← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 704

المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها - ط العلمية

ابن جني

Полный текст (896 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ (٣٥) ومن ذلك: «فلا تهنوا وتدّعوا إلى السّلم»، بالتشديد. (١) قرأ بها السّلمى. قال أبو الفتح: معنى تدّعوا هنا، أى: تنسبوا إلى السلم، كقولك: فلان يدّعى إلى بنى فلان، أى: ينتسب إليهم، ويحمل نفسه عليهم. وإلى هذا يرجع معنى قوله: فما برحت خيل تثوب وتدّعى (٢) … فأما قوله (٣): فلا وأبيك ابنة العامرىّ … لا يدّعى القوم أنّى أفر فإنه من الدعوى المستعملة فى المعاملات، المحوجة إلى البيّنة. وقد يمكن رجوعها أيضا إلى معنى الانتساب، أى: لا ينسبوننى إلى الفرار. وما أقرب أطراف هذه اللغة على ظاهر بعدها وأشدّ تلاقيها مع مظنون تنافيها!. *** ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ (٣٧) ومن ذلك ما رواه الحلوانىّ عن أبى معمر، عن عبد الوارث، عن أبى عمرو: «ويخرج أضغانكم»، مرفوعة الجيم (٤). قال أبو الفتح: هو على القطع تقديره: «إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا»، تم الكلام هنا، ثم استانف فقال: وهو «يخرج أضغانكم» على كل حال، أى: هذا مما يصح منه، فاحذروه أن يتم منه عليكم، فهو راجع بالمعنى إلى معنى الجزم. وهذا كقولك: إذا زرتنى فأنا ممن يحسن إليك، أى: فحرّى بى أن أحسن إليك. ولو جاء بالفعل مصارحا به فقال: إذا زرتنى أحسنت إليك لم يكن فى لفظه ذكر عادته

стр. 772

التى يستعملها من الإحسان إلى زائره. وجاز أيضا أن يظن به عجز عنه، أو ونىّ وفتور دونه. فإذا ذكر أن ذلك عادته، ومظنّة منه، كانت النفس إلى وقوعه أسكن، وبه أوثق. فاعرف هذه المعاريض فى القول، ولا تريّنها تصرفا واتساعا فى اللغة، مجردة من الأغراض المرادة فيها، والمعانى المحمولة عليها. *** &

стр. 773

سورة الفتح ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ (٩) قرأ: «تعزروه»، خفيفة، مفتوحة التاء، مضمومة الزاى (١) -الجحدرىّ. قال أبو الفتح: «تعزروه»، أى: تمنعوه، أو تمنعوا دينه وشريعته، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢)، أى: إن تنصروا دينه وشريعته، فهو على حذف المضاف. وأما ﴿تُعَزِّرُوهُ،﴾ بالتشديد، فتمنعوا منه بالسيف، فيما ذكر الكلبىّ. وعزّرت فلانا، أى: فخّمت أمره. قالوا: ومنه عزرة: اسم الرجل، ومنه عندى قولهم: التّعزير، للضرب دون الحد، وذلك أنه لم يبلغ به ذل الحد الكامل وكأنه محاسنة له ومباقاة فيه. قال أبو حاتم قرأ: «يعزّزوه»، بزايين-اليمانى (٣)، أى: يجعلوه عزيزا. *** ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة تمام بن عباس بن عبد المطلب: «إنّما يبايعون لله» (٤). قال أبو الفتح: هو على حذف المفعول؛ لدلالة ما قبله عليه، فكأنه قال: إن الذين يبايعونك إنما يبايعونك لله، فحذف المفعول الثانى؛ لقربه من الأول، وأنه أيضا بلفظه وعلى وضعه. وهذا المعنى هو راجع إلى معنى القراءة العامة: ﴿إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ،﴾ أى:

стр. 774

إنما يفعلون ذلك لله، إلا أنها أفخم معنى من قوله: «لله»، أى: إنما المعاملة فى ذلك معه، فهو أعلى لها وأرجح بها. *** ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢٩) ومن ذلك قراءة الحسن: «أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم» (١). قال أبو الفتح: نصبه على الحال، أى: «محمد رسول الله والذين معه»، ف «معه» خبر عن الذين آمنوا، كقولك: محمد رسول الله علىّ معه، ثم نصب «أشداء» و «رحماء» على الحال، أى: هم معه على هذه الحال، كقولك: زيد مع هند جالسا، فتجعله حالا من الضمير فى معه؛ لأمرين: أحدهما: قربه منه، وبعده عن زيد. والآخر: ليكون العامل فى الحال-أعنى الضمير-هو العامل فى صاحب الحال، أعنى الظرف. ولو جعلته حالا من «الذين» كان العامل فى الحال غير العامل فى صاحبها، وإن كان ذلك جائزا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ (٢)، إلا أن الأول أوجه. وإن شئت نصبت أشداء ورحماء على المدح، وأصف وأزكّى أشدّاء ورحماء. وكسّر رحيم على رحماء-فعلاء-وشديد على أشدّاء-أفعلاء-كراهية التضعيف فى أشدّاء، وقد وجدوا له نظيرا على أفعلاء، وهو صديق وأصدقاء، ووضيع وأوضعاء، كما عدلوا بالمعتل اللام عن فعلاء إلى أفعلاء، فقالوا: صفىّ وأصفياء، ووفىّ وأوفياء، كراهية لصفواء ووفياء؛ لما يجب من الاعتذار من ترك قلب الواو والياء؛ لتحركهما وانفتاح ما قبلهما. فهذا ونحوه مما يدلك ويبصّرك أنهم لا يتنكبون شيئا إلى آخر تطرّبا ولا تبدّلا، لا بل إنعاما وتأمّلا. *** ﴿شَطْأَهُ﴾ (٢٩) ومن ذلك قراءة عيسى الهمدانى-بخلاف-: «شطاءه»، ممدود، مهموز (٣).

стр. 775

وقرأ عيسى: «شطاه» (١). وقرأ الجحدرىّ: «شطوه» (٢). قال أبو الفتح: الشّطء: الفراخ للزرع، وجمعه شطوء. ويقال أيضا: هو الورق. والشّطء: السنبل أيضا. شطأ الزرع شطئا، وأشطأ إشطاء. ويقال: إن معقّر بن حمار البارقىّ شامت ابنته برقا، فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال لها: كيف ترينها؟ فقالت له: كأنها عين جمل طريف. فقال لها: ارعى غنيماتك، فرعت مليّا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: كيف ترينها؟ فقالت: كأنها فرس دهماء تجر جلالها. فقال لها: ارعى غنيماتك، فرعت مليّا، ثم جاءته فقالت: يا أبه، جاءتك السماء! فقال: كيف ترينها؟ فقالت: سطّحت وابيضت. فقال: أدخلى غنيماتك، فجاءت السماء بشئ شطأ له الزرع. ومنه عندى قولهم: شاطئ النهر والوادى؛ لأنه ما برز منه وظهر؛ ولهذا سموه السّيف؛ لأنه من لفظ السّيف ومعناه. ألا ترى أنهم يصفون السّيف بالصّقال والانجراد؟ قال: كأنّنى سيف بها إصليت (٣) … أى: بارز صلت. وموجب الوصية فى ترتيب أحوال المشتق والمشتق منه فى التقدم والتأخر-أن يكون السّيف مشتقا من السّيف؛ لأن السّيف من صنعة البشر، والسّيف من صنعة القديم «سبحانه»، فهو أسبق مرتبة فى الزمان، فليكن أسبق مرتبة فى الكلام. ألا ترى أن آدم ﵇، مخلوق من التراب؟ وهذا واضح. وأما «شطوه»، بالواو فلن يخلو أن يكون لغة، أو بدلا من الهمزة. ولا يكون الشّطء إلا فى البرّ والشعير. ***

стр. 776

سورة الحجرات ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) قرأ الضحاك ويعقوب: «لا تقدّموا بين يدى الله ورسوله» (١). قال أبو الفتح: أى لا تفعلوا ما تؤثرونه، وتتركوا ما أمركم الله ورسوله به. وهذا هو معنى القراءة العامة: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ،﴾ أى: لا تقدموا أمرا على ما أمركم الله به، فالمفعول هنا محذوف كما ترى. *** ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١٠) ومن ذلك قراءة زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن-بخلاف-وعاصم الجحدرى: «فأصلحوا بين إخوانكم» (٢). قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن القراءة العامة التى هى: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ لفظها لفظ التثنية، ومعناها الجماعة، أى: كل اثنين فصاعدا من المسلمين اقتتلا فأصلحوا بينهما. ألا ترى أن هذا حكم عام فى الجماعة، وليس يختص به منهم اثنان مقصودان؟ ففيه إذا شيئان: أحدهما: لفظ التثنية يراد به الجماعة. وآخر لفظ الإضافة لمعنى الجنس، وكلاهما قد جاء منه قولهم: لبّيك وسعديك،

стр. 777

فليس المراد هنا إجابتين ثنتين، ولا إسعادين اثنين. ألا ترى أن الخليل فسّره فقال: معناه كلما كنت فى أمر فدعوتنى له أجبتك إليه، وساعدتك عليه؟. فقوله: كلما يؤكد ما نحن عليه ومنه قولهم (١): فلو كنت مولى العزّ أو فى ظلاله … ظلمت ولكن لا يدى لك بالظّلم (٢) ألا تراه لا ينفى قوتين ثنتين، وإنما ينفى جميع قواه؟ وكذلك قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾. ونعم الله تعالى أكثر من أن تحصى، وكذلك قوله (٣): إذا شقّ برد شقّ بالبرد مثله … دواليك حتّى ليس للبرد لابس (٤) أى: مداولة بعد مداولة، وكقول العجاج (٥): ضربا هذا ذيك وطعنا ورخضا (٦) … أى: هذّا بعد هذّ، لا هذّين اثنين ليس غير، ونظائره كثيرة. وأما إفادة المضاف لمعنى الجنسية فقولهم: منعت العراق قفيزها ودرهمها، أى: قفزانها ودراهما، ومنعت مصر إردبّها، أى: أرادبها، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ (٧)، ومنه قولهم: نعم الرجلان الزيدان، وله أشباه. ***

стр. 778

﴿لِتَعارَفُوا﴾ (١٣) ومن ذلك قراءة ابن عباس «لتعرفوا» (١). قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف، أى: لتعرفوا ما أنتم محتاجون إلى معرفته من هذا الوجه، وهو كقوله (٢): وما علّم الإنسان إلاّ ليعلما (٣) … أى ليعلم ما علّمه، أو ليعلم ما يدعو إلى علمه ما علمه. وحذف المفعول كثير جدا، وما أغربه وأعذبه لمن يعرف مذهبهم!. ***

стр. 779

سورة ق ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ق﴾ (١) قرأ الثقفى: «قاف»، بفتح الفاء (١). وقرأ: «قاف» -بالكسر-الحسن وابن أبى إسحاق (٢). قال أبو الفتح: يحتمل «قاف»، بالفتح أمرين: أحدهما: أن تكون حركته لالتقاء الساكنين، كما أن من يقرأ: «قاف» بالكسر كذلك، غير أن من فتح أتبع الفتحة صوت الألف؛ لأنها منها، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين. والآخر: أن يكون «قاف» منصوبة الموضع بفعل مضمر، غير أنه لم يصرفها لاجتماع التعريف والتأنيث فى معنى السورة. وأما قراءة الحسن: «صاد» بالكسر (٣) فقد تقدم أنه يريد بها مثال الأمر من صاديت، أى: عارض عملك بالقرآن، فلا وجه لإعادته. وقيل: «قاف» جبل محيط بالأرض، فكان قياسه الرفع، أى: هو «قاف». وقد تمحّل الفراء فى هذا، فقال: جاء ببعض الاسم كقوله: قلنا لها قفى لنا قالت قاف (٤) … وفى هذا ضعف، ألا ترى إلى الفتح والكسر فيه؟. ***

стр. 780

﴿أَإِذا مِتْنا﴾ (٣) ومن ذلك قراءة يحيى والأعرج وشيبة وأبى جعفر وصفوان بن عمرو: «إذا متنا» (١)، بغير استفهام. قال أبو الفتح: يحتمل هذا أمرين: أحدهما: حذف همزة الاستفهام على القراءة العامة، فحذفها تخفيفا، وقد مضى نحو هذا، وذكرنا ضعفه. والآخر: أن يكون غير مريد للهمزة، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعد رجعنا ونشورنا ودل قوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ على هذا الفعل الذى هو «بعد»، كما أن قولك: إذا زرتنى فلك درهم ناب قوله: فلك درهم عن الفعل الذى استحققت عليه درهما، وإن كان قوله: فلك درهم جوابا، وقوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ ليس جوابا؛ لأنه لا فاء فيه، غير أن دلالتهما على الفعل واحدة. ومعنى قوله: ﴿ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أى بعيد فى التقدير والظن، لا فى الزمان؛ لأنهم لم يكونوا يعترفون بالبعث، لا قريبا ولا بعيدا. *** ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ (٥) ومن ذلك قراءة الجّحدرى: «لما جاءهم» (٢)، بكسر اللام. وقراءة الجماعة: ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾. قال أبو الفتح: معنى «لما جاءهم»، أى: عند مجيئه إياهم، كقولك: أعطيته ما سأل لطلبه، أى: عند طلبه ومع طلبه، وفعلت هذا لأول وقت، أى: عنده ومعه، وكقولك فى التاريخ: لخمس خلون، أى: عند خمس خلون، أو خمس خلون. فرجع ذلك المعنى إلى معنى القراءة العامة: ﴿لَمّا جاءَهُمْ،﴾ أى: وقت مجيئه إياهم قال: شنئت العقر عقر بنى شليل … إذا هبّت لقاريها الرّياح (٣) &

стр. 781

أى: عند وقتها. وقال تعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ (١)، أى: عند وقتها. *** ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ (١٠) ومن ذلك ما يروى عن النبى ﷺ : ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ،﴾ و «باصقات» (٢). قال أبو الفتح: الأصل السين، وإنما الصاد بدل منها؛ لاستعلاء القاف، فأبدلت السين صادا لتقرب من القاف؛ لما فى الصاد من الاستعلاء، ونحوه قولهم فى سقر: صقر، وفى السّقر الصّقر. وروينا عن الأصمعى قال: اختلف رجلان من العرب فى السّقر، فقال أحدهما: بالصاد، وقال الآخر: بالسين؛ فتراضيا بأول من يقدم عليهما، فإذا راكب فأخبراه ورجعا إليه، فقال: ليس كما قلت، ولا كما قلت: إنما هو الزّقر. وهذا أيضا تقريب الحرف من الحرف، وذلك أن السين مهموسة، والقاف مجهورة، فأبدل السين زايا، وهى مجهورة، والزاى أخت السين، كما أن الصاد أختها. وهذا التقريب للحرف من الحرف باب طويل منقاد، وهو فى فصل الإدغام، وما أصنعه وألطفه وأظرفه!. *** ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (١٩) ومن ذلك ما روى عن أبى بكر رضى الله عنه، عند خروج نفسه: «وجاءت سكرة الحقّ بالموت» (٣)، وقرأ بها سعيد بن جبير وطلحة. قال أبو الفتح: لك فى هذه الباء ضربان من التقدير: إن شئت علقتها بنفس «جاءت»، كقولك: جئت بزيد أى: أحضرته وأجأته وإن شئت علقتها بمحذوف، وجعلتها حالا، أى: وجاءت سكرة الحق ومعها الموت،

стр. 782

كقولنا: خرج بثيابه: أى: وثيابه عليه. ومثله قول الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (١)، أى: وزينته عليه، ومثله قول الهذلىّ: يعثرن فى حدّ الظّبات كأنّها … كسيت برود بنى يزيد الأذرع (٢) أى: يعثرن وهنّ فى حد الظبات، وكقوله-أنشده الأصمعى: ومستنّة كاستنان الخرو … ف قد قطع الحبل بالمرود (٣) أى قطعه: وفيه مروده، وكذلك القراءة العامة: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾. إن شئت علقت الباء بنفس «جاءَتْ» على ما مضى. وإن شئت علقتها بمحذوف وجعلتها حالا، فكأنه قال: وجاءت سكرة الموت ومعها الحق. فإن قلت: فكيف يجوز أن تقول: جاءت سكرة الحق بالموت، وأنت تريد به: وجاءت سكرة الموت بالحق، فياليت شعرى أيتهما الجائية بصاحبتها؟. قيل: لاشتراكهما فى الحال، وقرب إحداهما من صاحبتها صار كأن كل واحدة منهما جائية بالأخرى؛ لأنهما ازدحمتا فى الحال، واشتبكتا حتى صارت كل واحدة منهما جائية بصاحبتها، كما يقول، الرجلان المتوافيان فى الوقت الواحد إلى المكان- كل واحد منهما لصاحبه: لا أرى أأنا سبقتك، أم أنت سبقتنى؟. *** ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة الحسن: «ألقيا فى جهنّم»، بالنون الخفيفة (٤). قال أبو الفتح: هذا يؤكد قول أصحابنا فى «ألقيا»: إنه أراد «ألقيا»، وأجرى الوصل فيه مجرى الوقف، كقوله: يا حرسىّ اضربا عنقه. *** ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ (٣٠) ومن ذلك قراءة ابن مسعود والحسن والأعمش: «يوم يقال لجهنّم» (٥).

стр. 783

قال أبو الفتح: هذا يدل على أن قولنا: ضرب زيد ونحوه لم يترك ذكر الفاعل للجهل به؛ بل لأن العناية انصرفت إلى ذكر وقوع الفعل بزيد، عرف الفاعل به، أو جهل؛ لقراءة الجماعة: ﴿يَوْمَ نَقُولُ،﴾ وهذا يؤكد عندك قوة العناية بالمفعول به. وفيه شاهد وتفسير لقول سيبويه فى الفاعل والمفعول: وإن كانا جميعا يهمّانهم ويعنيانهم، ومن شدة قوة العناية بالمفعول أن جاءوا بأفعال مسندة إلى المفعول، ولم يذكروا الفاعل معها أصلا، وهى نحو قولهم: امتقع لون الرجل، وانقطع به، وجنّ زيد. ولم يقولوا: امتقعه ولا انقطعه، ولا جنّه. ولهذا نظائر، فهذا كإسنادهم الفعل إلى الفاعل البتة فيما لا يتعدى، نحو قام زيد، وقعد جعفر. *** ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ (٣٦) ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبى العالية ويحيى بن يعمر ونصر بن سيار: «فنقّبوا فى البلاد»، بكسر القاف مشددا (١). قال أبو الفتح: هذا أمر للحاضرين، ثم لمن بعدهم. فهو كقولك: قد أجلتك فانظر هل لك من منجى أو من وزر؟ وهو فعّلوا من النقب، أى: ادخلوا وغوروا فى الأرض، فإنكم لا تجدون لكم محيصا. *** ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ (٣٧) ومن ذلك قراءة السّدّى: «أو ألقى السّمع» (٢). قال أبو الفتح: أى: ألقى منه، وهذا كأنه أندى معنى إلى النفس من القراءة العامة، وذلك أن قوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ معناه: ألقى سمعه نحو كتاب الله

стр. 784

تعالى وهو شهيد، أى: قلبه حاضر معه، ليس غرضه أن يصغى كما أمر بالإصغاء نحو القرآن، ولا يجعل قلبه إليه، إلا أن ظاهر الأمر وأكثره أنه إذا ألقى سمعه أيضا فقلبه أيضا نحوه ومعه. وهذه القراءة المنفردة كأنها أشد تشابه لفظ؛ لأن ظاهرها أن قلبه ألقى إليه، وليس فى اللفظ أنه هو ألقاه، فاتصل بعض ببعض، فكأنه ألقى سمعه إليه وقلبه، حتى كأن ملقيا غيره ألقى سمعه إلى القرآن. وليس عجيبا أن يقال: إن قلبه عند ذلك معه؛ لأنه إذا كان هو الذى ألقاه نحوه فالعرف أن يكون قلبه معه، وهو شاهد لا غائب. *** ﴿وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٣٨) ومن ذلك قراءة أبى عبد الرحمن السّلمى وطلحة: «وما مسّنا من لغوب» (١)، بفتح اللام. قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك، وذكرنا رأى أبى بكر ونحوه من المصادر التى جاءت على فعول بفتح الفاء، كالوضوء، والولوغ، والطّهور، والوزوع، والقبول، وأنها صفات مصادر محذوفة، أى: توضأت وضوءا وضوءا، أى: وضوءا حسنا. وكذلك هذا؛ أى: ما مسنا من لغوب لغوب، فيصف اللغوب بأنه لغوب، أى: لغب ملغب. ***

стр. 785

سورة الذاريات ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحُبُكِ﴾ (٧) قراءة الحسن: «الحبك» (١)، مضمومة الحاء، ساكنة الباء. وروى عنه: «الحبك» (٢)، بكسر الحاء، ووقف الباء. وكذلك قرأ أبو مالك الغفارى: وروى عنه: «الحبك» (٣)، بكسر الحاء، وضم الباء. وروى عنه: «الحبك» (٤). وروى عنه: «الحبك» (٥). الوجه السادس قراءة الناس (٦). وروى عن عكرمة وجه سابع، وهو: «الحبك». قال أبو الفتح: جميعه هو طرائق الغيم، وأثر حسن الصنعة فيه، وهو الحبيك فى البيض. قال: الضّاربون حبيك البيض إذ لحقوا … لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا (٧) ويقال: حبيكة الرمل، وحبائك. فهذا كسفينة، وسفن، وسفائن. وكذلك أيضا حبك الماء لطرائقه.

стр. 786

قال زهير (١): مكلّل بأصول النّبت تنسجه … ريح خريق لضاحى مائه حبك (٢) فأمّا «الحبك» فمخفف من «الحبك»، وهى لغة بنى تميم، كرسل وعمد، فى رسل وعمد. وأما «الحبك» ففعل، وذلك قليل، منه: إبل، وإطل، وامرأة بلز، وبأسنانه حبر. وأما «الحبك» فمخفف منه، كإبل، وإطل. وأما «الحبك»، بكسر الحاء، وضم الباء فأحسبه سهوا؛ وذلك أنه ليس فى كلامهم فعل أصلا، بكسر الفاء، وضم العين. وهو المثال الثانى عشر من تركيب الثلاثى، فإنه ليس فى اسم ولا فعل أصلا والبتة. أو لعلّ الذى قرأ به تداخلت عليه القراءتان: بالكسر، والضم. فكأنه كسر الحاء يريد «الحبك»، وأدركه ضم الباء على صورة «الحبك». وقد يعرض هذا التداخل فى اللفظة الواحدة، قال بلال بن جرير: إذا جئتهم أو سآيلتهم … وجدت بهم علّة حاضره (٣) أراد: أو سألتهم، أو ساءلتهم، أو لغة من قال: سايلتهم، فأبدلت، فتداخلت الثلاث عليه فخلّط، فقال: سآيلتهم، فوزنها إذا فعاعلتهم؛ لأن الياء فى سايلتهم بدل من الهمزة فى ساءلتهم. فجمع بين اللغتين فى موضعين على تلفّته إلى اللغتين. كذلك أيضا نظر فى «الحبك» إلى «الحبك»، و «الحبك»، فجمع بين أول اللفظة على هذه القراءة، وبين آخرها على القراءة الأخرى. فأما «الحبك» فكأن واحدتها حبكة، كطرقة وطرق، وعقبة وعقب. وأما «الحبك» فعلى حبكة، كطرقة وطرق، وبرقة وبرق. ولا يجوز أن يكون «حبك» معدولا إليها عن «حبك» تخفيفا، إنما ذلك شئ يستسهل فى المضاعف خاصة، كقولهم فى جدد: جدد، وفى سرر: سرر، وفى قلل: قلل. ***

стр. 787

﴿أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٢) ومن ذلك قراءة السّلمى: «إيّان يوم القيامة» (١). قال أبو الفتح: هذه لغة فى «أيّان»، وينبغى أن يكون «أيّان» من لفظ أىّ، لا من لفظ أين؛ لأمرين: أحدهما: أن أين مكان، و «أيّان» زمان. والآخر: أن يكون قلّة فعّال فى الأسماء مع كثرة فعلان. فلو سميت رجلا بأيان لم تصرفه كحمدان، ولسنا ندعى أن أين مما يحسن اشتقاقها والاشتقاق منها؛ لأنها مبنية كالحرف، إلا أنها مع هذا اسم، وهى أخت أنّى، وقد جاءت فيها الإمالة التى لا حظّ للإمالة فيها، وإنما الإمالة للأفعال والأسماء؛ إذ كانت ضربا من التصرف، والحروف لا تصرّف فيها. ومعنى أى: أنها بعض من كل، فهى تصلح للأزمنة صلاحها لغيرها؛ إذ كان البعض شاملا لذلك كله. قال أمية: والنّاس راث عليهم أمر يومهم … فكلّهم قائل أيّان أيّانا فإن سميت بأيّان سقط الكلام فى حسن تصريفها، للحاقها-بالتسمية بها-ببقية الأسماء المنصرفة. *** ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٨) ومن ذلك قراءة يحيى والأعمش: «ذو القوّة المتين» (٢). قال أبو الفتح: يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون وصفا للقوة، فذكّره على معنى الحبل، يريد: قوى الحبل؛ لقوله: ﴿فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا اِنْفِصامَ لَها﴾ (٣).

стр. 788

والآخر: أن يكون أراد الرفع وصفا للرزّاق، إلا أنه جاء على لفظ القوة لجوارها إياه، على قولهم: هذا حجر ضبّ خرب، وعلى أن هذا فى النكرة-على ما فيه- أسهل منه فى المعرفة؛ وذلك أن النكرة أشد حاجة إلى الصفة، فبقدر قوة حاجتها إليها تتشبث بالأقرب إليها. فيجوز هذا حجر ضبّ خرب؛ لقوة حاجة النكرة إلى الصفة. فأما المعرفة فتقل حاجتها إلى الصفة، فبقدر ذلك لا يسوغ التشبث بما يقرب منها لاستغنائها فى غالب الأمر عنها. ألا ترى أنه قد كان يجب ألا توصف المعرفة، لكنه لما كثرت المعرفة تداخلت فيما بعد، فجاز وصفها، وليس كذلك النكرة: لأنها فى أول وضعها محتاجة-لإبهامها-إلى وصفها. فإن قلت: إن القوة مؤنثة، والمتين مذكر، فكيف جاز أن تجريها عليها على الخلاف بينهما؟ أو لا ترى أن من قال: هذا حجر ضبّ خرب لا يقول: هذان حجرا ضب خربين لمخالفة الاثنين الواحد؟. قيل: قد تقدم أن القوة هنا إنما المفهوم منها الحبل، على ما تقدم فكأنه قال: إن الله هو الرزاق ذو الحبل المتين، وهذا واضح. وأيضا فإن المتين فعيل، وقد كثر مجئ فعيل مذكرا وصفا للمؤنث، كقولهم: حلّة خصيف، وملحفة جديد، وناقة حسير وسديس، وريح خريق. *** &

стр. 789

سورة الطور ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (٢٠) قرأ عبد الله وإبراهيم: «وزوّجناهم بعيس عين» (١). قال أبو الفتح: قد تقدم ذكر العيس، وأن المرأة العيساء: البيضاء. ومثله جمل أعيس، وناقة عيساء. قال فى وصف امرأة: كأنّها البكرة العيساء *** ﴿وَما أَلَتْناهُمْ﴾ (٢١) ومن ذلك قراءة الأعرج: «وما آلتناهم»، على أفعلناهم (٢). قال أبو الفتح: وفيما روينا عن قطرب، قال: قراءة عبد الله وأبّى: و «ما لتناهم» (٣). وكان ابن عباس يقول: «ألتناهم»: نقصناهم، يقال: ألته يألته ألتا، وآلته يؤلته إيلاتا، ولاته يليته ليتا. كلهن بمعنى واحد، أى: نقصه، ويقال أيضا: ولته يلته ولتا، بمعناه. قال الحطيئة: أبلغ لديك بنى سعد مغلغلة … جهد الرّسالة لا ألتا ولا كذبا (٤) وقالوا: ولته يلته: إذا صرفه عن الشئ يريده، وقالوا: ألته يألته باليمين: إذا غلّظ

стр. 790

عليه بها، وآلته يؤلته بها: إذا قلده إياها، وقال رؤبة: وليلة ذات ندى سريت … ولم يلتنى عن سراها ليت (١) أى: لم يثنى عنها ثان. *** ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٣٢) ومن ذلك قراءة الناس: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾. وقرأ مجاهد: «بل هم قوم طاغون» (٢)، فى الطور. قال أبو الفتح: هذا هو الموضع الذى يقول أصحابنا فيه: إن أم المنقطعة بمعنى بل، للترك والتحوّل، إلا أن ما بعد «بل» متيقّن، وما بعد «أم» مشكوك فيه، مسئول عنه؛ وذلك كقول علقمة بن عبدة (٣): هل ما علمت وما استودعت مكتوم … أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم (٤) كأنه قال: بل أحبلها إذ نأتك اليوم مصروم؟ ويؤكده قوله بعده: أم هل كبير بكى لم يقض عبرته … إثر الأحبّة يوم البين مشكوم ألا ترى إلى ظهور حرف الاستفهام، وهو «هل» فى قوله: أم هل كبير بكى حتى كأنه قال: بل هو كبير؟ ترك الكلام الأول، وأخذ فى استفهام مستأنف. وقد توالت «أم» هذه فى هذا الموضع من هذه السورة، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (٥)، أى: بل أيقولون ذلك؟، ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٦)، أى: بل أهم قوم طاغون؟ أخرجه مخرج الاستفهام، وإن كانوا عنده تعالى قوما طاغين؛ تلعّبا بهم، وتهكما عليهم. وهذا كقول الرجل لصاحبه الذى لا يشك فى جهله: أجاهل أنت؟ توبيخا له، وتقبيحا عليه. ومعناه: إنى قد نبهتك على

стр. 791

حالك، فانتبه لها، واحتط لنفسك منها. قال صخر الغىّ: أرائح أنت يوم اثنين أم غادى … ولم تسلّم على ريحانة الوادى (١) ليس يستفهم نفسه عما هو أعلم به، ولكنه يقبح هذا الرأى لها، وينعاه عليها. هكذا مقتاد كلام العرب، فاعرفه وأنس به. *** ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٣٤) ومن ذلك قراءة الجحدرى: «بحديث مثله» (٢). قال أبو الفتح: الهاء فى «مثله» فى هذه القراءة ضمير النبى ﷺ ، ألا ترى أن قبله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ؟﴾ (٣)؛ أى: فليأتوا بحديث مثل النبى ﷺ . وأما الهاء فى قراءة الجماعة: ﴿بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾. فللقرآن، أى: مثل القرآن. *** ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٤٩) ومن ذلك قراءة سالم بن أبى الجعد: «وأدبار النّجوم» (٤). قال أبو الفتح: هذا كقولك: فى أعقاب النجوم، قيل له: دبر، كما قيل له: عقب قال (٥): فأصبحت من ليلى الغداة كناظر … مع الصبح فى أعقاب نجم مغرّب (٦) ***

стр. 792

سورة النجم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (١٥) قرأ: «جنّه المأوى» (١)، بالهاء-علىّ ﵇، وابن الزبير-بخلاف-وأبو هريرة وأنس-بخلاف-وأبو الدرداء وزرّ بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب. قال أبو الفتح: يقال: جنّ عليه الليل، وأجنّه الليل، وقالوا أيضا: جنّه، بغير همز، ولا حرف جر. وروينا عن قطرب، قال: سأل ابن عباس أبا العالية: كيف تقرءونها يا أبا العالية؟ فقال: «عندها جنّة المأوى»، فقال: صدقت، هى مثل الأخرى: ﴿جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ (٢) فقالت عائشة-رحمة الله عليها-: من قرأ: «جنّة المأوى» يريد جن عليه، فأجنّه الله. قال قطرب أيضا: وقد حكى عن علىّ-﵇-أنه قرأ «جنّه»، يعنى فعله. قال أبو حاتم: روى عن ابن عباس وعائشة وابن الزبير قالوا: من قرأها: «جنّه المأوى» فأجنّه الله، قال: وقال سعد بن مالك: وقيل إن فلانا يقرأ: «جنّه المأوى»، فقال ما له أجنّه الله؟ وروى أيضا أبو حاتم عن عبد الله بن قيس قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرؤها: «جنّه المأوى»، بالهاء البينة، قال: يعنى فعله المأوى، والمأوى هو الفاعل، فقد ترى إلى اختلاف هذا الحديث. والذى عليه اللغة أن جنّه الليل: أدركه الليل، وجنّ عليه الليل، وأجنه: ألبسه سواده. جنّ عليه الليل جنونا وجنانا، وأجنّه إجنانا. قال (٣): ولولا جنون اللّيل أدرك ركضنا … بذى الرّمث والارطى عياض بن ناشب (٤)

стр. 793

والمعنى الجامع لتصريف «ج ن ن» أين وقعت إنما هو الاستخفاء والستر، منه الجن، والجنة، والجان، والجنّان، لاستتار الجن، ومنه المجنّ-للترس-لستره، ومنه الجنين لاستتاره فى الرحم، ومنه الجنّة؛ لأنها لا تكون جنّة حتى يكون فيها الشجر، وذلك ستر لها، والجنان: روح القلب لاستتار ذلك، والجنن: القبر، وعليه بقية الباب. *** ﴿اللاّتَ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن عباس ومنصور بن المعتمر وطلحة: «اللاّتّ» (١). قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: كان رجل بسوق العكاظ يلتّ السّويق والسمن عند صخرة، فإذا باع السويق والسمن صب على الصخرة، ثم يلت. فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة، إعظاما لذلك الرجل صاحب السّويق. قال أبو حاتم: كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سمن، فعبدوا ذلك الرجل. وحكى أبو الحسن فيها: «أفرأيتم اللاّت»، بكسر التاء. وذهب إلى أنها بدل من لام الفعل، بمنزلة التاء فى كيت وذيت، وأن الألف قبلها عين الفعل، بمنزلة ألف شاة وذات مال. *** ﴿الَّذِي وَفّى﴾ (٣٧) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ : «الّذى وفى»، خفيفة (٢). واختلف عنه، وهى قراءة أبى أمامة وسعيد بن جبير وابن السّميفع وأبى مالك. قال أبو الفتح: هذا على تسمية المسبب باسم سببه. ألا ترى أن معناه الذى وعد ذلك، فوفى بحاضره وسيفى بغائبه يوم القيامة؟ وذلك منهم لصدق الوعد، أى: إذا قال فقد فعل، أو قد وقع ما يقوله. وهذا كقولهم: وعد الكريم نقد، ونقد اللئيم وعد.

стр. 794

وأخذه بعض المولّدين فقال فى صفة باز أو شاهين: مبارك إذا رأى فقد رزق وما أوسعه! وأصله لامرئ القيس فى وصف الفرس: إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا … تعالوا إلى أن يأتى الصّيد نحطب (١) *** ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ (٥٨) ومن ذلك قراءة طلحة: «ليس لها ممّا يدعون من دون الله كاشفة وهى على الظالمين ساءت الغاشية» (٢). قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن المراد بقراءة الجماعة: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ -حذف مضاف بعد مضاف. ألا ترى أن تقديره: ليس لها من جزاء عبادة معبود دون الله كاشفة؟ فالعبادة على هذا مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله: ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ،﴾ و ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ،﴾ ثم حذف المضاف الأول، فصار تقديره: ليس لها من عبادة معبود دون الله كاشفة، ثم حذف المضاف الثانى الذى هو «عبادة»، فصار تقديره: ليس لها من معبود دون الله كاشفة، ثم حذف المضاف الثالث، فصار إلى قوله: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾. وهذا على تقديرك «دون الله» اسما هنا، لا ظرفا؛ لأن الإضافة إليه تسلبه معنى الظرفية التى فيه، كقولهم: يا سارق الليلة أهل الدار (٣) … وتلك عادة سيبويه إذا أراد تجريد الظرف من معنى الظرفية، فإنه يمثّله بالإضافة إليه، وذلك مما ينافى تقدير حرف معه؛ لأن حرف الجر يسقط، فلا يعترض بين المضاف والمضاف إليه. ولا تستنكر كثرة المضافات المحذوفة هناك، فإن المعنى إذا دلّ على شئ وقبله القياس أمضى على ذلك ولم يستوحش منه، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: ﴿فَقَبَضْتُ﴾

стр. 795

﴿قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (١)؟ ألا تراه أن معناه: من تراب أرض أثر وطء حافر فرس الرسول، أى من تراب الأرض الحاملة لأثر وطء فرس الرسول. المعنى على هذا؛ لأنه فى تصحيحه من تقرّيه لاستيفاء معانيه، وإذا دل الدليل كان التعجب من حيلة العاجز الذليل. وقوله: «وهى على الظالمين ساءت الغاشية» -هذا جار مجرى قولهم: زيد بئس الرجل؛ لأن ساء بمعنى بئس، و «الغاشية» هنا جنس، والعائد منها إلى «هى» ضمير يتجرد ويماز من معنى الجماعة، كقولهم: زيد قام بنو محمد، إذا كان محمد أباهم، فكأنه قال: زيد قام فى جملة القوم، كما أن قولك: زيد نعم الرجل العائد عليه فى المعنى ذكر يخصه من جماعة الرجال. ***

стр. 796

سورة القمر ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) قرأ حذيفة: «اقتربت السّاعة وقد انشقّ القمر» (١). قال أبو الفتح: هذا يجرى مجرى الموافقة على إسقاط العذر ورفع التّشاكّ، أى: قد كان انشقاق القمر متوقعا دلالة على قرب الساعة، فإذا كان قد انشق-وانشقاقه من أشراطها، وأحد أدلة قربها-فقد توكد الأمر فى قرب وقوعها؛ وذلك أن «قد» إنما هى جواب وقوع أمر كان متوقعا، يقول القائل: انظر أقام زيد؟ وهل قام زيد؟ وأرجو ألاّ يتأخر زيد، فيقول المجيب: قد قام، أى: قد وقع ما كان متوقعا. *** ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣) ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «وكلّ أمر مستقرّ» (٢). قال أبو الفتح: رفعه عندى عطف على الساعة، أى: اقتربت الساعة وكلّ أمر، أى: قد اقترب استقرار الأمور فى يوم القيامة، من حصول أهل الجنة فى الجنة، وحصول أهل النار فى النار. هذا وجه رفعه، والله أعلم. *** ﴿إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٦) ومن ذلك قراءة مجاهد والجحدرى وأبى قلابة: «إلى شئ نكر» (٣). &

стр. 797

قال أبو الفتح: يقال: أنكرت الشئ فهو منكر، ونكرته فهو منكور. وجمع الأعشى بين اللغتين، فقال (١): وأنكرتنى وما كان الذى نكرت … من الحوادث إلاّ الشّيب والصّلعا وكذلك هذه القراءة: «إلى شئ نكر»، أى: إلى شئ يجهل. ومثله مررت بصبىّ ضرب، ونظرت إلى امرأة أكرمت، وصف بالفعل الماضى. *** ﴿لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ (١٤) ومن ذلك قراءة يزيد بن رومان وقتادة: «لمن كان كفر» (٢). قال أبو الفتح: أى: جزاء للكافرين بنوح ﵇. وأما قراءة الجماعة: ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ فتأويله: جزاء لهم بكفرهم بنوح، ﵇، فاللام الأولى التى هى مفعول بها محذوفة، واللام الثانية الظاهرة فى قوله: ﴿لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ لام المفعول له. وهناك مضاف محذوف، أى: جزاء لهم؛ لكفر من كفر، أى: لكفرهم بمن كفروا به. *** ﴿أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ﴾ (٢٤) ومن ذلك قراءة أبى السّمّال: «أبشر منّا» -بالرفع- «واحدا نتبعه»، بالنصب (٣). قال أبو الفتح: «بشر» عندى مرفوع بفعل يدل عليه قوله: «أؤلقى عليه الذّكر من بيننا» (٤)، فكأنه قال: أينبّأ، أو يبعث بشر منا؟.

стр. 798

فأما انتصاب «واحدا» فإن شئت جعلته حالا من الضمير فى «منّا»؛ أى: أينبّأ بشر كائن منا؟ والناصب لهذه الحال الظرف، كقولك: زيد فى الدار جالسا. وإن شئت جعلته حالا من الضمير فى قوله «نتّبعه»؛ أى: نتّبعه واحدا منفردا لا ناصر له، ويؤكده قوله: ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ﴾ (١). ونظائره فى القرآن كثيرة، نحو قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاِتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (٢)؟ وقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً﴾ (٣)؟ ونحو ذلك. *** ﴿الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ (٢٦) ومن ذلك قراءة أبى قلابة «الكذّاب الأشرّ» (٤). مجاهد: «الأشر» (٥)، بضم الشين خفيفة. قال أبو الفتح: «الأشرّ» بتشديد الراء هو الأصل المرفوض؛ لأن أصل قولهم: هذا خير منه وهذا شرّ منه-هذا أخير منه، وأشرّ منه. فكثر استعمال هاتين الكلمتين، فحذف الهمزة منهما. ويدل على ذلك قولهم: الخورى والشّرّى، تأنيث الأخير والأشرّ. وقال رؤبة (٦): بلال خير النّاس وابن الأخير فعلى هذا جاءت هذه القراءة. وأما «الأشر»، بضم الشين، وتخفيف الراء فعلى أنه من الأوصاف التى اعتقب عليها المثالان اللذان هما فعل وفعل فأشر وأشر، كحذر وحذر، ويقظ «ويقظ»، ورجل حدث وحدث: حسن الحديث، ووظيف عجر وعجر، أى: صلب. والضم أقوى معنى

стр. 799

من الكسر؛ لأنه أبعد عن مثال الفعل، فأشر-من آشر-كضروب من ضارب، ومطعان من طاعن، والاسم البطر. *** ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة الحسن: «كهشيم المحتظر»، بفتح الظاء (١). قال أبو الفتح: المحتظر هنا مصدر، أى: كهيشم الاحتظار، كقولك: كآجرّ البناء وخشب النجارة. والاحتظار: أن يجعل حظيرة. وإن شئت جعلت «المحتظر» هنا هو الشجر، أى: كهشيم الشجر المتخذة منها الحظيرة، أى: كما يتهافت من الشجر المجعولة حظيرة. والهشيم: ما تهشّم منه، وانتثر. *** ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ﴾ (٤٩) ومن ذلك قراءة أبى السمال: «إنّا كلّ شئ خلقناه» (٢)، بالرفع. قال أبو الفتح: الرفع هنا أقوى من النصب، وإن كانت الجماعة على النصب؛ وذلك أنه من مواضع الابتداء، فهو كقولك: زيد ضربته، وهو مذهب صاحب الكتاب والجماعة؛ وذلك لأنها جملة وقعت فى الأصل خبرا عن مبتدأ فى قولك: نحن كل شئ خلقناه بقدر، فهو كقولك: هند زيد ضربها، ثم تدخل إنّ، فتنصب الاسم، وبقى الخبر على تركيبه الذى كان عليه من كونه جملة من مبتدأ وخبر. واختار محمد بن يزيد هنا النصب، وقال: لأن تقديره إنا فعلنا كذا، قال: فالفعل منتظر بعد إنّا، فلما دل ما قبله عليه حسن إضماره. وليس هذا شيئا؛ لأن أصل خبر المبتدأ أن يكون اسما لا فعلا جزءا منفردا. فما معنى توقع الفعل هنا، وخبر إن وأخواتها كأخبار المبتدأ؟ وعليه قول الله سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (٣)، فهذه الجملة التى هى وجوههم مسودّة فى موضع المفعول

стр. 800

الثانى لرأيت، وهو فى الأصل خبر المبتدأ. وقد ذكرنا هذا فى غير موضع من كتبنا والتعليق عنّا. *** ﴿فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ (٥٤) ومن ذلك قراءة زهير الفرقبىّ: «فى جنّات ونهر» (١). قال أبو الفتح: هذا جمع نهر، كما جاء عنهم من تكسير فعل على فعل، كأسد وأسد، ووثن ووثن. وحكى سيبويه قراءة: «إن يدعون من دونه إلاّ أثنا» (٢)، جمع وثن. وذهب محمد بن السرىّ فى قولهم: أسد وأسد إلى أنه مقصور من فعول، يريد أسودا، فحذفت الواو، فبقى أسد، ثم أسكنت السين تخفيفا، كقولهم فى طنب: طنب. وهذه القراءة التى هى «نهر» تشهد لقوله: إن أصله أسود، ثم حذفت الواو، فبقى أسد. فإن قلت: فقد جاء أسود، ولم يأت نهور جمع نهر. قيل: وإن لم يأت لفظا فهو مقدّر تصوّرا، كأشياء تثبت تقديرا، فتعامل معاملة المستعمل. فإن شئت قلت فى «نهر»: إنه جمع نهر الساكن العين، فيكون كسقف وسقف، ورهن ورهن، وثطّ وثطّ، وسهم حشر وسهام حشر وفرس ورد وخيل ورد، فصارت نهر، ثم ثقل إتباعا، فصارت إلى «نهر». وأنس بذلك أن ما قبل الراء فى أواخر هذه الآى، وهى «سقر»، و «قدر»، و «نكر»، و «مدّكر»، و «زبر»، و «مستطر»، و «مقتدر» محرك، فكأنّ الرغبة فى استواء هذه الفواصل هو الذى زاد فى الأنس بتثقيل «النّهر» على هذا التأويل الذى فى «نهر»، كما يختار ترك همز «الشان» فى سورة الرحمن (٣)؛ لتوافق رءوس الآى فيها: «تكذّبان»، ونحوها، وإليه ذهب الفراء. ***

стр. 801

سورة الرحمن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها﴾ (٧) قرأ أبو السّمال: «والسّماء رفعها»، رفع (١). قال أبو الفتح: الرفع هنا أظهر من قراءة الجماعة؛ وذلك أنه صرفه إلى الابتداء؛ لأنه عطفه على الجملة الكبيرة التى هى قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ (٢)، فكما أن هذه الجملة مركبة من مبتدأ وخبر، فكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها﴾ جملة من مبتدأ وخبر، معطوفة على قوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾. وأما قراءة العامة بالنصب: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها﴾ فإنها معطوفة على ﴿يَسْجُدانِ﴾ وحدها، وهى جملة من فعل وفاعل، والعطف يقتضى التماثل فى تركيب الجمل، فيصير تقديره: يسجدان، ورفع السماء. فلما أضمر. «رفع» فسره بقوله: ﴿رَفَعَها﴾ كقولك: قام زيد، وعمرا ضربته، أى: وضربت عمرا؛ لتعطف جملة من فعل وفاعل على أخرى مثلها. وفى نصب «السماء» على قراءة العامة ردّ على أبى الحسن فى امتناعه أن يقول: زيد ضربته وعمرا كلمته، على أن يكون تقديره: وكلمت عمرا، عطفا على ضربته، قال: لأن قولك: «ضربته» جملة ذات موضع من الإعراب؛ لكونها خبر مبتدأ، وقولك: وكلمت عمرا، لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها ليست خبرا عن زيد؛ لخلوها من ضميره، قال: فلا يعطف جملة غير ذات موضع على جملة ذات موضع؛ إذا العطف نظير التثنية، فينبغى أن يتناسب المعطوف والمعطوف عليه. وهذا ساقط عند سيبويه؛ وذلك أن ذلك الموضع من الإعراب لما لم يخرج إلى اللفظ

стр. 802

سقط حكمه، وجرت الجملة ذات الموضع كغيرها من الجملة غير ذات الموضع، كما أن الضمير فى اسم الفاعل لما يظهر إلى اللفظ جرى مجرى ما لا ضمير فيه فقيل: فى تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان ورجلان، بل إذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير من هو له ثم أجرى مع ذلك مجرى ما لا ضمير فيه لما لم يظهر فى بعض المواضع، كان ما لا يظهر فيه الإعراب أصلا أحرى بأن يسقط الاعتداد به، والكلام هنا فيه طول، وهذا كتاب شرطنا فيه اختصاره؛ ليقرب على القرأة فهمه، فمنع ذلك من تقصّيه وإغراق مدى القول فيه. *** ﴿وَلا تُخْسِرُوا﴾ (٩) ومن ذلك قراءة بلال بن أبى بردة (١): «ولا تخسروا»، بفتح التاء والسين (٢). وقرأ بلال أيضا: «ولا تخسروا» (٣)، من خسر يخسر، بخلاف. قال أبو الفتح: «أما تخسروا» -بفتح التاء والسين-فينبغى أن يكون على حذف حرف الجر، أى: تخسروا فى الميزان، فلما حذف الجر أفضى إليه الفعل قبله، فنصبه؛ كقوله تعالى: ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (٤)، أى: فى كل مرصد، وعلى كل مرصد، وكقوله: بأسرع الشّدّ منّى يوم لانية … لمّا لقيتهم واهتزّت اللّمم أراد بأسرع فى الشدّ، فحذف الحرف وأوصل «أسرع»، أو فعلا دل عليه أسرع هذه. وأما «تخسروا»، بفتح التاء، وكسر السين فعلى خسرت الميزان، وإنما المشهور

стр. 803

أخسرته. خسر الميزان، أى: نقص، وأخسرته. ويشبه أن يكون لغة فى أخسرته، كما يشترك فيه فعلت وأفعلت من المعنى الواحد، نحو أجبرت الرجل وجبرته، وأهلكت الشئ وهلكته. *** ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ (٣١) ومن ذلك قراءة عيسى الثقفى: «سنفرغ لكم»، بكسر النون، وفتح الراء (١). وقرأ: «سنفرغ لكم» (٢)، بفتح النون والراء-قتادة ويحيى بن عمارة الزارع والأعمش-بخلاف-وابن إدريس. وقرأ: «سيفرغ لكم» (٣)، بنصب الياء والراء أبو عمرو والأعرج. أبو حاتم عن الأعمش: «سيفرغ لكم» (٤). قال أبو الفتح: يقال: «فرغ يفزغ» ك «دفع يدفع»، و «فرغ يفرغ» ك «دبغ يدبغ»، و «فرغ يفرغ» ك «لثغ يلثغ». وأما «سيفرغ»، بالياء فالفاعل فيه اسم الله تعالى. و «سيفرغ» واضح. *** ﴿وَنُحاسٌ﴾ (٣٥) ومن ذلك قراءة ابن أبى بكرة: «ونحسّ» (٥)، بفتح النون، وضم الحاء، وتشديد السين، رفع.

стр. 804

قال أبو الفتح: «نحسّ»؛ أى: نقتل بالعذاب. يقال: حسّ القوم يحسّهم حسّا: إذا استأصلهم. قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ (١)، أى: تقتلونهم قتلا ذريعا. *** ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (٥٤) ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «من استبرق»، بالوصل (٢). قال أبو الفتح: هذه صورة الفعل البتة، بمنزلة استخرج، وكأنه سمّى بالفعل وفيه ضمير الفاعل، فحكى كأنه جملة، وهذا باب إنما طريقه فى الأعلام، كتأبط شرّا، وذرّى حبّا، وشاب قرناها. وليس الإستبرق علما يسمى بالجملة، وإنما هو قولك: بزيون. وعلى أنه إنما استبرق: إذا بلغ فدعا البصر إلى البرق وقال: تستبرق الأفق الأقصى إذا ابتسمت … لاح السّيوف سوى أغمادها القضب هذا إن شئت قلت: معناه تستبرق أبصار أهل الأفق وإن شئت قلت: تبرقه، أى: تأتى بالبرق منه. وأما البزيون فبعيد عن هذا، اللهم إلا أن نقول: إنه لمائه وصنعته تستبرق، أى: تبرق فيكون كقرّ واستقرّ. ولست أدفع أن تكون قراءة ابن محيصن بهذا؛ لأنه توهم فعلا، إذا كان على وزنه، فتركه مفتوحا على حاله، كما توهم الآخر أن ملك الموت من معنى الملك حتى قال: فمالك موت بالقضاء دهانى (٣) … فبنى منه صورة فاعل من الملك، وهذا أسبق ما فيه إلىّ. *** ﴿وَلا جَانٌّ﴾ (٥٦) ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: «ولا جأنّ»، بالهمز (٤). &

стр. 805

قال أبو الفتح: قد تقدم القول على هذا، لمّا حرك الألف لالتقاء الساكنين همزها، كقراءة أيوب السختيانى: «ولا الضألّين» (١). *** ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ (٧٦) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وعثمان ونصر بن على والجحدرى وأبى الجلد ومالك ابن دينار وأبى طعمة وابن محيصن وزهير الفرقبىّ: «رفارف خضر وعباقرىّ حسان» (٢). وقرأ: «خضرا»، مثقلا-الأعرج (٣). قال أبو الفتح: كذلك رويته عن قطرب: «عباقرىّ»، بكسر القاف غير مصروف (٤). ورويناه عن أبى حاتم: «عباقرىّ»»، بفتح القاف غير مصروف أيضا. قال أبو حاتم: ويشبه أن يكون «عباقر» بكسر القاف على ما يتكلم به العرب، قال: ولو قالوا: عباقرىّ، فكسروا القاف، وصرفوا لكان أشبه بكلام العرب، كالنسب إلى مدائن مدائنى، قال: وقال سعيد بن جبير: رفارف: رياض الجنة، قال: وعبقر: موضع قال امرؤ القيس (٥): كأنّ صليل المروحين تشذّه … صليل زيوف ينتقدن بعبقرا (٦)

стр. 806

وقال زهير (١): بخيل عليها جنّة عبقريّة … جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا (٢) وأما ترك صرف «عباقرىّ» فشاذ فى القياس، ولا يستنكر شذوذه فى القياس مع استمراره فى الاستعمال، كما جاء عن الجماعة: «استحوذ عليهم الشّيطان»، وهو شاذ فى القياس مع استمراره فى الاستعمال. نعم، وإذا كان جاء عنهم عنكبوت وعناكبيت، وتخربوت وتخاربيت-كان عباقرىّ أسهل منه؛ من حيث كان فيه حرف مشدد، يكاد يجرى مجرى الحرف الواحد ومع ذلك أنه فى آخر الكلمة، كياءى بخاتىّ وزرابىّ. وليس لنا أن نتلقى قراءة رسول الله ﷺ إلا بقبولها، والاعتراف لها. وأما «خضر» بضم الضاد فقليل، وهذا من مواضع الشعر كما قال طرفة: ورادا وشقر (٣) … بضم القاف. ***

стр. 807

سورة الواقعة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ (٣) قرأ الحسن واليزيدى والثقفى وأبو حيوة: «خافضة رافعة»، بالنصب (١). قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (٢) حينئذ حال أخرى قبلها، أى: إذا وقعت الواقعة، صادقة الوقعة، خافضة، رافعة. فهذه ثلاثة أحوال، أولاهن الجملة التى هى قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ،﴾ ومثله: مررت بزيد، جالسا، متكئا، ضاحكا. وإن شئت أن تأتى بعشر أحوال إلى أضعاف ذلك لجاز وحسن، كما لك أن تأتى للمبتدأ من الأخبار بما شئت، كقولك: زيد عالم، جميل، جواد، فارس، بصرىّ، بزاز، ونحو ذلك. ألا ترى أن الحال زيادة فى الخبر، وضرب منه؟؛ وعلى ذلك امتنع أبو الحسن أن يقول: لولا هند جالسة لقمت، ونحو ذلك، قال: لأن هذا موضع قد امتنعت العرب أن تستعمل فيه الخبر، والحال ضرب من الخبر. فلا يجوز استعمالها فيه لذلك. والعامل فى «إذا» محذوف لدلالة المكان عليه، كأنه قال: إذا وقعت الواقعة كذلك فاز المؤمنون وخاب الكافرون، ونحو ذلك. ويجوز أن تكون «إذا» الثانية، وهى قوله: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (٣) خبرا عن «إذا» الأولى، ونظيره: إذا تزورنى إذا يقوم زيد، أى: وقت زيارتك إياى وقت قيام زيد. وجاز ل «إذا» أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما جاز لها أن تخرج بحرف الجر عن الظرفية كقوله:

стр. 808

حتّى إذا ألقت يدا فى كافر … وأجنّ عورات الثّغور ظلامها (١) وقال الله سبحانه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (٢)، و «إذا» مجرورة عند أبى الحسن بحتى، وذلك يخرجها من الظرفية، كما ترى. *** ﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩) ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق: «ولا ينزفون»، بفتح الياء، وكسر الزاى (٣). قال أبو الفتح: يقال: أنزف عبرته: إذا أفنى دمعه بالبكاء، ونزف البئر-ينزفها نزفا: إذا استقى ماءها، وأنزفت الشئ: إذا أفنيته، قال: لعمرى لئن أنزفتم أو صحوتم … لبئس النّدامى كنتم آل أبجرا وقال العجاج: وأنزف العبرة من لاقى العبر (٤) … وقال: أيّام لا أحسب شيئا منزفا (٥) … أى: فانيا، فكأنه سبحانه قال: «لا يصدّعون عنها ولا ينزفون عقولهم» كما ينزف ماء البئر. والنّزيف: السكران، وكله راجع إلى معنى واحد. *** ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢٢) ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب وابن مسعود: «وحورا عينا» (٦).

стр. 809

قال أبو الفتح: هذا على فعل مضمر، أى: ويؤتون، أو يزوّجون حورا عينا، كما قال: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١)، وهو كثير فى القرآن والشعر. *** ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً﴾ (٤٧) ومن ذلك قرأ: «إذا متنا وكنّا ترابا وعظاما إنّا»، على الخبر كلاهما بلا استفهام. قال أبو الفتح: مخرج هذا منهم على الهزء، وهذا كما تقول لمن تهزأ به، إذا نظرت إلىّ متّ فرقا، وإذا سألتك جممت لى بحرا، أى: الأمر بخلاف ذلك، وإنما أقوله هازئا. ويدل على هذا شاهد الحال حينئذ، ولولا شهود الحال لكان حقيقة لا عبثا، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعثنا. ودلّ قوله: «إنّا لمبعوثون» على بعثنا، ولا يجوز أن يعمل فيه «مبعوثون» لأنّ ما بعد إنّ لا يعمل فيما قبلها. *** ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ (٧٥) ومن ذلك قراءة الحسن والثقفى: «فلأقسم»، بغير ألف (٢). قال أبو الفتح: هذا فعل الحال، وهناك مبتدأ محذوف، أى: لأنا أقسم، فدل على ذلك أن جميع ما فى القرآن من الأقسام إنما هو على حاضر الحال، لا وعد الأقسام، كقوله سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٣) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (٤)، وكذلك حملت «لا» على الزيادة فى قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ،﴾ ونحوه. نعم، ولو أريد الفعل المستقبل للزمت فيه النون، فقيل: لأقسمنّ، وحذف هذه النون هنا ضعيف جدا. ***

стр. 810

﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٨٢) ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس-ورويت عن النبى ﷺ : «وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون» (١). قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أى: تفعلون بدل شكركم ومكان شكركم التكذيب. ومثله قول العجاج (٢): ربّيته حتّى إذا تمعددا (٣) … كان جزائى بالعصا أن أجلدا أى: كان مكان جزائى الجلد بالعصا. *** ﴿فَرَوْحٌ﴾ (٨٩) ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وابن عباس وقتادة والحسن والضحاك والأشهب ونوح القارئ وبديل وشعيب بن الحارث وسليمان التيمى والربيع بن خثيم وأبى عمران الجونىّ وأبى جعفر محمد بن على والضحاك وفياض: «فروح»، بضم الراء (٤). قال أبو الفتح: هو راجع إلى معنى الروح، فكأنه قال: فممسك روح، وممسكها هو الروح، كما تقول: هذا الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش، وهو الروح. ***
следующие страницы →