وينبغى أن يحمل على هذا أيضا قوله ﵇: «ارجعن مأزورات غير مأجورات»، يريد: موزورات، ثم تقلب الواو؛ لما ذكرنا-ألفا. وعلى أنه قد يمكن أن يكون قلب الواو همزة هنا إتباعا لمأجورات.
***
﴿جَدُّ رَبِّنا﴾ (٣)
ومن ذلك قراءة عكرمة: «جدّا ربّنا» (١).
وروى عنه: «جدّ ربّنا» (٢)، وغلّط الذى رواه.
قال أبو الفتح: أما انتصاب «جدّا» فعلى التمييز، أى: تعالى ربنا جدّا، ثم قدّم المميّز، على قولك: حسن وجها زيد.
فأما «جدّ ربّنا» فإنه على إنكار ابن مجاهد صحيح؛ وذلك أنه أراد: وأنه تعالى جدّ جدّ ربّنا على البدل، ثم حذف الثانى، وأقام المضاف إليه مقامه. وهذا على قوله سبحانه: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ (٣)، أى: زينة الكواكب، ف «الْكَواكِبِ» إذا بدل من «زينة».
فإن قلت: فإن الكواكب قد تسمى زينة، والربّ «تعالى» لا يسمى جدّا.
قيل: الكواكب فى الحقيقة ليست زينة، لكنها ذات الزينة. ألا ترى إلى القراءة بالإضافة وهى قوله: «بزينة الكواكب» (٤)؟ وأنت أيضا تقول: تعالى ربّنا كما تقول: تعالى ﴿جَدُّ رَبِّنا﴾. فالتعالى مستعمل معهما جميعا، كما يقال: يسرّنى زيد قيامه، وأنت تقول: يسرنى زيد، ويسرّنى قيامه. وهذا بيان ما أنكره ابن مجاهد.
***
стр. 842
﴿أَنْ لَنْ تَقُولَ﴾ (٥)
ومن ذلك قراءة الحسن والجحدرى ويعقوب وابن أبى بكرة، بخلاف: «أن لن تقوّل» (١).
قال أبو الفتح: «كذبا» -فى هذه القراءة-منصوب على المصدر من غير حذف موصوف معه، وذلك أن «تقوّل» فى معنى تكذّب، فجرى مجرى تبسمت وميض البرق، أى: أنه منصوب بفعل مضمر، ودلت عليه تبسمت، أى: أومضت. فعلى هذا كأنه قال: أن لن يكذب الإنس والجن على الله كذبا.
ومن رأى أن ينصب «وميض البرق» بنفس تبسمت؛ لأنه بمعنى أومضت نصب أيضا «كذبا» بنفس «تقوّل»؛ لأنه بمعنى كذب.
وأما من قرأ «أن لن تقول»، بوزن تقوم فإنه وصف مصدر محذوف، أى: أن لن تقول الإنس والجن على الله قولا كذبا، فكذب هنا وصف لا مصدر، كقوله تعالى: ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ،﴾ أى: كاذب. فإن جعلته هنا مصدرا نصبته نصب المفعول به، أى: لن تقول كذبا، كقولك: قلت حقا، وقلت باطلا، وقلت شعرا، وقلت سجعا. ولا يحسن أن تجعله مع «تقوّل» وصفا، أى: تقوّلا كذبا؛ لأن التقوّل لا يكون إلا كذبا، فلا فائدة إذا فيه.
***
وألو ﴿اِسْتَقامُوا﴾ (١٦)
ومن ذلك قراءة الأعمش ويحيى: «وأن لو استقاموا»، بضم الواو (٢).
قال أبو الفتح: هذا على تشبيه هذه الواو بواو الجماعة، نحو قوله: ﴿اِشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ (٣)، كما شبهت تلك أيضا بهذه، فقرأوا: «اشتروا الضلالة»، وقد مضى ذلك.
***
стр. 843
﴿لِبَداً﴾ (١٩)
ومن ذلك قراءة الجحدرى والحسن، بخلاف: «لبّدا» (١)، مشددة.
قال أبو الفتح: هذا وصف على فعّل: كالجبّاء، والزّمّل، واللّبّد: الكثير يركب بعضه بعضا، حتى يتلبّد من كثرته.
ابن مجاهد: وروى عن عاصم الجحدرى: «لبدا»، بضم اللام والباء (٢).
قال أبو الفتح: هذا من الأوصاف التى جاءت على فعل، كرجل طلق، وناقة سرح.
***
﴿أَدْرِي أَقَرِيبٌ﴾ (٢٥)
ومن ذلك ما رواه يحيى عن ابن عامر: «أدرى أقريب»، وهذا لا يجوز.
قال أبو الفتح: طريق هذا أنه شبّه آخر فعل المتكلم بيائه، كقولك: هذا غلامى وصاحبى، وأنّسه بذلك أن للمتكلم فى «أدرى» حصة، وهى همزة المضارعة، كما أن له حصة فى اللفظ، وهى ياؤه. وعلى كل حال فهذه شبهة السهو فيه، لا علة الصحة له، كما أن ياء مصيبة أشبهت فى اللفظ ياء صحيفة، حتى قالوا: مصائب، سهوا، كما قالوا: صحائف.
***
стр. 844
سورة المزمل
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ (١)
﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ (١)
قرأ عكرمة: «المزمّل» (١)، و «المدثّر» (٢)، خفيفة الزاى، والدال، مشددة الميم، والثاء.
قال أبو الفتح: هذا على حذف المفعول، يريد: يا أيها المزمّل نفسه، والمدثّر نفسه؛ فحذفه فيهما جميعا. وحذف المفعول كثير، وفصيح، وعذب. ولا يركبه إلاّ من قوى طبعه، وعذب وضعه. قال الله سبحانه: «وأتيت من كل شئ» (٣)، أى: أتيت من كل شئ شيئا، وأنشدنا أبو علىّ للحطيئة:
منعّمة تصون إليك منها … كصونك من رداء شرعبىّ (٤)
أى: تصون حديثها وتخزنه، كقول الشّنفرى:
كأنّ لها فى الأرض نسيا تقصّه … على أمّها وإن تخاطبك تبلت (٥)
***
﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ (٢)
ومن ذلك قراءة أبى السّمال: «قم الليل» (٦).
&
стр. 845
وروح-عن أبى اليقظان-قال: سمعت أعرابيا من بلعنبر يقرأ كذلك.
قال أبو الفتح: علة جواز ذلك أن الغرض فى هذه الحركة إنما التبلّغ بها هربا من اجتماع الساكنين، فبأى الحركات حركت أحدهما فقد وقع الغرض، ولعمرى إن الكسر أكثر، فأما ألا يجوز غيره فلا. حكى قطرب عنهم: «قم اللّيل»، «وقل الحقّ» (١)، وبع الثوب. فمن كسره فعلى أصل الباب، ومن ضم، أو كسر أيضا أتبع، ومن فتح فجنوحا إلى خفة الفتح.
***
﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (٦)
ومن ذلك حدثنا عباس الدّورىّ عن أبى يحيى الحمّانى، عن الأعمش، عن أنس أنه قرأ: «وأقوم قيلا»، «وأصوب» (٢). فقيل له: يا أبا حمزة، إنما هى: «وأقوم قيلا»، فقال أنس: إن أقوم وأصوب وأهيأ واحد.
قال أبو الفتح: هذا يؤنّس بأن القوم كانوا يعتبرون المعانى، ويخلدون إليها، فإذا حصّلوها وحصّنوها سامحوا أنفسهم فى العبارات عنها.
ومن ذلك ما رويناه عن أبى زيد أن أبا سرّار الغنوىّ كان يقرأ: «فحاسوا خلال الديار» (٣)، بالحاء غير معجمة. فقيل له: إنما هو «جاسوا»، فقال: «حاسوا»، و «جاسوا» واحد.
ومن ذلك حكاية ذى الرّمة فى قوله:
وظاهر لها من يابس الشّخت (٤) …
فقيل له: أنشدتنا بائس الشخت فقال: بائس، ويابس واحد.
وأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى قال: قال بعض أصحاب ابن الأعرابى له فى قول الشاعر (٥):
стр. 846
وموضع زبن لا أريد مبيته (١) … كأنّى به من شدّة الرّوع آنس (٢)
أنشدتناه وموضع ضيق، فقال له ابن الأعرابى: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تدرى أن «زبن» و «ضيق» واحد؟.
***
стр. 847
سورة المدثر
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ (١)
قد ذكرنا من خففه (١).
***
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦)
ومن ذلك قراءة الحسن: «ولا تمنن تستكثر»، جزما (٢).
وقرأ الأعمش: «تستكثر»، نصبا.
قال أبو الفتح: أما الجزم فيحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون بدلا من قوله: «تمنن»، حتى كأنه قال: لا تستكثر، فإن قال: فعبرة البدل أن يصلح لإقامة الثانى مقام الأول، نحو ضربت أخاك زيدا، فكأنك قلت: ضربت زيدا. وأنت لو قلت: لا تستكثر لم يدللك النهى عن المنّ للاستكثار، وإنما كان يكون فيه النهى عن الاستكثار مرسلا، وليس هذا هو المعنى، وإنما المعنى: لا تمنن منّ مستكثر، أى: امنن منّ من لا يريد عوضا، ولا يطلب الكثير عن القليل.
قيل: قد يكون البدل على حذف الأول، وكذلك أيضا قد يكون على نية إثباته. وذلك كقولك: زيد مررت به أبى محمد، فتبدل أبا محمد من الهاء. ولو قلت: زيد مررت بأبى محمد، على حذف الهاء كان قبيحا. فقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ،﴾
стр. 848
من هذا القبيل، لا من الأول. وأنكر أبو حاتم الجزم على البدل، وقال: لأن المن ليس بالاستكثار فيبدل منه، وبينهما من النسبة ما ذكرته لك.
وأما الوجه الآخر فأن يكون أراد: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ فأسكن الراء؛ لثقل الضمة مع كثرة الحركات، كما حكاه أبو زيد من قولهم: ﴿بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (١)، بإسكان اللام. وقد مضى هذا فيما قبل مستقصى.
فأما «تستكثر»، بالنصب فبأن مضمرة على ما أذكره لك، وذلك أن يكون بدلا من قوله: «ولا تمنن» على المعنى. ألا ترى أن معناه لا يكن منك من واستكثار؟ فكأنه قال: لا يكن منك منّ أن تستكثر فتضمر أن لتكون مع الفعل المنصوب بها بدلا من المن فى المعنى الذى دل عليه الفعل، ونظير اعتقاد المصدر مغروما عن الفعل فى نحو هذا- قولهم: لا تشتمه فيشتمك أى: لا يكن منك شتم له، ولا منه أن يشتمك. فكما ساغ هناك تقدير المصدر، فكذلك ساغ هنا تقديره أيضا.
ومما وقع فيه الفعل موقع المصدر ما أنشده أبو زيد من قوله:
فقالوا ما تشاء فقلت ألهو … إلى الإصباح آثر ذى أثير (٢)
أراد اللهو موضع ألهو، وهذا واضح.
***
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٣٠)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد وطلحة بن سليمان: «عليها تسعة عشر»، بإسكان العين (٣).
وقرأ أنس بن مالك: «تسعة أعشر» (٤).
وروى عنه: «تسعة وعشر»، برفع الهاء، وبعدها واو مفتوحة، وعين مجزومة (٥).
стр. 849
وروى عنه: «تسعة عشر» (١).
وروى عنه: «تسعة وعشر» (٢).
وروى عن ابن عباس: «تسعة عشر»، برفع تسعة (٣).
قال أبو الفتح: أما «تسعة عشر»، بفتح هاء تسعة، وسكون عين عشر-فلأجل كثرة الحركات، وأن الاسمين جعلا كاسم واحد، فلم يوقف الأول منهما فيحتاج- إلى الابتداء بالثانى. فلما أمن ذلك أسكن تخفيفا أوله وجعل ذلك أمارة لقوة اتصال أحد الاسمين بصاحبه.
قال أبو الحسن: ولا يجوز ذلك مع اثنا عشر ولا اثنى عشر؛ لسكون الأول من الحرفين، أعنى الألف والياء، فيلتقى ساكنان فى الوصل، ليس أولهما حرف لين والثانى مدغما. وعلى أنه قد روى ابن جمّاز عن أبى جعفر: اثنا عشر، بسكون العين، وفيه ما ذكرناه.
وقال أبو حاتم فى تسعة أعشر: لا وجه له نعرفه، إلا أن يعنى تسعة أعشر جمع العشر أو شيئا غير الذى وقع فى قلوبنا.
وأما «تسعة وعشر» فطريقه أنه فكّ التركيب وعطف على تسعة عشر على أصل ما كان عليه الاسمان قبل التركيب من العطف. ألا ترى أن أصله تسعة وعشرة؟ كقولك: تسعة وعشرون، إلا أنه حذف التنوين من تسعة لكثرة استعماله، كما حكى أبو الحسن عنهم من قولهم، سلام عليكم، بحذف تنوين «سلام»، قال: وذلك لكثرة استعمالهم إياه.
وأما «تسعة عشر»، بضم هاء تسعة، وسكون عين عشر-فلأنه وإن لم يكن مركبا فإن العطف فيه واجب لتكميل العدة، وقد كان سمع فيه سكون العين فى قول من قال: «تسعة عشر» فلاحظ سكونها هناك، فأقره بحاله.
وأما «تسعة وعشر» فطريقه أنه أراد تسعة أعشر، بهمزة كما ترى، كالرواية الأخرى «تسعة أعشر» فخفف الهمزة، بأن قلبها واوا خالصة فى اللفظ؛ لأنها مفتوحة وقبلها ضمة، فجرت مجرى تخفيف جؤن، إذا قلت: جون. وعلى أن هذه الهمزة-
стр. 850
ها هنا-منكرة غير معروفة عند أصحابنا، ولذلك قال سيبويه فى هذا هى: أحد عشر بلا ألف كقولك أحد حمل تحايدا عن هذه الهمزة واستنكارا لها، والعامة مع ذلك مولعة بها.
***
﴿صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ (٥٢)
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير، «صحفا منشرة»، بسكون الحاء والنون (١).
قال أبو الفتح: أما سكون الحاء فلغة تميمية، وأما «منشرة»، بسكون النون فإن جارى العرف فى الاستعمال نشرت الثوب ونحوه، وأنشر الله الموتى فنشروا هم. وقد جاء عنهم أيضا: نشر الله الميت، قال التيمى:
ردّت صنائعه إليه حياته … فكأنّه من نشرها منشور
ولم نعلمهم قالوا: أنشرت الثوب ونحوه، إلا أنه قد يجوز أن يشبّه شئ بشئ، فكما جاز أن يشبّه الميت بالشئ المطوى، حتى قال التيمى: «منشور» فكذلك يجوز أن يشبه المطوى بالميت، فيقال: صحف منشرة، أى: كأنها كانت بطيّها ميتة، فلما نشرت حيّت بذلك، فقيل منشرة.
***
стр. 851
سورة القيامة
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لا أُقْسِمُ﴾ (١)(٢)
قرأ الحسن: «لأقسم»، بغير ألف (١)، و «لا أقسم»، بألف.
وروى عنه بغير ألف فيهما جميعا، والألف فيهما جميعا.
قال أبو الفتح: حكى أبو حاتم عن الحسن أنه قال: أقسم بالأولى، ولم يقسم بالثانية. قال أبو حاتم: وكذلك زعم خارجة عن ابن أبى إسحاق: يقسم بيوم القيامة، ولا يقسم بالنفس اللوامة. ورواها أبو حاتم أيضا عن أبى عمرو وعيسى مثل ذلك.
وينبغى أن تكون هذه اللام لام الابتداء، أى: لأنا أقسم بيوم القيامة، وحذف المبتدأ للعلم به، على غرّة حال الحذف والتوكيد. فهذا هو الذى ينبغى أن تحمل عليه هذه القراءة، ولا ينبغى أن يكون أراد النون للتوكيد؛ لأن تلك تختص بالمستقبل؛ لأن الغرض إنما هو الآن مقسم لا أنه سيقسم فيما بعد، ولذلك حملوه على زيادة «لا»، وقالوا: معناه أقسم بيوم القيامة، أى: أنا مقسم الآن؛ ولأن حذف النون هنا ضعيف خبيث.
***
﴿الْمَفَرُّ﴾ (١٠)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة وأيوب السختيانى والحسن: «المفرّ» (٢).
стр. 852
وقرأ: «المفرّ» الزهرى (١).
قال أبو الفتح: «المفرّ»، بفتح الميم، والفاء-المصدر، أين الفرار. و «المفرّ» -بفتح الميم، وكسر الفاء-الموضع الذى يفر إليه. «والمفرّ» -بكسر الميم، وفتح الفاء- الإنسان الجيد الفرار، كقولهم: رجل مطعن ومضرب، أى: مطعان ومضراب. قال (٢):
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا (٣) …
معناه: أين الإنسان الجيد الفرار؟ ولن ينجو مع ذلك، لا أنّ هناك مطمعا فى الحياة.
***
﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ (٢٨)
ومن ذلك قراءة ابن عباس: «وأيقن أنّه الفراق»، وقال ابن عباس فى تفسيره: ذهب الظن.
قال أبو الفتح: ينبغى أن يحسن الظن بابن عباس، فيقال: إنه أعلم بلغة القوم من كثير من علمائهم، ولم يكن ليخفى عليه أنّ ظننت قد تكون بمعنى علمت، كقوله: (٤)
فقلت لهم ظنّوا بألفى مدجّج … سراتهم فى الفارسىّ المسرّد (٥)
أى: أيقنوا بذلك وتحققوه، لكنه أراد لفظ اليقين الذى لا يستعمل فى الشك، وكأنه قال: ذهب اللفظ الذى يصلح للشك، وجاء اللفظ الذى هو تصريح باليقين. إلى هذا ينبغى أن يذهب بقوله، والله أعلم.
***
&
стр. 853
﴿أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ (٤٠)
ومن ذلك قراءة طلحة بن سليمان: «أن يحيى الموتى»، ساكنة (١).
قال أبو الفتح: معنى قول ابن مجاهد: أنه قرأه على سكون الياء من «يحيى»، على لغة من قال:
يا دار هند عفت إلا أثافيها (٢) …
فأسكن الياء فى موضع النصب، لا أن الياء فى قوله: «يحيى الموتى» ساكنة، وذلك أنه لا ياء هناك فى اللفظ أصلا، لا ساكنة ولا متحركة؛ لأنها قد حذفت لسكونها وسكون اللام من «الموتى».
قال أبو العباس: إسكان هذه الياء فى موضع النصب من أحسن الضرورات، حتى إنه لو جاء به جاء فى النثر لكان جائزا، وشواهد ذلك فى الشعر أكثر من أن يؤتى بها. ومما جاء منه فى النثر قولهم: لا أكلمك حيرى دهر، فأسكن الياء من حيرى، وهى فى موضع نصب، وفيه عندى شئ لم يذكره أبو علىّ ولا غيره من أصحابنا؛ وذلك أن أصله حيرىّ دهر، معناه مدّة الدهر، فكأنه مدة تحيّر الدهر وبقائه، فلما حذفت أخرى الياءين بقيت الياء ساكنة كما كانت قبل الحذف؛ دلالة على أن هذا محذوف من ذلك الذى لو لم يحذف لما كانت ياؤه إلا ساكنة، ومثل ذلك عندى قول الهذلى (٣):
رب هيضل لجب لففت بهيضل (٤) …
أراد: ربّ فحذف إحدى الياءين، وبقىّ الثانية مجزومة كما كانت قبل الحذف وإن لم يكن هناك موجب للحركة لالتقاء الساكنين، ولولا ذلك لوجب تسكين باء رب، كتسكين لام هل وبل، ودال قد إذ لا ساكنين هناك فتجب الحركة لالتقائهما. ولهذا نظائر كثيرة فى المجئ باللفظ على حكم لفظ آخر لأنه فى معناه وإن عرى هذا من موجب اللفظ فى ذاك، نحو تصحيح عور وحول لأنهما فى معنى ما لا بدّ من صحته، وهو اعورّ واحولّ.
ولولا الإطالة المعقود على تحاميها، وتجنّب الإكثار بها-لأوسعنا ساحة القول فى هذا ونحوه، ولم نقتصر على ما نورده منه. ولولا ما ردّدناه من شاهد قد مضى هو أو
стр. 854
مثله فليكون الموضع المقول عليه حاملا لنفسه، ناهضا بشواهده، لا سيما مع ما لا يؤمن من شذوذ ما قبله، فيختل الموضع لذلك.
***
стр. 855
سورة الإنسان
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ (٢١)
قرأ: «واستبرق»، بوصل الألف، وفتح القاف (١) -ابن محيصن.
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على هذا عند قول الله تعالى: ﴿بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ (٢) وغيره.
***
﴿وَالظّالِمِينَ أَعَدَّ﴾ (٣١)
ومن ذلك قراءة عبد الله بن الزبير وأبان بن عثمان: «والظالمون أعدّ»، بالواو (٣).
قال أبو الفتح: هذا على ارتجال جملة مستأنفة، كأنه قال: «الظالمون أعد لهم عذابا أليما» ثم إنه عطف الجملة على ما قبلها. وقد سبق الرفع إلى مبتدئها، غير أن الذى عليه الجماعة أسبق، وهو النصب. ألا ترى أن معناه يدخل من يشاء فى رحمته ويعذب الظالمين؟ فلما أضمر هذا القول فسّره بقوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً،﴾ وهذا أكثر من أن يؤتى له بشاهد.
***
стр. 856
سورة المرسلات
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾ (٥)
قرأ ابن عباس: «فالملقّيات ذكرا» (١)، مشددة.
قال أبو الفتح: معنى الملقّيات، بتشديد القاف: الموصلات له إلى المخاطبين به، كقولك: لقّيته الرمح، ولقّيته سوء عمله.
وأما «الملقيات»، بتخفيف القاف فكأنه الحاملات له، الطارحات له، ليأخذه من خوطب به. وهذا كقول الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بمسيطر (٢)، وكقوله: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣)، ونحو ذلك.
***
﴿أُقِّتَتْ﴾ (١١)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «وقتت»، بواو، خفيفة القاف (٤).
وقراءة الحسن: «ووقتت»، بواوين، الأولى مضمومة، والثانية ساكنة (٥).
قال أبو الفتح: أما «وقتت» خفيفة، ففعلت، من الوقت كقوله تعالى: ﴿كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ (٦)، فهذا من وقت.
стр. 857
وأما «ووقتت» فكقولك: عوهدت عليه، وووفقت عليه، وكلاهما من الوقت. ويجوز أن تهمز هاتان الواوان، فيقال: أقتت، كما قرأوا: «أقّتت»، بالتشديد، وأقتت، فتكون بلفظ أفعلت، وبمعنى فوعلت.
***
﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ﴾ (١٧)
ومن ذلك قراءة الأعرج: «ثمّ نتبعهم» (١)، بالجزم.
قال أبو الفتح: يحتمل جزمه أمرين:
أحدهما: أن يكون أراد معنى قراءة الجماعة: ﴿نُتْبِعُهُمُ،﴾ بالرفع، فأسكن العين استثقالا لتوالى الحركات على ما مضى فى غير موضع من هذا الكتاب.
والآخر: أن يكون جزما، فيعطفه على قوله: «نهلك»، فيجرى مجرى قولك: ألم تزرنى ثم أعطك؟ كقولك: فأعطك ألم أحسن إليك ثم أوال ذلك عليك؟ فيكون معنى هذه القراءة أنه يريد قوما أهلكهم الله سبحانه بعد قوم قبلهم على اختلاف أوقات المرسلين إليهم شيئا بعد شئ، فلما ذكر ما تقضى على اختلاف الأوقات فيه، قال تعالى مستأنفا: ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ،﴾ فيكون المجرمون هنا من نهلكه من بعد. وقد يجوز أن يعنى بالمجرمين من مضى منهم ومن يأتى فيما بعد، المعنيان جميعا متوجّهان.
***
﴿كَالْقَصْرِ﴾ (٣٢)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير-واختلف عنهما-: «كالقصر»، بكسر القاف، وفتح الصاد (٢).
قال أبو الفتح: رواها أبو حاتم: «كالقصر» -القاف والصاد مفتوحان (٣) -عن ابن
стр. 858
عباس وسعيد بن جبير، وروى أيضا عن سعيد بن جبير: «كالقصر»، بكسر القاف، وفتح الصاد، وقال: القصر: أصول الشجر، الواحدة قصرة. وكذا رواها لنا أبو علىّ أيضا، قال: ومنه قولهم: غلّة نقيّة من القصر، قال: وقول الكتاب: نقية من القصر لا وجه له.
قال أبو حاتم: قال الحسن: أصول الشجر، قال: وقال قتادة والكلبى: أصول الشجر والنخل. وقال مجاهد: حزم الشجر، قال: وكذلك قرأها مجاهد.
وقال أبو حاتم: لعلّ القصر-بكسر القاف-لغة، كحاجة وحوج. قد قالوا أيضا فى حلقة الحديد: حلقة-بفتح اللام-وقالوا: حلق؛ بكسر الحاء. قال أبو حاتم: قال الحسن: قصرة وقصر، مثل جمرة وجمر، كأنه قرأها ساكنة الصاد. قال: والعامة يجعلونها على القصور.
وحدثنا أبو علىّ أن القصر هنا بمعنى القصور قال: وهى بيوت من أدم كانوا يضربونها إذا نزلوا على الماء.
***
﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾ (٣٣)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير-بخلاف-والحسن-بخلاف-وأبى رجاء-بخلاف-وقتادة-بخلاف-: «جمالات صفر»، بضم الجيم (١).
قال أبو الفتح: أبو حاتم عن ابن عباس: إنها حبال السفينة.
***
стр. 859
سورة عم يتساءلون
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ (١)
عكرمة وعيسى: «عمّا يتساءلون» (١).
قال أبو الفتح: هذا أضعف اللغتين، أعنى إثبات الألف فى «ما» الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جرّ. وروينا عن قطرب لحسّان (٢):
على ما قام يشتمنى لئيم … كخنزير تمرّغ فى دمان
فأثبت الألف مع حرف جر.
***
﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ﴾ (١٤)
ومن ذلك قراءة ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وعبد الله بن يزيد وقتادة: «وأنزلنا بالمعصرات» (٣).
قال أبو الفتح: إذا أنزل منها فقد أنزل بها، كقولهم: أعطيته من يدى درهما، وبيدى درهما، المعنى واحد، وليست «من» ها هنا مثلها فى قولهم: أعطيته من الدراهم؛ لأن هذا معناه بعضها، وليس يريد أن الدرهم بعض اليد، لكن معنى «من» هنا ابتداء الغاية، أى كان ابتداء العطية من يده، وليس معناه: أعطاه بعض يده.
***
стр. 860
﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾ (٢٨)
ومن ذلك قراءة علىّ: «وكذّبوا بآياتنا كذابا» (١).
قال أبو الفتح: يقال: كذب يكذب كذبا وكذابا، وكذّب كذّابا، بتثقيل الذال فيهما جميعا. وقالوا أيضا: كذابا، خفيفة، وقال قطرب: قالوا: رجل كذاب: صاحب كذب.
وحكى أبو حاتم عن عبد الله بن عمر: «وكذّبوا بآياتنا كذّابا»، بضم الكاف، وتشديد الذال (٢)، وقال: لا وجه له، إلا أن يكون «كذّاب» جمع كاذب، فتنصبه على الحال: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ فى حال كذبهم. وقال طرفة (٣):
إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا … به حين يأتى لا كذاب ولا علل (٤)
وقالوا: رجل كيذبان، وكيذبان، وكاذب، وكذوب، وكذب، وكذّاب، وكذّبذب- بتشديد الذال-وكذبذب، بتخفيفها.
قرأت على أبى علىّ فى نوادر أبى يزيد، ورويناه عن قطرب وغيره من أصحابنا:
وإذا أتاك بأننى قد بعتها … بوصال غانية فقل كذّبذب (٥)
وهو أحد الأمثلة الفائتة لكتاب سيبويه. وقد يجوز أن يكون قوله: «كذّابا» - بالضم، وتشديد الذال-وصفا لمصدر محذوف، أى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾ كذّابا، أى: كذّابا متناهيا فى معناه، فيكون الكذّاب، ها هنا واحدا لا جمعا، كرجل حسّان، ووجه وضّاء، ونحو ذلك من الصفات على فعّال. ويجوز أيضا أن يكون أراد جمع كذب؛ لأنه جعله نوعا وصفه بالكذب، أى كذبا كاذبا، ثم جمع فصار كذّابا كذّابا، فافهم ذلك.
***
&
стр. 861
﴿عَطاءً حِساباً﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة ابن قطيب: «عطاء حسّابا» (١).
قال أبو الفتح: طريقه عندى-والله أعلم-عطاء محسبا، أى كافيا. يقال: أعطيته ما أحسبه، أى: كفاه، إلا أنه جاء بالاسم من أفعل على فعّال. وقد جاءت منه أحرف، قالوا: أجبر فهو جبّار، وأدرك فهو درّاك، وأسأر من شرابه فهو سأار، وأقصر عن الشئ فهو قصّار، وقد تقدم ذلك.
وأنا أذهب فى قولهم: أحسبه من العطية، أى: كفاه-إلى أنه من قولهم: حسبك كذا، أى: أعطاه حتى قال: حسب، كما أن قولهم: بجّلت الرجل، ورجل بجيل وبجال-كأنه من قولهم: بجل، أى: حسب، فكأنه انتهى من الفضل والشرف إلى أنه متى جرى ذكره قيل: بجل، قف حيث أنت، فلا غاية وراءه. وكذلك عندى أصل تصرّف النعمة والنعيم والإنعام وجميع ما فى هذا الحرف-إنما هو من قولنا: نعم؛ وذلك أن «نعم» محبوبة مستلذة، وهى ضد «لا» الكزّة المستكرهة.
فإن قيل: فكيف يجوز الاشتقاق من الحروف؟.
قيل: قد اشتق منها فى غير موضع، قالوا: سألنى حاجة، فلا ليت له، أى: قلت له: لا. وسألتك حاجة، فلو ليت لى، أى: قلت: لولا. وقالوا: حاحيت، وعاعيت، وهاهيت، فاشتقوا من حاء وعاء، وهاء، وهن أصوات، والأصوات للحروف أخوات، وما أكثر ذلك!.
***
стр. 862
سورة النازعات
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿فِي الْحافِرَةِ﴾ (١٠)
قراءة أبى حيوة: «فى الحفرة» (١)، بفتح الحاء، وكسر الفاء بغير ألف.
قال أبو الفتح: وجه ذلك أن يكون أراد ﴿الْحافِرَةِ،﴾ كقراءة الجماعة، فحذف الألف تخفيفا، كما قال:
إلا عرادا عردا (٢) …
أى: عاردا، وقد ذكرناه.
وفيه وجه آخر ذو صنعة، وهو أنهم قد قالوا: حفرت أسنانه: إذا ركبها الوسخ من ظاهرها وباطنها. فقد يجوز أن يكون أراد الأرض الحفرة، أى: المنتنة؛ لفسادها بأخباثها، وبأجسام الموتى فيها. وعليه فسّروا قراءة من قرأ: «صللنا فى الأرض» (٣)، من النّتن، ورواها أحمد بن يحيى: «صللنا»، بكسر اللام (٤).
***
﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ (٣٢)
ومن ذلك قراءة الحسن وعمرو بن عبيد: «والجبال أرساها»، بالرفع (٥).
стр. 863
قال أبو الفتح: هذا كقراءة عبد الله بن الزبير وأبان بن عثمان: «والظالمون أعدّ لهم عذابا أليما» (١)، وقد ذكرناه هناك.
***
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ (٣٠)
ومن ذلك ما رواه الأعمش عن مجاهد: «والأرض مع ذلك دحاها» (٢).
قال أبو الفتح: ليست هذه القراءة مخالفة المعنى لمعنى قراءة العامة: ﴿بَعْدَ ذلِكَ﴾. لأنه ليس المعنى-والله أعلم-أن الأرض دحيت مع خلق السموات وفى وقته، وإنما اجتماعهما فى الخلق، لا أن زمان الفعلين واحد. وهذا كقولك: فلان كريم، فيقول السامع: وهو مع ذلك شجاع، أى: قد اجتمع له الوصفان، وليس غرضه فيه ترتيب الزمان.
***
﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ (٣٦)
ومن ذلك قراءة عكرمة: «وبرّزت الجحيم لمن ترى»، بالتاء مفتوحة (٣).
قال أبو الفتح: إن شئت كانت التاء فى «ترى» للجحيم، أى: لمن تراه النار. وإن شئت كان خطابا للنبى ﷺ ؛ أى: لمن ترى يا محمد، أى: للناس، فأشار إلى البعض، وغرضه جنسه وجميعه، كما قال لبيد:
ولقد سئمت من الحياة وطولها … وسؤال هذا النّاس كيف لبيد؟ (٤)
فأشار إلى جنس الناس فى هذا المعنى، ونحن نعلم أنه ليس جميعه مشاهدا حاضر الزمان.
فإن قيل: فإن النبى ﷺ كان بحضرته المؤمنون الذين قد شهد لكثير منهم بالجنة،
стр. 864
وشهد من حال الإيمان لهم بها، فكيف يجوز أن يقول الله له: النار لهؤلاء الذين تراهم؟
قيل: يخصه ويخلصه محصول معناه، فهذا كقوله تعالى: ﴿فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ (١)، وقوله: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٤). فخرج الكلام على وجه التعظيم والتحذير، حتى كأنه عام لجميع من يقع البصر عليه، إغلاظا، وإرهابا. والمؤمنون مستثنون منه بما تقدمت الأدلة عليه، وله أشباه كثيرة.
***
﴿أَيّانَ﴾ (٤٢)
ومن ذلك قراءة السلمى: «إيّان» بكسر الألف (٥).
قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك.
***
стр. 865
سورة عبس
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ (٢)
قرأ: «آن جاءه الأعمى»، بالمد (١) -الحسن.
قال أبو الفتح: «أن معلقة بفعل محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى،﴾ تقديره: أأن جاءه الأعمى أعرض عنه، وتولى بوجهه؟ فالوقف إذا على قوله: ﴿وَتَوَلّى،﴾ ثم استأنف لفظ الاستفهام منكرا للحال، فكأنه قال: ألأن جاءه الأعمى كان ذلك منه؟.
وأما ﴿أَنْ﴾ على القراءة العامة فمنصوبة ب ﴿تَوَلّى؛﴾ لأنه الفعل الأقرب منه، فكأنه قال: تولى لمجئ الأعمى ومن أعمل الأول نصب ﴿أَنْ﴾ ب ﴿عَبَسَ،﴾ فكأنه قال: عبس أن جاءه الأعمى، وتولّى لذلك، فحذف مفعول ﴿تَوَلّى﴾ كما تقول: ضربت فأوجعته زيدا، إذا أعملت الأول، وإن شئت لم تأت بمفعول أوجعت، فقلت: ضربت فأوجعت زيدا، أى وأنت تريد أوجعته، إلا أنك حذفته تخفيفا، وللعلم به، والوجه إعمال الثانى؛ لقربه. فأما أن تنصبه بمجموع الفعلين فلا، وهذا واضح.
***
﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ (٦)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر: «فأنت له تصدّى»، بضم التاء، وتخفيف الصاد (٢).
قال أبو الفتح: معنى «تصدّى»، أى: يدعوك داع من زينة الدنيا وشارتها إلى التصدّى له، والإقبال عليه.
стр. 866
وعلى ذلك قراءته أيضا: «فأنت عنه تلهّى» (١)؛ أى: تصرف عنه، ويزوى وجهك دونه؛ لأنه لا غنى عنده، ولا ظاهر معه، فخرج بذلك مخرج التنبيه للنبى ﷺ فيما جرى من قصة ابن أمّ مكتوم.
***
﴿شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٢٢)
ومن ذلك أبو حيوة عن نافع وشعيب ابن أبى عمرة قرأ: «شانشره»، مقصورة، وقد اختلف عن نافع.
قال أبو الفتح: قد سبق القول على نشره الله، وأنّ أقوى اللغتين أنشره.
***
﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٧)
ومن ذلك قراءة ابن محيصن: «شأن يعنيه»، مفتوحة الياء، بالعين (٢).
قال أبو الفتح: وهذه قراءة حسنة أيضا، إلا أن التى عليها الجماعة أقوى معنى، وذلك أن الإنسان قد يعنيه الشئ ولا يغنيه عن غيره. وذلك كأن يكون له ألف درهم، فيؤخذ منها مائة درهم، فيعنيه أمرها، ولا يغنيه عن بقية ماله أن يهتم به ويراعيه. فأما إذا أغناه الأمر عن غيره فإن ذلك أقوى المطلبين، وأعلى الغرضين فاعرف ذلك مع وضوحه.
***
سورة كوّرت
لا شئ فيها.
***
стр. 867
سورة الانفطار
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٦)
روى عن سعيد بن جبير: «يا أيّها الإنسان ما أغرّك بربّك الكريم»، ممدودة (١)، على التعجب.
قال أبو الفتح: هذا كقول الله سبحانه: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ﴾ (٢)؛ أى: على أفعال أهل النار، ففيه حذف مضافين شيئا على شئ كما قدمنا فى قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ (٣)، وغير ذلك.
وقيل فى قوله: ﴿فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّارِ؛﴾ أى: ما الذى دعاهم إلى الصبر على موجبات النار؟ فكذلك يجوز أن يكون قوله أيضا: «ما أغرّك بربّك الكريم»، ما الذى دعاك إلى الاغترار به؟ غرّ الرجل، فهو غارّ، أى: غفل.
***
سورة المطففين
لا شئ فيها.
***
سورة انشقت
كذلك.
***
سورة البروج
كذلك.
***
стр. 868
سورة الطارق
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ (١٧)
قرأ ابن عباس: «فمهّل الكافرين مهّلهم رويدا»، بغير ألف (١).
قال أبو الفتح: أما هذه القراءة ففيها ما أذكره لتفرّق بينها وبين القراءة العامة، وذلك أن قولهم: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾ فيه أنه آثر التوكيد، وكره التكرير، فلما تجشّم إعادة اللفظ مع تكارهه إياه انحرف عن الأول بعض الانحراف بتغييره المثال، فانتقل عن فعّل إلى أفعل، فقال: «أمهلهم»، فلما تجشّم التثليث جاء بالمعنى وترك اللفظ ألبتة، فقال: ﴿رُوَيْداً﴾.
وأما فى هذه القراءة فإنه كرر اللفظ والمثال جميعا، فقال: «مهّل الكافرين مهّلهم»، فجعل ما تكلفه من تكرير اللفظ والمثال جميعا عنوانا لقوة معنى توكيده، إذ لو لم يكن كذلك لانحرف فى الحال بعض الانحراف. وهذا كقول الرجل لصاحبه: قد عرفت أننى لم آتك فى هذا الوقت، وإلى هذا المكان، وعلى هذه الحال إلا لداع إليه قوىّ، وأمر عان.
ويدلك على كلفة التكرير عليهم أشياء: منها التضعيف، نحو شدّد، فإذا سكن الأول من المثلين فوقع هناك خلاف ما سهل اللفظ بهما فقيل: شدّ، وكذلك إن سكن الثانى قيل: شددت. ومنها أنهم آثروا التكرير للتوكيد فى نحو جاء القوم أجمعون أكتعون أبصعون أبتعون خالفوا بين الفاء والعين، ووفقوا بين اللامات، وهى العينات منها؛ لتختلف الحروف، فتقل الكلفة.
فإن قيل: فلم خالفوا بين الفاءات والعينات ووفقوا بين اللامات؟ قيل: لأن اللام مقطع الحروف، وإليها المفضى، وعليها المستقر، فوفقوا بينها لتتلاقى المقاطع على لفظ واحد، فيكون ما شذ من الفاء والعين مجموعا باللام، فاعرف ذلك.
***
&
стр. 869
سورة الغاشية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ (٣)
روى عبيد، عن شبل، عن ابن كثير: «عاملة ناصبة تصلى» (١).
قال أبو الفتح: ينبغى أن يكون النصب على الشتم، أى: أذكرها عاملة ناصبة فى الدنيا على حالها هناك، فهذا كقوله تعالى: ﴿يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ؛﴾ وذلك أنهم لم يخلصوها لوجهه، بل أشركوا به معبودات غيره، وله نظائر فى القرآن ومأثور الأخبار.
***
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (٢٠)
ومن ذلك قرأ: «إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت» (٢)، بفتح أوائل هذه الحروف كلها، وضم التاء- علىّ بن أبى طالب، ﵇.
قال أبو الفتح: المفعول هنا محذوف لدلالة المعنى عليه، أى: كيف خلقتها، ورفعتها، ونصبتها، وسطحتها؟ وقد تقدم القول على حسن حذف المفعول به، وأن ذلك أقوى دليل على قوة عربية الناطق به.
عبد الوارث قال: سمعت هارون الخليفة يقرأ: «وإلى الأرض كيف سطّحت»، مشددة الطاء (٣).
стр. 870
قال أبو الفتح: إنما جاز هنا التضعيف للتكرير، من قبل أن الأرض بسيطة وفسيحة، فالعمل فيها مكرر على قدر سعتها، فهو كقولك: قطّعت الشاة؛ لأنه أعضاء يخص كلّ عضو منها عمل، وكذلك نظائر هذا.
***
﴿إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ﴾ (٢٣)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة وزيد بن على: «ألا من تولّى»، بالتخفيف (١).
قال أبو الفتح: «ألا» افتتاح الكلام، «ومن» هنا شرط، وجوابه «فيعذّبه الله»، كقولك: من قام فيضربه زيد، أى: فهو يضربه زيد. وكذلك الآية، أى: من يتولّ ويكفر فهو يعذبه الله، لا بدّ من تقدير المبتدأ هنا؛ وذلك أن الفاء إنما يؤتى بها فى جواب الجزاء بدلا من الفعل الذى يجاب به، فإذا رأيت الفاء مع الفعل الذى يصلح أن يكون جوابا للجزاء فلا بدّ من تقدير مبتدأ محذوف هناك؛ لأنه لو أريد الجواب على الظاهر لكان هناك فعل يصلح له، فكان يقول: ألا من تولّى وكفر يعذّبه الله، كقولك: من يقم أعطه درهما. ولو دخلت الفاء هنا لقلت: من يقم فأعطيه درهما، أى: فأنا، أو فهو أعطيه درهما فهو كقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ (٢)، أى: فهو ينتقم الله منه.
***
﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ (٢٥)
ومن ذلك قراءة أبى جعفر يزيد: «إنّ إلينا إيّابهم»، بالتشديد (٣).
قال أبو الفتح: أنكر أبو حاتم هذه القراءة، وقال: حملها على نحو: ﴿كَذَّبُوا﴾
стр. 871
﴿كِذّاباً﴾ (١)، قال: وهذا لا يجوز؛ لأنه كان يجب إوّابا؛ لأنه فعّال، قال: ولو أراد ذلك لقال: إيوابا، فقلب الواو ياء للكسرة قبلها، كديوان، وقيراط، ودينار؛ لقولهم: دواوين، وقراريط، ودنانير.
وهذا لو كان لا بد أن يكون إيّابا، فعّالا، مصدر أوّبت التى مطاوعها تأوّب، أى: تفعّل، كما قال (٢):
تأوّبه خيال من سليمى … كما يعتاد ذا الدّين الغريم (٣)
لكان الذهاب إليه فاسدا؛ لأنه كان يجب فيه التصحيح لاحتماء العين بالإدغام، كقولهم: اجلوّذ اجلوّاذا. فأما اجليواذا وديوان فشاذّان. وعلى أنه يجوز أن يكون فعّالا، إوّابا، إلا أنه قلب الواو ياء-وإن كانت متحصنة بالإدغام-استحسانا للاستخفاف، لا وجوبا. ألا تراهم قالوا: ما أحيله من الحيلة؟ وهو من الواو لقولهم: يتحاولان، وقالوا فى دوّمت السماء: ديّمت. قال:
هو الجواد ابن الجواد بن سبل … إن ديّموا جاد وإن جادوا وبل (٤)
يريد: دوّموا؛ لأن من دام يدوم، لكن من روى هذا مما هو أشد قياسا منه؛ وذلك أن يكون بنى من آب فيعلت، وأصله أيوبت، فقلبت الواو ياء؛ لوقوع الياء ساكنة قبلها، فصارت أيّبت، ثم جاء المصدر على هذا إيّابا، فوزنه فيعال إيواب، فقلب بالواجب. وإن شئت أيضا جعلت أوّبت فوعلت بمنزلة حوقلت، وجاء المصدر على الفيعال، كالحيقال. أنشد الأصمعى:
يا قوم قد حوقلت أو دنوت … وبعد حيقال الرّجال الموت (٥)
فصارت إيوابا، كالحيقال ثم قلبت الواو للياء قبلها، فصارت إيّابا.
فإن قلت: فهلا حماها الإدغام من القلب.
стр. 872
قيل: هيهات، إنما ذلك إذا كانتا عينين؛ لأنهما لا يكونان إلا من لفظ واحد، وكذلك واو افعوّل؛ لأنه لا يكون فيها زائد بعدها إلا من لفظها. فأما فوعلت فالواو زائدة، والعلل إليها مسرعة؛ لأنها ليست عينا فتتحامل بها أختها. ألا تراك لو بنيت فعّل من فوعلت من القول لقلت: قوول؟ فمددت، ولم تدغم، وأجريتها مجرى فعل من فاعلت من القول، إذا قلت: قوول. ولو بنيت فعل من فعّلت القول لقلت: قوّل فأجريتها فى الصحة مجرى قطّع وكسّر.
نعم، ويجوز أن يكون أوّبت فعولت كجهور، فتقول فى مصدره على حد جهوار: إيّاب، فتقلب الواو ياء؛ لسكونها، وانكسار ما قبلها. ولم يحمها من القلب إدغامها؛ لأنها لم تدغم فى عين فتحميها وتنهض بها، إنما أدغمت فى واو فعولت الزائدة الجارية مجرى ألف فاعلت، فقد علمت بذلك أن أبا حاتم-عفا الله عنه-أغفل هذين الوجهين.
***
стр. 873
سورة الفجر
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ (٧)
قرأ ابن عباس-وروى ذلك أيضا عن الضحاك-: «بعاد أرمّ ذات العماد» (١).
وروى أيضا عن الضحاك: «بعاد أرم ذات العماد»، الألف مفتوحة، والراء ساكنة (٢).
وروى عن ابن الزبير: «بعاد أرم ذات العماد».
وروى عن ابن الزبير أيضا: «بعاد إرم ذات العماد»، بكسر الميم (٣).
قال أبو الفتح: أما «أرمّ ذات العماد» فجعلها رميما، رمّت هى واسترمّت، وأرمّها غيرها، ورمّ العظم يرمّ رمّا ورميما: إذا بلى، ونخر. قال (٤):
والنّيب إن تعرمنّى رمّة خلقا … بعد الممات فإنّى كنت أثّئر (٥)
وأما «أرم» فتخفيف أرم المروية عن ابن الزبير.
وأما «بعاد إرم ذات العماد» فأضاف «عاد» إلى «إرم»، المدينة التى يقال لها: ذات
стр. 874
العماد، أى: أصحاب أعلام هذه المدينة، والأرم: العلم وجمعه آرام. قال لبيد (١):
مثّلا آرامها (٢) …
أى: أعلامها.
وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ﴾ تفسير لقوله: فعل بعاد، فكأن قائلا قال: ما صنع بها؟ فقال: «أرمّ ذات العماد»، أى: مدينتهم، وهذا يدل على هلاكهم.
وأما «بعاد أرم ذات العماد» فعلى أنه أراد: أهل أرم، هذه المدينة، فحذف المضاف وهو يريده، كما مضى من قوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ (٣)، أى: زينة الكواكب.
***
﴿فَادْخُلِي فِي عِبادِي﴾ (٢٩)
ومن ذلك قراءة ابن عباس وعكرمة والضحاك وأبى شيخ الهنائىّ والكلبى وابن السّميفع: «فادخلى فى عبدى»، على واحد (٤).
قال أبو الفتح: هذا لفظ الواحد، ومعنى الجماعة، أى: عبادى، كالقراءة العامة. وقد تقدم القول على نظيره، وأنه إنما خرج بلفظ الواحد ليس اتساعا واختصارا عاريا من المعنى؛ وذلك أنه جعل عباده كالواحد، أى: لا خلاف بينهم فى عبوديته، كما لا يخالف الإنسان نفسه، فيصير كقول النبى ﷺ : «وهم يد على من سواهم» (٥)، أى:
стр. 875
متضافرون متعاونون، لا يقعد بعضهم عن بعض، كما لا يخون بعض اليد بعضا. وضد هذا قوله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾.
***
стр. 876
سورة البلد
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (١)
قرأ الحسن: «لأقسم بهذا البلد»، بغير ألف (١).
قال أبو الفتح: قد مضى مثل هذا.
***
﴿مالاً لُبَداً﴾ (٦)
وقرأ أبو جعفر: «مالا لبّدا» (٢).
قال أبو الفتح: يكون بلفظ الواحد نحو زمّل وجبّاء، ويكون جمع لا بد، كقائم وقوّم، وصائم وصوّم، وقد تقدم ذكره.
***
﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (٧)
ومن ذلك قراءة الأعمش: «أن لم يره أحد»، ساكنة الهاء (٣).
قال أبو الفتح: قد سبق القول على سكون هذه الهاء فيما مضى.
***
&
стр. 877
﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ (١٤)
ومن ذلك قرأ: «فى يوم ذا مسغبة» -الحسن وأبو رجاء (١).
قال أبو الفتح: هو منصوب، ويحتمل نصبه أمرين:
أظهرهما أن يكون مفعول «إطعام»، أى: وأن تطعموا ذا مسغبة، «ويتيما» بدل منه، كقولك: رأيت كريما رجلا. ويجوز أن يكون يتيما وصفا لذا مسغبة، كقولك: رأيت كريما عاقلا، وجاز وصف الصفة الذى هو كريم؛ لأنه لما لم يجر على موصوف أشبه الاسم، كقول الأعشى (٢):
وبيداء تحسب آرامها … رجال إياد بأجيادها (٣)
فقوله: «تحسب» صفة لبيداء، وإن كانت فى الأصل صفة. وكذلك قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوى المخترق (٤) …
فقوله: خاوى المخترق صفة لقوله: قاتم الأعماق، وهو صفة لموصوف محذوف، أى: وبلد قاتم قاتم الأعماق، كما أن قوله: وبيداء، وربّ بيداء، ورب بلدة بيداء. فاعرف ذلك، فهذا أحد وجهى قوله: «ذا مسغبة».
والآخر أن يكون أيضا صفة، إلا أنه صفة لموضع الجار والمجرور جميعا؛ وذلك أن قوله: «فى يوم» ظرف، وهو منصوب الموضع، فيكون وصفا له على معناه دون لفظه، كما جاز أن يعطف عليه فى معناه دون لفظه فى قوله (٥):
ألا حىّ ندمانى عمير بن عامر … إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا (٦)
حتى كأنه قال: اليوم، أو غدا، وكذلك قول الآخر:
стр. 878
كشحا طوى من بلد مختارا … من يأسه اليائس أو حذارا (١)
ونظائره كثيرة؛ فلذلك يكون قوله: «فى يوم ذا مسغبة» على أن «مسغبة» صفة ليوم على معناه، دون لفظه.
***
стр. 879
سورة الشمس
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿بِطَغْواها﴾ (١١)
قرأ: «بطغواها» -الحسن (١).
قال أبو الفتح: هذا مصدر على فعلى، كأخواته من: الرّجعى، والحسنى، والبؤسى، والنّعمى. وعليه ما حكاه أبو الحسن من قراءة بعضهم: «وقولوا للناس حسنى» (٢) كقولك: عرفا.
***
стр. 880
سورة الليل
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣)
قرأ: «والنّهار إذا تجلّى والذّكر والأنثى» بغير «ما» (١) -النبى ﷺ وعلى بن أبى طالب وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس، رضى الله عنهم.
قال أبو الفتح: فى هذه القراءة شاهد لما أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أبى العباس أحمد بن يحيى من قراءة بعضهم: «وما خلق الذّكر والأنثى» (٢)؛ وذلك أنه جره لكونه بدلا من «ما»، فقراءة النبى ﷺ شاهد بذلك.
***