا». قال أبو الفتح: الفاعل اسم الله، والمفعول محذوف، أى: لخسف الله بنا الأرض، وقد كررنا ذكر حسن حذف المفعول به. وقرأ: «لا نخسف بنا» (٣) -الأعمش وطلحة، وكذلك فى قراءة ابن مسعود.

стр. 650

قال أبو الفتح: «بنا» من هذه القراءة مرفوعة الموضع؛ لإقامتها مقام الفاعل، فهو كقولك: انقطع بالرجل، وانجذب إلى ما يريد، وانقيد له إلى هواه. وانفعل-وإن لم يتعد إلى مفعول به-فإنه يتعدى إلى حرف الجر، فيقام حرف الجر مقام الفاعل، كقولهم: سير بزيد. وإن شئت أضمرت المصدر؛ لدلالة فعله عليه، فكأنه قال: لا نخسف الانخساف بنا، ف «بنا» على هذا منصوبة الموضع؛ لقيام غيرها وهو المصدر مقام الفاعل، ولا يكون الفعل الواحد فاعلان قائمان مقامه إلاّ على وجه الإشراك. ***

стр. 651

سورة العنكبوت ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الم (١) أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ (٢) [وقراءة] ورش: «ألف لام ميم حسب» (١)، بفتح الميم من غير همز بعدها. قال أبو الفتح: هذا على تخفيف همزة: ﴿أَحَسِبَ،﴾ حذفها وألقى حركتها على الميم، وانفتحت. وفيه ضعف؛ وذلك أن حروف التهجى مبنية على الوقف فى حال الوصل، كقراءة الجماعة: «ميم أحسب الناس». فإذا كانت فى الإدراج ساكنة لم يلق بها إلقاء الحركة عليها؛ وذلك أن إلقاء الحركة فى نحو هذا إنما يكون لما من عادته أن يحرّك فى الوصل لالتقاء الساكنين. وأنت تقول: «ميم» فتجمع بين الساكنين، وهما: الياء، والميم. فإذا كان الساكنان يجتمعان فى الوصل ضعف إلقاء حركة الهمزة عليها، وليس كذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢)؛ لأن «قد» مما يحرك لالتقاء الساكنين، نحو قد انقطع، وقد استخرج. فكما حرك لالتقاء الساكنين، فكذلك حرك لإلقاء حركة الهمزة عليه. فإن قلت: قد تقول: «ألف لام ميم الله»، فتحرك الميم من آخر «ميم» لسكونها وسكون اللام من بعدها، فهلا جاز على ذلك إلقاء حركة الهمزة عليها. قيل: أصل حركة التقاء الساكنين إنما هو فى المتصل، نحو: أين، وكيف، ومنذ، وسوف، وأمس، وهؤلاء. ثم شبه المنفصل فى ذلك بالمتصل، «وميم» و «نون» و «قاف» مما يجتمع فيه الساكنان فى الوصل، فعليه العمل لا على ما يحرك فى الوصل المنفصل لالتقاء الساكنين، إلا أن له أن يقول: شبهت سكونا بسكون، فحركت ميم «ميم» بإلقاء حركة الهمزة، كما حركت دال «قد افلح» كذلك. ***

стр. 652

﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب كرم الله وجهه: «فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين» (١)، برفع الياء فيهما، وكسر اللام. وقرأ الزهرى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾ مثل قراءة الناس، وقرأ: «وليعلمنّ الكاذبين» (٢) كقراءة علىّ. وقرأ جعفر بن محمد ومحمد بن عبد الله بن حسن، كقراءة علىّ ﵇. وقرأ الزهرى: «وليعلمنّ الله الذين آمنوا» كقراءة الناس أيضا، «وليعلمنّ المنافقين.» قال أبو الفتح: أما «فليعلمنّ»، بفتح الياء واللام فإنها على إقامة السبب مقام المسبب، والغرض فيه: فليكافئن الله الذين آمنوا؛ وذلك أن المكافأة على الشئ إنما هى مسببة عن علم، ولو لم يعلم لما صحت المكافأة. ومثله من إقامة السبب مقام المسبب قول الله سبحانه: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ (٣)، فهذا سبب قضاء الحاجة المكنّى بذكره عنها. وقد أفردنا لهذا الفصل من إقامة كل واحد من السبب والمسبب مقام صاحبه بابا فى كتاب الخصائص (٤). وأما قوله: «وليعلمن» ف معناه: وليعرّفنّ الناس من هم؟ فحذفت المفعول الأول، كما قال الله تعالى: «يوم يدعى كل أناس بإمامهم» (٥)، وكقوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ (٦). جاء فى التفسير أنها زرقة العيون، وسواد الوجوه. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ (٧)، وقيل فى زرقا: أى: عطاشا، ومنه: سنان أزرق، أى: ظمآن إلى الدم. &

стр. 653

وإن شئت لم تحمله على حذف المفعول لكن على أنه من قولهم: ثوب معلم، ومن قولهم: فارس معلم، أى: أعلم نفسه فى الحرب بما يعرف به من ثوب أو غيره، فكأنه قال: وليشهرنّ الذين صدقوا، وليشهرن الكاذبين، فيرجع إلى المعنى الأول، إلا أنه ليس على تقدير حذف المفعول. وإن شئت كان على حذف المفعول الثانى لا الأول، كأنه قال: فليعلمنّ الله الصادقين ثواب صدقهم، والكاذبين عقاب كذبهم. ومثل: «ليعلمنّ»، بفتح الياء واللام جميعا-قراءة من قرأ: «عرف بعضه وأعرض عن بعض» (١)، بتخفيف الراء من عرف، فأقام المعرفة مقام المعاتبة عنها. ومثل «وليعلمنّ»، بضم الياء، وكسر اللام-قراءة من قرأ: «عرّف بعضه»، بتشديد الراء. وأعلمت فى القراءتين جميعا إذا لم تكن بمعنى أعلمت الثوب فهو بمعنى عرفت، وهى متعدية إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ؛﴾ (¬*١) أى: عرفتم. وأما «ليعلمنّ» و «ليعلمنّ» فكأنه قال: فليكافئن، وليشهرن بما كافأ به على ما مضى من التفسير. *** ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ (١٧) ومن ذلك قراءة السّلمى وزيد بن على: «وتخلّقون إفكا». وقرأ فضيل بن مرزوق وابن الزبير: «وتخلقون أفكا»، بفتح الهمزة، وكسر الفاء. قال أبو الفتح: أما «تخلّقون» فعلى وزن تكذّبون، ومعناه. وأما «أفكا» فإما أن يكون مصدرا كالكذب والضحك، وإما أن يكون صفة لمصدر محذوف، أى: تكذبون كذبا أفكا، ثم حذف المصدر، وأقيمت صفته مقامه، كقولك: قمت مثل ما قام زيد، أى: قياما مثل قيام زيد. وأذهب فى الحذف-على هذا الحد-منه قول الله تعالى: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ (٢) أى: شربا مثل شرب الهيم؛ لأنه حذف فيه مع الموصوف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. وأفك على هذا صفة، كبطر، وأشر. ويجوز أن يكون محذوفا من آفك، وهو اسم الفاعل من أفك يأفك إفكا: إذا كذب. وأفكته آفكه

стр. 654

إفكا: إذا صرفته عن الشئ، وهو مأفوك. قال: إن تك عن أحسن المروءة مأ … فوكا ففى آخرين قد أفكوا (١) إلا أن الألف حذفت، كما حذفت فى برد وعرد، يريد باردا وعاردا. وقد مضى ذكره. *** ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة الزهرى: «أولم يروا كيف يبدا الله الخلق»، بغير همز. قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون أراد بغير همزة محققة، بل هى مخففة، فقرّبت من الساكن إلا أنها مضمومة؛ لأنها مخففة فى وزن المحققة. ولو كان بدلا محضا لقال: «يبدا»، فقلبها ياء، ثم أبدل من الياء ألفا، وأجراها مجرى ألف يخشى، كما أنه لما أبدلها الشاعر فيما أنشدناه أبو علىّ عن أبى زيد: إذا ملا بطنه ألبانها حلبا … باتت تغنّيه وضرى ذات أجراس (¬*١) أراد: «ملأ»، فأبدله ألبتة، فصارت ياء، فأبدلها للفتحة قبلها ألفا، فصارت «ملا» كما ترى، بوزن قضى وسعى. وقد شرحنا هذا فى كتابنا سر الصناعة وبأخرة فى كتابنا الخصائص (٢)، وبعده فى كتاب الخطيب، لما دعا إلى تكرير ذكره لقوة الحاجة إليه وتقاضى الوضع له. ***

стр. 655

سورة الروم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها﴾ (٩) روى الواقدى، عن سليمان، عن أبى جعفر: «وآثاروا الأرض» (١)، ممدودة. قال ابن مجاهد: ليس هذا بشئ. قال أبو الفتح: ظاهره لعمرى منكر إلا أن له وجها ما، وليس لحنا مقطوعا به؛ وذلك أنه أراد: وأثاروا الأرض، أى: شقّقوها للغرس والزراعة، وهو أفعلوا من قول الله سبحانه: ﴿لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ (٢)، إلا أنه أشبع فتحة الهمزة، فأنشأ عنها ألفا، فصارت «آثاروا» وقد ذكرنا ذلك وشواهده فى نحو قول ابن هرمة: فأنت من الغوائل حين ترمى … ومن ذمّ الرّجال بمنتزاح (٣) يريد: بمنتزح، منفعل من النازح، فأشبع فتحة الزاى، فأنشأ عنها ألفا. وهذا لعمرى مما تختصّ به ضرورة الشعر لا تخيّر القرآن. *** ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١٧) ومن ذلك قراءة عكرمة «حينا تمسون» (٤). قال أبو الفتح: أراد حينا تمسون فيه، فحذف «فيه» تخفيفا. هذا مذهب صاحب

стр. 656

الكتاب فى نحوه، وهو قوله سبحانه: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ (١) أى: لا تجزى فيه، ثم حذف «فيه» معتبطا لحرف الجر والضمير لدلالة الفعل عليهما. وقال أبو الحسن: حذف «فى» فبقى «تجزيه»؛ لأنه أوصل إليه الفعل، ثم حذف الضمير من بعد، ففيه. حذفان متتاليان شيئا على شئ، وهذا أرفق، والنفس به أبسأ من أن يعتبط الحرفان معا فى وقت واحد. وقرأ أيضا: «وحينا تصبحون» (¬*١)، والطريق واحد. *** ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة أبى العالية: «فيمتّعوا (٢)» فسوف يعلمون» (٣). قال أبو الفتح: «يمتّعوا» معطوف على قوله: «ليكفروا بما آتيناهم فيمتّعوا»، أى: فتطول أعمارهم على كفرهم فسوف يعلمون، تهدّدا على ذلك. *** ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ (٤٨) ومن ذلك قراءة علىّ ﵇: «من خلله» (٤)، وكذا ابن عباس والضحاك والحسن، بخلاف. قال أبو الفتح: يجوز أن يكون «خلل» واحد خلال، كجبل وجبال، ودار وديار. ويجوز أن يكون خلال واحدا عاقب خللا، كالغرا والغراء، والصلى والصّلاء. وسمى الرجل خليلا، كأنه يسد خلل خليله؛ فهذا إذا للسلب لا للإثبات، كالسّكاك للهواء بين الأرض والسماء، كأنه استلب معنى: «س ك ك»، وهو الضيق، وقد تقدم نحو هذا. ***

стр. 657

﴿آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ﴾ (٥٠) ومن ذلك قراءة الجحدرىّ وابن السميفع وأبى حيوة: «أثر رحمة الله» (١) «كيف تحيى» (٢). قال أبو الفتح: ذهب بالتأنيث إلى لفظ «الرحمة» ولا تقول على هذا: أما ترى إلى غلام هند كيف تضرب زيدا؟ بالتاء وفرّق بينهما أن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها، فإذا ذكرت أثرها فكأن الغرض فى ذلك إنما هو هى. تقول: رأيت عليك النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة، ولا يعبر عن هند بغلامها. ألا ترى أنك لا تقول رأيت غلام هند وأنت تعنى أنك رأيتها؟ وأثر النعمة كأنه هو النعمة، وقوله: «كيف تحيى» جملة منصوبة الموضع على الحال، حملا على المعنى لا على اللفظ؛ وذلك أن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر معنيان متدافعان. وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال: فانظر إلى أثر رحمة الله محيية للأرض بعد موتها، كما أن قوله: ما زلت أسعى معهم وأختبط … حتّى إذا جاء الظّلام المختلط جاءوا بضيح هل رأيت الذّيب قط؟ فقوله: هل رأيت الذيب قط جملة استفهامية، إلا أنها فى موضع وصف «الضيح» حملا على معناها دون لفظها؛ لأن الصفة ضرب من الخبر، فكأنه قال: جاءوا بضيح يشبه لونه لون الذئب، والضيح: هو اللبن المخلوط بالماء، فهو يضرب إلى الخضرة والطّلسة، وعليه قول الآخر: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة … وبالشّام أخرى كيف تلتقيان؟ فقوله: كيف تلتقيان جملة فى موضع نصب بدلا من «حاجة» وحاجة، فكأنه قال: إلى الله أشكو هاتين الحالتين تعذّر التقائهما. هذا أحسن من أن تقتطع قوله: كيف

стр. 658

تلتقيان مستأنفا؛ لأن هذا ضرب من هجنة الإعراب؛ لأنه إنما يشكو تعذر التقائهما، ولا يريد استقبال الاستفهام عنهما. *** ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة الحسن: «إلى يوم البعث فهذا يوم البعث» (١)، بفتح العين فيهما. قال أبو الفتح: قد تقدم القول على حديث فتحة الحرف الحلقى إذا كان ساكن الأصل تاليا للفتح، وذكر الفرق بين قولنا وقول البغداديين فيه، وأننى أرى فيه رأيهم لا رأى أصحابنا. وذكرت ما سمعته من الشجرى وغيره من قولهم فيه: أنا محموم، وقوله: يغذو، وهو يريد: يغذو. فلا وجه لإعادته هنا، فكذلك يجوز أن يكون أراد «البعث» على قراءة الجماعة، ثم حرك بالفتح لأجل حرف الحلق. *** ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٦٠) ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق ويعقوب: «ولا يستحقّنّك» (٢). قال أبو الفتح: أى: لا يغلبنك، فيصيروا أحق بك منك بنفسك، هذا محصول هذه القراءة. ***

стр. 659

سورة لقمان ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ﴾ (١٤) الحلوانىّ، عن شباب، عن أحمد بن موسى عن أبى عمرو وعيسى الثقفى: «حملته أمّه وهنا على وهن»، بفتح الهاء فيهما. قال أبو الفتح: الكلام هنا كالكلام فيما ذكرناه آنفا فى قوله تعالى: ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ (١)، وعلى أنه قد حكى أبو زيد: «فما وهنوا» (٢)، قراءة. فقد يمكن أن يكون «الوهن» مصدر هذا الفعل، كقولهم: وضر وضرا، ووحر وحرا. *** ﴿وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة الحسن بخلاف وأبى رجاء والجحدرى وقتادة ويعقوب: «وفصله فى عامين» (٣). قال أبو الفتح: الفصل أعم من الفصال؛ لأنه مستعمل فى الرّضاع وغيره، والفصال هنا أوقع؛ لأنه موضع يختص بالرضاع. فأما الفصال مصدر فاصلته، فغير هذا المعنى، وإن كان الأصل واحدا. ومعنى «ف ص ل» قريب من معنى «ف س ل»؛ وذلك أن الفسل الدّنىّ من الناس، والدنىّ هو الساقط. وإذا سقط الإنسان انقطع عن معظم ما عليه الناس؛ ولذلك قالوا: فيه هو ساقط ومنقطع ومتأخر، فالمعنى إذا راجع إلى الانفصال والانقطاع. ***

стр. 660

﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ (١٦) ومن ذلك قراءة عبد الكريم الجزرىّ: «فتكن فى صخرة» (١)، بكسر الكاف. قال أبو الفتح هذا من قولهم: وكن الطائر: إذا استقر فى وكنته، وهى مقره ليلا، وهى أيضا عشه الذى يبيض فيه، ووكره. ومنه قوله (٢): وقد أغتدى (٣) … والطّير فى وكناتها. وقد وكن يكن وكونا فهو واكن، وجمعه وكون، كقاعد وقعود. قال: يذكّرنى سلمى وقد حال دونها … حمام على بيضاتهنّ وكون (٤) وكأنه من مقلوب الكون؛ لأن الكون الاستقرار، وعليه قالوا: قد تكوّن فى منزله واستقر. *** ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ (٢٠) ومن ذلك قراءة يحيى بن عمارة: «وأصبغ (٥)» عليكم نعمته ظاهرة وباطنة» (٦). قال أبو الفتح: أصله السين، إلا أنها أبدلت للغين بعدها صادا، كما قالوا فى سالغ: &

стр. 661

صالغ، وفى سالخ: صالخ، وفى سقر: صقر، وفى السّقر الصّقر؛ وذلك أن حروف الاستعلاء تجتذب السين عن سفالها إلى تعاليهن، والصاد مستعلية، وهى أخت السين فى المخرج، وأخرى حروف الاستعلاء. وهذا التقريب بين الحروف مشروح الحديث فى باب الإدغام، ومنه قولهم فى سطر: صطر، وفى سويق: صويق. وحكى يونس عنهم فى السوق: الصّوق، وروينا عن الأصمعى، قال: تنازع رجلان فى السّقر، فقال أحدهما: بالصاد، والآخر: بالسين، فتراضيا بأول من يجتاز بهما، فإذا راكب يوضع، فسألاه، فقال: ليس كما قلت ولا كما قلت، إنما هو الزقر. *** ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (٢٧) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «وبحر يمدّه» (١)، وهى قراءة طلحة بن مصرّف. وقرأ جعفر بن محمد: «والبحر مداده» (٢). وقرأ الأعرج والحسن: «والبحر يمدّه» (٣)، برفع الياء. قال أبو الفتح: فى إعراب هذه الآية نظر؛ وذلك أن هناك حذفا، فتقديره: فكتب بذلك كلمات الله ما نفدت، فحذف ذلك للدلالة عليه، كما أن قوله: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٤)، أى: فحلق فعليه فدية، فاكتفى بالمسبّب، وهو الفدية من السبب، وهو الحلق، ونظائره كثيرة فى القرآن وفصيح الكلام. وأما رفع «بحر» فالابتداء، وخبره محذوف، أى: وهناك بحر يمدّه من بعده سبعة أبحر. ولا يجوز أن يكون و «بحر» معطوفا على «أقلام»؛ لأن البحر وما فيه من الماء ليس من حديث الشجر والأقلام، وإنما هو من حديث المداد، كما قرأ جعفر بن محمد: «والبحر مداده». فأما رفع «البحر» فإن شئت كان معطوفا على موضع «أنّ» واسمها وإن كانت

стр. 662

مفتوحة، كما عطف على موضعها فى قوله سبحانه: ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١)، وقد ذكرنا ما فى ذلك وكيف يسقط اعتراض من تعقب فيه فيما مضى. ويدل على صحة العطف هنا، وأن الواو ليست بواو حال: قراءة أبى عمرو وغيره: «والبحر يمدّه» (٢)، بالنصب، فهذا عطف على «ما» لا محالة. ويشهد بجواز كون الواو حالا هنا قراءة طلحة بن مصرف: «وبحر يمدّه»، أى: وهناك بحر يمدّه من بعده سبعة أبحر، فهذه واو حال لا محالة. وأما «والبحر يمدّ»، بضم الياء فتشبيه بإمداد الجيش، يقال: مدّ النهر، ومدّه نهر آخر، وأمددت الجيش بمدد. قال الله تعالى: ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٣)، قال العجاج: ماء قرىّ مدّه قرىّ فأما قول الآخر: نظرت إليها والنّجوم كأنّها … قناديل مرس أوقدت بمداد (٤) فليس من المداد الذى يكتب به، وإنما أراد هنا ما يمدّها من الدّهن، كذا فسروه، وليس بقوىّ أن تكون قراءة جعفر بن محمد: «والبحر مداده»: أى: زائد فيه؛ لأن ماء البحر لا يعتدّ زائدا فى الشجر والأقلام؛ لأنه ليس من جنسه، فالمداد هناك إنما هو هذا المكتوب به بإذن الله. *** ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة موسى بن الزّبير: «الفلك» (٥)، بضم اللام.

стр. 663

قال أبو الفتح: حكى أبو الحسن عن عيسى بن عمران، قال: ما سمع، أو ما سمعنا: فعل إلا وقد سمعنا فيه: فعل، فقد يكون هذا منه أيضا، وقد ذكرناه قبل. *** ﴿بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ (٣١) ومن ذلك: «بنعمات الله»، ساكنة العين، قرأها جماعة منهم الأعرج (١). قال أبو الفتح: ما كان على فعلة ففى جمعه بالتاء ثلاث لغات: فعلات، وفعلات، وفعلات كسدرة وسدرات، وسدرات، وسدرات. وكذلك فعلة فيها الثلاث أيضا: الإتباع والعدول عن ضمه العين إلى فتحها، والسكون هربا من اجتماع الضمتين: كغرفة وغرفات وغرفات، وغرفات. قال أبو على: مما يدل على أن الألف والتاء فى هذا النحو فى تقدير الاتصال، وأنهما ليستا كتاء التأنيث فى نحو: سدرة، وبسرة: اطّراد الكسر فى نحو: سدرات، وكسرات، وعذرات، مع عزة فعل فى الواحد، يريد إبلا، وما لحق به مما لم يذكره صاحب الكتاب. ذكر ذلك عند تفسيره سيبويه: إنك لو سميت رجلا بذيت لقلت فيه: ذيات، بتخفيف الياء، فيمن رواه هكذا. وذكر هناك أيضا صحة الواو فى نحو: خطوات، وشوات مع ضمة ما قبلها، قال: ولو كانت الألف والتاء فى تقدير الانفصال لما صحت الواو فى نحو: خطوات، كما لا يصح فى فعلة من غزوت إذا بنيتها على التذكير فقلت: غزية. وأنا من بعد أرى أن تسكين عين فعلات، كنعمات وسدرات-أمثل من تسكين عين فعلات، كغرفات؛ وذلك أن صدر سدرات قليل النظير، إنما هو إبل، وإطل، وامرأة بلز للضخمة، وما لا بال به. وصدر فعلات كثير، كبرد، ودرج، وقرط. ومن قال: كسرات، فأثبت كسرة السين لم يقل كذلك فى رشوات؛ لأنه إن كسر الشين انقلبت الواو ياء. وكذلك مديات لا تضم ثانيها؛ لئلا تنقلب الياء واوا، فيقال مدوات كما كان يجب فى رشوات رشيات، لكنهم جنحوا فيهما إلى الإسكان الذى كان مستعملا فى الصحيح العين، نحو: ظلمات، وكسرات. فأما الفتح فجائز حسن نحو: رشوات، ومديات؛ لأن حرفى العلة تصحان هنا بعد الفتحة، نحو: قنوات، وحصيات.

стр. 664

وأنا أرى أن إسكان عين فعلات مما جاء فى الشعر من الأسماء نحو قول ذى الرّمّة: أبت ذكر عوّدن أحشاء قلبه … خفوقا ورفضات الهوى فى المفاصل (١) ليس العذر فيه كالعذر فى قولهم: ظبية وظبيات، وغلوة وغلوات؛ وذلك أنه إذا فتح العين، وأجراها على الواجب فى ذلك من نحو: جفنات، وثمرات، وسفرات، لم يلزمه ما يحوج إلى الاعتذار من تصحيح اللام-وهى حرف علة محرك وقبله فتحة-كما يحتاج إلى الاعتذار من ذلك فى نحو: النزوان، والكروان، والنفيان، والصّميان. وحكى أبو زيد فى هذا الشرح: شرية وشريات، فجاءت فى النثر لا على الضرورة، وهذا مما ذكرت لك فاعرفه. *** ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٣٣) ومن ذلك قراءة سماك بن حرب: «ولا يغرّنّكم بالله الغرور»، بضم الغين. قال أبو الفتح: الغرور: الاغترار، أى لا يغرّنكم بالله اغتراركم وتمادى السلامة بكم. يقال: رجل غرّ وامرأة غرّ بلا هاء، وغرير وغريرة بالهاء. ومنه غرّ الثوب، أى: مطواه ومنثناه. وحدثنى بعض أصحابنا، قال: دفع البزّاز إلى رؤبة ثوبا منشورا لينظر إليه، فرده وقال له: اطوه على غرّه، أى أعده إلى مطواه، وقال: أنس غرائر ماهممن بريبة … كظباء مكّة صيدهنّ حرام ***

стр. 665

سورة السجدة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٧) قرأ الزهرى: «وبدا خلق الإنسان»، بغير همز (١). قال أبو الفتح: ترك الهمز فى هذا عندنا على البدل، لا على التخفيف القياسىّ، ومثله بيت الكتاب (٢): راحت بمسلمة البغال عشيّة … فارعى فزارة لا هناك المرتع (٣) ولو كان تخفيفا قياسيا لجعل الهمزة بين بين، فقال: «بدا»، ولو أسندت الفعل إلى نفسك على التخفيف القياسىّ قلت: بدات بألف لا همز فى لفظها، وعلى البدل: بديت، كما حكى عنهم: قريت، وأخطيت. وقد مضى ذلك. *** ﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس رضى الله عنهما، وأبان بن سعيد بن العاص (٤)

стр. 666

والحسن بخلاف: «صللنا» (١)، بالصاد، مكسورة اللام. وقرأ أيضا بالصاد مفتوحة اللام-الحسن، بخلاف (٢). قال أبو الفتح: صلّ اللحم يصلّ: إذا أنتن، وصلّ أيضا يصلّ-بفتح الصاد- والكسر فى المضارع أقوى اللغتين. والمعنى: إذا دفنّا فى الأرض، وصلّت أجسامنا. يقال: صلّ اللحم وأصلّ صلولا وصلالا، قال: هو الفتى كلّ الفتى فاعلمى … لا يفسد اللّحم لديه الصّلول (٣) وقال زهير (٤): تلجلج مضغة فيها أنيض … أصلّت فهى تحت الكشح داء (٥) *** ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وأبى هريرة وأبى الدرداء وابن مسعود وعون العقيلى «قرّات (٦)» أعين».

стр. 667

قال أبو الفتح: القرّة المصدر، وكان قياسه ألاّ يجمع؛ لأن المصدر اسم جنس، والأجناس أبعد شئ عن الجمعية لاستحالة المعنى فى ذلك، لكن جعلت القرّة هنا نوعا، فجاز جمعها، كما تقول: نحن فى أشغال، وبيننا حروب، وهناك أحزان وأمراض. وحسّن لفظ الجمع هنا أيضا إضافة «القرّات» إلى لفظ الجماعة، أعنى «الأعين». فقولنا إذا: أشغال القوم أشبه لفظا من أشغال زيد، وكلاهما صحيح، غير أن فيه ما ذكرته. وليس ينبغى أن يحتقر فى هذه اللغة الشريفة تجانس الألفاظ؛ فإن أكثرها دائر عليه فى أكثر الوقت. *** ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «يمشّون فى مساكنهم» (١)، وقرأ أيضا: «إنّهم منتظرون» (٢). قال أبو الفتح: دفع أبو حاتم هذه القراءة بالفتح، واعتزم الكسر، واستدل على ذلك بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ (٣). و «يمشّون» للكثرة، قال: يمشّى بيننا حانوت خمر … من الخرس الصّراصرة القطاط (٤) ***

стр. 668

سورة الأحزاب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ (١٣) «إنّ بيوتنا عورة وما هى بعورة» (١)، بكسر الواو-ابن عباس وابن يعمر وأبو رجاء، بخلاف، وعبد السلام أبو طالوت عن أبيه وقتادة. قال أبو الفتح: صحة الواو فى هذا شاذة من طريق الاستعمال؛ وذلك أنها متحركة بعد فتحة، فكان قياسها أن تقلب ألفا، فيقال: عارة، كما قالوا: رجل مال. وامرأة مالة، وكبش صاف ونعجة صافة، ويوم راح، وطان، ورجل نال، من النّوال، وله نظائر. وكل ذلك عندنا فعل، كرجل فرق وحذر. ومثل «عورة» فى صحة واوها قولهم: رجل عوز لوز، أى: لا شئ له، وقول الأعشى (٢): وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى … شاو مشلّ شلول شلشل شول (٣) فكأن «عورة» أسهل من ذلك شيئا؛ لأنها كأنها جارية على قولهم: عور الرجل، فهو بلفظه، والمعنيان ملتقيان؛ لأن المنزل إذا أعور فهناك إخلال واختلال. *** &

стр. 669

﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ (٢٠) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «بدّى فى الأعراب»، شديدة الدال، منونة. قال أبو الفتح: هذا أيضا جمع باد، فنظيره قول الله سبحانه: ﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ (١)، جمع غاز على فعّل. ولو كان على فعّال لكان بدّاء وغزاء، ككاتب وكتاب، وضارب وضرّاب أنشد الأصمعى: وأنا فى الضّرّاب قيلان القله (٢) … *** ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة الحسن: «ثم سولوا الفتنة» (٣)، مرفوعة السين، ولا يجعل فيها ياء، ولا يمدها. قال أبو الفتح: اعلم أن فى سألت لغتين: إحداهما: سأل يسأل مهموزا، كدأل يدأل، وجأر يجأر. والأخرى: وهى سال يسال، كخاف يخاف. والعين من هذه اللغة واو؛ لما حكاه أبو زيد من قوله: هما يتساولان، كقولك: يتقاومان، ويتقاولان. والذى ينبغى أن تحمل عليه هذه القراءة هو أن تكون على لغة من قال: سال يسال، كخاف يخاف، ومال يمال: إذا كثر ماله. وأقيس اللغات فى هذا أن يقال عند إسناد الفعل إلى المفعول: سيلوا كعيدوا، ومثل قيل، وبيع، وسير به. ولغة أخرى هنا وهى إشمام كسرة الفاء ضمة، فيقال: سيلوا، كقيل وبيع. واللغة الثالثة سولوا، كقولهم: قول، وبوع، وقد سور به. وهو على إخلاص ضمة فعل، إلا أنه أقل اللغات. وروينا عن محمد بن الحسن قول الشاعر: وابتذلت غضبى وأمّ الرّحال … وقول لا أهل له ولا مال (٤) أى: وقيل وروينا أيضا:

стр. 670

نوط إلى صلب شديد الخلّ أى: نيط، كقولك: وصل به، فهذا أحد الوجهين، وهو كالساذج. والآخر: وفيه الصنعة، وهو أن يكون أراد: سئلوا، فخفف الهمزة، فجعلها بين بين، أى: بين الهمزة والياء؛ لأنها مكسورة، فصارت سيلوا، فلما قاربت الياء، وضعفت فيها الكسرة شابهت الياء الساكنة وقبلها ضمة، فأنحى بها نحو قول وبوع. فإما أخلصها فى اللفظ واوا لانضمام ما قبلها على رأى أبى الحسن فى تخفيف الهمزة المكسورة إذا انضم ما قبلها، نحو قولهم: مررت باكموك، وعلى قوله: «يستهزيون» (١) بإخلاص الهمزة إذا خففها ياء لانكسار ما قبلها. وإما بقّاها على روائح الهمزة الذى فيها فجعلها بين بين، فخفيت الكسرة فيها، فشابهت لانضمام ما قبلها-الواو. ويدل على أن الهمزة المكسورة إذا خففت قاربت لضعف حركتها-الياء الساكنة قول ابن ميّادة: فكان يوميذ لها أمرها (٢) … أراد: يومئذ، ثم خفف الهمزة، فقاربت الياء، فصارت كأنها «يوميذ» بياء مخلصة، فأسكنها استثقالا للكسرة فيها فصارت «يوميذ». وعليه قولهم: أيش تقول: أراد: أىّ شئ تقول؟ ثم خفف الهمزة وهى مكسورة، فدانت الياء، فاستثقل فيها الكسرة، كما يستثقلها فى ياء القاضى والغازى، فصار أيش، كقولك: قاض، وغاز. ويؤكد هذا القول الثانى قول ابن مجاهد: ولا يمدها، أى ينسى الهمز الذى كان فيها الذى لو اعتمده وتطاول نحوه لزاد فى الحرف الصوت للحركة التى كان يقوى ويزيد صداه لمكانها. ألا ترى أن قولك: آدم وآمن أنقص صوتا من قولك: «آانت قلت للناس» (٣)؛ لمكان حركة الهمزة الثانية وإن كانت مخفاة مضعفة؟ أعنى إذا خففت همزة «أنت» ولم تفصل بينها وبين همزة الاستفهام قبلها بألف الوصل، كالتى فى قوله:
следующие страницы →