← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقدَّره: (بل أم من هو قانت صفته كذا كمن ليس بقانت) (١) قال ابن عطية: (وأما القراءة بتشديد الميم فإنها أم دخلت على (من) والكلام على هذه القراءة لا يحتمل إلا المعادلة بين صنفين فيحتمل أن يكون ما يعادل (أم) قد ابتدأ بها، بعد إضراب مقدر .. ) (٢). وعلى قراءة التخفيف وجهان: قال الفراء: (يا من هو قانت. وهو وجه حسن، العرب تدعو بألف، كما يدعون بـ "يا "، فيقولون يا زيد أقبل وأزيد أقبل ... لأنه ذكر الناسي الكافر، ثم قصَّ قصة الصالح بالنداء، كما تقول في الكلام فلان لا يصلي ولا يصوم فيا من يصلي ويصوم أبشر فهذا هو معناه - والله أعلم (٣) - وقد يُقدَّر: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ويا من هو قانت ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ إنك من أهل الجنة). أو (يا مَن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائما أبشر) (٤) واستبعده بعضهم (٥) وعلَّله بأنه لم يقع في القرآن نداء بغير ياء (٦) وغير ذلك (٧). ويحسن أن تكون الألف للاستفهام على أن يضمر معادلٌ للألف تقديره: ... (أمَن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أنداداً؟) (٨) وقريبٌ منه (أمَن هو قانت كمن جعل لله أنداداً) (٩) أو (أمَن هو قانت كمن ليس بقانت) (١٠) قال الزجاج (تأويله: أمن هو قانت كهذا الذي ذكرنا ممن جعل لله أنداداً) (١١)

стр. 72

وبعد أن تبينت قراءتا (أمن) وحجة كل قراءة. فالقول فيهما: أنهما قراءتان، حسنتان، قرأ بكل واحدة منها أئمة من القراء، مع صحة كل واحدة، فبأيهما قرأت فقد أصبت. وبالنسبة لإضمار الحسين وتقديره في الآية، فهو كما رأيت وعلمت جائز على كلتا القراءتين، سواءً أكانت الهمزة للاستفهام أم للإضراب. فتقديره صحيح ولا بد من الإضمار هنا لدلالة قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والتسوية تكون بين شيئين وجملتين ـ والله أعلم ـ. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] [١٥] قال الحسين بن الفضل: (ردّ الكناية إلى الاستعانة). الكشف والبيان للثعلبي (١). ٢/ ٨٩٤ (٢) الدراسة اختلف المفسرون في مرد الضمير على أقوال عدة منها: ١ - رده على الصلاة خاصة ٢ - رده عليهما ولكنه كنى عن الأغلب وهو" الصلاة. " ٣ - لما كان الصبر داخلاً في الصلاة أعاد عليها. ٤ - رده على المصدر " الاستعانة "، من واستعينوا. (٣) ٥ - معناه واستعينوا بالصبر، وإنه لكبير، وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصاراً (٤). ٦ - رد الضمير على الوصية وهي ما يدل عليه الكلام. (٥) ٧ - وقيل على إجابة محمد ﷺ ، لأنَّ الصبر والصلاة مما كان يدعو إليهما. (٦) ٨ - وقيل على الكعبة لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. (٧)

стр. 73

والجمهور على القول الأول، قاله ابن عباس (١) والحسن (٢) ومجاهد (٣) واختاره ابن جرير (٤) وأبو عبيدة (٥) والزجاج (٦) وأبو حيان (٧) والآلوسي (٨) والسعدي (٩) وغيرهم. ولا يخفى على متأمل ما يحمل هذا القول من قوة تؤيده القاعدة التفسيرية (التي ترد الضمير عند ذكر شيئين على أحدهما والغالب كونه الثاني (١٠)، والعرب تقتصر على أحد الاسمين وأكثره الثاني (١١)، وقد نزل القرآن بلغتهم. قال أبو حيان: الضمير عائد على الصلاة هذا ظاهر الكلام، وهو القاعدة في علم العربية أن الضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل" (١٢) وأما عن اختيار الحسين فله وجهته كذلك؛ لأنَّ الهاء والألف تعود على مؤنث، فإذا لم يكن على الصلاة فعلى الاستعانة مصدر (استعينوا) فعل الأمر الذي صدرت به الآية، فيكون معنى الآية (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنَّ الاستعانة بهما لكبيرة إلا على الخاشعين)، وفي رد الضمير على الاستعانة إشراك الصبر مع الصلاة في كونهما ثقيلتين وكبيرتين على النفس إلا أنفس الخاشعين. وهذا صحيح، فالصبر له ثقله ومشقته والصلاة كذلك مثله ـ والله تعالى أعلم ـ. وأما عن القولين الآخرين فتطرق الضعف إليهما بيِّن واضح. حيث إن الضمير إذا رُد إلى إجابة النبي ﷺ تُرك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دليل على صحته، فلم يجر بلفظ الإجابة ذكر (١٣)، ولا دليل له من الآية (١٤) وأضعف من هذا (١٥): رده إلى الكعبة بعلة كونها قبلة للصلاة.

стр. 74

والذي ورد في السياق لفظه هو الصلاة، وساق هذا القول العكبري ثم علَّل له وقال (وكان التحول إلى الكعبة شديداً على اليهود) (١) وهذا الكلام صحيح في ذاته ولكن جعله تعليلاً لرد الضمير على ما لم يجر له ذكر في الآية، فيه نظر والله أعلم. وقد تجلت هنا قاعدة (٢) مشهورة تقول (إن إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر، لأن الإعادة إلى مقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب) وقد رجح كثير من العلماء بعض الأقوال على ضوء هذه القاعدة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ولهذا وذاك سَلِم القول الذي رد الضمير إلى مذكور، وضَعُف الذي رده إلى مقدَّر ـ والله تعالى أعلم ـ. قال تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣] . قال الضحاك: " بلسانها " [١٦] وقال الحسين بن الفضل: (وهذا أولى الأقاويل؛ لأن المراد كان من إحياء القتيل كلامُه واللسان آلته) الكشف والبيان للثعلبي (٤) / ٩٩٠ (٥) الدراسة يتضح مما سبق أن الحسين ﵀ اطلع على الأقوال (٦) الواردة في تعيين البعض الذي ضرب به القتيل، ثم هو رجح " اللسان " وعلَّل لهذا الترجيح: بتعليل عقلي محض لا مستند له من النقل. والحال أنَّ القاعدة في المبهمات (٧) التي لم يفصح القرآن عنها ولم يُفصِّل شيئاً منها في أي موضع، بحث لا طائل من ورائه إلا إضاعة الأوقات وفناء الأعمار، بما لا ينفع ولا يفيد، وإشغال المسلم نفسه بما لا يمكن التوصل إلى معرفته إلا بنص ثابت عن معصوم فلا مجال فيها للاجتهاد أو إعمال الرأي ثم إنه لا يمكن لمسلم أن يستريب في أن القرآن أغفل ما للعباد فيه مصلحة وعاد عليهم بالفائدة والمنفعة.

стр. 75

ولهذا قال ابن جرير: (والصواب من القول عندنا في تأويل قوله ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أن يقال: أمرهم الله - جل ثناؤه - أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلاله في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة على أيِّ أبعاضها التي أُمر القوم أن يضربوا القتيل به، وجائز أن يكون الذي أُمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذَّنب، وغضروف الكتف وغير ذلك، من أبعاضها ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل ولا ينفع العلمُ به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله) (١). وقال ابن كثير: (هذا البعض أيٌّ شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معيناً في نفس الأمر فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبيَّنه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيان فنحن نبهمه كما أبهمه الله) (٢) وقال ابن تيمية: (الاختلاف في التفسير على نوعين .. إلى قوله. ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهذا " القسم الثاني من المنقول " وهو مالا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه، عامته مما لا فائدة فيه، فالكلام فيه من فضول الكلام. وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلاً فمثال مالا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان من هذه منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب ... فهذا لا يجوز تكذيبه ولا تصديقه إلا بحجة .. (٣) وكذلك الشيخ السعدي ﵀ بيَّن موقفه الحاسم من مثل هذا (٤). قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]

стр. 76

[١٧] قال الثعلبي: " سمعت أبا القاسم بن حبيب (١) يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس (٢) يقول ـ حاكياً ـ عن الحسين بن الفضل أنه سُئل عن هذه الآية فقال: (هو مختصَرٌ مضمر، تقديره (واتبعوا ما كانت تتلو الشياطين)، أي تقرؤه) . الكشف والبيان ٣/ ١٠٥٥ (٣) الدراسة تقدَّم ذكر معنى الاختصار والإضمار عند قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠). قال الزجاج: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) ما كانت تتلوه. (٤) قال الكوفيون: والمعنى ما كانت تتلو (٥). وهذا ما ذهب إليه الحسين من تقدير (كانت) للتنبيه على مُضيِّ الحدث. وقيل: " تتلو " أي تلت قال البغوي: (ما تتلو الشياطين) أي: ما تلت، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي، والماضي موضع المستقبل ". (٦) وقال القرطبي: " يعني " تلت " فهو بمعنى المضي " (٧) فهو مضارع وقع موقع الماضي. (٨) قال أبو البركات ابن الأنباري": أي، فلقد كان. فأقام المستقبل مقام الماضي " (٩)

стр. 77

وأما عن معنى تتلو: فقيل (١): تحدث، وتروي وتتكلم به، وتخبر وتقرأ، والمعنى واحد وقيل: تتبع. قال الطبري: " ولقول القائل: " وهو يتلو كذا " في كلام العرب معنيان: أحدهما: الاتباع. والآخر: القراءة والدراسة. وقال: ولم يخبرنا الله -جل ثناؤه-بأي معنى "التلاوة " كانت تلاوة الشياطين الذي تَلوْا تَلوه من السحر على عهد سليمان بخبر يقطع العذر. وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملاً، فتكون كانت متبعة بالعمل، ودراسته بالرواية. فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك، وعملت به وروته " (٢). وما ذكره الحسين ﵀ فهو أحد المعاني الصَّحيحة المحتملة للفظ " تتلو ". قال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] [١٨] قال الحسين بن الفضل: (فيه تقديم وتأخير تقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين) الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ١٢٠١ (٤) الدراسة التقديم والتأخير معناهما لغةً بيِّن واضح. أما اصطلاحاً: فعرَّفهما بعضهم بقوله: هو جعل اللفظ في رتبة قبل رتبته الأصلية، أو بعدها، لعارض اختصاص، أو أهمية، أو ضرورة (٥). والتقديم والتأخير هما أحد الأساليب البلاغية التي يستعملها الفصحاء في كلامهم، ليتلقى القلب معناه، فيقبل عليه ويفهمه. وهو أحد الدلالات على تمكن البلغاء في الكلام. وقد اعتنى القرآن الكريم بهذا الأسلوب لعظيم منفعته، ولاستعماله أسباب كثيرة وعلل عديدة ليس هذا مجال بحثها واستقصائها (٦)، ولكن ينبغي أن يُعلم أنَّه لا يجري تحت قاعدة مطردة، وينبغي كذلك أن يحذر من التنقيب عن علله إلى حد التكلف فيُحمَّل كلام الله مالا يحتمل، ويخرج به أحياناً من الواضح الذي لا لبس فيه إلى ما فيه لبس.

стр. 78

وقد أورد ابن القيم في عدم التقديم والتأخير إلا إذا ترك دليل يدل عليه كلاماً مفيداً فقال " فإنه نظم الكلام الطبيعي المعتاد الذي علَّمه الله للإنسان نعمة منه عليه أن يكون جارياً على المألوف المعتاد منه، فالمقدم مقدم والمؤخر مؤخر، فلا يفهم أحد قط من المضاف والمضاف إليه في لغة العرب إلا تقديم هذا وتأخير هذا، وحيث قدموا المؤخر من المفعول و نحوه، وأخروا المقدم من الفاعل ونحوه، فلا بد أن يجعلوا في الكلام دليلاً على ذلك لئلا يلتبس الخطاب .. فلا يأتون بالتقديم والتأخير إلا حيث لا يلتبس على السامع، ولا يقدح في بيان مراد المتكلم لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]ـ وذكر غيرها من الآيات - ثم قال: فهذا من التقديم والتأخير الذي لا يقدح في المعنى ولا في الفهم وله أسباب تحسِّنه وتقتضيه مذكورة في علم البيان والمعاني" (١) ورحم الله الحسين حينما ذكر أنَّ في هذه الآية الواضحة الدلالة " تقديماً وتأخيراً " وقد كانت الآية في اليهود والنصارى عندما آثروا اليهودية والنصرانية على دين الإسلام؛ لأنَّ ملة إبراهيم هي الحنيفية المسلمة (٢). وقوله: " لقد اصطفيناه " والاصطفاء: الاختيار، افتعال من الصفوة، ومنه النبي المصطفى (٣). ومعنى الاصطفاء: أنه نبأه واتخذه خليلاً (٤) وقوله ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال الزجاج: " فالصالح في الآخرة هو الفائز (٥). وما أجمل ما فسر به الطبري ـ قدَّس الله روحه ونور ضريحه ـ قوله جلَّ وعلا: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فقال: " وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين.

стр. 79

و " الصالح " من بني آدم: هو المؤدي حقوق الله عليه. وقال: فأخبر تعالى ذكره عن إبراهيم خليله، أنه في الدنيا صفيٌّ، وفي الآخرة ولي، وأنه وارد مواردَ أوليائه الموفِّين بعهده " (١). وقال الزمخشري: " بيان لخطأ رأي من رغب عن ملته؛ لأن من جمع الكرامة عند الله في الدارين بأن كان صفوته وخيرته في الدنيا، وكان مشهوداًّ له بالاستقامة على الخير في الآخرة لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه" (٢). فهل يا ترى بعد هذا البيان تكون الآية مشكلة تحتاج إلى ترتيب لحل الإشكال فيُقدم (الآخرة) حتى يتم المعنى؟ وبعد أن ذكر هذا القول أبو حيان ونسبه للحسين بن الفضل قال وهذا الذي ذهب إليه خطأ ينزه كتاب الله عنه (٣). وتبعه تلميذه السمين الحلبي بقوله ": قال الحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير مجازه: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة، وهذا ينبغي ألاَّ يجُوز مثله في القرآن لنبوِّ السمع عنه ". (٤) وأقولُ ـ والله أعلم بالصواب ـ لعل لبراعة الحسين في علم المعاني وتمكنه من الفصاحة العربية تأثيره في مثل هذا القول.

стр. 80

سورة آل عمران قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] . [١٩] قال الحسين بن الفضل: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني ملك الجنة كما آتى المؤمنين قال الله تعالى: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ . ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ من الكفار وأهل النار). الكشف والبيان ١/ ١٣٤ (١). الدراسة قال تعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦] في سبب نزولها أقوال (٢) منها: ١ - روى الواحدي عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فأنزل الله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكَ تُؤْتِي الْمُلْك مَنْ ... تَشَاءُ ... الاية﴾ (٣).

стр. 81

٢ - قال ابن عباس ﵄ وأنس بن مالك (١) ﵁: " لما افتتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قالت المنافقون واليهود: هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعزّ وّ أمنع (٢) من ذلك، ألم يكف محمداً مكة والمدينة، حتى طمع في ملك فارس والروم، فأنزل الله هذه الآية (٣). فلك سبحانك الملك كله، ملك الدنيا والآخرة خالصاً لك وحدك ليس لغيرك منه شيءٌ، أنت الملك لجميع الممالمك، والمملكة علويها وسفليها لك، والتصريف والتدبير كله لك، بحيث تتصرف فيه كيفما شئت إيجاداً وعدماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابة، تعطي الملك من تشاء، وتوسعه على من تشاء، وتضيقه على من تشاء. قوله تعالى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ الإيتاء: الإعطاء (٤)، والإتيان: المجيء بسهولة (٥) ونزع الشيء جذبه من مقره كنزع القوس من كبده .. ونزع فلان كذا أي سلب. قال: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (٦) والتعبير بالإتيان هنا إشعار بأنه تنويل من الله من غير قوة وغلبة ولا مطاولة فيه (٧)، وأما كلمة النزع ففيها ما ينبئ عنه من البطش والقوة ما يناسب معنى الإيتاء (٨) قال الزمخشري: " تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك من الملك. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ النصيب الذي أعطيته منه، فالملك الأول عام شامل والملكان الآخران بعضان من الكل " (٩).

стр. 82

قال مجاهد: الملك هنا " النبوة " (١) وقال الكلبي: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ محمد وأصحابه. ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ أبي جهل وصناديد قريش. (٢)، من تشاء وتنزعه ممن تشاء. وقيل: تؤتي الملك من تشاء من جهة الغلبة والدين والطاعة. ". (٣). وقيل: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ هم العرب ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ هم فارس والروم (٤) وقيل: المعنى تؤتي الملك في الجنة من تشاء، وتنزع الملك من ملوك الدنيا في الآخرة ممن تشاء (٥)، وقيل غير ذلك (٦). وكأن القول الأخير هذا هو الذي مال إليه الحسين ﵀ في تفسيره لهذه الآية، والظاهر أن الأخذ بقول بعينه دون غيره، تخصيص ليس في الكلام ما يدل عليه، والأولى أن يحمل على جهة التمثيل لا الحصر في المراد (٧). قال الشوكاني: " والظاهر شموله لما يصدر عليه اسم الملك من غير مخصص " (٨) لكن ليس هناك أشرف من ملك الجنة وسعادة الآخرة. قال ابن عطية: " والصحيح أنه مالك الملك كله مطلقاً في جميع أنواعه وأشرف ملك يؤتيه سعادة الآخرة " (٩) وهل يرجى لعبد أهانه الله وسلب منه الهداية ثم أدخله النار من سعادة .. ؟ وهو سبحانه الذي دعا عباده إلى الحسنى، فعمَّهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، فخصَّ بالهداية والتوفيق من شاء منةً منه وفضلاً، ولم يجبه من لم يرفع بها رأساً فحق عليه الخلود في نار جهنم أبداً. فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم.

стр. 83

ونظير الملك الذي فسره الحسين ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] يقول ـ جلَّ ذكره ـ: إذا رأيت يا محمد " ثَمَّ " أي هناك في الجنة ونعيمها وسعتها وارتفاعها وما فيها من الحبرة، والسرور ": ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ أي مملكة لله هناك عظيمة وسلطاناً باهراً (١) ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ أي عظيماً واسعاً لا يريدون شيئا إلا قدروا عليه (٢)، والكبير هنا مستعار للعظيم وهو زائد على النعيم لأن فيه رفعةً وتذليلاً للمصاعب (٣). قال الطبري " وقيل ": إن ذلك الملك الكبير: تسليم الملائكة واستئذانهم عليه (٤) وهو قول مجاهد (٥) وسفيان الثوري (٦). وقيل: الملك الدائم الذي لا زوال له (٧) وقيل: هو النظر إلى الله سبحانه (٨) ولا يخفى على أيِّ مطَّلع أنَّ كلَّ ما ذكر داخل تحت معنى الملك. فتجد الواحد من المنعَّمين عنده من القصور والمساكن والغرف المزخرفة مالا يدركه الوصف، ولديه من البساتين الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه اللذيذة والأنهار الجارية، والرياض الناضرة، بالطيور المطربة ما يأخذ القلوب، وعنده من الزوجات اللاتي هن في غاية الحسن والإحسان الجامعات لجمال الظاهر والباطن ما يملأ القلوب سروراً، ولذةً وحبوراً، وحوله من الولدان المخلدين، والخدم المؤيدين ما به تحصل الراحة وتتم اللذة وتكتمل الغبطة. ثم علاوة ذلك ومعظمه الفوز برؤيته ، وسماع خطابه ولذة القرب منه، والابتهاج برضاه والخلود الدائم ... فالحمد لله الحق المبين الذي لا تنفد خزائنه ولا يقل خيره فكما لا نهاية لأوصافه فلا نهاية لبره وإحسانه (٩)

стр. 84

قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] [٢٠] قال الحسين بن الفضل: (تعز من تشاء بالجنة والرؤية، وتذل من تشاء بالحجاب والنار) الكشف والبيان (١) / ١٣٧ (٢) الدراسة (العز) في الأصل: القوة والشدة والغلبة، والعز والعزة: الرفعة والامتناع، وفي التنزيل العزيز ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] أي له العزة والغلبة سبحانه .. خلاف الذل ... (٣) والذل نقيض العز، وذلَّ يذلُّ ذلاً وذلة وذلالة ومذلة فهو ذليل ... والذل الخسة .. و هو سبحانه الذي يلحق الذل بمن يشاء من عباده، وينفي عنه أنواع العز جميعها .. (٤) وفي معنى الآية أقوال: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني محمداً. ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ يعني عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه وأهل فارس والروم (٥). وقال عطاء (٦): ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ المهاجرين والأنصار ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ فارس والروم (٧) وقيل: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما (٨) بالنصر والإدبار والتوفيق والخذلان (٩)

стр. 85

وقيل: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالطاعة ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالمعصية. (١) وقيل: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالإيمان والهداية ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالكفر والضلالة (٢) وقيل: تعز الأحباب (بالجنة والرؤية) وتذل الأعداء (بالنار والحجاب) (٣). وقيل: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالقناعة والرضا ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالحرص والطمع (٤) وقيل: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ بالغنى ﴿وَتُذِلمَنُّ تَشَاء﴾ بالفقر (٥) ومعنى العز والذل هنا كسابقه في معنى الملك، فلا أستطيع أن أقول إن المراد هو قول دون غيره ـ والله تعالى أعلم ـ. قال أبو حيان: " ينبغي حمل هذه الأقاويل على التمثيل؛ لأنه لا مخصص في الآية، بل الذي يقع به العز والذل مسكوت عنه " (٦) وقال الآلوسي: " وينبغي حمل سائر الأقوال على التمثيل؛ لأنه لا مخصص في ... الآية " (٧)

стр. 86

قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] [٢١] قال الحسين بن الفضل: (لأنَّ الله تعالى أحيا قلبه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهُمَّ بمعصية) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ١١٨ (٢) الدراسة يحيى اسم سمَّاه الله به ولم يسم به أحدٌ قبله (٣) قال تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧] وقيل: إنه أعجميٌّ مُنع من الصرف للتعريف والعجمة، كموسى وعيسى، وقيل: إنَّه عربيٌّ ومنع للتعريف ووزن الفعل. (٤) والقائلين بعربيته لعلهم أخذوه من وجه تسميته بذلك (٥) ثم اختلفوا لم سمي يحيى بهذا الاسم على أقوال منها: ١ - قال ابن عباس ﵄: لأن الله أحيا به عقر أمه. (٦) ٢ - قال قتادة: لأن الله أحياه بالإيمان. (٧) ٣ - قال مقاتل: لأنه أحياه بين شيخ وعجوز (٨)، وهذا يؤول إلى قول ... ابن عباس. ٤ - قال الزجاج: لأنه حَيىَ بالعلم والحكمة التي أوتيها (٩). ٥ - قال أبو القاسم بن حبيب: سمى يحيى أنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم. (١٠) أما عن قول ابن عباس فدلَّ عليه قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]

стр. 87

والعاقر: عَقَرته أعقِرهُ عَقْراً فهو عقيرٌ ومعقور .. وعُقْر الدار وعَقْرها: ... ساحتها (١) ... وامرأة عاقر لا تلد وكذلك الرجل ... (٢) قال الزجاج: والعقار كل ماله أصل .. وعُقْرُ دار قوم أصل مُقَامهم الذي عليه مُعَوَّلهم (٣) والعقر مشتق من العَقْر وهو القتل، كأنهم تخيلوا فيه قَتْل أولاده (٤). وكانت زوجة زكريا ﵇ عاقراً ولذلك حيا رحمها بحملها بيحيي ﵇. وأما قول قتادة فيعضده قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: أو من كان من قبل هداية الله له ميتا في ظلمات الكفر والجهل، والمعاصي، فأحييناه بنور العلم، والإيمان، والطاعة. (٥) فأُطلق على الكفر موت، وعلى الإيمان حياة. وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٦) [الأنفال: ٢٤]. وأما قول مقاتل فيدلُّ عليه قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨]

стр. 88

قال أبو عبيدة: كل مبالغ من كِبَر أو كفْر أو فساد فقد عتا يعتو عتياً (١). وقوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: من بلغ من السنِّ ما بلغتُ لم يوُلد له (٢) وقيل كان زكريا ﵇ ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة (٣). وقيل: كان له من العمر تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون سنة (٤) وأما عن قول الزجاج فقد قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ... [آل عمران: ٣٩] والعلم والحكمة داخلة في معنى النبوة. وقال تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] وأما عن قول أبي القاسم بن حبيب فدلَّ عليه قوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وبعد هذا التفصيل يتبين أن ما ذكر في سبيل التسمية هي معان صحيحة وأنَّها تذهب إلى نوع من أنواع الحياة، فكل قول منها صحيح في ذاته أنه حياة، لكن يبقى هل هو المراد بعينه في تسميته بيحيى أم لا؟ ومثله ما قاله الحسين بأن الله أحياه بالطاعات لدلالة آية الأنعام السابقة عليه، فالحياة الحقة تكون بالعبودية التامة لله ولزوم طاعته، ولا شك أنَّ الأنبياء اعتلوا أعلى مقامات الطاعات لله ﵎، ويحيي ﵇ واحد منهم.

стр. 89

و يبقى آخر قول الحسين، ولعله اقتبسه مما قيل عنه ﵇ أنه لم يعص ولم يهم بمعصية. كما روى قوله (ما من أحد من ولد آدم إلا قد أخطأ، أوهمَّ بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، عن عبد الله بن عباس (١) وعبد الله بن عمرو بن العاص (٢) أو عن أبيه عمرو (٣) وأبي هريرة (٤) ﵃ جميعاً. قال الهيثمي (٥) بعد ذكره لرواية ابن عباس: " رواه أحمد وأبو يعلى (٦) والبزار (٧) والطبراني (٨)، وفيه علي بن زيد، وضعفه الجمهور، وقد وثق، وبقية

стр. 90

رجال أحمد رجال الصحيح". (١) وقد سئل النووي عن الحديث: " هل هو صحيح، ومن رواه من أصحاب الكتب وما اسم راويه الصحابي " فأجاب: " هذا حديث ضعيف لا يجوز الاحتجاج به ". (٢) وذكر الألباني الحديث وعلق عليه (٣) وقال: وفي هذين النقلين نظر، وبيَّنه ... ﵀ (٤) .. ثم قال: " وخلاصة القول في هذا الحديث أنه صحيح بلا ريب على الأقل بمجموع طرقه؛ لأن أكثرها ليست شديدة الضعف، بل إنَّ بعضها صحيح لذاته عند البزار، وغيره عن ابن عمرو، فتضعيف النووي إياه مردود، وكذا إعلال ابن كثير لبعض طرقة في " التاريخ " (٥) " والتفسير " (٦) فإنه لم يقف على أكثر الطرق التي ذكرتها وبخاصة طريق البزار " (٧) وعلى هذا يكون لآخر قول الحسين وجه صحيح - والله أعلم -. يسنده ما ذكره كثير من المفسرين، ومن ذلك: ما قاله الزمخشري: "وكان يحيى فائقاً لقومه وفائقاً للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط ويالها من سيادة" (٨). وقال الراغب: "والحَيَا المطر لأنه يُحيى الأرض بعد موتها، وإلى هذا أشار بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] فقد نبَّه أنه سماه بذلك من حيث إنه لم تمته الذنوب كما أماتت كثير من ولد آدم ﵇، لا أنه كان يعرف بذلك فقط فإن هذا قليل الفائدة" (٩).

стр. 91

قال تعالى ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] . [٢٢] قال الحسين بن الفضل (إنما قاله زكريا لله -يا رب لا لجبريل) الكشف والبيان ١/ ١٩٨/ ١٩٩ (١) الدراسة لما بُشّر زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا شَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] قال بعضهم: ربِّ، يعني الله (٢) ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ يعني يا الله على وجه الدعاء (٣). وقال الكلبي: قال لجبريل (ربّ) أي يا سيدي (٤). ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ قال الرازي: قوله (ربَّ) خطاب مع الله، أو مع الملائكة؛ لأنه جائز أن يكون خطابا مع الله، لأنَّ الآية المتقدمة دلَّت على أن الذين نادوه هم الملائكة، وهذا الكلام لا بد أن يكون خطاباً مع ذلك المنادى لا مع غيره، ولا جائز أن يكون خطاباً مع الملك؛ لأنَّه يجوز للإنسان أن يقول للملك يا رب. والجواب: للمفسرين، فيه قولان: الأول: أن الملائكة لما نادوه بذلك وبشروه به تعجبَّ زكريا ﵇، ورجع في إزالة ذلك التعجب إلى الله تعالى. والثاني: أنه خطاب مع الملائكة والرب إشارة إلى المربِّي ويجوز وصف المخلوق به فإنه يقال فلان يربنى ويحسن إلي" (٥). ومع أن الرب يأتي بمعنى السيد (٦) والمربِّي (٧) إلا أن المراد بالرب هنا (الله) وذلك لوجوه: الأول: ظاهر الخطاب أنه منه لله ﵎ -حتى وإن كان الخطاب الواصل إليه بواسطة الملائكة. والثاني: أن غالب دعاء الأنبياء لربهم بهذا الاسم الدال على الربوبية.

стр. 92

والثالث: هوالأليق بزكريا ﵇. وذلك؛ لأن زكريا ﵇ لمَّا تحقق البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه وهو في هذه الحالة ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ (١) قال الآلوسي: خاطب ﵇ ربّه سبحانه، ولم يخاطب الملك المنادى طرحاً للوسائط مبالغة في التضرع وجداً في التبتل" (٢). إذن قول الحسين ﵀ السابق هو الذي يوافق السياق وتطمئن إليه النفس ـ والله أعلم ـ وكأن في نفيه أنه جبريل يريد الرد على القائلين بذلك، وهذا هو الصواب الموافق لظاهر القرآن ولحال الأنبياء ﵈. قال تعالى ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] . [٢٣] قيل للحسين بن الفضل: (هل تجد نزول عيسى - ﵇ - من السماء في القرآن، فقال: نعم . قوله: (وكهلاً) وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما معناه (وكهلاً) بعد نزوله من السماء). الكشف والبيان للثعلبي (٣) / ٢٤٠ (٤). الدراسة في قوله: (وكهلاً) مسائل: المسألة الأولى: المعنى اللغوي للكهل قال الجوهري: "الكهل من الرجال الذي جاوز الثلاثين وَ وَخَطَه (٥) الشيب ... واكتهل النبات أي تمَّ طوله وظهر نورُه ". (٦) وقد اكتهل الرجل وكَاهَل إذا بلغ الكهولة فصار كَهْلاً (٧) واشتقاق (كاهل) من كاهل الإنسان والدابة، وهو ... مَغْرز (٨) العنق في الظهر ويقال: رجل كهل وكاهل إذا استحكم سنّة ومنه اكتهل النَّبت إذا استحكم (٩).

стр. 93

المسألة الثانية: ما أول سن للكهولة؟ اختلف في أولها، فقيل: ثلاثون، وقيل اثنان وثلاثون، وقيل: ثلاث وثلاثون، وقيل خمسة وثلاثون، وقيل: أربعون عاماً (١). المسألة الثالثة: الموقع الإعرابي لقوله (وكهلاً): اختلف أهل العربية فيه: هل هو حال من الضمير في يكلم أي (يكلمهم صغيراً وكبيراً) (٢). قال الزجاج: ويكلم الناس كهلا (٣) أو (وكهلاً) معطوف على قوله ... (وجيهاً) (٤) قال الفراء: والكهل مردود على الوجيه. (٥) المسألة الرابعة: تكلم عيسى ـ ﵇ ـ في المهد معجزة فما الفائدة من ذكر تكلمه حال الكهولة؟ والجواب من وجوه: قال البخاري: قال مجاهد: الكهل، الحليم (٦). وقيل: المراد منه بيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة، ويتغير بمرور الأزمنة عليه ولو كان كما قال الملحدون فيه (أنه إله) لما جاز ذلك عليه (٧) وروى ابن جرير معناه عن (محمد بن جعفر بن الزبير) (٨). وقال الأصم (٩): أنه يبلغ حد الكهولة (١٠) قال قتادة والربيع: (يكلمهم صغيراً ... وكبيراً) (١١).

стр. 94

وقيل: يدعو إلى عبادة الله لا شريك له في المهد معجزة، وفي كهولته وحيا (١). وقيل: معناه يكلِّم الناس في هاتين الحالتين، كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة .. وذلك لا شك أنه غاية في المعجزة (٢). قال الحسين بن الفضل: (وكهلا) بعد نزوله من السماء (٣). وروي هذا عن ابن عباس (٤) وابن زيد (٥) والكلبي (٦). وكُل ما ذُكر آنفا ممكن أن يكون فائدة لذكر قوله (وكهلا) إلا ما كان من تفسير مجاهد بأنه الحليم. قال النحاس بعد ذكره لقول مجاهد: " هذا لا يعرف في اللغة وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين، وقال بعضهم يقال: له حَدَثٌ إلى ست عشرة سنة ثم شابٌ إلى اثنتين وثلاثين سنة ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين" (٧) وقال أبو حيان: " وقال مجاهد: الكهل (الحليم) وهذا تفسير باللازم ... غالباً؛ لأنَّ الكهل يقوى عقله وإدراكه وتجربته فلا يكون في ذلك كالشارخ (٨) والعرب تمتدح بالكهولة ... ". (٩) وقال ابن حجر: " والذي يظهر أن مجاهداً فسره بلازمه الغالب؛ لأن الكهل غالبا يكون فيه وقار وسكينة " (١٠). المسألة الخامسة: وعلى القول بعطف (وكهلاً) على (وجيهاً) يتجه تفسير مجاهد. (١١) وذكر الحسين وغيره أن المراد بقوله (وكهلاً) بعد نزوله من السماء.

стр. 95

وهذا يحتاج إلى تحقق من عمر عيسى ﵇ حينما رُفع. قال تعالى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾. روى البخاري عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده لَيُوشِكَنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصَّليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ، حتى تكون السجدةُ الواحدةُ خير من الدنيا وما فيها). ثم يقولُ: أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١). وهذا أمرٌ مسلمٌ به، ولكن يبقى سؤال مهم لتصحيح قول الحسين وهو: كم عمر عيسى ﵇ عندما رفع إلى السماء؟ وعلى أي تقدير يكون أول سن الكهولة؟ والجواب ـ والله أعلم ـ ما رواه الترمذي (٢) عن معاذ بن جبل (٣) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً مكحليِّن، أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة) وقال: هذا حديث حسن غريب. (٤)

стр. 96

ولم يصرح في هذا الحديث أن هذا العمر هو عمر عيسى ﵇ حينما رفع ولكن هناك حديث أخر قَيَّد الثلاث والثلاثين بعمر عيسى ﵇ وهو ما رواه أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: " يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك، على حسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جُرد مُرد مكحولين " (١). وذكر الألباني هذا الحديث وعلَّق عليه ... ثم قال: وبالجملة: فالحديث بطرقه وشواهده لا ينزل عن مرتبة الحسن إن شاء الله (٢). ويؤيد هذا ما قاله الحسن البصري: كان عمر عيسى ﵇ يوم رفع أربعا وثلاثين سنة (٣) وكذا ما روى عن سعيد بن المسيب، أنه قال: رُفع عيسى ﵇ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة (٤) وذكر ابن جرير في تاريخه (٥) أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة، ومكث حتى رُفع إلى السماء، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. روى الأزهري عن أحمد بن يحيى أنه قال: ذكر الله وعزّ لعيسى آيتين: إحداهما: تكليمه للناس في المهد، فهذه معجزة. والأخرى: نزوله إلى الأرض عند اقتراب الساعة كهلاً ابن ثلاث وثلاثين سنة يكلِّم أمه محمد، فهذه الآية الثانية (٦). وإذا قلنا بأن عيسى ﵇ رُفع ابن ثلاث وثلاثين أو ما يقاربها، وعلى تقدير أول سن الكهولة بعد الأربعين سنة، يصح أن يقال أنه رفع شاباً ولا يكلم الناس كهلاً إلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان فإنه حينئذ يكلِّم الناس ويقتل الدجال .. وفي قول الحسين ﵀ (وهو لم يكتهل في الدنيا) دلالة على أنه يرى أن أول سن الكهولة هو ما بعد عمر عيسى ﵇ عندما رُفع ـ والله أعلم ـ. وأما على تقدير أول سن الكهولة بعد الثلاثين فإن عيسى ﵇ قد بلغ الكهولة وكلَّم الناس فيه قبل أن يرفع فتكون فائدة قوله (وكهلاً) تمت قبل رفعه ﵇ ـ والله أعلم ـ.

стр. 97

المسألة السادسة: استنباط الحسين من هذه الآية نزول عيسى ﵇: وكأني أرى أن قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] دليل قاطع على نزول عيسى ﵇، لأن أهل الكتاب لم يؤمنوا به قبل رفعه كلهم ولكن يؤمن به اليهود والنصارى إذا نَزَل قبل قيام الساعة، وسبب إيمانهم ظاهر فإنه ظهر لكل أحد أنه رسول مؤيد ليس بكذاب كما تقول اليهود، ولا بإله كما تقول النصارى. فتكون الآية واضحة الدلالة في نزوله ﵇ ـ والله تعالى أعلم ـ. وأما أن تكون هذه الآية السابقة في آل عمران واضحة الدلالة في نزوله ﵇ ففيه نظر لما ذُكر سابقاً من اختلاف التقديرات ـ والله أعلم ـ. والظاهر من نقل الثعلبي لقول الحسين أنه نقله لإثبات رفع عيسى وأنه لم يُتوفَّ فقط. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران الآية: ١٣٥] . [٢٤] قال الحسين بن الفضل: (وهم يعلمون أن لهم رباً يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من قول النبي ﷺ : (من أذنب ذنباً وعلم أن له رباً يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر) (١) الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ٤٧٩ (٣).

стр. 98

الدراسة في معرض ذكره سبحانه لصفات المتقين نعتهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران الآية ٣٥]. روى أهل السنن الأربع وغيرهم عن أبى بكر ﵃ قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له) ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ١٣٥] (١) قوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. قال الطبري: " الإصرار: الإقامة على الذنب عامداً، أو ترك التوبة منه .. " (٢). ويعرب قوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ حال من فاعل (يصروا) (٣) أي لم يصروا على قبيح فعلهم وهم عالمين به (٤) ومفعوله محذوف لظهوره من المقام. قال ابن عباس والحسن ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الإصرار ضار، وأن تركه أولى وخير من التمادي (٥). وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب (٦) وقال عبد الله بن عبيد بن عمير (٧): ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم إن تابوا تاب الله عليهم (٨).

стр. 99

قال السدي (١): ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم قد أذنبوا ثم أقاموا ولم يستغفروا (٢). وقال ابن إسحاق (٣): ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ما حرمت عليهم من عبادة غيري (٤). وقال الضحاك: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله يملك مغفرة الذنوب (٥) وقيل: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها (٦). قال النحاس: " وهو قول حسن " (٧). قال أبو حيان في تخريج هذا القول: " فأطلق اسم العلم على الذِّكر لأنه من ثمرته" (٨). وهنا تتجلى قاعدة مهمة تتعلق في تفسير القرآن وهي حذف المتعلق المعمول فيه يفيد تعميم المعنى المناسب له. وفي الحقيقة هي قاعدة مفيدة جداً، متى اعتبرها الإنسان في الآيات القرآنية أكسبته فوائد جليلة، وذلك أن الفعل، أو ما هو في معناه متى قُيِّد بشيء تقيَّد به، فإذا أطلقه الله تعالى، وحذف المُتَعَلق فعمم ذلك المعنى، ويكون الحذف هنا أحسن وأفيد كثيراً من التصريح بالمُتَعَلِّقَات، وأجمع للمعاني النافعة (٩). وأقول ــ والعلم عند الله ــ أنه يظهر من جميع عبارات السلف أنهم يذهبون إلى العموم، ويدخل قول الحسين ﵀ كغيره في هذا العموم، ويُلاحظ أن قول مجاهد وعبد الله بن عبيد والضحاك متضمن لقول الحسين ﵀.

стр. 100

وذكر القرطبي في تفسيره قول الحسين ثم قال: " وهذا أخذه من حديث أبى هريرة ﵃ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربِّه قال: (أذنب عبدٌ ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال ﵎ أذنب عبدي ذنباً فعَلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي ربِّ اغفر لي ـ ذنبي ـ فذكر مثله مرتين، وفي آخره: اعمل ماشئت فقد غفرتُ لك) أخرجه مسلم " (١) (٢). قال النووي في قوله (اعمل ما شئت فقد غفرت لك) " معناه مادمت تذنب، ثم تتوب غفرت لك " (٣). قال ﷺ : (إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه) أخرجاه في الصحيحين (٤). وعلى العبد إذا ذكر ذنبه علم أن له رباً يغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذلك ولو كثرت، وأن من تاب تاب الله عليه وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٤] وكقوله ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، ولو تكرر ذنبه مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته ـ والحمد لله ـ. وللترمذي (٥) عن أبى بكر ﵃ مرفوعاً: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة) (٦).

стр. 101

وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵃ قال: قال رسول ﷺ : (والذي نفسي بيده لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم) (١) وهذه فائدة اسم الله الغفار التواب. وبقى أمر مهم لا بد للعاقل أن يتنبه له وهو أن يحذر مغالطة نفسه على فعل الذنوب، وارتكاب المعاصي ثم يتكل على عفوا الله ومغفرته وذلك لأن كثيراً من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ثم قال: (استغفر الله) زال الذنب، وراح هذا بهذا أو يعتمد ما صحَّ عن النبي ﷺ في الحديث السابق ذكره وفيه (اعمل ما شئت فقد غفرت لك). وحسنٌ أن أختم بقول الناظم (٢) ــ ﵀ ــ: وَتَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظيمَ بِتَوْبَةٍ ... وَتَرْفَعُ كَفَّ المُسْتَغَيِثِ المُجَهَّد وَتَدْعُو دُعاءَ المُخْبِتِين برغْبَةٍ ... دُعَاءَ غَِريقٍ في دُجَى اللَّيلِ مُفْرَدِ فإِنَّ الذي تَدْعُوهُ يَرْزُقُ مَنْ عَصَى ... وَفَاتِحُ بَابٍ للمُطِيعِ ومُعْتدِي ولَكَنَّمَا صدْقُ الرَّجَاءِ مَفاِتحُ الـ ... ـخَزَائِنِ فادْعُ وَابْتَغِ الفَضْلَ واجْهَدِ وَقُلْ بانْكِسارٍ قَارِعاً بَابَ رَاحمٍ ... قَرِيْبٍ مُجِيبٍ بالفواضلِ يَبْتَدِي إلهي أتَى العاصُونَ بَابَك مَلْجَأً ... يُرَجُّونَ عَفْواً مِنْكَ رَبي وَسَيِّدِي إلَيْكَ فَرَرْنَا مِن عَذَابِكَ رَهْبَةّ ... فَلَا تَطْرُدَنَّا عَنْ جَنَابِكِ وأسْعدِ دَعَوْنَاكِ للأمْرِ الذي أنتْ ضَامِنٌ ... إجَابَتَهُ يا غَيْرَ مُخْلِفِ مَوْعدِ إلْيكَ مَدَدْنَا بالرَّجَاءِ اَكْفَّنَا ... فَحَاشَاكَ مِنْ رَدِّ الفَتى صَافِرَ اليد (٣)

стр. 102

سورة النساء قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١] . [٢٥] قال الحسين بن الفضل في تفسير الكبيرة: (ما سمَّاه الله في القرآن كبيراً أو عظيماً نحو قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿إِنْ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] ... ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٦] ﴿إِنْ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٢٣٣ (٢) الدراسة وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة أذكر منها: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر) (٣). وقوله ﷺ (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله) (٤) وما رواه الإمام أحمد في مسنده عن سلمان الفارسي (٥) قال: قال لي النبي ﷺ : ... (أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: أهو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: لكنِّي أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة له ما بينه وبن الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة) (٦).

стр. 103

والكبائر جمع كبيرة، قال الراغب الاصفهاني "الكبير والصغير من الأسماء المتضايفة التي تقال عند اعتبار بعضها ببعض، فالشيء قد يكون صغيراً في جنب شيء وكبيراً في جنب غيره .. " (١). قال الزَّجاج: "والكبائر ما كَبرُ وعظُم من الذنوب " (٢). وقد تعددت أقوال السلف في الكبائر فذهب الجمهور إلى أن من الذنوب كبائر ومنها صغائر بدلالة هذه الآية وغيرها. وشذت طائفة منهم أبو إسحاق الإسفراييني (٣) فقال: "ليس في الذنوب صغير بل كلُّ ما نهى الله عنه كبير ". (٤). ومنهم إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (٥) فقال: " المرضيُّ عندنا أنَّ كل ذنب كبيرة، إذ لا تراعى أقدار الذنوب حتى تضاف إلى المعصيِّ بها؛ فرب شيء يعد صغيرة بالإضافة إلى الأقران، ولو صور في حق ملك لكان كبيرة يضرب بها الرقاب. والرب تعالى أعظم من عُصي، وأحق من قُصد بالعبادة، وكل ذنب بالإضافة إلى مخالفة الباري عظيم، ولكن الذنوب وإن عظمت بما ذكرناه فهي متفاوتة على رتبها، فبعضها أعظم من بعض " (٦). ومنهم القشيري عبد الرحيم (٧)، قال: " والصحيح أنها كبائر ولكن بعضها أعظم من بعض، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي " (٨)

стр. 104

ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء: ٤٨] (١). وأجابوا عن الآية التي احتج بها أهل القول الأول وهي قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] أن المراد: الشرك (٢)، ويؤيده قراءة ابن مسعود وابن جبير (كبير) (٣) على إرادة الجنس (٤). وقد قال الفراء: من قرأ (كبائر) فالمراد بها (كبير) وكبير الإثم هو الشرك (٥) وقالوا: وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر (٦). قال ابن الصلاح (٧): " وقد اختلف الناس في الصغائر والكبائر في وجوه: منهم من نفى الفرق في الأصل وجعل الذنوب كلها كبائر وهو مذهب مطرح". (٨) والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.

стр. 105

قال النووي: " وقد تظاهر على ذلك دلائل من الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة وخلفها. قال أبو حامد الغزالي (١) في كتابه (البسيط في المذهب): إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه، .. وهذا الذي قاله أبو حامد قد قاله غيره، بمعناه، ولا شك في كون المخالفة قبيحة جداً بالنسبة إلى جلال الله تعالى، ولكن بعضها أعظم من بعض وتنقسم باعتبار ذلك إلى ما تكفره الصلوات الخمس .. والى ما لا يكفره ذلك، كما ثبت في الصحيح (مالم تغش كبيرة) فسمى الشرع ما تكفره الصلاة ونحوها صغائر، ومالا تكفره كبائر ولا شك في حسن هذا، ولا يخرجها هذا عن كونها قبيحة بالنسبة إلى جلال الله تعالى فإنها صغيرة بالنسبة إلى ما فوقها، لكونها أقل قبحاً ولكونها متيسرة التكفير - والله أعلم - ". (٢) وقال ابن القيم: "وقد دلَّ القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ﴾ [النساء: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] (٣). وقيل غير ذلك (٤). وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر، فقد اختلفوا في ضبطها اختلافا كثيراً كبيراً منتشراً جداً (٥) فروي عن ابن عباس: (الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنارٍ أو غضبٍ أو لعنةٍ أو عذابٍ) (٦) ونحو هذا عن الحسن البصري (٧).

стр. 106

ورُوى عن ابن مسعود قوله: (ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ فهو كبيرة) (١). ورُوى عن الحسن وسعيد بن جبير قولهما (كل موجبة في القرآن كبيرة) (٢). وقال الضحاك: هي ما أوعد الله عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة (٣). وقيل: كل ذنب صرح بالوعيد فيه في الكتاب والسنة (٤). وقال أبو المعالي وغيره: " كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة ... الديانة (٥) واختاره بعض المتأخرين (٦). واتضح أن ما سبق من تفسيرات للكبيرة، من اختلاف التنوع لا التضاد. فيصح أن تفسر الكبيرة بما رُوى عن ابن عباس وابن مسعود والحسن، وبما قاله الضحاك، ويصح أن يقال: كل ما تُوعد عليه في الكتاب والسنة فهو كبيرة. قال الزجاج: " والكبائر حقيقتها أنها كل ما وعد الله عليه النار، نحو القتل والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم " (٧). وبمثل قول إمام الحرمين الجويني، قال، أبو محمد العزِّ بن عبد السلام (٨): "والأولى أن تضبط الكبيرة بما يشعر بتهاون مرتكبها في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك، ولم أقف لأحد من العلماء على ضابط ذلك" (٩) قال ابن حجر: " قلتُ: وهو ضابط جيد" (١٠).

стр. 107

وبمعنى قول ابن عبد السلام قال الغزالي في البسيط (١). وأما ما ذكره الحسين بأن الكبيرة ما سمَّاه الله في كتابه كبيراً أو عظيماً ومثَّل له ببعض الآيات وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وهذا من أصح الطرق التي يفسر بها القرآن .. لكن هل يصح أن يكون هذا ضابطاً لها أو محققاً لمعناها؟ الجواب: حتماً، لا. وذلك لأمور عدة منها: • أن الرسول ﷺ ذكر أموراً كثيرة تعد من الكبائر ولم يُطلق عليها في القرآن كبيراً وعظيماً. • ... أن السنة النبوية استقلت ببيان الحكم على معاصي بعينها أنها من الكبائر ولم تذكر في القرآن. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى. ما القول الأمثل في تلك الجرائم التي قبحها القرآن وبيَّن شناعتها وعظيم عقوبة أهلها، كاللواط، مع العلم بأنه لم يطلق عليها مسمى كبيراً أوعظيماً، وكذلك ماذا يطلق على رجل قتل معصوماً ثم تبين أنه مستحقٌّ لدمه؟ فهذه الأخيرة كبيرة على قول الجويني وغيره لأنه لم يكترث بأحكام الشريعة .. وأيضاً ماذا يكون الحال فيما يكثر عرضه اليوم من وسائل الإعلام بأساليبها المتنوعة التي لا يقرُّها عقل صحيح، أو فطرة سليمة، فضلاً عن الشريعة الحنيفية السمحة!!، وغير هذا كثير. ولذا وذاك يصح أن يكون كلام الحسين على سبيل ضرب المثل ليس إلا، ولا يمكن بحال أن يقال عنه إنه ضابط للكبيرة أو محقق لمعناها. ولقد قرأت كلاماً لابن الصلاح هو أدقُّ بكثير مما ذكره الحسين ﵀ يحسن إيراده قال في (فتاواه): " وقد قلت في ذلك قولاً رجوت الله أنه صواب وهو أن الكبيرة كل ذنب كَبُر وعَظُم عظماً يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة ووصف بكونه عظيماً على الإطلاق، فهذا فاصل لها عن الصغيرة التي وإن كانت كبيرة بالإضافة إلى مادونها فليست كبيرة يطلق عليها الوصف بالكبر والعظم إطلاقاً، ثم إن لكبر الكبيرة وعظمها أمارات معرفة بها، منها إيجاب الحد ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة، ومنها وصف فاعلها بالفسق نصَّاً، ومنها اللعن كما في قوله ﷺ (لعن الله من غير منار الأرض) (٢) في أشباه لذلك لا نحصيها وعند هذا يعلم أن عدة الكبائر غير محصورة والله أعلم". (٣).

стр. 108

والفرق بين القولين واضح. و لذا قيَّد الحسين الأمثلة التي ذكر بأنها لا تخرج عن مسمى كبيراً وعظيماً. وقال كقوله تعالى ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] والمعنى: هو أن أكلَكم أموال أيتامكم مع أموالكم حوب كبير، والهاء في قوله إنه داله على اسم الفعل، أي الأكل. وأما الحوب: فإنه الإثم، يقال منه حاب الرجل يحوب حَوْباً وحيابةً، ويقال منه: قد تحوب الرجل من كذا، إذا تأثم منه (٣) وقد قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. وروي عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يارسول الله! وما هنَّ؟ قال " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) (١). • وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]. رُوي عن عبد الله بن مسعود قوله: (قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعوا لله نداً وهو خلقك، قال: ثم أيٌّ؟ قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أيّ؟ قال: ثم أن تزاني ... بحليلة جارك) فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٢) [الفرقان: ٦٨]

стр. 109

روى ابن جرير في تفسيره عن مجاهد في قوله (خطئاً كبيراً) قال: أي خطيئة (١) قال الشيخ السعدي -رحمه الله تعالى-: وهذا من رحمته بعباده، حيث كان أرحم بهم من والديهم، فنهى الوالدين أن يقتلوا أولادهم خوفاً من الفقر والإملاق، وتكفل برزق الجميع، وأخبر أن قتلهم كان خطئاً كبيراً، أي من أعظم كبائر الذنوب، لزوال الرحمة من القلب والعقوق العظيم والتجرؤ على قتل الأطفال الذين لم يجر منهم ذنب ولا معصية. (٢). • وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ولا يخفى هنا أن الآيات والأحاديث الواردة في الشرك أكثر من أن تحصر وقد ذُكر آنفاً شَيء منها. • وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]. قال ابن كثير: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ أي أن هذا البهت واللطخ الذي لطختِ عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٣). وقال القرطبي: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ وإنما قال عظيم لعظم فتنتهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن (٤). • وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] (أي: (ولولا) أيها الخائضون في الإفك الذي جاءت به عصبة منكم (إذ سمعتموه) ممن جاء به (قلتم) ما يحل لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوه به ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ تنزيهاً لك يار ب وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء

стр. 110

(هذا بهتان عظيم) أي هذا القول بهتان عظيم). (١) ومعلومٌ أن حقيقة البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس منه. قال ابن تيمية: " وهذا نهي لهم عن التكلم بالقذف". (٢) والظاهر ـ والله أعلم ـ أن الحسين أورد الآية هنا ليبين أن القذف من الكبائر. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]. • وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] قال الزجاج: " والمعنى: وما كان لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده وذلك أنه ذكر أن رجلاً قال: إذا توفي محمدٌ تزوجت امرأته فلانة، (٣) فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أي كان ذنبا عظيماً (٤). وأما عن ترتيب الكبائر فثابت في الكتاب والسنة (٥) وأما عن ضابط الكبائر. فأقول - والله أعلم ـ إنه لا قول الحسين ولا ما ذكرت من أقوال في الكبيرة يضبطها ضبطاً تاماً بحيث لا تخرج كبيرة عن قول كل قائل فيها، إذ كيف يطمع فيما لا مطمع في ضبطه. قال الواحدي وغيره: " والصحيح أنه ليس لها حدّ يعرفه العباد وتتميّز به من الصغائر تميز إشارة، ولو عرف ذلك لكانت الصغائر مباحة، ولكن الله- تعالى - يعلم ذلك وأخفاه عن العباد، ليجتهد كل أحد في اجتناب ما نُهي عنه رجاء أن يكون مجتنب الكبائر. ونظير هذا في الشريعة إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات، وليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة ". (٦)
следующие страницы →