← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والحسن بخلاف: «صللنا» (١)، بالصاد، مكسورة اللام. وقرأ أيضا بالصاد مفتوحة اللام-الحسن، بخلاف (٢). قال أبو الفتح: صلّ اللحم يصلّ: إذا أنتن، وصلّ أيضا يصلّ-بفتح الصاد- والكسر فى المضارع أقوى اللغتين. والمعنى: إذا دفنّا فى الأرض، وصلّت أجسامنا. يقال: صلّ اللحم وأصلّ صلولا وصلالا، قال: هو الفتى كلّ الفتى فاعلمى … لا يفسد اللّحم لديه الصّلول (٣) وقال زهير (٤): تلجلج مضغة فيها أنيض … أصلّت فهى تحت الكشح داء (٥) *** ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وأبى هريرة وأبى الدرداء وابن مسعود وعون العقيلى «قرّات (٦)» أعين».

стр. 667

قال أبو الفتح: القرّة المصدر، وكان قياسه ألاّ يجمع؛ لأن المصدر اسم جنس، والأجناس أبعد شئ عن الجمعية لاستحالة المعنى فى ذلك، لكن جعلت القرّة هنا نوعا، فجاز جمعها، كما تقول: نحن فى أشغال، وبيننا حروب، وهناك أحزان وأمراض. وحسّن لفظ الجمع هنا أيضا إضافة «القرّات» إلى لفظ الجماعة، أعنى «الأعين». فقولنا إذا: أشغال القوم أشبه لفظا من أشغال زيد، وكلاهما صحيح، غير أن فيه ما ذكرته. وليس ينبغى أن يحتقر فى هذه اللغة الشريفة تجانس الألفاظ؛ فإن أكثرها دائر عليه فى أكثر الوقت. *** ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة ابن السّميفع: «يمشّون فى مساكنهم» (١)، وقرأ أيضا: «إنّهم منتظرون» (٢). قال أبو الفتح: دفع أبو حاتم هذه القراءة بالفتح، واعتزم الكسر، واستدل على ذلك بقوله: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ (٣). و «يمشّون» للكثرة، قال: يمشّى بيننا حانوت خمر … من الخرس الصّراصرة القطاط (٤) ***

стр. 668

سورة الأحزاب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ (١٣) «إنّ بيوتنا عورة وما هى بعورة» (١)، بكسر الواو-ابن عباس وابن يعمر وأبو رجاء، بخلاف، وعبد السلام أبو طالوت عن أبيه وقتادة. قال أبو الفتح: صحة الواو فى هذا شاذة من طريق الاستعمال؛ وذلك أنها متحركة بعد فتحة، فكان قياسها أن تقلب ألفا، فيقال: عارة، كما قالوا: رجل مال. وامرأة مالة، وكبش صاف ونعجة صافة، ويوم راح، وطان، ورجل نال، من النّوال، وله نظائر. وكل ذلك عندنا فعل، كرجل فرق وحذر. ومثل «عورة» فى صحة واوها قولهم: رجل عوز لوز، أى: لا شئ له، وقول الأعشى (٢): وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى … شاو مشلّ شلول شلشل شول (٣) فكأن «عورة» أسهل من ذلك شيئا؛ لأنها كأنها جارية على قولهم: عور الرجل، فهو بلفظه، والمعنيان ملتقيان؛ لأن المنزل إذا أعور فهناك إخلال واختلال. *** &

стр. 669

﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ (٢٠) ومن ذلك قراءة ابن عباس: «بدّى فى الأعراب»، شديدة الدال، منونة. قال أبو الفتح: هذا أيضا جمع باد، فنظيره قول الله سبحانه: ﴿أَوْ كانُوا غُزًّى﴾ (١)، جمع غاز على فعّل. ولو كان على فعّال لكان بدّاء وغزاء، ككاتب وكتاب، وضارب وضرّاب أنشد الأصمعى: وأنا فى الضّرّاب قيلان القله (٢) … *** ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة الحسن: «ثم سولوا الفتنة» (٣)، مرفوعة السين، ولا يجعل فيها ياء، ولا يمدها. قال أبو الفتح: اعلم أن فى سألت لغتين: إحداهما: سأل يسأل مهموزا، كدأل يدأل، وجأر يجأر. والأخرى: وهى سال يسال، كخاف يخاف. والعين من هذه اللغة واو؛ لما حكاه أبو زيد من قوله: هما يتساولان، كقولك: يتقاومان، ويتقاولان. والذى ينبغى أن تحمل عليه هذه القراءة هو أن تكون على لغة من قال: سال يسال، كخاف يخاف، ومال يمال: إذا كثر ماله. وأقيس اللغات فى هذا أن يقال عند إسناد الفعل إلى المفعول: سيلوا كعيدوا، ومثل قيل، وبيع، وسير به. ولغة أخرى هنا وهى إشمام كسرة الفاء ضمة، فيقال: سيلوا، كقيل وبيع. واللغة الثالثة سولوا، كقولهم: قول، وبوع، وقد سور به. وهو على إخلاص ضمة فعل، إلا أنه أقل اللغات. وروينا عن محمد بن الحسن قول الشاعر: وابتذلت غضبى وأمّ الرّحال … وقول لا أهل له ولا مال (٤) أى: وقيل وروينا أيضا:

стр. 670

نوط إلى صلب شديد الخلّ أى: نيط، كقولك: وصل به، فهذا أحد الوجهين، وهو كالساذج. والآخر: وفيه الصنعة، وهو أن يكون أراد: سئلوا، فخفف الهمزة، فجعلها بين بين، أى: بين الهمزة والياء؛ لأنها مكسورة، فصارت سيلوا، فلما قاربت الياء، وضعفت فيها الكسرة شابهت الياء الساكنة وقبلها ضمة، فأنحى بها نحو قول وبوع. فإما أخلصها فى اللفظ واوا لانضمام ما قبلها على رأى أبى الحسن فى تخفيف الهمزة المكسورة إذا انضم ما قبلها، نحو قولهم: مررت باكموك، وعلى قوله: «يستهزيون» (١) بإخلاص الهمزة إذا خففها ياء لانكسار ما قبلها. وإما بقّاها على روائح الهمزة الذى فيها فجعلها بين بين، فخفيت الكسرة فيها، فشابهت لانضمام ما قبلها-الواو. ويدل على أن الهمزة المكسورة إذا خففت قاربت لضعف حركتها-الياء الساكنة قول ابن ميّادة: فكان يوميذ لها أمرها (٢) … أراد: يومئذ، ثم خفف الهمزة، فقاربت الياء، فصارت كأنها «يوميذ» بياء مخلصة، فأسكنها استثقالا للكسرة فيها فصارت «يوميذ». وعليه قولهم: أيش تقول: أراد: أىّ شئ تقول؟ ثم خفف الهمزة وهى مكسورة، فدانت الياء، فاستثقل فيها الكسرة، كما يستثقلها فى ياء القاضى والغازى، فصار أيش، كقولك: قاض، وغاز. ويؤكد هذا القول الثانى قول ابن مجاهد: ولا يمدها، أى ينسى الهمز الذى كان فيها الذى لو اعتمده وتطاول نحوه لزاد فى الحرف الصوت للحركة التى كان يقوى ويزيد صداه لمكانها. ألا ترى أن قولك: آدم وآمن أنقص صوتا من قولك: «آانت قلت للناس» (٣)؛ لمكان حركة الهمزة الثانية وإن كانت مخفاة مضعفة؟ أعنى إذا خففت همزة «أنت» ولم تفصل بينها وبين همزة الاستفهام قبلها بألف الوصل، كالتى فى قوله:

стр. 671

«آانت قلت للناس» فى قول أبى عمرو ومن ذهب مذهبه؛ لأن ذلك صوت واف ومطمئن متماد، وإنما مرادنا قدر تمام الصوت لتخفيف الثانية، على أن لا فاصل بينها وبين الأولى؛ لأنه حينئذ يوافق قوله: ولا يمدها، أى: لا يمدها كما يمدها إذا اعتد حركة الثانية. *** ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة عمرو بن فائد الأسوارى، ورويت عن يعقوب: «يا نساء النبىّ من تأت منكنّ» (١) بالتاء. قال أبو الفتح: هذا حمل على المعنى، كأن «من» هنا امرأة فى المعنى، فكأنه قال: أيّة امرأة أتت منكن بفاحشة، أو تأت بفاحشة. وهو كثير فى الكلام، معناه للبيان كقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ (٢)، وقول الفرزدق: تعشّ فإن عاهدتنى لا تخوننى … نكن مثل من يا ذيب يصطحبان أى: مثل اللذين يصطحبان، أو مثل اثنين يصطحبان، وأن يكون على الصلة أولى من أن يكون على الصفة، فكأن الموضع فى هذا الحمل على المعنى إنما بابه الصلة، ثم شبهت بها الصفة، ثم شبهت الحال بالصفة، ثم شبه الخبر بالحال، كذا ينبغى أن يرتب هذا الباب من تنزيل، ولا ينبغى أن يؤخذ بابا سردا وطرحا واحدا؛ وذلك أن الصلة أذهب فى باب التخصيص من الصفة لإبهام الموصول، فلما قويت الحاجة إلى البيان فى الصلة جاء ضميرها من الصلة على معناها؛ لأنه أشد إفصاحا بالغرض، وأذهب فى البيان المعتمد. فأما ما أنشدناه أبو علىّ عن الكسائىّ من قول الشاعر: أخو الذّيب يعوى والغراب ومن يكن … شريكيه تطمع نفسه كلّ مطمع (٣) ففيه نظر. وكان قياسه: ومن يكن شريكيهما، أو من يكونا شريكيه، وقد كان أبو على يتعسف هذا، وأقرب ما فيه أن يكون تقديره: وأىّ إنسان يكونا شريكيه، إلا أنه

стр. 672

أعاد إليهما معا ضميرا واحدا، وهو الضمير فى «يكن». وساغ ذلك إذ كانت الذيب والغراب فى أكثر الأحوال مصطحبين، فجريا مجرى الشئ الواحد، فعاد الضمير كذلك. ومثله قوله (١): لمن زحلوقة زلّ … بها العينان تنهل ولم يقل: تنهلاّن؛ لكونهما كالعضو الواحد. ومثله للفرزدق: ولو رضيت يداى بها وضنّت … لكان علىّ للقدر الخيار (٢) ولم يقل: رضيتا. *** ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة الأعرج وأبان بن عثمان «فيطمع الذى»، بكسر العين. قال أبو الفتح: هو معطوف على قول الله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ،﴾ أى: فلا يطمع الذى فى قلبه مرض، فكلاهما منهى عنه، إلا أن النصب أقوى معنى، وأشد إصابة للعذر؛ وذلك أنه إذا نصب كان معناه أن طعمه إنما هو مسبب عن خضوعهن بالقول. فالأصل فى ذلك منهىّ عنه، والمنهىّ مسبّب عن فعلهن، وإذا عطفه كان نهيا لهن وله، وليس فيه دليل على أن الطمع راجع الأصل إليهن، وواقع من أجلهن. وعليه بيت امرئ القيس (٣):

стр. 673

فقلت له صوّب ولا تجهدنّه … فيذرك من أخرى القطاة فتزلق (١) فهذا نهى بعد نهى، كالقراءة الشاذة. *** ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤٠) ومن ذلك ما رواه عبد الوهاب عن أبى عمرو: «ولكنّ رسول الله»، نصب (٢). قال أبو الفتح: «رسول الله» منصوب على اسم «لكنّ»، والخبر محذوف، أى: ولكنّ رسول الله محمد. وعليه قول الفرزدق: فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتى … ولكنّ زنجيا غليظ المشافر (٣) أى: ولكنّ زنجيا غليظ المشافر لا يعرف قرابتى، فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه،

стр. 674

وهو قوله: عرفت قرابتى، كما أن قوله: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ يدل على أنه مخالف لهذا الضرب من الناس، ونحو من ذلك قول طرفة (١): وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا … تخلّل حرّ الرّمل دعص له ندى (٢) قال أبو الحسن على بن سليمان: لم يأت لكأن بخبر، علما بمعرفة موضعه، أى: كأن ذلك المنوّر ثغرها، فحذفه للعلم به، ولطول الكلام. *** ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ (٥٠) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب والحسن والثقفى وسلاّم: «أن وهبت نفسها للنبىّ» (٣)، بفتح الألف.

стр. 675

قال أبو الفتح: تقديره: لأن وهبت نفسها، أى: أنها تحل له من أجل أن وهبت نفسها له، إلا أن حلّ ذلك لذلك عند هبتها نفسها له، وإن هى وهبت نفسها له، وليس يعنى بذلك امرأة بعينها قد كانت وهبت نفسها له، وإنما محصوله أنها إن وهبت امرأة نفسها للنبى ﷺ حلت له من أجل هبتها إياها له ﵇، فالحل إذا إنما هو مسبب عن الهبة متى كانت؛ فلهذا لم يعتزم به واحدة معينة قد كانت وهبت نفسها له، ويؤكد ذلك القراءة بالكسر، فصح به الشرط. *** ﴿بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ (٥١) ومن ذلك قراءة أبو إياس جؤيّة بن عائذ: «بما آتيتهنّ كلّهنّ» (١)، بنصب اللام. قال أبو الفتح: نصبه على أنه توكيد ل «هنّ» من قوله: «آتيتهنّ»، وهو راجع إلى معنى قراءة العامة: ﴿كُلُّهُنَّ،﴾ بضم اللام؛ وذلك أن رضاهن كلّهن بما أوتين كلّهن على انفرادهن واجتماعهن، فالمعنيان إذا واحد، إلا أن الرفع أقوى معنى وذلك أن فيه إصراحا من اللفظ بأن يرضين كلهن، والإصراح فى القراءة الشاذة-أعنى النصب- إنما هو بإيتائهن كلهن، وإن كان محصول الحال فيهما مع التأويل واحدا. *** ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة الحسن: «يأيّها الذين آمنوا فصلّوا عليه» (٢). قال أبو الفتح: دخول الفاء إنما هو لما ضمّنه الحديث من معنى الشرط؛ وذلك أنه إنما وجبت عليه الصلاة منا لأن الله «سبحانه» قد صلى عليه، فجرى ذلك مجرى قولهم: قد أعطيتك فخذ، أى: إنما وجب عليك الأخذ من أجل العطية، وإذا قال: قد أعطيتك، خذ فالوقوف على أعطيتك، ثم استأنف الأمر له بالأخذ فهو أعلى معنى، وأقوم قيلا. وذلك أنه إذا علل الأخذ، فجعله واجبا عن العطية فجائز أن يعارضه المأمور بالأخذ. بأن يقول: قد ثبت أن الأخذ لا يجب بعطيتك، فإن كان أخذى لغير ذلك فعلت. وهو

стр. 676

إذا ارتجل قوله: خذ، لم يسرع المعارضة له فى أمره إياه؛ لاستبهام معنى موجب الأخذ، كما قد تقع المعارضة إذا ذكر العلة فى ذلك. فإن قلت: فقد يجوز أن يعارض أمره بالأخذ مرسلا، كما قد يعارضه معلّلا. ألا تراه قد يقول له: اذكر لى علة الأخذ لأرى فيه رأيى فيتوقف عن الأخذ إلى أن يعرف علة الأمر له بذلك؟ قيل على كل حال الأمر المحتوم به على حالاته أثبت فى النفس من المعلّل بما يجوز أن يعارض. وإذا راجعت نظرك وأعملت فكرتك وجدت الحال فيه على ما ذكرت لك؛ فلذلك كان قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ أقوى معنى. *** ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ﴾ (٦٦) ومن ذلك قراءة عيسى بن عمر الكوفىّ: «يوم تقلّب وجوههم» (١)، نصب. قال أبو الفتح: الفاعل فى «تقلّب» ضمير السعير المقدم الذكر فى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً،﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ،﴾ أى: تقلّب السعير وجوههم فى النار، فنسب الفعل إلى النار، وإن كان المقلّب هو الله سبحانه، بدلالة قراءة أبى حيوة: «يوم نقلّب وجوههم» (٢)؛ لأنه إذا كان التقليب فيها جاز أن ينسب الفعل إليها للملابسة التى بينهما، كما قال الله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ (٣)، فنسب المكر إليهما لوقوعه فيهما، وعليه قول رؤبة (٤): فنام ليلى وتجلّى همّى أى: نمت فى ليلى، وعليه نفى جرير الفعل الواقع فيه عنه فقال (٥): لقد لمتنا يا أمّ غيلان فى السّرى … ونمت وما ليل المطىّ بنائم (٦) &

стр. 677

فهذا نفى لمن قال: نام ليل المطىّ، وتطرقوا من هذا الاتساع إلى ما هو أعلى منه، فعليه بيت الكتاب (١): أمّا النّهار ففى قيد وسلسلة … واللّيل فى جوف منحوت من السّاج (٢) فجعل النهار نفسه فى القيد والسلسلة، والليل نفسه فى جوف المنحوت. وإنما يريد أن هذا المذكور فى نهاره فى القيد والسلسلة، وفى ليله فى بطن المنحوت. وقد جاء هذا فى الأماكن أيضا، وعليه قول رؤبة (٣): ناج وقد زوزى بنا زيزاؤه فالزّيزاء على هذا فعلاء، وهى هذه الغليظة المنقادة من الأرض، فكأن هذه الأرض سارت بهم الفجاج؛ لأنهم ساروا عليها. وقد يمكن أن يكون «زيزاؤه» مصدرا من زوزيت، فيكون الفعل منسوبا إلى المصدر، كقولهم: سار بنا السير، وقام بهم القيام. فهو على قولك: سير سائر، وقيام قائم. ومنه: شعر شاعر، وموت مائت، وويل وائل. والزّيزاء على هذا فعلال، كالزّلزال، والقلقال. وأما قول رؤبة: هيهات من منخرق هيهاؤه (٤) … فهو فعلال من لفظ هيهات، كالزّلزال، والقلقال، وليس مصدرا صريحا. وهيهات من مضاعف الياء، ومن باب الصيّصية وقد تقدم القول عليه. *** ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ (٦٩) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «وكان عبدا لله وجيها» (٥).

стр. 678

قال أبو الفتح: قراءة الكافة أقوى معنى من هذه القراءة؛ وذلك أن هذه إنما يفهم منها أنه عبد لله ولا تفهم منها وجاهته عند من هى؟ أعند الله، أم عند الناس؟ وأما قراءة الجماعة فإنها تفيد كون وجاهته عند الله، وهذا أشرف من القول الأول؛ لإسناد وجاهته إلى الله تعالى، وحسبه هذا شرفا. ***

стр. 679

سورة سبأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ (٣) هارون عن طليق المعلّم قال: سمعت أشياخنا يقرءون: «ليأتينّكم» (١)، بالياء. قال أبو الفتح: جاز التذكير هنا بعد قوله تعالى: ﴿لا تَأْتِينَا السّاعَةُ؛﴾ لأن المخوف منها إنما هو عقابها، والمأمول ثوابها؛ فغلّب معنى التذكير الذى هو مرجوّ أو مخوف، فذكّر على ذلك، وإذا جاز تأنيث المذكر على ضرب من التأول كان تذكير المؤنث- لغلبة التذكير-أحرى وأجدر. ألا ترى إلى قول الله سبحانه: تلتقطه ﴿بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ (٢)؛ لأن بعضها سيّارة أيضا؟ وعليه قولهم: ذهبت بعض أصابعه؛ لأن بعضها إصبع فى المعنى. وحكى الأصمعى عن أبى عمرو، قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوب، جاءته كتابى فاحتقرها. فقلت له: أتقول: جاءته كتابى؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة؟ وهذا من أعرابىّ جاف هو الذى نبّه أصحابنا على انتزاع العلل. وكذلك ما يجرى مجراه فاعرفه، وكذلك الآية المقدم ذكرها. *** ﴿إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ (١٤) ومن ذلك ما رواه عمرو بن ثابت عن سعيد بن جبير: «تأكل من سأته» (٣)، قال: من عصاه.

стр. 680

قال أبو الفتح: المشهور المجمع عليه فى ذلك: ﴿مِنْسَأَتَهُ،﴾ و «منساته» (١): بالهمز: وبالبدل من الهمز، وهى العصا: مفعلة، من نسأت الناقة والبعير: إذا زجرته. قال الفراء: هى العصا العظيمة تكون مع الراعى، وأنشد أبو الحسن: إذا دببت على المنساة من كبر … فقد تباعد عنك اللهو والغزل (٢) وقال الفراء: هى من سئة القوس، وهى مهموزة. وقال غيره: أسأيت القوس، فالمحذوف من «سئة» هو اللام، وأن يكون ياء أجدر؛ لغلبة الياء على اللام، وكان رؤبة يهمز سئة القوس. قال الفراء: ولم تقرأ «من سأته»، ولم تثبت عنده قراءة سعيد بن جبير. قال: ويجوز فيها سئة وسأة، وشبهها بالقحة والقحة، والضّعة والضّعة. وبعد فالتفسير إنما هو على العصا لا سئة القوس، وهى من ن سء، فإن كانت «السّأة» من نسأت فهى علة، والفاء محذوفة. وهذا الحذف إنما هو من هذا الضرب فى المصادر، نحو: العدة، والزّنة، والضّعة، والقحة. وذلك مما فاؤه واو لا نون، ولم يمرر بنا ما حذفت نونه وهى فاء. وسئة القوس: فعة، واللام محذوفة كما ترى. قال أبو حاتم: إن ابن أبى إسحاق سأل أبا عمرو: لم تركت همز «منساته»؟ فقال: وجدت لها فى كتاب الله أمثالا: ﴿هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (٣)، و ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ (٤). وقال هارون: كان أبو عمرو يهمز، ثم تركها. قول أبى عمرو: «خير البريّة»، و «لترونّ»، يريد أن «البرية» من برأ الله الخلق، فترك همزها تخفيفا. وكذلك «لترون»، يريد تخفيف همز «ترى»؛ لأن أصلها ترأى فاجتمع على تخفيف الهمزتين فى الموضعين. ولا يريد أن واو «لترون» غير مهموزة؛ وذلك لأن همز هذه الواو لضمتها شاذ من حيث كانت الحركة لالتقاء الساكنين، وليست بلازمة.

стр. 681

وقال أبو حاتم فى حرف عبد الله: «إلاّ دابّة الأرض أكلت منسأته» (١)، وفى حرف أبىّ «منسيته» -قال: وهى تدل على الهمز؛ لأن الهمزة قد تحذف من الخط فقول ابن مسعود: «أكلت» هو تفسير الدلالة، أى ما دلّهم على موته إلاّ دابة الأرض ثم فسّر وجه الدلالة، فقال: «أكلت منسأته»، أى: فخرّ، فتبينت الجنّ. *** ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبى عبد الله وعلىّ بن حسين: «تبيّنت الإنس» (٢). قال أبو الفتح: أى: تبيّنت الإنس أن الجن لو علموا بذلك ما لبثوا فى العذاب. يدل على صحة هذا التأويل ما رواه معبد عن قتادة، قال: فى مصحف عبد الله: «تبيّنت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا» (٣). *** ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (١٧) ومن ذلك قراءة ابن جندب: «وهل يجزى إلاّ الكفور» (٤). قال أبو الفتح: حدثنا أبو بكر محمد بن على المراغىّ، ورويناه أيضا عن شيخنا أبى علىّ، قال: كان أبو إسحاق يقول: جزيت الرجل فى الخير، وجازيته فى الشر. واستدل على ذلك بقراءة العامة: «وهل يجازى إلا الكفور» وقرأت على أبى علىّ عن أبى زيد (٥): لعمرى لقد برّ الضّباب بنوه … وبعض البنين حمّة وسعال

стр. 682

جزونى بما ربّيتهم وحملتهم … كذلك ما إنّ الخطوب دوال وينبغى أن يكون أبو إسحاق يريد أنك إذا أرسلتهما ولم تعدّهما إلى المفعول الثانى كانا كذلك، فإذا ذكرته اشتركا. ألا ترى إلى قوله: جزانى الزّهدمان جزاء سوء … وكنت المرء أجزى بالكرامه (١) فأما قراءة ابن جندب: «وهل يجزى إلاّ الكفور» فوجهه أنه إذا كان الجزاء عن الحسنة عشرا فذلك تفضّل، وليس جزاء، وإنما الجزاء فى تعادل العمل والثواب عنه. ولله درّ جرير وعذوبته قال: يا أمّ عمرو جزاك الله صالحة … ردّى علىّ فؤادى كالّذى كانا (٢) وقال أبو حاتم: «وهل يجازى إلا الكفور» (٣)، بالنصب قراءة قتادة وابن وثاب والنخعى، فى جماعة ذكرهم. *** ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس ومحمد بن على ابن الحنفية وابن يعمر-بخلاف- والكلبى وعمرو بن فائد: «ربّنا» -رفع- «بعّد بين أسفارنا» (٤)، رفع الباء على الخبر، وفتح الباء من «بعّد» والعين، ونصب النون من «بين». وقرأ: «ربّنا بعد»، بفتح الباء والدال، وضم العين «بين أسفارنا» (٥) -ابن يعمر وسعيد بن أبى الحسن ومحمد بن السّميفع وسفيان بن حسين-بخلاف-والكلبى- بخلاف-وقرأ: «ربّنا باعد بين أسفارنا» (٦) -ابن عباس وابن يعمر ومحمد بن على

стр. 683

وأبو رجاء والحسن-بخلاف-وأبو صالح وسلام ويعقوب وابن أبى ليلى والكلبى. قال أبو الفتح: أما «بعّد» و «باعد بين أسفارنا» فإن «بين» فيه منصوب نصب المفعول به، كقولك: بعّد وباعد مسافة أسفارنا، وليس نصبه على الظرف، يدلك على ذلك قراءة من قرأ: «بعد بين أسفارنا»، كقولك: بعد مدى أسفارنا، فرفعه دليل كونه اسما، وعليه قوله: كأنّ رماحهم أشطان بئر … بعيد بين جاليها جرور (١) أى: بعيد مدى جاليها، أو مسافة جاليها. ويؤكد كون «بين» هنا اسما لا ظرفا أن بعّد وباعد فعلان متعديان، فمفعولهما معهما، وليس «بين» هاهنا مثلها فى قولك: جلست بين القوم؛ لأن معناه جلست فى ذلك الموضع وليس يريد هنا بعّد أو باعد فيما بين أسفارنا شيئا. قال أبو حاتم: وزعموا أن العمارة اتصلت ببلادهم، فأرادوا أن يسيروا على رواحلهم فى الفيافى، فدعوا على أنفسهم، فهو قوله سبحانه: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢). كان شيخنا أبو على يذهب إلى أن أصل «بين» أنها مصدر بان يبين بينا، ثم استعملت ظرفا اتساعا وتجوّزا، كمقدم الحاج، وخلافة فلان. قال: ثم استعملت واصلة بين الشيئين، وإن كانت فى الأصل فاصلة؛ وذلك لأن جهتيها وصلتا ما يجاورهما بها، فصارت واصلة بين الشيئين. هذا معنى قوله، وجماع مراده فيه. وعليه قراءة من قرأ: «لقد تقطع بينكم»، بالرفع، أى: وصلكم. وأجاز أبو الحسن فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ،﴾ بالفتح أن يكون فى موضع رفع، إلاّ أن فتحة الظرف لزمته، والمراد الرفع. ويمكن عندى أن يكون قوله (٣): وإنّى وقفت اليوم والأمس قبله … ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب المراد فيه: وأمس، إلا أنه أدخل اللام عليه، فعرّفه بها، وتركه على ما كان عليه من كسره المعتاد فيه، وإن كان قد أعربه فى المعنى بإبراز لام التعريف-إلى لفظه الذى كان إنما يبنى لتضمنها. وإن حملته على زيادة لام التعريف مثلها فى الآن-فمذهب

стр. 684

آخر. ونظر بعض المولدين إلى حديث «بين» فقال: انتصر البين من البين … واشتفت العين من العين فالبين الأول الوصل، والثانى القطيعة والهجر، والعين الأولى هذا الناظر، والثانية الرقيب، أى: رأت فيه ما أحبت. *** ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ (٢٠) ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ﴾ (٢١) ومن ذلك قراءة الزّهرى: «ولقد صدق» -مخففة- «عليهم إبليس» -نصب- ظنّه» -رفع (١) - «إلاّ ليعلم من يؤمن» (٢). وقال أبو حاتم: روى عبيد بن عقيل بن أبى الورقاء، قال: سمعت أبا الهجهاج (٣) وكان فصيحا-يقرأ: «إبليس» -بالنصب- «ظنّه»، رفع (٤). قال أبو الفتح: معنى هذه القراءة أن إبليس كان سوّل له ظنه شيئا فيهم، فصدقه ظنّه فيما كان عقد عليه معهم من ذلك الشئ. وأما قراءة العامة: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ﴾ -رفع- «ظنّه» -نصب (٥) - &

стр. 685

فإنه كان قدّر فيهم شيئا فبلغ منهم، فصدق ما كان أودعه ظنّه فى معناه. فالمعنيان من بعد متراجعان إلى موضع واحد؛ لأنه قدّر تقديرا فوقع ما كان تقديره فيهم. و «على» متعلقة ب «صدق»: كقولك: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا تكون متعلقة بالظن؛ لاستحالة جواز تقدم شئ من الصلة على الموصول. وذهب الفراء إلى أنه على معنى فى ظنه، وهذا تمحّل للإعراب، وتحرّف عن المعنى. ألا ترى أن من رفع «ظنه» فإنما جعله فاعلا؟ فكذلك إذا نصبه جعله مفعولا على ما مضى. وكذلك أيضا من شدّد، فقال: «صدّق»، فنصب «الظن» على أنه مفعول به. *** ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة الحسن: «فزع» (١)، بالزاى خفيفة، وبالعين. وقرأ: «فرّغ»، بفتح الفاء والراء، وبالغين (٢) -الحسن، بخلاف، وقتادة وأبو المتوكل وقرأ: «فرغ» (٣)، بالراء خفيفة، وبالغين، والفاء مضمومة-الحسن وقتادة، بخلاف عنهما. وقد روى عن الحسن: «فرّغ» (٤)، بضم الفاء، وبالراء مشددة، وبالغين. وقال أبو عمر الدورىّ: بلغنى عن عيسى بن عمر أنه كان يقرأ: «حتّى إذا افرنقع عن قلوبهم» (٥). قال أبو الفتح: المعنى فى جميع ذلك: حتى إذا كشف عن قلوبهم. فأما «فزع»، بالفاء، والزاى خفيفة-فمرفوعه حرف الجر وما جرّه، كقولنا: سير عن البلد، وانصرف عن كذا إلى كذا، وقد شرحنا نحوا من ذلك فى القصص.

стр. 686

وكذلك «فرغ»، بالفاء، والراء خفيفة، وبالغين. فأما «فزّع» و «فرّغ» ففاعلاهما مضمران: إن شئت كان اسم الله تعالى، أى: كشف الله عن قلوبهم. وإن شئت كان ما هناك من الحال، أى: فرّغ أو فزّع حاضر الحال عن قلوبهم، وإضمار الفاعل لدلالة الحال عليه كثير واسع، منه ما حكاه سيبويه من قولهم: إذا كان غدا فأتنى (١)، وكذلك قول الشاعر: فإن كان لا يرضيك حتّى تردّنى … إلى قطرىّ لا إخالك راضيا (٢) أى: إن كان لا يرضيك ما جرى، أو ما الحال عليه. قال أبو حاتم: قال يعقوب: روى أيوب السختيانى عن الحسن: «فرغ»، ضم الفاء، وكسر الراء وخففها، وأعجم الغين، فقيل للحسن: إنهم يقولون: «فرّغ»، مثقلة، فقال الحسن: لا، إنها عربية. قال: ولا أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه. واختلفت ألفاظه، وقال فيها أقوالا مختلفة، يعنى أبو حاتم اجتماع معنى «ف ز ع» مع معنى أبى «ف ر غ» أن الفزع: قلق ومفارقة للموضع المقلوق عليه، والفراغ: إخلاء الموضع، فهما من حيث ترى ملتقيان. وكذلك معنى «افرنقع»، يقال: افرنقع القوم عن الشئ؛ أى: تفرقوا عنه. ومما يحكى فى ذلك أن أبا علقمة النحوى ثار به المرار، فاجتمع الناس عليه، فلما أفاق قال: مالكم قد تكأكأتم علىّ كتكأكئكم على ذى جنّة؟ افرنقعوا عنى. قال: فقال بعض الحاضرين: إن شيطانه يتكلم بالهنديّة. *** ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ﴾ (٣٣) ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير: «بل مكرّ الليل والنهار»، وهى قراءة أبى رزين أيضا (٣).

стр. 687

وقرأ: «بل مكر الليل والنهار» -قتادة (١). قال أبو حاتم: وقرأ راشد الذى كان نظر فى مصاحف الحجاج: «بل مكرّ»، بالنصب (٢). قال أبو الفتح: أما «المكرّ» والكرور: أى: اختلاف الأوقات، فمن رفعه فعلى وجهين: أحدهما: بفعل مضمر دل عليه قوله: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ (٣). فقالوا فى الجواب: بل صدّنا مكرّ الليل والنهار؛ أى: كرورهما. والآخر: أن يكون مرفوعا بالابتداء، أى: مكرّ الليل النهار صدّنا. فإن قيل: أفهذا تراجع عن قولهم لهم: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)؟ قيل: لا، ليس بانصراف عن التظلم منهم؛ وذلك أنه وصله بقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ﴾ أى: فكرور الليل والنهار علينا-على إغوائكم إيانا-هو الذى أصارنا إلى النار. وهذا كقول الرجل لصاحبه: أهلكننى والله! فيقول: وكيف ذلك؟ فيقول: فى جوابه مضى أكثر النهار وأنت تضربنى، فيفسره بتقضى الزمان على إساءته إليه. فإن شئت جعلت ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا﴾ متعلقة بنفس الكرور، أى: كرورهما فى هذا الوقت. وإن شئت جعلته حالا من الكرور، أى: كرورهما كائنا فى هذا الوقت، فتجعل طرف النهار حالا من الحدث، كما تجعله خبرا عنه فى نحو قولك: قيامك يوم الجمعة؛ إذ كانت الحال ضربا من الخبر. ومثله من الحال قولك: عجبت من قيامك يوم الجمعة، تعلّق الظرف بمحذوف، أى: من قيامك كائنا فى يوم الجمعة. وعلى نحو منه قراءة قتادة: «بل مكر الليل والنهار»، فالظرف هنا صفة للحدث، أى: مكر كائن فى الليل والنهار. وإن شئت علقتهما بنفس «مكر»، كقولك: عجبت

стр. 688

لك من ضرب زيدا، وكقول الله: ﴿أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ﴾ (١). وأما «مكرّ»، بالنصب فعلى الظرف، كقولك: زرتك خفوق النجم، وصياح الدجاج. وهو معلق بفعل محذوف، أى: صددتمونا فى هذه الأوقات على هذه الأحوال. فإن قيل: فما معنى دخول «بل» هنا وإنما هى جواب الاستفهام؟ وأنت لا تقول لمن قال لك: أزيد عندك؟: بل هو عندى، إنما تقول: نعم، أو لا. قيل: الكلام محمول على معناه، وذلك أن قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ معناه الإنكار له، والرد عليهم فى قول المستضعفين لهم: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ،﴾ فكأنهم قالوا لهم فى الجواب: ما صددناكم، فردّوه ثانيا عليهم، فقالوا: بل صدّنا عنه تصرّم الزمان علينا وأنتم تأمروننا أن نكفر بالله. وقد كثر عنهم تأول معنى النفى، وإن لم يكن ظاهرا إلى اللفظ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ (٢)، أى: ما حرّم إلا الفواحش، وعليه بيت الفرزدق (٣): أنا الدّافع الحامى الذمار وإنّما … يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلى (٤) أى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا. ولذلك عندنا ما فصل الضمير، فقال: أنا، وأنت لا تقول: يقوم أنا، ولا نقعد نحن. ولولا ما ذكرنا من إرادة النفى لقبح الفصل، وأنشدنا أبو علىّ (٥): فاذهب فأىّ فتى فى النّاس أحرزه … من يومه ظلم دعج ولا جبل (٦) أى: ما أحد أحرزه هذا من الموت، ونظائره كثيرة. وإن شئت علقت «إذ» بمحذوف، وجعلته خبرا عن «مكرّ»؛ أى: كرورهما فى هذا

стр. 689

الوقت الذى تأمروننا فيه أن نكفر بالله، والمعنى فى الجميع راجع إلى عصب الذنب بهم، ونسب الضلال إليهم. *** ﴿مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها﴾ (٤٤) ومن ذلك قراءة أبى حيوة: «من كتب يدّرسونها» (١)، بتشديد الدال مفتوحة، وبكسر الراء. قال أبو الفتح: هذا يفتعلون من الدرس، وهو أقوى معنى من «يدرسونها»؛ وذلك أن افتعل لزيادة التاء فيه أقوى معنى من فعل. ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٢). فهو أبلغ معنى من قادر، وهو أشبه بما تقدّمه من ذكر الأخذ والعزة. نعم، وفيه أيضا معنى الكثرة؛ لأنه فى معنى يتدارسونها. وقد ذكرنا فيما مضى قوله تعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ (٣) وأن «اكتسبت» أقوى معنى من «كسبت»، وأن أصل ذلك من زيادة معنى فعّل على معنى فعل، لتضعيف العين، فاعرفه. ومثل «يدّرسونها» قولهم: قرأت القرآن، واقترأته قال: نهارهم صيام [. . . .] (٤) … وليلهم صلاة واقتراء *** ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٥١) ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرّف: «وأخذ من مكان قريب» (٥)، منصوبة الألف، منونة. قال أبو الفتح: لك فى رفعه ضربان:

стр. 690

إن شئت رفعته بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿فَلا فَوْتَ،﴾ أى: وأحاط بهم أخذ من مكان قريب. وذكر القرب؛ لأنه بتحصيلهم، وإحاطته بهم. وإن شئت رفعته بالابتداء، وخبره محذوف، أى: وهناك أخذ لهم، وإحاطة بهم. ودل على هذا الخبر ما دل على الفعل فى القول الأول. ويسأل من قراءة العامة: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ:﴾ علام عطف هذا الفعل؟ وينبغى أن يكون معطوفا على قوله تعالى: ﴿فَزِعُوا﴾ وهو بالواو؛ لأنه لا يراد: ولو ترى وقت فزعهم وأخذهم، وإنما المراد-والله أعلم-: ولو ترى إذ فزعوا فلم يفوتوا، وأخذوا. فعطف «أُخِذُوا» على ما فيه الفاء المعلّقة الأول بالآخر على وجه التسبيب له عنه، وإذا كان معطوفا على ما فيه الفاء فكأن فاء فيئول الحديث إلى أنه كأنه قال: ولو ترى إذ فزعوا فأخذوا، هذا إذا كانت فيه فاء، وأمّا وفيه الواو فلا يحسن عطفه على «فَزِعُوا» بل يكون معطوفا على ما فيه الفاء. وقال أبو حاتم: لا أعرف الرفع فى «أخذ»، ولا يجوز إلا بالحيل والتفسير البعيد، كذا زعم. *** ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٣] ومن ذلك قراءة مجاهد: «ويقذفون»، بضم الياء، وفتح الذال (١). قال أبو الفتح: بيان هذا: وقالوا آمنا به وأنّى لهم التّناوش، أى: التناول للإيمان من مكان بعيد، وقد كفروا به من قبل؟، والوقف على قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ،﴾ أى: من أين لهم تناوله الآن وقد كفروا به من قبل؟، ثم قال سبحانه: وهم ﴿يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ،﴾ أى يرمون بالغيب؛ تتبّعا لهم بقبح أفعالهم، وسوء منقلبهم. ***

стр. 691

سورة فاطر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) قرأ الضحاك: «الحمد لله فطر السّموات والأرض» (١). قال أبو الفتح: هذا على الثناء على الله «سبحانه»، وذكر النعمة التى استحق بها الحمد. وأفرد ذلك فى الجملة التى هى «جعل» بما فيها من الضمير، فكان أذهب فى معنى الثناء؛ لأنه جملة بعد جملة. وكلما زاد الإسهاب فى الثناء أو الذم كان أبلغ فيهما ألا ترى إلى قول خرنق (٢): لا يبعدا قومى الّذين هم … سمّ العداة وآفة الجزر النّازلين بكلّ معترك … والطّيّبين معاقد الأزر (٣) ويروى: النازلون والطيبون، والنازلين والطيبون، والطيبين والنازلون. والرفع على هم، والنصب على أعنى. فكلما اختلفت الجمل كان الكلام أفانين وضروبا، فكان أبلغ منه إذا ألزم شرحا واحدا. فقولك أثنى على الله، أعطانا فأغنى-أبلغ من قولك: أثنى على الله المعطينا والمغنينا؛ لأن معك هنا جملة واحدة، وهناك ثلاث جمل.

стр. 692

ويدلك على صحة هذا المعنى قراءة الحسن: «جاعل الملائكة» بالرفع (١)؛ فهذا على قولك: هو جاعل الملائكة، ويشهد به أيضا قراءة خليد بن نشيط: «جعل الملائكة» (٢). قال أبو عبيدة: إذا طال الكلام خرجوا من الرفع إلى النصب، ومن النصب إلى الرفع. يريد ما نحن عليه؛ لتختلف ضروبه، وتتباين تراكيبه. *** ﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾ (١٢) ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى: «سيغ شرابه» (٣). قال أبو الفتح: هو محذوف من سيّغ: فيعل، بمنزلة ميت من ميّت، وهين من هيّن. وعينه واو، وأصله سيوغ، كميوت فى الأصل. يدل على كون عينه واوا قولهم: هذا أسوغ من هذا، وقولهم: هى أخته سوغة، وسوغته، أى: يسوغ لها وتسوغ له، أى: يقبلها طبعه، ويقبله طبعها. فأما قول الله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ (٤)، فلا دلالة فيه على كون العين واوا؛ وذلك لأنه فى الأصل يسوغه، كما أن أصل يقيم يقوم، ويستعين يستعون، وهذا واضح. وحكاه أبو حاتم عن عيسى: «سيّغ»، وقال فيه: بغير ألف مشددة الياء، وهذا واضح. *** ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ (١٢) ومن ذلك قراءة طلحة بن مصرّف: «وهذا ملح أجاج» (٥). &

стр. 693

قال أبو الفتح: قد تقدم القول على مثله، وأنه فى الأصل مالح؛ فحذفت ألفه تخفيفا. *** ﴿جُدَدٌ﴾ (٢٧) ومن ذلك قراءة الزهرى: «جدد» (١)، بفتح الجيم والدال، فيما رواه سهل عن الوقاصى عنه. قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: لا قراءة غير «جدد»، وقال قطرب: قراءة الناس كلهم: ﴿جُدَدٌ،﴾ وقراءة الزهرى: «جدد» (٢) فأما «جدد» فجمع جدّة، وهى الطريقة يخالف لونها لون ما يليها. قال المتلمسّ: له جدد سود كأنّ أرندجا … بأكرعه وبالذّراعين سندس وقال الأعشى (٣): كأنّ قطوعها بعنيبسات … تعطّفهن ذو جدد فريد (٤) وأما «جدد» فجمع جديد، أى: آثار جدد غير مخلقة؛ فهو أصح لها، وأوضح للونها. وأما «جدد» فلم يثبته أبو حاتم ولا قطرب. وعلى أن له معنى، وهى الطريق الواضح المسفر، فالمعنى نحو من الأول. وقد يجوز فى «جدد» -وهى جمع جديد-الفتح؛ هربا من التضعيف إلى الفتح. وكذلك جميع ما كان مثله من المضاعف: كسرير وسرر وسرر، وجرير وجرر وجرر، وتليل وتلل وتلل، وبئر جرور وجرر وجرر وجرائر أيضا. قال: كانت مياهى نزعا قواصرا … ولم أكن أمارس الجرائرا وعلى كل حال فللقرّاء الرواية، إذا عضدها قياس فحسبك به من إيناس. ***

стр. 694

﴿وَالدَّوَابِّ﴾ (٢٨) ومن ذلك قراءة الزهرى أيضا: «والدّواب» (١)، خفيفة. قال أبو الفتح: قد ذكرنا ذلك مشروحا فيما مضى بشواهده. *** ﴿فِيها لُغُوبٌ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة علىّ ﵇: «فيها لغوب» (٢)، بفتح اللام. وهى قراءة السّلمى. قال أبو الفتح: لك فيه وجهان: إن شئت حملته على ما جاء من المصادر على الفعول، نحو: الوضوء، والولوغ، والوقود. وإن شئت حملته على أنه صفة لمصدر. محذوف، أى: لا يمسنا فيها لغوب لغوب، على قولهم: هذا شعر شاعر، وموت مائت، كأنه يصف «اللّغوب» بأنه قد لغب، أى أعيا وتعب، وهذا ضرب من المبالغة، كقول الآخر (٣): إذا ناقة شدّت برحل ونمرق (٤) … إلى حكم بعدى فضلّ ضلالها (٥) وعليه قالوا: جنّ جنونه، وخرجت خوارجه. ومن طريف ما مرّ بنا لمولدين فى هذا قول شاعرنا (٦): وجبت هجيرا يترك الماء صاديا (٧) …

стр. 695

فهذا مع ما فيه من المبالغة حلو وواصل إلى الفكر. وعلى هذا حمل أبو بكر قولهم: توضأت وضوءا: أنه وصف لمصدر محذوف، أى: وضوءا وضوءا، كقولك: وضوءا وضيئا، أى: كلامك حسنا. وحكى أبو زيد: رجل ساكوت بيّن الساكوتة، فلما قرأت هذا الموضع على أبى علىّ حمله على قياس قول أبى بكر هذا، فقال: تقديره بين السكتة السّاكوتة، فجعل السّاكوتة صفة لمصدر محذوف، وحسّن ذلك عندى شيئا أنه من لفظه، فكأن أحدهما صاحبه ألبتة. وحكى الأصمعى: ليس عليك فى ذلك تضرّة ولا ضارورة، فضارورة-على قياس قول أبى بكر-كالسّاكوتة، أى: ضرّة ضارورة. *** ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (٣٦) ومن ذلك قراءة الحسن: «لا يقضى عليهم فيموتون» (١)، وكذلك الثقفى. قال أبو الفتح: «يموتون» عطف على «يقضى»، أى: لا يقضى عليهم، ولا يموتون. والمفعول محذوف، أى: لا يقضى عليهم الموت. وحسن حذفه هنا؛ لأنه لو قيل: لا يقضى عليهم الموت فيموتون-كان تكريرا يغنى من جميعه بعضه، ولا توكيد أيضا فيه فيحتمل لفظه. وعلى كل حال فقد بيّنا فى كتابنا هذا وفى غيره-حسن حذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وأنه لا يصدر إلاّ عن فصاحة عذبة. وقراءة العامة فى هذا أوضح وأشرح؛ وذلك أن فيها نفى سبب الموت، وهو القضاء عليهم. وإذا حذف السبب فالمسبب أشد انتفاء، ومن هذا قولهم: لم يقم زيد أمس، فنفى الماضى بلفظ المستقبل؛ وذلك أن المستقبل أسبق رتبة فى النفس من الماضى، فإذا نفى الأصل كان الفرع أشد انتفاء، ونظائره كثيرة، فتأمله. *** ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾ (٤٣) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «ومكرا سيئا» (٢).

стр. 696

قال أبو الفتح: يشهد لتنكيره تنكير ما قبله من قول الله سبحانه: ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ،﴾ وقراءة العامة أقوى معنى؛ وذلك أن «المكر» فيها معرفة لإضافته إلى المعرفة؛ أعنى «السّيّئ»، فكأنه قال: والمكر السّيّئ الذى هو عال مستكره مستنكر فى النفوس. وعليه قال من بعد: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ،﴾ وأبدل ﴿اِسْتِكْباراً﴾ وما بعده من النكرة قبله، وهى هو من قوله: ﴿ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ (١)، وحسن تنكير الاستكبار لأنه أدنى إلى «نفور» مما بعده. وقد يحسن مع القرب فيه ما لا يحسن مع البعد، واعتمد ذلك لقوة معناه بتعريفه، والإخبار عنه بأن مثله لا يخفى، لعظمه وشناعته. ***

стр. 697

سورة يس ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ﴾ (٢) قرأ: «ياسين والقرآن»، بفتح النون (١) ابن أبى إسحاق-بخلاف-والثقفى. وقرأ: «ياسين»، بكسر النون (٢) أبو السمّال وابن إسحاق، بخلاف. وهارون عن أبى بكر الهذلىّ، عن الكلبى: «ياسين»، بالرفع (٣). قال: فلقيت الكلبى فسألته، فقال: هى بلغة طيّئ: يا إنسان. قال أبو الفتح: أمّا الكسر والفتح جميعا فكلاهما لالتقاء الساكنين؛ وذلك أنه بنى الكلام على الإدراج، لا على وقف حروف المعجم، فحرّك فيه لذلك. ومن فتح، هرب إلى خفة الفتحة لأجل ثقل الياء قبلها والكسرة. ومن كسر، جاء به على أصل حركة التقاء الساكنين. ونظيره قولهم: جير، وهيت لك وإيه وسيبويه وعمرويه، وبابهما. ومن ضم، احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أيضا لالتقاء الساكنين، كحوب فى الزجر، ونحن، وهيت لك. والآخر: أن يكون على ما ذهب إليه الكلبىّ، وروينا فيه عن قطرب (٤):

стр. 698

فيا ليتنى من بعد فاطا وأهلها … هلكت ولم أسمع بها صوت إيسان (١) ورواه أيضا: من بعد ما طاف أهلها، وقال: معناه صوت إنسان. ويحتمل ذلك عندى وجها آخر ثالثا، وهو أن يكون أراد يا إنسان، إلا أنه اكتفى من جميع الاسم بالسين، فقال: ياسين، ف «يا» فيه الآن حرف نداء، كقولك: يا رجل. ونظير حذف بعض الاسم قول النبى ﷺ : «كفى بالسيف شا» أى: شاهدا، فحذف العين واللام. وكذلك حذف من إنسان الفاء والعين، غير أنه جعل ما بقى منه اسما قائما برأسه، وهو السين، فقيل: ياسين، كقولك: لو قست عليه فى نداء زيد: يا دال. ويؤكد ذلك ما ذهب إليه ابن عباس فى ﴿حم عسق﴾ (٢) ونحوه أنها حروف من جملة أسماء الله « »، وهى: رحيم، وعليم، وسميع، وقدير. ونحو ذلك. وشبيه به قوله (٣): قلنا لها قفى لنا قالت قاف أى: وقفت، فاكتفت بالحرف من الكلمة. *** ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ (٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة وابن يعمر ويزيد البربرى وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن المهلب والنخعى وابن سيرين، بخلاف: «فأعشيناهم» (٤). قال أبو الفتح: هذا منقول من عشى يعشى: إذا ضعف بصره فعشى وأعشيته، كعمى وأعميته. وأما قراءة العامة: ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ﴾ فهو على حذف المضاف، أى: فأغشينا أبصارهم: جعلنا عليها غشاوة. وينبغى أن يعلم أن «غ ش ى» يلتقى معناها مع «غ ش و»؛ وذلك أن الغشاوة على العين كالغشى على القلب، كل منهما يركب صاحبه ويتجلله، غير أنهم خصوا ما

стр. 699

على العين بالواو، وما على القلب بالياء، من حيث كانت الواو أقوى لفظا من الياء، وما يبدو للناظر من الغشاوة على العين أبدى للحس مما يخامر القلب؛ لأن ذلك غائب عن العين، وإنما استدل عليه بشواهده لا بشاهده ومعاينه. ولهذا فى هذه اللغة من النظائر ما لو أودع كتابا لكبر حجما، وكثر وزنا. ومحصول الحال واسع وكثير، لكن المحصّل له نزر قليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل. *** ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة ابن محيصن والزّهرى: «أنذرتهم» (١)، بهمزة واحدة على الخبر. قال أبو الفتح: الذى ينبغى أن يعتقد فى هذا أن يكون أراد همزة الاستفهام كقراءة العامة: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ،﴾ إلا أنه حذف الهمزة تخفيفا وهو يريدها، كما قال الكميت: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب … ولا لعبا منّى وذو الشّيب يلعب (٢) قالوا: معناه: أو ذو الشيب يلعب؟ تناكرا لذلك، وتعجبا. وكبيت الكتاب: لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا … شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر يريد: أشعيث بن سهم أم شعيث بن منقر؟. ويدل على إرادة هذه القراءة الهمزة وأنها إنما حذفت لما ذكرنا بقاء «أم» بعدها، ولو أراد الخبر لقال: أو لم تنذرهم. فإن قيل: تكون «أم» هذه منقطعة، كقولهم: إنها لإبل أم شاء، قيل: إذا قدرت ذلك بقى قوله تعالى: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ منقطعا لا ثانى له، وأقلّ ما يكون خبر سواء اثنان. فقد علمت بهذا أن قول ابن مجاهد على الخبر لا وجه له، اللهم إلا أن يتحمّل له، فيقال: أراد بلفظ الخبر وفيه من الصنعة ما تراه. *** ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة الماجشون: «أن ذكّرتم» (٣)، بهمزة واحدة مفتوحة مقصورة، ولا

стр. 700

ياء بعدها وقرأ: «أين» (١) بهمزة بعدها ياء ساكنة، والنون مفتوحة «ذكرتم» (٢)، مضمومة الذال، خفيفة الكاف-الأعمش وأبو جعفر يزيد. قال أبو الفتح: أما «أن ذكّرتم» فمنصوبة الموضع بقوله سبحانه: ﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ؛﴾ وذلك أنهم لما قالوا لهم: ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ،﴾ أى: تشاءمنا-قالوا لهم جوابا عن ذلك: بل ﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ،﴾ أى: بل شؤمكم معكم «أن ذكّرتم»، أى: هو معكم لأن ذكّرتم، فلم تذكروا، ولم تنتهوا. فاكتفى بالسبب الذى هو التذكير من المسبب الذى هو الانتهاء، على ما قدمناه من إقامتهم كل واحد من المسبب والسبب مقام صاحبه. ووضعوا الطائر أيضا موضع مسبّبه وهو التّشؤم، لما كانوا يألفونه من تكارههم نعيق الغراب أو بروحه ونحو ذلك. ومن رأى أنّ «أن» قد حذف الجارّ عن لفظها وإرادته فيها مجرورة-رأى ذلك هنا فيها، وهو الخليل. وأما «أين ذكرتم» فمعناه أين حللتم، وكنتم، ووجدتم؛ فذكرتم. فاكتفى بالمسبب الذى هو الذكر من السبب الذى هو الوجود، و «أين» هنا شرط وجوابها محذوف لدلالة ﴿طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ عليه، فكأنه قال: أين ذكرتم، أو أين وجدتم وجد شؤمكم معكم. وهذا كقولك: سيفك معك أين حللت، وجودك معك متى سئلت كنت جوادا، وكقولك: أنت ظالم إن فعلت، أى: إن فعلت ظلمت، ولا يجوز الوقوف فى هاتين القراءتين على «معكم» لاتصال «أن» و «أين» بها، لكن على قراءة من قرأ بالاستفهام: ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ؟﴾ لأن الاستفهام يقطع ما قبله عما بعده؛ لأن له صدر الكلام، فكأنه قال: بل طائركم معكم ردّا عليهم، ثم استأنف مستفهما، وهو يريد الإنكار. *** ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ (٢٩) ومن ذلك قراءة أبى جعفر ومعاذ بن الحارث: «إن كانت إلاّ صيحة واحدة» (٣). &

стр. 701

وقرأ ابن مسعود وعبد الرحمن بن الأسود: «إلاّ زقية» (١). قال أبو الفتح: فى الرفع ضعف؛ لتأنيث الفعل، وهو قوله: «كانت». ولا يقوى أن تقول: ما قامت إلاّ هند، وإنما المختار من ذلك: ما قام إلاّ هند؛ وذلك أن الكلام محمول على معناه، أى: ما قام أحد إلاّ هند. فلما كان هذا هو المراد المعتمد-ذكّر لفظ الفعل، إرادة له، وإيذانا به. ثم إنه لما كان محصول الكلام: قد كانت صيحة واحدة جئ بالتأنيث؛ إخلادا إليه، وحملا لظاهر اللفظ عليه. ومثله قراءة الحسن: «فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم (٢)»»، بالتاء فى «ترى». وعليه قول ذى الرمة: برى النّحر والأجرال ما فى غروضها … فما بقيت إلا الصّدور الجراشع (٣) وأقوى الإعرابين: فما بقى إلا الصدور؛ لأن المراد ما بقى شئ منها إلا الصدور، على ما مضى. وأما «زقية» فيقال: زقا الطائر يزقو ويزقى زقوّا وزقيّا وزقاء: إذا صاح، وهى الزّقوة والزّقية. وأما أبو حاتم فصرّف الفعل على الواو، فلم ير للياء فيه تصريفا، وقال: أصلها «زقوة»، إلا أن الواو أبدلت للتخفيف-ياء، وشبّهه بقولهم: أرض مسنيّة، وإنما هو مسنوّة، وقوله (٤): أنا اللّيث معديّا علىّ وعاديا (٥) …

стр. 702

أى: معدوّا عليه، وأثبت أبو العباس أحمد بن يحيى الياء فى «زقية» أصلا، وأنشدوا قوله: وترى المكّاء فيه ساقطا … لثق الرّيش إذا زفّ زقى وكأنه إنما استعمل هنا صياح الطائر: الديك ونحوه؛ تنبيها على أن البعث بما فيه من عظيم القدرة وإعادة ما استرمّ من إحكام الصنعة وإنشار الموتى من القبور-سهل على الله «سبحانه»، كزقية زقاها طائر. فهذا نحو من قوله: ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ (١)، ونحو ذلك من الآى التى تدل على عظم القدرة، جل الله جلالا، وعلا علوّا كبيرا. وأنشد الفراء مستشهدا به على صحة الياء قوله: تلد غلاما عارما يوديك … ولو زقيت كزقاء الدّيك (٢) وقال: يقال: زقوت وزقيت. *** ﴿يا حَسْرَةً﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة الأعرج ومسلم بن جندب وأبى الزناد: «يا حسرة»، ساكنة الهاء، «على العباد» (٣). وقرأ: «يا حسرة العباد» (٤)، مضافا-ابن عباس والضحاك وعلى بن حسين ومجاهد وأبىّ بن كعب. قال أبو الفتح: أما «يا حسره»، بالهاء ساكنة ففيه النظر؛ وذلك أن قوله: ﴿عَلَى الْعِبادِ﴾ متعلق بها، أو صفة لها. وكلاهما لا يحسن الوقوف عليها دونه، ووجه ذلك عندى ما أذكره؛ وذلك أن العرب إذا أخبرت عن الشئ غير معتمدته ولا معتزمة عليه، أسرعت فيه، ولم تتأنّ على اللفظ المعبّر به عنه. وذلك كقوله: قلنا لها قفى لنا قالت قاف (٥) …

стр. 703

معناه: وقفت، فاقتصرت من جملة الكلمة على حرف منها؛ تهاونا بالحال؛ وتثاقلا عن الإجابة؛ واعتماد المقال. ويكفى فى ذلك قول الله سبحانه: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ (١). قالوا فى تفسيره: هو كقولك: لا والله، وبلى والله. فأين سرعة اللفظ بذكر اسم الله تعالى هنا من التثبت فيه، والإشباع له، والمماطلة عليه من قول الهذلى (٢): فو الله لا أنسى قتيلا رزئته … بجانب قوسى ما مشيت على الأرض (٣) أفلا ترى إلى تطعّمك هذه اللفظة فى النطق هنا بها، وتمطّيك لإشباع معنى القسم عليها؟ وكذلك أيضا قد ترى إلى إطالة الصوت بقوله من بعده: بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّما … نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى أفلا تراه لمّا أكذب نفسه، وتدارك ما كان أفرط فيه لفظه-أطال الإقامة على قوله: «بلى»؛ رجوعا إلى الحق عنده؛ وانتكاثا عما كان عقد عليه يمينه؟ فأين قوله هنا: «فو الله»، وقوله: «بلى» منهما فى قوله: لا والله، وبلى والله؟. وعليه قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ (٤)؛ أى: وكّدتموها، وحققتموها وإذا أوليت هذا أدنى تأمل عرفت منه وبه ما نحن بسبيله وعلى سمته، وعلى هذا قال سيبويه: إنهم يقولون: سير عليه ليل، يريدون: ليل طويل. وهذا إنما يفهم عنهم بتطويل الياء، فيقولون: سير عليه ليل (٥)، فقامت المدة مقام الصفة. ومن ذلك ما تستعمله العرب من إشباع مدات التأسيس والرّدف والوصل والخروج عناية بالقافية، إذ كانت للشعر نظاما، وللبيت اختتاما. أخبرنا أبو أحمد الطبرانى عن شيخ له ذكره عن البحترى، قال: سمعت ابن الأعرابى

стр. 704

يقول: استجيدوا القوافى، فإنها حوافر الشعر. وقال لى الشجرى فى بعض كلامه: القافية رأس البيت، وهذا ليس نقضا للأول، وإنما غرضه فيه أنها أشرف ما فيه، كما أن حوافر الفرس هى أوثق ما فيه، وبها نهوضه، وعليها اعتماده. ولقد تغنىّ يوما خفير لنا بشعر مؤسس نحو قوله: ألا علّلانى قبل لوم العواذل فلعهدى به وهو يمطل الألف حتى يخطو به فرسه الخطوة والعشرين، ولولا ظاهر ما فى القول لقلت الأكثر. فإذا تجاوز الألف أسرع عند الدخيل، فاختلس الذال والروى بعدها. وكان أيضا يمدّه بتقبّل صدى صوته مع تماديه واغتراق أقصى النفس فيه ما كان يعطيه إياه نقل الفرس به، فإن ذلك كان يهزّ الألف، ويصنعها، ويزيل تحيرها والسّاذجيّة المملولة عنها. وعلى ذكر طول الأصوات وقصرها لقوة المعانى المعبّر بها عنها وضعفها-ما يحكى أن رجلا ضرب ابنا له، فقالت له أمه: لا تضربه، ليس هو ابنك؛ فرافعها إلى القاضى فقال: هذا ابنى عندى، وهذه أمه تذكر أنه ليس منى. فقالت المرأة: ليس الأمر على ما ذكره، وإنما أخذ يضرب ابنه فقلت له: لا تضربه ليس هو ابنك، ومدت فتحة النون جدا، فقال الرجل: والله ما كان فيه هذا الطويل الطويل، والأمر يذكر للأمر على تقاربهما، أو تفاوتهما، إذا كان ذلك للغرض موضحا، وإليه بطالبه مفضيا. وقد قال: وعند سعيد غير أن لم أبح به … ذكرتك إنّ الأمر يذكر للأمر (١) وإذا كان جميع ما أوردناه ونحوه مما استطلناه فحذفناه يدل أن الأصوات تابعة للمعانى، فمتى قويت قويت، ومتى ضعفت ضعفت. ويكفيك من ذلك قولهم: قطع وقطّع، وكسر وكسّر. زادوا فى الصوت لزيادة المعنى، واقتصدوا فيه لاقتصادهم فيه،

стр. 705

علمت أن قراءة من قرأ: «يا حسره على العباد»، بالهاء ساكنة إنما هو لتقوية المعنى فى النفس، وذلك أنه فى موضع وعظ وتنبيه، وإيقاظ وتحذير، فطال الوقوف على الهاء كما يفعله المستعظم للأمر، المتعجب منه، الدال على أنه قد بهره، وملك عليه لفظه وخاطره. ثم قال من بعد: «على العباد»، عاذرا نفسه فى الوقوف على الموصول دون صلته لما كان فيه، ودالاّ للسامع على أنه إنما تجشم ذلك-على حاجة الموصول إلى صلته وضعف الإعراب وتحجره على جملته-ليفيد السامع منه ذهاب الصورة بالناطق. ولا يجف ذلك عليك على ما به من ظاهر انتقاض صنعته، فإن العرب قد تحمل على ألفاظها لمعانيها حتى تفسد الإعراب لصحة المعنى. ألا ترى إلى أن أقوى اللغتين- وهى الحجازية فى الاستفهام عن الأعلام نحو قولهم فيمن قال: مررت بزيد-: من زيد؟ فالجر حكاية لجرّ المسئول عنه، فهذا مما احتمل فيه إضعاف الإعراب لتقوية المعنى. ألا ترى أنه لو ركب اللغة التميمية طلبا لإصابة الإعراب فقال: من زيد لم يضح من ظاهر اللفظ أنه إنما يسأل عن زيد هذا المذكور آنفا ولم يؤمن أن يظن به أنه إنما ارتجل سؤالا عن زيد آخر مستأنفا؟. ومن الحمل على اللفظ للمعنى قوله: يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام (١) … فتجشّم الفصل بين المضاف والمضاف إليه بلام الجر؛ لما يعقبه من توكيد معنى الإضافة، فهذا ونظائره يؤكد أن المعانى تتلعّب بالألفاظ، تارة كذا، وأخرى كذا. وفيه بيان لما مضى. وقد يجوز غير هذا كله، وهو أن يكون «حسرة» غير متعلقة ب «على»، فيحسن الوقوف عليها، ثم تعلّق «على» بمضمر، وتدل عليه «حسرة»، حتى كأنه قال: أتحسّر على العباد. وهذا فى القرآن ما لا أحصيه لكثرته. وأما «يا حسرة العباد» مضافا فإن لك فيه ضربين من التأويل: إن شئت كان «العباد» فاعلين فى المعنى، كقولك: يا قيام زيد ويا جلوس عمرو؛ أى: كأن العباد إذا شاهدوا العذاب تحسّروا. وإن شئت كان «العباد» مفعولين فى المعنى، وشاهده القراءة الظاهرة: «يا حسرة
следующие страницы →