← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 706

الإشارة في أصول الفقه - ط التونسية

أبو الوليد الباجي

Полный текст (130 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أن يكون الانقراض واتفاق العصر جميعاً حجة؛ فبإضافته إلى الآخر لا يصير حجة، فلم يبق إِلَّا أن يكون الاتفاق حجة، وذلك موجود مع بقاء العصر. (فصل) وقول أهل كل عصر حجة، هذا قول جماعة الفقهاء، غير داود بن علي الأصبهاني، فإنه قال: إجماع عصر الصحابة حجة دون إجماع عصر المؤمنين في سائر الأعصار. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية. وإذا ثبت أن غير الصحابة يشارك الصحابة في هذا الاسم وجب أن يثبت لهم هذا الحكم، إِلَّا أن يدل دليل على اختصاص الصحابة به. (فصل) وأما إجماع أهل المدينة،

стр. 72

على ساكنها السلام، فقد أطلق أصحابنا هذا اللفظ، وإنما عول

стр. 73

مالك رحمه الله تعالى ومحققو أصحابه على الاجماع بذلك فيما طريقه النقل، [كمسألة الأذان] [*] والصاع وترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله، ونقل نقلاً متواتراً. وإنما خصت المدينة بهذه الحجة دون غيرها لوجود ذلك فيها دون غيرها من البلاد؛ لأنها كنت موضع ومستقر الخلافة والصحابة

стр. 74

بعده ﷺ ، ولو تهيأ مثل ذلك في سائر البلاد لكان حكمها كذلك أيضاً. (فصل) إذا قال الصحابي أو الإمام قولاً أو حكم بحكم وظهر ذلك وانتشر انتشاراً لا يخفى مثله ولم يعلم له مخالف ولم سمع له منكر، فإنه إجماع وحجة قاطعة، وبه قال جمهور أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي. وقال القاضي أبو بكر: لا يكون إجماعاً حتى ينقل قول كل واحد

стр. 75

من الصحابة كذلك، وبه قال داوود. والدليل على ما نقوله أن العادة جارية بأنه لا يجوز أن يسمع العدد الكثير والجم الغفير الذي لا يصح عليهم التواطؤ والتشاجر قولاً يعتقدون خطأه وبطلانه ثم يمسك جميعهم عن إنكاره وإظهار خلافه، بل أكثرهم يسرع إلى ذلك ويسابق إليه، فإذا ظهر قول وانتشر وبلغ أقاصي الأرض ولم يعلم له مخالف، علم أن ذلك السكوت رضىً منهم به وإقرار عليه، لما جرت به العادة. ولو لم يصح إجماع ولا ثبت به حجة إِلَّا بعد أن

стр. 76

يروى الاتفاق على حكم الحادثة عن كل أحد من أهل العلم في عصر الإجماع لبطل الإجماع، وبطل الاحتجاج به؛ لاستحالة وجود ذلك في مسألة من مسائل الأصول أو الفروع، لأنا لا نعلم اليوم اتفاق علماء عصرنا في جميع الآفاق على حكم حادثة من الحوادث، بل أكثر العلماء لا يعلم بوجودهم في العالم. (فصل) إذا اختلفت الصحابة في حكم على قولين لم يجز إحداث قول ثالث، والدليل على ما نقوله: إنهم إذا أجمعوا على القولين فقد أجمعوا على أن ما عدا القولين خطأ، وإنما اختلفوا في تعيين الحق في أحدهما، ولم يختلفوا أن ما عداهما خطأ، فمن قال بغيرهما فقد صوب ما أجمعت الصحابة على أنه خطأ. (فصل) يصح

стр. 77

أن ينعقد الإجماع على الحكم من جهة القياس وبقول كافة الفقهاء. وذهب ابن ر الحذاء إلى أن ذلك لا يصح وجوده، ولو وجد لكان دليلاً. وقال داوود: لا يصح ذلك، وهذا مبني عنده على أن القياس ليس بدليل، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله. باب الكلام في معقول الأصل قد ذكرنا أن أدلة الشرع على ثلاثة أضرب: أصل ومعقول أصل واستصحاب حال. وقدمنا الكلام في الأصل، والكلام هاهنا في معقول الأصل، وهو ينقسم أربعة أقسام: لحن

стр. 78

الخطاب، وفحوى الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب. فأما لحن الخطاب فهو الضمير الذي لا يتم الكلام إِلَّا به، مأخوذ من اللحن، وهو ما يبدو في عرض الكلام من معناه، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾،

стр. 79

معناه: فأفطر فعدة من أيام أخر. فهذا حجة يجب المصير إليها والعمل بها. وقد يلحق بذلك ما ليس منه، وهو ادعاء ضمير يتم الكلام دونه، نحو استدلالنا على أن العظم فيه الحياة بقوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، فيقول الحنفي: المراد

стр. 80

بذلك من يحيي أصحاب العظام، فمثل هذا لا يجوز فيه تقدير مضمر إِلَّا بدليل استقلال الكلام دونه. (فصل) وأما الضرب الثاني فهو فحوى الخطاب، فهو ما يفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلم لعرف اللغة، نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فهذا يفهم من جهة اللغة المنع من الضرب والشتم، ويجري مجرى النص على ذلك في وجوب العمل به والمصير إليه. (فصل) وأما الضرب الثالث وهو الحصر، فله لفظ واحد، وهو قوله ﷺ : (إنما الولاء لمن أعتق)، فظاهر هذا

стр. 81

اللفظ يدل على أن غير المعتق لا ولاء له، وقد يرد مثل هذا اللفظ لتحقيق المنصوص عليه، لا لنفي ما سواه، نحو قولك: إنما الكريم يوسف، وإنما الشجاع عمرو، ولم يرد نفي الكرم عن غير يوسف، ولا نفي الشجاعة عن غير عمرو، وإنما أردت إثبات ذلك ليوسف ﵇، وأن يجعل له مزية في الكرم، على غيره إِلَّا أن الظاهر ما بدأنا به أولاً، فلا يعدل عنه إِلَّا بدليل. (فصل) ومما يلحق بذلك ويقرب منه عند كثير من الناس دليل الخطاب، وهو أن يعلق الحكم على معنى في بعض الجنس، فيقتضي ذلك عند القائلين به نفي ذلك الحكم عمَّن لم يكن به ذلك المعنى من ذلك الجنس،

стр. 82

نحو قوله ﷺ : (في سائمة الغنم الزكاة)، فيقتضي ذلك نفي الزكاة في غير السائمة. فهذا النوع من الاستدلال يسمى عند أهل النظر دليل الخطاب. وقد ذهب إلى القول به جماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي،

стр. 83

ومنع منه جماعة من أصحابنا وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة، وهو الصحيح؛ لأن تعليق الحكم بصفة في بعض الجنس يفيد تعليق ذلك الحكم بما وجدت فيه تلك الصفة خاصة، ويبقى الباقي في حكم المسكوت عنه، يطلب دليل حكمه في الشرع. باب أحكام القياس وأما الضرب الرابع من معقول الأصل، فهو معنى الخطاب، وهو القياس وحده حمل أحد المعلومين على الآخر في إثبات الحكم أو إسقاطه بأمر جامع بينهما. وهو دليل شرعي عند جميع العلماء. وقال داوود: يجوز التعبد به من جهة العقل، إِلَّا أن الشرع منع منه. والدليل على ما ذهب

стр. 84

إليه جماعة أهل العلم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، والاعتبار في اللغة: هو تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه، وكذلك يقال: عبرت الدنانير والدراهم، إذا قايستها بمقاديرها من الأوزان، ويقال لمفسر الرؤيا معبر، وعبرت الرؤيا حكمت لها بحكم ما يماثلها وقستها بما يشاكلها، وعبرت عن كلام فلان إذا جئت بما يطابق معانيه وتقابلها وتقاس بها. دليل ثان: ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ونحن نجد أحكاماً ليس لها ذكر في القرآن ولا في سنة النبي ﷺ ، مثل رجل له دينار وقع في محبرة لغيره،

стр. 85

فلم يستطع إخراجه، ومثل: ثوب أبيض وقع في قدر لصباغ، فكمل صبغه وحسن وغير ذلك، فلا يجوز أن يراد بالآية أنه نص على حكم كل حادثة في القرآن، وإنما أراد به أنه نص فيه على بعض الأحكام وأحال على سائر الأدلة فيه، فكان ذلك بمنزلة أن ينص في القرآن على جميعها. فمن الأدلة التي أحال على الأحكام لها القياس؛ لأنا نجد أحكاماً كثيرة لا طريق لإثباتها إِلَّا بالقياس والرأي، فالأحكام التي ذكرنا وما شاكلها. ومما يدل على ذلك من جهة السنة قوله ﵇ لعمر حين سأله عن غلبة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت هل كان

стр. 86

عليَّ جناح؟) قال: لا، قال (ففيم إذاً!). وقوله للخثعمية: (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟)، قالت: نعم، قال: (فدين

стр. 87

الله أحق أن يقضى). وقوله للذي أنكر لون ابنه: (هل لك من إبل؟) قال: نعم، قال: (فما ألوانها؟) قال: حمر، قال: (هل بها من أورق؟) قال: نعم، قال: (فأنى ترى ذلك؟)، قال: عرق نزع، قال: (فلعل هذا عرق نزعه)، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة. ومما يدل على ذلك علمنا بأن الصحابة اختلفت في مسائل كثيرة

стр. 88

جرت بينهم فيها مناظرات كثيرة ومنازعات مشهورة ومراجعات كثيرة، كاختلافهم في توريث الجد مع الأخوة، واختلافهم في الحرام والقول والظهار، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: إما أن يكون في هذه الأحكام المختلف فيها نص لا يقبل التأويل، أو ظاهر يحتمل التأويل، أو لا يجوز ذكر لحكمها جملة. ويستحيل أن يكون فيها نص لا يحتمل التأويل، لأنه لو كان لسرع إليه الموافق له فانقطع الخلاف وثبت الاجماع على الحق ويستحيل أن يكون فيها نص فيذهب عن جميعهم لأن ذلك إجماع منهم على الخطأ، ولا يجوز

стр. 89

هذا ولو جاز ذلك لجاز أيضاً أن تذهب عليهم شرائع وصلوات وصيام وعبادات، قد نص عليها صاحب الشرع، وهذا باطل باتفاق المسلمين. ويستحيل أن يكون في ذلك دليل يحتمل التأويلين، لأنه لو كان ذلك لوجب بمستقره العادة أن ينزع كل مخالف إلى الظاهر الذي نطق به، وتبين احتجاجه منه، ولا يحتج بالرأي والقياس؛ لأن المستدل والمحتج إنما يحتج بما ثبت عنده به الحكم، ولا يعدل عند المناظرةِ وقصد إثبات الحق إلى ما ليس بدليل ولا حجة عنده ولا عند

стр. 90

خصمه. ولما رأينا كل واحد منهم احتج في ذلك بالرأي والقياس دون منكر ولا مخالف، علمنا إجماعهم على القول بصحة القياس والرأي. كإجماعهم على إمامة أبي بكر بالقياس والرأي، وإجماعهم على إمامة عثمان، وغير ذلك مما أجمعوا عليه. ومن ذلك خبر عمر بن الخطاب ﵁ إذ ذهب إلى الشام

стр. 91

بأصحاب النبي ﷺ ، فلما بلغ سرنج بلغه أن الوباء وقع بها، فاستشار المهاجرين الأولين، فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى ألا يفر من قدر الله، ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين قبلهم، ثم دعا من حضر من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فلم يختلفوا عليه، وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر آية من كتاب الله ولا حديثاً عن رسول الله ﷺ ، بل أشار كل واحد منهم برأيه، وبما أداه إليه اجتهاده إليه، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مصبح

стр. 92

على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال له أبو عبيدة بن الجراح: فرارًا من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها ... ، نعم نفر من قدر

стр. 93

الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لرجل إبل في واد له عدوتان: إحداهم خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعى الجدبة رعاها بقدر الله وإن رعى الخصبة رعاها بقدر الله، فاعترض عليه أبو عبيدة بالرأي، وجاوبه عمر بالرأي، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب ولا سنة ولا إجماع، ثم شاعت هذه القصة وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر على أحدهم القول بالرأي. وما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع

стр. 94

أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة. (فصل) إذا ثبت أن القياس دليل شرعي،

стр. 95

فإنه يصح أن يثبت به الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يثبت شيء من ذلك بالقياس، وما قاله ليس بصحيح؛ لأن الآية عامة في الأمر بالاعتبار، فلا يجوز أن يخص إِلَّا بدليل. (فصل) العلة الواقعة عندنا صحيحة ، نحو علة منع التفاضل في الدنانير والدراهم؛ لأنها أصول الأثمان

стр. 96

وقيم المتلفات. وقال أصحاب أبي حنيفة: ليست بصحيحة. والدليل على ما نقوله أن القياس امارة شرعية، فجاز أن

стр. 97

تكون خاصة وعامة كالخبر. (فصل) ذكر ابن خويز منداد أن معنى الاستحسان الذي ذهب إليه بعض أصحاب مالك رحمه الله تعالى هو القول بأقوى الدليلين، مثل تخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر، للسنة الواردة بذلك؛ وذلك لأنه لو لم يرد بذلك شرع في إباحة بيع العرايا بخرصها تمراً لما جاز؛ لأنه من بيع بالرطب باليابس. وهذا هو الدليل وإنما سماه استحساناً

стр. 98

على معنى المواضعة، ولا يمتنع ذلك في عرف أهل كل صناعة. (فصل) ذهب مالك رحمه الله تعالى إلى المنع من الذرائع وهي المسألة التي ظاهرها الإباحة، ويتوصل بها إلى فعل المحظور، وذلك نحو أن يبيع السلعة بمائة إلى أجل، ثم يشتريها بخمسين نقداً،

стр. 99

ليتوصل بذلك إلى بيع خمسين مثقالاً نقداً بمائة إلى أجل. وأباح الذرائع أبو حنيفة والشافعي. والدليل على ما نقوله قوله : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية، فوجه الدليل من هذه الآية أنه تعالى حرم الاصطياد يوم السبت وأباحه

стр. 100

سائر الأيام، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم وتغيب عنهم في سائر الأيام، فكانوا يحضرون عليها إذ جاءت يوم السبت ويسدون عليها المسالك، ويقولون: إنما منعنا

стр. 101

من الاصطياد يوم السبت فقط، وإنما نفعل الاصطياد في سائر الأيام، وهذه صورة الذرائع. ويدل على ذلك أيضًا: ما روي عن النبي صلى الله وعليه وسلم أنه قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، ثم قال: (احتجبي منه يا سودة)، لما رأى من شبهه بعتبة. وبان ذلك إجماع الصحابة، وذلك أن عمر ﵁ قال: يا أيها الناس إن النبي صلى

стр. 102

الله عليه وسلم قبض ولم يفسر لنا الريا والزينة. وقالت عائشة لما اشترى زيد ابن أرقم جارية ابن ام ولده بثمانمائة إلى العطاء وباعها منه بستمائة نقدا: أبلغني زيد ابن أرقم أنه أبطل جهاده مع النبي ﷺ إن لم يتب. وقال ابن عباس لما سئل عن بيع الطعام قبل أن يستوفى دراهم بدراهم والطعام مؤجل. (فصل) يصح الاستدلال بالعكس، وقال أبو حامد الإسفرائيني: لا يجوز.

стр. 103

والدليل على قولنا: أن المعلل إذا قال: لا تحل الشعر الروح؛ لأنه لو حله لما جاز أخذه من الحيوان حال الحياة، ولما جاز أخذه منه حال الحياة علمنا أن الروح لا تحله كالريش. فهذا استدلال صحيح؛ لأنه لو حلت الحياة الشعر وجاز أخذه من الحيوان حال الحياة لانتقضت العلة. (فصل) لا يجوز الاستدلال بالقرائن عند أكثر أصحابنا، وقال محمد بن نصر: يجوز ذلك، وبه قال [المزني] [*] والدليل

стр. 104

على ما نقوله: أن كل واحد من اللفظين المقترنين له حكم نفسه، ويصح أن يفرد بحكمٍ دون ما قارنه، فلا يجوز أن يجمع بينهما إِلَّا بدليل، كما لو وردا مفترقين. باب حكم استصحاب الحال قد ذكرنا

стр. 105

أن أدلة الشرع ثلاثة أضرب: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال، وقد مر الكلام في الأصل ومعقول الأصل، والكلام هنا في استصحاب الحال. وهو على ضربين: أحدهما: استصحاب الفعل، وذلك إذا ادعى في المسألة أحد الخصمين حكماً شرعياً، وادعى الآخر البقاء على حكم العقل، وذلك مثل أن يسأل المالكي عن وجوب الوتر، فيقول: الأصل براءة الذمة، وطريق اشتغالها الشرع، فمن ادعى شرعاً يوجب ذلك فعليه الدليل، وهذه طريقة صحيحة من الاستدلال. والثاني: استصحاب حال الإجماع، وذلك مثل: استدلال

стр. 106

داوود على أن أم الولد يجوز بيعها؛ لأنا قد أجمعنا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن أدعى المنع من ذلك فعليه الدليل. وهذا غير صحيح من الاستدلال؛ لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجةً فلا يصح الاحتجاج به في الموضع الذي لا يوجد فيه، كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعاً خاصاً لم يجز الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله. (فصل) إذا ثبت ذلك فليس في

стр. 107

العقل حظر ولا إباحة، وإنما تثبت الإباحة أو التحريم

стр. 108

بالشرع، والباري تعالى يحلل ما يشاء ويحرم ما يشاء، هذا قول جمهور أصحابنا. وقال أبو بكر الأبهري: الأشياء في الأصل

стр. 109

على الحظر. وقال أبو الفرج المالكي: الأشياء في العقل على الإباحة. والدليل على ما نقوله: أنه لو كان العقل يوجب إباحة شيء من هذه الأعيان أو حظره لاستحال أن ينقله الشرع عما يقتضيه العقل، كما يستحيل أن يرد بنفي أن الاثنين أكثر من الواحد. (فصل) من ادعى نفي حكم وجب عليه الدليل كما يجب ذلك على من أثبته. وقال داوود: لا دليل على النافي. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. (فصل) صفة المجتهد أن يكون عارفاً بموضع الأدلة،

стр. 110

ومواضعها من جهة العقل، ويكون عالماً بطريق الإيجاب وبطريق الواقعة في اللغة والشرع. ويكون عالماً بأصول الديانات، وأصول الفقه، عالماً بأحكام الخطاب من العموم والأوامر والنواهي والمفصل والمجمل والنص والنسخ وحقيقة الإجماع، عالماً بأحكام الكتاب والسنة والآثار والأخبار وطرقها والتمييز
следующие страницы →