وقال زهير (١):
بخيل عليها جنّة عبقريّة … جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا (٢)
وأما ترك صرف «عباقرىّ» فشاذ فى القياس، ولا يستنكر شذوذه فى القياس مع استمراره فى الاستعمال، كما جاء عن الجماعة: «استحوذ عليهم الشّيطان»، وهو شاذ فى القياس مع استمراره فى الاستعمال. نعم، وإذا كان جاء عنهم عنكبوت وعناكبيت، وتخربوت وتخاربيت-كان عباقرىّ أسهل منه؛ من حيث كان فيه حرف مشدد، يكاد يجرى مجرى الحرف الواحد ومع ذلك أنه فى آخر الكلمة، كياءى بخاتىّ وزرابىّ. وليس لنا أن نتلقى قراءة رسول الله ﷺ إلا بقبولها، والاعتراف لها. وأما «خضر» بضم الضاد فقليل، وهذا من مواضع الشعر كما قال طرفة:
ورادا وشقر (٣) …
بضم القاف.
***
стр. 807
سورة الواقعة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ (٣)
قرأ الحسن واليزيدى والثقفى وأبو حيوة: «خافضة رافعة»، بالنصب (١).
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (٢) حينئذ حال أخرى قبلها، أى: إذا وقعت الواقعة، صادقة الوقعة، خافضة، رافعة. فهذه ثلاثة أحوال، أولاهن الجملة التى هى قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ،﴾ ومثله: مررت بزيد، جالسا، متكئا، ضاحكا. وإن شئت أن تأتى بعشر أحوال إلى أضعاف ذلك لجاز وحسن، كما لك أن تأتى للمبتدأ من الأخبار بما شئت، كقولك: زيد عالم، جميل، جواد، فارس، بصرىّ، بزاز، ونحو ذلك.
ألا ترى أن الحال زيادة فى الخبر، وضرب منه؟؛ وعلى ذلك امتنع أبو الحسن أن يقول: لولا هند جالسة لقمت، ونحو ذلك، قال: لأن هذا موضع قد امتنعت العرب أن تستعمل فيه الخبر، والحال ضرب من الخبر. فلا يجوز استعمالها فيه لذلك.
والعامل فى «إذا» محذوف لدلالة المكان عليه، كأنه قال: إذا وقعت الواقعة كذلك فاز المؤمنون وخاب الكافرون، ونحو ذلك. ويجوز أن تكون «إذا» الثانية، وهى قوله: ﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ (٣) خبرا عن «إذا» الأولى، ونظيره: إذا تزورنى إذا يقوم زيد، أى: وقت زيارتك إياى وقت قيام زيد. وجاز ل «إذا» أن تفارق الظرفية وترتفع بالابتداء، كما جاز لها أن تخرج بحرف الجر عن الظرفية كقوله:
стр. 808
حتّى إذا ألقت يدا فى كافر … وأجنّ عورات الثّغور ظلامها (١)
وقال الله سبحانه: ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (٢)، و «إذا» مجرورة عند أبى الحسن بحتى، وذلك يخرجها من الظرفية، كما ترى.
***
﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة ابن أبى إسحاق: «ولا ينزفون»، بفتح الياء، وكسر الزاى (٣).
قال أبو الفتح: يقال: أنزف عبرته: إذا أفنى دمعه بالبكاء، ونزف البئر-ينزفها نزفا: إذا استقى ماءها، وأنزفت الشئ: إذا أفنيته، قال:
لعمرى لئن أنزفتم أو صحوتم … لبئس النّدامى كنتم آل أبجرا
وقال العجاج:
وأنزف العبرة من لاقى العبر (٤) …
وقال:
أيّام لا أحسب شيئا منزفا (٥) …
أى: فانيا، فكأنه سبحانه قال: «لا يصدّعون عنها ولا ينزفون عقولهم» كما ينزف ماء البئر. والنّزيف: السكران، وكله راجع إلى معنى واحد.
***
﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ (٢٢)
ومن ذلك قراءة أبىّ بن كعب وابن مسعود: «وحورا عينا» (٦).
стр. 809
قال أبو الفتح: هذا على فعل مضمر، أى: ويؤتون، أو يزوّجون حورا عينا، كما قال: ﴿وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١)، وهو كثير فى القرآن والشعر.
***
﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً﴾ (٤٧)
ومن ذلك قرأ: «إذا متنا وكنّا ترابا وعظاما إنّا»، على الخبر كلاهما بلا استفهام.
قال أبو الفتح: مخرج هذا منهم على الهزء، وهذا كما تقول لمن تهزأ به، إذا نظرت إلىّ متّ فرقا، وإذا سألتك جممت لى بحرا، أى: الأمر بخلاف ذلك، وإنما أقوله هازئا. ويدل على هذا شاهد الحال حينئذ، ولولا شهود الحال لكان حقيقة لا عبثا، فكأنه قال: إذا متنا وكنا ترابا بعثنا. ودلّ قوله: «إنّا لمبعوثون» على بعثنا، ولا يجوز أن يعمل فيه «مبعوثون» لأنّ ما بعد إنّ لا يعمل فيما قبلها.
***
﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ (٧٥)
ومن ذلك قراءة الحسن والثقفى: «فلأقسم»، بغير ألف (٢).
قال أبو الفتح: هذا فعل الحال، وهناك مبتدأ محذوف، أى: لأنا أقسم، فدل على ذلك أن جميع ما فى القرآن من الأقسام إنما هو على حاضر الحال، لا وعد الأقسام، كقوله سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (٣) ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحاها﴾ (٤)،
وكذلك حملت «لا» على الزيادة فى قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ،﴾ ونحوه. نعم، ولو أريد الفعل المستقبل للزمت فيه النون، فقيل: لأقسمنّ، وحذف هذه النون هنا ضعيف جدا.
***
стр. 810
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٨٢)
ومن ذلك قراءة علىّ وابن عباس-ورويت عن النبى ﷺ : «وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون» (١).
قال أبو الفتح: هو على حذف المضاف، أى: تفعلون بدل شكركم ومكان شكركم التكذيب. ومثله قول العجاج (٢):
ربّيته حتّى إذا تمعددا (٣) … كان جزائى بالعصا أن أجلدا
أى: كان مكان جزائى الجلد بالعصا.
***
﴿فَرَوْحٌ﴾ (٨٩)
ومن ذلك قراءة النبى ﷺ وابن عباس وقتادة والحسن والضحاك والأشهب ونوح القارئ وبديل وشعيب بن الحارث وسليمان التيمى والربيع بن خثيم وأبى عمران الجونىّ وأبى جعفر محمد بن على والضحاك وفياض: «فروح»، بضم الراء (٤).
قال أبو الفتح: هو راجع إلى معنى الروح، فكأنه قال: فممسك روح، وممسكها هو الروح، كما تقول: هذا الهواء هو الحياة، وهذا السماع هو العيش، وهو الروح.
***
стр. 811
سورة الحديد
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ (١٢)
قرأ: «بين أيديهم وبإيمانهم» (١)، بكسر الهمزة-سهل بن شعيب النّهمىّ (٢).
قال أبو الفتح: قوله: «بإيمانهم» معطوف على قوله: «بين أيديهم».
فإن قلت: فإن قوله: «بين أيديهم» ظرف، وقوله: «بإيمانهم» ليس ظرفا. ألا ترى أنه ليس معناه يسعى فى أيمانهم؟ فكيف يجوز أن يعطف على الظرف ما ليس ظرفا، وقد علمت أن العطف بالواو نظير التثنية، والتثنية توجب تماثل الشئ؟.
قيل: الظرف الذى هو بين أيديهم معناه الحال، وهو متعلق بمحذوف، أى: يسعى كائنا بين أيديهم، وليس بين أيديهم متعلقا بنفس يسعى، كقولك: سعيت بين القوم، وسعيت فى حاجتى. وإذا كان الظرف هنا فى موضع الحال جاز أن يعطف عليه الباء وما جرّته، حتى كأنه قال: يسعى كائنا بين أيديهم، وكائنا بإيمانهم، أى: إنما حدث السعى كائنا بإيمانهم، كقول الله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ،﴾ أى: كائن بذلك. فعلى هذا التقدير يجب أن يكون قوله: «وبإيمانهم». فأما أن يعلق «بين» بنفس «يسعى» ويعطف عليه «بإيمانهم» فلا؛ لما تقدم.
***
﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (١٤)
ومن ذلك قراءة سماك بن حرب (٣): «وغرّكم بالله الغرور»، بضم الغين (٤).
стр. 812
قال أبو الفتح: هو كقوله: وغركم بالله الاغترار، وتقديره على حذف المضاف، أى: وغركم بالله سلامة الاغترار، ومعناه سلامتكم منه مع اغتراركم.
***
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ﴾ (١٦)
ومن ذلك قراءة الحسن: «ألمّا يأن للّذين» (١)، مثقّلة.
قال أبو الفتح: أصل «لمّا» لم، زيد عليها ما، فصارت نفيا لقوله: قد كان كذا، و «لم» نفى فعل. تقول: قام زيد، فيقول المجيب بالنفى: لم يقم. فإن قال: قد قام. قلت: لمّا يقم، لمّا زاد فى الإثبات «قد» -زاد فى النفى «ما»، إلا أنهم لمّا ركبوا «لم» مع «ما»، حدث لها معنى ولفظ.
أما المعنى فإنها صارت فى بعض المواضع ظرفا، فقالوا: لما قمت قام زيد، أى: وقت قيامك قام زيد.
وأما اللفظ فلأنها جاز أن يقف عليها دون مجزومها، كقولك: جئت ولما، أى: ولما تجئ. ولو قلت: جئت ولم، لم يجز.
فإن قلت: فقد علمنا أن أصل لمّا-على ما وصفت- «لم» و «ما»، وهما حرفان وأما الظرف فاسم، فكيف جاز للحرف أن يستحيل، فيصير اسما؟.
قيل: كما استحال الاسم لما ركّب مع الحرف، فاعتدّ مجموعهما حرفا فى قولهم: إذ ما تقم أقم. ألا ترى أنّ سيبويه ذكر «إذ ما» فى الحرف، وقرنها بإن فى الشرط؟؛ وذلك أن التركيب يحدث للمركّبين حكما مستأنفا، ويخلقه خلقا مرتجلا. ألا ترى إلى قولهم: بأبأت الصبى: إذا قلت له: بأبى أنت، والباء فى أوله مزيدة للجر، والثانية أيضا قد يمكن أن تكون للجر كررت، إلا أنك إذا مثّلت قلت: هو فعللت، فجعلت الباء الزائدة للجر مقابلة للفاء؟ وكذلك قولهم: بسملت، فالباء من قولهم: «بسم الله» زائدة، والسين فاء «اسم»، واللام عين إله، ثم إنك إذا مثّلت بسملت قلت: هو فعللت، ومثله
&
стр. 813
حوقلت: إذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، ومثال حوقلت: فوعلت، والواو-كما ترى-زائدة، وهى عين حول فى الأصل. أفلا ترى إلى استحالة أحوال الحروف من الزيادة إلى الأصل، ومن الأصل إلى الزيادة؟ وهذا كقول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾.
***
﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ﴾ (٢٧)
ومن ذلك قراءة الحسن: «وآتيناه الأنجيل»، بفتح الهمزة (١).
قال أبو الفتح: هذا مثال لا نظير له؛ لأنه أفعيل، وهو عندهم من نجلت الشئ: إذا استخرجته؛ لأنه يستخرج حال الحرام من الحلال، كما قيل لنظيره: التوراة، وهى فوعلة من ورى الزند يرى: إذا أخرج النار، ومثله الفرقان، وهو فعلان من فرق بين الشيئين.
قال أبو النجم:
تنجل أيديهنّ كلّ منجل (٢) …
يصف أيدى الإبل، وأنها فى سيرها تثير الأرض، وتستخرج باطنها. فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة؛ لأنه لا نظير له. وغالب الظن وأحسنه به-أن يكون ما قرأه إلاّ عن سماع، فإن يكن كذلك فشاذ شذّ، كما قال بعضهم فى البرطيل: البرطيل، ونحو منهما ما حكاه أبو زيد من قولهم: السّكّينة بفتح السين، وتشديد الكاف. وربما ظنّ «الأنجيل» أعجميا فأجرى عليه بتحريف مثاله.
***
﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ (٢٩)
ومن ذلك قراءة الحسن: «ليلا يعلم أهل الكتاب»، بنصب اللام، وبجزم الياء، ولا يهمز (٣).
стр. 814
قال أبو الفتح: حكاها قطرب-فيما رويناه عنه- «ليلا»، بكسر اللام، وسكون الياء، (١) وقال: حذف همزة «أن»، وأبدل «النون» ياء، هكذا قال.
والذى حكاه ابن مجاهد: بفتح اللام، وسكون الياء.
وما ذكره قطرب من الكسر أقرب؛ وذلك أنه إذا حذف «الهمزة» بقى بعد ذلك «لنلا»، فيجب إدغام النون فى اللام، فيصير اللفظ «للاّ»، فتجتمع اللامات، فتبدل الوسطى لإدغامها وانكسار ما قبلها، فتصير «ليلا»، كما أبدلوا راء قرّاط، ونون دنّار لذلك، فقالوا: قيراط، ودينار-وميم دمّاس، فقالوا كذلك: ديماس، فيمن قال: دماميس، وباء دبّاج، فقالوا: ديباج، فيمن قال: دبابيج.
وأما فتح اللام من «ليلا» فجائز هو والبدل جميعا؛ وذلك أن منهم من يفتح لام الجر مع الظاهر.
حكى أبو الحسن عن أبى عبيدة أن بعضهم قرأ: «وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال» (٢)، وحسن أيضا مع «أن» لمشابهتها المضمر، كما يشبه المضمر الحرف، فيبنى. وعليه اختاروا: ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ (٣)، فجعلوا اسم كان «أن قالوا». لأنه ضارع المضمر بالامتناع من وصفه، كالامتناع من وصف المضمر. والمضمر أعرف من «جواب قومه». وإذا كان أعرف كان بكونه اسم كان أجدر.
وأما إبداله أحد المثلين مع الفتح فقد جاء ذلك، ألا ترى إلى قول سعد بن قرط:
يا ليتما أمّنا شالت نعامتها … أيما إلى جنّة أيما إلى نار (٤)
يريد: أما، بالفتح.
ومثله ما رويناه عن قطرب أيضا من قول الراجز:
لا تفسدوا آبالكم … أيما لنا أيما لكم (٥)
فاجتمع من ذلك أن صار اللفظ إلى «ليلا»، وعليه قال الخليل: فى لن: إن أصلها «لا أن»، فحذف الهمزة تخفيفا، والألف لالتقاء الساكنين.
***
стр. 815
سورة المجادلة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ (٧)
قرأ: «ما تكون من نجوى ثلاثة»، بالتاء (١) -أبو جعفر وأبو حية (٢).
قال أبو الفتح: التذكير الذى عليه العامة هو الوجه؛ لما هناك من الشّياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءنى من امرأة، وما حضرنى من جارية. وأما «تكون»، بالتاء فلاعتزام لفظ التأنيث، حتى كأنه قال: ما تكون من نجوى ثلاثة، كما تقول: ما قامت امرأة، ولا حضرت جارية وما تكون نجوى ثلاثة.
***
﴿تَفَسَّحُوا﴾ (١١)
ومن ذلك قرأة الحسن وداود بن أبى هند: «تفاسحوا»، بألف (٣).
قال أبو الفتح: هذا لائق بالغرض؛ لأنه إذا قيل: تفسحوا فى المجلس لم يكن فيه إصراح بدليل: ليفسح بعضكم لبعض، وإنما ظاهر معناه: ليكن هناك تفسّح.
وأما التفاسح فتفاعل، والمراد به هنا المفاعلة، وبابها أن يكون لما فوق الواحد، كالمقاسمة والمكايلة والمساقاة والمشاربة، إلا أنه قد يستفاد أيضا مع «تفسحوا» هذا المعنى؛ لأنه لم يقصد به تفسح مخصوص، فهو شائع بينهم، فسرى لذلك فى جميعهم.
***
стр. 816
﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ﴾ (١٦)
ومن ذلك قراءة الحسن: «اتّخذوا إيمانهم»، بكسر الهمزة (١).
قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أى: اتخذوا إظهار إيمانهم جنّة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين، وهذا حديث المنافقين المعروف.
***
стр. 817
سورة الحشر
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ (٧)
قرأ: «كى لا تكون دولة»، بالتاء مرفوعة الدال والهاء (١) -أبو جعفر يزيد.
قال أبو الفتح: منهم من لا يفصل بين الدّولة والدّولة، ومنهم من يفصل فيقول: الدّولة فى الملك، والدّولة فى الملك. «وتكون» هنا هى التامة، ولا خبر لها، أى: كى لا تقع دولة أو تحدث دولة بين الأغنياء. وإن شئت كانت صفة ل «دولة»، وإن شئت كانت متعلقة بنفس «دولة»»، تداول بين الأغنياء، وإن شئت علقتها بنفس «تكون» أى: لا تحدث بين الأغنياء منكم، وإن شئت جعلتها «كان» الناقصة، وجعلت «بين» خبرها. والأول الوجه، ومعناه: كى لا تقع دولة فيه أو عليه، يعنى على المفاء من عند الله.
***
﴿جُدُرٍ﴾ (١٤)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء وأبى حية: «جدر» (٢)، بضم الجيم، وتسكين الدال.
قال أبو الفتح: هذه مخففة من جدر، جمع جدار. وأما من قرأ: «من وراء جدار» فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون واحدا وقع موقع الجماعة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ (٣)، أى: أطفالا.
стр. 818
وفيه وجه آخر لطيف، وفيه الصنعة، وهو: أن يكون «جدار» تكسير جدار أيضا، فتكون ألف جدار فى الواحد، كألف كتاب وحساب، وفى الجماعة كألف ظراف وكرام. ومثله مما كسّر من فعال على فعال قولهم: ناقة هجان ونوق هجان، ودرع دلاص وأدرع دلاص. ويدل على أن هجانا ليس لفظا واحدا يقع على الواحد فما فوقه كجنب وبابه-قولهم: هجانان، وهذا واضح.
وإنما جاز تكسير فعال على فعال من حيث كانت فعال أخت فعيل. ألا ترى كل واحد منهما ثلاثيا وقبل لامه حرف لين؟ فكما كسّر فعيل على فعال كشريف وشراف، وكريم وكرام-كذلك أيضا جاز تكسير فعال على فعال، وكما أن ألف جدار فى الواحد ليست ألف جدار فى الجمع-فكذلك كسرة الجيم فيه غير كسرته فيه، وفتحة الدال فيه غير فتحته فيه، كما أن كسرة الشين فى شراف غير فتحتها فى شريف، وكما أن فتحة الدال من جدار غير كسرة الراء من شريف.
فهذا الخلاف لفظا هو الذى سوّغ اعتقاد المتفقين لفظا مختلفين تقديرا ومعنى.
وهذا غور من العربية بطين، وله نظائر كثيرة، وفيه صنعة لطيفة. وقد أفردنا له بابا فى كتابنا الخصائص فيما اتفق لفظه واختلف معناه من الحروف والحركات والسكون (١)، ومثله سواء قول الله تعالى: ﴿وَاِجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً﴾ (٢)، يكون «إمام» جمع إمام، على ما شرحناه فى جدار. وذهب أبو الحسن إلى أنه جمع آمّ، كقائم وقيام.
***
﴿الْقُدُّوسُ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قال ابن مجاهد وأبو حاتم عن يعقوب، قال: سمعت أعرابيا يكنى أبا الدينار عند الكسائى يقرأ: «القدّوس»، بفتح القاف (٣).
قال أبو الفتح: فعّول فى الصفة قليل، وذكر سيبويه فى الصفة السّبّوح، والقدّوس.
стр. 819
وحكى فى الصفة أيضا السّبّوح، والقدّوس، بالضم. وإثبات الفعّول الاسم كشبّوط، وسمّور، وتنّور، وسفّود، وهبّود-لجبل باليمامة-وعبّود.
***
﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ﴾ (١٠)
ومن ذلك قرأ الأعمش: «ولا تجعل فى قلوبنا غمرا» (١).
قال أبو الفتح: هو راجع بالمعنى إلى أنه من قولهم: منديل الغمر؛ لأنه الدنس وفساد المعتقد. وكلام العرب لطيف المذهب، وكريم المضطرب لكن بقى من يشبّه، وينجلى بنظره أغماؤه وأشبه.
***
стр. 820
سورة الممتحنة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿بُرَآؤُا﴾ (٤)
قرأ عيسى الثقفى: «براء»، بكسر الباء (١)، وليس بين الراء والألف همزة، فى وزن براع.
قال أبو الفتح: هذا جمع برئ، وفى تكسيره أربعة أوجه: برئ وبراء كظريف وظراف، وبرئ وأبرياء كصديق وأصدقاء، وبرئ وبرآء كشريف وشرفاء، وبرئ وبراء-على فعال-كتؤام، ورباب: جمع شاة ربّى: حديثة العهد بالنّتاج. وعليه بيت الحارث (٢):
فإنّا من حربهم لبراء (٣) …
وقال الفراء: أراد برآء، فحذف الهمزة التى هى لام تخفيفا، فأخذ هذا الموضع من أبى الحسن فى قوله: إن أشياء أصلها أشيياء، ومذهبه هذا يوجب ترك صرف براء؛ لأنها عنده همزة التأنيث.
***
&
стр. 821
﴿فَعاقَبْتُمْ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة الأعرج: «فعقّبتم» (١).
النخعى والزّهرى ويحيى-بخلاف-: «فعقبتم»، خفيفة القاف من غير ألف (٢).
مسروق: «فعقبتم» (٣)، بكسر القاف بغير ألف.
وقراءة الناس: ﴿فَعاقَبْتُمْ﴾.
قال أبو الفتح: روينا عن قطرب، قال: «فعاقبتم»: أصبتم عقبا منهن. يقال عاقب الرجل شيئا: إذا أخذ شيئا، وأنشد لطرفة (٤):
فعقبتم بذنوب غير مر (٥) …
جمع مرّة، فسروه على أعطيتم وعدتم. وقال فى قوله: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (٦): لم يرجع، كذا قال أحمد بن يحيى.
قال أبو حاتم: قرأ مجاهد: «فأعقبتم»، قال: معنى أعقبتم: صنعتم بهم مثل ما صنعوا بكم.
وحكى عن أبى عوانة عن المغيرة: قرأت على إبراهيم: «فعاقبتم»، فأخذها علىّ: «فعقبتمّ»، خفيفة.
стр. 822
وحكى عن الأعمش، قال: «عقبتم»: «عقبتم»، فقد يجوز أن يكون عقبتم بوزن غنمتم ومعناه جميعا. وروى أيضا بيت طرفة: «فعقبتم»، بكسر القاف.
***
стр. 823
سورة الصف
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ﴾ (٧)
قرأ طلحة (١): «وهو يدّعى إلى الإسلام» (٢).
قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن يقال: يدّعى الإسلام، إلا أنه لمّا كان يدّعى الإسلام: ينتسب إليه، قال: يدّعى إلى الإسلام، حملا على معناه، كقول الله تعالى: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ (٣)، وعادة الاستعمال: هل لك فى كذا، لكنه لما كان معناه أدعوك إلى أن تزّكّى استعمل «إلى» هنا، تطاولا نحو المعنى. وقد تقدم هذا، وهو غور عظيم.
***
стр. 824
سورة الجمعة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ (٦)
قرأ ابن يعمر وابن أبى إسحاق: «فتمنّوا الموت» (١)، بالكسر.
قال أبو الفتح: قد سبق القول على هذا فيما مضى، فأغنى عنه هنا.
***
﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ (٩)
ومن ذلك قراءة علّى ﵇، وعمر صلوات الله عليه، وابن مسعود وابن عباس وأبىّ بن كعب وابن عمر وابن الزبير رضى الله عنهم، وأبى العالية والسّلمى ومسروق وطاوس (٢) وسالم بن عبد الله (٣) وطلحة، بخلاف: «فامضوا إلى ذكر الله» (٤).
стр. 825
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة تفسير للقراءة العامة: ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ،﴾ أى: فاقصدوا، وتوجهوا. وليس فيه دليل على الإسراع، وإنما الغرض المضى إليها، كقراءة من ذكرنا.
***
стр. 826
سورة المنافقين
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٢)
قراءة الحسن: «اتّخذوا إيمانهم جنّة» (١).
قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أى: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة، وقد مضى ذكر ذلك.
***
﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ (٦)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «آستغفرت»، بالمدّ (٢).
وروى عنه: «استغفرت»، بالوصل (٣).
قال أبو الفتح: هاتان القراءتان كلتاهما مضعوفتان.
أما «آستغفرت»، بالمد؛ فلأنه أثبت همزة الوصل، وقد استغنى عنها بهمزة الاستفهام من قبلها، وليس كذلك طريق العربية. ألا ترى إلى قول ذى الرمة (٤):
أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا … أم عاود القلب من أطرابه طرب؟
وأما «استغفرت»، بالوصل ففى الطرف الآخر من الضعف؛ وذلك أنه حذف همزة
стр. 827
الاستفهام، وهو يريدها. وهذا مما يختص بالتجوز فيه الشعر، لا القرآن، نحو قوله:
لعمرك ما أدرى وإن كنت داريا … شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر (١)
***
стр. 828
سورة التغابن
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١١)
قرأ: «يهدأ قلبه»، مهموزا-عكرمة وعمرو بن دينار (١).
قال أبو الفتح: أى: يطمئن قلبه، كما قال: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (٢).
***
&
стр. 829
سورة الطلاق
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١)
قرأ: «فطلّقوهنّ فى قبل عدّتهنّ» (١) -النبى ﷺ وعثمان وابن عباس وأبىّ بن كعب وجابر بن عبد الله ومجاهد وعلى بن الحسين وجعفر بن محمد، رضى الله عنهم.
قال أبو الفتح: هذه القراءة تصديق لمعنى قراءة الجماعة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ،﴾ أى عند عدّتهن. ومثله قول الله تعالى: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ (٢)، أى: عند وقتها.
***
﴿إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ﴾ (٣)
ومن ذلك قراءة داود بن أبى هند: «إنّ الله بالغ» -منونة- «أمره»، بالرفع (٣).
قال أبو الفتح: معناه أن أمره بالغ ما يريده الله به، فقد بلغ أمر الله ما أراده، والمفعول كما ترى محذوف.
***
стр. 830
سورة التحريم
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَقُودُهَا﴾ (٦)
قرأ: «وقودها» -بضم الواو-مجاهد والحسن وطلحة وعيسى الهمدانى (١).
قال أبو الفتح: هذا على حذف المضاف، أى: ذو وقودها يعنى ما تطعمه النار من الوقود. وقد مضى ذكره، وتفسير ما فيه.
***
﴿وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ (٨)
ومن ذلك قراءة سهل بن شعيب: «وبإيمانهم»، مكسورة الهمزة (٢).
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك، وأنه معطوف على الظرف، على أن الظرف حال.
***
﴿وَكُتُبِهِ وَكانَتْ﴾ (١٢)
ومن ذلك قراءة أبى رجاء: «وكتبه وكانت»، ساكنة التاء (٣)، واختلف عنه (٤). وقرأ «وكتابه» (٥).
стр. 831
قال أبو الفتح قال أبو حاتم: كنبه أجمع من كتابه، وكلّ صواب. وعلى كل حال ففيه وضع المضاف موضع الجنس، وقد تقدم تفسيره.
***
стр. 832
سورة الملك
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (٢٧)
«وقيل هذا الّذى كنتم به تدعون»، ساكنة الدّال، خفيفة (١). قرأ به أبو رجاء والحسن والضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسار وقتادة وسلاّم ويعقوب.
قال أبو الفتح: تفسيره-والله أعلم-هذا الذى كنتم به تدعون الله أن يوقعه بكم، كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (٢).
ومعنى: «تدّعون» -بالتشديد-على القراءة العامة، أى: تتداعون بوقوعه، أى: كانت الدعوى بوقوعه فاشية منكم، كقوله: فى معنى العموم: ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ﴾ (٣)، أى: لا يفش هذا فيكم. وليس معنى «تدّعون» هنا من ادعاء الحقوق أو المعاملات، إنما «تدّعون» بمعنى تتداعون من الدعاء لا من الدعوى قال:
فما برحت خيل تثوب وتدّعى (٤) …
أى تتداعى بينها: يالفلان! ونحو ذلك.
***
стр. 833
سورة القلم
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ﴾ (٣٩)
قرأ الحسن: «أيمان علينا بالغة» بالنصب (١).
قال أبو الفتح: يجوز أن يكون «بالغة» حالا من الضمير فى لكم؛ لأنه خبر عن «أيمان»، ففيه ضمير منه. وإن شئت جعلته حالا من الضمير فى «علينا» إذا جعلت «علينا» وصفا لأيمان، لا متعلقا بنفس ال «أيمان»؛ لأن فيه ضميرا كما يكون فيه ضمير منه إذا كان خبرا عنه.
ويجوز أن يكون حالا من نفس «أيمان» وإن كانت نكرة، كما أجاز أبو عمرو فى قوله سبحانه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) أن يكون «حَقًّا» حالا من متاع.
***
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ﴾ (٤٢)
ومن ذلك قراءة ابن عباس: «يوم تكشف عن»، بالتاء والتاء منتصبة (٣).
وروى: «تكشف»، بالتاء مضمومة.
قال أبو الفتح: أى: تكشف الشدة والحال الحاضرة عن ساق. وهذا مثل، أى: تأخذ فى أعراضها، ثم شبهت بمن أراد أمرا وتأهب له، كيف يكشف عن ساقه؟
стр. 834
قال (١):
كشفت لكم عن ساقها … وبدا من الشّرّ الصّراح
فأضمر الحال والشدة؛ لدلالة الموضع عليه.
ونظيره من إضمار الفاعل لدلالة الحال عليه مسألة الكتاب: إذا كان غدا فأتنى، أى: إذا كان ما نحن عليه من البلاء فى غد فأتنى. وكذلك قولهم: من كذب كان شرّا له، أى: كان الكذب شرا، فأضمر المصدر لدلالة المثال عليه.
وأما «تكشف» بتاء مضمومة فعلى نحو ذلك أيضا، أى: تكشف الصورة والآخرة هناك عن شدة، ويسرى ثوبها عن الحال الصعبة، والطريق واحد.
***
﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ﴾ (٤٩)
ومن ذلك قراءة ابن هرمز والحسن: «لولا أن تدّاركه» (٢)، مشددة.
قال أبو الفتح: روى هذه القراءة أبو حاتم عن الأعرج لا غير، قال: وقال بعضهم: سألت عنها أبا عمرو فقال: لا.
قال أبو حاتم: لا يجوز ذلك؛ لأنه فعل ماض، وليست فيها إلا تاء واحدة، ولا يجوز تتداركه، وهذا خطأ منه، أو عليه.
قال أبو الفتح: قول أبى حاتم: هذا خطأ-لا وجه له؛ وذلك أنه يجوز على حكاية الحال الماضية المنقضية، أى لولا أن كان يقال فيه: تتداركه، كما تقول: كان زيد سيقوم، أى: كان متوقعا منه القيام، فكذلك هذا: لولا أن يقال: تتداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء. ومثله ما أنشدناه أبو علىّ، وهو رأيه وتفسيره من قوله:
فإن تقتلونا يوم حرّة واقم … فلسنا على الإسلام أوّل من قتل
أى: فإن تكونوا الآن معروفا هذا من خلالكم فيما مضى فلسنا كذا، وعليه قول
стр. 835
الله سبحانه: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ،﴾ فأشار سبحانه إليهما إشارة الحاضر؛ لأنه لما كان حكاية حال صارت كأنها حاضرة، فقيل: هذا، وهذا. لولا ذلك لقيل: أحدهما كذا، والآخر كذا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (١)، أعمل اسم الفاعل وإن كان لما مضى لما أراد الحال، فكأنها حاضرة. واسم الفاعل يعمل فى الحال، كما يعمل فى الاستقبال. وقد مضى هذا فى الكتاب، وفى غيره من كتبنا مشروحا ملخصا.
***
стр. 836
سورة الحاقة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ﴾ (١٤)
قال ابن مجاهد: حدثنا الطبرىّ (١) عن العباس بن الوليد، عن عبد الحميد بن بكّار، عن أيوب، عن يحيى، عن ابن عامر: «وحمّلت الأرض». مشددة الميم (٢). قال ابن مجاهد: وما أدرى ما هذا؟.
قال أبو الفتح: هذا الذى تبشّع على ابن مجاهد حتى أنكره من هذه القراءة- صحيح، وواضح؛ وذلك أنه أسند الفعل إلى المفعول الثانى، حتى كأنه فى الأصل: وحمّلنا قدرتنا، أو ملكا من ملائكتنا، أو نحو ذلك، الأرض، ثم أسند الفعل إلى المفعول الثانى، فبنى له، فقيل: فحمّلت الأرض. ولو جئت بالمفعول الأول لأسندت الفعل إليه، فقلت: وحمّلت قدرتنا الأرض. وهذا كقولك: ألبست زيدا الجبّة، فإن أقمت المفعول الأول مقام الفاعل قلت: ألبس زيد الجبّة، وإن حذفت المفعول الأول أقمت الثانى مقامه، فقلت: ألبست الجبّة. نعم، وقد كان أيضا يجوز مع استيفاء المفعول الأول أن يبنى الفعل للمفعول الثانى، فتقول: ألبست الجبّة زيدا، على طريق القلب؛ للاتساع، وارتفاع الشك. فإذا جاز على هذا أن تقول حمّلت الأرض الملك، فتقيم الأرض مقام الفاعل مع ذكر المفعول الأول-فما ظنك بجواز ذلك وحسنه، بل بوجوبه إذا حذف المفعول الأول؟ وكذلك أطعمت زيدا الخبز، وأطعم زيد الخبز، وتتّسع فتقول: أطعم
&
стр. 837
الخبز زيدا، ثم تحذف زيدا، فلا تجد بدّا من إقامة الخبز مقام الفاعل، فتقول: أطعم الخبز. ومثله أركب الفرس وأبثّ الحديث، وكسيت الجبّة، وأطعم الطعام، وسقى الشراب، ولقى الخير، ووقى الشرّ. ورحم الله ابن مجاهد! فلقد كان كبيرا فى موضعه، مسلّما فيما لم يمهر به.
***
﴿الْخاطِؤُنَ﴾ (٣٧)
ومن ذلك قراءة الزهرى والحسن وموسى بن طلحة: «الخاطيون»، بإثبات الياء، ولا يهمز (١).
قال أبو الفتح: يحتمل هذا قولين:
أحدهما: أن يكون تخفيفا للهمز، لكن على مذهب أبى الحسن فى قول الله تعالى: «يَسْتَهْزِؤُنَ» (٢)، بإخلاص الهمزة فى اللفظ ياء، لانكسار ما قبلها. وسيبويه يجعلها بين بين على مذهبه فى مثل ذلك، وقد ذكرناه، وفيه بعض الطول، ومثله أيضا يدق على القراء. والآخر: أن يكون قد بقى من الهمز جزء ما على مذهب سيبويه، إلا أنه يلطف على القراء، فيقولونه بإخلاص الياء، ومعذورون فيه لغموضه.
***
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ﴾ (٤٤)
ومن ذلك ذكر محمد بن ذكوان أنه سمع أباه يقرأ: «ولو يقول علينا بعض الأقاويل» (٣).
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة تعريض بما صرحت به القراءة العامة التى هى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ،؛﴾ ذلك أن ﴿تَقَوَّلَ﴾ لا تستعمل إلاّ مع التكذب، فهى مثل تخرّص وتزيّد. وأما «يقول» فليست مختصة بالباطل دون الحق، وبالكذب دون الصدق، لكن قوله تعالى: ﴿بَعْضَ الْأَقاوِيلِ﴾ فيه الكناية والتعريض بالقبيح، كقولك: للرجل وأنت فى ذكر
стр. 838
التعتّب عليه: لو ذكرنى لاحتملته؛ أى: لو ذكرنى بغير الجميل، ودل قولك: لاحتملته وما كنتما عليه من الأحوال على ذلك، فكذلك قوله: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ،﴾ لا سيما وهناك قوله: ﴿عَلَيْنا،﴾ فهذا أيضا مما يصحب الذّكر غير الطيب؛ لأنه عليه، لا له.
***
стр. 839
سورة المعارج
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
قرأ: ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ (١)
قرأ: «سال سيل» (١) -ابن عباس.
قال أبو الفتح: السيل هنا: الماء السائل، وأصله المصدر من قولك: سال الماء سيلا، إلا أنه أوقع على الفاعل كقوله: ﴿إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ (٢)، أى: غائرا. يؤكد ذلك عندك ما أنشدناه أبو على من قوله:
فليتك حال البحر دونك كلّه … فكنت لقى تجرى عليك السّوائل
قال أبو على فتكسيره سيلا على ما يكسّر عليه سائل، وهو قولك؛ السوائل- يشهد بما ذكرناه.
ومثل ذلك مما كسر من المصادر تكسير اسم الفاعل لكونه فى معناه ما أنشدناه أيضا من قوله:
وإنّك يا عام بن فارس قرزل … معيد على قيل الخنا والهواجر (٣)
فكسّر الهجر، وهو الفحش على الهواجر، حتى كأنه إنما كسّر هاجرا، لا هجرا. فاعرف ذلك إلى غيره، مما يدل على مشابهة المصدر لاسم الفاعل.
***
سورة نوح
لا شئ فيها
***
стр. 840
سورة الجن
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أُوحِيَ﴾ (١)
قرأ: «أحى» -من وحيت، فى وزن فعل (١) -جؤيّة بن عائذ.
قال أبو الفتح: يقال: أوحيت إليه، ووحيت إليه. قال العجاج (٢):
وحى لها القرار فاستقرّت
وأصله: «وحى»، فلما أنضمت الواو ضما لازما همزت، على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. (٣) وقالوا فى وجوه: أجوه، وفى ورقة: أرقة، وقالوا: أجنة، يريدون: الوجنة.
قال أبو حاتم: ولم يستعملوها على الأصل: وجنة. وتقول على هذا: أحى إليه، فهو موحىّ إليه، فتردّ الواو لزوال الضمة عنها. ومثله: أعد فهو موعود، وأرث المال فهو موروث. ولا يجوز مأعود، ولا مأروث؛ لزوال الضمة عن الواو. فأما قوله:
ومن حديث يزيدنى مقة … ما لحديث المأموق من ثمن (٤)
فليس على الهمز، لكنه أراد الموموق، إلا أنه أبدل الواو ألفا، لانفتاح ما قبلها وإن كانت ساكنة، كما قالوا فى يوجل: ياجل، وفى يوحل ياحل، وفى يوتعد-فى اللغة الحجازية-: ياتعد، وفى يوتزن: ياتزن. فهذا على قلب الواو ألفا لانفتاح ما قبلها، ليس على طريق الهمز.
стр. 841
وينبغى أن يحمل على هذا أيضا قوله ﵇: «ارجعن مأزورات غير مأجورات»، يريد: موزورات، ثم تقلب الواو؛ لما ذكرنا-ألفا. وعلى أنه قد يمكن أن يكون قلب الواو همزة هنا إتباعا لمأجورات.
***
﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ (٣)
ومن ذلك قراءة عكرمة: «جدّا ربّنا» (١).
وروى عنه: «جدّ ربّنا» (٢)، وغلّط الذى رواه.
قال أبو الفتح: أما انتصاب «جدّا» فعلى التمييز، أى: تعالى ربنا جدّا، ثم قدّم المميّز، على قولك: حسن وجها زيد.
فأما «جدّ ربّنا» فإنه على إنكار ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أنه أراد: وأنه تعالى جدّ جدّ ربّنا على البدل، ثم حذف الثانى، وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا على قوله سبحانه: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ (٣)، أى: زينة الكواكب، ف «الْكَواكِبِ» إذا بدل من «زينة».
فإن قلت: فإن الكواكب قد تسمى زينة، والربّ «تعالى» لا يسمى جدّا.
قيل: الكواكب فى الحقيقة ليست زينة، لكنها ذات الزينة. ألا ترى إلى القراءة بالإضافة وهى قوله: «بزينة الكواكب» (٤)؟ وأنت أيضا تقول: تعالى ربّنا كما تقول: تعالى ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾. فالتعالى مستعمل معهما جميعا، كما يقال: يسرّنى زيد قيامه، وأنت تقول: يسرنى زيد، ويسرّنى قيامه. وهذا بيان ما أنكره ابن مجاهد.
***
стр. 842
﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة الحسن والجحدرى ويعقوب وابن أبى بكرة، بخلاف: «أن لن تقوّل» (١).
قال أبو الفتح: «كذبا» -فى هذه القراءة-منصوب على المصدر من غير حذف موصوف معه، وذلك أن «تقوّل» فى معنى تكذّب، فجرى مجرى تبسمت وميض البرق، أى: أنه منصوب بفعل مضمر، ودلت عليه تبسمت، أى: أومضت. فعلى هذا كأنه قال: أن لن يكذب الإنس والجن على الله كذبا.
ومن رأى أن ينصب «وميض البرق» بنفس تبسمت؛ لأنه بمعنى أومضت نصب أيضا «كذبا» بنفس «تقوّل»؛ لأنه بمعنى كذب.
وأما من قرأ «أن لن تقول»، بوزن تقوم فإنه وصف مصدر محذوف، أى: أن لن تقول الإنس والجن على الله قولا كذبا، فكذب هنا وصف لا مصدر، كقوله تعالى: ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ،﴾ أى: كاذب. فإن جعلته هنا مصدرا نصبته نصب المفعول به، أى: لن تقول كذبا، كقولك: قلت حقا، وقلت باطلا، وقلت شعرا، وقلت سجعا. ولا يحسن أن تجعله مع «تقوّل» وصفا، أى: تقوّلا كذبا؛ لأن التقوّل لا يكون إلا كذبا، فلا فائدة إذا فيه.
***
وألو ﴿اِسْتَقامُوا﴾ (١٦)
ومن ذلك قراءة الأعمش ويحيى: «وأن لو استقاموا»، بضم الواو (٢).
قال أبو الفتح: هذا على تشبيه هذه الواو بواو الجماعة، نحو قوله: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ (٣)، كما شبهت تلك أيضا بهذه، فقرأوا: «اشتروا الضلالة»، وقد مضى ذلك.
***
стр. 843
﴿لِبَداً﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة الجحدرى والحسن، بخلاف: «لبّدا» (١)، مشددة.
قال أبو الفتح: هذا وصف على فعّل: كالجبّاء، والزّمّل، واللّبّد: الكثير يركب بعضه بعضا، حتى يتلبّد من كثرته.
ابن مجاهد: وروى عن عاصم الجحدرى: «لبدا»، بضم اللام والباء (٢).
قال أبو الفتح: هذا من الأوصاف التى جاءت على فعل، كرجل طلق، وناقة سرح.
***
﴿أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ (٢٥)
ومن ذلك ما رواه يحيى عن ابن عامر: «أدرى أقريب»، وهذا لا يجوز.
قال أبو الفتح: طريق هذا أنه شبّه آخر فعل المتكلم بيائه، كقولك: هذا غلامى وصاحبى، وأنّسه بذلك أن للمتكلم فى «أدرى» حصة، وهى همزة المضارعة، كما أن له حصة فى اللفظ، وهى ياؤه. وعلى كل حال فهذه شبهة السهو فيه، لا علة الصحة له، كما أن ياء مصيبة أشبهت فى اللفظ ياء صحيفة، حتى قالوا: مصائب، سهوا، كما قالوا: صحائف.
***
стр. 844
سورة المزمل
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ (١)
﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ (١)
قرأ عكرمة: «المزمّل» (١)، و «المدثّر» (٢)، خفيفة الزاى، والدال، مشددة الميم، والثاء.
قال أبو الفتح: هذا على حذف المفعول، يريد: يا أيها المزمّل نفسه، والمدثّر نفسه؛ فحذفه فيهما جميعا. وحذف المفعول كثير، وفصيح، وعذب. ولا يركبه إلاّ من قوى طبعه، وعذب وضعه. قال الله سبحانه: «وأتيت من كل شئ» (٣)، أى: أتيت من كل شئ شيئا، وأنشدنا أبو علىّ للحطيئة:
منعّمة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ (٤)
أى: تصون حديثها وتخزنه، كقول الشّنفرى:
كأنّ لها فى الأرض نسيا تقصّه … على أمّها وإن تخاطبك تبلت (٥)
***
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ (٢)
ومن ذلك قراءة أبى السّمال: «قم الليل» (٦).
&
стр. 845
وروح-عن أبى اليقظان-قال: سمعت أعرابيا من بلعنبر يقرأ كذلك.
قال أبو الفتح: علة جواز ذلك أن الغرض فى هذه الحركة إنما التبلّغ بها هربا من اجتماع الساكنين، فبأى الحركات حركت أحدهما فقد وقع الغرض، ولعمرى إن الكسر أكثر، فأما ألا يجوز غيره فلا. حكى قطرب عنهم: «قم اللّيل»، «وقل الحقّ» (١)، وبع الثوب. فمن كسره فعلى أصل الباب، ومن ضم، أو كسر أيضا أتبع، ومن فتح فجنوحا إلى خفة الفتح.
***
﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (٦)
ومن ذلك حدثنا عباس الدّورىّ عن أبى يحيى الحمّانى، عن الأعمش، عن أنس أنه قرأ: «وأقوم قيلا»، «وأصوب» (٢). فقيل له: يا أبا حمزة، إنما هى: «وأقوم قيلا»، فقال أنس: إن أقوم وأصوب وأهيأ واحد.
قال أبو الفتح: هذا يؤنّس بأن القوم كانوا يعتبرون المعانى، ويخلدون إليها، فإذا حصّلوها وحصّنوها سامحوا أنفسهم فى العبارات عنها.
ومن ذلك ما رويناه عن أبى زيد أن أبا سرّار الغنوىّ كان يقرأ: «فحاسوا خلال الديار» (٣)، بالحاء غير معجمة. فقيل له: إنما هو «جاسوا»، فقال: «حاسوا»، و «جاسوا» واحد.
ومن ذلك حكاية ذى الرّمة فى قوله:
وظاهر لها من يابس الشّخت (٤) …
فقيل له: أنشدتنا بائس الشخت فقال: بائس، ويابس واحد.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى قال: قال بعض أصحاب ابن الأعرابى له فى قول الشاعر (٥):