← Тафсир

Тафсир · id 713

أقوال الحسين بن الفضل في التفسير

نادية بنت إبراهيم النفيسة

Полный текст (343 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨] [٣٦] قال الحسين بن الفضل: (هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين، فسموا نجساً على الذم) . الكشف والبيان ص: ١١٦ (١) الدراسة أصل الحكم في اللغة: المنع، والحُكْم بالشيء أن تقضي بأنه كذا وليس بكذا سواءٌ ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه. (٢) واصطلاحاً: إثبات أمر لأمر، أو نفيه ... عنه مثل زيد قائم وعمرو ليس بقائم. (٣) قال الفراء: لا تكاد العرب تقول نَجِس إلا وقبلها رِجْس، فإذا أفردوها قالوا: نَجَس لا غير، ولا يجمع ولا يؤنث. (٤) ويقال امرأة نَجَس ورجال نَجَس ونسوة نَجَس. (٥) وقال أبو عبيدة: "متحرك الحروف بالفتحة، ومجازه: قذر وكل نَتْنٍ وَطفَسٍ نَجَسٌ". (٦) وقال الزجاج: "يقال لكل مُستَقْذرٍ نَجَسٌ فإذا ذكرت الرجِسَ قلت: هو رِجْس نَجِسٌ ". (٧) ووُصف المشركون بأنهم نجس لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، روي ذلك عند قتادة (٨). وقال ابن عباس وغيره: بل معنى الشرك هو الذي نجسه. (٩) وأيُّ نجاسة أبلغ ممِّن يعبد مع الله آلهة أخرى. (١٠) قال الزمخشري: " ومعناه ذو نجس؛ لأنَّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جُعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغةً في وصفهم بها ". (١١) وذهب الحسن إلى أن من صافح مشركاً فليتوضأ (١٢). وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية والزيدية (١٣)، وذهب الجمهور من السلف والخلف، ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات؛ لأنَّ الله سبحانه أحلَّ طعامهم وورد عن النبي ﷺ أنه أكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها وأنزلهم في مسجده وهذا يفيد عدم نجاسة ذواتهم (١٤).

стр. 142

قال ابن العربي: " اعلموا وفقكم الله أن النجاسة ليست بعين حسية، وإنما هي حكم شرعي، أمر الله بإبعادها كما أمر بإبعاد البدن عن الصلاة عند الحدث وكلاهما أمر شرعي ليس بعين حسية ". (١) وعلى ما سبق فقول الحسين ﵀ هو الصحيح المنقول عن المذاهب الأربعة. قال البغوي: " وأراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سمَّوا نجساً على الذم" (٢). وقال ابن كثير: " أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين ديناً وذاتاً بنفي المشركين الذين هم نجس ديناً عن المسجد الحرام .. " (٣) وهذه دلالة واضحة على أن أعيانهم طاهرة، ولكنهم خبثاء في عقائدهم ومن هنا صارت نجاستهم حكمية. فالمشرك نجس لأجل عقيدته الشركية، وقد يكون جسده نظيفاً مطيباً لا يستقذر. (٤) قال عبد الرحمن السعدي: " وليس المراد هنا نجاسة البدن، فإنَّ الكافر كغيره طاهر البدن، بدليل أن الله تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر بغسل ما أصاب منها، والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل عنهم أنهم تقذروا منها، تَقَذُّرهم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم نجاستهم المعنوية بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان طهارة فالشرك نجاسة ". (٥) والحمد لله رب العالمين على فضله وسماحة أحكامه.

стр. 143

قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] [٣٧] قال الحسين بن الفضل: معناه: (ليظهره على الأديان كلها بالحجج الواضحة والبراهين اللائحة، فتكون حجة هذا الدين أقوى). الكشف والبيان للثعلبي (١) ص: ١٦٣. (٢) الدراسة قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمد ﷺ (بالهدى) قيل بالقرآن (٣)، وقيل ببيان الفرائض (٤) (ودين الحق) هو الإسلام (٥). (ليظهره) اختلفوا في عود الضمير على قولين: أولهما أنّ الهاء عائدةٌ إلى رسول الله ﷺ (٦). قال ابن عباس: " ليظهر الله نبيه على أمر الدين كله، فيعطيه إياه كله، ولا يخفى عليه منه شيء (٧). قال أبو حيان: " والظاهر أن الضمير في (ليظهره) عائد على الرسول ﷺ لأنه المحدث عنه " (٨). قال الشافعي: " فقد أظهر الله -جل ثناؤه -دينه الذي بعث به رسوله على الأديان بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وأظهره، بأن جماع الشرك، دينان، دين أهل الكتاب ودين الأميين، فقهر رسول الله ﷺ الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً، وقتل من أهل الكتاب وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام وأعطى بعضهم الجزية صاغرين وجرى عليهم حكمه ﷺ وهذا ظهور الدين كلِّه ... " (٩) والآخر: أنَّ الهاء راجعة إلى دين الحق، أي إلى الإسلام. ثم إن في معنى الكلام قولان: الأول: ليظهر هذا الدين على سائر الأديان (١٠) وإن كان معه غيره كان دونه (١١) وقال أبو هريرة والضحاك: وذلك عند نزول عيسى ابن مريم، لا يبقي أهل دين إلا دخل الإسلام (١٢). روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في نزول عيسى ﵇، قال: (فيهلك الله في زمانه الملل كلَّها إلا الإسلام) (١٣). وكأنَّ أصحاب هذا القول ذهبوا إلى إظهاره على أتمِّ وجوهه حتى لا يبقى معه دين آخر (١٤). وأما الذي قبله فلا يحتاج إلى نزول عيسى ﵇ بل حصل في صدر هذه الأمة.

стр. 144

والثاني: إنَّ إظهار الدين إنما هو بالحجج الواضحة وإن لم يدخل الناس فيه (١). قال السمرقندي (٢): " (ليظهره على الدين كله) حتى يظهره بالحجة على الدين كله" (٣). وقال السمعاني: " وفي قوله ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قول آخر، وهو أنه الإظهار بالحجة، فدين الإسلام ظاهر على كل الأديان بالدليل والحجة " (٤). وقال القرطبي: " أي بالحجة والبراهين ". (٥) وهذا القول هو الذي ذهب إليه الحسين فيكون الضمير ـ على قوله ـ عائداً على الدين الحق. قال ابن عطية عن إعادة الضمير إلى الرسول ﷺ : " وهذا التأويل وإن كان صحيحاً جائزاً، فالآخر أبرع منه وأليق بنظام الآية وأحرى مع كراهية المشركين ". (٦) والذي يظهر – والله أعلم – أنه لا مانع من اجتماع الأمرين فالدين قد ظهر وعلا على سائر الأديان، وكذلك ظهر بالحجج والبراهين وقد تمَّ ذلك والحمد لله. وممَّا يؤيد قول الحسين بن الفضل ﵀ ما قاله السعدي -رحمه الله تعالى-: " أي ليعليه على سائر الأديان بالحجة والبرهان والسيف والسنان، وإن كره المشركون ذلك وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم فإن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه، فوعدُ الله لا بد أن ينجزه، وما ضمنه لابد أن يقوم به " (٧). وما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعُزَّى، فقلت: يا رسول الله إن كنت لأظنُّ حين أنزل الله (﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [لتوبة: ٣٣] إن ذلك تام، قال: إنهَّ سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتوفَّى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم) (٨)

стр. 145

قال تعالى ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠] . [٣٨] قال الحسين بن الفضل: (من قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر؛ لإنكاره نص القرآن، وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعاً، لا يكون كافراً) . معالم التنزيل للبغوي (١) / ٢٨٣ الدراسة نوهت هذه الآية بقدر أبي بكر الصديق ﵁ ولا يخفى ما لأبي بكر ﵁ من فضائل عظيمة (٢) قال الإمام أحمد: " وخير هذه الأمة بعد نبيِّها أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا في ذلك ... ونذهب في ذلك إلى حديث ابن عمر ﵄ (كنَّا نعد ورسول الله حيٌّ وأصحابه متوافرون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (٣) .. ) (٤)

стр. 146

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء، والأجناد، على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب ﵃، ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثير " (١) وقال في العقيدة الواسطية: " لكن التي يضل فيها مسألة الخلافة، وذلك إنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضلُّ من حمار أهله" (٢) وهو أحق الصحابة بالخلافة بعد النبي ﷺ ؛ لأنَّه أفضلهم وأسبقهم إلى الإسلام ولأن النبي ﷺ قدّمه في الصلاة؛ ولأن الصحابة ﵃ أجمعوا على تقديمه ومبايعته ولا يجمعهم الله على ضلالة (٣) وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة فيه (٤) وهو خلاف ما تدعيه الرافضة (٥). ودلَّت هذه الآية دلالة واضحة على فضيلة أبي بكر ﵁ حينما وصفه بالصحبة فقال وهو الصادق في قيله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ولا خلاف أن المراد بأحد الاثنين أبو بكر ﵁، وهو المراد كذلك بصاحبه (٦). قالوا: من أنكر صحبة الصديق كفر لإنكاره النص الجلي (٧) ونصّ على ذلك

стр. 147

الشافعي (١) قال العيني: " وقالوا من أنكر صحبه أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة". (٢) ووصفه بالصحبة متلوٌّ إلى يوم القيامة، قال ابن تيمية: " و لهذا قال سفيان بن عيينة وغيره: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر. وقال: من أنكر صحبة أبي بكر فهو كافر لأنه كذب القرآن " (٣) قال القرطبي: " قال بعض العلماء من أنكر أن يكون عمر وعثمان أو أحد من الصحابة صاحب رسول الله فهو كذاب مبتدع، ومن أنكر أن يكون أبو بكر ﵁ صاحب رسول الله ﷺ فهو كافر لأنه رد نص القرآن " (٤) وهذا هو عين كلام الحسين. وقال السعدي في تفسيره: " وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد بهذه الآية الكريمة ولهذا عدُّوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي ﷺ كافراً، لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها (٥)

стр. 148

قال تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] [٣٩] قال الحسين بن الفضل: (والفرق بينهما أن قوله ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: معناه تجري من تحت الأشجار، وقوله ﴿تَحْتَهَا﴾ (١) أي: ينبع الماء من تحت الأشجار) . الكشف والبيان ص: ٣٨٩ (٢) الدراسة قال تعالى ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (تحتها) قرأها ابن كثير المكي بزيادة (من) هكذا هي في مصاحفهم (٣) وقرأها الباقون (٤) بدون (من). قال ابن جرير: "والجنات جمع جنة ": البستان، وإنما عُنى ـ جل ذكره ـ بذكره الجنة، ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغرسها دون أرضها؛ فلذلك قال عزَّ ذكره ﴿تَجْرِي من تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ لأنَّه معلوم أنه إنما أراد ـ جل ثناؤه ـ الخبر عن ماء أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تحت أرضها؛ لأن الماء إذا كان جارياً تحت الأرض، فلا حظَّ فيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه على أن الذي توصف به أنهار الجنة أنها جارية في غير ... أخاديد " (٥)

стр. 149

قال البغوي: " أي من تحت أشجارها ومساكنها (الأنهار) أي المياه في الأنهار، لأن النهر لا يجري. وقيل (من تحتها) أي بأمرهم، لقوله تعالى حكاية عن فرعون ... ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الرخرف: ٥١] أي بأمري. " (١) وقال القرطبي: "أي من تحت أشجارها ولم يجر لها ذكر لأن الجنان دالة عليها ... (الأنهار) أي: ماء الانهار، فنُسب الجري إلى الأنهار توسُّعاً، وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصاراً .. ". (٢) وقال السمين الحلبيُّ: " والأنهار جمع نَهَر بالفتح، وهي اللغة الغالبة، وفيه تسكين الهاء .. والنهر دون البحر وفوق الجدول، وهل هو مجرى الماء أو الماء نُفسه؟ والأول أظهر لأنَّه مشتقٌّ من نهْرت أي: وسَّعْتُ ". (٣) وقد نبّه سبحانه على عموم ريِّها، وكثرة مائها، بنزع الجار على قراءة الجماعة فقال ﴿تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي هي كثيرة المياه، فكل موضع أردته نبع فيه ماء فجرى منه نهر، ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في استخراجه بقربه، ويسر جريه، وانبساطه أثبته ابن كثير دلالة على ذلك كسائر المواضع، ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف؛ لأن ذلك يخص هذه الأمة، فلعلها تُخص بجنة هي أعظم الجنان ريِّا وحسناً. (٤) ولعله يخالف المعنى الذي ذهب إليه بعض المفسرين بأن (من تحتها) من تحت الأشجار فوق الأرض فكأن قوله أي: (ينبع الماء من تحت الأشجار) معناه أنها تجري تحت الأرض. فكأنه جعل الأنهار على الأرض تحت الأشجار في الآية الأولى فجعله جرياناً، وفي الثانية جعل الماء ينبع من باطن الأرض تحت جذوع الأشجار، فجعله نبعاً.

стр. 150

قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] روى الشيخان عن سعيد بن المسيب (١) عن أبيه (٢) قال: " لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أميه، فقال النبي ﷺ : ... (أي عم) قُلْ: لا إله إلا الله، أحاجُّ بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال النبي ﷺ : لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك، فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٣). [٤٠] قال الحسين بن الفضل: (وهذا بعيد، لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان (٤) الإسلام والنبي ﷺ بمكة) . الكشف والبيان للثعلبي (٥) ص: ٤٤٣. (٦) الدراسة عن البراء بن عازب (٧) (أن آخر سورة أنزلت تامة سورة التوبة وآخر آية أنزلت آية الكلالة) (٨).

стр. 151

وعن عثمان قال (كانت براءة من آخر القرآن نزولاً) (١). وأخرج ابن جرير في تفسيره عن أنس ﵁ (أن آخر ما أنزل الله التوبة) (٢)، ومن المعلوم أن التوبة مدنية (٣) بينما كانت وفاة أبي طالب قبل الهجرة بثلاث سنين (٤) ولذا استبعد الحسين أن تكون الآية نزلت في أبى طالب. أقول: لا ريب بثبوت الحديث السابق المروي في الصَّحيحين وصُرح فيه بالسببية، وما في الصحيحين مقدم على غيره، مع جواز تعدد أسباب النزول، ثم إنَّ التوفيق بين تأخر نزول براءة مع تقدم وفاة أبى طالب ممكن. ويفهم من التعبير بالفاء الدلالة على الترتيب في قوله (فنزلت) أنها نزلت في أبي طالب (٥)، وجعلها بعضهم للسببيَّة وسيأتي قريباً. قال الرازي: " وقد استبعده الحسين بن الفضل؛ لأنَّ هذه السورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبى طالب كانت بمكة في أول الإسلام، وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد فأيُّ بأس أن يقال إنَّ النبي ﷺ بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية، فإنَّ التشديد مع الكفار إنما يظهر في هذه السورة فلعل المؤمنين كان يجوز لهم أن يستغفروا لآبائهم من الكافرين وكان النبي ﷺ أيضاً يفعل ذلك ثم عند نزول هذه السورة منعهم الله منه فهذا غير ... مستبعد ". (٦) قال ابن حجر: " ويحتمل أن يكون نزول هذه الآية متأخراً وإن كان سببها ... تقدم " (٧) وذكر ﵀ أموراً تؤيد ذلك (٨). قال الآلوسي: "واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأنَّ موت أبى طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من آواخر ما نزل بالمدينة. قال الواحدي (٩): "وهذا الاستبعاد مستبعد فأيُّ بأس أن يقال كان ﵊ يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت وقت نزول الآية فإنَّ التشديد ومنع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وعليه لا يراد بقوله نزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب، واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم، فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً، وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة" (١٠).

стр. 152

وقال الشيخ العلامة محمد بن العثيمين بعد شرحه للحديث السابق الصريح في سبب نزول الآية في أبي طالب: " الإشكالات الوارده في الحديث .. الإشكال الثالث: أن قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ في سورة التوبة وهي متأخرة مدنية، وقصة أبي طالب مكية. وهذا يدل على تأخر النهي عن الاستغفار للمشركين، ولهذا استأذن النبي ﷺ للاستغفار لأمه وهو ذاهب للعمرة، ولا يمكن أن يستأذن بعد نزول النهي، فدلّ على تأخر الآية، وأن المراد بيان دخولها في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ليس المعنى أنها نزلت في ذلك الوقت " (١). والحاصل: أن الحديث صحيح وصريح في السببية ولا داعي لاستبعاد الحسين ﵀ لأن الجمع ممكن ـ والله أعلم ـ. قال تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . [٤١] قال الحسين بن الفضل: (لم يجمع الله لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا للنبي ﷺ فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] . الكشف والبيان للثعلبي (٢) / ١١٥ (٣) الدراسة قال ابن عباس ﵄: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه، ولم يجمع الله تعالى اسمين من أسمائه في غير رسول الله ﷺ (٤).

стр. 153

وقال القاضي عياض: " قال بعضهم: أعطاه اسمين من أسمائه: رؤوف ... رحيم " (١). وقال الزمخشري: " وقيل لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله ﷺ في قوله ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وقد أثبت الله هاتين الصفتين لنبيه محمد ﷺ في هذا النص القرآنيِّ الواضح، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: بينما جبريل قاعدٌ عند النبي ﷺ ، سمع نقيضاً من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء، فتح اليوم، لم يُفتح قطُّ إلا اليوم نزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا ... أعطيته) (٣)، ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن هذه خصيصة للنبي ﷺ دون غيره من الأنبياء. وفي القرآن الكريم إشارة رحمته ﷺ في قوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وبيَّن سبحانه أنَّه نبيُّ الرحمة في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ويُفهم من قوله (بين اسمين من أسمائه) أنه يجوز التسمي ببعض أسماء الله ـ والله أعلم ـ. قال ابن كثير: " والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمَّى به غيره باسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك، فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرَّحمن؛ لأنه أخصُّ وأعرف من الرَّحيم؛ لأنَّ التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخصِّ فالأخص. " (٤)

стр. 154

وأما عن الرحمة فقد بُين معناها في سورة الفاتحة، ومعلوم عقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات فللَّه رحمة تليق بجلاله، وللمخلوقين رحمة تليق بطباعهم البشرية، ومثله الرأفة. رؤوف (١) قال أبو عبيدة: " فعول من الرأفة وهي أشد الرحمة ". (٢) وقال الطبري " بالمؤمنين (رؤوف) أي رفيق (٣) ومعناه: مبالغ في الشفقة (٤)

стр. 155

سورة يونس قال تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] [٣٧] وقيل للحسين بن الفضل (هل تجد في القرآن (من جهل شيئاً عاداه) ... فقال: نعم في موضعين ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ وقوله ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١]) . الكشف والبيان للثعلبي (١) / ١٣٣ (٢) الدراسة سبق في سورة الأعراف (٣) معرفة المثل وأن ثاني قسميه هو الأمثال الكامنة. (٤) الجهل: نقيض العلم، تقول: جَهَل فلانٌ حقه وجَهِل عليَّ، وجهل بهذا الأمر، والجهالة: أن تفعل فعلاً بغير عِلْم. (٥) وقد كان وما زال دأب أهل التقليد العناد إذا أحسوا بما لا يوافق هواهم وما نشأوا عليه وما ألفوه، وإن كان أضوأَ من الشمس في ظهور صحته، أنكروه ولأول وهلة واشمأزوا منه قبل أن يدركوه ويحيطوا به علماً، بل قبل أن يحسوه بحاسة سمعهم، لأنِّه ترسخ في فكرهم صحةُ ما هم عليه، وكل هذا حصل بسبب جهلهم، فالمرء لا يزال عدواً لما جهل. قال الشافعي: " العلم جهل عند أهل الجهل، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم ثم أنشأ يقول: ومنزلةُ الفقيهِ مِنْ السَفِيهِ كَمَنْزِلَةِ السَفِيهِ مِنَ الفَقِيهِ فَهَذَا زَاهِدٌ فِي قُرْبِ هَذَا

стр. 156

وَهَذَا فِيْه أَزْهَدُ مِنْهُ فيهِ (١) وقيل لسفيان بن عيينة: يقول الناس: كل إنسان عدو ما جهل، فقال: هذا في كتاب الله، قيل أين؟ فقال: (بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه) (٢)، والإحاطة بعلم الشيء هي المعرفة به من جميع وجوهه. (٣) ومعنى الآية: ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك، ولكن بهم التكذيب مما أنزل الله عليك في هذا القرآن من وعيدهم على كفرهم بربهم (٤) فهم كذبوا بالقرآن وهم جاهلون بمعانيه وتفسيره. قال الزمخشري: " بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه، وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم" (٥). والحق أن يحيطوا بعلمه لأنَّ توفر أدلة صرفه، تحتاج إلى زيادة تأمل وتدقيق نظر بحيث يتعين على الناظر عِلمُ أدلته ثم إعادةُ التأمل فيها، وتسليط علم على علم ونظر على نظر بحيث تحصل الإحاطة بالعلم. وفي هذا مبالغة في فرط احتياجه إلى صدق التأمل، ومبالغة في تجهيل الذين بادروا إلى التكذيب من دون تأمل في شيء حقيقي بالتأمل بعد التأمل .... وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرة وعداوة لا عن اعتقاد كونه مكذوباً (٦). وكذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾، أي وإذا لم يهتدوا بالقرآن (٧) فسيقولون هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ أكاذيب من أخبار الأولين قديمة، كما قال- جلَّ ثناؤه -مخبراً عنهم ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٨) [الفرقان: ٥] فالكفار لمَّا لم يهتدوا بهذا القرآن، وفاتهم أعظم المواهب، وأجل الرغائب، قدحوا فيه بأنه كذب، وهو الحق الذي لاشك فيه، ولا امتراء يعتريه، الذي قد وافق الكتب السماوية خصوصاً أكملها وأفضلها بعد القرآن وهي التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇. (٩)

стр. 157

وهكذا توافقت الآيتان في إثبات كفرهم بالقرآن بسبب جهلهم به، فلمَّا فقدوا العلم كفروا بأعظم مُنْزَل وهو القرآن الكريم، فهل يجرُّ الجهل على صاحبه أعظم من هذا، فمن باب أولى تكذيب ما دونه بسب الجهل، فطالما أنَّ المرء على الجهل فهو عدوٌّ لكل ما يجهله (والناس أعداء ما جهلوا ولو تدبَّروا لعرفوا). وعلى هذا فيكون كلام الحسين ﵀ مستنبطاً استنباطاً صحيحاً وفيه دلالة واضحة على إيمان الحسين بأن هناك آيات توافق معنى بعض الأمثال العربية. قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ... [يونس: ٥٨] [٤٣] قال الحسين بن الفضل: (فضل الله: الإيمان، ورحمته: الجنة) الكشف والبيان للثعلبي (١) ص: ٥٧٤. (٢) الدراسة للعموم صيغ كثيرة (٣) أفردها بعضهم في التصنيف (٤). قال الإمام الشافعي: " ولا يُقال بخاصٍّ، في كتاب الله، ولا سنة، إلا بدلالة فيهما أوفىِ واحد منهما، ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاص، فأما ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية " (٥). ومما يفيد العموم، المفردُ المضافُ (٦). في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ فالفضل والرحمة هنا عموم. (٧) ذكر فيها العلماء أقوالاً كثيرة منها: قال أبو سعيد الخدري (٨): فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلنا من أهله (٩).

стр. 158

وقال ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن (١). وعن مجاهد في بعض الروايات عنه: أن الفضل هو الدين (٢). وقال زيد بن أسلم (٣) و الضحاك وغيرهم وهي رواية عن ابن عباس: بل الفضل: القرآن، والرحمة الإسلام (٤). وقال ابن عمر ﵄: فضل الله: الإسلام، ورحمته تزيينه في القلب (٥). وروي عن مجاهد أن فضل الله ورحمته: القرآن (٦) واختاره الزجاج (٧) وقالت فرقة: الفضل: محمد ﷺ ، والرحمة: القرآن (٨) وقيل غير ذلك (٩). والقول المفيد هنا أن كل هذه الأقوال السابقة، وغيرها هي، تمثيلات لهذا العموم ولو كانت على سبيل التخصيص لاحتاجت إلى دليل، وقول الحسين ﵀ يدخل في باب التفسير بالمثال مع العلم بأن الحسين ﵀ مسبوق بتفسيره (الفضل بالإيمان) من قبل بعض الصحابة وأئمة التابعين. قال أبو حيان: " هذه تخصيصات تحتاج إلى دلائل، ينبغي أن يعتقد أنها تمثيلات، لأن الفضل والرحمة أريد بهما تعيين ما ذكر وحصرهما فيه ". (١٠) وقال الشوكاني: " والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم، ويدخل في ذلك ما في القرآن منهما دخولاً أولياً (١١).

стр. 159

قال تعالى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] [٤٤] قال الحسين بن الفضل: ((إن) مع حروف الشرط لا يثبت الفعل، والدليل عليه ما روى أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية، قال: (والله لا أشك ولا أسأل) (١). الكشف والبيان للثعلبي (٢) ص: ٦٢٧ (٣). وقال: (إنَّ: إن نافية) البحر المحيط ٥/ ١٩٠ (٤). الدراسة قوله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾. قال الفراء: " قاله ﵎ لنبيه ﷺ وهو يعلم أنه غيرُ شاكٍّ، ولم يشكَّ ﵇. فلم يسأل، ومثله في العربية أنك تقول لغلامك الذي لا يشك في مُلكك إياه: إن كنت عبدي فاسمع وأطع، وقال الله ﵎ لنبيه عيسى ﷺ ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهو يعلم أنه لم يقله، فقال الموفق معتذراً بأحسن العذر ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ٤] " (٥). وبنحو قوله قال الطبري (٦) وقال ابن قتيبة (٧): " وأما قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ففيه تأويلان:

стр. 160

أحدهما: أن تكون المخاطبة لرسول الله ﷺ ، والمراد غيره من الشكاك، لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلهم، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره، ولذلك يقول مُتمثّلهم: (إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة) (١) ومثله قوله ... ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١] ... (٢) إلى أن قال: والتأويل الآخر: أن الناس كانوا في عصر النبي ﷺ أصنافاً: منهم كافر به مكذِّب، لا يرى إلا أن ما جاء به الباطل. وآخر: مؤمن به مصدِّق يعلم أن ما جاء به الحق. وشاكٌّ في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدم رجلاً ويؤخر الأخرى. فخاطب الله ــ سبحانه ــ هذا الصنف من الناس فقال: فإن كنت أيها الإنسان في شكٍّ مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد ﷺ ، فسل الأكابر من أهل الكتاب والعلماء الذين يقرؤون الكتاب من قبلك ... (٣) إلى أن قال " وهذا وإن كان جائزاً حسناً، فإن المذهب الأول أعجب إليَّ؛ لأن الكلام اتصل حتى قال: ... ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وهذا لا يجوز أن يكون إلا لرسول الله ﷺ " (٤) وقال الزجاج: " هذه آية قد كثر سؤال الناس عنها وخوضهم فيها جداً، وفي السورة ما يدل على بيانها وكشف حقيقتها: - والمعنى أن الله ـ جلَّ وعزَّ ـ خاطب النبي ﷺ وذلك الخطاب شامل للخلق، فالمعنى: إن كنتم في شكٍّ فاسألوا، والدليل على ذلك قوله في آخر السورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٤]

стр. 161

فهذا أحسن الأقوال وفيها قولان آخران: فإن كنت في شكٍّ مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون، كما تقول للرجل: إن كنت أبي فتعطف عليَّ، أي إن كنت أبى فواجبٌ أن تتعطف عليَّ، ليس أنه شك في أنه أبوه (١). وفيها وجه ثالث (٢): أن تكون (إن) في معنى (ما) فيكون المعنى ما كنت في شك مما أنزلنا إليك، فأسأل الذين يقرؤون، أي لسنا نأمرك لأنك شاك، ولكن لتزداد ... " (٣) وقيل: أقوالاً غير هذه. (٤) وقال ابن عطية: " والصواب في معنى الآية أنَّها مخاطبة للنبي ﷺ والمراد بها سواه، من كل من يمكن أن يشكَّ أو يعارض ". (٥) والأكثرون على أن معنى الآية أن الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره من الشاكين. (٦) وقال القاضي عياض: " فاحذر ثبَّت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك للنبي ﷺ فيما أوحى إليه وأنه من البشر، فمثل هذا لا يجوز عليه جملة ... " (٧) قال النحاس: " في موضع جزم بالشرط " (٨) قال أبو حيان: " الظاهر: أنَّ (إن) شرطية، وروي عن الحسن والحسين بن الفضل أنّ: إنْ نافية، قال الزمخشري: أي، فما كنتَ في شك فاسأل، يعني: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاكٌّ، ولكن لتزداد يقيناً، كما ازداد إبراهيم ﵇ بمعاينة إحياء الموتى. (٩). وإذا كانت (إن) شرطية فذكروا أنها تدخل على الممكن وجوده، أو المحقق وجودة المنبهم زمان وقوعه، كقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والذي أقول: أنَّ (إن) الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء ولا تستلزم تحتم وقوعه، ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ومستحيل أن يكون له ولد، فكذلك هذا مستحيل أن يكون في شك، وفي المستحيل عادة كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]

стр. 162

أي: " فافعل، لكن وقوع إن للتعليق على المستحيل قليل، وهذه الآية من ذلك ولما خفي هذا الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية ... " (١) وقد ذكر السمين الحلبي في (إن) وجهان، الأول كونها شرطية، والثاني أنها نافية وذكر قول الزمخشري السابق ذكره ثم قال: " وهذا القول سبقه إليه الحسن البصري والحسين بن الفضل، وكأنه فراراً من الإشكال المتقدم في جعلها شرطية .... " (٢) قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] [٤٥] قال الحسين بن الفضل (لاضطرَّهم إلى الإيمان) . الكشف والبيان ص: ٦٣٥ (٣) الدراسة صّرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه لو شاء إيمان جميع أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعاً، وهذا دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية، وبيّن ذلك أيضاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧] وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣] وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] إلى غير ذلك من الآيات (٤). قال ابن كثير: يقول تعالى: " (ولو شاء ربك) يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به فآمنوا كلهم ولكن له حكمة فيما يفعله .. " (٥) وقال السعدي: " يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ": ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] بأن يلهمهم الإيمان، ويوزع قلوبهم للتقوى، فقدرته صالحة لذلك، ولكنه اقتضت حكمته أن كان بعضهم مؤمنين وبعضهم كافرين " (٦).

стр. 163

وفي هذه تسلية للنبي عليه صلوات الله وسلامه، بأنه تعالى قادرُّ بأن يضطر الناس كلهم إلى الإيمان ويكرههم عليه، ولكنه لمصلحة عظمى اقتضتها حكمته البالغة لم يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الكتاب الأول ولم يضل إلا من سبقت له الشقاوة. وعلى هذا فتفسير الحسين ﵀ لهذه الآية تفسير صحيح مستقيم.

стр. 164

سورة هود قال تعالى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٧] . [٤٦] وقال الحسين بن الفضل: (هو القرآن ونظمه وإعجازه، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ القليل) الكشف والبيان للثعلبي (١) / ٣٢ (٢). الدراسة النَّظم: الجمع والتأليف والضم (٣) ونظمت اللؤلؤ: أي جمعته في السلك. (٤) والنظم في الاصطلاح: تأليف الكلمات والجمل مُرتَّبة المعاني، متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل. (٥) ويقال: نظم القرآن عبارته التي تشتمل عليها المصاحف صيغة ولغة (٦) وأما الإعجاز فهو من المصطلحات الحادثة والذي أظهرته بعض الفرق الكلامية (٧). ومعنى الإعجاز: الفوت والسبق، يقال أعجزني فلان أي فاتني (٨)، ويقال أعجزني فلان إذ عجزت عن طلبه وإدراكه. (٩) وفي الاصطلاح: هو زوال القدرة على الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير (١٠). والإعجاز في الكلام هو: " أن يؤدي المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطرق " (١١). أما الإعجاز في القرآن فهو مركب إضافي معناه بحسب أصل اللغة إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم (١٢).

стр. 165

قوله تعالى ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ اختلف أهل التأويل في بيان المراد من الشاهد: فقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح، وعكرمة، والضحاك وغيرهم: أنه جبريل ﵇ (١)، وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير (٢). وقال الحسين بن علي، ﵁ أنه محمد ﷺ (٣) وقال عليٌّ ﵁ والحسن البصري ... وقتادة: أنه لسانه (٤). وقال مجاهد: هو ملك يحفظه (٥) وقال بعضهم: هو الإنجيل (٦) وقالت فرقة: هو القرآن (٧)، وقالت أخرى: هو إعجاز القرآن. (٨). والذي يفهم من اختيار الحسين بن الفضل جمعه بين القولين الأخيرين، ومن الواضح أن الأول متضمن للثاني وأن الثاني داخل في الأول، ويعتبر النظم جزءاً من الإعجاز، والإعجاز كائن في القرآن، والقرآن معجزُ لا محالة. وممَّا جعل كلام الله تعالى يرتقي أعلى درجات البلاغة فيعتلي عرشها، تضمنه المعنى الكثير الذي يزيد على لفظه من غير حذف، وهذا ما يسميه البلاغيون ... " إيجاز القصر " (٩).

стр. 166

قال ابن الأثير (١): "وهذا الذي لا يمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدتها وهو أعلى طبقات الإيجاز مكاناً، وأعوزها إمكاناً وإذا وُجد في كلام بعض البلغاء، فإنما يوجد شاذاً نادراً فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم .. " (٢) بيان المراد من الشاهد وجه مقبول قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: " ويقال: الشاهد " القرآن " " يتلوه " يكون بعده تالياً شاهداً له. وهذا أعجب إليَّ، لأنه يقول: (ومن قبله كتاب موسى) يعني التوراة ". (٣) وقال الزمخشري: " أي شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن ". (٤) وقال الرازي: " والمراد بالشاهد هو القرآن " (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " يعني القرآن شاهد من الله يوافق الإيمان ... ويتبعه ". (٦)

стр. 167

قال تعالى ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ [هود: ٦٣] [٤٧] قال الحسين بن الفضل: (لم يكن صالح في خسارة حين قال لهم: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة ? الكشف والبيان للثعلبي (١) ص: ٩٥ (٢) الدراسة في قوله (فما تزيدونني غير تخسير) أمور: الأمر الأول: - الخُسْر والخسران هو النقصان (٣)، وكذلك التخسير (٤)، والفعل: خَسِرَ يَخْسَرُ خُسْراناً (٥). ا لأمر الثاني: في معنى (فما تزيد ونني غير تخسير): من المعلوم أن صالحاً ﵇ لم يكن في خسارة فما معنى (فما تزيدونني غير تخسير) قال ابن عباس: فما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم (٦). وقال مجاهد: يقول: ما تزدادون أنتم إلا خساراً (٧). قال ابن عطيَّة: " فما تزيدونني غير تخسير، معناه فما تعطونني فيما اقتضيته منكم من الإيمان وأطلبكم به من الإنابة غير تخسير لأنفسكم، وهو من الخسارة وليس التخسير في هذه الآية، إلا لهم وفي حيزهم، وأضاف الزيادة إليه من حيث هو مقتض لأقوالهم موكل بإيمانهم، كما تقول لمن توصيه: أنا أريد بك خيراً وأنت تريد بي شراً، فكأنّ الوجه البيِّن وأنت تريد شراً ولكن من حيث كنت مريداً خيراً به، ومقتضى ذلك حسن أن تضيف الزيادة إلى نفسك " (٨) وقال الفراء: "يقول فما تزيدونني غير تخسير لكم وتضليل لكم، أي كلما اعتذرتم بشيء هو يزيد كم تخسيراً، وليس غير تخسير لي أنا. وهو كقولك للرجل ما تزيدونني إلا غضباً، أي: غضباً عليك" (٩). وقال ابن الأعرابي: أي غير إبعاد من الخير (١٠)، أي: غير تخسير لكم، لا لي. (١١) وقال بعضهم: المعنى فما تزيدونني بما قلتم إلا نسبتي لكم إلى الخسارة (١٢) فيقال في اللغة التفسيق والتفجير، وهو النسبة إلى الفسق والفجور، وكذلك التخسير هو النسبة إلى الخسران (١٣) وهذا المعنى الأخير هو ما ذهب إليه الحسين بن الفضل ﵀. القول الثاني: فما تزيدونني غير الخسران إن رجعت إلى دينكم (١٤)، قال الزمخشري: " يعني تخسِّرون أعمالي وتبطلونها. أو فما تزيدونني بما تقولون لي وتحملوني عليه غير أن أُخسِّركم، أي أنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم: إنكم خاسرون " (١٥)

стр. 168

وقال الرازي بعد أن ساق هذين الوجهين اللذين ذكرهما الزمخشري: " والقول الأول أقرب، لأنَّ قوله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣] كالدلالة على أنه أراد (إن أتبعكم فيما أنتم عليه من الكفر الذي دعوتموني إليه لم أزدد إلا خسراناً في الدين، فأصير مع الهالكين الخاسرين). (١) الأمر الثالث: موقع ((غير)) الإعرابي: قال أبو البقاء " الأقوى في المعنى أن يكون ((غير)) هنا استثناءً في المعنى، وهو مفعول ثانٍ لـ (تزيدونني) أي: فما تزيدونني إلا تخسيراً، ويضعف أن تكون صفة لمحذوف، إذ التقدير: فما تزيدونني شيئاً غير تخسير، وهو ضد المعنى" (٢). وذكر السمين الحلبي أن الظاهر في (غير) أن تكون مفعولاً ثانياً لـ (تزيدونني) (٣) وقال: "ويجوز أن تكون صفة لمفعول محذوف، أي: شيئاً غير تخسير وهو حدٌّ في المعنى، ومعنى التفعيل هنا النسبة. والمعنى غير أن أخسركم، أي أنسبكم إلى التخسير، قاله الزمخشري. وقيل: هو على حذف مضاف " (٤) وهذا على قول ابن عباس. (٥) والحاصل أن المعنى الذي أورده الحسين ﵀ في الآية سائغٌ ومعروف في اللغة، ولكنه ليس بالقوي، وغيره أقوى منه والله أعلم. قال تعالى ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] [٤٨] قال الحسين بن الفضل: (عرض بناته عليهم بشرط الإسلام) معالم التنزيل ٢/ ٤١٦. الدراسة في المراد من قوله (﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾) قولان مشهوران: أحدهما: أنَّ المراد البنات لصلبه (٦) وهي رواية قتادة عن حذيفة بن اليمان (٧)، ونسبه ابن الجوزي لابن عباس (٨) وهو اختيار الزمخشري (٩)، واتفق أصحاب هذا القول على أن لوطاً ﵇ ما دعا القوم إلى الزنا بل إنه دعاهم إلى التزوج بهنَّ (١٠).

стр. 169

وتحته قولان: الأول: دعاهم إلى التزوج شريطة أن يسلموا، (١) وهذا قول الزجاج. (٢) الثاني: أنه كان يجوز تزويج المؤمنة من الكافر في شرعهم، وهكذا في أول ... الإسلام. (٣) وثانيهما: ما قاله مجاهد وقتادة وغيرهما (٤)، أنَّ المراد نساء أمته (٥) وأضاف إلى نفسه لأن كل نبي أبو أمته (٦) ويقويه: قراءة أبي بن كعب (٧) وابن مسعود ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وهو أبٌ لهم (٨). قال سعيد بن جبير: في قول لوط ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. يعني: نساءهم هنَّ بناته هو نبيّهم. وقال في بعض القراءة ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وهو أبٌ لهم. (٩) وفي هذا اعتراض على القول الأول ودلَّلوا عليه بأمور منها:

стр. 170

أولاً: إن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجّار مستبعد، لا يليق بأهل المروءة والخير فكيف بأكابر الأنبياء (١). ثانياً: قيل: إنَّ له ﵇ بنتين (٢) فإن صحت هذه الرواية فلا يصح الجمع ذلك لأنه ثبت أنّ أقل الجمع ثلاثة (٣). قال أبو حيان: " ويدلّ عليه أنه فيما قيل: لم يكن له إلا بنتان، وهذا بلفظ الجمع" (٤). وأجاب ابن الجوزي: " فإن قيل كيف جمع وقد كنّ اثنتين، فالجواب: أنه قد يقع الجمع على اثنتين، كقوله: (وكنا لحكمهم شاهدين) [الأنبياء ٧٨] (٥) ويُردُّ عليه أيضاً أنَّه روي أنَّهنَّ ثلاث بنات (٦). ثالثاً: وأيضاً فإنه لا يمكن أن يزوّج بناته من جميع قومه، أما نساء أمته فتكفي للكل (٧). رابعاً: وقيل: إنما كان الكلام مدافعة، ولُم يُردْ إمضاءه (٨). قال الشيخ السعدي في تفسيره: " وهذا كما عَرض سليمان ﵇ على المرأتين أن يشقَّ الولد المختصم فيه لاستخراج الحق، ولعلمه أنَّ بناته ممتنعٌ منالُهُنَّ، ولا حقَّ لهم فيهنَّ والمقصود الأعظم دفع هذه الفاحشة الكبرى". (٩) وقد ضعف القول الثالث ابن عطية وقال: " وهذا التنطع ليس من كلام الأنبياء صلوات الله عليهم ". (١٠) ولعل القول الثاني وهو قول مجاهد، الأرجح في بيان المراد لِمَا سبق بيانه من الأوجه، وهذا ما ذهب إليه جمع من المفسرين: كالطبري وقد قال: " قال لوط لقومه لما جاءوا يراودونه عن ضيفه: هؤلاء يا قوم بناتي يعني نساء أمته فانكحوهنَّ " (١١). والنحاس الذي قال: " فيه أقوال، أحسنها قول مجاهد، قال: يريد نساء أمته، ويقوِّيه (وأزواجه أمهاتهم) ويروى أن أبيَّ بن كعب وعبد الله بن مسعود قرءا (وأزواجه أمهاتهم، وهو أبٌ لهم " (١٢) وقال الرازي: " وهذا عندي هو القول المختار " (١٣) وذكر أبو حيان أن هذا القول هو الأحسن. (١٤)

стр. 171

وقال ابن كثير: " يرشدهم إلى نسائهم فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] وقوله في الآية الأخرى ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أي ألم ننهك عن ضيافة الرجال ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] وقال في هذه الآية الكريمة ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ " (١)

стр. 172

سورة الحجر قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] [٤٩] قال الحسين بن الفضل وغيره: (لأنَّها نزلت مرتين، كلَّ مرة معها سبعون ألف ملك مرة بمكة من أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة (١)، والسبب فيه أن سبع قوافل وافت من بصرى (٢) وأذرعات (٣) ليهود بني قريظة. والنضير (٤) في يوم واحد، وفيها أنواع من البز وأوعية الطيب والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا، لتقوينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى هذه السورة، وقال: ولقد أعطيناكم سبع آيات هي خير لكم من هذه القوافل، ودليل هذا التأويل، قوله في عقبها: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨]. الكشف والبيان للثعلبي (٥) ص ١٠١/ ١٠٢. (٦)

стр. 173

الدراسة جمهور المفسرين على أن الفاتحة هي السبع المثاني، وقد روي ذلك عن الرسول ﷺ فيتعين المصير إليه. (١) روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال، قال: رسول الله ﷺ (أمُّ القرآن هي السَّبع المثاني والقرآن العظيم) (٢). وفي رواية الترمذي (الحمد لله أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب والسبعُ المثاني). (٣) والمثاني جمعُ مثْنَاة، والمَثْنَى كل شيء يُثَنَّى، أي: يجعل اثنين من قولك ثَنَيْتُ الشيء ثَنْياً، أي: عطفته وضممتُ إليه آخر، ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيه مثاني؛ لأنه يُثْنَى بالفخذ والعضد، ومثاني الوادي معاطِفُه، فتقول: سبعاً من المثاني مفهوم سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تُثَنِّى، وهذا مجمل لا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل (٤). قال أبو عبيدة في ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: "مجازها سبع آيات من المثاني، والمثاني هي الآيات فكأنّ مجازها: ولقد آتيناك سبع آيات من آيات القرآن، والمعنى وقع على أم الكتاب وهي سبع آيات .. " (٥) واختلف في الفاتحة، لِمَ سُمِّيت مثاني؟ قال الحسن وقتادة: سميت مثاني؛ لأنهن يُثَنَّيْنَ في كل ركعة من الصلاة. (٦) قال أبو العالية: وإنما سميت مثاني لأنه يُثَنَّى بها كلما قرأ القرآن قرأها. (٧) قال ابن عباس: أم الكتاب لقد أخرجها الله لكم، فما أخرجها لأحد من قبلكم (٨)، فسميت مثاني؛ لأنّ الله استَثْناها وادخرها لهذه الأمة " (٩)، فتكون المثاني من الاستثناء. وقيل: لأنها ما أُثني به على الله تعالى؛ لأن فيها حمد الله وتوحيده (١٠) ذكره الزجاج (١١) فتكون المثاني من الثناء.

стр. 174

قال الزمخشري: " والمثاني، من التثنية وهي التكرير؛ لأنّ الفاتحة مما تكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله، الواحدة مثناة أو مثنية صفة للآية " (١). وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، كما رُوي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: يقول الله : (قسمتٌ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) (٢) فتكون المثاني من جعل الشيء الواحد اثنين وذُكر غير ذلك. (٣) ولا يخفى أن كل ما سبق من الأقوال ينطبق على سورة الفاتحة، وفي قول أبي هريرة – ﵁ عن النبي ﷺ : (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) (٤) وغيره مما روي في هذا المعنى نصٌّ في أن الفاتحة هي السبع المثاني، ولكن لا ينافي هذا وصف غيرها بذلك (٥). والأولى – والله أعلم – بالمراد في الآية هي الفاتحة. قال الشوكاني: " ولا يخفى عليك أن تسميه الفاتحة مثاني، لا تستلزم نفي تسمية غيرها بهذا الاسم. وقد تقرر أنها المرادة بالآية " (٦) وأما قول الحسين إنها نزلت مرتين فهذا محتمل، ولقد بينتُ سابقاً في سورة الفاتحة (٧) أنها سورة مكية. لكن هذا لا يمنع من أن تكون نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة، لا سيَّما وأن ابن كثير ذكر أنَّ أبا هريرة ومجاهداً والزهري وعطاء بن يسار قالوا بمدنيتها (٨)، فكأن هذا القول جمع بين القولين. (ويمكن نزولها مرة ثانية بالمدينة معلماً بفضلها وأهميتها، وأيضاً لا يمنع أن يمن الله بها على رسوله في سورة الحجر المكية وقد نزلت الفاتحة قبلها، مع العلم بأن الله تعالى قد امتنَّ على رسوله ﷺ بأمر قبل وقوعه مثل قوله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١] (٩).

стр. 175

وكذلك في الأثر الذي روي عن الربيع عن أبي العالية، في قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ قال: فاتحة الكتاب سبع آيات، قلت للربيع: إنهم يقولون: السبعَ الطِوَلَ. فقال: لقد أنزلت هذه وما أنزل من الِطَوَلِ شيء. (١) إلماحة إلى نزولها مرتين لأن قول من قال: إن السبع المثاني هي السبع الطوال (٢). يشير إلى أنها قد تكون نزلت مرة ثانية في المدينة ـ والعلم عند الله ـ. مع أن البغوي ــ ﵀ ــ أشار إلى هذا القول بصيغة التضعيف (قيل) (٣)، وقال ابن حجر في (الفتح): " وحكى القرطبي أن بعضهم زعم أنها نزلت مرتين" (٤) والله أعلم بالصواب. وأما قوله (من أوائل ما نزل) فهذا كذلك محتمل، وقد ناقشتُ في سورة الفاتحة. (٥) كونها أول ما نزل، وأن هذا خلاف الصحيح وأن أول ما نزل (اقرأ). لكن قد تكون الفاتحة من أوائل ما نزل بعد (اقرأ) و (المدثر) ـ والله أعلم ـ. وسبق أن أوردت ما روي عن أبي ميسرة في كون الفاتحة هي أول ما نزل، قال عنه البيهقي: " فهذا منقطع ـ يعني هذا الحديث ـ فإن كان محفوظاً فيحتمل أن يكون خبراً عن نزولها بعد ما نزلت عليه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] والله أعلم " (٦). وقوله (كل مرة معها سبعون ألف ملك) (٧). لم أجد من قال بهذه المقولة في نزول سورة الفاتحة سوى الحسين؛ إلا أنها رويت في فضل سورة الأنعام. (٨)

стр. 176

ويبقى ما ساقه في سبب النزول، وقد ذكره الواحدي في أسباب النزول (١)، ونسبه إلى الحسين بن الفضل. وفي هذا السبب نظر؛ لأنّ السورة مكية وبنو قريظة وبنو النضير في المدينة، فكيف يمكن للمسلمين بمكة مشاهدة القوافل القادمة من الشام إلى المدينة، فتأمل. (٢).

стр. 177

سورة الإسراء قال تعالى ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] . [٥٠] قال الحسين بن الفضل: (يعني فلها ربٌّ يغفر الإساءة) . الكشف والبيان للثعلبي (١) ص: ٣٠٤ (٢) الدراسة لقد تقرر في العقول أن الإحسان إلى النفس حسن ومطلوب، وأن الإساءة إليها قبيحة مردودة فلهذا المعنى قال تعالى ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. في اللام في قوله ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٣) أوجه: - الأول: بمعنى إلى (فإليها ترجع الإساءة) (٤) وإليه ذهب الطبري، وقال: " والمعنى: فإليها كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] والمعنى: أوحى إليها (٥) ". وحروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعض (٦). الثاني: أنها على بابها (٧). وإنما أتى بها دون (على) للمقابلة في قوله ... (لأنفسكم) فأتى بها ازدواجاً. (٨). قال أبو البقاء: " وقيل على بابها، وهو الصحيح؛ لأن اللام للاختصاص، والعامل مختص بجزاء عمله حَسَنِه وسيِّئه ". (٩) وقال الزَّمخشري: " أي الإحسان والإساءة: كلاهما مختص بأنفسكم، لا يتعدَّى النفع والضرر إلى غيركم". (١٠)

стр. 178

قال السمين الحلبي: " وهذه اللام يجوز أن تتعلق بفعل مقدر كما تقدم في قول الطبري (١)، وإما بمحذوف على أنها خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فلها الإساءة لا لغيرها ". (٢) الثالث: بمعنى على، أي: (فعليها) (٣) كقوله تعالى ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٨٦] ونحو سلام لك أي سلام عليك. (٥) قال ابن كثير: " أي فعليها؛ كما قال: تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] (٦) وقال الشِّنقيطي ﵀: " بمعنى على، أي فعليها، بدليل قوله ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ .. ﴾ [الإسراء: ١٠٩] الآية أي عليها. وقوله: (﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ [الواقعة: ٩١] الآية أي سلام عليك ... والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة كما قدمنا في نحو ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠]. (﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] الآية (٧). وتقدير جمهور العلماء – مع اختلافهم فيه – مخالف لما ذهب إليه الحسين، وتبعه عليه السمرقندي فقال: " وإن أسأتم أي: أشركتم بالله فلها رب يغفر لها " (٨). وقول الحسين ﵀ يخالف سياق الآية، فلو تُدُبِّر لوُجِدَ أنه لا يدل على تقدير الحسين وذلك؛ لأن السياق سياق تهديد لا ترغيب فنذهب به إلى ما ذهب به الحسين، ومن المعلوم أن حذف جواب الشرط يدل على تعظيم الأمر وشدته في مقامات الوعيد، فحذف الجواب في مثل هذا أولى من ذكره، ليدل على عظمة المقام أنه لهوله وفظاعته لا يُعبَّر عنه (٩)

стр. 179

قال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] [٥١] قال الحسين بن الفضل: (يعني الذي عرَّفَني أنه (لم يتخذ ولداً). الكشف والبيان للثعلبي (١) ص ٤٥١ (٢). الدراسة لما أثبت لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣) فأمر الله نبيه محمد ﷺ بأن يحمده مع وحدانيته، ومعنى الحمد لله هو: الثناء عليه سبحانه بما هو أهله، ورب الأرباب لا ينبغي له أن يتخذ ولداً، قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٣) (٤) قال ابن تيمية: " وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات " (٥). وصفات النفي عن الله كثيرة، لكن الإثبات أكثر، لأن صفات الإثبات كلها صفات كمال ... ولهذا فأن صفات النفي تأتي كثيراً عامة غير مخصصة بصفة معينة، والمخصص بصفة معينة لا يكون إلا لسبب (٦)، كقوله ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ رداً لقول من قال: إن لله ولداً. فله وحده سبحانه الأسماء الحسنة والصفات العلى، وهو إذا أثنى على نفسه بثناء فُهم منه تنزهه سبحانه عن خلافه، ومن هنا يُفهم وجه قول الحسين (عرفني) فالتعريف من لوازم سياق الآية - والله أعلم -

стр. 180

قال الشنقيطي ﵀ " أمر الله جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه ﷺ ، لأن أمر القدرة أمر لا تباعه .. أن يقول (الحمد لله) أي كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله، ثابت له، مبيناً أنه منزَّه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، عن ذلك كله علواً كبيراً " (١). قال تعالى ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] [٥٢] قال الحسين بن الفضل: (ولم يكن له وليٌ من الذل) يعني من لم يذل فيحتاج إلى ولي ولا ناصر لعزته وكبريائه) . الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٩٩. الدراسة يبين تعالى أنه لم يكن له حليف حالفه من الذل الذي به، لأن من كان ذا حاجة إلى نصرة غيره وإعانته، فذليل مهين، ولا يكون من كان ذليلاً مهيناً يحتاج إلى ناصر ومعين (إلهاً يطاع) (٢). وعند مجاهد (ولم يكن له وليٌّ من الذل) قال: لم يحالف أحداً، ولا يبتغي نصر أحد. (٣) وقال الزجاج: " أي لم يحتج إلى أن ينتصر بغيره. " (٤) وقال ابن كثير: " أي ليس بذليل فيحتاج أن يكون له وليٌّ أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له " (٥). فالله سبحانه هو الغالب على أمره، العزيز الحكيم، وهو القاهر فوق عباده الذي لا يذل فيحتاج إلى ولي يُعزُّ به فإنه الغني الحميد. بخلاف المحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره ويعينه. وبهذا فالمعنى الذي ذكره الحسين معنى صحيح في تفسيره الآية، وهو قريب من المعنى الذي نسبه البغوي إلى مجاهد في تفسيره، فقال البغوي: " قال مجاهد: لم يذلَّ ويحتاج إلى وليّ يتعزز به " (٦). وقد سمى الرسول ﷺ هذه الآية في الإسراء بآية العز (٧).
следующие страницы →