← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ورُوى عن ابن مسعود قوله: (ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ فهو كبيرة) (١). ورُوى عن الحسن وسعيد بن جبير قولهما (كل موجبة في القرآن كبيرة) (٢). وقال الضحاك: هي ما أوعد الله عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة (٣). وقيل: كل ذنب صرح بالوعيد فيه في الكتاب والسنة (٤). وقال أبو المعالي وغيره: " كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة ... الديانة (٥) واختاره بعض المتأخرين (٦). واتضح أن ما سبق من تفسيرات للكبيرة، من اختلاف التنوع لا التضاد. فيصح أن تفسر الكبيرة بما رُوى عن ابن عباس وابن مسعود والحسن، وبما قاله الضحاك، ويصح أن يقال: كل ما تُوعد عليه في الكتاب والسنة فهو كبيرة. قال الزجاج: " والكبائر حقيقتها أنها كل ما وعد الله عليه النار، نحو القتل والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم " (٧). وبمثل قول إمام الحرمين الجويني، قال، أبو محمد العزِّ بن عبد السلام (٨): "والأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك، ولم أقف لأحد من العلماء على ضابط ذلك" (٩) قال ابن حجر: " قلتُ: وهو ضابط جيد" (١٠).

стр. 107

وبمعنى قول ابن عبد السلام قال الغزالي في البسيط (١). وأما ما ذكره الحسين بأن الكبيرة ما سمَّاه الله في كتابه كبيراً أو عظيماً ومثَّل له ببعض الآيات وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وهذا من أصح الطرق التي يفسر بها القرآن .. لكن هل يصح أن يكون هذا ضابطاً لها أو محققاً لمعناها؟ الجواب: حتماً، لا. وذلك لأمور عدة منها: • أن الرسول ﷺ ذكر أموراً كثيرة تعد من الكبائر ولم يُطلق عليها في القرآن كبيراً وعظيماً. • ... أن السنة النبوية استقلت ببيان الحكم على معاصي بعينها أنها من الكبائر ولم تذكر في القرآن. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى. ما القول الأمثل في تلك الجرائم التي قبحها القرآن وبيَّن شناعتها وعظيم عقوبة أهلها، كاللواط، مع العلم بأنه لم يطلق عليها مسمى كبيراً أوعظيماً، وكذلك ماذا يطلق على رجل قتل معصوماً ثم تبين أنه مستحقٌّ لدمه؟ فهذه الأخيرة كبيرة على قول الجويني وغيره لأنه لم يكترث بأحكام الشريعة .. وأيضاً ماذا يكون الحال فيما يكثر عرضه اليوم من وسائل الإعلام بأساليبها المتنوعة التي لا يقرُّها عقل صحيح، أو فطرة سليمة، فضلاً عن الشريعة الحنيفية السمحة!!، وغير هذا كثير. ولذا وذاك يصح أن يكون كلام الحسين على سبيل ضرب المثل ليس إلا، ولا يمكن بحال أن يقال عنه إنه ضابط للكبيرة أو محقق لمعناها. ولقد قرأت كلاماً لابن الصلاح هو أدقُّ بكثير مما ذكره الحسين ﵀ يحسن إيراده قال في (فتاواه): " وقد قلت في ذلك قولاً رجوت الله أنه صواب وهو أن الكبيرة كل ذنب كَبُر وعَظُم عظماً يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ووصف بكونه عظيماً على الإطلاق، فهذا فاصل لها عن الصغيرة التي وإن كانت كبيرة بالإضافة إلى مادونها فليست كبيرة يطلق عليها الوصف بالكبر والعظم إطلاقاً، ثم إن لكبر الكبيرة وعظمها أمارات معرفة بها، منها إيجاب الحد ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق نصَّاً، ومنها اللعن كما في قوله ﷺ (لعن الله من غير منار الأرض) (٢) في أشباه لذلك لا نحصيها وعند هذا يعلم أن عدة الكبائر غير محصورة والله أعلم". (٣).

стр. 108

والفرق بين القولين واضح. و لذا قيَّد الحسين الأمثلة التي ذكر بأنها لا تخرج عن مسمى كبيراً وعظيماً. وقال كقوله تعالى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] والمعنى: هو أن أكلَكم أموال أيتامكم مع أموالكم حوب كبير، والهاء في قوله إنه داله على اسم الفعل، أي الأكل. وأما الحوب: فإنه الإثم، يقال منه حاب الرجل يحوب حَوْباً وحيابةً، ويقال منه: قد تحوب الرجل من كذا، إذا تأثم منه (٣) وقد قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. وروي عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يارسول الله! وما هنَّ؟ قال " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) (١). • وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]. رُوي عن عبد الله بن مسعود قوله: (قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعوا لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أيٌّ؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أيّ؟ قال: ثم أن تزاني ... بحليلة جارك) فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٢) [الفرقان: ٦٨]

стр. 109

روى ابن جرير في تفسيره عن مجاهد في قوله (خطئاً كبيراً) قال: أي خطيئة (١) قال الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى-: وهذا من رحمته بعباده، حيث كان أرحم بهم من والديهم، فنهى الوالدين أن يقتلوا أولادهم خوفاً من الفقر والإملاق، وتكفل برزق الجميع، وأخبر أن قتلهم كان خطئاً كبيراً، أي من أعظم كبائر الذنوب، لزوال الرحمة من القلب والعقوق العظيم والتجرؤ على قتل الأطفال الذين لم يجر منهم ذنب ولا معصية. (٢). • وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ولا يخفى هنا أن الآيات والأحاديث الواردة في الشرك أكثر من أن تحصر وقد ذُكر آنفاً شَيء منها. • وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]. قال ابن كثير: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي أن هذا البهت واللطخ الذي لطختِ عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٣). وقال القرطبي: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وإنما قال عظيم لعظم فتنتهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن (٤). • وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] (أي: (ولولا) أيها الخائضون في الإفك الذي جاءت به عصبة منكم (إذ سمعتموه) ممن جاء به (قلتم) ما يحل لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوه به ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ تنزيهاً لك يار ب وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء

стр. 110

(هذا بهتان عظيم) أي هذا القول بهتان عظيم). (١) ومعلومٌ أن حقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس منه. قال ابن تيمية: " وهذا نهي لهم عن التكلم بالقذف". (٢) والظاهر ـ والله أعلم ـ أن الحسين أورد الآية هنا ليبين أن القذف من الكبائر. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]. • وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] قال الزجاج: " والمعنى: وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده وذلك أنه ذكر أن رجلاً قال: إذا توفي محمدٌ تزوجت امرأته فلانة، (٣) فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أي كان ذنبا عظيماً (٤). وأما عن ترتيب الكبائر فثابت في الكتاب والسنة (٥) وأما عن ضابط الكبائر. فأقول - والله أعلم ـ إنه لا قول الحسين ولا ما ذكرت من أقوال في الكبيرة يضبطها ضبطاً تاماً بحيث لا تخرج كبيرة عن قول كل قائل فيها، إذ كيف يطمع فيما لا مطمع في ضبطه. قال الواحدي وغيره: " والصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميز إشارة، ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله- تعالى - يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نُهي عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر. ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة ". (٦)

стр. 111

قال الشنقيطي في الأضواء: (والظاهر عندي في ضابط الكبيرة أنها كل ذنب اقترن بما يدل على أنه أعظم من مطلق المعصية، سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب أو كان وجوب الحد فيه أو غير ذلك مما يدل على تغليظ لتحريم وتوكيده) (١). ولعل الأمر هيِّناً في مثل تلك الأقوال التي قيلت، فقد ذُكرت على سبيل الوصف لا الضبط التام – والله أعلم –. ثم إنه ذهب بعض العلماء إلى ضبطها بالعد لا بالحد ومنهم ابن جرير الطبري بذكره أنها سبع (٢) وقيل غير ذلك (٣). وأوصلها الحافظ الذهبي في كتابه المشهور الكبائر إلى سبعين كبيرة. ورُوى عن ابن عباس ﵁ أن رجلاً قال له: كم الكبائر، أسبع هي، قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع .. (٤) و لو قيل أن ما ذكره الحسين هو على سبيل الضبط للكبيرة، تكون الكبائر معلومة معدودة، والصحيح أن الكبائر لا حصر لعددها – والله أعلم – (٥). وختاماً: فإن الله تعالى - الغفور الرحيم – قد تكفل بهذا النص ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] لمن اجتنب الكبائر أن يدخله الجنة (٦). وقد قال ابن مسعود ﵁ خمس آيات في سورة النساء لهن أحب إليَّ من الدنيا جميعا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]

стр. 112

وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ... [النساء: ١١٠] وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) [النساء: ١٥٢]. ورى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدقُّ في أعينكم من الشعر، وإن كنا نعدُّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات قال أبو عبد الله: يعني بذلك المهلكات (٢) (٣).

стр. 113

سورة المائدة قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥] . [٢٦] في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ قال ابن عباس: " ومن يكفر بالله ". قال الحسين بن الفضل: (إن صحَّت هذه الرواية كان معناه (بربِّ الإيمان)) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٦٣٨ (٢) الدراسة وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ أقوال: قال ابن عباس ومجاهد: أي ومن يكفر بالله. (٣) قال ابن عباس: أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى وأنه لا يقبل عملاً إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه (٤). وقال عطاء: الإيمان: التوحيد (٥).

стр. 114

وقال الزجاج: أي من بدل شيئاً مما أحلَّ الله فجعله حراماً، أو أحل شيئاً مما حرم الله فهو كافرٌ بإجماع (١). وقيل: بشرائع الإسلام (٢). والذي يعى به في الدراسة هنا هو تخريج قول ابن عباس ومجاهد أي ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾. قال ابن جرير: فإن قال لنا قائل: وما وجه تأويل من وجَّه قوله ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ إلى معنى: ومن يكفر بالله؟ قيل وجه تأويله ذلك كذلك أن الإيمان هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه والكفر: جحود ذلك. قالوا: فمعنى الكفر بالإيمان: هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها، وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة. فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟، قيل: تأويلها: ومن يأبى الإيمان بالله ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه، فقد حبط عمله وذلك أن الكفر هو الجحود في كلام العرب، والإيمان: التصديق والإقرار ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به فهو من الكافرين، فذلك تأويل الكلام على وجهه (٣). قال السمعاني (٤): " أراد به من يكفر بالله الذي يؤمن به " (٥). وقال البغوي: " بالله الذي يجب الإيمان له " (٦) وقال عبد الرحمن السعدي": أي ومن كفر بالله تعالى، وما يجب الإيمان به من كتبه ورسله أو شي من الشرائع " (٧) وعلى هذا يكون تخريج الحسين ﵀ لقول ابن عباس بعيد إلا على تأويل أن الإيمان عمل والعمل صفة للإنسان والإنسان وصفاته مربوبٌ لله تعالى

стр. 115

قال أبو حيان (أنه تعالى رب الإيمان وخالقه). (١) قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْت أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] . دعا عبد الله بن طاهر والي خراسان الحسين بن الفضل، قال: أشكلت عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي، قال: وما هنَّ أيها الأمير؟ قال: قوله تعالى في وصف ابني آدم ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ وصحَّ الخبر بأن: (الندم توبة) .. (٢) [٢٧] فقال الحسين بن الفضل: يجوز أن لا يكون ندمُ قابيل توبةً له، ويكون ندم هذه الأمة توبة لها؛ لأنَّ الله تعالى خصَّ هذه الأمة بخصائص لم يشركهم فيها غيرهم من الأمم، وفيه قول آخر وهو أنَّ ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، وإنما كان ندَمُه على حمله .. ) الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ٣٧٧. (٤)

стр. 116

الدراسة قوله ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ الندم والندامة هو التحسر من تغيرُّ رأي في أمر فائت (١) وذكر في ندم قابيل أقوال منها: قيل: لم يكن ندمه ندم توبة، بل ندم لفقده لا على قتله. (٢) وقيل: حيث رأى إكرام الله لهابيل بأن قيض له الغراب حتى واراه ولم يكن ذلك منه ندم توبة (٣) وقال الزمخشري: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على قتله لما تعب فيه من حمله وتحير في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذته للغراب، واسوداد لونه، وسخط أبيه ولم يندم ندم التائبين (٤). والحق أن القرآن لم يذكر التفاصيل الدقيقة لهذه القصة، ولذا كثرت النقول عن أهل الكتاب فيها، ويكفي أن نتدبر هذه القصة في سورة المائدة وفيها غنى عما ورد مما هو مشكوك في صحته. وأما ما ذكره الحسين من كون الندم توبة، خاص بهذه الأمة فهو تفسير معقول قال الطبري: " ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على ما فرط منه من معصيته الله عز ذكره في قتله أخاه (٥) ". ومثله الاحتمال الثاني الذي ذكره الحسين فهو أيضا مناسب، شريطة أن تصح تلك الروايات التي سيقت في هذا المعنى ومنها: ما رواه الطبري عن مجاهد قال (كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ وعن الضحاك، عن ابن عباس، قال (مكث يحمل أخاه في جراب على رقبته سنةً، حتى بعث الله جل وعزَّ الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، فدفن أخاه) (٦). قال الرازي: أنه لما لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمين على حمله على ظهره سنة " (٧). وقال أبو حيان: " والظاهر أن ندمه كان على قتل أخيه، لما لحقه من عصيان وإسخاط أبويه وتبشيره أنه من أصحاب النار، وهذا يدل على أنه كان عاصياً لا كافراً، قيل ولم ينفعه ندمه، لأن كون الندم توبة خاص بهذه الأمة " (٨)

стр. 117

ويمكن أن يقال إن الندم على مراتب وندم قابيل ندماً عامَّاً، لا خاصاً الذي هو ندم التوبة ــ والله أعلم ــ.

стр. 118

سورة الأنعام قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤] . وقرأ أشهب العقيلي (١)، (وهو يطعِم ولا يطعِم) كلاهما بضم الياء وكسر العين (٢). [٢٨] قال الحسين بن الفضل: (معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾) [الرعد: ٢٦] الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ١٣٨ (٣). الدراسة في قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ قراءات (٤) منها: ١ - قراءة العامة ببناء الأول للفاعل والثاني للمفعول ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ ومعناه يَرْزُق ولا يُرزَق (٥) كمنا بينه قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧]. وخصَّ الإطعام بالذكر من بين أنواع الانتفاعات لمسِّ الحاجة إليه (٦).

стр. 119

٢ - قرأ مجاهد وسعيد بن جبير والأعمش (١) (ولايَطْعَم) بفتح الياء (٢). والمعنى أنه سبحانه منزه عن مشابهة المخلوقين، فهو يَرْزُق ولا يأكل (٣) والضمير في القراءتين عائد على الله . وذكر الزجاج أن هذه القراءة الأخيرة هي الاختيار عند البصراء بالعربية (٤). وقال النحاس والقرطبي: " وهي قراءة حسنة " (٥) وقال ابن جرير: " ولا معنى لذلك لقلة القراءة به " (٦) ٣ - قرأ العقيلي وغيره (وهو يُطْعِم ولا يُطْعم) كلاهما على البناء للفاعل قال الأزهري: معناه وهو يطعم ولا يستطعم (٧) وحكى أطعمت بمعنى استطعمت (٨). وقيل معناه: وهو يطعم يعني الله ولا يطعم يعني هو الولي (٩). ويجوز أن يكون معناه أنه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ فهو الحكيم العليم يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويضيق على من يشاء.

стр. 120

وقال الزمخشري: " ويجوز أن يكون المعنى وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب المصالح كقولك، وهو يعطي ويمنع ويبسط ويغني ويفقر" (١)، وكذلك قال الرازي (٢). وقال البيضاوي: " وببنائها للفاعل على أن الثاني من أطعم بمعنى استطعم أو على معنى أنه يطعم تارةً ولا يطعم أخرى كقوله ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ " [البقرة: ٢٤٥] (٣) قال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧] [٢٩] قال الحسين بن الفضل: (يعني يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء) . الكشف والبيان للثعلبي (٤) / ١٩٠. (٥) الدراسة الوَلْيُ القرب والدُّنُوُّ، والوَلِيُّ: الاسم منه. (٦) والوَلِي له معان كثيرة، منها: (المحب) و (الصديق) و (النصير) (٧) وفي لسان العرب الولي هو الناصر وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها. (٨) وذكر ابن جرير والقرطبي وغيرهم في ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي ناصرهم. (٩) وذكر بعضهم في ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي متولي إيصال المنافع إليهم ودفع المضار عنهم. (١٠) قال الزمخشري في ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ " مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم " (١١) وقال الرازي: " وهذا إخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيعاد الخيرات ودفع الآفات والبليات (١٢) "

стр. 121

وقال السعدي في تفسير ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: " الذي يتولى تدبيرهم وتربيتهم، ولطف بهم في جميع أمورهم، وأعانهم على طاعته، ويسر لهم كل سبب موصل إلى محبته، وإنما تولاهم بسبب أعمالهم الصالحة .. (١) " والظاهر والله أعلم أن ما ذُكر كله داخل في معنى ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ وذكر الله أنه وليُّ المؤمنين في آيات عدة قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] وقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] وقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 122

سورة الأعراف قال تعالى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤] . [٣٠] قال الحسين بن الفضل: (عمين) في البصائر يقال: رجل عمٍ عن الحق وأعمى في البصر . وقيل العمي والأعمى واحد كالخضر والأخضر). الكشف والبيان ٤/ ٢٤٥ (١) الدراسة العمى يقال في افتقاد البصر والبصيرة، ويقال في الأول أعمى وفي الثاني أعمى وعَمٍ، وعلى الأول قوله تعالى ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ٢] وعلى الثاني ما ورد من ذم العمى في القرآن الكريم نحو قوله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] (٢) قوله هنا (عمين) أي عمى القلب (٣) قال ابن عطية: " ويريد عمى البصائر " (٤) ووزنها فعين، وهي صفة مشبهة تدل على الثبوت، والأصل فيها عميين فسُكنت الأولى وحذفت. (٥) و (عمين) جَمع عمٍ. (٦) قال الأزهري: " ويقال رجل عَمٍ: إذا كان أعمى القلب ". (٧) قال أهل اللغة: يقال رجلٌ عمٍ في البصيرة، ورجل أعمى أي في البصر. (٨) وأنشدوا: وأَعْلَمُ ما في اليَومِ والأمْسِ قَبلَهُ وَلَكِنِّي عَنْ عِلْمِ مَا في غَدٍ عَمِ (٩).

стр. 123

وقال البغوي: " يقال رجل عمٍ عن الحق وأعمى في البصر، وقيل: العمي والأعمى كالخضر والأخضر". (١) وقال أبو حيان: " وقد يكون العمي والأعمى، كالخضر والأخضر (٢) " وأرجو أن يكون ما ذكر هو عين قول الحسين. ذُكر عن ابن عباس في قوله (عمين) أقوال: ١ - أي كفاراً (٣). ٢ - عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد (٤). ٣ - وعميت قلوبهم عن معرفة الله وقدرته (٥). وقال مجاهد (٦) وقتادة (٧): (عمين) عن الحق. وقال عطاء: (عمين) عن الخير (٨) وقال الزجاج: " أي قد عموا عن الحق والإيمان " (٩).

стр. 124

قال تعالى ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] [٣١] قال الحسين بن الفضل: (معنى قوله (أحسنها) أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة فيصرف إلى الأشبه بالحق) . نهاية البيان ص: ٢٧٠ (١). الدراسة قوله ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ يقتضي أن يكون فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به وهو متناقض (٢) وأجيب عليه بجوابين: الجواب الأول: أن أحسن هنا ليست أفعل التفضيل بل المعنى بحسنها. (٣) قاله قطرب ﴿بِأَحْسَنِهَا﴾ أي (بحسنها) (٤) كقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٥) [العنكبوت: ٤٥]. قال النحاس: " وكلها حسنة ". (٦) والجواب الثاني: أن بعض ما فيها أحسن من بعض ثم قيل في ذلك أقوال منها: ١ - إن فيها أمراً ونهياً فأمرهم الله أن يعملوا بما أمرهم بعمله ويتركوا ما نهاهم عنه، فالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه (٧). قال الزمخشري: " على قولك: (الصيف أحر من الشتاء) " (٨) قال أبو حيان: " وذلك على أن في الشتاء حراً، ويمكن الاشتراك فيهما في الحسن بالنسبة إلى الملاذ، وشهوات النفس، فيكون المأمور به أحسن من حيث الامتثال وترتب الثواب عليه، ويكون المنهيُّ عنه حسناً باعتبار الملاذ والشهوة، فيكون بينهما قدر مشترك في الحسن وإن اختلف متعلَّقه " (٩) ٢ - وقال بعضهم الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وأحسن ذلك الواجبات والمندوبات (١٠). ٣ - وقيل ﴿بِأَحْسَنِهَا﴾ بأحسن الأمرين في كلِّ شيء، كالعفو فهو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار (١١).

стр. 125

قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] وقال سبحانه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ ... [الشورى: ٤١] (١) ٤ - وقيل: (أحسنها) هو أشبه ما تحتمله الكلمة من المعاني إذا كان لها احتمالات، فتحمل على أولاها بالحق وأقربها إليه. (٢) وهذا الأخير هو الذي ذهب إليه الحسين واختاره، واختياره هذا يدل على أن ... (أحسن) عنده هنا على بابها للتفضيل. قال تعالى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. [٣٢] سمعت الحسين بن محمد بن الحسن سمعت إبراهيم بن محارب بن إبراهيم سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتاً (٣). والحرام يأتيك جزفاً (٤) جزفاً؟. قال: نعم في قصة داود وتأويله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾. الكشف والبيان للثعلبي (٥) / ٢٩٦ (٦)

стр. 126

الدراسة تعني لفظة المثل في اللغة الشبه (١) يقال: هذا مِثْلُه ومَثَلُه كما يقال شِبْهُه وشَبَهُه بمعنىً. (٢) وفي كتاب جمهرة الأمثال: " أصل المثَل: التماثلُ بين الشيئين في الكلام، وهو من قولك: هذا مِثْل الشيء ومَثَلُه، كما تقول: شِبْهه وشَبَهُه، ثم جُِعل كلُّ حكمةٍ سائرة مثلاً، وقد يأتي القائل بما يحسن أن يتمثَّلَ به، إلا أنه لا يتفق أن يسير فلا يكون مثلاً ". (٣) وقال الراغب: " والمثل: عبارة عن قول شيء يشبه قولاً في شيء آخر، بينهما مشابهة، ليبين أحدهما الآخر ويصوّره ". (٤) وقد ذكر الزركشي أن من حكمته تعالى تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء على البيان. (٥) ويستفاد من الأمثال في القرآن أمور كثيرة: كالتذكير، والوعظ، والحث، والزجر والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس (٦). قال الزمخشري: " ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر - شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي، ولأمر مّا أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله ﷺ وكلام الأنبياء والحكماء ". (٧) والأمثال في القرآن على ضربين: ظاهرة مصرح بها وكامنة لا ذكر للمثل فيها. (٨) وقد ألف علماء التفسير والعربية عدداً من المؤلفات في أمثال القرآن، منها: (أمثال القرآن) لابن القيم الجوزية. و (الأمثال الكامنة في القرآن الكريم) للحسين بن الفضل. ومن هذه الأمثال الكامنة ما ذكره الحسين في هذه الآية. فقد ذكر الله في هذه الآية قصة أصحاب السبت وهي قصة مشهورة، ومبسوطة في مظانها من كتب التفاسير، وغيرها (٩).

стр. 127

قوله ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. اُختلف في هذه القرية، والمشهور أنها أيْلة (١)، وبه قال ابن عباس ومجاهد، وعكرمة (٢) وقتادة، والسدي، وعبد الله بن كثير القارئ (٣)، وسعيد بن جبير والضحاك. (٤) وقيل غير ذلك (٥). والصواب - والله أعلم - أن يقال هي قرية حاضرة البحر كما نصَّ على ذلك القرآن سواء كانت أيْله، أو غيرها ممَّا قيل، طالما يصدق عليها قوله ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ لا سيما أنه لم يرد خبر عن الرسول ﷺ يقطع العذر بأن ذلك من أيّ (٦). وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ قال ابن جرير: " إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم الذي نهوا فيه عن العمل شرَّعاً، يقول: شارعة ظاهرة على الماء من كل طريق وناحية كشوارع الطرق .. ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت لا تأتيهم الحيتان ". (٧) وذكر الحسين أن في هذا دلالة على أن الحلال لا يأتيك إلا قوتاً والحرام يأتيك جزفاً جزفاً، وهذا أيضاً يوافق أحد الأوجه التفسيرية في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُم مَاءٍ غَدَقًا (١٦)﴾ [الجن: ١٦]

стр. 128

أي: وأن لو استقاموا على الضلالة لأعطيناهم سعة من الرزق وذلك لنستدرجهم بها. (١) فالحلال قد لا يأتي بسرعة وقد يكون قليلاً أيضاً بينما الحرام يأتي بسرعة وقد يكون كثيراً؛ اختباراً وامتحاناً من الله لعباده، وهذا مشاهد فما أكثر الآن سبل الكسب الحرام وطرقه ولكنه ممحوق البركة. وأحيانا قد يسلك العبد الطرق المحرمة ويبذل في ذلك وسعه، ولكن لا يأخذ من الرزق إلا ما قُدِّر له، فيجمع بين الحرمان والعصيان قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ولا يعني هذا أن الكثرة ومحق البركة، متلازمان، بل قد يمنُّ الله على العباد بكثرة الرزق المبارك، هذا إذا ما آمنوا واتقوا، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ والأرضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]. وقيل إنَّ هذه القصة حصلت في زمن داود ﵇ والله أعلم ـ بصحة ذلك. (٢) قال القرطبي: " ورُوي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن ... داود ﵇ ". (٣)

стр. 129

قال تعالى ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] [٣٣] قال عكرمة: لم يخصَّ بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع بنى آدم بعد آدم . قال الحسين بن الفضل: (وهذا أعجب (١) إلى أهل النظر لما في القول الأول من إلصاق العظائم بنبي الله آدم ﵇. الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ٣١٦ (٣) الدراسة ذكر العلماء قولين معروفين مشهورين في المقصود في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الأول: أنها في آدم وحواء، وذُكر فيما جرى بين آدم ﵇ وحواء وإبليس محاورات اُعتمد فيها على حديث مرفوع (٤) وأثر موقوف على ابن عباس رضي

стр. 130

الله عنهما. (١) .. قال فيه ابن كثير: "وقد تلقَّى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة وكانَّه ـ والله أعلم ـ أصله مأخوذ من أهل الكتاب" (٢) (٣). وبناءً على ما رُوي من المرفوع والموقوف ذهب جماعة من المفسرين إلى هذا القول وقالوا: إن هذا الذي وقع من آدم وحواء شرك في التسمية وليس شركاً في العبادة. فيكون التشريك من جهة الطاعة ومعلوم أن كل عاصٍ مطيع للشيطان، الخ .. (٣) وهذا القول نسبه ابن عطية وابن الجوزي (٤) للجمهور (٥) واختاره الزجاج (٦) وابن جرير (٧) ومال إليه ابن عطية (٨)، وذكر البغوي أنه قول السلف مثل عبد الله بن عباس ﵄ – ومجاهد وسعيد بن المسيب، وجماعة من المفسرين. (٩)

стр. 131

وذهب إليه الإمام محمد بن عبد الوهاب (١) في كتابه التوحيد (٢). القول الثاني: أن المقصود هو ذرية آدم ﵇. وهذا ما ذهب إليه الحسن البصري (٣) ورجحه ابن العربي (٤) والبيضاوي (٥) والقرطبي (٦) وأبو حيان (٧) وابن كثير (٨) وغيرهم (٩). قال ابن القيم: " واللذان (جعلا له شركاء فيما آتاهما) المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل إن آدم وحواء، كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس فقال: إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، ففعلا، فإن الله اجتباه وهداه، فلم يكن ليشرك به بعد ذلك" (١٠) ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ أي جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم (١١) ويدل على هذا القول أمور منها:

стр. 132

١ - أن القرآن شهد له بقوله بعده ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ولم يقل يشركان (١) قال الشنقيطي: "وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه" (٢). ٢ - أن هذا القول يقتضي براءة آدم وحواء من قليل الشرك وكثيره ويسلّمهم من النقص الذي لا يليق بآحاد البشر فكيف بالانبياء. (٣). إذا جُعلت الآية في آدم وحواء فهي تفتقر إلى نقل صحيح - كما ذكر سابقا. قال ابن حزم: " وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇ من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة، موضوعة، مكذوبة، من تأليف من لا دين له ولا حياء لم يصح سندها قط وإنما نزلت في المشركين على ظاهرها ". (٤) " وذُكر غير ذلك" (٥). وهذا القول الثاني هو الذي أيَّده الحسين، وعلَّل له بأنه الأليق بالأنبياء. وهو الذي يوافق القاعدة التفسيرية التي ترجح أن القول الذي يعظم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسير الآية. (٦)

стр. 133

قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] [٣٤] وقال الحسين بن الفضل: (قد يعبد الله غير الملائكة وإنما (١) المعنى من عند ربك جاءهم التوفيق والعصمة) . الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ٣٢٣ (٣). الدراسة المراد في الآية هم الملائكة لا غير، حكى القرطبي الإجماع على ذلك. (٤) ولقد خاض بعض المفسرين في تأويل الآية ومنهم الحسين بن الفضل. قال الزجاج: "لأنهم قريبون من رحمته، وكل قريب من رحمة الله فهو عنده " (٥) وندين لله تعالى بأن هذا تأويل لمعنى الآية لأنَّه على هذا التفسير كلنا قريبون من الله فالكل قريب من رحمة الله سواءً أكان في السماء أم في الأرض ما دام محسناً قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وعلى هذا القول فلا خصوصية للملائكة في الآية. ومثله من قال إنه على جهة التشريف لهم وأنهم بالمكان المكرم، فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة. (٦) نعم هم مكرمون والآية فيها تشريف لهم ولكنهم عند الله في العلو (٧) فهم يسكنون السموات العلى. وكذلك قول الحسين فلا شك أن التوفيق والعصمة جاءتهم من عند الله لكن أن يجعل هذا هو تفسير الآية فلا يصلح، بل فيه من التأويل وليِّ عنق النص ما هو ظاهر لناشد الحق. ومن المعلوم أن صفة استوائه على عرشه بمعنى علوه وارتفاعه على العرش بذاته على الكيفية التي تليق بجلاله وعظمته جرى فيه خلاف كبير، بين أهل السنة وخصومهم من أهل التهوك (٨) والضلال، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وكذلك عامة كلام الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من الأئمة، على إثبات فوقية الله تعالى على كل شيء. وهو سبحانه عالٍ على كل شيء، وأنه فوق العرش، والعرش فوق السماء. قال تعالى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وهذا صريح في إثبات الفوقية، وقال تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] والصعود يدل على الارتفاع.

стр. 134

وقال تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٤] وقال تعالى ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وقال تعالى ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] والرفع لا يكون إلا إلى أعلى وقال تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]. فإذا كانت السماء بمعنى العلو، فهي على بابها، وإن كان المراد المبنية فتكون ... (في) بمعنى (من) وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سبعة مواضع، ومعنى استوى: علا وارتفع، والاستواء صفة من صفاته يفعله متى ما يشاء، والعلو صفة ذات ملازمة لله تعالى وأما الاستواء فهو صفة من صفات الأفعال يفعله إذا شاء وهو العلي الأعلى ليس محتاجاً للعرش بل العرش وجميع المخلوقات محتاجة لله تعالى. وإلى أمثال ذلك من نصوص القرآن الواضحة. ومن الأحاديث ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (الملائكة يتعاقبون: ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم ـ وهو أعلم ـ كيف تركتم عبادي؟ ... فقالوا: تركناهم يصلون، وأتيناهم يصلون) (١) وفي الحديث الصحيح قوله ﷺ للجارية: (أين الله؟) قالت: في السماء. قال: " من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله قال: (اعتقها فإنها مؤمنة) (٢) إلى غير هذا من الأحاديث الثابتة التي

стр. 135

لا تكاد تحصى إلا بكلفة، حتى قيل إن أدلة إثبات علو الله تصل إلى ألف دليل. وأذكر من كلام الأئمة قول الأوزاعي (١): (كنَّا والتابعون متوافرون نقول: إن الله - تعالى ذكره - فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته) (٢) وسُئل ربيعة بن أبى عبد الرحمن (٣) عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: " الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين وعلينا التصديق" (٤). قال ابن بطة (٥): " وجاءت الأخبار، وصحيح الآثار من جهة النقل عن أهل العدالة، وأئمة المسلمين عن المصطفى ﷺ من ذكر العرش مالا ينكره إلا الملحدة الضالة " (٦).

стр. 136

وقال ناصر السنة أبو سعيد الدارمي (١) في كتابه الرد على الجهمية، بعد ذكره لعدد من الآيات التي تثبت أنه سبحانه فوق عرشه فوق سماواته: "وعلمنا يقيناً بلا شك أن الله فوق عرشه فوق سماواته كما وصفه، بائن من خلقه " (٢) وذكر ابن القيم في نونيته أبياتاً مفيدة تحت فصل (الإشارة إلى الطريق النقلية الدالة على أنه تعالى فوق سمواته على عرشه) منها: ولَقَدْ أَتَاَناَ عَشْرُ أَنْواعٍ منَ ... المْنقُولِ في فَوْقِيَّةِ الَّرَّحمَنِ مَعَ مْثلِهَا أَيْضاً تَزِيدُِ بِوَاحِدٍ ... هَا نحَنُ نَسْرُدُهَا بِلا كتْمَانِ مِنهَا اْسِتوَاءُ الرَّبِّ فَوْقَ العَرْشِ في ... سَبْعٍ أَتَتْ في مُحْكَمِ القُرْآنِ وَله العلُوُّ منَ الوُجُوه جَمِيعِها ... ذَاتَاً وَقَهْراً مَعْ عُلُوِّ الشَّانِ (٣) وبعد هذا لا أريد أن أطيل في سرد أكثر مما ذُكر لأن المقصود هو الإشارة إلى عقيدة أهل السنة في إثبات العلو وإلا فالأدلة كثيرة والنقولات الصحيحة قد امتلأت بها كتب الأئمة ممن ينصحون للأمة والحمد لله (٤).

стр. 137

سورة التوبة قال تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥] [٣٥] قال الحسين بن الفضل (نُسِخَت بهذه الآية كل آية في القرآن فيها الإعراض والصبر على أذى الأعداء). الكشف والبيان للثعلبي (١) ص: ٤٩ (٢). الدراسة النسخ في اللغة: إزالة شيء بشيء يَتَعَقَّبُهُ، كنسخ الشمس الظِّلّ والظلِّ الشمسَ، فتارة يُفهم منه الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وتارة يفهم منه الأمران (٣). ومعناه عند المتقدمين - السلف - البيان (٤) فيشمل تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ورفع الحكم بجملته وهو ما يعرف عند المتأخرين - بالنسخ. قال ابن القيم: " قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارة - وهو اصطلاح المتأخرين - ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارةً، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيَّد وتفسيره وتبيينُه، حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخاً، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو: بيان المراد بغير ذلك اللفظ بل بأمر خارج عنه ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه مالا يحصى وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر " (٥) والنسخ اصطلاحاً: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه. (٦)

стр. 138

قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] اختلف في هذه الآية فقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ... [محمد: ٤] فلا يحلّ قتل الأسير وإنما يُمنُّ عليه أو يُفادى به، وهذا قول الضحاك وجماعة (١)، وقال بعضهم: إن هذه الآيات من أعاجيب آي القرآن لأنها نَسخت من القرآن مائة وأربعاً وعشرين آية ثم نُسخت (٢)، ورده ابن الجوزي (٣) وقيل إنها محكمة، ثم اختلف القائلون بإحكامها هل هي ناسخة لغيرها، أم غير ناسخة. فقال كثيرون: إنها نسخت جميع ما أمر به المؤمنون من الصفح والعفو والغفران للمشركين (٤) وأظن هذا من قبيل التوسع في النسخ. قال الزركشي في أقسام النسخ: " ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك. وهو ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نَسْء، كما قال تعالى: (أو ننسئها) (٥) [البقرة: ١٠٦] فالمُنْسَأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى. وبهذا التحقيق تبيّن ضعفُ ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليس كذلك بل هي من المنسَأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العله إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله ... أبداً ... " (٦).

стр. 139

وخصّ بعضهم فقال هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] وهذا مروي عن ابن عباس والسدي وقتادة وغيرهم (١) وبه قالت الحنفية (٢). والصحيح ـ والله أعلم ـ ما قاله أكثر أهل العلم وهو أن الآية محكمة فالإمام مخير وله أن يفعل ما يراه مصلحة للمسلمين مِنْ مَنٍّ أو فداء وقتل واسترقاق (٣)، وهذا مروي عن الحسن وعطاء وغيرهم (٤). قال النحاس: " وهو صحيح جيد بيّن، لأن إحداهما لا تنفي الأخرى، قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ أي خذوهم أسرى للقتل أو المن أو الفداء، فيكون الإمام ينظر في أمور الأسارى على ما فيه الصلاح من القتل أو المَنِّ أو الفداء، وقد فعل هذا كله رسول الله ﷺ في حروبه ... " (٥) قال القرطبي: " وهو الصحيح (٦) ونسبه ابن الجوزي إلى جابر بن زيد (٧) وعامة الفقهاء (٨) ورجحه مكي (٩) وغيره ". (١٠).

стр. 140

وقال الترمذي: في جامعه بعد ما روى (أن النبي ﷺ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين) (١) " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، أن للإمام أن يَمُنَّ على من شاء من الأسارى، ويقتل من شاء منهم ويفدي من شاء ... " (٢). وقال الشوكاني في (نيل الأوطار): " والحاصل أن القرآن والسنة قاضيان بما ذهب إليه الجمهور فإنه قد وقع منه المنُّ وأخذ الفداء .. ووقع منه القتل ... ووقع منه فداء رجلين من المسلمين برجل من المشركين .. " (٣) وأيضاً: فإنَّ هذا القول هو الذي تُرجِّحه القاعدة التفسيرية وتقضي به، وهي أنَّه إذا تنازع المفسرون في آية من كتاب الله تعالى، فمدَّع عليها النسخ ومانع منه، فأصح الأقوال المنع منه، إلا بثبوت التصريح بنسخها، أو انتفاء حكمها من كل وجه، وامتناع الجمع بينها وبين ناسخها، أو كان انتفاء الحكم في بعض الأوجه دون بعض كالتخصيص ونحوه (٤)، ولأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين كلتيهما فلا معنى للقول بالنسخ (٥)، فقول الحسين يخالف الصحيح هذا إذا كان مقصوده بالنسخ هو ما اصطلح عليه المتأخر ون. وإن كان مراده بالنسخ ما كان عليه مصطلح السلف؛ فإنه يمكن حمل المعنى عنده على أنه قد لا يعمل بالآية في بعض الأوقات التي يكون المسلمون فيها في ضعف، فيعملون بالآيات الأخرى حتى يزول الضعف فتنسخ هذه الآيةُ تلك الآيات على ما بيَّنه الزركشي سابقاً، والله أعلم.

стр. 141

قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨] [٣٦] قال الحسين بن الفضل: (هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين، فسموا نجساً على الذم) . الكشف والبيان ص: ١١٦ (١) الدراسة أصل الحكم في اللغة: المنع، والحُكْم بالشيء أن تقضي بأنه كذا وليس بكذا سواءٌ ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه. (٢) واصطلاحاً: إثبات أمر لأمر، أو نفيه ... عنه مثل زيد قائم وعمرو ليس بقائم. (٣) قال الفراء: لا تكاد العرب تقول نَجِس إلا وقبلها رِجْس، فإذا أفردوها قالوا: نَجَس لا غير، ولا يجمع ولا يؤنث. (٤) ويقال امرأة نَجَس ورجال نَجَس ونسوة نَجَس. (٥) وقال أبو عبيدة: "متحرك الحروف بالفتحة، ومجازه: قذر وكل نَتْنٍ وَطفَسٍ نَجَسٌ". (٦) وقال الزجاج: "يقال لكل مُستَقْذرٍ نَجَسٌ فإذا ذكرت الرجِسَ قلت: هو رِجْس نَجِسٌ ". (٧) ووُصف المشركون بأنهم نجس لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، روي ذلك عند قتادة (٨). وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي نجسه. (٩) وأيُّ نجاسة أبلغ ممِّن يعبد مع الله آلهة أخرى. (١٠) قال الزمخشري: " ومعناه ذو نجس؛ لأنَّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جُعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغةً في وصفهم بها ". (١١) وذهب الحسن إلى أن من صافح مشركاً فليتوضأ (١٢). وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية والزيدية (١٣)، وذهب الجمهور من السلف والخلف، ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات؛ لأنَّ الله سبحانه أحلَّ طعامهم وورد عن النبي ﷺ أنه أكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها وأنزلهم في مسجده وهذا يفيد عدم نجاسة ذواتهم (١٤).

стр. 142

قال ابن العربي: " اعلموا وفقكم الله أن النجاسة ليست بعين حسية، وإنما هي حكم شرعي، أمر الله بإبعادها كما أمر بإبعاد البدن عن الصلاة عند الحدث وكلاهما أمر شرعي ليس بعين حسية ". (١) وعلى ما سبق فقول الحسين ﵀ هو الصحيح المنقول عن المذاهب الأربعة. قال البغوي: " وأراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سمَّوا نجساً على الذم" (٢). وقال ابن كثير: " أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً بنفي المشركين الذين هم نجس ديناً عن المسجد الحرام .. " (٣) وهذه دلالة واضحة على أن أعيانهم طاهرة، ولكنهم خبثاء في عقائدهم ومن هنا صارت نجاستهم حكمية. فالمشرك نجس لأجل عقيدته الشركية، وقد يكون جسده نظيفاً مطيباً لا يستقذر. (٤) قال عبد الرحمن السعدي: " وليس المراد هنا نجاسة البدن، فإنَّ الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن الله تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها، والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها، تَقَذُّرهم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم نجاستهم المعنوية بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان طهارة فالشرك نجاسة ". (٥) والحمد لله رب العالمين على فضله وسماحة أحكامه.

стр. 143

قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] [٣٧] قال الحسين بن الفضل: معناه: (ليظهره على الأديان كلها بالحجج الواضحة والبراهين اللائحة، فتكون حجة هذا الدين أقوى). الكشف والبيان للثعلبي (١) ص: ١٦٣. (٢) الدراسة قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمد ﷺ (بالهدى) قيل بالقرآن (٣)، وقيل ببيان الفرائض (٤) (ودين الحق) هو الإسلام (٥). (ليظهره) اختلفوا في عود الضمير على قولين: أولهما أنّ الهاء عائدةٌ إلى رسول الله ﷺ (٦). قال ابن عباس: " ليظهر الله نبيه على أمر الدين كله، فيعطيه إياه كله، ولا يخفى عليه منه شيء (٧). قال أبو حيان: " والظاهر أن الضمير في (ليظهره) عائد على الرسول ﷺ لأنه المحدث عنه " (٨). قال الشافعي: " فقد أظهر الله -جل ثناؤه -دينه الذي بعث به رسوله على الأديان بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره، بأن جماع الشرك، دينان، دين أهل الكتاب ودين الأميين، فقهر رسول الله ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعضهم الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه ﷺ وهذا ظهور الدين كلِّه ... " (٩) والآخر: أنَّ الهاء راجعة إلى دين الحق، أي إلى الإسلام. ثم إن في معنى الكلام قولان: الأول: ليظهر هذا الدين على سائر الأديان (١٠) وإن كان معه غيره كان دونه (١١) وقال أبو هريرة والضحاك: وذلك عند نزول عيسى ابن مريم، لا يبقي أهل دين إلا دخل الإسلام (١٢). روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في نزول عيسى ﵇، قال: (فيهلك الله في زمانه الملل كلَّها إلا الإسلام) (١٣). وكأنَّ أصحاب هذا القول ذهبوا إلى إظهاره على أتمِّ وجوهه حتى لا يبقى معه دين آخر (١٤). وأما الذي قبله فلا يحتاج إلى نزول عيسى ﵇ بل حصل في صدر هذه الأمة.

стр. 144

والثاني: إنَّ إظهار الدين إنما هو بالحجج الواضحة وإن لم يدخل الناس فيه (١). قال السمرقندي (٢): " (ليظهره على الدين كله) حتى يظهره بالحجة على الدين كله" (٣). وقال السمعاني: " وفي قوله ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قول آخر، وهو أنه الإظهار بالحجة، فدين الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة " (٤). وقال القرطبي: " أي بالحجة والبراهين ". (٥) وهذا القول هو الذي ذهب إليه الحسين فيكون الضمير ـ على قوله ـ عائداً على الدين الحق. قال ابن عطية عن إعادة الضمير إلى الرسول ﷺ : " وهذا التأويل وإن كان صحيحاً جائزاً، فالآخر أبرع منه وأليق بنظام الآية وأحرى مع كراهية المشركين ". (٦) والذي يظهر – والله أعلم – أنه لا مانع من اجتماع الأمرين فالدين قد ظهر وعلا على سائر الأديان، وكذلك ظهر بالحجج والبراهين وقد تمَّ ذلك والحمد لله. وممَّا يؤيد قول الحسين بن الفضل ﵀ ما قاله السعدي -رحمه الله تعالى-: " أي ليعليه على سائر الأديان بالحجة والبرهان والسيف والسنان، وإن كره المشركون ذلك وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه، فوعدُ الله لا بد أن ينجزه، وما ضمنه لابد أن يقوم به " (٧). وما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعُزَّى، فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظنُّ حين أنزل الله (﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [لتوبة: ٣٣] إن ذلك تام، قال: إنهَّ سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفَّى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم) (٨)

стр. 145

قال تعالى ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠] . [٣٨] قال الحسين بن الفضل: (من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً، لا يكون كافراً) . معالم التنزيل للبغوي (١) / ٢٨٣ الدراسة نوهت هذه الآية بقدر أبي بكر الصديق ﵁ ولا يخفى ما لأبي بكر ﵁ من فضائل عظيمة (٢) قال الإمام أحمد: " وخير هذه الأمة بعد نبيِّها أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في ذلك ... ونذهب في ذلك إلى حديث ابن عمر ﵄ (كنَّا نعد ورسول الله حيٌّ وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (٣) .. ) (٤)
следующие страницы →