← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قال أبو الفتح: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت، وشرقت: إذا احمرت لقربها من الأرض؛ فتكون هذه القراءة التى هى «أشرقت» منقولة من شرقت: إذا طلعت. وأشرقت أبلغ منه؛ لقوة نورها وإضاءتها. وفى «أشرقت» معنى آخر، وهو أنها إذا أشرقت وأضاءت فإنما زاد نورها، وقد كان قرصها ظاهرا قبل ذلك. وأما شرقت، أى: طلعت فإنها-وإن لم يكن لها صفاء المشرقة-فإنه قد أشرف على الأرض من شخصها عقيب ظلمة الليل قبلها ما هال رائيه ونسخ ما كان من سواد الليل قبله. فهذا القدر-لارتجاله وفجاءة وجه الأرض به-أظهر قدرا من إضاءتها عقيب ما سبق من ظهور قرصها، وطبّق الأرض من نورها. وهذا كأن يعطيك رجل عشرة دراهم على حاجة منك إليها؛ فتقع موقعها. فإن زادك هو أو غيره درهما آخر فصارت أحد عشر، فهى لعمرى أكثر من عشرة، إلا أن قدر الدرهم المزيد عليها لا يفى بقدر العشرة الواردة على قوة الحاجة، فشرقت كالعشرة، وأشرقت كالأحد عشر، فافهم ذلك ممثّلا بإذن الله. ***

стр. 737

سورة المؤمن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ (٢٩) قرأ معاذ بن جبل (١) على المنبر: «إلاّ سبيل الرّشّاد» (٢)؛ أى: سبيل الله. قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون هذا من قولهم: رشد يرشد، كعلاّم من علم يعلم، أو من رشد يرشد، كعبّاد من عبد يعبد. ولا ينبغى أن يحمل على أنه من أرشد يرشد؛ لأن فعّالا، لم يأت إلاّ فى أحرف محفوظة، وهى أجبر فهو جبّار، وأسأر فهو سأّر، وأقصر فهو قصّار، وأدرك فهو درّاك، وأنشدوا للأخطل: وشارب مربح بالكأس نادمنى … لا بالحصور ولا فيها بسأر (٣) وأجود الروايتين «بسوّار»، أى: بمعربد. وأنشد ابن الأعرابى: غير قصّار. وعلى أنهم قد قالوا: جبره على الأمر وقصر عن الأمر، فينبغى أن يكون جبّار وقصّار من فعل، هذين الحرفين، وكذا ينبغى أن يعتقد أيضا فى سار ودرّاك على أنهما خرجا بحرف الزيادة، فصارا إلى سأر ودرك تقديرا، وإن لم يخرجا إلى اللفظ استعمالا، كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل، وأورس الرّمث فهو وراس، وأيفع الغلام فهو يافع، وأغضى الليل فهو غاض. قال: يخرجن من أجواز ليل غاض (٤) …

стр. 738

أى: مغض، وقالوا أيضا: ألقحت الريح السحاب، فهو لاقح. فهذا على حذف همزة أفعل، وإنما قياسه ملقح، فعلى ذلك خرج «الرشّاد»، أى: رشد بمعنى أرشد تقديرا لا استعمالا، كما قال الآخر: إذا ما استحمّت أرضه من سمائه … جرى وهو مودوع وواعد مصدق (١) وكان قياسه أن يكون مودع لأنه من أودعته، فودع يدع، وهو وادع، ولا يقال: ودعته فى هذا المعنى فيقال مودوع، كوضعته فهو موضوع. فإن قيل: فإن المعنى إنما هو على أرشد، فكيف أجزت أن يكون إنما مجيئه من رشد أو رشد فى معنى رشد، وأنه ليس من لفظ أرشد؟. قيل: المعنى راجع فيما بعد إلى أنه مرشد؛ وذلك لأنه إذا رشد أرشد؛ لأن الإرشاد من الرشد. فكأنه من باب الاكتفاء بذكر السبب من المسبب. وعليه قالوا فى قول الله سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ (٢): إنها من لقحت هى، فإذا لقحت ألقحت غيرها، فهو كقولك: إنها زاكية، فإذا زكت فى نفسها أزكت غيرها، فهذا المذهب ليس هو الأول الذى على تقدير حذف الزيادة من ألقح، ولكل طريق. *** ﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة ابن عباس والضحاك وأبى صالح والكلبى: «يوم التنادّ»، بتشديد الدال (٣). قال أبو الفتح: هو تفاعل، مصدر تنادّ القوم، أى: تفرّقوا، من قولهم: ندّ يندّ، كنفر ينفر. وتنادّوا كتنافروا، والتّنادّ كالتنافر، وأصله التّنادد، فأسكنت الدال الأولى وأدغمت فى الثانية استثقالا لاجتماع المثلين متحركين.

стр. 739

فإن قيل: فهلاّ أظهر نحو ذلك، وهو ملحق بالتفاعل من غير التضعيف نحو التّنافر، والتّضافر، والتّحاسر، والتّحاسد. قيل: هذا من أقبح الخطأ؛ وذلك أن الغرض فى الإلحاق إنما هو رفع ذوات الثلاثة إلى ذوات الأربعة، نحو جلبب، وشملل، فهما ملحقان بدحرج وهملج، أو بذوات الخمسة نحو كوألل، فى إلحاقه بسفرجل، مجتازا فى طريقه بقفعدد وسبهلل، أو رفع بنات الأربعة إلى بنات الخمسة، نحو شنّخف، وهلّقس فى إلحاقهما بجردحل. فأما أن تلحق بنات الثلاثة ببنات الثلاثة فلغو من القول، فلم يكن فيه إلاّ فساد معنى قولهم: ملحق؛ لأن الأصل لا يلحق بنفسه، فكذلك أيضا «التنادّ» ثلاثى، كما أن التنافر ثلاثىّ. أفيلحق الشئ بنفسه؟. ألا ترى أن ندّ ثلاثى، كما أن نفر كذلك؟ وهذا واضح. ولو جاز هذا للزمك عليه أن تقول فى شدّ وحلّ: شدد وحلل، فتظهرهما، وتقول: هما ملحقان بدخل وخرج. فإن قلت: فقد قالوا فى فيعل-نحو خيفق وصيرف-وفوعل من رددت: ريدد ورودد، وإن كنا قد أحطنا علما بأن كل واحد من خيفق وصيرف ثلاثىّ الأصل. قيل: أجل، إلا أنك ألحقت فيهما جميعا ثلاثيا برباعىّ، ألا ترى أن خيفقا وصيرفا ملحقان بجعفر وسلهب؟ فإن قال لك: ابن من ردّ مثل فيعل وفوعل فكأنه إنما قال: ألحق ردّ بجعفر على حدّ فيعل وفوعل، اللذين ألحقتهما به، وهذا واضح، وليس كذلك التفاعل؛ لأن التفاعل ليس ملحقا بشئ، كإلحاق صيرف وجوهر بجعفر، فهذا فرق. *** ﴿وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ (٧١) ومن ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود: «والسّلاسل يسحبون» (١)، بفتح اللام. قال أبو الفتح: التقدير فيه إذ الأغلال فى أعناقهم ويسحبون السلاسل، فعطف الجملة من الفعل والفاعل على التى من المبتدأ والخبر، كما عودلت إحداهما بالأخرى

стр. 740

فى نحو قوله (١): أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد … أموف بأدراع ابن ظبية أم تذم (٢) أى: أأنت موف بها أم تذم؟ فقابل بالمبتدأ والخبر التى من الفعل والمفعول الجارى مجرى الفاعل وقال الله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ (٣)، أى: أصمتّم؟ وعلى أنه لو كان: إذ فى أعناقهم الأغلال والسلاسل يسحبون، لكان أمثل قليلا؛ من قبل أن قوله: فى أعناقهم الأغلال يشبه فى اللفظ تركيب الجملة من الفعل والفاعل؛ لتقدم الظرف على المبتدأ، كتقدم الفعل على الفاعل، مع قوة شبه الظرف بالفعل. وعلى أن أبا الحسن يرفع زيدا من قولك: فى الدار زيد بالظرف، كما يرفعه بالفعل. ومن غريب شبه الظرف بالفعل أنهم لم يجيزوا فى قولهم: فيك يرغب أن يكون فيك مرفوعا بالابتداء، وفى «يرغب» ضميره، كقولك: زيد يضرب، من موضعين: أحدهما: أن الفعل لا يرتفع بالابتداء، فكذلك الظرف. والآخر: أن الظرف لا ضمير له، كما أن الفعل لا ضمير له. ومن ذلك أيضا قوله: زمان علىّ غراب غداف … فطيّره الشّيب عنّى فطارا (٤) فعطفه الفعل على الظرف من أقوى دليل على شبهه به، وفيه أكثر من هذا فتركناه؛ لأن فى هذا مقنعا بإذن الله. *** &

стр. 741

سورة السجدة (١) ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ (١١) قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: «آتينا طائعين» (٢). قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون «آتينا» هنا فاعلنا، كقولك: سارعنا وسابقنا، ولا يكون أفعلنا؛ لأن ذلك متعد إلى مفعولين، وفاعلنا متعدّ إلى مفعول واحد. وحذف الواحد أسهل من حذف الاثنين؛ لأنه كلما قلّ الحذف كان أمثل من كثرته. نعم، ولما فى سارعنا من معنى أسرعنا. ومثل «آتينا» فى أنه فاعلنا لا أفعلنا القراءة الأخرى: «وإن كان مثقال حبّة من خردل آتينا بها» (٣)، أى: سارعنا بها، وقد تقدم ذكره. *** ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد وموسى الأسوارى: «وإن يستعتبوا»، بضم الياء- «فما هم من المعتبين»، بكسر التاء (٤). قال أبو الفتح: أى: لو استعتبوا لما أعتبوا، كقولك: لو استعطفوا لما عطفوا؛ لأنه لا غناء عندهم، ولا خير فيهم، فيجيبوا إلى جميل، أو يدعوا إلى حسن. وإذا جاز للشاعر أن يقول:

стр. 742

لها حافر مثل قعب الوليد … تتّخذ الفار فيه مغارا (١) ومعناه: لو اتخذت فيه مغارا لوسعها-جاز أيضا أن يقال: «وإن يستعتبوا»؛ لأن الشرط ليس بصريح إيجاب، ولا بد فيه من معنى الشك. وتتخذ الغار فيه لفظ التصريح به، وهو مع ذلك لم يقع، ولا يقع، فهذا طريق قوله تعالى: «وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين»؛ لأن لفظه لفظ الشك، وإن لم يكن هناك استعتاب لهم أصلا، ألا ترى إلى قوله فى الآية الأخرى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (٢). *** ﴿وَاِلْغَوْا فِيهِ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة بكر بن حبيب السّهمىّ: «والغوا فيه»، بضم الغين (٣). قال أبو الفتح: اللّغو اختلاط القول فى تداخله، يقال منه: لغا يلغو، وهو لاغ. ومنه الحديث: «من قال فى الجمعة: صه فقد لغا» (٤)، يراد بذلك توقيرها وتوفيتها حقها من الخشوع والإخبات فيها، أى: فهو بمنزلة من أطال الكلام وخلّط فيه. وفى الحديث أيضا: «إياكم وملغاة أول الليل»، أى: كثرة الحديث. فهذا كالحديث المرفوع: خرج علينا عمر، فجدب لنا السّمر، أى: عابه. ونحو منه قول الله سبحانه: ﴿وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٦)، أى: بالباطل، فهو راجع إلى هذا؛ لأن كثرة القول مدعاة إلى الباطل، وقوله تعالى: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ (٧) يحتمل أمرين:

стр. 743

أحدهما: كلمة لاغية. والآخر: أن يكون مصدرا، كالعاقبة، والعافية، أى: لا يسمع فيها لغو، وهذا أقوى من الأول؛ لأن فى ذلك إقامة الصفة مقام الموصوف، وهذا غير مستحسن فى القرآن. ويقال فيه أيضا: لغى يلغى لغا، قال: عن اللّغا ورفث التّكلّم (١) … ويقال أيضا: لغى بالشئ يلغى به، كقولك: لزمه وأحبّه، فيكون كقوله: من أحب شيئا أكثر من ذكره. يقال: لغى به، وغرى به، وغره به، ولكى به، ولزم به، وسدك به، وعسق به: إذا واصله، وأقام عليه. *** ﴿وَرَبَتْ﴾ (٣٩) ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «وربأت» (٢). قال أبو الفتح: هذه القراءة راجعة بمعناها إلى معنى ما عليه قراءة الجماعة، وذلك أن الأرض إذا ربت ارتفعت، والرّابئ أيضا كذلك؛ لأنه هو المرتفع. ومنه الرّبيئة، وهو طليعة القوم وذلك لشخوصه على الموضع المرتفع. قال الهذلىّ (٣). فوردن والعيّوق مقعد رابئ الضّ … رباء خلف النّجم لا يتتلّع (٤) ***

стр. 744

﴿ءَ أَعْجَمِيٌّ﴾ (٤٤) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى الأسود والجحدرى وسلاّم والضحاك وابن عامر؛ بخلاف: «أعجمىّ»، بهمزة واحدة مقصورة، والعين ساكنة (١). وقرأ بهمزة واحدة غير ممدودة وفتح العين-عمرو بن ميمون (٢). قال أبو الفتح: أما «أعجمى»، بقصر الهمزة، وسكون العين فعلى أنه خبر لا استفهام، أى: لقالوا: لولا فصّلت آياته، ثم أخبر فقال: الكلام الذى جاء به أعجمىّ، أى: قرآن، وكلام أعجمىّ. ولم يخرج مخرج الاستفهام على معنى التعجب والإنكار على قراءة الكافة، وهذا كقولك للآمر بالمعروف، التارك لاستعماله: أراك تأمر بشئ ولا تفعله. وعلى قراءة الكافة: أتأمر بالبرّ وتتركه؟. وأما قراءة عمرو بن ميمون: «أعجمىّ» فهذه همزة استفهام، وهو منسوب إلى العجم. وأما أعجمىّ بسكون العين فلفظه لفظ النسب، وليس هناك حقيقة نسب، وإنما هو لتوكيد معنى الصفة. ونظيره قولهم: رجل أحمر وأحمرىّ، وأشقر وأشقرىّ. وعليه قول العجاج: غضف طواها الأمس كلاّبىّ (٣) … أى: كلاّب، يعنى صاحب كلاب، كبغّال وحمّار. وقوله أيضا: والدّهر بالإنسان دوّارىّ (٤) … أى: دوّار. فكذلك أعجمىّ، معناه أعجم. ومنه قولهم: زياد الأعجم. رجل أعجم، وامرأة عجماء، وقوم عجم. فهذا كأحمر وحمراء وحمر. فأما الأعاجم فتكسير أعجمىّ، وهو على حذف زيادة ياءى الإضافة. وجاز

стр. 745

تكسيره على أفاعل؛ لأنه بدخول ياءى الإضافة عليه فارق فى اللفظ باب أفعل وفعلاء، فكسّر تكسير الأسماء. ووجه مفارقته إياه لحاق تاء التأنيث، فصار كظريف وظريفة، وقائم وقائمة. فلما فارق أحكام أفعل وفعلاء كسّر على الأفاعل، فجرى مجرى أحمد وأحامد. نعم، وصرفه عند لحاق التأنيث له يزيده بعدا عن حكم أحمر وبابه، وأنت أيضا تصرفه معرفة ونكرة، وأحمر لا ينصرف معرفة ونكرة. والحديث هنا طويل، وفيما مضى كاف على ما عقدنا عليه من الاقتصاد فى هذا الكتاب، على حد ما سئلنا فى معناه. ***

стр. 746

سورة عسق ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) عسق﴾ (٢) روى محبوب عن إسماعيل عن الأعمش عن ابن مسعود: «حم عسق» (١). قال أبو الفتح: هذا مما يؤكد أن الغرض فى هذه الفواتح إنما هو لكونها فواصل بين السور، ولو كانت أسماء الله سبحانه لما جاز تحريف شئ منها؛ وذلك لأنها لو كانت أسماء له لكانت أعلاما، كزيد وعمرو، فالأعلام لا طريق إلى تحريف شئ منها، بل هى مؤداة بأعيانها. فأما الخلاف الذى فى باب جبريل، وإسرافيل، وميكائيل، وإبراهيم، ونحو ذلك فالعذر فيها أنها أسماء أعجمية، ولام التعريف لا تدخلها؛ فبعدت عن أصول كلام العرب، واجترأت عليها وتلعّبت بها لفظا، تارة كذا، وأخرى كذا. وليس كذلك ﴿حم عسق﴾ وبقية الفواتح؛ لأنها حروف العرب المركب منها كلامها. فأما ترك إعرابها فكترك إعراب كثير من كلامها، كالأفعال غير المضارعة، وجميع الحروف. وعلى أن الأعجمىّ على ما ذكرنا من حاله معرب فهذا هذا. وكان ابن عباس قرأها بلا عين أيضا، ويقول: السين: كل فرقة تكون، والقاف: كل جماعة تكون. *** ﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ (٢٠) ومن ذلك قراءة سلاّم: «نؤته منها» (٢).

стр. 747

قال أبو الفتح: هذا على لغة أهل الحجاز، ومثله قراءتهم: «فخسفنا بهو وبدارهو الأرض» (١)، وقد تقدم القول عليه. *** ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢١) ومن ذلك قراءة مسلم بن جندب: «وأنّ الظالمين لهم عذاب أليم»، نصب (٢). قال أبو الفتح: هو معطوف على كلمة «الفصل»، أى: ولولا كلمة الفصل، وأن الظالمين لهم عذاب أليم، ولولا أن الظالمين قد علم منهم أنهم سيختارون ما يوجب عليهم العذاب لهم لقضى بينهم. ونعوذ بالله مما يجنيه الضعف فى هذه اللغة العربية على من لا يعرفها، فإن أكثر من ضل عن القصد حتى كبّ على منخريه فى قعر الجحيم إنما هو لجهله بالكلام الذى خوطب به، ثم لا يكفيه عظيم ما هو عليه وفيه دون أن يجفوها، ويعرض عما يوضحه له أهلوها. نعم، ويقول: ما الحاجة إليها؟ وأين وجه الضرورة الحاملة عليها؟ نعوذ بالله من التتابع فى الجهالة، والعدول عما عليه أهل الوفور والمثالة. وجاز الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجواب «لولا» الذى هو قوله: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ؛﴾ لأن ذلك شائع، وكثير عنهم. قال لبيد (٣): فصلقنا فى مراد صلقة … وصداء ألحقتهم بالثّلل (٤) أى: فصلقنا فى مراد وصداء صلقة. وفيه أيضا فصل بين الموصوف الذى هو صلقة، والصفة التى هى قوله: ألحقتهم بالثّلل، بالمعطوف الذى هو قوله: وصداء، والموصوف مع ذلك نكرة. وما أقوى

стр. 748

حاجتها إلى الصفة! ومثله ما أنشدناه أبو علىّ من قول الآخر: أمرّت من الكتّان خيطا وأرسلت … رسولا إلى أخرى جريّا يعينها (١) ففصل بين قوله: «رسولا»، وبين صفته التى هى جريّا بقوله: إلى أخرى، وهو معمول أرسلت. على هذا حمله أبو علىّ وإن كان يجوز أن يكون صفة ل «رسول» متعلقة بمحذوف، وأن يكون أيضا متعلقا بنفس «رسول». وقد يجوز فى «أنّ» أن تكون مرفوعة بفعل مضمر، حتى كأنه قال: ووجب، أو: وحق أن الظالمين لهم عذاب أليم. يؤنّسك بانقطاعه عن الأول إلى هنا قراءة الجماعة بالكسر ﴿وَإِنَّ﴾ بالكسر فهذا استئناف-كما ترى-لا محالة. *** ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ (٢٣) ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد: «ذلك الذى يبشر»، بضم الياء، وسكون الباء، وكسر الشين (٢). قال أبو الفتح: وجه هذه القراءة أقوى فى القياس؛ وذلك أنه يقال: بشر زيد بكذا، ثم نقل بهمزة النقل، فقيل: أبشره الله بكذا، فهذا كمرّ زيد بفلان، وأمرّه الله به. ورغب فيه، وأرغبه الله فيه. نعم، وأفعلت هاهنا كفعّلت فيه، وهو أبشرته وبشّرته، وكلاهما منقول للتعدى: أحدهما: بهمزة أفعل، والآخر: بتضعيف العين. فهذا كفرح وأفرحته وفرّحته، وهو بشر وأبشرته وبشّرته. وأما بشرته-بالتخفيف-فعلى معاقبة فعل لأفعل فى معنى واحد، نحو جدّ فى الأمر وأجدّ، وصدّ عن كذا وأصدّ. قال أبو عمرو: وإنما قرأت هذا الحرف وحده «يبشر»؛ لأنه ليس معه «به»، وهذا صحيح حسن. *** &

стр. 749

﴿فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ﴾ (٣٣) ومن ذلك قراءة قتادة: «فيظللن رواكد»، بكسر اللام (١). قال أبو الفتح: هذه القراءة على ظللت أظلّ، كفررت أفرّ. والمشهور فيها فعلت أفعل: ظللت أظلّ. وأما ظللت أظلّ فلم يمرر بنا، لكن قد مرّ نحو ضللت أضلّ، وضللت أضلّ. ولم يقرأ قتادة-إن شاء الله-إلا بما رواه، وأقلّ ما فى ذلك أن يكون سمعه لغة. ***

стр. 750

سورة الزخرف ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿بَلْدَةً مَيْتاً﴾ (١١) قراءة أبى جعفر يزيد: «بلدة ميّتا»، بالتشديد (١). قال أبو الفتح: التذكير مع التشديد ليس فى حسن التذكير مع التخفيف؛ وذلك أن «ميّتا» بالتشديد يكاد يجرى مجرى فاعل، فكأنه مائت؛ ولذلك اعتقبا على الموضع الواحد، فقالوا: رجل سائد وسيّد، وبائع، وبيّع، وقائم بالأمر وقيّم. وقرئ: «إنك مائت» (٢) و «ميت» (٣). وعليه أيضا حذفت عين فيعل مما اعتلّت عينه، كما حذفت عين فاعل منه فصار ميت، وهين، ولين-كشاك، وهار، ولاث. وإذا جريا مجرى المثال الواحد-لما ذكرناه، ولما استطلناه فتركناه-ضعف «بلدة ميّتا» بالتثقيل، كما ضعفت امرأة مائت وبائع. وليس الموت أيضا مما يختص بالتأنيث فيحمل على تذكير طالق وطامث وبابه وهو إذا خفف فقيل ميت أشبه لفظ المصدر، نحو البيع، والضرب، والموت، والقتل. وتذكير المصدر إذا جرى وصفا على المؤنث ليس بمستنكر، نحو امرأة عدل، وصوم، ورضا، وخصم. فهذا فرق-كما ترى-لطيف. ***

стр. 751

﴿أَشَهِدُوا﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة الزهرى: «أشهدوا»، بغير استفهام (١). قال أبو الفتح: أما حذف همزة الاستفهام تخفيفا، كأنه قال: أشهدوا خلقهم؟ كقراءة الجماعة-فضعيف؛ لأن الحذف فى هذا الحرف أمر موضعه الشعر، ولكن طريقه غير هذا. وهو أن يكون قوله: «أشهدوا خلقهم» صفة ل «إناث»، حتى كأنه قال: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا مشهدا خلقهم هم. فإن قلت: فإن المشركين لم يدّعوا أنهم أشهدوا خلق ذلك، ولا حضروه. قيل: اجتراؤهم على ذلك، ومجاهرتهم به، واعتقادهم إياه، وانطواؤهم عليه، فعل من شاهده، وعاين معتقد ما يدعيه فيه، لا من هو شاكّ ومرجّم ومتظنّ، إن لم يكن معاندا ومتخرصا لما لا يعتقده أصلا. فلما بلغوا هذه الغاية صاروا كالمدّعين أنهم قد شهدوا ما تشهروا به وأعصموا باعتقاده. وهذا كقولك لمن يزكى نفسه، وينفى الخبائث عنها، أو شيئا من الرذائل أن تتمّ عليها: وأنت إذا تقول: إنك معصوم، وهو لم يلفظ بادعائه العصمة، لكنه لما ذهب بنفسه ذلك المذهب صار بمنزلة من قال: أنا معصوم. ومثله أن يقول الإنسان: القرآن ليس بمعجز، والنبى ﷺ ليس بمرسل، فتقول: أنت: هذا الذى تقول الحق باطل، وهو لم يلفظ بذلك، لكن صورته صورة من لفظ به. وعليه قول الله سبحانه: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ (٢)، إذا تأولت ذلك على أنه كأنه قال: يقول: لمن ضرّه أقرب من نفعه إله، ثم حذفت خبر المبتدأ، وإن كان هو لم يقل ذلك، بل هو يعتقد أن نفعه أقرب من ضرّه، لكنك أخبرت عنه أن صورته مع تحصيلها صورة من يقول: ذلك. ***

стр. 752

﴿لَمّا مَتاعُ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «لما متاع» (١). قال أبو الفتح: ما هنا بمنزلة الذى، والعائد إليها من صلتها محذوف، وتقديره: وإن كل ذلك للّذى هو متاع الحياة الدنيا، فكأنه قال: وإن كل ذلك لما يتمتع به من أحوال الدنيا، فجاز حذف هذا الضمير على انفصاله جوازا قصدا لا مستحسنا، ومثله على توسطه قراءة من قرأ: «مثلا ما بعوضة» (٢)، أى: ما هو بعوضة، وقوله: لم أر مثل الفتيان فى غبن ال … أيّام ينسون ما عواقبها أى: ينسون الذى هو عواقبها. وقد ذكرناه بما فيه، إلا أن ابن مجاهد لم يذكر كيف إعراب «كلّ» فى هذه الآية؟ هل هو مرفوع أو منصوب؟ وينبغى أن يكون منصوبا؛ وذلك أنّ «إن» هذه مخففة من الثقيلة، ومتى خففت منها وأبطل نصبها لزمتها اللام فى آخر الكلام للفرق بينهما وبين إن النافية بمعنى ما، وذلك قولك: إن زيد لقائم، وقوله: شلّت يمينك إن قتلت لمسلما أى: إنك قتلت مسلما، وهذا موضح فى بابه. فلو كانت «كلّ» هنا رفعا لم يكن بدّ معها من اللام الفاصلة بين المخففة والنافية، ولا لام معك؛ لأن هذه الموجودة فى اللفظ إنما هى الجارة المكسورة، ولو جاءت معها لوجب أن تقول: وإن كلّ ذلك للما متاع الحياة الدنيا، كقولك: إن زيد لمن الكرام. فإن قلت: إنه قد يجوز أن يكون أراد اللام الفاصلة، لكنها جفت مع اللام الجارة، فحذفت وصارت هذه الجارة فى اللفظ كالعوض منها. قيل: فقد قال: فلا والله لا يلفى لما بى … ولا للما بهم أبدا دواء فجمع بين اللامين، وكلتاهما جارة. فإذا جاز الجمع بين الجارّتين، وهما بلفظ واحد، وعمل واحد-فجمع المفتوحة مع المكسورة العاملة أحرى بالجواز. وبعد، فالحق أحق أن يتبع. هذا بيت لم يعرفه أصحابنا ولا رووه، والقياس من بعد

стр. 753

على نهاية المجّ له والإعراض عنه، لا سيما وقد جاور بحرف الجرّ حرفا مثله لفظا ومعنى. فلو وجد هذا البيت عنوانا على كل ورقة من مصحف أبى عمرو لما جاز استعمال مثله فى الشعر إلا كلا ولا، فضلا عن الأخذ به فى كتاب الله. فإذا كان كذلك بطل رفع «كلّ» لما ذكرناه، ووجب أن يكون نصبا على لغة من نصب مع التخفف، فقال: إن زيدا قائم؛ لأنه إذا نصب زال الشك فى أنها ليست بالنافية؛ لأن تلك غير ناصبة للمبتدأ. وترك ابن مجاهد ذكر الإعراب فى «كل» يدعو إلى أن يكون رفعا؛ إذ لو كان نصبا لذكره لما فيه من الشذوذ الذى عليه وضع هذا الكتاب، ففيه إذا ما تراه، فتعجب منه. *** ﴿يا مالِكُ﴾ (٧٧) ومن ذلك قراءة علىّ بن أبى طالب وابن مسعود رضى الله عنهما، ويحيى والأعمش: «يا مال» (١). قال أبو الفتح: هذا المذهب المألوف فى الترخيم، إلا أن فيه فى هذا الموضع سرّا جديدا؛ وذلك أنهم-لعظم ما هم عليه-ضعفت قواهم، وذلّت أنفسهم، وصغر كلامهم، فكان هذا من مواضع الاختصار ضرورة عليه، ووقوفا دون تجاوزه إلى ما يستعمله المالك لقوله، القادر على التصرف فى منطقه. *** ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ (٨١) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن اليمانى: «فأنا أوّل العبدين» (٢). قال أبو الفتح: معناه-والله أعلم-أول الأنفين. يقال: عبدت من الأمر أعبد عبدا، أى: أنفت منه. وهذا يشهد لقول من قال فى القراءة الأخرى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ﴾

стр. 754

﴿الْعابِدِينَ؛﴾ أى: الأنفين. ولم يذهب إلى أنه أول العابدين؛ لأنى لا أذهب إلى ما يذهبون إليه من أن معناه إن كان للرحمن عندكم أنتم ولد فأنا أوّل من يعبده؛ لأن الأمر بخلاف ما قدرتموه أنتم. ألا ترى أن العبدين من عبد يعبد؟ فإن قلت: فقد قال: أصبح قلبى صردا … لا يشتهى أن يردا إلاّ عرادا عردا … وصلّيانا بردا وعنكثا ملتبدا (١) … يريد عاردا وباردا، كما قال العجلى: كأنّ فى الفرش القتاد العاردا (٢) … قيل: إنما جاز فى الضرورة؛ لأن القافية غير مؤسّسة، فحذف الألف ضرورة كما حذفها الآخر من قوله: مثل النّقا لبّده ضرب الطّلل (٣) … يريد الطّلال، كما قال القحيف العقيلىّ: ديار الحىّ يضربها الطّلال … بها أهل من الخافى ومال (٤) وكذلك مذهب ابن عباس فى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ،﴾ أى: الأنفين. ووجه ثالث مقول أيضا، وهو أن تكون «إن» بمعنى ما، أى: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين له؛ لأنه لا ولد له. قال الفرزدق: وأعبد أن تهجى كليب بدارم (٥) … أى: آنف من ذلك.

стр. 755

وروينا عن قطرب أن العابد العالم، والعابد الجاحد، والعابد الأنف الغضبان، قال: ومعنى هذه الآية يحتمل كل هذه المعانى، وفيه ما ذكرته أنا لك. *** ﴿وَقِيلِهِ﴾ (٨٨) ومن ذلك قراءة الأعرج ورويت عن أبى قلابة وعن مجاهد أيضا: «وقيله»، رفعا (١). قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون ارتفاعه عطفا على «علم» من قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ،﴾ و «قيله»، أى: وعلم قيله، فجاء على حذف المضاف، كما أن من جره «وقيله» فهو معطوف عنده على ﴿السّاعَةِ﴾. فالمعنيان-كما تراه-واحد، والإعرابان مختلفان. فمن نصب فقال: «وقيله» كان معطوفا على «الساعة» فى المعنى، إذ كانت مفعولا بها فى المعنى، أى: عنده أن يعلم الساعة وقيله، وهذا كقولك: عجبت من أكل الخبز والتمر، أى: من أن أكلت هذا هذا. وروينا عن أبى حاتم، قال: «وقيله» نصب معطوف على «يسمع سرّهم ونجواهم»، و «قيله». قال: قال ذلك جماعة، منهم يعقوب القارئ. وبعد، فليعلم أن المصدر الذى هو قيل مضاف إلى الهاء، وهى مفعولة فى المعنى لا فاعلة؛ وذلك أن وعنده عطفا علم أن يقال له: يا ربّ إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. فالمصدر هنا مضاف إلى المفعول لا إلى الفاعل، وإنما هو من باب قول الله سبحانه: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٢)، أى: بسؤاله إياك نعجتك. ومثله قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ﴾ (٣)، أى: من دعائه الخير، لا بدّ من هذا التقدير. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقدره على أنه: وعنده علم أن يقول الله: يا ربّ إن هؤلاء قوم لا يؤمنون؟ لأن هذا إنما يقال لله تعالى دون أن يكون سبحانه يقول: يا رب إن هؤلاء كذا، فتم الكلام على يؤمنون، ثم قال الله: يا محمد، فاصفح عنهم، وليس يريد

стр. 756

تعالى الصفح الذى هو المساهلة والعفو؛ وإنما المراد فأعرض عنهم بصفح وجهك، كما قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (١). وقوله: ﴿قُلْ سَلامٌ﴾ (٢)، أى: أمرنا وأمركم متاركة وتسلّم، كما قال: ﴿وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ (٣). وقوله: «فسوف تعلمون» (٤) من كلام الله أيضا، ألا ترى أن النبى ﷺ لا يقول لله سبحانه: «فسوف تعلمون»؟؛ لأن هذا إعلام، والله أحق المعلمين بهم. *** &

стр. 757

سورة الدخان ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ (١٦) قراءة الحسن وأبى رجاء وطلحة، بخلاف: «يوم نبطش»، مضمومة النون، مكسورة الطاء (١). قال أبو الفتح: معنى «نبطش» أى: نسلّط عليهم من يبطش بهم، فهذا من بطش هو، وأبطشته أنا، كقولك: قدر وأقدرته، وخرج وأخرجته. وإلى هذا ذهب أبو حاتم فى هذه الآية فيما رويناه عنه. وأما انتصاب «البطشة» فبفعل آخر غير هذا الظاهر، إلا أن هذا دل عليه، فكأنه قال: يوم نبطش من نبطشه، فيبطش البطشة الكبرى، فيجرى نحوا من قولهم: أعلمت زيدا عمرا العلم اليقين إعلاما، فإعلاما منصوب بأعلمت. وأما العلم اليقين فمنصوب بما دل عليه أعلمت، وهو علم العلم اليقين. وعليه قوله (٢): ورضت فذلّت صعبة أىّ إذلال (٣) … فأى إذلال منصوب بما دل عليه قوله: رضت؛ لأن رضتها وأذللتها بمعنى واحد. ولك أن تنصب «البطشة الكبرى» لا على المصدر، ولكن على أنها مفعول به، فكأنه

стр. 758

قال: يوم نقوّى البطشة الكبرى عليهم، ونمكنها منهم، كقولك: يوم نسلط القتل عليهم، ونوسّع الأخذ منهم. *** ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٥٤) ومن ذلك قراءة عكرمة: «وزوّجناهم بحور عين (١)»». قال أبو حاتم: وفى قراءة عبد الله بن مسعود: «وزوّجناهم بعيس عين» (٢). قال أبو الفتح: هذه الإضافة تفيد ما تفيده الصفة؛ لأن حور العين «حور عين» فى المعنى، إلا أن لفظ الصفة أوفى من لفظ الإضافة؛ إذ كان المضاف والمضاف إليه جاريين مجرى المفرد. والصفة تأتى مع الاختصاص المستفاد منها مأتى الزيادة المسهب بها، وهى مع ذلك أشدّ إصراحا بالمعنى من المضاف. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بظريف كرام جاز أن يكون ذلك الظريف كريما، وجاز أن يكون منسوبا إليهم؛ لاتصاله بهم وإن لم يكن كريما مثلهم؟. وإذا قلت: مررت بظريف كريم فقد أثبت له مذهب الكرم البتة. وأما قراءة عبد الله: «بعيس عين» فإن العيساء: البيضاء، والأعيس: الأبيض، وكذلك فسّرها أبو حاتم والفراء جميعا. ***

стр. 759

سورة الجاثية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿جَمِيعاً مِنْهُ﴾ (١٣) قراءة ابن عباس وعبد الله بن عمرو والجحدرى وعبد الله بن عبيد بن عمير: «جميعا منّة»، منصوبة، منوّنة (١). وقرأ: «جميعا منّه» (٢) -سلمة (٣) -فيما حكاه ورويته عنه-أبو حاتم. قال أبو الفتح: أما «منّة» فمنصوب على المصدر بما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً؛﴾ لأن ذلك منه عزّ اسمه منّة منّها عليهم، فكأنه قال: منّ عليهم منّة. ومن نصب وميض البرق من قولهم: تبسّمت وميض البرق بنفس تبسمت، لكونه فى معنى أومضت، نصب أيضا «منّة» بنفس سخّر لكم، على ما مضى. وأما «منّه» بالرفع فحمله أبو حاتم على أنه خبر مبتدإ محذف، أى: ذلك، أو هو «منّه»، كذا قال. ويجوز أيضا عندى أن يكون مرفوعا بفعله هذا الظاهر، أى: سخّر لكم ذلك «منّه»، كقولك: أحيانى إقبالك علىّ، وسدّد أمرى حسن رأيك فىّ؛ فتعمل فيه هذا اللفظ الظاهر، ولا تحتاج إلى إبعاد التناول واعتقاد ما ليس بظاهر. *** ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى﴾ (٢٨) ومن ذلك قراءة يعقوب: «كلّ أمّة تدعى»، بفتح اللام (٤).

стр. 760

قال أبو الفتح: «كلّ أمّة تدعى» بدل من قوله: «وترى كلّ أمّة جاثية». وجاز إبدال الثانية من الأولى لما فى الثانية من الإيضاح الذى ليس فى الأولى؛ لأن جثوّها ليس فيه شئ من شرح حال الجثوّ. والثانية فيها ذكر السبب الداعى إلى جثوّها، وهو استدعاؤها إلى ما فى كتابها، فهى أشرح من الأولى؛ فلذلك أفاد إبدالها منها. ونحو ذلك رأيت رجلا من أهل البصرة رجلا من الكلاّء. فإن قلت: فلو قال: وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأغنى عن الإطالة. قيل: الغرض هنا هو الإسهاب؛ لأنه موضع إغلاظ ووعيد، فإذا أعيد لفظ «كل أمة» كان أفخم من الاقتصار على الذكر الأول، وقد مضى نحو هذا. ***

стр. 761

سورة الأحقاف ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ (٤) قراءة ابن عباس-بخلاف-وعكرمة وقتادة وعمرو بن ميمون، ورويت عن الأعمش: «أو أثرة من علم»، بغير ألف (١). وقرأ علىّ ﵇ وأبو عبد الرحمن السّلمى: «أو أثرة»، ساكنة الثاء (٢). قال أبو الفتح: الأثرة والأثارة التى تقرأ بها العامة: البقية، وما يؤثر. وهى من قولهم: أثر الحديث يأثره أثرا وأثرة. ويقولون: هل عندك من هذا أثرة وأثارة؛ أى: أثر. ومنه سيف مأثور، أى: عليه أثر الصنعة، وطرائق العمل. وأما «الأثرة»، ساكنة الثاء فهى أبلغ معنى؛ وذلك أنها الفعلة الواحدة من هذا الأصل، فهى كقولك: ائتونى بخبر واحد، أو حكاية شاذة، أى: قد قنعت فى الاحتجاج لكم بهذا القدر، على قلّته، وإفراد عدده. *** ﴿بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٩) ومن ذلك قراءة عكرمة وابن أبى عبلة وأبى حيوة: «بدعا من الرّسل» (٣).

стр. 762

قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أى: ما كنت صاحب بدع، ولا معروفة منى البدع. قال: وكيف تواصل من أصبحت … خلالته كأبى مرحب (١) أى: كخلالة أبى مرحب. وما أكثر هذا المضاف فى القرآن، وفصيح الكلام. *** ﴿بِوالِدَيْهِ إِحْساناً﴾ (١٥) ومن ذلك قراءة علىّ وأبى عبد الرحمن السّلمى: «بوالديه حسنا» (٢). قال أبو الفتح: تحتمل اللغة أن تكون حسنا هنا مصدرا، كالمصادر التى اعتقب عليها الفعل والفعل، نحو الشّغل والشغل، والبخل والبخل، وهو واضح. وتحتمل أن يكون الحسن هنا اسما صفة لا مصدرا، لكنه رسيل القبيح كقولنا: الحسن من الله، والقبيح من الشيطان، أى: وصّيناه بوالديه فعلا حسنا، ونصبه وصّيناه به؛ لأنه يفيد مفاد ألزمناه الحسن فى أبويه. وإن شئت قلت: هو منصوب بفعل غير هذا، لا بنفس هذا؛ فيكون منصوبا بنفس ألزمناه، لا بنفس وصّيناه؛ لأنه فى معناه. *** ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة ابن مسعود: «هذا عارض ممطرنا قال هود بل هو ما استعجلتم به» (٣). قال أبو الفتح: قد كثر عنهم حذف القول؛ لدلالة ما يليه عليه، كقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٤)، أى: يقولون: سلام عليكم، وكذلك هذه القراءة، مفسرة لقراءة الجماعة: ﴿بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ،﴾ لو

стр. 763

لم تأت قراءة عبد الله هذه لما كان المعنى إلا عليها، فكيف وقد جاءت ناصرة لتفسيرها؟. *** ﴿لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ﴾ (٢٥) ومن ذلك قراءة الحسن وأبى رجاء والجحدرى وقتادة وعمرو بن ميمون والسّلمى ومالك بن دينار والأعمش وابن أبى إسحاق، واختلف عن الكل إلا أبا رجاء ومالك ابن دينار: «لا ترى»، بالتاء مضمومة، «إلاّ مساكنهم»، بالرفع (١). وقرأ الأعمش: «إلا مسكنهم» (٢)، وكذلك يروى عن الثقفى ونصر بن عاصم. قال أبو الفتح: أما «ترى»، بالتاء ورفع «المساكن» فضعيف فى العربية، والشعر أولى بجوازه من القرآن؛ وذلك أنه من مواضع العموم فى التذكير، فكأنه فى المعنى لا يرى شئ إلا مساكنهم. وإذا كان المعنى هذا كان التذكير لإرادته هو الكلام. فأما «ترى» فإنه على معاملة الظاهر، والمساكن مؤنثة، فأنث على ذلك. وإنما الصواب ما ضرب إلاّ هند، ولسنا نريد بقولنا: إنه على إضمار أحد وإن هندا بدل من أحد المقدّر هنا، وإنما نريد أن المعنى هذا؛ فلذلك قدمنا أمر التذكير. وعلى التأنيث قال ذو الرمة: برى النّحز والأجرال ما فى غروضها … فما بقيت إلاّ الصّدور الجراشع (٣) وهو ضعيف، على ما مضى. وأما «مسكنهم» فإن شئت قلت: واحد كفى من جماعته، وإن شئت جعلته مصدرا وقدّرت حذف المضاف، أى: لا ترى إلا آثار مسكنهم. فلما كان مصدرا لم يلق لفظ الجمعية به كما قال ذو الرمة:

стр. 764

تقول عجوز مدرجى متروّحا … على بابها من عند أهلى وما ليا (١) فالمدرج هنا مصدر، ألا تراه قد نصب الحال؟ ولو كان مكانا لما عمل، كما أن المغار من قوله (٢): وما هى إلاّ فى إزار وعلقة … مغار ابن همّام على حىّ خثعما (٣) مصدر أيضا. ألا تراه قد علّق به حرف الجرّ؟ وهذا واضح. وحسن أيضا أن يريد بمسكنهم هنا الجماعة، وإن كان قد جاء بلفظ الواحد؛ وذلك أنه موضع تقليل لهم وذكر العفاء عليهم، فلاق بالموضع ذكر الواحد؛ لقلته عن الجماعة، كما أن قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ (٤)، أى: أطفالا. وحسن لفظ الواحد هنا؛ لأنه موضع تصغير لشأن الإنسان، وتحقيره لأمره، فلاق به ذكر الواحد لذلك، لقلته عن الجماعة؛ ولأن معناه أيضا نخرج كل واحد منكم طفلا، وقد ذكرنا نحو هذا. وهذا مما إذا سئل الناس عنه قالوا: وضع الواحد موضع الجماعة اتساعا فى اللغة، وأنسوا حفظ المعنى ومقابلة اللفظ به؛ لتقوى دلالته عليه، وتنضم بالشبه إليه. *** ﴿إِفْكُهُمْ﴾ (٢٨) ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى عياض وعكرمة (٥) وحنظلة بن النعمان بن مرة: &

стр. 765

«أفكهم» (١)، بفتح الألف، والفاء، والكاف. وقرأ: «وذلك آفكهم»، بالمد، وبفتح الفاء مخففة- (٢) عبد الله بن الزبير. وقرأ: «أفّكهم»، مشددة الفاء- (٣) أبو عياض (٤)، بخلاف. وقراءة الناس: ﴿وَذلِكَ إِفْكُهُمْ،﴾ فذلك أربعة أوجه. قال أبو الفتح: أما «أفكهم» فصرفهم، وثناهم. قال: إن تك عن أحسن المروءة مأ … فوكا ففى آخرين قد أفكوا (٥) وهو صرف بالباطل، وأرض مأفوكة، أى: مقلوبة التراب. وأما «آفكهم» فيجوز أن يكون أفعلهم، أى: أصارهم إلى الإفك، أو وجدهم كذلك، كما تقول: أحمدت الرجل: وجدته محمودا. ويجوز أن يكون أفعل على معنى فعل، كصدّ وأصدّ، وقد مضى ذكره. ويجوز أن يكون «آفكهم» فاعلهم كغالطهم وخادعهم. وأما «أفّكهم» ففعّلهم؛ وذلك لتكثيره ذلك الفعل بهم، وتكرره منه عليهم. وحكى الفراء فيها قراءة أخرى، وهى: «وذلك أفكهم»، وقال فيه: إلإفك والأفك، كالحذر والحذر. ومن جهة أحمد بن يحيى: ما لى أراك عاجزا أفيكا … أكلت جديا وأكلت ديكا تعجز أن تأخذ ما أريكا الأفيك: المصروف عن وجهه وحيلته. وروينا عن قطرب أن ابن عباس قرأ: «وذلك آفكهم»، بمعنى صارفهم، فذلك ستّ قراءات. ***

стр. 766

﴿مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة الحسن وعيسى الثقفى: «من نهار بلاغا» (١). قال أبو الفتح: هو على فعل مضمر، أى: بلغوا أو بلّغوا بلاغا، كما أن من رفع فقال: «بلاغ» فإنما رفع على إضمار المبتدأ، أى: ذلك بلاغ، أو هذا بلاغ. قال أبو حاتم: قرأ: «بلّغ» (٢)، على الأمر أبو-مجلز وأبو سراج الهذلى. *** ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «فهل يهلك» (٣). قال هارون: وبعض الناس يقول: «فهل يهلك» (٤). وقرأ الناس: ﴿يُهْلَكُ﴾. قال أبو الفتح: «أما يهلك»، بكسر اللام فواضحة، وهى المعروفة. وأما «يهلك»، بفتح الياء واللام جميعا فشاذة، ومرغوب عنها؛ لأن الماضى هلك، فعل مفتوحة العين، ولا يأتى يفعل، بفتح العين فيهما جميعا إلا الشاذ. وإنما هو أيضا لغات تداخلت، ولكنه يأتى مع حروف الحلق إذا كانت عينا أو لاما، نحو قرأ يقرأ، وسأل يسأل. وليس لك أن تحمل هلك يهلك على أبى يأبى، وتحتج بأن أول هلك حرف حلقى كأبى؛ لأن آخر أبى ألف، والألف قريبة المخرج من الهمزة، وإن كانت فى أبى منقلبة. ***

стр. 767

﴿وَلَمْ يَعْيَ﴾ (٣٣) ومن ذلك ما رواه عمرو عن الحسن: «ولم يعى»، بكسر العين، وسكون الياء (١). قال أبو الفتح: هذا مذهب ترغب العرب عنه، وهو إعلال عين الفعل وتصحيح لامه، وإنما جاء ذلك فى شئ من الأسماء، وهو غاية، وآية، وثاية، وطاية. وقياسها غياة، وأياة، وطياة، وثياة، أو ثواة. ولم يأت هذا فى الفعل إلا فى بيت شاذ. أنشده الفراء، وهو قول الشاعر: وكأنّها بين النّساء سبيكة … تمشى بسدّة بيتها فتعىّ فأعلّ العين، وصحح اللام، ورفع ما لم ترفعه العرب. وإنما تعلّه، نحو: يرمى ويقضى. وكذلك قوله: «ولم يعى بخلقهنّ» أجراه مجرى لم يبع، فحذف العين؛ لسكونها، وسكون الياء الثانية، ووزن لم يعى: لم يفل، مثل لم يبع، والعين محذوفة لالتقاء الساكنين. ***

стр. 768

سورة محمد ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ (١٥) قرأ علىّ وابن عباس، رضى الله عنهما: «أمثال الجنّة الّتى وعد المتّقون» (١). قال أبو الفتح: هذه القراءة دليل على أن القراءة العامة التى هى «مثل»، بالتوحيد- بلفظ الواحد ومعنى الكثرة؛ وذلك لما فيه من معنى المصدرية؛ ولهذا جاز مررت برجل مثل رجلين وبرجلين مثل رجال، وبامرأة مثل رجل، وبرجل مثل امرأة. ألا ترى أنك تستفيد فى أثناء ذلك معنى التشبيه والتمثيل؟. ومثل ومثل بمعنى واحد، كشبه وشبه، وبدل وبدل. فإن قيل: فإنه لم يأت عنهم ضربت له مثلا، كما يقال: ضربت له مثلا. قيل: المعنى واحد، وإن لم يأت الاستعمال به، كما أتى الآخر فى هذا المعنى. ألا ترى أنك لا تضرب مثلا إلاّ بين الشيئين اللذين كل واحد منهما مثل صاحبه، ولو خالفه فيما ضربته فيه لم تضربه مثلا؟. *** ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة أهل مكة-فيما حكاه أبو جعفر الرّؤاسى: «إن تأتهم»، بكسر الألف من غير ياء (٢). قال أبو الفتح: هذا على استئناف شرط؛ لأنه وقف على قوله: هل ﴿يَنْظُرُونَ إِلاَّ﴾

стр. 769

﴿السّاعَةَ،﴾ ثم قال: «إن تأتهم بغتة فقد جاء أشراطها» فأجاب الشرط بقوله: ﴿فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ فإن قلت: فإن الشرط لا بد فيه من الشك، وهذا موضع محذوف عنه الشك البتة. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها،﴾ وغير ذلك من الآى القاطعة بإتيانها؟. قيل: لفظ الشك من الله سبحانه، ومعناه منا، أى: إن شكّوا فى مجيئها بغتة فقد جاء أشراطها، أى: أعلامها، فهلا توقعوها وتأهبوا لوقوعها مع دواعى العلم بذلك لهم إلى حال وقوعها. فنظيره مما اللفظ فيه من الله تعالى، ومعناه منّا-قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ،﴾ أى: يزيدون عندكم أنتم؛ لأنكم لو رأيتم جمعهم لقلتم أنتم: هؤلاء مائة ألف، أو يزيدون. وقد مضى هذا مشروحا فيما قبل. *** ﴿بَغْتَةً﴾ (١٨) ومن ذلك قراءة أبى عمرو فى رواية هارون بن حاتم (١) عن حسين عنه: «بغتّة» (٢). قال أبو الفتح: فعلّة مثال لم يأت فى المصادر ولا فى الصفات أيضا، وإنما هو مختص بالاسم، منه الشربّة: اسم موضع. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد ابن يحيى: يقول عبد الله بن الحجاج التغلبى لعبد الملك بن مروان فى خبر له معه: ارحم أصيبيتى الّذين كأنّهم … حجلى تدرّج بالشّربّة وقّع (٣) ومنه الجربّة: الجماعة. قال: جريّة كحمر الأبكّ … لا ضرع فيها ولا مذكّى (٤) وجاء بلا تاء فى الاسم أيضا، وهو معدّ، وهبىّ وهو الصبّى الصغير. ولا بدّ من إحسان الظن بأبى عمرو، ولا سيما وهو القرآن، وما أبعده عن الزيغ والبهتان!. ***

стр. 770

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢٢) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ : «فهل عسيتم إن ولّيتم أن تفسدوا فى الأرض» (١). وروى عن علىّ: «إن تولّيتم» (٢). قال أبو الفتح: قال أبو حاتم: معناه إن تولاكم الناس. *** ﴿سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ﴾ (٢٥) ومن ذلك قراءة الأعرج ومجاهد والجحدرى والأعمش ويعقوب: «سوّل لهم وأملى لهم»، بضم الألف، وسكون الياء (٣). قال أبو الفتح: تقديره الشيطان سوّل لهم، وأملى أنا لهم، أى: الشيطان يغويهم، وأنا أنظرهم. ومعنى سوّل لهم، أى: دلاّهم، وهو من السّول، وهو استرخاء البطن. رجل أسول، وامرأة سولاء: إذا كانا مسترخيى البطون. قال الهذلىّ (٤): كالسّحل البيض جلا لونها … سحّ نجاء الحمل الأسول (٥) أى: السحاب المسترخى الأسافل، لثقله وغزر مائه. فهذا إذا كقول الله سبحانه: ﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ﴾ (٦)، وهذا اشتقاق حسن، أخذناه عن أبى علىّ. ***

стр. 771

﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ (٣٥) ومن ذلك: «فلا تهنوا وتدّعوا إلى السّلم»، بالتشديد. (١) قرأ بها السّلمى. قال أبو الفتح: معنى تدّعوا هنا، أى: تنسبوا إلى السلم، كقولك: فلان يدّعى إلى بنى فلان، أى: ينتسب إليهم، ويحمل نفسه عليهم. وإلى هذا يرجع معنى قوله: فما برحت خيل تثوب وتدّعى (٢) … فأما قوله (٣): فلا وأبيك ابنة العامرىّ … لا يدّعى القوم أنّى أفر فإنه من الدعوى المستعملة فى المعاملات، المحوجة إلى البيّنة. وقد يمكن رجوعها أيضا إلى معنى الانتساب، أى: لا ينسبوننى إلى الفرار. وما أقرب أطراف هذه اللغة على ظاهر بعدها وأشدّ تلاقيها مع مظنون تنافيها!. *** ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ (٣٧) ومن ذلك ما رواه الحلوانىّ عن أبى معمر، عن عبد الوارث، عن أبى عمرو: «ويخرج أضغانكم»، مرفوعة الجيم (٤). قال أبو الفتح: هو على القطع تقديره: «إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا»، تم الكلام هنا، ثم استانف فقال: وهو «يخرج أضغانكم» على كل حال، أى: هذا مما يصح منه، فاحذروه أن يتم منه عليكم، فهو راجع بالمعنى إلى معنى الجزم. وهذا كقولك: إذا زرتنى فأنا ممن يحسن إليك، أى: فحرّى بى أن أحسن إليك. ولو جاء بالفعل مصارحا به فقال: إذا زرتنى أحسنت إليك لم يكن فى لفظه ذكر عادته

стр. 772

التى يستعملها من الإحسان إلى زائره. وجاز أيضا أن يظن به عجز عنه، أو ونىّ وفتور دونه. فإذا ذكر أن ذلك عادته، ومظنّة منه، كانت النفس إلى وقوعه أسكن، وبه أوثق. فاعرف هذه المعاريض فى القول، ولا تريّنها تصرفا واتساعا فى اللغة، مجردة من الأغراض المرادة فيها، والمعانى المحمولة عليها. *** &

стр. 773

سورة الفتح ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ (٩) قرأ: «تعزروه»، خفيفة، مفتوحة التاء، مضمومة الزاى (١) -الجحدرىّ. قال أبو الفتح: «تعزروه»، أى: تمنعوه، أو تمنعوا دينه وشريعته، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢)، أى: إن تنصروا دينه وشريعته، فهو على حذف المضاف. وأما ﴿تُعَزِّرُوهُ،﴾ بالتشديد، فتمنعوا منه بالسيف، فيما ذكر الكلبىّ. وعزّرت فلانا، أى: فخّمت أمره. قالوا: ومنه عزرة: اسم الرجل، ومنه عندى قولهم: التّعزير، للضرب دون الحد، وذلك أنه لم يبلغ به ذل الحد الكامل وكأنه محاسنة له ومباقاة فيه. قال أبو حاتم قرأ: «يعزّزوه»، بزايين-اليمانى (٣)، أى: يجعلوه عزيزا. *** ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة تمام بن عباس بن عبد المطلب: «إنّما يبايعون لله» (٤). قال أبو الفتح: هو على حذف المفعول؛ لدلالة ما قبله عليه، فكأنه قال: إن الذين يبايعونك إنما يبايعونك لله، فحذف المفعول الثانى؛ لقربه من الأول، وأنه أيضا بلفظه وعلى وضعه. وهذا المعنى هو راجع إلى معنى القراءة العامة: ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ،﴾ أى:

стр. 774

إنما يفعلون ذلك لله، إلا أنها أفخم معنى من قوله: «لله»، أى: إنما المعاملة فى ذلك معه، فهو أعلى لها وأرجح بها. *** ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢٩) ومن ذلك قراءة الحسن: «أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم» (١). قال أبو الفتح: نصبه على الحال، أى: «محمد رسول الله والذين معه»، ف «معه» خبر عن الذين آمنوا، كقولك: محمد رسول الله علىّ معه، ثم نصب «أشداء» و «رحماء» على الحال، أى: هم معه على هذه الحال، كقولك: زيد مع هند جالسا، فتجعله حالا من الضمير فى معه؛ لأمرين: أحدهما: قربه منه، وبعده عن زيد. والآخر: ليكون العامل فى الحال-أعنى الضمير-هو العامل فى صاحب الحال، أعنى الظرف. ولو جعلته حالا من «الذين» كان العامل فى الحال غير العامل فى صاحبها، وإن كان ذلك جائزا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ (٢)، إلا أن الأول أوجه. وإن شئت نصبت أشداء ورحماء على المدح، وأصف وأزكّى أشدّاء ورحماء. وكسّر رحيم على رحماء-فعلاء-وشديد على أشدّاء-أفعلاء-كراهية التضعيف فى أشدّاء، وقد وجدوا له نظيرا على أفعلاء، وهو صديق وأصدقاء، ووضيع وأوضعاء، كما عدلوا بالمعتل اللام عن فعلاء إلى أفعلاء، فقالوا: صفىّ وأصفياء، ووفىّ وأوفياء، كراهية لصفواء ووفياء؛ لما يجب من الاعتذار من ترك قلب الواو والياء؛ لتحركهما وانفتاح ما قبلهما. فهذا ونحوه مما يدلك ويبصّرك أنهم لا يتنكبون شيئا إلى آخر تطرّبا ولا تبدّلا، لا بل إنعاما وتأمّلا. *** ﴿شَطْأَهُ﴾ (٢٩) ومن ذلك قراءة عيسى الهمدانى-بخلاف-: «شطاءه»، ممدود، مهموز (٣).

стр. 775

وقرأ عيسى: «شطاه» (١). وقرأ الجحدرىّ: «شطوه» (٢). قال أبو الفتح: الشّطء: الفراخ للزرع، وجمعه شطوء. ويقال أيضا: هو الورق. والشّطء: السنبل أيضا. شطأ الزرع شطئا، وأشطأ إشطاء. ويقال: إن معقّر بن حمار البارقىّ شامت ابنته برقا، فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال لها: كيف ترينها؟ فقالت له: كأنها عين جمل طريف. فقال لها: ارعى غنيماتك، فرعت مليّا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها. فقال لها: ارعى غنيماتك، فرعت مليّا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: كيف ترينها؟ فقالت: سطّحت وابيضت. فقال: أدخلى غنيماتك، فجاءت السماء بشئ شطأ له الزرع. ومنه عندى قولهم: شاطئ النهر والوادى؛ لأنه ما برز منه وظهر؛ ولهذا سموه السّيف؛ لأنه من لفظ السّيف ومعناه. ألا ترى أنهم يصفون السّيف بالصّقال والانجراد؟ قال: كأنّنى سيف بها إصليت (٣) … أى: بارز صلت. وموجب الوصية فى ترتيب أحوال المشتق والمشتق منه فى التقدم والتأخر-أن يكون السّيف مشتقا من السّيف؛ لأن السّيف من صنعة البشر، والسّيف من صنعة القديم «سبحانه»، فهو أسبق مرتبة فى الزمان، فليكن أسبق مرتبة فى الكلام. ألا ترى أن آدم ﵇، مخلوق من التراب؟ وهذا واضح. وأما «شطوه»، بالواو فلن يخلو أن يكون لغة، أو بدلا من الهمزة. ولا يكون الشّطء إلا فى البرّ والشعير. ***
следующие страницы →